مقامه). فمضى بجيشه حتى وصل إلى قرب مدينة (فاس).
والتقى الجيشان على (وادي اللبن) ودارت معركة قاسية وغير حاسمة، وهنا وصلت معلومات إلى حسان تفيد بتحرك القوات الإسبانية من وهران، وخشي أن يوثر هذا التحرك على خطوط مواصلاته، وأن يعزله عن قاعدته في الجزائر، فقرر فك الاشتباك، وعاد بجيشه إلى مرفأ (قصاصة) في الشمال. وأركب قواته ومدفعيته وعتاده السفن. وفي الوقت ذاته عاد القائد (صفطه) القائم باسمه على مدينة تلمسان، ومعه حاميته إلى قاعدته. وما أن وصل حسان بجيشه إلى الجزائر، حتى حشد أكبر قوة متوافرة له بهدف مهاجمة الإسبانيين في وهران وأرسل إلى جموع المجاهدين في النواحي يطلب إليهم الانضمام إلى قوته عند مجرى (نهر الشلف).
كان حاكم وهران (د. الكوديت) يتحرك في الوقت ذاته على رأس القوى التي أمكن له حشدها نحو الشرق قاصدا مدينة (مستغانم). وقد ضم جيشه (١٢) ألف مقاتل إسباني بالإضافة إلى جماعات كبيرة من الأعراب المرتزقة (القائد المنصور بن بوغانم) ومن معه من بني عامر وبني راشد وسواهم بالإصافة إلى مدفعية ضخمة وكميات وافرة من الذخائر وعدة سفن محاذية للجيش تحمل المؤن ووسائط القتال الثقيلة.
كان (حسان خير الدين) يتابع تحرك القوات الإسبانية بيقظة وحذر، وكان الأسطول الجزائري مستعدا لمجابهة كافة الاحتمالات الخطرة. فما كادت السفن الإسبانية تغادر مياه (أرزيو) وهي مثقلة بحمولتها حتى انقضت عليها السفن الجزائرية، واستولت عليها جميعا، وانتقل كل ما كانت تحمله إلى قبضة المسلمين، فتقووا به على
стр. 282
أعدادهم. وكان الكونت (د. الكوديت) وجنوده يتابعون المعركة البحرية، دون أن يكون باستطاعتهم التدخل فيها أو دعم قواتهم، فلما شهدوا انتقالها إلى قبضة المسلمين أصيبوا بخيبة أمل مريرة، وفت ذلك من روحهم المعنوية.
كان مخطط تحرك قوات المسلمين يقضي بتوجه جيش المجاهدين من الجزائر إلى مستغانم. وفي الوقت ذاته تخرج حامية تلمسان ومن ينضم إليها من جموع المجاهدين بقيادة (الحاج علي - أو قلش علي) لتسير في الاتجاه المعاكس - على الطرق الداخلية - وهي متجهة من الغرب إلى الشرق بهدف منع القوات الإسبانية من أي محاولة للتسلل نحو الداخل، أو القيام بمهاجة القرى (الدواوير) للاستيلاء على ما فيها من المواد التموينية.
ودخلت القوات الإسبانية مدينة (مازغران) بدون مقاومة، وحطمت بوابتها الضخمة - الأثرية - لتنحت من حجارتها مقذوفات لمدفعيتها. ثم أسرعت في تحركها للوصول إلى (مستغانم) والتحصن فيها قبل وصول جيش الجزائر. ووصلت فعلا وهي بكامل قوتها إلى أبواب المدينة يوم ٢٢ آب - أغطس - ١٥٥٨م. فاشبكت على الفور في معركة ضارية مع قوات المجاهدين من عرب الضاحية الذين وصلوا دعما للمدينة قبل وصول الجيش الجزائري، وتمكنوا من دخول منطقة الدفاع على الرغم من الحصار الإسباني.
أعلن الكونت (د. الكوديت) النفير العام عند مطلع فجر يوم ٢٣ آب - أغطس -. وتقدم بكل قواته والقوات الموالية له من الأسوار التي لم تصمد لثقل هذه الهجمة، فتحطمت الأبواب، غير أن المقاومة في الداخل لم تتأثر فمضت تلتحم مع الإسبانيين وحلفائهم، وتحولت
стр. 283
المدينة كلها ميدانا للحرب، وأصبح كل حي وكل طريق وكل منزل معقلا يدافع عنه رجال الحامية وأهل المدينة والمتطوعون. ولم تتمكن القوات الإسبانية من فرض سيطرتها، على الرغم من تفوقها الساحق، على أية منطقة أو موقع وتكبدت القوات المشتبكة خسائر فادحة في الأرواح. ووصل القتال إلى مرحلة حرجة بالنسبة للمجاهدين عندما ترددت أصداء وصول جيش الجزائر بقيادة (حسان خير الدين) إلى شرقي المدينة وجنوبها (وكان جيش حسان يضم (٥) آلاف من المشاة رماة البنادق وألف فارس) وقد انضم إليه من المجاهدين الجزائريين أثناء التحرك (١٥) ألف مجاهد تقريبا وهم يحملون أسلحة مختلفة. واقتحم جيش الجزائر بمجرد وصوله المعركة، ودخل المدينة فورا، وكان الصدام عنيفا وقاسيا، غير أن كفة النصر رجحت لمصلحة المسلمين، فما غربت شمس ذلك اليوم حتى تم إبعاد الإسبانيين وقذفهم إلى ما وراء أسوار المدينة تاركين بين جدرانها عددا ضخما من القتلى والجرحى. وقضى الجانبان المتصارعان تلك الليلة وهما يضمدان جراحاتها ويعيدان تنظيم قواتهما. حتى إذا ما أشرقت شمس يوم ٢٤ آب أغسطس - وجدت القوات الإسبانية والقوات المتحالفة معها من المسلمين أنها تقف أمام مأزق صعب جدا. حيث أحاطت قوات المسلمين بميدان المعركة من كل جهاته، فقد وقف جيش الجزائر ومعه مقاتلي مستغانم والمجاهدين من العرب المسلمين في مواجهة القوات الإسبانية. في حين وقف إلى يمين القوات الإسبانية جيش تلمسان بقيادة (الحاج علي). أما على يسار القوات الإسبانية فقد انتشر رجال البحر الذين غادروا سفنهم ونظموا قواتهم للاشتراك في حسم الصراع. في حين كانت مدفعية الأسطول الجزائري ترمي القوات الإسبانية بقذائفها المحكمة. وشدد المجاهدون قبضتهم على الإسبانيين وكانت أصوات التهليل والتكبير (صيحة الحرب) تثير فزع
стр. 284
الإسبانيين بمثل ما تثيره سيوف المجاهدين في سبيل الله. وهزت الحماسة نفوس المسلمين الذين كانوا يقاتلون إلى جانب الإسبانيين فتخلوا عن مواقعهم وانضموا إلى إخوانهم في الدين، في حين بقيت هناك فئة رفضت التخلي عن الإسبانيين، غير أنها رفضت في الوقت ذاته إشهار سيوفها في وجه إخوان الدين، فمضت إلى خيامها واعتزلت القتال ولم تبق أكثر من فئة قليلة صممت على مساندة الإسبانيين حتى النهاية. غير أن هذه الفئة لم تعد قادرة على دعم الإسبانيين الذين لم يبق لهم من أمل إلا التخلص من المعركة، وتأمين طريق للانسحاب، ولكن قوات المسلمين أمسكت بكل محاور التحرك، وأحدقت بميدان المعركة، وشددت قبضتها على العدو، وبات من المحال تأمين الانسحاب المنظم وحاول الجنود الإسبانيون عندئذ الفرار بصورة افرادية، غير أن قوات المجاهدين لم تترك لهم الفرصة، فمضت في مطاردتهم حتى بلدة (مازغران) وقتل القائد الإسباني (د. الكوديت) تحت أقدام جنوده وهم يتدافعون للوصول إلى أبواب مازغران. أما ابنه فكان في عداد الأسرى. واحتل المسلمون (مازغران) وأمروا كل من التجأ إليها. فكان عدد القتلى والأسرى من الإسبانيين يزيد على (١٢) ألف. وانتهت المعركة مع غروب شمس يوم الجمعة (١٢ ذي القاعدة ٩٦٥ هـ الموافق ٢٦ آب - أغسطس - ١٥٥٨).
