الإفرنسي، ولم يكن له من العمر إلا عشرين عاما. وقد أصيب ابني البكر في معركة برصاصات اخترقت صدره، استشهد على أثرها، ومضى للقاء ربه. لقد مات شهيدا في سبيل وطنه. وكان يسكن إلى جوارنا ضابط فرنسي برتبة رائد - كومندان س - قتل ابنه أيضا من أجل قضية الاستعمار الإفرنسي. فكان يمر من أمام منزلنا وقد وضع على ذراعه شريطا أسود علامة الحزن والأسى لمصرع ابنه، وكان الألم يعتصره وهو يراني، أنا الأم الثكلى، إذ أذكره (بمشكلته). وكنت أراه والألم يعتصرني أيضا، إذ أرى فيه قاتل ابني. ولعل كل واحد منا كان يردد في سره:
(من يرد لي ولدي الحبيب؟ من يعيد إلي ابني؟! ...).
كانت ذكريات ابني البكر تطوقني باستمرار، وتعذبني. وإنني لأذكر ذلك اليوم الذي أقامت فيه المنظمات النسائية احتفالا تنظيميا
للمرأة الجزائرية في قاعة (ورط الأبيار). وقد أمكن لزوجي الذي كان مستشارا للبلدية، أن يحصل على إجازة - تصريح - من العمدة الفرنسي لعقد الاجتماع في قاعة الموسيقى. وكان علي أن أعزف على المعزف - البيانو - موسيقى أغنية (مين يجيبها لنا). في حين كان على ولدي الاثنين أن يقفا مع رفاقهم بثيابهم الكشفية لحراسة المكان، وكلهم يشعر بالفخر والاعتزاز لاضطلاعه بهذه المهمة. كانوا جميعا يقفون بفتوة الشباب وعزم الرجال، وقد وضعوا حول أعناقهم المناديل الخضراء - فولار - وزينوا رؤوسهم بالعصائب الحمراء - العقال -.لقد كانوا منذ ذلك الحين ثوار المستقبل. وفخر (الأبيار) ومصدر فخري واعتزازي. ترى من يستطيع إعلامي؟ أتراه قد تعذب كثيرا - ابنى الحبيب - قبل استشهاده ووفاته؟ لقد كان شجاعا على ما أعتقده. ترى من يستطيع التخفيف من ألمي؟ ...
стр. 2592
إني لأذكر (يوم عاشوراء) من سنة ١٩٥٧، ففي ذلك اليوم، تسارعت الأحداث بشكل مذهل؛ إذ قام شباب الحركة الوطنية الجزائرية بخوض معركة مع قوات الاستعمار بالقرب من الفندق. وأصيب ابني الثاني بجرح في رأسه. وقام والده بالتعاون مع أحد الجيران بنقله سرا، في اليوم ذاته، إلى مستوصف يشرف على عيادته الدكتور الحاج، وقام بتقديم التصريح لإجراء العملية وعندما عاد زوجي من عمله بعد نهار حافل بالمتاعب، وهو في حالة من الإعياء الشديد، بوغت بوجود العسكريين الذين كانوا يطوقون المنزل. وعرف على الفور أن السلطات الإفرنسية قد جاءت للبحث عنه، وأنهم يعتقدون بأنه لا بد وأن يكون مختبئا في مكان ما من المنزل، ولم يكن زوجي يخشى من البحث والتفتيش لمعرفته بأن ابنه يرقد الآن في مكان مأمون، غير أنه بات يخشى ما هو أسوأ. المهم في الأمر، استأذن جند الإفرنسيين في دخول المنزل، وسمحنا لهم بممارسة عملهم الذي لا بد لهم من القيام به شئنا أم أبينا، فعملوا قبل كل شيء على تهدئة ثائرة كلابهم المهتاجة التي كانت تقتص الأثر. ثم قاموا بتفتيش المنزل تفتيشا دقيقا شمل كل زاوية فيه. وخرجوا وهم يدمدمون، إذ أصابهم الإحباط لأنهم لم يعثروا على ضالتهم، غير أن ذهابهم لم يصرف عنا الذعر، فقد مضى الليل وأنا أشعر ببرد شديد كادت له عظامي أن تتجمد.
