هذا خيم على منزلنا جو من المرح لم نعرفه منذ وقت طويل. وأثناء ذلك قالت (فضيلة): (إنهم سيشرعون بإجراء المفاوضات في (مولون) وسنحصل في هذه المرة على الاستقلال بكل تأكيد).
لقد كانت اليوم شديدة التفاؤل، صافية النفس، خلافا لعادتها، إذ كانت باستمرار تظهر متفرقة في تفكير عميق، وتتصرف بجدية مطلقة. وكان ذلك مبعث بهجتنا، فضحكنا كثيرا ومن أعماق قلوبنا. وكان يوما لا ينسى. غير أن أختي الصغرى قطعت علينا مرحنا، وأثارت تشاؤمنا عندما قالت: (إن من يضحك الجمعة، سيبكي يوم الأحد). وكان ذلك اليوم هو يوم الجمعة.
تركتنا (فضيلة) وكلها مرح وتفاؤل، وكانت قسمات وجهها تعكس ما يعتمل في نفسها من صفاء وطهر ونقاء، فمضت والابتسامة الحلوة على شفتيها. لقد كانت مقتنعة باقتراب موعد السلام. فغرست في نفوسنا نواة الأمل باقتراب فجر المستقبل الذي سيشرق بإذن الله. وقالت لأمي (ليلى) التي كانت مثل أمها أيضا، وهي تودعها: إذن! إلى الغد!. وأجابتها أمي: إلى اللقاء غدا. ولما كنت على وشك الوضع لمولودي الثالث، فإن (فضيلة) لم ترغب بالذهاب قبل أن تهمس لي بأمنيتها: (أتمنى أن تضعي لنا هذه المرة مولودا ذكرا).
لم أتمكن من منع نفسي عن التفكير بأمر (فضيلة) بعد أن غادرتنا، فقلت مناجية:
(ماذا ينقصك في هذه الحياة وماذا تفتقدين؟ إنك يا (فضيلة) فتاة لا تقاوم! ويحبك الجميع حيثما ذهبت وأين حللت. إنك برقتك تجتذبين كل من حولك! وباستطاعتك رعاية أسرة سعيدة. إنك زهرة متفتحة، تعيشين في يسر وبحبوحة! ابتسامتك البريئة تظهر غمازتيك
стр. 2557
الحلوتين. ولون بشرتك الصافي، وعينيك البراقتين، وشعرك الأسود الحريري الذي يحيط بوجهك الملائكي. ويعترف كل من عرفك بأنك مثال للفتاة الجميلة والرقيقة والفاتنة. إنك تمتلكين كل شيء؛ الأنوثة والرقة، البساطة والشجاعة، الحزم والعقل والذكاء والخيال الخصب، فماذا ينقصك؟ إن ما ينقصك هو (العدالة والحرية). إنك لا تريدين العودة مرة ثانية إلى الوحل. ولهذا اخترت طريق الثورة، فمضيت لإيقاظ النيام من سباتهم، وأشعلت فيهم لهيب الثورة. لقد خضت صراعا مريرا، ونذرت نفسك لخدمة بلادك.
ذهبت والدتي (ليلى) إلى (الرصيف) في الموعد المتفق عليه. وكان تفكيرها مركزا على ما ستتسلمه من (فضيلة). إنها ستأخذ منها رزمة من البريد لتنقلها بدورها إلى (السيد العربي).
قرأت (ليلى) وهي تقترب من مكان اللقاء، إمارات الحزن على وجوه المارة. كان المكان مكتظا بالناس. وقد احتشد الدهماء بأعداد كبيرة في المكان المحدد للالتقاء. وكان الناس يتحدثود بأصوات مرتفعة، ويلوحون بأيديهم بإشارات غامضة، وكأنهم يعلنون احتجاجهم ضد عمل من الأعمال. وانتاب (ليلى) شعور من القلق، وتجنبت الاقتراب من الجموع المهتاجة. وكان من المحال عليها - في كل الأحوال - شق طريقها من أجل الوصول إلى حيث تريد. وصادفت رجلا منفردا، وحاولت أن تعرف منه جلية الأمر؛ وسألته: (ماذا حدث؟). وأجابها هذا: قتلوا اثنين من الفدائيين - رجلا وامرأة -. وأسروا رجلا ثالثا. وفي ذروة الانفعال عاودت (ليلى) السؤال: ومن يكونون؟. وأجاب الرجل: لا أحد يعرف أبدا؟ فالحي مطوق بكامله ولا أحد يستطيع أن يرى شيئا ..
стр. 2558
وشعرت (ليلى) فجأة بضيق يعتصر صدرها، وفكرت على الفور (بفضيلة). إذ كان عليها مقابلتها في هذا المكان ذاته. وتلاحقت أنفاس (ليلى) حتى لتكاد تختنق. وعادت بخطى متسارعة حتى تصل إلى منزلها، وعندما دخلته كانت بادية الاضطراب بحيث لم تتمكن من إخفاء انفعالها. وأخذت فور وصولها بإتلاف الوثائق والرسائل التي كانت بحوزتها. ماذا حدث؟ وماذا يمكن أن يحدث؟ ..
وهيمن على منزلها مناخ من الهياج والانفعال. وبات القلق شعورا قاتلا لا يمكن احتماله. وأظلمت السماء، معلنة اقتراب هبوب العاصفة.
ماذا حدث؟ لم يكن هناك من يجرؤ على التعبير عما كان يجيش في خاطره. كانت الحقيقة تخيفنا جميعا. وتعاظم قلقي حتى أنني قضمت أظافري دون أن أشعر بذلك. وعلى هذا أمضينا ليلتنا، ومضى الظلام ولم يغمض لأحدنا جفن، كانت ليلة لا تنسى. وما أن طلع النهار، حتى أسرعت إلى بائع الصحف الذي كان دكانه يقع في أسفل المبنى حيث يقع منزلنا. واشتريت صحيفة (ديبيش - دو - قسنطينة) وأمسكتها بضيق، وبيد مرتجفة فيما كان جدي كله يرتجف ويهتز بعنف، وفتحت صفحات الجريدة، فصدمتني على الفور ثلاثة صور تغطي الصفحة الأولى: إنها صور (فضيلة) و (عمر كيخيا) و (رواج). وصرخت بصوت مختنق: فضيلة ماتت؟ كيف، وهل هذا ممكن؟ وشعرت بقواي تنهار حتى لتكاد قدماي تخوناني وأنا أهرب مسرعة. وأطلقت صرخة وأنا أجهش بالبكاء، ولم أعد أرى الطريق بعد أن أسدلت الدموع ستارا على عيني، وشعرت بألم حاد في أحشائي، لقد أخد الجنين في التحرك بعنف،
стр. 2559
وكأنه يشاطرني ما أنا فيه؛ واستمر لساني في الهذيان: فضيلة، يا الله، لماذا؟ وعمر! و (رواج)! .. ولا زالت الصحيفة في يدي وأنا أقتحم باب المنزل صارخة، - أماه - أبتاه - أنظروا! لقد ماتت (فضيلة).
وبكت والدتي حتى احمرت عيناها، وانتحت بي جانبا لتقول لي اهتمي بنفسك، وانظري إلى حالتك. هل نسيت أنك ستضعين مولودك .. قريبا.
...
مضت (فضيلة) عن هذه الدنيا، ولم تخطئها يد القدر في هذه المرة غير أن الأسئلة لا زالت تلح علينا وتشغل تفكيرنا، كيف ماتت؟ وهل تعذبت قبل أن تلفظ أنفاسها؟
وذهبت والدتي (ليلى) فورا لتعزية والدة (فضيلة) في مصابها، ومعرفة تفاصيل ما حدث. وكانت الام البائسة قد جلست تحت ثقل كارثتها حتى لم تعد قادرة على الوقوف، كانت متهدمة محطمة، قد تغيرت كل ملامح وجهها، وتورمت عيناها لكثرة البكاء. وكان رجال الشرطة قد وصلوا إلى هناك. لينقلوا إليها تفاصيل المأساة الجديدة. وكانت كل كلمة من كلماتهم كافية لتمزيق أشد القلوب قسوة إلا قلوب الاستعماريين:
كانوا ثلاثة قد وصلوا إلى منزل (الرصيف) حيث الموعد. واكتشف الإفرنسيون أمرهم، وأرادوا أخذ (فضيلة) وهي على قيد الحياة. فنادوها مرات كثيرة حتى تخرج إليهم، واستمرت في الرمي حتى نفذت ذخيرتها، ثم صعدت الى السطح وهي تصرخ بملء صوتها القوي:
لا! ... ثم لا! ... ثم لا! ...
стр. 2560
وقامت القوات الإفرنسية بتطويق المنزل وإحكام الحصار حوله، فلم يكن من الصعب تمزيق جسد (فضيلة) بالرصاص، فهوت الى الأرض وقد فارقت الحياة.
كانت (فضيلة) تعرف أن استسلامها لأعدائها يعني البوح بأسرارها. إنها تعني الخيانة، وليس باستطاعة فضيلة أن تخون أحدا أو تغدر بأحد.
سقطت (فضيلة) ميتة، وغير بعيد عنها كانت ترقد جثة (رواج) وسط بركة من الدماء. أما (عمر كيخيا) فقد حاول الهرب حاملا معه جراحه، غير أنه لم يذهب بعيدا، فقد ألقي القبض عليه، ولم يتأخر عن اللحاق بأخويه المجاهد والمجاهدة.
يا للمسكين (عمر)، لقد كان يفكر وهو يهرب - يقينا - بأمر زوجته الشابة التي ستصبح أرملة وهي في نضرة العمر، وكذلك بابنه الصبي الصغير الذي سيتركه لقدره ولعل شجاعته قد خانته في هذه اللحظة بالذات وهو يحاول الفرار. وعلى كل حال، فإن (عمر) لم يقتل لسبب تافه، وإنما استشهد مجاهدا بطلا، ما عرف عنه إلا أنه شاب شجاع حتى حدود التهور. ولقد مضى على الطريق الذي سبقته إليه بثوان قليلة (المجاهدة فضيلة) ومن قبلها شقيقتها (مريم). وهو ذات الطريق الذي مضت عليه قافلة (شهداء الثورة).