ج - معركة المرسى الكبير (١٥٦٣م)
لم يبق للإسبانيين فوق أرض الجزائر غير قاعدتين أساسيتين هما (وهران والمرسى الكبير) ولهذا فقد عملت الإدارة الإسبانية على دعم القاعدتين بقوة ونظمتها دفاعيا. وضمنت لهما القدرة على الصمود
стр. 285
والمقاومة. وفي الوقت ذاته مضت الإدارة الجزائرية (بقيادة حسان خير الدين) لإكمال استعدادها من أجل تحرير القاعدتين المذكورتين واغتنام كل فرصة للتضييق على الحاميتين الإسبانيتين المدافعتين عنهما، حتى إذا ما كان يوم الخامس من شباط (فبراير) سنة ١٥٦٣ خرج من مدينة الجزائر جيش كبير يضم (١٥) ألفا من رماة البنادق وألف فارس من الصباحية يقودهم أحمد أمقران الزواوي و (١٢) ألفا من المشاة من قبائل (زواوة وبني عباس) وقام الأسطول الجزائري بنقل الأعتدة الثقيلة والمواد التموينية من الجزائر إلى (مستغانم) التي أعدت لتكون قاعدة للعمليات.
وصل (حسان خير الدين) على رأس جيش الجزائر إلى أمام مدينة (وهران) ومرساها الكبير يوم ٣ نيسان (أبريل) وأقام معسكره قريبا منها، واتخذ مقر قيادته في (راس العين) واختار مرابض مدفعيته لتكون في مواجهة (حصن القديسين). وكان الإسبانيون في (وهران) قد أنهوا استعداداتهم الدفاعية ودعموا تحصيناتهم وقلاعهم. وتولى قيادة الحامية (دون الونزو دي قرطبة). ولم تكن الاستعدادات الإسبانية في (المرسى الكبير) أقل مما كانت عليه في وهران وقد تولى قيادة الحامية المدافعة عن (المرسى الكبير) شقيق قائد وهران (المركيز دون مارتان) وهو ابن الكونت (د. الكوديت). وقد عمل القائدان بمجرد علمها بتحرك المسلمين على طلب الدعم من إسبانيا التي أمدتهما على الفور بأربعة آلاف مقاتل تحت قيادة (دون خوان دي ماندوزا) لكن عاصفة بحرية قوية أعاقت تحرك هذا الدعم، وأغرقت ثلاثة أرباع الأسطول فلم يصل إلى وهران أكثر من ألف مقاتل (وكان قائد الأسطول الإسباني ذاته بين الغرقى). وأثناء ذلك، كان (حسان خير الدين) قد انتهى من تنظيم قواته للمعركة. وبدأت المدفعية الجزائرية
стр. 286
بقصف القلاع والتحصينات دونما هوادة. ثم قامت قوات المسلمين بهجومها على (حصن القديسين) وتمكنت من احتلاله يوم (١٥) شباط - فبراير - بعد معركة حاسمة تم فيها تدمير جدران التحصينات. وأفادت قوات المسلمين من الموقع الجديد، فجعلته مربضا لمدفعيتها، وأخذت في توجيه القصف من هذا الموقع، ومن المواقع الأخرى، نحو تحصينات (المرسى الكبير) وقلاعه. وطلب (حسان خير الدين) إلى قائد حصن (القديس ميشال) الاستسلام فرفض ذلك. وعندها تولى (حسان) بنفسه قيادة مجموعة قتالية، وقام بالهجوم على الحصن، وتمكن من وضع السلالم مرتين على جدران الحصن، غير أنه أخفق في احتلاله. ودامت المعركة يوما كاملا، كان فيها الهجوم الجزائري عنيفا بمقدار ما كان الدفاع عنيدا، فلم يتم حسم الصراع، وتكبد الطرفان خسائر فادحة، غير أن خسائر المسلمين كانت أكبر بحيث فقد (حسان) خيرة ضباطه ونحوا من خمسمائة من مجاهديه. وفي هذه المعركة، افتقد (حسان) أسلحته الثقيلة، إذ أن العاصفة البحرية التي دمرت الأسطول الإسباني قد أعاقت في الوقت ذاته وصول الإمدادات والأسلحة الثقيلة إلى جيش الجزائر. وحاول (حسان) من جديد الإفادة من علاقته بابن الكونت د. الكوديت (دون مارتان) (١) وذلك لإقناعه بتسليم المدينة، غير أن قائد حامية المدينة اعتذر عن ذلك.
стр. 287
ووصل الأسطول الجزائري يوم ٤ أيار (مايو) وهو يحمل المدفعية والمواد التموينية، ونصب الجزائريون مدافعهم في مرابض مناسبة، وشرعوا بقصف تحصينات (المرسى الكبير) وقلاعه من البر والبحر. وقام المسلمون بالهجوم على القلاع خمس مرات متتالية يومي ٥ و٦ أيار (مايو) غير أن الحامية الإسبانية التي تلقت دعما من حامية وهران استطاعت الصمود لهذه الهجمات وتمكنت من إحباطها. وفي يوم ٨ أيار (مايو) قاد حسان خير الدين الهجوم بنفسه ضد قلاع المرسى الكبير، وتمكن من رفع العلم الجزائري فوق ثغرة في مراكز الدفاع. واندفع منها إلى الداخل، لكنه أصيب بجرح في رأسه، ولم يتمكن الجيش من اجتياز الثغرة، فاضطر حسان ورجاله إلى الانسحاب. ووجه المسلمون بعد ذلك هجومهم إلى (حصن سان ميشال) الذي دافعت عنه الحامية الإسبانية بعناد وضراوة. غير أن نيران القوات الجزائرية أرغمتها على الانسحاب من تحصيناتها والانضمام إلى الحامية المدافعة عن القلعة. ووجه المجاهدون نيران مدفعيتهم نحو جدران القلعة الرئيسية، واستمر قصفها طوال (٢٤) ساعة، وأمكن تدمير الكثير منها، غير أن رجال الحامية الإسبانية كانوا يرممون بالليل ما تحدثه مدافع المسلمين من تدمير في النهار.
وفي يوم ٩ أيار (مايو) كانت المدفعية الجزائرية قد دمرت حصون الناحية الغربية تدميرا تاما تقريبا، فأرسل (حسان) من جديد طلبا إلى (المركيز مارتان) بتسليم المدينة، فأجابه: (بما أن الحصون قد تحطمت فما الذي يمنعك عن اقتحام المدينة؟). وعندها أمر حسان بالهجوم العام، واستبسل الإسبان في الدفاع عن بقايا الحصون والجدران والخرائب، وتمكن الجزائريون خلال ذلك من احتلال حصن جنوة، ورفع أعلامهم فوق السور، لكنهم لم يستطيعوا الثبات
стр. 288
أمام الهجوم الإسباني المضاد فتراجعوا إلى مواقعهم الأولى، بعد أن تركوا فوق أرض المعركة عددا كبيرا من الشهداء , وتمكنت في هذا اليوم سفينة إسبانية صغيرة من اختراق صفوف الأسطول الجزائري، ونقلت إلى قائد حامية وهران معلومات عن اقتراب الدعم الإسباني الذي كانت تحمله (٥٥) سفينة يتولى قيادتها (الأميرال دوريا) وأدى ذلك إلى زيادة تصميم الحامية الإسبانية على الدفاع حتى النهاية. وأرسل قائد وهران مراسلا اخترق ما بين البلدتين سباحة - يعلم أخاه (قائد المرسى الكبير) باقتراب وصول الدعم، ويطلب إليه المضي في المقاومة حتى وصول هذا الدعم. وعلى هذا استمرت المعركة بكل قسوتها وضراوتها طوال الفترة ما بين يوم ١١ أيار - مايو - وحتى يوم ٥ حزيران - يونيو -. حيث علم (حسان خير الدين) باقتراب وصول الدعم الإسباني، فقرر القيام بمعركة حاسمة، وحشد قواته، واستثار حماستها؛ وقذف بنفسه أمام صفوف الأعداء واندفع المجاهدون، غير أنهم اصطدموا من جديد بجدار المقاومة الضارية للإسبانيين وفشل الهجوم في الوصول إلى أهدافه، وطلعت شمس يوم ٧ حزيران (يونيو) لتلقي أضواءها على الأسطول الإسباني الذي يحمل الدعم وهو يقترب من وهران. وأدرك (حسان خير الدين) أن قواته التي استنزفت المعارك المستمرة قدرتها لم تعد قادرة على تطوير الأعمال القتالية، فقرر الانسحاب من المعركة. غير أن الأسطول الجزائري لم يتمكن من تجنب الاشتباك مع الأسطول الإسباني، فخاض معركة ضارية خسر فيها (٩) قطع (سفن). وانسحب بعدها إلى موانئه في الجزائر.
انتهت معركة (المرسى الكبير) بدون حسم، غير أنها أكدت تصميم الجزائر على تحرير ترابها وتطهير أرضها من الغزاة. وما أن
стр. 289
عادت القوات إلى الجزائر حتى وجدت نفسها أمام موقف جديد يفرض عليها العودة إلى الجهاد في البحر.