جاءني في اليوم التالي تاجر جزائري معروف جدا في الحي كله. وبعد تحية الصباح طلب إلي الإبقاء على باب مرآب السيارة - الكراج - مفتوحا طوال النهار، وعدم إسدال الستار الحديدي الذي نغلق به عادة المرآب على سيارتنا، وقال لي: بأنه ستنفذ عملية أثناء النهار، وأنهم يحتاجون مرآبنا لإخفاء سيارة المجاهدين الذين سيقومون
стр. 2593
بتنفيذ العملية. وقال لي، التاجر أيضا، بأن هذا الأمر قد صدر عن (جبهة التحرير الوطني). وكان زوجي غائبا، وكذلك ابني، فأخذت الأمر على عاتقي، وقبلت تحمل المسؤولية لأنني لم أكن راغبة في أن تفشل العملية لأي سبب من الأسباب وقامت سيارة زرقاء بالمرور من أمام المرآب أكثر من مرة للتعرف على المكان - وتعليمه - وكنت أقف في الحديقة مع أبنائي الصغار، ونبتهل الله أن ينصر هؤلاء الفتية المجاهدين. وقام هؤلاء بإلقاء قنبلة على مقهى يقع على منعطف (سكالا) بجوار الطريق الواسع. وكان هذا
المقهى هو مركز اجتماع الإفرنسيين المقيمين في الحي، والذين يتخذون من المقهى مركزا لنشاطاتهم وأعمالهم. انفجرت القنبلة، غير أنها لم تحدث أي ضرر أو أذى بسبب وقوعها بعيدا عن هدفها، فلم تتجاوز ساحة المقهى. واستنفرت القوات الإفرنسية، ويظهر أن سائق السيارة فقد سيطرته على أعصابه، فلم يتمكن من التعرف على المرآب - الكراج -. وأخذ بدلا من ذلك المنعطف الأول الذي يصل إلى مرآبنا، طريقا وصل به الى (جبل أديس). وأدرك السائق خطأه، فأنزل إخوته المجاهدين وقذف بصندوق من الذخيرة في الحديقة المجاورة لمنزلنا. ورأينا الصندوق، فأرسلت ابنتي الصغيرة لتجلب سلما من بيت جيران جزائريين من أجل إحضار الصندوق. ونبحت كلاب الجيران الإفرنسيين نباحا مسعورا، فيما كان ابني الصغير يتسلق السلم، حتى إذا ما وصل إلى أعلاه، كان جوارنا الإفرنسيين قد أقبلوا وقد استنفرهم عواء الكلاب، ودخلوا الحديقة ووجدوا الصندوق. فاجتاحتهم نوبة من الفرح. واتصلوا هاتفيا بالشرطة، وما هي إلا خمسة دقائق حتى وصلت تظاهرة من رجال الشرطة ومعهم كلابهم، وشرعوا في تطويق الحي ومحاصرته. وانصرفت وأبناني إلى الصلاة، نبتهل الله مرور البلاء
стр. 2594
بسلام. وفي تلك الفترة وصل زوجي إلى المنزل. وجاء بعده ابني البكر يتيه شبابا غضا، وعزما قويا، ويضج وجهه بنور الإيمان، ولدى مشاهدته للجيران المجتمعين - من الإفرنسيين - توقف قليلا وتحدث إليهم مستوضحا الأمر، ومتجاهلا اطلاعه على شيء مما يحدث. وصدقه جارنا وقال له: (أنت، يا صغيري محمد، إنك بعيد عن الشبهات، ذلك لأنك لست من طبقة هؤلاء الثوار - الفلاقة - الذين لا يجيدون إلا القتل والتدمير). ولقد كان هذا الجار غبيا، إذ اعتقد أننا نختلف عن الثوار - الفلاقة -. المهم أنه لم يشك بأمرنا، وهو لم يعرف بأن ابني قد أصيب برأسه أثناء المعركة، لأننا أثرنا ضجيجا، وأعلنا أنه وقع من على دراجته.
أغلقنا على أنفسنا باب المنزل، عندما عاد الهدوء، وأطعمت بعض أفراد العائلة، في حين اكتفى الآخرون بتناول المهدئات - الاسبرين - والزهورات، ثم انصرفنا إلى أسرتنا، وجفانا النوم، حتى تجاوز الوقت منتصف الليل، ولم يعد هناك من صوت إلا أصداء خطوات الدوريات الإفرنسية وهي تقرع أرض الطريق.
...
مضت أشهر على هذا الحادث، وشعر ابني أن الموقف في العاصمة بات غير محتمل، وأدرك بأنه بات لزاما عليه العمل بصورة علنية، والانضمام إلى المجاهدين في الجبال للعمل إلى جانب إخوانه. وودعنا في اليوم الأول من إضراب الثمانية أيام. ولم نعد نراه بعد ذلك أبدا. وانقطعت أخباره انقطاعا تاما، ومضت سنتان عندما علمنا باستشهاده في جبال (حمام علوان) وفي تلك الفترة، لم يكن قد بقي منه إلا عظاما في الأرض التي أراد الدفاع عنها وتحريرها.