قدمت والدتي (ليلى) العزاء بكلمات قليلة إلى الأم البائسة بمصابها الجديد، ثم ودعتها وعادت إلى المنزل. وقد كان مصاب أم (فضيلة) بابنتيها أكبر من كل عزاء. وإن أكبر محنة تتعرض لها امرأة هي فقد أحد أبنائها.، فكيف بها وقد فقدت (مريم) من قبل
стр. 2561
وهي تبتلى بعد ذلك بابنتها (فضيلة). لقد باتت أما لشهيدتين على التتابع! ولم يبق لها في هذه الدنيا إلا ابنتها الثالثة (عزيزة) وهي ابنتها البكر، فكانت تضع رأسها على كتفي ابنتها وعلى صدرها، ما بين فترة وأخرى، وتبكي بحرقة، لعلها تتنسم في صدر ابنتها ريح أختيها، وتتشبث بها بكل ما بقي لديها من قوة، ولعلها كانت تخشى أن تفقد أيضا ما بقي لها من عون ومن أمل في هذه الحياة.
ومضت أسابيع،
وجاءت ليلة تحمل معها آلام المخاض، وشعرت بالقلق ينتابني في بداية الأمر، واشتد الالم فأخذت أتعجل طلوع النهار. كان البيت هادئا، ساكنا. وتحسست الجدران في الغرفة نصف المظلمة، وأنا أفكر في كل شيء، إلا فيما أنا فيه، غير أن نوبة من الألم زادت في شدتها على كل ما سبقها حملتني على القفز من سريري. يجب استدعاء سيارة الإسعاف. غير أن أمر منع التجول، حظر تحرك أية مركبة أو آلية في الليل - حتى سيارات الإسعاف - فحملني أهلي إلى المستشفى التي وضعت فيها ابنتاي من قبل. وقالت لي ممرضة كنت أعرفها إنك ستضعين لنا في هذه المرة صبيا ... ومضت فترة قصيرة، وضعت بعدها بنتا - إنها ابنتي الثالثة وسمعتهم يتحدثون من حولي:
- سنطلق عليها اسم (فضيلة). واتفق على ذلك زوجي وأهلي والجميع، من غير اعتراض أو مناقشة، لقد أحبوا أن يبقى اسم (فضيلة) حيا بيننا. أما أنا، فلم أحاول إتاحة الفرصة أمامهم لأخذ رأيي في الموضوع. وأخذت ابنتي، وضممتها إلى صدري. لقد استشهدت (فضيلة) يوم ١٨ حزيران - جوان - ١٩٦٠.
стр. 2562
وها قد مضت على الحدث الأليم أربعة عشر عاما - عند إعادة تسجيل الحدث من خلال ما يحتويه (صندوق الذكريات)، وأصبح عمر ابنتي فضيلة أربعة عشر عاما. وعدت الى أولادي بعد رحلتي مع أحداث الماضي، وقلت لهم:
- هيا! أعيدوا ترتيب كل شيء.
وتمضي السنوات، وتبقى ذكرى (فضيلة) نابضة بالحياة في قلوب كل من عرفها. إن ذكراها ستبقى ماثلة أبدا في عيون الوطن وفي عيون أبناء مدينتها. وسيذكرها أبناء معهدها كل يوم عند مرورهم باللوحة التي حملت اسمها:
(معهد فضيلة سعدان)
стр. 2563
٣ - نساء جزائريات في (معسكر الاعتقال) (*)
دخلت عربة النقل الكبيرة - الشاحنة - التي كانت تحملنا إلى درب ضيق، ثم تباطأت في سيرها حتى توقفت، ونزلنا الواحدة بعد الأخرى. ولم نتمكن من رؤية معالم المكان الذي ندخله بوضوح، فظلمة الليل لا زالت قاتمة. وأحاطت بنا ثلة من المظليين، وجنود حراسة المعسكر. وكان وجود جند الحرس على جانب كبير من الأهمية بالنسبة لنا، لأننا نعرف بأن هؤلاء الجنود لا يقومون بتعذيب المعتقلين عادة. وكان معنا في الشاحنة بعض الرجال المعتقلين الذين تم اقتيادهم نحو بناء في أقصى المعسكر. أما نحن - النساء -فقد كنا ثلاثة تم اقتيادنا إلى غرفة مستطيلة لا ضوء فيها ولا باب لها. وكانت غرفة واسعة الأرجاء، فيها امرأتان ترقدان على غطاء وتلتحفان غطاء أبيض من الصوف. واستيقظت المرأتان عند وصرلنا، وأفسحتا
стр. 2564
مكانا رحبا لنا إلى جوارهن. لم تكن لدينا القوة للتحدث إليهن، فقد انتابني إرهاق مرعب لكثرة السهاد والأرق، فرحت في نوم عميق في الهواء الطلق، لا جنود أمامنا للحراسة، ولا أنين المعذبين، ولا صراخ السجانين وعويلهم.
كان المعسكر لصمته وهدوئه يبدو مهجورا، غير أنني لم أجد الرغبة في طرح الأسئلة، كل ما يهمني هو الاستغراق في النوم للمرة الأولى، بعد طول السهاد الذي لازمني منذ اعتقالي. بذلك بدأت حياتنا في المعسكر، وأمضينا الأيام الأولى في غرفتنا، وكان كل ما يشغلنا من هموم هو التفكير بمصيرنا. ولم يكن يهمنا أبدا النظر في شروطنا الحياتية، إذ لم نكن نتوقع ما هو أفضل: كنا ننام على
الأرض، في غرفتنا التي لا زجاج لها على النوافذ، ونكتفي بالوجبة الوحيدة التي يقدمونها لنا في اليوم، وهي ثابتة على الأغلب ولا تتغير (سردين بالزيت). وشرعت كل واحدة في رواية ما تعرضت له من تعذيب، وهي تظهر الآثار المختلفة التي تركها التعذيب على جسدها. كانت (وردة) أما لثمانية أطفال، وأرملة، قتل الإفرنسيون زوجها منذ شهر، وتركت في لحظة اعتقالها أحد أبنائها مريضا، راقدا في فراشه. وتعرضت لكل أنواع التعذيب (التيار الكهربائي، نفخ المعدة بالماء، البقاء في الحمام تحت الماء المتساقط - الدوش - الخ ..). وعرضت علينا أثداءها وقد تلونا باللون الأسود بسبب التيار الكهربائي. وقد صدمتني نظراتها الشاردة. كانت تتلجلج وهي تبكي بحرقة عندما تتحدث عن أبنائها الذين تركتهم وحدهم، وتتساءل: ترى من سيطعمهم؟.
كانت المعتقلة الثانية (واسمها ليلى) فتاة في الثانية والعشرين من عمرها. ذات شعر كستنائي، ومزاج معتدل. وقد حاولت الترفيهمكانا رحبا لنا إلى جوارهن. لم تكن لدينا القوة للتحدث إليهن، فقد انتابني إرهاق مرعب لكثرة السهاد والأرق، فرحت في نوم عميق في الهواء الطلق، لا جنود أمامنا للحراسة، ولا أنين المعذبين، ولا صراخ السجانين وعويلهم.
كان المعسكر لصمته وهدوئه يبدو مهجورا، غير أنني لم أجد الرغبة في طرح الأسئلة، كل ما يهمني هو الاستغراق في النوم للمرة الأولى، بعد طول السهاد الذي لازمني منذ اعتقالي. بذلك بدأت حياتنا في المعسكر، وأمضينا الأيام الأولى في غرفتنا، وكان كل ما يشغلنا من هموم هو التفكير بمصيرنا. ولم يكن يهمنا أبدا النظر في شروطنا الحياتية، إذ لم نكن نتوقع ما هو أفضل: كنا ننام على
الأرض، في غرفتنا التي لا زجاج لها على النوافذ، ونكتفي بالوجبة الوحيدة التي يقدمونها لنا في اليوم، وهي ثابتة على الأغلب ولا تتغير (سردين بالزيت). وشرعت كل واحدة في رواية ما تعرضت له من تعذيب، وهي تظهر الآثار المختلفة التي تركها التعذيب على جسدها. كانت (وردة) أما لثمانية أطفال، وأرملة، قتل الإفرنسيون زوجها منذ شهر، وتركت في لحظة اعتقالها أحد أبنائها مريضا، راقدا في فراشه. وتعرضت لكل أنواع التعذيب (التيار الكهربائي، نفخ المعدة بالماء، البقاء في الحمام تحت الماء المتساقط - الدوش - الخ ..). وعرضت علينا أثداءها وقد تلونا باللون الأسود بسبب التيار الكهربائي. وقد صدمتني نظراتها الشاردة. كانت تتلجلج وهي تبكي بحرقة عندما تتحدث عن أبنائها الذين تركتهم وحدهم، وتتساءل: ترى من سيطعمهم؟.
كانت المعتقلة الثانية (واسمها ليلى) فتاة في الثانية والعشرين من عمرها. ذات شعر كستنائي، ومزاج معتدل. وقد حاولت الترفيه
стр. 2565
عنا قدر استطاعتها، فذكرت لنا قصة ما تعرضت له من التعذيب بالحركات وبصورة تفصيلية، وهي أثناء ذلك تتحدث بأسلوب ساخر، فتسخر من نفسها قبل أن تسخر من غيرها أثناء تقليدها لجلاديها بلغة فرنسية مسحوقة. وقالت لنا كيف صعد الجنود على بطنها لإفراغ الماء الذي يملأ معدتها، وكيف غمروا رأسها بماء المغسلة.
وكانت المرأة العجوز التي صعدت معنا في عربة النقل الكبيرة مصابة بمرض (الربو) فكانت تتنفس بصوت مسموع. وقد عذبوها مستخدمين التيار الكهربائي، في جملة ما استخدموه، بهدف حملها على الاعتراف بمكان ابنها وأين يختبىء، وباتت بعد التعذيب وقد فقدت الإحساس بذراعها اليمنى. ولاحظت على ذراعي أيضا وجود عدد من النقاط الصغيرة، ولكن بكمية كبيرة، ذات لون كستنائي، وكأنها بقع من الصدأ، لازمتني عشرات الأيام، أما المرأتين الباقيتين فقد تم تعذيبهما في مراكز أخرى من الجزائر، وما أكثرها، سنعرف شيئا عنها عن طريق بقية المعتقلين.
...