كان السلطان سليمان القانوني قد اتخذ قراره بالهجوم على جزيرة (مالطه) واحتلالها، لأنها تحولت لتكون أكبر معقل صليبي في شرق البحر الأبيض المتوسط وذلك منذ اتخذ (فرسان القديس يوحنا) منها قاعدة لهم منذ سنة (١٥٣٠م). ولهذا أرسل أسطوله بقيادة (بيالي باشا) قائد البحرية العثمانية العام (قبودان باشا) كما طلب إلى (الرايس طورغود) حاكم طرابلس وجربه الانضمام بأسطوله لتنفيذ العملية، وكذلك الأمر بالنسبة لوالي الجزائر (حسان خير الدين) الذي أسرع فقاد قوة بحرية تضم (٢٥) سفينة و (٣) آلاف من أفضل المقاتلين. ووصل الأسطول الإسلامي بكامله إلى الجزيرة يوم ١٨ أيار (مايو) سنة ١٥٦٥م، وحاصرها، ثم نزلت قوات المجاهدين، فاحتلت معقل (القديس ايلم) بعد أن أصيب بخسائر فادحة وبعد معركة ضارية استشهد فيها عدد من المسلمين كان في مقدمتهم (الرايس طورغود) الذي وصفته المصادر الإفرنجية - الغربية - (بأنه كان قائدا فذا لا مثيل له، لأنه كان يتحلى بفضائل إنسانية غير معهودة في القراصنة) - وكان ذلك يوم ٢٣ أيار - مايو - وتوالت المعارك البطولية بين الجانبين كان من أبرزها هجوم المسلمين بقيادة حسان خير الدين يوم ١٥ تموز - يوليو - على حصن (القديس ميخائيل) وهو الهجوم الذي نجحت حامية الحصن في إحباطه بعد أن تكبد الطرفان خسائر فادحة. وتبع ذلك تطور على جبهة الصليبيين حيث جهزت صقليا جيشا تولى قيادته نائب الملك، ودعم بأسطول يضم (٢٨) سفينة حربية تحمل (١٢) ألف مقاتل. وأدى وصول هذا الدعم إلى تصعيد الصراع المسلح من جديد واستمرت الأعمال القتالية بدون هوادة،
стр. 290
رئيس بحري جزائري
стр. 291
وفقد الجيش الإسلامي أكثر من نصف قوته واضطرت بقية قوات الحملة للانسحاب يوم ٨ أيلول - سبتمبر - ١٥٦٥م.
بقيت الجزائر المجاهدة مصدر قلق دائم لحكام إسبانيا، الذين لم يجدوا وسيلة إلا اتبعوها ولا طريقة إلا مارسوها لقهر تطلعات الشعب المسلم، غير أن التحديات لم تزد المقاومة إلا ضراوة وعنادا. وقد يكون من المناسب الإشارة إلى تلك العملية التي أخذت شكل (إغارة مباغتة) على الجزائر بهدف النيل منها، وتعود قصة هذه الإغارة إلى شهر تشرين الأول أكتوبر - سنة (١٥٦٧م) عندما تقدم أحد قراصنة البحر الإسبانيين الشهيرين (واسمه خوان قاسكون من بلسية) وقابل الملك الإسباني. وعرض عليه مشروع (إغارة) مباغتة بواسطة سفينتين فقط يتم بهما احتلال الجزائر. واعتمد مخطط الإغارة على الإفادة من ظلمة الليل للتسلل إلى داخل مرسى مدينة الجزائر، ثم القيام بإشعال النيران في الأسطول الجزائري، والإفادة من حالة الهياج التي تعقب ذلك لاقتحام المدينة وإطلاق سراح الأسرى المسيحيين فيها وتسليحهم والإفادة من قوتهم للاستيلاء على مدينة الجزائر وتدمير المقاومات فيها والسيطرة عليها حتى يتم وصول الأسطول الإسباني الذي يحمل الجيش والإمداد. ورأى الملك الإسباني أن هذه المغامرة لن تكلفه كثيرا، فإذا ما هي نجحت، أمكن لها أن تحقق ما عجز شارلكان عن تحقيقه، وإن هي فشلت، فإنما هي خسارة قلية لا تقارن بما يتوافر لها من فرص النجاح، وبالإضافة إلى ذلك فإنها قد تسبب إزعاجا وخسارة للجزائر تزيد في قيمتها على الثمن أو الجهد المبذول. وهكذا خرج (خوان) من إسبانيا يوم الأول من تشرين الأول - أكتوبر - ووصل إلى (مرسى الجزائر) ليلا بعد أربعة أيام، وكانت ظلمة الليل حالكة، فاستطاعت السفينتان التسلل إلى
стр. 292
منظر من الحياة العامة بالعاصمة الجزائرية
стр. 293
المرسى بدون أن يشعر بوصولها أحد. وكان الأسطول الجزائري مجمعا في مرسى الجزائر الضيق، وقد تقاربت سفنه بعضها من بعض، بحيث كان إشعال النار في سفينتين أو ثلاث منه كافيا لإحراق الأسطول بمجموعه. وأعطى (خوان) أوامره إلى ستة من رجاله بإحراق السفن، بينما مضى هو وبقية الرجال إلى (باب البحر) فباغت رجل الحرس الجزائري وقتله، ثم توجهت قوة الإغارة إلى مكان الأسرى النصارى، يحملون معهم الأسلحة من أجل تنفيذ العملية. لكن عناصر الإغارة لم تر ألسنة اللهب المتصاعدة من سفن الأسطول الجزائري - كما كان متوقعا. فتوقفت عن مهاجمة دار الأسرى، وعلمت أن زمرة إحراق السفن لم تتمكن من تنفيذ واجبها.
فاكتفت بتحرير نحوا من عشرين أسيرا نصرانيا، وانسحبت إلى السفينتين، رغم معارضة قائد العملية خوان - وغادرت السفينتان المرسى وهما تستخدمان المجاذيف. وتبين عندئذ أن رجال الحرس في المرسى قد تنبهوا منذ اللحظة الأولى لحركة قوة الإغارة، فقتلوا أفراد الزمرة الستة المكلفين بإحراق السفن، ثم ركب الجزائريون بعض السفن، وتتبعوا رجال العصابة حتى لحقوا بهم غير بعيد عن الساحل، وأرمغموهم على العودة إلى الجزائر ومعهم الأسرى الذين عملوا على تحريرهم. وأعيد البحارة إلى سجن الأسرى أما (خوان قاسكون) فقد اقتيد إلى المحاكمة، التي قررت تسليمه للشعب الهائج فتم إعدامه وعلقت جثته أيامأ فوق سور المدينة، على الرغم من احتجاج رجال البحر ودفاعهم عنه باعتباره (محاربا) يجوز أسره ولا يجوز إعدامه.
...
حدثت خلال هذه الفترة تطورات من المناسب الإشارة إليها، فغد توفي السلطان سليمان القانوني يوم ٥ أيلول - سبتمبر - ١٥٦٦ (٢٠
стр. 294
صفر - ٩٧٤هـ) وخلفه ابنه السلطان سليم الثاني، الذي أسند إلى حسان باشا خير الدين منصب القائد العام للأسطول الإسباني (قبودان باشا). فتوجه هذا إلى إستامبول خلال شهر كانون الثاني (يناير) ١٥٦٧م (٩٧٤هـ) وعين السلطان مكانه في منصب (باي لرباي) الجزائر الأمير محمد بن صالح رايس. وبقي حسان خير الدين في منصبه حتى توفي سنة ١٥٧٠ عن ٥٣ عاما. ودفن إلى جانب والده في مسجد (باكداش) في حي (بويوك) دارة بإسانبول، وفي الجزائر، توفي محمد بن صالح رايس سنة ١٥٦٨، فتم تعيين قلج علي حاكما عاما (باي لرباي). وقد بذل (قلج علي) جهده - منذ اضطلاعه بالمسؤولية، على متابعة الجهاد ضد الإسبانيين، فكان أول عمل له تركيز الجهد لدعم ثوار المسلمين في الأندلس، ثم إنقاذهم وإعادتهم إلى الجزائر، مع متابعة الجهاد في البحر على نحو ما سبقت الإشارة إليه.
د - تحرير تونس - ١٥٧٣م
لم تكن الجزائر المجاهدة وهي تمضي في بناء قدرتها الذاتية، وتخوض معاركها جهادا في سبيل الله، إنما تريد العزة لنفسها، وإنما تريده للمسلمين كل المسلمين.
ولم تكن الإمبراطورية العثمانية وهي تخوض حروبها المتواصلة تبغي العزة لنفسها وقد أصبحت تمتلك من العزة بالله ما ساعدها على نشر ألويتها وبنودها فوق الشرق والغرب. ولم تكن بقية الأقطار الإسلامية وهي تقذف بنفسها في ميادين الجهاد، تبتغي العزة لنفسها أو القدرة لذاتها وإنما كانت لتدعيم الإسلام والمسلمين في كل بقعة ترتفع فوقها رايات الإسلام والمسلمين.