стр. 2595
لقد مضى ابني شهيدا، وابتهل الله أن يلحقني به بعد أن يمكنني من الحج إلى بيته الحرام حتى أكمل فرائضي. وأن يتقبلني امرأة مسلمة مخلصة لبلادها.
الشعب وحده هو البطل
стр. 2596
٥ - مجاهدة وأم شهيد
تلك هي قصة أخرى لامرأة مجاهدة، وما أكثر المجاهدات، وهي أم لشهيد، وما أكثر أمهات الشهداء. وقد كان موطن هذه الإمرأة المجاهدة وأم الشهيد في (بني جناد) إحدى ضواحي القبائل الكبرى. وعرف عنها إيمانها العميق، وصبرها على مشاق الحياة وبؤسها، وإخلاصها غير المحدود لوطنها، واعتزازها بالفضائل الأخلاقية التي تحلت بها المرأة المسلمة.
لقد مات زوجها وهي صبية، لما تتجاوز العقد الثالث من عمرها، وترك لها ابنا صغيرا، وقليلا من المال لا يكاد يكفيها لتأمين متطلبات حياتها البسيطة. واحتملت كل ألوان البؤس والحرمان حتى تقدم لابنها ما هو ضروري لنموه وتربيته على فضائل قومها. ولم يكن لها ما يؤنس وحشتها، ويبدد شقاءها، إلا تعلقها بأمل نشوء ابنها نشأة صالحة، يحظى بها برعاية الله وعنايته، حتى يكون لها عونا طالما بقيت على قيد الحياة. ومضت ثلاثة وعشرون سنة من عمر الابن، وأصبح شابا صلب العود، وتحقق أمل الأم، فكان ابنا فاضلا، مسلما مؤمنا على خلق رفيع، أحبه أهل قريته، وأخذوا يضربون به المثل، ويتخذونه قدوة يحفزون أبناءهم على تقليده
стр. 2597
والسير على نهجه وخطاه. وكانت وطنيته الصادقة أبرز صفة امتاز بها عن أقرانه. ولم يكن ذلك غريبا عليه، فقد بقيت أمه هي قدوته في حب الوطن، وهي مثله الأعلى في التضحية والفداء. وكان نشاطها الدائم وحيويتها المتدفقة موجهة كلها لوطنها ولابنها، واستطاعت بذلك، وبفضل ما تتمع به من سمعة طيبة، أن تؤثر تأثيرا عميقا فيمن حولها من النساء، حتى تحولن كلهن إلى مجاهدات، عندما دقت ساعة الجهاد، ولقد عرفت السلطات الاستعمارية قوة هذه العقبة في التأثير على مخططاتها الاستعمارية. وكانت ذكرى (لالا عائشة) وأمثالها من المجاهدات عالقة في أذهان هؤلاء الاستعماريين، فمضوا الى اضطهاد الأم وابنها معا، وطالما تجرعت الأم وابنها بنتيجة ذلك مرارة الظلم الاستعماري، من إهانة وضرب وحرمان من كل ضرورات الحياة، وسجن الابن مرات عديدة، غير أن ذلك لم يزدهما إلا إيمانا بحقهما في العيش الكريم على أرض الأجداد، ولم يزدهما إلا نفورا من الاستعماري وغضبا على أساليبه في التنكيل والتعذيب. ولما بلغت الحياة درجة لا تطاق، وبات من المحال على الابن ان يتحرك لكسب عيشه وسدت كل السبل في وجهه، قرر السفر إلى فرنسا، ليبتعد عن مراقبة الطغاة الوحشية في بلده، وليضع في زحام المدينة الصاخبة (باريس).
...
انصرف الشاب (محمد) إلى العمل في أحد معامل العاصمة الفرنسية، ونقل معه جذوة الثورة المتقدة ليشعلها في قلوب العمال الجزائريين من إخوانه الذين ضاقت بهم الدنيا في بلادهم، مثله، فجاؤوا يبحثون عن الحياة في بلاد أعدائهم. واستمر في عمله الشاق مدة عامين، يقتطع من قوت يومه ليرسل إلى أمه ما يتوافر له من
стр. 2598
المال. وشهدت حياة الأم بعض التحسن، فقد بات باستطاعتها امتلاك قطيع صغير من الأغنام وشراء قطعة أرض صغيرة بها بعض أشجار الزيتون. غير أن هذا التحسن لم يصرفها عن متابعة التحريض على أعدائها، وأعداء قومها، الذين هم سبب كل شقاء ينزل بالقبيل، وبالجزائر كلها. لقد حددت بفطرتها، وبمعاناتها، أصدقاء بلدها وأعداءه، ومضت تبشر بالخلاص عندما يتم القضاء على الاستعمار وأذنابه ومرتزقته من أبناء بلدها.