كانت نافذة غرفتنا تطل على الساحة التي لم نكن نرى فيها أحدا من الرجال، غير أن الهواء كان يحمل إلينا في النهار أصوات أنات عميقة، تتزايد وضوحا في الليل. وكان يقتحم علينا غرفتنا ما بين فتره وأخرى أحد رجال المظليين، بهدف إثارة الرعب في نفوسنا، والعبث أو اللهو على حساب انفعالاتنا، فيقص علينا أنه ذاهب (لطبخ) أحد المعتقلين، وأنه (بيده، سيفتتح ثغرة في المعتقل تتسع لتدوير مقبض - مانيفيل) ثم يسأل: (هل عذبكم أحد هنا بهذه الطريقة؟) وهو لم يجب أبدا على هذا السؤال وما يبغي منه، فكان
стр. 2566
يتركنا في حالة من الرعب الدائم.
كان المعسكر الفسيح جدا يمتد من أمامنا، إنه مجموعة من الأبنية القديمة من التوتياء، أقامها الأمريكيون في سنة ١٩٤٥ لتمركز جنودهم، ثم أنشئت مدرسة في قسم من المعسكر بعدئذ. وكانت هذه الأبنية تتكون من (٦) الى (٨) أبنية نصف دائرية مدهونة بالكلس - الجير - وهي تصطف على كل طرف من أطراف الساحة المستطيلة، بطول مائة متر تقريبا. وقد ضمت هذه الأبنية عدد كبير من المعتقلين. وكان هناك رقيب مظلي يسجل الداخلين إلى غرفتنا. وكنا نراهم وهم يمرون من أمام مكتبه، ليستودعوا عنده أوراقهم الشخصية (الهويات) وكل ما يمتلكونه، وكان الرقيب يضع ذلك كله في مغلفات من الكرتون (الورق المقوى) وكان عدد هذه المغلفات كبير جدا.
...
دخلت علينا في ليلة من الليالي مجموعة من خمسة نسوة، جاؤوا بهن من (مدرسة سارويا) وعن طريقهن عرفنا أسماء الذين كانوا يقومون بتعذيبنا. وكنا نردد هذه الأسماء في كل مساء حتى لا ننساها. وقد أخذ عددنا يتزايد شيئا فشيئا. فحجزونا في غرفة خصصت للنساء اللواتي بلغ عددهن (في نهاية شهر أوت - آب) أربعين امرأة. وأصبحنا نتجمع بمجموعات متجانسة، وغالبا ما كانت النساء المتقدمات في العمر يجلسن بعضهن إلى بعض، تاركات للصبايا الصاخبات حرية الحركة في الغرقة. وكانت الفتاة (ف) تثير فينا الضحك، بحيويتها المتدفقة، وبما تمتلكه من ذكاء حاد، فتقص علينا الحكايات والنوادر مما سمعته في (المركز) ومما كان يتناقله (المعتقلون) ومنها حكاية ذلك الشجاع من قدامى
стр. 2567
المناضلين والذي تم إلقاء القبض عليه بواسطة كمين محكم فكان يحاول اكتساب عطف جلاديه عندما يسلطون عليه التيار الكهربائي وذلك بقوله (ليس باستطاعة فرنسا حكم البلاد بهذه الأساليب الجنونية - الحمقاء) مع تكرار حرف الراء في (كلمة فرنسا) عندما تشتد عليه قوة التيار.
استمر القلق في تعذيبنا طوال الوقت، ماذا سيحل بنا وماذا ينتظرنا؟ وكم من الوقت سيمضي علينا في معتقلنا هذا؟ وكيف لنا أن نتصل بعائلاتنا لبعث الطمأنينة في نفوسهم؟ ...
نظم المظليون المعسكر شيئا فشيئا. فوضعوا الأسلاك الشائكة فوق الجدران. ووضعوا الحديد على نوافذ الغرف. واكتفى الحرس من غير المظليين بأداء دوره في الحراسة.
كان يسمح للمعتقلين في كل غرفة (مائة معتقل تقريبا) بالذهاب مرتين إلى دورات المياه (المراحيض). وكان رتل المعتقلين يسير بنظام، يحيط به المظليون الذين يدفعون المعتقلين للإسراع (بأداء هذا الواجب) مستخدمين في ذلك أعقاب بنادقهم. وكان هذا (العرض) مؤلما، ونحن نتابعه من وراء القضبان، بقلوب حزينة منكسرة، هذه المزق الإنسانية، وهي تعرج، أو تسحب بقاياها على الأرض سحبا، في حين يعمل الأقوياء من المعتقلين على مساعدة المرضى بحملهم من تحت أذرعهم. ويأتي الشيوخ دائما في المؤخرة، أما الأكثر شجاعة فيسيرون في الأمام. وكل يحمل في يده علبة معدنية تحتوي ما كان قد طرحه فيها من البراز في الليل.
لحى مرسلة، وأجساد متثاقلة، وعيون شاردة، ووجوه
стр. 2568
متغصنة، وقامات منحنية: شباب، صاخب انتهى إلى الكهولة في أسابيع قليلة، إنهم يسيرون متعجلين وضربات البنادق تطاردهم. وشتائم الجلادين وصرخاتهم تنهال على هؤلاء البؤساء من كل مكان.
مضت عشرة أيام علينا ونحن في معتقلنا هذا عندما دخل علينا الرقيب وقال لنا:
(انهضوا - هيا - وأعدوا أنفسكم).
ودفعنا إلى الخروج، في حالة من الهياج، وقد كسى الشحوب والاصفرار وجوهنا. وكذلك كان شأن الرجال الذين وقفوا في مواجهتنا، ولم تمض سوى لحظة حتى ضاقت الساحة على رحبها بالمعتقلين. وجلس رجل قصير من ذوي القبعات الحمراء - المظليين - (اسمه النقيب - الكابتن - بوتوت) وراء طاولة وضعت له في الهواء الطلق، وقد تربع على مقعده في انتظارنا وخيم على الساحة صمت ثقيل، ثم نهض من مقعده، وصاح بنبرة ثابتة، وبصوت واضح: (هل أخرجتم المرضى؟! إنني بحاجة إلى المرضى أيضا.!) وقام المعتقلون بنقل بعض الأجساد إلى الأمام من أبواب المهاجع. مما استغرق بعضا من الوقت. وهمس البعض متسائلا بقلق: (ماذا سيفعلون بنا؟) وتقدم النقيب إلى المعتقلين قائلا: (سوف أناديكم بأسمائكم، فمن سمع اسمه يجيب: حاضر، وينتقل إلى الطرف المقابل من الساحة). وبدأ قراءة الأسماء، في حين كنا نحتبس أنفاسنا. وأخذت إحدانا بعد المعتقلين حتى زاد العدد على الثلاثمائة. وكان النقيب يقرأ اسم أحد المعتقلين، فلا يجيبه أحد في بعض الأحيان، وعندها يتدخل الرقيب ليقول: (إنه في سرية أخرى) أو يهمس بكلمات لا نستطيع
стр. 2569
فهمها فيتابع النقيب قراءة الأسماء بصوته الجهوري ولهجته الثابتة.
فكرت بمرارة بأمر تلك الظلال التي جلس بعضها إلى جوار بعض ... وقرأ النقيب الأسماء الأخيرة بصعوبة واضحة. وانتهت (العملية) ... ثم بدأ التدافع نحو الغرف (المهاجع) وتعثر البعض بسبب الظلمة، ولم يتمكن المظليون من السيطرة على الموقف إلا بصعوبة وعناء. وتبع ذلك ضجيج وأصوات قوية، وانطلق بعضنا يعانق بعضا مهنئين بمرور التجربة بسلام، في وسط الظلمة بحيث لم تكن الوجوه لتتعارف، وكانت الظلمة القاتمة تضم الجميع وتصهرهم في كتلة واحدة، وفي جسد معذب واحد.
كانت تصلنا في كل يوم مجموعة جديدة من النساء. فنتحلق حولهن لنستمع منهن - قبل كل شيء - قصة (استجوابهن) ثم نتلقى منهن بعض الأخبار الجديدة. ونقلت إلينا بعضهن ممن جاؤوا من (مدرسة سارويا) قصة انتحار فتاة لا يزيد عمرها على ثمانية عشر ربيعا، قذفت بنفسها من نافذة المدرسة حتى تتخلص من التعذيب. وكانت شقيقة أحد المجاهدين المعروفين (ز. ت. آ) معتقلة معنا، وقد انتابها القلق على مصير أخيها، فأعلمناها أنه بخير، وعادت الطمأنينة إلى نفسها، وقد لازمت الفتاة الطالبة (هـ) ذات العشرين ربيعا، ولم تتركها لحظة واحدة، إذ كانت تعرف أنها مصابة بمرض (القلب) وشاهدتها وهي تقع مغمى عليها مرات كثيرة، في إثر جلسات التعذيب.
جاءت أيضا الفتاة (ف) شقيقة (م. ي) الذي تم تعذيبه تحت بصرنا في (مدرسة سارويا) وهي الفتاة البكر لعائلتها، وكان أبوها في السجن، وأختها هاربة (حيث أصابها المظليون برصاصة بعد أن طوقوا المزرعة التي كانت تعمل فيها مع ب. س. في تنظيم شبكةفهمها فيتابع النقيب قراءة الأسماء بصوته الجهوري ولهجته الثابتة.
فكرت بمرارة بأمر تلك الظلال التي جلس بعضها إلى جوار بعض ... وقرأ النقيب الأسماء الأخيرة بصعوبة واضحة. وانتهت (العملية) ... ثم بدأ التدافع نحو الغرف (المهاجع) وتعثر البعض بسبب الظلمة، ولم يتمكن المظليون من السيطرة على الموقف إلا بصعوبة وعناء. وتبع ذلك ضجيج وأصوات قوية، وانطلق بعضنا يعانق بعضا مهنئين بمرور التجربة بسلام، في وسط الظلمة بحيث لم تكن الوجوه لتتعارف، وكانت الظلمة القاتمة تضم الجميع وتصهرهم في كتلة واحدة، وفي جسد معذب واحد.
كانت تصلنا في كل يوم مجموعة جديدة من النساء. فنتحلق حولهن لنستمع منهن - قبل كل شيء - قصة (استجوابهن) ثم نتلقى منهن بعض الأخبار الجديدة. ونقلت إلينا بعضهن ممن جاؤوا من (مدرسة سارويا) قصة انتحار فتاة لا يزيد عمرها على ثمانية عشر ربيعا، قذفت بنفسها من نافذة المدرسة حتى تتخلص من التعذيب. وكانت شقيقة أحد المجاهدين المعروفين (ز. ت. آ) معتقلة معنا، وقد انتابها القلق على مصير أخيها، فأعلمناها أنه بخير، وعادت الطمأنينة إلى نفسها، وقد لازمت الفتاة الطالبة (هـ) ذات العشرين ربيعا، ولم تتركها لحظة واحدة، إذ كانت تعرف أنها مصابة بمرض (القلب) وشاهدتها وهي تقع مغمى عليها مرات كثيرة، في إثر جلسات التعذيب.