وعلى صعيد الجهاد في سبيل الله، التقت القوات العثمانية
стр. 295
بالقوات الجزائرية، وبقوات المغرب العربي الإسلامي لخوض حرواب الإيمان.
وكان المغرب العربي الإسلامي هو الميدان الأول للجهاد. وكانت (تونس) هي الهدف المرحلي في تلك الحروب والحملات المتواصلة، التي لا تكاد تتوقف على مسرح من مسارح العمليات حتى تتفجر على مسرح آخر.
وفي تلك الفترة، كان البابا بيوس الخامس (١٥٦٦ - ١٥٧٢م) قد انطلق على سيرة أسلافه في تأجيج نار الحراب الصليبية، فعمل على جمع شمل البلاد الأوروبية المختلفة، وحشد قواتها في البر والبحر تحت راية البابوية للوقوف في وجه الإسلام. وتم عقد حلف كاثوليكي مقدس في كاتدرائية سان بيير (القديس بطرس) يوم ٢٥ أيار - مايو - ١٥٧٠م ليضم هذا الحلف الدويلات الإيطالية والألمانية، وقوات البابا وأسطوله. وأخذت هذه القوى مجتمعة في الإعداد للهجوم والإستعداد له. وكان من نتيجة ذلك وقوع معركة ليبانت البحرية والتي سبق التعرض لها.
أراد الأمير (جون - اويوحنا) النمساوي. استثمار النصر الذي أحرزته القوات الصليبية المتحالفه في (ليبانت - أو - ليبانتي) لغزو المغرب العربي الإسلامي، والبدء في ذلك بمدية تونس (١). لانتزاعها من
стр. 296
قبضة العثمانيين، للانتقال منها بعد ذلك إلى الجزائر. وغادر الأسطول الصليبي جزيرة صقليا في شهر تشرين الأول - أكتوبر - من سنة (١٥٧٣م) وقد ضم الأسطول (١٣٨) سفينة تحمل (٢٥) ألفا من المقاتلين. ونزل بقلعة (حلق الوادي)، وجاء الأمير النمساوي بالملك الحفصي (أبي العباس أحمد) الذي التجأ إلى الإسبان من أجل مساعدته على إسترداد ملكه، بشرط أن يكون الحكم مناصفة بين الإسبان وبين (أحمد الحفصي). غير أن هذا رفض مشاركة الصليبيين في حكم بلاده، وتنازل عن حقه في الملك لأخيه (محمد بن الحسن) ودخل الإسبان مدينة تونس التي لم يكن بها يومئذ حامية كافية للدفاع عنها، وخرج أهلها للنجاة بأنفسهم وبدينهم، ويصف مؤرخ عربي الموقف في ترنس بما يلي: (ولاذ - أهل تنس - بالبوادي ونالهم من الجوع
والعطش وكشف الستر وتشتيت الشمل ما هو مبسوط في كتب التاريخ، مما تقشعر منه الجلود ... ودخل محمد بن الحسن إلى القصبة. وشاطره قائد الجيش الصبنيول في الحكم. وعاش عسكره في البلاد، وربطوا خيولهم بجامع الزيتونة، واستباحوا ما به، وما بالمدارس العلمية من الكتب، وألقوا بها في الطرقات يدوسها العسكر بخيولهم، وهذا هو السبب في قلة تآليف الفحول من هذا القطر، فإنها ضاعت شذر مذر في هذه الواقعة).
стр. 297
وبينما كانت (تونس) تعيش أقسى ظروف محنتها، ظهرت طلائع الأسطول العثماني بقيادة حاكم الجزائر (باي لرباي) والذي كان يمارس في الوقت ذاته قيادة الأسطول (قبودان باشا). وقام (قلج علي) بإنزال قوات المجاهدين على مقربة من أطلال (قرطاجنة) تحت قيادة (سنان باشا) وأصدر أوامره في الوقت ذاته إلى جيش الجزائر بالتحرك فورا تحت قيادة (عرب أحمد). كما أرسل إلى جيش طرابلس يستدعيه بقيادة (مصطفى باشا) وجيش القيروان بقيادة (حيدر باشا) وكان أول عمل قامت به قوات المسلمين بقيادة (قلج على باشا) هو تضييق الحصار على (حلق الوادي) وتركيز الأعمال القتالية حتى أمكن اقتحام مواقعه وإبادة الحامية الإسبانية والاستيلاء على كل ما كانت تحتويه من الأسلحة والذخائر والمواد التموينية (وذلك لست خلون من جمادي الأولى سنة إحدى وثمانين وتسعمائة - ١٥٧٣ م). ونقل المسلمون بعد ذلك ثقل عملياتهم القتالية لحصار تونس، ففر من بها من الإسبانيين ومعهم محمد بن الحسن الحفصي إلى (البستيون) (وهي قلعة بناها الإسبانيون إلى جانب تونس) واستولى المجاهدون على الحاضرة وقصبتها، ثم نقلوا ثقل الهجوم إلى حصن (البستيون) وأحكموا الحصار على حاميته. وتولى الوزير سنان باشا قيادة الحصار بنفسه، وشارك المجاهدين في أعمال ردم الخنادق وبناء أبراج الحصار (فكان ينقل التراب والحجارة، مثله كمثل كل المجاهدين، وعندما قال له أحد أمراء الجند: (أيها الوزير! نحن إلى رأيك أحوج منا إلى جسمك) أجابه الوزير: (لا تحرمني من الثواب.). وأمر ببناء (ترس) يشرف منه على قتال الإسبانيين في (البستيون). ولم يزل ملحا على حصار هذا الحصن حتى تم اقتحامه عنوة يوم الخميس (لخمس بقين من جمادي الأولى سنة إحدى وثمانين وتسعمائة - ١٥٧٣ م) ومضت جموع المجاهدين لخوض المعركة الحاسمة، فأبادت الحامية الإسبانية
стр. 298
والقوات التي انضمت إليها من الصليبيين، ومات من الفريقين المتصارعين ما يزيد على العشرين ألفا. وسقط محمد بن الحسن الحفصي أسيرا. فأرسله سنان باشا إلى إستانبول حيث قضى نحبه. وانقرضت بهذه الموقعة دولة (بني حفص) بعد أن حكمت البلاد التونسية والكثير من بلاد الجزائر الشرقية لمدة تزيد على الثلاثمائة والسبعين سنة، كانت في أولها وفي وسطها منار علم وحضارة أضاءت لها سماء المغرب العربي الإسلامي , وأسدل بذلك الستار نهائيا على المطامع الإسبانية في مشرق المغرب العربي - الإسلامى، ولم يبق لها بالمغرب الأوسط إلا مدينة وهران ومرساها الكبير. أما في المغرب الأقصى، فكانت الأحداث تتمخض عن صراع مرير انتهى (بمعركة الملوك الثلاثة، أو معركة القصر الكبير) والتي أدت بدورها إلى انهيار المطامع البرتغالية إلى الأبد.
يذكر هنا أن الانتصارات التي أحرزها المجاهدون في المغرب العربي الإسلامي، قد حملت الحكم الإسباني على البحث عن وسيلة تضمن لها الاحتفاظ بمواقعها في (وهران والمرسى الكبير) وذلك عن طريق صلح تعقده مع السلطان (مراد الثالث). غير أن حاكم الجزائر والقائد العام للأسطول الإسلامي (قبودان باشا قلج علي) تصدى لهذه المحاولة، وتمكن من إقناع السلطان العثماني بنظريته القائلة: (بأنه ما من صلح مع إسبانيا حتى يتم إجلاء الإسبانيين عن المواقع التي تحتلها في المغرب العربي - الإسلامي) وفشلت محاولة إسبانيا. وأكدت الجزائر المجاهدة أنها مصممة على متابعة الجهاد حتى يتم لها النصر الكامل على الأعداء.
هـ - انتصار المجاهدين في أصيلا (المغرب) (١٥٧٥ م)
كان الملك السعدي (الشريف الغالب بالله) قد سلم (حجر
стр. 299
باديس - أو قلعة فاليس) للإسبانيين، وذلك (وفقا لما ذكره المؤرخون العرب): (لأن السلطان الغالب بالله لما رأى عمارة - أسطول - الأتراك والجزائريين لا ينقطع ترددها عن حجر باديس ومرسى طنجة - يعني البوغاز - وتخوف منهم، اتفق مع الطاغية الإسباني، على أن يعطيه حجر باديس، ويخليها لهم من المسلمين). فتنقطع بذلك مادة الترك عن المغرب، ولا يجدوا سبيلا إليه، فنزل النصارى على حجر باديس، وأخرجوا المسلمين منها، ونبشوا قبور الأموات وحرقوها، وأهانوا المسلمين كل إهانة ولما بلغ خبر نزولهم عليها لولده محمد. وكان خليفته على فاس، خرج بجيوشه لإغاثة المسلمين، فلما كان بوادي اللبن، بلغه استيلاؤهم عليها، فرجع وتركها لهم).