كانت على موعد مع الثورة، وما أن انفجرت شرارتها في الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤، حتى مضت الأم حاملة لشعلتها، مبشرة بانتصارها .......... وفي تلك الفترة من بداية الثورة سيطر الهلع على قلوب النساء والأطفال وهم يرون الخونة وقد أقبلوا بنذالة ووحشية، ليقتصوا من الضعفاء المحرومين من كل وسائل الدفاع. فكانت (الأم) تقف معهم، وتنفخ روح الشجاعة فيهم، وتبعث الإيمان في قلوبهم. وكان لا بد لها من احتمال كل أنواع الأذى بسبب مواقفها الباسلة وعرف المجاهدون فيها شجاعتها العالية، وهمتها النادرة وهي تقترب من عمر الشيخوخة، فكانوا يلجؤون إليها كلما أرادوا القيام بعملية في ناحيتها، وينزلون ضيوفا عليها، فتكرم وفادتهم، وتؤمن لهم احتياجاتهم، وتنفذ لهم كل ما يطلبون بإخلاص وإنكار للذات لا حدود لهما، ليس ذلك فحسب، بل كثيرا ما كانت تثير فيهم الحماسة وهي تنشدهم الأزجال باللغة القبائلية، تتغنى فيها ببطولات جيش التحرير الوطني، ومجاهديه الغر الميامين. كانت تفعل ذلك كله ببساطتها الريفية، حتى إذا ما حاول أحدهم امتداح صنيعها، أسكتته بسرعة وقالت إنها لن تكون جديرة بالمدح إلا إذا التحق ابنها في صفوف المجاهدين. وكان
стр. 2599
هناك هاجسا يناديها باستمرار من أعماق نفسها، بأن تستدعي ولدها للالتحاق بالثورة. واستجابت لنداء ضميرها، فكتبت رسالة الى ولدها الوحيد، تحرضه على العودة، وتؤكد له أن الموت في سبيل الوطن هو الحياة الخالدة التي لا نهاية لها. وأن الإحجام عن هذا الواجب المقدس هو خيانة لا تعادلها خيانة وأنها - هي - لا تشعر بأنها أدت واجبها في الحياة، إلا إذا أمكن لها أن تضحي بنفسها وبولدها، أعز من في الدنيا عليها، من أجل الله والوطن.
...
وتصل الرسالة إلى (العامل محمد) فسرعان ما يتأثر بمضمونها ويستجيب لدعوتها، لقد كان في الحقيقة يعاني صراعا بين البقاء في فرنسا من أجل إعانة والدته، وبين العودة للعمل في ميادين الجهاد. فجاءت الرسالة لتحسم الصراع، ولتنهي المعاناة، وما هي إلا أيام حتى يكون (العامل محمد) قد وصل الى قريته، واستقر الى جوار والدته وكان في نيته أن يمضي أياما قليلة إلى جانبها، يعوض بها بعض ما انتابه من الشوق إليها، بعد غيابه الطويل عنها. ولكن، وفي اليوم الرابع لوصوله، جلست إليه. تحفزه على المضي لما جاء من أجله، وتزوده بنصائحها وتوجيهاتها. ويقف الابن، وتقف الأم تودعه، وتبتهل الله له النصر، وتواعده على لقاء، إما في البيت وقد تحرر الوطن، وإما في الجنة، وقد ﵁ وعنها.
أصبحت قصة (العامل محمد) وأمه، أغنية حلوة على لسان أهل القرية، يرددونها باعتزاز فتثير حماسة الجميع، الرجال والنساء، الشيوخ والأطفال. ويلتقط أحد الخونة أطراف القصة، وينقلها - بأمانة وصدق - للسلطات الإفرنسية، وتحركت هذه على الفور، فأرسلت فرقة من الجند وقد شحن أفرادها حقدا أسودا
стр. 2600
وكراهية قاتمة، فمضوا لاسجواب الأم، واستخدموا أبشع أساليبهم في العنف والإرهاب. غير أن الأم التي عرفت كل هذه الأساليب، أسلمت أمرها لربها؛ واحتملت كل ما تعرضت له من القسوة بصبر لا حدود له، وإيمان لا يتزعزع. وزاد ذلك من حقد رجال الاستعمار، فمضوا إلى التنكيل بها بوسائل أخرى، إذ عملوا على سلب ممتلكاتها، وإحراق أثاث بيتها البسيط تحت بصرها، وقطع شجرات الزيتون التي تخصها، وصادروا لها بعض أغنامها، وانتزعوا منها حليها، حتى لم يبق لها إلا سوارين أهدتهما فيما بعد لأحد المجاهدين، وعلم الابن بما صنعه الاستعماريون مع والدته، فمضى إليها مواسيا، ومعه قائده في قوات جيش التحرير. ولشد ما كانت دهشة الابن وأخوه في السلاح كبيرة وهما يجدان (الأم) أكثر حزما، وأشد عنادا، وأكبر تصميما، على متابعة طريق الجهاد.