جاءت أيضا الفتاة (ف) شقيقة (م. ي) الذي تم تعذيبه تحت بصرنا في (مدرسة سارويا) وهي الفتاة البكر لعائلتها، وكان أبوها في السجن، وأختها هاربة (حيث أصابها المظليون برصاصة بعد أن طوقوا المزرعة التي كانت تعمل فيها مع ب. س. في تنظيم شبكة
стр. 2570
من الفدائيين. وقتل ب. س بينما تمكنت الفتاة من الفرار، حاملة معها جرحها). ولم يبق في منزلهم غير الأم مع طفلها الصغير. وهكذا كان المعسكر يفصل بين أفراد العائلة الواحدة، ويجمعهم في بعض الأحيان. وقد تصادف في مهجعنا وجود ثلاثة أزواج من
الأخوات وكانت منهما أختان سجن أبوهما وأخوهما الصغير الذي لا يتجاوز العشر سنين من عمره، في المهجع المجاور. فكانت الأختان ترسلان سرا إليهما بالخبز، وتغسلان لهما ثيابهما.
عادت الفتاة (هـ) في يوم باكية وذلك بعد وصولها إلى هنا بثلاثة أسابيع، وكان سبب بكائها، اكتشافها وجود أخيها الوحيد في المعتقل. إنها لم تتمكن من التعرف عليه في وسط ذلك الرتل الطويل من المحتجزين البؤساء: حتى التقى الاثنان مصادفة في المستوصف، واعترف لها عندئذ بأنه كان يبتعد عن بصرها حتى لا يقلقها
...
أصبح من عادتنا مراقبة كل ما يحدث في المعسكر من أمور رتيبة عادية. وكان من أبرز ما في الحياة اليومية ذلك الاستعراض الذي يقوم به المعتقلون وهم يتجهون إلى المراحيض - دورات المياه - القذرة وغير الصحية. وقد بلغ عدد المعتقلين في تلك الفترة، ثمانمائة معتقل في حين لم يكن هناك أكثر من ثمانية مراحيض، فكان الخروج إلى المراحيض يبدأ في الساعة السادسة صباحا، ولا ينتهي قبل الساعة التاسعة مساء، وأحيانا إلى ما بعد ذلك، بالرغم من حلول الظلام الدامس. وكان يتم في وقت مبكر من كل يوم اختيار خمسين رجلا للقيام بأعمال السخرة، ولدى عودتهم في المساء، تقوم قوات المعتقل بإجراء تفتيش مباغت لأحد المهاجع الذي يتم
стр. 2571
اختياره بصورة عشوائية. وكانت فترة الصباح تمضي عادة في المراجعة الطبية للمستوصف. ومع كل صباح كان يصل فوج جديد من المعتقلين، عادة ما يضم ثلاثين أو أربعين معتقلا، فتعاظم بذلك عدد المعتقلين، لا سيما وأنه لم يكن يتم إطلاق سراح أحد من المعتقلين. ولكن حدث، وبصورة مباغتة، أن تم إطلاق سراح مجموعتين كبيرتين مما أثار الأمل في النفوس. غير أن هذا الأمل ما
لبث أن خاب بسبب الاستمرار في ممارسة ذلك العمل الذي لم نتمكن من التعود عليه بالرغم من تكرر وقوعه يوميا، حيث يصل بعض المظليين من سرية الدعم ومعهم اللائحة (البيضاء المشؤومة) في أي وقت غير متوقع من أوقات الليل أو النهار، فيصعدون مثنى أو ثلاث إلى مكتب الرقيب، ويتسلمون منه الأفراد الذين وردت أسماؤهم في اللائحة، بعد أن يكون قد تم إحضارهم من مهجع أو من عدد من المهاجع، ثم يصلنا صوت سيارة (الجيب) وهي تمضي محملة بإخواننا المعتقلين البؤساء، ليتعرضوا لجولة جديدة من التعذيب والألم. بسبب ظهور شواهد جديدة ضدهم، أو بسبب ظهور تناقض في اعترافاتهم وأقوالهم.
خلاصة القول، لم يكن هذا المعسكر الذي احتجزنا فيه من المعسكرات العادية، وكان كل يوم يمر علينا يؤكد لنا هذه الحقيقة. فقد عشنا في معسكر لم تعلن عنه السلطات الإفرنسية بأنه معسكر شرعي، نظامي، فأطلقت عليه بخبث ولؤم اسم (معسكر الترفيه، أو المخيم الثالث) ولكنه كان معسكر ترفيه من نوع (خاص). يقيم فيه المعتقلون دائما في انتظار وصول معتقلين جدد يتم إرسالهم من مراكز التعذيب والتشويه. وخلال هذه الإقامة، كان لزاما على جراحنا الدامية أن تندمل وتجف، وكان لزاما على آثار التعذيب
стр. 2572
والتشويه في أجسادنا أن تخف وتزول حتى لا تكشف عن سوء المعاملة التي تعرضنا لها، وحتى لا تفضح أساليب التحقيق الوحشية التي عشناها. هذا هو (معسكر الترفيه) الذي احتجزنا فيه ونحن في عزلة تامة عن العالم الخارجي، ومن غير اتصال، أو أخبار، عن عائلاتنا التي اعتبرتنا بحكم المفقودين. على هذا عشنا أشهرا طويلة من الشك القاتل، والمعاملة الوحشية. وكان عزاؤنا في هذه الحياة المشتركة، أننا نعيش جميعا آلاما واحدة، ونمر جميعا بتجربة واحدة، نتعرض لما نتعرض له من أجل قضية نبيلة واحدة، ومثل أعلى واحد.
أقيم المستوصف في غرفة صغيرة من إحدى الغرف الواقعة في مواجهة مهجعنا، فكنا نرى من وراء القضبان الحديدية للنافذة، عددا من المرضى لا يقل عن الخمسين يوميا، وقد التصقوا على الجدار، واستندوا إليه، بانتظار دورهم في المعالجة، كنا نراهم في كل يوم وهم يعرجون، وبعضهم لا يستطيعون السير فيقعدون أرضا، تحت أشعة الشمس الحارقة، حتى يأتيهم من المعتقلين من يستطيع حملهم أو مساعدتهم على السير. وكانت أيديهم ورسغ أقدامهم مصطبغة بلون أحمر يكشف عن بقع كالوشم، ترك التعذيب بالكهرباء أثرا واضحا عليها. وكانت هذه الظاهرة تذهلنا، وتحيرنا. فنتساءل: (لماذا يحملون جميعا هذا الأثر على الرسغ، رسغ القدم بالذات، دون غيره من أعضاء الجسم؟) وأمكن لنا الحصول على تفسير هذه الظاهرة: (إن الروابط تخترق عميقا في اللحم، بسبب الاهتزازات الكهربائية، فتتقيح الجروح، ويضطرون إلى طلائها بالميكروكروم). وقال لنا الرقيب المظلي الذي قدم لنا هذا التفسير: (إنهم لا يتقنون ممارسة عملهم أما
стр. 2573
أنا، فأضع قطعا من الورق المقوى - الكرتون - بين الروابط لالصاقها على الجسم حتى لا تتحرك فتترك أثرا في الجسم).
كان هناك رقيب جزائري (اسمه س) يعمل ممرضا، وقد اعتقل معنا، فكان يقوم بكل الأعمال للعناية بالمرضى المعتقلين. أما الرقيب الممرض المظلي، فكان يأتي للثرثرة معنا، والتسلية بنا. وبقي (س) يعيش في المستوصف، للعناية بأمر اثني عشر مريضا، كلهم مصابون بأمراض خطرة، وقد ترك كل واحد منهم على الأرض، فوق غطاء، وكانت حالتهم تتطلب عناية مستمرة، ورعاية طبية خاصة وكنا عندما نكنس الساحة وننظفها، نستطيع الاقتراب لنشهد سبب صراخهم الحاد لشدة ما بهم من الألم.
كانوا ممددين أرضا، وهزالهم الشديد يفضح المرحلة التي وصلوا إليها في مرض (التدرن الرئوي). وعيونهم ملتهبة بالحمى، يحيط بهم البصاق. وهنا قدم مسودة ومنتفخة إلى درجة لا يمكن قياسها. وهناك، يجلس رجل في زاوية، يتنفس بصعوبة وقد جحظت عيناه، وجمدت نظراته. كان أنين الأجساد يتصاعد من كل مكان في الغرفة - المستوصف -. وعلى مقربة من المدخل، وضعت طاولة عليها كومة من المواد الطبية: كحول، وميكروكروم، واسبرين، وكينين، غير أنه لم يكن هناك شيء من المضادات الحيوية (أنتيبيوتيك). وكان الممرض (س) يحرص على الاقتصاد في الكحول والأربطة، فلا يعمل على توزيعها إلا عند الضرورة. وكان المعتقلون يصطفون خارجا بانتظار إدخالهم واحدا بعد الآخر، حيث يعرضون على الطبيب جراحهم التي كانت بصورة عامة مركزة على أعضاء الجسم: وجوه منتفخة، ولثث ملتهبة متورمة، بعضهم يمشي بصعوبة قصوى بسبب ما أصاب
стр. 2574
أقدامهم من التهاب حاد، وارتفاع مرعب في درجة الحرارة. وهناك حروق في الأعضاء الحساسة من الجسم لا ضرورة هنا لوصفها أو التعرض لها. هذا علاوة على تلك الندب الصغيرة التي تظهر على البطن أو على بقية أجزاء الجسم ...