وتوفي الملك السعدي الغاب بمدينة مراكش سنة (٩٨٢ هـ = ١٥٧٤ م) وخلفه ابنه محمد المتوكل، غير أن الشيخ (عبد الملك ابن الشيخ السعدي - أخا الغالب) لم يعترف بالملك لابن أخيه (محمد) وطالب بالعرش لنفسه، وغادر البلاد إلى استانبول يستنجد السلطان العثماني (مراد الثالث) ويعترف له بالخلافة، ويلتزم بالدعاء له فوق المنابر، إذا ما هو استقر على عرش السعديين. ولم يكتف الشريف عبد الملك بهذا الوعد، بل انضم إلى الجيش العثماني الذي ذهب مجاهدا لإنقاذ تونس على رأس جماعة من أنصاره. وعلى إثر ذلك طلب السلطان (مراد الثالث) إلى والي الجزائر (القائد رمضان الذي خلف قلج علي) تجهيز جيش الدولة الجزائرية، واقتحام حدود الدولة المغربية، ودعم الشريف عبد الملك الذي كان قد دخل البلاد - بصورة سرية - وأخذ في استثارة أنصاره، واستنفار القبائل من أجل دعم دعوته.
ما أن انتهى القائد رمضان من تجهيز جيش الجزائر حتى توجه
стр. 300
إلى مدينة (فاس) في سنة ٩٨٣ هـ = ١٥٧٥ م. وضم جيشه البالغ عدده خمسة آلاف رجل إلى قوى (الشريف عبد الملك) ثم صادموا معا جيش السلطان محمد السعدي في مكان يقال له (الركن - ببلاد بني وارتين) فاندحر أمامهم ولحقت به هزيمة منكرة، لأن جماعة الأندلسيين الذين كانوا معه، قد انقلبوا عليه عندما رأوا جماعة الأندلسيين والأتراك يقاتلون مع خصمه، فانضموا إليهم. ودخل الشريف عبد الملك مدينة (فاس) وبويع بها سلطانا على المغرب. ثم إنه دفع للقائد (رمضان) مصاريف الحملة التي كان قد اقترضها من حكومة الجزائر (وهي ٥٠ ألف أوقية من الذهب) وأفاض على جيش الجزائر وقادته بالتحف والهدايا الثمينة ومدافع كثيرة. ثم أعادهم إلى الجزائر وخرج لوداعهم بنفسه.
مضى السلطان المعزول (محمد المتوكل) إلى مراكش، واستقر بها، وما لبث بها إلا قليلا حتى تتبعه خصمه، وهزمه من جديد، واستولى على مراكش، فأمكن له توحيد المغرب الأقصى تحت حكمه. ونفذ ما وعد به السلطان العثماني. وأكد اعترافه بخلافته، ودعا له فوق منابر المغرب. وبذلك امتدت حدود الخلافة العثمانية (في سنة ١٥٧٤) من دجلة شرقا وعدن واليمن جنوبا إلى المحيط الأطلسي. علاوة على بلاد الترك والبلاد الأوروبية التي أخضعت لحكم الإمبراطورية الإسلامية.
لم يقنع السلطان المعزول (محمد المتوكل) بما نزل من الهزائم، فمضى يستثير الأعداء، وتوجه بحرا إلى إسبانيا يطلب إلى ملكها الدعم والإمداد لاستعادة عرشه المفقود، ولإخراج المغرب الأقصى من دائرة نفوذ الأتراك العثمانيين. غير أن إسبانيا لم تكن يومئذ على استعداد للقيام بمغامرة جديدة، لا سيما وأن المغرب الأقصى كان
стр. 301
منطقة نفوذ لاستعمار البرتغال وفقا للإتفاقات بين البرتغال وإسبانيا، فمضى (محمد المتوكل) إلى عاصمة البرتغال (لشبونه) حيث اجتمع بالملك (سباستيان) (١) وعقد معه معاهدة تقضي بتنازله للبرتغاليين عن سواحل المغرب الغربية، وأن يحكم بقية البلاد الداخلية معترفا بسلطانهم وذلك مقابل إمدادهم له بقوة عسكرية، تبعد عمه عن العرش وتعيده إليه. وجهز (سباستيان) حملة قوية تضم (٤٢) ألف مقاتل (ولم يكن جيش محمد المتوكل حليف سباستيان يزيد على ثلاثمائة رجل).
علم السلطان عبد الملك بتحرك البرتغاليين، وأعلم العلماء والشيوخ الذين استنفروا المقاتلين للجهاد فأقبلت جموعهم من كل أنحاء المغرب الأقصى، واتجهت إلى نواحي مدينة (أصيلا) على المحيط الأطلسي. حيث أنزل البرتغاليون قواتهم في شهر حزيران (يونيو) ١٥٧٨م وتمكنوا من الأرض وتحصنوا بها، واستعدوا للقتال على مقربة من (القصر الكبير). واستطاع (السلطان عبد الملك) تنظيم جموع المجاهدين الذين بلغ عددهم (٤٠) ألف مجاهد. والتقى الجمعان يوم الاثنين ٣٠ جمادي الأولى سنة ٩٨٦ هـ (الموافق ٤ آب أغطس - ١٥٧٨ م) على (وادي المخازن) ودارت رحى معركة طاحنة، أظهر فيها الطرفان المتصارعان قدرا غير قليل من التصميم على انتزاع النصر. غير أن تصميم المجاهدين في سبيل الله كان أكبر، فأمكن لهم سحق البرتغاليين، ولم تغرب الشمس حتى كان جيش الغزو قد أبيد إبادة شبه كاملة بحيث كان عدد الأسرى قليلا جدا،
стр. 302
من ضباط الجيش العثماني بالجزائر
стр. 303
ولقي الملوك الثلاثة قادة المعركة حتفهم، فكان السلطان عبد الملك أول شهيد فيها، غير أن حاجبه المملوك (رضوان العلج) أخفى خبر وفاته وقاد المعركة باسمه إلى أن تم النصر وعندئذ أعلن على الناس الخبر المحزن. وقتل الملك (سباستيان) غرقا وهو منهزم في وادي المخازن. وحاول (محمد المتوكل) النجاة بنفسه بعد أن شهد الدائرة وهي تدور على حلفائه، فخاض نهر المخازن في محاولة للفرار بعيدا عن المعركة، فابتلعته مياه النهر.
وبايع الناس يومئذ في إجماع رائع، شقيق عبد الملك (الأمير أحمد) والذي لقب فيما بعد بالمنصور، وكان أكبر معين لشقيقه الشهيد، فبادر بمراسلة ملوك المسلمين وعظمائهم وأعلمهم بالنصر العظيم. وتلقى منهم التهاني، وكان أول من وفد عليه رسول صاحب الجزائر، وأرسل له (السلطان مراد) هدية، فاستقلها ولم يعبأ بها، وقطع الخطبة للخليفة العثماني، ثم توالت الرسائل بين السلطانين فتصالحا واستقر الأمر للخلافة السعدية على أرض المغرب الأقصى.
تمخضت هذه الأحداث التي انتهت بانتهاء القرن السادس عشر، عن مجموعة من المتحولات أبرزها:
١ - فشلت الصليبية الإسبانية فشلا تاما في تحقيق أهدافها على أرض المغرب العربي الإسلامي ولم يبق لها بعد توسعها الكبير إلا (قاعدة وهران ومرساها الكبير).
٢ - استقرار سلطنة الأشراف السعديين في المغرب الأقصى بصورة ثابتة ووطيدة. وظهور كيان دولة الجزائر كدولة مستقلة خاضعة اسميا للإمبراطورية العثمانية، شأنها في ذلك شأن تونس وطرابلس ومصر وبقية بلاد العرب والترك، ولو أن الجزائر تمتعت
стр. 304
بدور ريادي في الجهاد أتاح لها قدرا كبيرا من حرية العمل السياسي والعسكري.
٣ - فقد المسلمون كل قدرة على استرداد الفردوس المفقود في الأندلس. وتوقفت تقريبا الفتوح الإسلامية في أوروبا بسبب تعاظم المقاومة وتنظيمها ضد سلطان المسلمين.
٤ - انصرفت الدول الأوروية لمعالجة مشكلاتها الخاصة في حروب أهلية لم تتوقف، مما أتاح لدول المسلمين نوعا من الهدوء النسبي. غير أن الصراع لم يتوقف.