...
وقع اشتباك عنيف في ناحية (أزفون) وذلك في يوم من أيام مارس - أذار - ١٩٥٦. واشترك في القتال عشرة من المجاهدين فقط ضد عدد كبير من القوات الإفرنسية، واستمرت المعركة من الساعة الثامنة صباحا، حتى الثالثة من بعد الظهر، وأسفرت عن قتل عدد كبير من الأعداء الإفرنسيين، وإصابة عدد أكبر من الجرحى.
ومقابل ذلك، استشهد مجاهد واحد، وجرح أربعة آخرون كانت جراحهم خفيفة. ومضت ساعة واحدة فقط على انتهاء المعركة، عندما أقبلت ثلة من الجنود الإفرنسيين، يتقدمهم أحد الخونة من العملاء، واتجهوا جميعا الى القرية، لينقلوا إلى الأم خبر مصرع ابنها، إرواء لحقدهم، وشماتة بالأم الثكلى. وبوغتت الأم، غير أنها تحاملت على نفسها لتقول لهذا الخائن الذي نقل لها الخبر على
стр. 2601
لسان سادته: (إنني أعلم ما تنطوي عليه نفوسكم أيها الخونة من الشر، لقد أسرعتم إلي بنبأ استشهاده، وكان حريا بكم أن تسرعوا إلي بنبأ وصوله من فرنسا يوم عودته. ولكن أنى لكم ذلك، وقد ماتت نخوتكم، وفسدت فطرتكم. رحم الله ولدي محمد، فقد صعدت روحه إلى بارئها طاهرة مطهرة). وشعرت بالحاجة إلى البكاء، غير أنها تجلدت حتى لا تظهر تضعضعها أمام الخطب، فدخك بيتها، وأوصدت الباب دونها، واختلت مع حزنها، وفي الوقت ذاته، مضى الخائن وقد ضاق صدره لما سمع، لقد وقفت امرأة ثكلى لتلقنه درسا لا ينسى في الوطنية.
جاء الجنود الافرنسيون في ساعة مبكرة من الغد، وهم يحملون جثة الشهيد التي مزقها الرصاص - وعفرها تراب المعركة، وطرحوها في ساحة القرية، حيث احتشد خلق كثير من الرجال والنساء، بأمر السلطة. وأقبلت الأم، حتى إذا ما وقع نظرها على جثة وحيدها وهو على مثل تلك الصورة التي تمزق أقسى القلوب، أجهشت بالبكاء، ثم عادت، بسرعة، وأظهرت تجلدها، وتقدمت إلى ابنها الشهيد تنعيه بصوت تخنقه العبرات: (في سبيل الله والوطن مت أيها العزيز، ومثلك حي خالد أبدا، ومثلي جديرة أن تفخر باستشهادك). ثم تراجعت قليلا، وتقدم إليها الخائن مترجما لما يقوله الضابط الإفرنسي (يظهر أنك نسيت إلحاحك عليه وهو بباريس حتى يلتحق بالعصاة - الفلاقة - في الجبال، ويجب أن تكون فلاقة شجاعة، وصبرا أليس كذلك ايتها المغرورة؟).
سمعت ذلك وقالت: (انظر، أتظن أنني أبكي استشهاده؟ كلا، إنما أبكي لأنني لا أملك غيره، يخلفه فى الجهاد، ويؤتى به يوما كما أتي بأخيه هذا!).