كانت هذه الساحة الجنيدة تشهد العجاب والغرائب، ومنها مجنون كان يروح جيئة وذهابا طوال النهار. فهل كان مجنونا قبل اعتقاله؟ أم أن التعذيب قد أسلمه إلى الجنون؟ أم أنه يتظاهر بالجنون؟ لقد اعتبرته - من وجهة نظري - أنه إنسان شاذ وغير طبيعي: ونظراته لا تخدع أحدا. كان يمرح في كل مكان من المعسكر بكامل حريته، ذاهبا وعائدا ما بين طرفي الساحة وهو يقوم بحركات كثيرة، ويقلد حركات الملاكمين على أفضل وجه، وكان في الساعة السابعة من مساء كل يوم، يجول حول المعسكر وهو يركض - رملا - تحت أنظار المظليين الذين كانوا يشجعونه ويستثيرون حماسته، فيما كان بقية المشاهدين يروحون عن أنفسهم بمتابعته والتعليق على حركاته. وكنا نتعذب كثيرا في بداية الأمر لرؤية هذه النفس التائهة، المريضة، وقد خضعت، وهي مجردة من كل دفاع، لهؤلاء الجلادين الذين يقومون على حراستنا. ثم لم نلبث أن تعودنا على ذلك، فكان يدخل إلى مهجعنا كالريح العاصفة، فيجلس للحظة بيننا، يتحدث إلى نفسه بصوت منخفض أشبه بالدمدمة. ونقدم له الطعام ونحن خائفات وجلات تقريبا، ثم يخرج متعجلا نحو عالمه الخاص به.
...
كال طبيب المعسكر من وحدات المظليين، طويل القامة، نحيل البنية، جاف الطباع، يتحدث بقوة وبلهجة أهل (بريتانيا).
стр. 2575
وكان يرافق الممرض في جولاته أحيانا، غير أنه كثيرا ما كان يتردد علينا، إذ كان لدينا مرضانا أيضا من النساء. فهذه فتاة شابة متزوجة، لم تتجاوز التاسعه عشرة من عمرها، حاملا في الشهر الثالث، وعلى حلم ثدييها وعانتها حروق من التيار الكهربائي، وهي تتبول دما. وتلك سيدة نحيلة (هـ) لها من العمر أربعين عاما، ذات بشرة سوداء فاحمة، تعرج على قدمها، ومريضة بالربو، وتلك أيضا السيدة (آ. ت) المصابة بمرض القلب الخ ... وكنا نتناقش معه طويلا في وضع مرضانا، فكان يقول: (ماذا تريدون مني أن أفعل؟ ليس هناك أدوية، ولا شيء، ثم يشير إلى ذقن الممرض وهو يتابع قوله، وعلى كل حال، فإنهم سيموتون جوعا ومرضا. كان لزاما وضعهم في المستشفيات بصورة طبيعية لأن حالتهم تتطلب عناية من نوع آخر، وهذا أمر واضح جدا).
اتخذنا الترتيبات لإرسال الحلوى والمربيات والحليب والخبز إلى المرضى الذين اشتد عليهم الداء، وأمكن تأمين شراء هذه المواد سرا من الخارج. وفي إحدى الأمسيات، كلفت (ك) بكنس وتنظيف الساحة - أمام المستوصف - وعادت من تنفيذ مهمتها مهتاجة جدا لتقول لنا: (أتعرفون من يوجد في الأسفل، وبحالة حزينة تثير الشفقة؟ إنه الصائغ - الجواهري - مصطفى الذي يمتلك دكانا في شارع بوتان! لقد عرفني، يا له من فتى شجاع؟ ويا له من بائس؟ سنرسل له غدا بعض الطعام). ولما كان البعض منا يقيمون في هذا الحي، ويعرفون جيدا هذه الناحية، فقد عرفوه. وقالوا إنه شاب لا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، متزوج وأب لطفلتين صغيرتين، مستقيم في تعامله مع الناس، ولهذا يحترمه الجميع ويقدرونه. وفي اليوم التالي، استطاعت اثنتان منا رؤيته والتحدث
стр. 2576
إليه، وتشجيعه ببضع كلمات. كان يتنفس بصعوبة، وفي حالة إغماء، ولم يلبث أن مات في الساعة الواحدة ليلا. وبقيت أنوار المصابيح الكهربائية تسطع على جدران المستوصف طوال الليل. ووصل إلينا صوت سيارة (الجيب) الخاصة بالطبيب وهي تدخل المعسكر، وبقيت غرفة الرقيب مضاءة حتى وقت متأخر من الليل. وفي الصباح، أخذ الضجيج يرتفع بين المعتقلين وهم يتناقلون الخبر: (لقد مات الجواهري مصطفى، الذي يعمل في شارع بوتان، أضلاعه مهشمة وأحشاؤه ممزقة) وقامت الفتاة (ك) بجمع ثيابه.
كان مهجعنا مكتظا بالمعتقلات، وقد أفدنا من بعض الامتيازات، باعتبارنا نساء، فكان باب الغرفة يبقى مفتوحا ساعات عديدة في النهار، وكنا نستطيع التردد على المراحيض بحرية تامة، ونستطيع غسل ثيابنا، بل وحتى الاغتسال بمساعدة أنبوب مرن. وكان لدينا بعض الأغطية التي كنا نتبادلها فيما بيننا. في حين كان الرجال يتعرضون للمعاناة الصعبة أكثر منا؛ ينامون على الأرض، ويلتحفون ثيابهم إن وجدت معهم هذه الثياب. ولا يخرجون إلى المراحيض (دورات المياه) إلا بنظام (الاستعراض)، أو بالرتل، وبمعدل مرتين يوميا - كما سبق ذكره - يحيط بهم المظليون. وتقفل عليهم الأبواب فور عودتهم، وكانوا يتعرضون للضرب، كما لو كانوا نوعا من الكلاب.
جاء مظليان، ذات يوم، لأخذ الفتاة (ف) التي كان اسمها على (اللائحة البيضاء) وما إن نطق الديدان مناديا لها، حتى اصفر وجهها، وشحب لونها، وارتدت ثيابها وهي ترتجف، وتقدمت لمساعدتها بجهد، وجمعت لها حوائجها بصعوبة، إذ كنت أرتجف
стр. 2577
بدوري من قمة رأسي إلى أخمص قدمي. وقلت لها مشجعة: (تشجعي، تشجعي، فلعل هناك خطأ في الإسم!) وكان من العسير علينا تشجيعها ونحن نعرف جيدا ما ينتظرها.
خرجت (ف). وتركتنا في حالة من القهر العميق، والإحباط المرير، محرومين من صداقتها فمر الوقت بنا متباطئا، ثقيلا. لقد كان معنا راقصات فنانات، ومطربة تغني الشعر العربي الغنائي، فكانت وأختها تثيران المرح في غرفتنا. وكانت الفتاة (ر. س) قد عرفت كثيرا من البلاد بسبب كثرة أسفارها، ووفرة نشاطها - ديناميكيتها - فكانت تنضم إلينا، وكذلك كانت تفعل الفتاة (هـ -) ذات الشعر الأسود الطويل والمضفور، والتي كان لها من العمر ستة عشر ربيعا، فكانت أصغر المعتقلات فينا. ولم تكن (ي - هـ) التي تبلغ من العمر (٦٥) عاما لتمتنع عن المشاركة في إثارة جو المرح، والترفيه عن المعتقلات، وتلك هي صورة عن الطريق الذي أوصل هذه السيدة العجوز، المحدبة الظهر، والشديدة النحول، للسير وحدها خلال فترة عصيبة من الحياة. ولقد اشتد بنا الزحام في هذه الفترة، فلم يعد لدينا ما يكفي من الأغطية؛ فكنا نستيقظ في الليل ونحن نرتعد من البرد، ونمضي بقية الليل في رواية القصص والحكايات بانتظار طلوع النهار. ولم تجد (الأم حليمة) ملاذا لها في أي مكان، فنامت على زاوية من غطاء، لم تتذمر، ولم تعلن عن سخطها، وعندما أفاقت في الصباح، منحنية منطوية، انسحبت من مكانها وهي تقول: (آه أيتها الحرية، كم نعاني من أجلك؟) وذكرتنا كلماتها هذه بما يجب علينا عمله لتوثيق الروابط فيما بيننا داخل هذه الغرفة، وأقبل الجميع عليها، وضموها إليهم، وأعجبوا باتساع أفقها، وفكرها المتفتح، وذكرت لنا بأن المظليين قد عملوا
стр. 2578
على تعذيبها (بالتيار الكهربائي) متهمين إياها بإيوائها لواحد من المجاهدين.
...
اقترب موعد عقد جلسات هيئة الأمم المتحدة، ورافق ذلك تصعيد في حملة الاعتقالات. لقد أرادت السلطات الاستعمارية إلقاء القبض على الزعيمين المجاهدين (علي لابوانت وياسف سعدي) بأي ثمن، وسواء أمكن القبض عليهما وهما أحياء أو أموات، وذلك قبل عقد جلسات هذه الهيئة الدولية. وسارت عملية التعذيب بسرعة مذهلة، وتطورت حملة الاعتقالات فشملت: الفتيات الصغيرات، والأطفال، والشيوخ من الرجال والنساء.
أخذ الجلادون في تعذيب الأم من أجل اعتقال أبنائها، وتعذيب الزوج أمام زوجته والزوجة أمام زوجها، والطفل حتى يستيلم أبوه.
وخلال هذه الفترة اعتقلوا مجموعة من الفتيات الصغيرات بتهمة العمل في تأمين اتصالات المجاهدين أو إيواء القادة ممن تبحث عنهم السلطات الإفرنسية. كانت من بينهن (سكينة) ذات الجمال الرائع، ونضرة الشباب المتفتح لعمر لا يزيد على السبعة عشر عاما، وقد اجتذبت اهتمام الجميع، بابتسامتها الطفولية البريئة، وعيناها الدعجاوين البراقتين. وكانت قصص التعذيب كثيرة ومتنوعة: فالفتاة (ب. ف) عذبت بالكهرباء، والماء، وأدخل قضيب حديدي في فرجها. وهناك قصة امرأة لها من العمر (٣٥) عاما، قذفت بزورق إلى عرض البحر، ونرع جلادوها في تغطيسيها بالماء حتى تعترف، وكرروا العملية معها مرات عديدة حتى ماتت مختنقة. وانتهكت أعراض عدد كبير من الفتيات الصغيرات، وأجلسوا الفتاة (د. أ) على عنق زجاجة مكسورة.
стр. 2579
وسلط الكهرباء على لثتها.
ومضت على ذلك أسابيع، وانقضى الشهر الثاني على اعتقال السيدة (و) التي باتت تنظر إلى الجميع من غير أن ترى أحدا، كمن أصابها مس من الجنون، وكان تفكيرها برضيعها الذي تركته في سريره قد آل بها إلى ما هي عليه من منظر لا يحتمل.