стр. 305
من قادة الجيش العثماني بالجزائر
стр. 306
٢ - إنكلترا تشن الحرب على الجزائر
(١٦٢٠ م)
أفادت الجزائر المجاهدة من فترات الهدوء النسبي لإعادة تنظيم أمورها داخليا وخارجيا. فقد توفي (قلج علي) سنة (١٥٨٧م) وانتهى بموته نظام (الباي لرباي). وأعقب ذلك نظام الباشوات (الثلاثيين) الذين يعينهم الخليفة العثماني لمدة ثلاثة أعوام. واستمر هذا النظام من سنة ١٥٨٧ - حتى سنة ١٦٥٩م. ثم جاء نظام (آغة الهلاليين) الذي هو نوع من (الحكم العسكري الجماعي) الذي يؤلف (الديوان) والذي يحكم البلاد، ويسند الرئاسة التنفيذية لكبير الضباط الذي يدعى (الآغا) وذلك لمدة شهرين فقط ثم يتولاها غيره تحت رعاية (الباشا) الذي ترسله إستانبول من قبلها ممثلا للإمبراطور العثماني (الخليفة) وليس له مطلقا التدخل في شؤون البلاد الداخلية. واستمر هذا النظام من سنة ١٦٥٩ - حتى سنة ١٦٧١م. وأخيرا جاء نظام (الديوان - والباي) الذي استمر (١٦٠ عاما) أي من سنة (١٦٧١ - ١٨٣٠) عندما دخلت فرنسا الجزائر. وكان (الديوان العسكري) في هذه الفترة هو السلطة العليا: يعلن الحرب ويعقد معاهدات السلام. ويعين موظفي الدولة، ويحدد العلاقات بين دولة الجزائر والدولة العثمانية وبقية الدول. وهذا الديوان هو الذي ينتخب رئيس الدولة الذي يدعى (الداي) باللغة التركية، وله معنيان (الزعيم
стр. 307
والخال). فالداي هو رئيس الهيئة التنفيذية، وإلى جانبه مجلس وزراء يضم خمسة رجال وينتخب لمدة العمر. وكانت السلطة القضائية، مستقلة تمام الاستقلال عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، يتولى أمرها القضاة تحت إشراف المجلس التشريعي، أما النظام الداخلي (نظام البايات وشيوخ الوطن) فلم يتغير. في الوقت ذاته، انصرفت الجزائر لمتابعة الجهاد في البحر، ولم تلبث أعمال القتال (التي تحولت إلى حرب منظمة - والتي أطلق عليها اسم القرصنة) أن أصبحت المورد الرئيسي - الاقتصادي للجزائر. وكانت أعمال القرصنة من الأمور المتعارف عليها، وكانت إنكلترا - بعد إسبانيا والبرتغال - من الدول التي تشجع على القرصنة، غير أن الجزائر أفادت من موقعها، ومما توافر لها من القدرات لتطوير أعمال الجهاد في البحر، فغنم الجزائريون خلال حروبهم البحرية مع أوروبا أكثر من ثمانمائة سفينة محملة في الفترة من سنة ١٦١٣ حتى سنة ١٦٢١ (أي بمعدل مائة سفينة في السنة) وهذا تفصيلها: (٤٤٧ سفينة هولاندية و١٩٣ سفينة إفرنسية و١٢٠ سفينة إسبانية و٦٠ سفينة إنكليزية و٥٦ سفينة ألمانية) هذا بالإضافة إلى السفن الصغيرة التي كان المجاهدون الجزائريون يغنمونها أثناء إغارتهم المتواصلة على السواحل الإسبانية، والسواحل الإيطالية. فكانت منازل مدينة الجزائر ومخازخها المخصصة لإيواء الأسرى المسيحيين في انتظار افتدائهم تضم أكثر من ثلاثين ألف أسير يعودون إلى جنسيات مختلفة. وكان الأسطول الجزائري المحارب يتكون خلال تلك الفترة من مائة سفينة، وكان عدد رجال البحر من الجزائريين يبلغ الثلاثين ألف رجل.
كانت إنكلترا أقل الدول البحرية تأثرا بالصراع البحري، ولم تكن تجارتها بعد قد تطورت مع الشرق، غير أنها أخذت في عهد (جاك
стр. 308
الأول) (١) بإعطاء مزيد من الاهتمام بعالم البحر، لا سيما وأنها لمست ما حققته إسبانيا والبرتغال من مغانم عبر غزواتها البحرية، فكان أن أطلق (جاك الأول) حرية العمل لقراصنته الذين حققوا أرباحا خيالية من خلال هجماتهم على السفن التجارية الإسبانية والبرتغالية. وفي سنة (١٦٢٠م) أراد (جاك الأول) إرغام دولة الجزائر على إيقاف الحرب البحرية ضد السفن الإنكليزية، دون أن يعقد معاهدة مع الجزائر يسود بواسطتها السلام. وجاء الأسطول الإنكليزي إلى الجزائر، تحت قيادة الأميرال مانسل، وكان يحمل ألفا وخمسمائة رجل من المقاتلين، وطالب الجزائريين بتسليمه ما لديهم من أسرى الإنكليز، فرفضوا الإذعان لذلك الإنذار، وأخذ الأسطول يرمي القنابل على المرس، وحاول أخذ سفن من أسطول الجزائر، فلم يقدر على ذلك. وأنزل رجاله حوالي المدينة قصد إرهاب الجزائريين، فما استطاعوا أن ينالوا منهم منالا، ورجعوا إلى سفنهم، ثم أقلعوا إلى بلادهم دون طائل.
وتكررت بعد ذلك عمليات الصراع في البحر مع السفن الإنكليزية، وكانت هذه العمليات الكثيرة والمتنوعة تدخل في إطار (أعمال القرصنة) بأكثر مما تدخل في إطار (الأعمال العدوانية ضد الجزائر).
стр. 309
ـ[صورة]ـ
الأسطول الفرنسي تحت إمرة دوكين يرمي القذائف على مدينة الجزائر
стр. 310
٣ - الأعمال العدوانية الإفرنسية (١٦٦٤ و ١٦٨٢ م)
اتخذت فرنسا سياسة ثابتة ضد إسبانيا وأوروبا، ودفعها ذلك إلى التحالف مع الإمبراطورية العثمانية في مناسبات كثيرة، وقد أرادت فرنسا استثمار هذا التحالف إلى أبعد الحدود، من أجل الحصول على امتيازات خاصة في المجالات التجارية مع كل دول الخلافة الإسلامية. ووافقت إستانبول على منح فرنسا (امتيازات قنصلية). ورغبت فرسا الإفادة من هذه الامتيازات لإرغام الجزائر على التعامل معها بموجبها. غير أن الجزائر رفضت باستمرار الاعتراف لفرسا بهذا الحق، وصممت على التعامل معها كدولة أجنبية في مجال التجارة، كما في مجال صيد المرجان على السواحل الجزائرية، حيث كانت هذه المجالات تنفتح في أيام السلم لتتوقف في أيام الحرب. وعندما تولى الملك لويس الرابع عشر (١٦٣٨ - ١٧١٥م) حكم فرسا وانصرف لبناء عظمة بلاده، خاض مجموعة من الحروب ضد إسبانيا خاصة، وضد كل الدول المتحالفة معها. وفي إطار بناء عظمة فرنسا أيضا، أراد لويس الرابع عشر إرغام الجرائريين على الالتزام (بالامتيازات الخاصة لفرنسا في المجال التجاري) و (إيقاف أعمال القرصنة ضد السفن الإفرنسية فجهز حملة بحرية قوية واجبها احتلال موقع ممتاز على الساحل الجزائري واتخاذه قاعدة تضمن حقوق فرنسا
стр. 311
المزعومة من جهة، وتساعد على التوسع الفرنسي فيما بعد.
آ - الحملة على جيجل (١٦٦٤)
غادر الأسطول الإفرنسي قاعدة طولون في ٢ تموز - يوليو - ١٦٦٤م، وكان هذا الأسطول يتكون من (٨٣) سفينة بقيادة الأميرالان (بول ودوكين) أما القوة العسكرية التي حملها الأسطول فتكونت من (٨) آلاف مقاتل بقيادة (الكونت قاداني) وتولى القيادة العامة لهذه الحملة (الدوق دوبوفور).
توجهت الحملة الإفرنسية إلى جزائر الباليئار حيث انضمت إليها سبع سفن من أسطول مالطا. وتابعت بعد ذلك تحركها حتى
وصلت إلى أمام (جيجل) يوم ٢٢ تموز - يوليو -. واشتبكت في اليوم التالي مع حامية المدينة بمعركة قاسية تكبد فيها الطرفان خسائر فادحة. غير أن القوات الإفرنسية نجحت في احتلال المدينة في اليوم ذاته. وشرعت على الفور بتحصين جيجل والاستعداد للدفاع عنها. وما أن بلغت أنباء سقوط (جيجل) في قبضة القوات الإفرنسية المسؤولين في الجزائر حتى أعلن الحاكم (شعبان آغا) التعبئة العامة، واستنفر المجاهدين الذين استجابوا بسرعة لنداء الجهاد. وتحرك (شعبان) بقواته نحو جيجل وقد أصطحب مدفعيته القوية، وأخذت جموع المجاهدين في الالتحاق تباعا بجيش الجزائر فترفده بالمزيد من القوة والقدرة، وفي يوم ٥تشرين الأول - أكتوبر - وصل جيش الجزائر إلى المدينة، وأقام مخيمه على مسافة قريبة منها. واختار لمدفعيته المرابض المناسبة على المرتفعات، وشرع في تضييق الحصار على (جيجل).