стр. 2602
٦ - جميلة بو حيرد (*)
الإسم: جميلة بو حيرد ... رقم الزنزانة تسعونا
في السجن الحربي بوهران ... والعمر إثنان وعشرونا
عينان كقنديلي معبد ... والشعر العربي الأسود
كالصيف كشلال الأحزان ... إبريق للماء وسجان ... ويد تنضم على القرآن
وامرأة في ضوء الصبح ... تسترجع في مثل البوح ... آيات محزنة الإرنان
من سورة (مريم) و (الفتح)
стр. 2603
تلك كلمات قالها شاعر سوري في الشابة المجاهدة (جميلة بو حيرد) وهي جزء من قصيدة طويلة، أهاجت الحماسة، وأثارت العواطف والانفعالات! وأصبحت كلمات القصيدة أغنية تتردد على لسان كل عربي من الخليج إلى المحيط. ولم تكن هذه القصيدة على كل حال هي القصيدة الوحيدة التي قيلت أو أنشدت في قضية (جميلة بوحيرد) فقد انطلق لسان الشعراء من عقاله، وانطلقت الأقلام، لتثير من خلال قضية (جميلة بوحيرد) قضية الجزائر كلها، وبصورة خاصة منها وحشية القمع الاستعماري لثورة الأحرار في الجزائر. ولقد سبق عرض نماذج مما تعرضت له المرأة الجزائرية، حرائر النساء وأشرافهن، على أيدي متحللي (بيكال) ومنحطي (سانت جرمان) ومراهقي (الحي اللاتيني). ولقد أخذت قضية (جميلة بوحيرد) أبعادا عربية ودولية اهتز لها العالم وفي الحقيقة فقد كان من المحال إثارة قضية كل حرة من حرائر العرب المسلمين ممن يقعن تحت قبضة جلادي الشعوب - الاستعماريين - ومن هنا فقد كان لا بد من التركيز على مواضيع معينة، ومواقف محددة. فكانت قضية (جميلة بو حيرد) تمثل الموضوع المختار والموقف المثير لطرح قضية الاستعمار، في جملة ما تم طرحه ضمن إطار مقنن ومحكم، حقق كل ما أرادته جبهة التحرير الوطني الجزائري من أهداف.
...
بدأت قصة (جميلة بوحيرد) عندما انفجرت قنبلة موقوتة في ملهى جزائري بتاريخ ٢٦ كانون الثاني - يناير - ١٩٥٧. وما أن
تلاشى الدخان حتى ظهر أن هناك أكثر من عشرين أوروبيا قد أصيبوا بجراح مختلفة انتهت ببعضهم إلى الموت. وانفجرت قنابل أخرى
стр. 2604
في الأيام التالية، في مقهى الأوتوماتيك، وعند ساحات الرياضة المزدحمة بالنظارة - المتفرجين - أدت إلى مقتل أكثر من عشرين شخصا، وجرح عدد كبير، جراح بعضهم خطرة، وقد عهد بحراسة الأمن بالجزائر في تلك الأيام إلى المظليين التابعين للجنرال (ماسو) وهؤلاء ليسوا جنودا نظاميين ولكنهم من الشباب الصغار الذين أخذوا ليؤدوا خدمتهم. وقد ضرب المظليون بضراوة، وبوحشية، غير أنهم لم يتمكنوا من قمع ثورة المجاهدين، سواء في مدن الجزائر الكبيرة، أو في القواعد المحررة في السهول والجبال. وفي صباح ٩ نيسان - ابريل - ١٩٥٧ اصطدمت دورية حربية أثناء ساعات منع التجول بثلاثة أشخاص مقنعين - ملثمين - في حي (القصبة) داخل المدينة القديمة من الجزائر العاصمة. فهرب هؤلاء الثلاثة ولكن بعد أن أطلقت الدورية عليهم نيرانها. وارتفعت صرخة، وبقيت امرأة منطرحة على الأرض، وكانت هذه هي (جميلة بوحيرد) وقد عثر معها على وثائق ورسائل وعلى مبلغ كبير من المال، دلت جميعها على أن هذه الفتاة كانت تعمل أمينة سر (سكرتيرة) لقائد فدائيي مدينة الجزائر (ياسف سعدي). وكانت تعمل مراسلة أيضا لنقل رسائله وتعليماته وأوامره ولم تسلم الأسيرة إلى الشرطة، ولكنها اقتيدت - بصورة خاصة - إلى مركز تحقيق المظليين، وذلك بحجة أن دوريتهم عثرت في صباح ذلك اليوم ذاته على فرنسي كان يلفظ أنفاسه، وقد قيد - ربط - إلى شجرة، وأفاد أن عائلته كلها قد قتلت على أيدي الثوار، بعد أن أحرقوا بيته ومزرعته. أما ما حدث (لجميلة بوحيرد) بعدئذ فيصعب وصفه، إذ ظلت رغم جراحها النازفة، تحت التعذيب الوحشي أياما عديدة. ويكفي هنا الإشارة إلى التقرير الطبي الذي كتبته السيدة (جانين بلخوجة) الدكتورة في الطب من جامعة الجزائر، حول ما شاهدته على جسم (جميلة
стр. 2605
بوحيرد) وقد كانت معتقلة معها.
قالت الطبيبة:
لقد قمت بفحص (جميلة بوحيرد) في السجن المدني في مدينة (الجزائر) - إبان رفع نظام السرية عنها - (أوائل أيار - مايو - ١٩٥٧) وقد تحققت من:
١ - وجود جرح فوق الثدي الأيسر، بيضاوي الشكل، غير منتظم الأطراف، طوله أربعة أو خمسة سنتيمترات وعرضه ثلاثة تقريبا، ينزف منه قيح - صديد - ضارب إلى البياض، ناشىء عن التهاب عادي كما يظهر.