كان التوتر العصبي العام يشتد في بعض الأمسيات حتى يبلغ ذروته، فتنفجر المناقشات الحادة بين المعتقلات لأسباب تافهة، مثل الحصول على غطاء، أو قطعة خبز، أو حتى من أجل كلمة نطقت بها إحداهن على غير إرادة منها، ودونما قصد الإساءة إلى أحد. وفي مثل هذه الحالة كان مهجعنا يتحول إلى ما يشبه (غرفة المجانين). بعضهن يقهقهن ضاحكات، وأخريات يرفعن عقيرتهن بالغناء، وأخريات أيضا يتصايحن على غير إرادة منهن.
كان (الجوع) و (الكآبة) هما وحدهما القادران على إرغامنا على التحكم بأعصابنا. فعندما نحرم من طعام الصباح، وتأتي الساعة الواحدة والنصف ظهرا ونحن جياع، ترانا وقد لجأت كل واحدة منا إلى زاوية وتمددت فيها، وراحت في غفوة هي بين النوم والصحو، مستسلمة لألم الجوع، وخاضعة للضعف الذي لا يمكنها حتى على الإجابة إذا ما طرح عليها أي سؤال. وكان وباء (الحنين) يهبط علينا بصورة مباغتة، فيرتفع ضجيج الإجهاش بالبكاء، وتنطلق من العيون نظرات مرعبة. وسعيدات هن اللواتي يجدن القدرة على البكاء وذرف الدموع، ففيها بعض العزاء لنفوسهن المعذبة. وكانت الفتاتان المغنيتان (ف) و (د) تقدمان لنا في مثل هذه الظروف مساعدة لا توصف. كانتا لا تقومان بالغناء إلا نادرا (وعندما تتوافر لهن الاستثارة). وعندها تنطلقان للغناء من أجل الجميع. وذات
стр. 2580
مساء عرفت الفتاتان بأن أمهما مريضة، فأخذتا تنتحبان، واعتصرنا الألم جميعا، إذ تذكرت كل واحدة أهلها وعائلتها، وخيم الحزن على المعتقلات، وشعرت كل واحدة بغصة في حلقها وهي تستمع إلى المغنيتين ينشدن (فاض الوجد يا عليا) بلهجة حزينة أثارت الحنين والبكاء. كان صوتها عذبا للغاية، موزونا، قويا، يغيب أحيانا ليترك الفرصة أمام (المجهشات بالبكاء بحرقة ومرارة).
لم يعد تبادل الحديث هو الشغل الشاغل للمعتقلات، بعد مضي فترة من الوقت، فباتت الطاعنات بالسن - خاصة - يجتررن الحديث ذاته، وذلك بسبب الافتقار لمواضيع جديدة يمكن التحدث فيها. وها هي على سبيل المثال (السيدة - هـ) تتحدث في قضيتها فتستثير كل من يسمعها، إنها لا تتحدث إلا (عن راتبها التقاعدي الزهيد الذي ستفقده بعد أن أفنت سنوات عمرها في العمل خادمة لأحد الفنادق). ومع العزوف عن الحديث، اتجه اهتمامنا نحو الخارج، فكنا نمضي فترة بعد الظهر بكاملها أحيانا، ونحن واقفات خلف القضبان الحديدية للنافذة، نتطلع من خلالها إلى الحقول، والسهل البعيد، كان هناك (طريق الجيش الترابي) الذي يفصلنا عن تيار الحياة. وكانت بعض العائلات قد نجحت في الوصول إليه، وصرخوا منادين أفراد عائلاتهم المعتقلين (بأسمائهم) و (بألقابهم - الكنية). غير أن الجند استطاع طردهم بعيدا حتى الغابة. وكنا نجيبهم عندما ندرك أن الحرس مشغول عنا. وكان لا بد من الصراخ بقوة كبيرة حتى تصل كلماتنا إلى آذانهم.
حاولت (زوجة مصطفى) الحصول على أخبار زوجها بعد مصرعه بأسابيع عديدة، وكانت تنادي (مصطفى) وأجابتها إحدى المعتقلات (إنه بخير - إنه بخير). غير أنها علمت بقصة وفاته،
стр. 2581
واطلعت على مأساته، فيما بعد، وعندما جاءت ظروف مناسبة.
...
مررنا نحن السجينات بحالات متناقضة، على نحو ما يحدث في كل سجون العالم. فقد كانت تصادفنا أحيانا بعض اللحظات الحلوة. وكنا نسافر بعيدا مع (ي) الجميلة، ونصفق لها وهي ترقص وتغني. وتعلمنا من (ف. ت) بعض الأغنيات الشعبية. وقضينا لحظات ممتعة مع العجوز (ي) العرجاء، والتي كانت تقص علينا (حكايات الأساطير) بصوتها الأجش، قبل أن ننام، فتذكرنا بالأطفال عندما يتحلقون حول الجدة لتهدهدهم بحكاياتها الحلوة كنا نحتمل الجوع، ونحتمل البرد، ونحتمل المرض، ونحتمل حتى (اللائحة البيضاء) .. غير أن شيئا واحدا لم نكن قادرين على احتماله، لشدة ما يثير فينا من الفزع، وذلك هو (أبو شكارة - أولابس البرنس) (١). الذي ما أن تلمحه إحداهن وهو ينزل من المركبة الخفيفة (الجيب) حتى تسرع بالدخول إلى المهجع لتعلن قدومه. وعندها تسرع كل واحدة لتمسك شيئا تغطي به وجهها وكتفيها، سواء كان هذا الشيء: شالا، أو قميصا، أو غطاة صوفيا، أو معطفا. الخ ... حتى لا يظهر إلا قسما صغيرا من الوجه.
كان (أبو شكارة - أو لابس البرنس) يقترب من المهجع وبرفقته رجلين من المظليين، وقد غطى وجهه ونصف جسمه بكيس مفتوح من طرف واحد، وقد ثقب هذا الكيس في موضع العينين. وكان
стр. 2582
غالبا ما يسير مترنحا، يساعده المظايون في سيره، إنه قادم ولا ريب من (حفلة تعذيب) ويداه مقيدتان الى ظهره. وكان الرجال أيضا يبتعدون عن النوافذ لدى رؤيته. كان الخوف يسيطر علينا جميعا، رجالا ونساء. لقد جاء هذا الرجل ليكشف أمر من يعرفهم من المشتركين معه في عمل من أعمال الثورة، وقد غطى وجهه حتى لا يعرفه أحد أو يتعرف عليه. فيعملون على إدخاله إلى كل مهجع من المهاجع، حيث ينتصب المعتقلون وقوفا، وينتظرون بقلق بالغ مروره، وتجاوزه لهم سلام. وكثيرا ما كانت بعض أخواتنا المعتقلات، تسقطن مغميات عليهن لشدة تأثرهن برؤية (أبو شكارة). ولقد كانت حالتنا الجسدية وهذا الرعب اليومي أكبر وأقوى من قدرتنا على الاحتمال. وكان ما يخيفنا هو معرفتنا بأن (أبو شكارة) قد يتهم أي إنسان، سواء من أجل كسب الوقت، أو ليخفف من آلامه، أو أنه يشير إلى أحد من يعرفهم بدافع الحقد أو بدافع الغيرة، ولهذا كانت لدينا أسباب كافية للشعور بالذعر. وكان يتم اقتياد من يشير إليه (أبو شكارة) فيأخذه معه. وأحيانا يعود (أبو شكارة) وحده، من غير أن يتعرف على أحد، وحتى في مثل هذه الحالة، فإننا لم نكن نجرؤ على التفكير بما ينتظره بعد عودته إلى (التعذيب).
استطعنا من خلال الأحاديث السياسية مع الرقيب والعريف، أن نتعرف على هذه المخلوقات: سواء هؤلاء الذين يعملون على حراستنا، أو أولئك الذين يعملون في تعذيبنا. بعضهم من الأيتام، وبعضهم كانوا أحداثا جانحين، وبعضهم الأولاد الأكبر - البكر - في عائلات كثيرة الأولاد - وكثير من الشرسين المجرمين. وجميعهم بصورة عامة، من الجهلة الذين يفتقرون للتكيف مع المجتمع،
стр. 2583
والحمقى، وقصار الرجال ذوي النفوس الحاقدة المعقدة. وذات يوم اشتبك اثنان منهم في عراك، خلال فترة بعد الظهر، وأشهر كلا منهما سكينه وهاجم بها الآخر، في وسط الساحة، وأسرعنا الى النوافذ، نتابع بفرحة نابعة من القلب معركة اثنين من جلادينا. وكل منهما يذبح الآخر ويقتله.
علمت، في جملة ما علمته، من خلال تلك الثرثرة، بعضا من التفاصيل بشأن المعسكر، ومنها أن معسكرنا هذا هو في جملة المعسكرات التي تتكتم السلطات الإفرنسية عنها، وتنكر وجودها. وأن الصرخات التي سمعناها في الأيام الأولى لاعتقالنا، كانت صادرة عن مريض بتر المظليون عضوه، وأن هناك معسكرات (سوداء) كثيرة حول العاصمة (الجزائر) وفي (البيار) و (سيدي فريج) و (لارودوت) الخ ...
...
بلغ عدد المعتقلين الذين سجلت أسماؤهم على اللوحة السوداء في مكتب الرقيب (٨٦٤) معتقلا. وانتشر الزحار الحاد (الدوسنطاريا) بين الرجال، كما أصيب بها بعض النساء أيضا. غير أننا لم نستسلم لحالتنا، واستطعنا تأمين الوسيلة للحصول على الأخبار: فكانت الصحف تنتقل من مهجع إلى مهجع، بالرغم من التفتيش الدقيق. وأمكن للرجال أيضا المحافظة على شجاعتهم، والسخرية من حراسهم وجلاديهم. ومثال ذلك، ما حدث يوم اقتاد أحد المظليين مجموعة من المعتقلين نحو مهاجعهم، ثم طلب إلى
أحدهم أن يرقص أمامه رقصا شرقيا، وخرج الشاب من الصف بعد لحظة من التردد، ثم شرع في الرقص، بينما أخذ رفاقه يصفقون له ويرددون بصوت واحد: (إلعن ولد القوم، إلعن ولد القوم، أي لعن
стр. 2584
أهلكم) وأظهر المظليون سرورهم، ولم يفهموا تلك الشتائم التي وجهت لهم. وقد أثار هذا الحادث في نفوس النساء قدرا كبيرا من الارتياح.