وفي يوم ٢٥ تشرين الأول - أكتوبر - شرعت المدفعية الجزائرية بتركيز نيران مدفعيتها الكثيفة ضد الأهداف المعادية التي تم اختيارها
стр. 312
بكفاءة عالية. فأوقعت بالقوات الإفرنسية خسائر فادحة. وأدركت قيادة القوات الإفرنسية أنه بات من المحال الاستمرار في المقاومة والتعرض للمزيد من الخسائر، فقررت الانسحاب، وبدأت بتنفيذ ذلك تحت قصف المدفعية الجزائرية وتحت ضغط القوات المتعاظم (في يوم ٣١ كانون الأول - ديسمبر). وقد تم في البداية نقل (١٢٠٠) جريح إلى السفن، ثم سحبت بقية القوات الإفرنسية التي تركت فوق أرض المعركة أكثر من ألفي قتيل. وقامت القوات الجزائرية بممارسة ضغط قوي حتى أمكن لها إرغام الإفرنسيين على ترك مدفعيتهم وأسلحتهم وأمتعتهم فوق ميدان المعركة (وكان من بينها مائة مدفع). وزاد من فداحة الكارثة بالنسبة للقوات الإفرنسية غرق سفينتهم (القمر - لالون) والتي كانت تحمل ألف ومائتي مقاتل غرقوا جميعا مع سفينتهم أثناء تنفيذ عملية الانسحاب.
ب - الإغارة على الجزائر (١٦٨٢م)
أدى فشل هذه العملية إلى تصعيد الصراع ضد فرنسا، التي قررت تنفيذ عملية انتقامية ضد الجزائر عهدت بتنفيذها لقوة من (٣٦) سفينة حربية تولى قيادتها الأميرال (دوكين).
وغادرت هذه القوة الموانىء الفرنسية يوم ١٢ تموز - يوليو - (سنة ١٦٨٢) فوصلت إلى المياه الإقليمية لمدينة (شرشال) يوم ٢٥ من الشهر ذاته، وشرعت على الفور بقذف قنابلها على شرشال، غير أن هذه القنابل لم تحدحث خسائر تذكر، باستثناء سفينتين جزائريتين تم إغراقها في الخليج. وانتقل الأسطول بعد ذلك إلى الجزائر، فوصل مياهها الإقليمية يوم ٢٩ تموز - يوليو - وأخذ بتنفيذ (تظاهرة قوة) رافقها إرسال إنذار للجزائر من أجل قبول المطالب الإفرنسية، غير أن الجزائر
стр. 313
رفضت الإنذار، فأخذ الأسطول في قذف قنابله على المدينة يوم ٢٦ آب - أغطس - فتم إرسال (٨٦) قذيفة، وتجددت عملية قذف المدينة ليلة (٣١ آب - أغطس) حيث تم قذف (١١٤) قذيفة لم تحدث بمجموعها أكثر من خسائر طفيفة بسبب إجراء القصف من مسافة بعيدة، وتجنب الأسطول الإفرنسي الاقتراب لتجنب رمايات مدفعية القلاع الجزائرية. واستمرت أعمال القصف حتى يوم ١٢ (أيلول - سبتمبر) حيث عاد الأسطول الإفرنسي إلى قواعده بعد أن أدرك عقم محاولاته في تليين إرادة الجزائر المجاهدة.
стр. 314
٤ - القتال حول وهران - وتحريرها
(١٧٠٥ - ١٧٠٨ م)
لم تتوافر الراحة للإسبانيين طوال إقامتهم في وهران، ولا عرفوا للاستقرار سبيلا، فقد أخذ العرب المسلمون على أنفسهم عهدا ألا يتركوا للغزاة فرصة إلا وأفادوا منها للاشباك معهم، فكانت هناك مجموعة من الوقائع والأيام التي يصعب حصرها. ولعل ما تركه الأدباء والشعراء من شواهد التحريض على الجهاد، واستثارة الحكام لتحرير هذا الموقع من أيدي الأعداء، هو أمر كاف للتأكيد على نقطتين أساسيتين، هما:
١ - الدور الكبير لجماهير الشعب المسلم في إرغام الحكام على الاستعداد الدائم للقتال.
٢ - التصميم العنيد على تطهير أرض المسلمين من أعداء المسلمين، مهما طال أمد الاحتلال، والثقة غير المحدودة بحتمية النصر النهائي على الأعداء مهما طال أمد الصراع ومهما تخللته من هزائم أو انتكاسات (١).
يذكر في هذا المجال - وفي معرض تاريخ تلك الوقائع والأيام - ما
стр. 315
قام به حاكم وهران الإسباني (دون انيقودي طوليدو) يوم خرج من وهران في شهر حزيران - يونيو - سنة ١٦٧٥في محاولة للقيام بهجوم مباغت على تلمسان، غير أن الجماهير المسلمة اليقظة دوما، وقوات الجيش الجزائري المستعدة أبدا للقتال. سرعان ما أحبطت هذه المحاولة، وأرغمت القوات الإسبانية على التراجع إلى (وهران) بعد أن تكبدت خسائر فادحة. وأعقب ذلك حصار المدينة، وقصفها بالمدفعية، غير أن القوات المسلمة لم تتمكن من اقتحام (وهران) وتحريرها.
(وفي سنة ١٠٩٨هـ = ١٦٨٦م) قاد حاكم الجزائر جيشا يضم (٣) آلاف فارس وألفا من المشاة تدعمهم المدفعية بهدف فتح (وهران) التي خرج حاكمها الإسباني ومعه (٨) آلاف مقاتل تدعمهم جماعة من (عرب بني عامر وجيزة). ووقع الصدام بين القوتين عند (كدية الخيار) ودارت معركة ضارية قتل فيها حاكم الجزائر (شعبان باي الزناكي) وهو يحرض المؤمنين على القتال. غير أن قوات المسلمين أرغمت القوات الإسبانية على التراجع بعد أن تركت فوق أرض المعركة (١١٠٠) قتيل. وأحكم المسلمون الحصار حول المدينة. ولم يتركوا لحاميتها فرصة لمغادرتها أو الخروج منها.
(وفي السنة التالية (١٦٨٧م) قاد والي الجزائر الجديد (الباي إبراهيم خوجه) جيش الجزائر وضيق الحصار على (وهران) ونصب المدافع المختلفة في مواجهة حصونها. لكن التهديد الإفرنسي لمدينة الجزائر، وتضييق الحصار عليها، أرغم جيش الجزائر على رفع الحصار والعودة لمجابهة التهديد الإفرنسي.
عاد الإسبانيون للهجوم في سنة (٧٠٤ ١م) فغادروا تحصيناتهم
стр. 316
وأسوارهم، وأغاروا على المداشر والقرى العربية، ثم رجعوا إلى أسوارهم بعد أن اصطحبوا معهم (٢٥٠) أسيرا عربيا.
تعاظمت التحديات الإسبانية، وتعاظمت بالمقابل مقاومة الجزائريين، حتى إذا ما جاء (محمد بكداش) (١) واليا على الجزائر، أخذ على عاتقه قضية تحرير (وهران) (٢) ودعمه في ذلك (باي المغرب مصطفى المسراتي - المشهور بلقب - بوشلاغم) وصهره ووزيره (اوزن حسن - أي حسن الطول).
جاء (محمد بكداش) واليا على الجزائر سنة (١١١٩ هـ = ١٧٠٧ م) فكان أول ما عمله هو توحيد الجبهة الداخلية - بحسب الاصطلاح الحديث - وائتلاف قلوب الناس بإشاعة العدل ونفي المظالم وشاع في الناس عزمه على الجهاد، فأخذ القوم يستعدون لليوم العظيم استعدادا لم يسبقه مثيل، وأرسلوا إلى كل الجهات الجزائرية يستحثون القوم على الجهاد.
ووصف مؤرخ عاصر الأحداث وعاينها ما حدث بالتالي:
стр. 317
(وجاء الناس إليه من كل فج عميق، وانسلوا إليه من كل قبيل وفريق، زيادة على من عينه السلطان لذلك من عساكره، حتى أن الناس وفدوا إليه بخيامهم وعيالهم واعتكفوا عليه الليالي والأيام، ورفضوا كل شيء سواه في ذلك المقام، وأنفقوا عليه الطارف والتالد، واستطابوا لأجله الحر والبارد ... وكان طلبة العلم وحملة القرآن، هم أشد الناس مسارعة لإجابة دعوة السلطان إلى هذا الجهاد المبارك ... وكانوا بمحلة مستقلة عن غيرها -).