٢ - وجود جرح أصغر من الأول عند وسط نتوء عظم الكتف اليسرى، وهذا الجرح على وشك الالتئام، ولا تزال أطرافه تحمل آثارا لهذا الالتئام.
٣ - وجود عجز وظيفي في الذراع الأيسر، وهو مطوي متصلب:
كانت حركة مفصل الكتف مقتصرة على (٣٠) درجة تقريبا، سواء أكان ذلك في رفع الدراع، أو في تحريكه إلى الأمام أو إلى الوراء.
- أما مفصل الدراع فكان متصلبا في زاوية قائمة، فلا تتحرك اليد إلا لأربع أو خمس درجات.
٤ - وجود اختلال في الجهاز الدموي للدراع كلها، وخاصة عند الكف، حيث كانت الحرارة مرتفعة واللون مزروقا يميل إلى البنفسجي.
٥ - وجود ارتجاف في اليد أثناء محاولات تحريكها.
стр. 2606
٦ - وجود نقاط سمراوية، حول الدائرتين المحيطتين بحلمتي الثدي، يبدو أنها تعود إلى حروق.
٧ - وجود علامات سمراء اللون، مستطيلة، طولها أربعة أو خمسة سنتيمترات وعرضها سنتمتر واحد تقع على الورك الأيمن وعلى الجهة الخارجية للفخذ الأيمن، ويمكن إرجاعها إلى السبب ذاته.
٨ - وجود بقعة صغيرة ضاربة إلى البياض ومتحجرة تقع على الوجه الداخلي من الشفرة اليسرى الصغرى من العضو التناسلي.
ان هذه الحقائق تستدعي بعض الملاحظات:
١ - إن منظر الجرحين الصدريين اليساريين يحملان على الاعتقاد بأنهما ناشئين عن دخول رصاصة وخروجها.
٢ - يحتمل أن يكون هنالك كسر في عظم الكتف، فيجب التأكد من ذلك بواسطة التصوير بالأشعة.
٣ - يبدو أن الجرح الذي فوق الثدي قد أدى إلى مضاعفات ثانوية. إذ أنه لا يوجد فيه علامات التئام، فهو منتفخ بشكل غير
طبيعي - ومنفتح - وملتهب إلى أقصى حد.
٤ - إن عجز الذراع الأيسر الوظيفي، والاختلال في جهازه الدموي، يعودان على ما يظهر، إلى تهيج عصبي - شرياني - حيث مرت الرصاصة. إن تحسنها مرجح، ولكن وضع بيان عصبي عضوي يبدو نافعا.
لقد أخبرتني (جميلة بوحيرد) أنها أصيبت برصاصة عندما ألقى القبض عليها، مما يطابق التحقيقات التي قمت بها كل المطابقة. وقد أكدت لي أنها كذلك ضربت وأحرقت بواسطة الكهرباء عند الجرح الصدري الأمامي وعند النهدين، والورك الأيمن، والجهة
стр. 2607
الخارجية من الفخذ الأيمن، وفي العضو التناسلي.
إن مظهر مختلف الجراح التي فحصتها يدعو إلى إعارة الأسباب التي ذكرتها المريضة انتباها كبيرا. وقد صرحت لي (جميلة بو حيرد) أنها كانت في فترة الحيض عندما أنزلت بها ضروب التعذيب في ١٧ نيسان - ابريل - ١٩٥٧، وأنها أصيبت بنزيف شديد، تبعه انقطاع الحيض، وظهور إفرازات نتنة طوال خمسة عشر يوما. وقد بدا لي أن حالة (جميلة بو حيرد) العامة سيئة وتلاميح وجهها ذابلة، وجسمها ضعيف.
إن عجز الذراع الأيسر سوف يظل كاملا مدة شهرين تقريبا، هذا إذا لم تحدث مضاعفات ويحتمل أن يحصل لها فيما بعد عجز (جنسي) دائم.
إن هذا تقرير طبي أعطيته إلى (جميلة بوحيرد) ووكلائها ليستعان به عند الحاجة
(جانين بلخوجه)
دكتورة في الطب.
قبضت السلطات الإفرنسية بعد أيام من القاء القبض على (جميلة بوحيرد) على فتاة أخرى تسمى (جميلة بو عزة) كانت تعمل موظفة في البريد، وعمرها لا يزيد آنذاك على تسعة عشر عاما. وقد اعترفت هذه تحت وطأة التعذيب، بأنها هي التي وضعت قنبلة موقوتة في الملهى، وقد مثلت الحادث، وأشارت إلى المقعد الذي وضعت تحته القنبلة، وكيف خرجت بعد دقائق من الملهى، تاركة القنبلة تنفجر بعد خروجها.