بوغتت النساء ذات يوم مباغتة بلغت بهن أقصى درجات الاستثارة. فقد دخلت إلى المعسكر الفتاة (ف. ت) وهي تحمل حقيبة سفر في يدها، وعلى رأسها منديل رقيق، يحيط بها إثنان من المظليين. ولم يكن مثل هذا المشهد مألوفا في المعسكر وتساءلت النساء: (ترى من تكون هذه الفتاة، التي وجدت ما يكفيها من الوقت لوضع ثيابها في الحقيبة من أجل إقامتها البائسة في المعسكرات؟). لقد كان مظهرها يوحي بأنها تعمل متنقلة في المقاومة السرية، وأنه قد تم اعتقالها عند سفرها لتنفيذ إحدى المهمات. وعلى كل حال، فإن فترة التساؤل لم تستمر طويلا، إذ تم إدخالها إلى مهجعنا بعد هنيهة، وعرفنا أن اسمها هو (ف. ت) وقالت أنها قدمت من معسكر (مصوص) بعد قيامها برحلات عديدة، وأنها تعرضت للتعذيب قبل أن ينقلوها إلى معسكرنا، وكانت قد تعرضت من قبل للتعذيب أيضا في معسكر (مصوص) لأنهم هناك يقومون بالتعذيب أيضا أثناء القيام بالبحث والتحقيق في أعمال أخرى. وقالت أيضا بأنها (جربت) خلال التعذيب كل الوسائل المتبعة، من التيار الكهربائي إلى الماء الخ ... واعترفت أنها حاولت الانتحار قبل أن تتعرض لتجربة التحقيق الثاني: (غير أن حديد النافدة أمسك بها، فبقيت معلقة، وأسرع مظلي لإنقاذها من الموت الذي كانت تتمناه وذلك في اللحظة الأخيرة) وها هي الآن تقوم (برحلتها) الثالثة. وشعرنا أنها تتألم، وتعاني من القلق، وطالما تساءلت: (لماذا نقلوني إلى هنا؟ ولماذا يبدلون مركز
стр. 2585
اعتقالي من معسكر إلى معسكر؟ تراهم يريدون تعذيبي من جديد؟ أم تراهم يريدون إطلاق سراحي؟ إذا فعلوا ذلك فإن مدة اعتقالي ستكون ثلاثة أشهر منذ توقيفي في معسكر (مصوص)! ...
وهكذا كانت تتعلق بأكبر الآمال وهي تعاني من أشد الآلام والمخاوف حتى أنها لم تكن تعرف للنوم طعما، حتى علمنا بعد أيام قليلة، ومن خلال التقاطنا لبعض أطراف الحديث الذي كان يدور بين الجلادين، بأنهم سيعيدون الفتاة (ف) إلى التحقيق من جديد، وقد يكون ذلك غدا. فاتفقنا مع الفتاة (ر) على التمهيد لها من أجل إعداد (ف) نفسيا للتجربة الجديدة، حتى لا يكون الأمر مباغتا لها عندما يحضرون لأخذها. وأمضينا ليلتنا على ذلك، فكانت المسكينة (ف. ت) تصغي باهتمام الى التفاصيل الجزئية التي عملنا على إقحامها عمدا في قصص ما تعرضنا له من التعذيب، وانتهى الحديث عندما قالت الفتاة (ر) الجملة التالية:
(وهكذا! وكما ترين يا - ف - ها نحن قد تجاوزنا البلاء، ونحن الآن في صحة جيدة. فاللحظات التعيسة تمضي دائما، والمهم في الأمر هو أن نضبظ أعصابنا، وأن نسيطر على أنفسنا). غير أنها لم تدرك يقينا ما تعنيه (ر) بكلماتها هذه إلا بعد أن جاؤوا لأخذها. وغابت عنا لمدة يومين، ثم عادت، وقد شحب وجهها قليلا، وقالت لنا: (قليلا من الكهرباء، تصوروا أنهم أخطؤوا بي، غير أنهم لم يكتشفوا خطأهم إلا بعد أن عذبوني بالكهرباء). وبقيت معنا بعد ذلك لمدة أسبوع، أعيدت بعده إلى معسكر (مصوص). غير أنني لاحظت أنها كانت خلال هذه الفترة: سوداوية المزاج متشائمة، منغلقة على نفسها - انطوائية - تقية ورعة، تسبب لها التعذيب بانهيار عصبي، فكانت لا تتحدث إلا عن الموت.
стр. 2586
أفاق المعسكر ذات صباح وقد اجتاحه نبأ مفاده (أنه سيتم إطلاق سراح عدد كبير من المعتقلين). فكان كل واحد يأمل بأن يكون اسمه في عداد من سيتم إطلاق سراحهم. وكان جرس الهاتف يرن باستمرار، وبعثت حياة جديدة في المعسكر. وأعلن عن أسماء الذين سيخلى سبيلهم، فكانوا مائة تقريبا، تم جمعهم من كافة المهاجع، وحشروا بعد ذلك في مهجع واحد، حيث بدأ الرقيب بفحص جراحاتهم، والبائس، عاثر الحظ، هو ذلك الذي لا زالت آثار التعذيب باقية واضحة على جسده، إذ كان لزاما عليه البقاء في المعتقل حتى تشفى جراحه شفاء تاما. ثم جاء (النقيب بوتوت) فدخل إلى المهجع، وألقى عليهم محاضرة مستفيضة انتهت بالهتاف الذي ردده المعتقلون مع النقيب (تحيا فرنسا، تحيا الجزائر!). وكان لزاما عليهم أيضا أن يهتفوا - في سرهم - (عاش التعذيب!). وفي مثل هذه اللحظة، فقدت الكلمات معانيها ومضامينها، وأخذ الذين أطلق سراحهم بالخروج، ومعانقة أولئك الذين بقوا رهن الاعتقال. وكان بعضهم يذكر هؤلاء الذين سيتجاوزون بعد برهة الباب الحديدي، فيقول لهم: (لا تنسوا العنوان) و (اذهب لزيارة ابنتي وتطمينها عني) وكنا - نحن النسوة - نصرخ من وراء القضبان: (أيها الأخوة! أيها الأخوة! لا تنسوا أبدا، لا تنسوا أبدا. ما فعله هؤلاء بنا). فكانوا يجيبون بتأثر واضح، وبصوت مخنوق: عما قريب، عما قريب، سيجيء دوركم بإذن الله.
...
مضى شهر على ذلك تقريبا عندما تجمع المظليون الذين كانوا بقيادة (العقيد بيجارد) ومضوا لتنفيذ عملياتهم في الجنوب، وشعرنا في المعسكر بارتياح لذهابهم، إذ فكرنا ونحن نراهم يخرجون:
стр. 2587
(سينتقم لنا إخواننا الثوار المجاهدون من هؤلاء، ولكل ما فعلوه بنا).
...
انتقلت إدارة المعسكر إلى جنود القبعات الخضر (المغاوير). وتسلم الأمور الإدارية مساعد ألماني من قدامى جنود اللفيف الأجنبي، ومعه عدد من الألمان والإيطاليين والهولانديين، ولم يكن بينهم إلا رقيب فرنسي. ولشد ما كانت دهشتنا ونحن نرى أن حياتنا في المعسكر بدأت في التحسن. وظهر أثر النظافة واضحا في المعسكر، وبات باستطاعة المعتقلين حلق شعر ذقونهم (لحاهم). وقص شعورهم. كما سمح لنا بغسل ثيابنا، والاستحمام، وحتى رعاية المزروعات والدواجن. وأجريت التمديدات الكهربائية إلى كافة المهاجع أخيرا. وتوقف الضرب حتى بات أمرا نادرا وفي ظروف غير طبيعية، وغير اعتيادية، وجاء يوم الجمعة بعد يومين، فأقيمت الصلاة ليوم الجمعة في الساحة العامة للمرة الأولى. وكان هناك (مفتي) بين المعتقلين، جمع حوله كل أولئك الذين لا زالوا يعرفون أداء الصلاة. أما الآخرون فقد جلسوا يستمعون بصمت مؤثر. وارتفع صوت (المفتي) هادرا، مثيرا للمشاعر، وخرجت النسوة من المهجع، ووقفن أمام الباب، وأقمن الصلاة. بخشوع وتأثر دفع الكثيرين منا للبكاء. وانبعث الأمل قويا في النفوس، والمصلون يركعون ويسجدون للواحد القهار، تحت السماء المشرقة، حيث أصوات المصلين ترتفع من القلوب والحناجر، داعية الله الفرج القريب، والنصر لعباده المؤمنين.
стр. 2588
٤ - أم الشهيد (*)
أقيم الاحتفال السنوي في مدرسة (الأبيار) بمناسبة انتهاء العام الدراسي، ونجح أولادي بمرتبة الشرف، وبات لزاما عليهم الاشتراك في التمثيلية التي تقرر تقديمها على مسرح المدرسة. ووزعت عليهم الأدوار التي سيمثلونها. فكان دور ابني هو القيام بدور الملك (داغوبير) (١). وقمت بتفصيل سترة له، ذات لون أزرق
стр. 2589
جميل (جاكيت) وبنطالا منفوخا، على نحو ما كانوا يلبسونه في ذلك العصر، مع قبعة سوداء. وسارت الأمور بالنسبة له على أفضل ما يرام أما أخته فكأن عليها تمثيل دور فراشة وردية اللون، وبذلك يكون - ابني وابنتي - قد حصلا على الدورين الرئيسيين في التمثيلية.
جاء موعد الاحتفال، وغصت ساحة مدرسة (دوري) بالمدعوين الذين كان معظمهم من الفرنسيين. وكان يلزمني قدر غير قليل من الشجاعة حتى أتمكن من الاختلاط بهم، أنا (فاطمة الصغيرة) ذات الحجاب المسدل على الوجه، والثياب البيضاء الطاهرة، سأظهر بينهم مثل حيوان (البطريق). المهم في الأمر هو أن الحفلة بدأت بعزف النشيد الوطني الإفرنسي - المارسييز - ووقف الجميع - إلا فاطمة الصغيرة - التي بقيت جالسة على كرسيها، متجاهلة كل ما كان يدور حولها. واستدارت الرؤوس نحوها، وهي تحدجها بنظرات ساخطة تعبر عن غيظ أصحابها، غير أنه ما من أحد تجرأ على توجيه أية ملاحظة. وانصرفت (فاطمة الصغيرة) سعيدة إذ رأت (ابنها وابنتها) وهما يمثلان دوريهما بنجاح رائع.