(وبينما كانت جموع المجاهدين من رجال الشعب المجاهد، تتسارع إلى موطن الجهاد، أرسل محمد بكداش جيشا جزائريا من ثمانية آلاف وخمسمائة رجل مع سلاح كثير ومدفعية ضخمة وكميات هائلة من البارود - حتى كان ما أخرجه على يد خليفته القائد مصطفى المسراتي نحو الثلاثة آلاف وثلاثمائة قنطار). وعندما التأم شمل المجاهدين من رجال الجزائر ومن جماعات المتطوعين. بدأوا بمنازله (وهران) والتضييق عليها، وتولى (اوزون حسن) القيادة العليا، في حين أسندت إدارة العمليات إلى (الباي مصطفى بوشلاغم). في حين بقي (محمد بكداش) في الجزائر، ينظم القوات، ويرسل الدعم تلو الدعم. فيما كان رجال الدين والأئمة في المساجد يذكون نيران الإيمان في القلوب، ويدفعون بالناس إلى ساحات الشرف. ومقابل ذلك، فما أن علم الصليبيون بنوايا المسلمين، حتى أرسلوا دعما سريعا من مالطا يتكون من سبع سفن تحمل على متنها عددا من أشد المقاتلين وبعض مئات من المتطوعين الإفرنسيين. فحل هذا الدعم بمرسى وهران، وزاد من تصميم حاميتها الإسبانية على الصمود والمقاومة.
بدأت القوات الجزائرية هجومها مع بداية شهر أيلول (سبتمبر) ١٧٠٧م (١١١٩ هـ) وكان أول عمل قامت به هو تدمير مجاز الماء
стр. 318
الذي يرد من الخارج إلى وهران، وعليه الحصن المنيع (برج العيون) حيث قام المجاهدون بحفر خندق وصل بهم إلى داخل الحصن، ودارت معكرة قاسية استطاع فيها المجاهدون طرد القوات الإسبانية وإبعادها عن (رأس الماء) وحفروا حوله الخنادق ونظموا الدفاع لإحباط كل هجوم مضاد قد تقوم به قوات العدو. ثم انتقل المجاهدون للهجوم على (برج العيون) وحفروا الملاغم لتدميره، غير أنهم فشلوا في تدميره، فهاجموه بقوة وتحت رصاص العدو وقنابله، حتى استطاعوا صعود جدران الأسوار، واقتحموها، وغلبوا أهلها عليها، وتمكنوا من احتلالها بعد معركة ضارية. وأسر المسلمون من بقايا المدافعين عن البرج (٣٢٢) مقاتلا ومن أنصارهم من عرب جيذرة (٦٠) رجلا. ووجدوا به من الجرحى (٢٧) رجلا أمر الأمير بإرجاعهم إلى أهلهم. وغنم المجاهدون كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمواد التموينية. وبلغ عدد القتلى الإسبانيين (٤٠) قتيلا. أما عدد شهداء المسلمين فقد تجاوز المائتي شهيد وغربت شمس يوم الثلاثاء ١٠ جمادي الآخرة ١١١٩ هـ الموافق ٨ أيلول - سبتمبر - ١٧٠٧ م عن أول نصر للمسلمين في تحرير وهران.
انصرف المجاهدون للتعامل بعد ذلك مع أضخم الحصون وهو (برج مرجاج الكبير) الذي كان يطلق عليه الإسبانيون اسم (برج القديس فيليب - أو الصليب المقدس - سانتا كروز) وحفر المجاهدون مجموعة من الملاغم المستطيلة وصلت إلى ما تحت البرج وشحنوها بالبارود وعرف الإسبانيون المدافعون عن البرج بأمر هذه الملاغم، وعرفوا من خلال الاشباكات المستمرة وأعمال القصف المتبادل بأنه بات من المحال الاستمرار في المقاومة، وأن المزيد من العناد لن يؤدي بالحامية الإسبانية إلا إلى التمزق والفناء عندما ستتفجر الملاغم المدمرة
стр. 319
لتطيح بالبرج. فأعلن الإسبانيون تسليم الحصن يوم ٢٧ جمادي الآخرة الموافق ٢٥ أيلول - سبتمبر - ودخل المجاهدون المسلمون، فأسروا بقايا الحامية الإسبانية وعددهم (١٠٧) رجال و٣ نسوة. بالإضافة إلى كميات هائلة من الأسلحة والذخائر والمواد التموينية.
تعاظمت ثقة المجاهدين بأنفسهم وبقدرتهم على حسم الصراع بعد إحرازهم لانتصارين متتاليين، فنقلوا ثقل هجومهم ضد أمنع
حصون وهران وأكثرها تحصينا وقوة، وهو حصن (برج بن زهو) غير أن الهجوم مني بالفشل، وتكبد المجاهدون خسائر فادحة. فأعاد المجاهدون تنظيم قواتهم وكرروا هجماتهم المتتالية طوال ثمانية أيام. ودافعت الحامية الإسبانية عن مواقعها بثبات كبير، وكبدت المجاهدين الخسائر الكبيرة مع كل هجوم يتم إحباطه. وحاولت الحامية الإسبانية بعد ذلك مغادرة تحصيناتها ومجابهة قوات المسلمين في معركة تصادمية جبهية انتصر فيها المسلمون، وأرغموا الإسبانيين على التراجع إلى ما وراء تحصيناتهم. وعند ذلك شرع المجاهدون في حفر الملاغم تحت الحصن. وكانت الأرض تحته صخرية صلدة مما تطلب بذل جهد كبير وتضحيات كثيرة حتى أمكن إنجاز الملاغم وحشوها بالبارود وتفجيرها، غير أن ذلك لم يؤثر تأثيرا كبيرا على الحصن، فأعيدت المحاولة مرة ثانية، ولم تكن النتيجة أفضل بكثير من سابقتها، وجاءت المحاولة الثالثة محققة للهدف، فانفجر البرج، وتداعت صخوره، واقتحمه المجاهدون، واشتبكوا مع حاميته التي صممت على متابعة الصراع المسلح حتى النهاية التي جاءت بالقضاء على مجموع أفراد الحامية، وإبادة أفرادها البالغ عددهم (١٢٠) مقاتلا، بحيث لم يأسر المسلمون أكثر من ثمانية أسرى، وخسر المسلمون نحو المائتين من الشهداء. وانتهى المسلمون من تطهير الحصن واحتلاله يوم الخامس
стр. 320
من شعبان (الموافق تشرين الثاني - نوفمبر).
وبقي على قوات المسلمين اقتحام آخر القلاع، وأكثرها منعة وأضخمها بناء وأعلاها جدارا، وهي قلعة (البرج الجديد) الذي تبرعت ببنائه سيدة إسبانية (ابتغاء مرضاة السيد المسيح - وكلفها ذلك مبلغا كبيرا من المال). وأمام هذا الموقف اضطر المسلمون للإحاطة به بمجموعة من المراكز الصغيرة التي أطلق عليها اسم (المتاريس - المتارز) والتي امتدت من ناحية (عين جندرة) حتى (شعبة الدجاج) وراء (البرج الجديد). ثم انتشرت هذه (المتاريس) إلى أرباض المدينة حتى أصبحت معقلا دفاعيا واحدا. وأخذ المجاهدون في استخدام المتاريس لتدمير المقاومات في المدينة، واستنزاف قدراتها، وصار رصاص بنادق المجاهدين يصل إلى أفراد الحامية الإسبانية وهم في عقر منازلهم. وبات من المحال عليهم الانتقال من مكان إلى مكان آخر، فاضطروا إلى ثقب جدران المنازل ووصل بعض ببعض عن طريق هذه الثغرات، وأثناء ذلك أخذ المجاهدون في التسلل إلى أطراف المدينة والتوغل فيها والاشتباك مع أفراد الحامية المدافعة عنها. حتى وصلوا إلى كنيسة (سانتا ماريا) فدمروا أصنامها، وصار قسم المدينة الموجود ما بين البرج الجديد والبرج الأحمر بين يدي المجاهدين. وأخذ الإسبانيون في نقل أمتعتهم وممتلكاتهم إلى (المرسى الكبير). وبقيت الحامية
الإسبانية المدافعة عن (البرج الجديد) صامدة في مواقعها، ولم يتمكن المجاهدون المسلمون من اقتحامه، غير أن تطور الصراع في المدينة أقنع قائد الحامية في البرج الجديد بعقم الاستمرار في المقاومة، فخرج يحمل راية الاستسلام، واتفق مع القائد العام الجزائري على إيقاف الاقتتال حول البرج، فإن تمكن المجاهدون من احتلال مدينة وهران، استسلم لهم البرج مع استسلام المدينة. ونقل المجاهدون ثقل