كنت وأنا أتابع التمثيلية، أفكر بأمر ذلك اليوم الذي سيأتي، وينضم فيه أولادي إلى قوات جيش التحرير الوطني، لخوض حرب
التحرير. وقد قيل لي، بأن فرنسيا من هذه المدرسة ذاتها، كان رفيقا لابني البكر على مقعد الدراسة، هو الذي قتله في (بوغاره) التي كانت تعرف باسم (روفيغو) وأنه قتله على الرغم من أنه عرفه، ثم تعرف على جثته.
كان لي ولدان كبيران، ابني البكر الذي مضى مجاهدا مع إخوانه مجاهدي الجزائر، والابن الأصغر - الثاني - والذي انضم إلى الثوار - الماكي - حتى لا يؤدي خدمته الإلزامية في الجيش
стр. 2590
التعليم في المناطق المحررة - الاسلام ضد الجهل
стр. 2591
الإفرنسي، ولم يكن له من العمر إلا عشرين عاما. وقد أصيب ابني البكر في معركة برصاصات اخترقت صدره، استشهد على أثرها، ومضى للقاء ربه. لقد مات شهيدا في سبيل وطنه. وكان يسكن إلى جوارنا ضابط فرنسي برتبة رائد - كومندان س - قتل ابنه أيضا من أجل قضية الاستعمار الإفرنسي. فكان يمر من أمام منزلنا وقد وضع على ذراعه شريطا أسود علامة الحزن والأسى لمصرع ابنه، وكان الألم يعتصره وهو يراني، أنا الأم الثكلى، إذ أذكره (بمشكلته). وكنت أراه والألم يعتصرني أيضا، إذ أرى فيه قاتل ابني. ولعل كل واحد منا كان يردد في سره:
(من يرد لي ولدي الحبيب؟ من يعيد إلي ابني؟! ...).
كانت ذكريات ابني البكر تطوقني باستمرار، وتعذبني. وإنني لأذكر ذلك اليوم الذي أقامت فيه المنظمات النسائية احتفالا تنظيميا
للمرأة الجزائرية في قاعة (ورط الأبيار). وقد أمكن لزوجي الذي كان مستشارا للبلدية، أن يحصل على إجازة - تصريح - من العمدة الفرنسي لعقد الاجتماع في قاعة الموسيقى. وكان علي أن أعزف على المعزف - البيانو - موسيقى أغنية (مين يجيبها لنا). في حين كان على ولدي الاثنين أن يقفا مع رفاقهم بثيابهم الكشفية لحراسة المكان، وكلهم يشعر بالفخر والاعتزاز لاضطلاعه بهذه المهمة. كانوا جميعا يقفون بفتوة الشباب وعزم الرجال، وقد وضعوا حول أعناقهم المناديل الخضراء - فولار - وزينوا رؤوسهم بالعصائب الحمراء - العقال -.لقد كانوا منذ ذلك الحين ثوار المستقبل. وفخر (الأبيار) ومصدر فخري واعتزازي. ترى من يستطيع إعلامي؟ أتراه قد تعذب كثيرا - ابنى الحبيب - قبل استشهاده ووفاته؟ لقد كان شجاعا على ما أعتقده. ترى من يستطيع التخفيف من ألمي؟ ...
стр. 2592
إني لأذكر (يوم عاشوراء) من سنة ١٩٥٧، ففي ذلك اليوم، تسارعت الأحداث بشكل مذهل؛ إذ قام شباب الحركة الوطنية الجزائرية بخوض معركة مع قوات الاستعمار بالقرب من الفندق. وأصيب ابني الثاني بجرح في رأسه. وقام والده بالتعاون مع أحد الجيران بنقله سرا، في اليوم ذاته، إلى مستوصف يشرف على عيادته الدكتور الحاج، وقام بتقديم التصريح لإجراء العملية وعندما عاد زوجي من عمله بعد نهار حافل بالمتاعب، وهو في حالة من الإعياء الشديد، بوغت بوجود العسكريين الذين كانوا يطوقون المنزل. وعرف على الفور أن السلطات الإفرنسية قد جاءت للبحث عنه، وأنهم يعتقدون بأنه لا بد وأن يكون مختبئا في مكان ما من المنزل، ولم يكن زوجي يخشى من البحث والتفتيش لمعرفته بأن ابنه يرقد الآن في مكان مأمون، غير أنه بات يخشى ما هو أسوأ. المهم في الأمر، استأذن جند الإفرنسيين في دخول المنزل، وسمحنا لهم بممارسة عملهم الذي لا بد لهم من القيام به شئنا أم أبينا، فعملوا قبل كل شيء على تهدئة ثائرة كلابهم المهتاجة التي كانت تقتص الأثر. ثم قاموا بتفتيش المنزل تفتيشا دقيقا شمل كل زاوية فيه. وخرجوا وهم يدمدمون، إذ أصابهم الإحباط لأنهم لم يعثروا على ضالتهم، غير أن ذهابهم لم يصرف عنا الذعر، فقد مضى الليل وأنا أشعر ببرد شديد كادت له عظامي أن تتجمد.
جاءني في اليوم التالي تاجر جزائري معروف جدا في الحي كله. وبعد تحية الصباح طلب إلي الإبقاء على باب مرآب السيارة - الكراج - مفتوحا طوال النهار، وعدم إسدال الستار الحديدي الذي نغلق به عادة المرآب على سيارتنا، وقال لي: بأنه ستنفذ عملية أثناء النهار، وأنهم يحتاجون مرآبنا لإخفاء سيارة المجاهدين الذين سيقومون
стр. 2593
بتنفيذ العملية. وقال لي، التاجر أيضا، بأن هذا الأمر قد صدر عن (جبهة التحرير الوطني). وكان زوجي غائبا، وكذلك ابني، فأخذت الأمر على عاتقي، وقبلت تحمل المسؤولية لأنني لم أكن راغبة في أن تفشل العملية لأي سبب من الأسباب وقامت سيارة زرقاء بالمرور من أمام المرآب أكثر من مرة للتعرف على المكان - وتعليمه - وكنت أقف في الحديقة مع أبنائي الصغار، ونبتهل الله أن ينصر هؤلاء الفتية المجاهدين. وقام هؤلاء بإلقاء قنبلة على مقهى يقع على منعطف (سكالا) بجوار الطريق الواسع. وكان هذا
المقهى هو مركز اجتماع الإفرنسيين المقيمين في الحي، والذين يتخذون من المقهى مركزا لنشاطاتهم وأعمالهم. انفجرت القنبلة، غير أنها لم تحدث أي ضرر أو أذى بسبب وقوعها بعيدا عن هدفها، فلم تتجاوز ساحة المقهى. واستنفرت القوات الإفرنسية، ويظهر أن سائق السيارة فقد سيطرته على أعصابه، فلم يتمكن من التعرف على المرآب - الكراج -. وأخذ بدلا من ذلك المنعطف الأول الذي يصل إلى مرآبنا، طريقا وصل به الى (جبل أديس). وأدرك السائق خطأه، فأنزل إخوته المجاهدين وقذف بصندوق من الذخيرة في الحديقة المجاورة لمنزلنا. ورأينا الصندوق، فأرسلت ابنتي الصغيرة لتجلب سلما من بيت جيران جزائريين من أجل إحضار الصندوق. ونبحت كلاب الجيران الإفرنسيين نباحا مسعورا، فيما كان ابني الصغير يتسلق السلم، حتى إذا ما وصل إلى أعلاه، كان جوارنا الإفرنسيين قد أقبلوا وقد استنفرهم عواء الكلاب، ودخلوا الحديقة ووجدوا الصندوق. فاجتاحتهم نوبة من الفرح. واتصلوا هاتفيا بالشرطة، وما هي إلا خمسة دقائق حتى وصلت تظاهرة من رجال الشرطة ومعهم كلابهم، وشرعوا في تطويق الحي ومحاصرته. وانصرفت وأبناني إلى الصلاة، نبتهل الله مرور البلاء
стр. 2594
بسلام. وفي تلك الفترة وصل زوجي إلى المنزل. وجاء بعده ابني البكر يتيه شبابا غضا، وعزما قويا، ويضج وجهه بنور الإيمان، ولدى مشاهدته للجيران المجتمعين - من الإفرنسيين - توقف قليلا وتحدث إليهم مستوضحا الأمر، ومتجاهلا اطلاعه على شيء مما يحدث. وصدقه جارنا وقال له: (أنت، يا صغيري محمد، إنك بعيد عن الشبهات، ذلك لأنك لست من طبقة هؤلاء الثوار - الفلاقة - الذين لا يجيدون إلا القتل والتدمير). ولقد كان هذا الجار غبيا، إذ اعتقد أننا نختلف عن الثوار - الفلاقة -. المهم أنه لم يشك بأمرنا، وهو لم يعرف بأن ابني قد أصيب برأسه أثناء المعركة، لأننا أثرنا ضجيجا، وأعلنا أنه وقع من على دراجته.
أغلقنا على أنفسنا باب المنزل، عندما عاد الهدوء، وأطعمت بعض أفراد العائلة، في حين اكتفى الآخرون بتناول المهدئات - الاسبرين - والزهورات، ثم انصرفنا إلى أسرتنا، وجفانا النوم، حتى تجاوز الوقت منتصف الليل، ولم يعد هناك من صوت إلا أصداء خطوات الدوريات الإفرنسية وهي تقرع أرض الطريق.
...
مضت أشهر على هذا الحادث، وشعر ابني أن الموقف في العاصمة بات غير محتمل، وأدرك بأنه بات لزاما عليه العمل بصورة علنية، والانضمام إلى المجاهدين في الجبال للعمل إلى جانب إخوانه. وودعنا في اليوم الأول من إضراب الثمانية أيام. ولم نعد نراه بعد ذلك أبدا. وانقطعت أخباره انقطاعا تاما، ومضت سنتان عندما علمنا باستشهاده في جبال (حمام علوان) وفي تلك الفترة، لم يكن قد بقي منه إلا عظاما في الأرض التي أراد الدفاع عنها وتحريرها.
стр. 2595
لقد مضى ابني شهيدا، وابتهل الله أن يلحقني به بعد أن يمكنني من الحج إلى بيته الحرام حتى أكمل فرائضي. وأن يتقبلني امرأة مسلمة مخلصة لبلادها.
الشعب وحده هو البطل