اجتمعت المحكمة العسكرية الإفرنسية في حزيران - يونيو -
стр. 2608
١٩٥٧. فاتهمت الفتاتين بالإرهاب. فاعترفت (جميلة بو حيرد) أنها كانت تعمل أمينة سر (سكرتيرة) القائد (ياسف سعدي). غير أنها أنكرت بتصميم وثبات اشتراكها في عملية وضع القنبلة في الملهى. أما موظفة البريد، الشابة (جميلة بو عزة) فقد أفادت أنها تلقت القنبلة من (جميلة بو حيرد) فنفذت هي المهمة. وكانت قاعة المحكمة مكتظة بالمشاهدين الإفرنسيين الذين كانوا يطالبون برأس الفتاتين. لا سيما وأن اعتداء كبيرا حدث في تلك الأثناء، الأمر الذي زاد من هياج الإفرنسيين، فجرت المحاكمة وكأنها مسرحية مضحكة (ملهاة). وأصبحت المتهمة (بو عزة) هي شاهدة الإثبات ضد زميلتها (بوحيرد) فأخذت تتصرف كما لو كانت مجنونة، فتتفوه بكلمات جارحة (نابية) في قاعة المحكمة. وتمزق ثيابها عن جسمها، وتضرب على الحضور مسدسا وهميا صارخة: تاك، تاك، تاك، تاك. وقد جاءت في مرافعة وكيل الدفاع (المحامي جاك فيرجس) - أن جميلة بو عزة هي مختلة الشعور، فأحالها رئيس المحكمة إلى الطبيب الشرعي الفرنسي، فقرر هذا أن (بوعزة) هي فتاة سليمة العقل، وإنما تتظاهر بالجنون. ثم رفضت المحكمة طلب الدفاع بإحالة (جميلة بوعزة) إلى لجنة من الأطباء لإعادة فحصها. وكان لهذا الرفض الجاف نتائجه .. ثم اعترض محامي الدفاع (الأستاذ جاك فيرجس) على وسائل التحقيق التي اتبعها المظليون، وصرح بأن موكلته (جميلة بوحيرد) قد انتزعت منها الإفادات بصورة وحشية رهيبة، وأنها عذبت كما لم يعذب أحد من قبل، فقد سلطت تيارات كهربائية على فمها وأذنيها وعلى مواطن حساسة أخرى بجسمها، فأجابت المحكمة أن هذه الادعاءات ليس لها ما يؤيدها. فطلب الدفاع مواجهة موكلته بالمظليين لكي تتأكد
стр. 2609
المحكمة من أقواله، ولكن المحكمة رفضت الطلب. وكان لهذا الرفض الجاف الثاني مفعول مهيج على سياسة فرنسا في الجزائر أكبر من مفعول قنابل الثوار مجتمعة.
سجلت المرأة الجزائرية بالدم والنار مشاركتها الفعالة في الكفاح من أجل تحرير الجزائر. وقد برزت هذه المشاركة في الحكم الذي أصدرته المحكمة العسكرية الاستعمارية (في الجزائر) يوم ١٦ تموز - جويلية - عام ١٩٥٧. حيث حكم على الفتاتين بالإعدام. ولكن بينما أرفق اسم (جميلة بو عزة) بالجنون. فقد ارتفع اسم (جميلة بوحيرد) الى مرتبة البطولة العليا بين ليلة وضحاها.
اقتيدت (جميلة بو حيرد) بعد صدور الحكم عليها إلى السجن، وهنا انطلق صوت (جميلة) وهي تنشد (جزائرنا). معلنة بذلك تفضيلها للموت حتى تحيا الجزائر. وتردد صوت (جميلة) بقوة اهتزت لها شوارع الجزائر القريبة من قاعة المحكمة. فقد انطلقت أصوات آلاف الجزائريات والجزائريين الذين كانوا يتابعون المحاكمة وينتظرون نتيجة (مهزلة المحاكمة). واختلطت كلمات النشيد بزغاريد النساء (اليويو). وأصبحت الجزائر مسرحا لتظاهرة عينفة ما لبثت أن شملت الصفحة الجغرافية للقطر الجزائري المجاهد. وتطورت فورا لتصبح تظاهرة عربية ثم عالمية. فقد أقيمت في كل عاصمة عربية تظاهرات صاخبة هزت كل قطر عربي، وانبرت الصحافة العربية لتبني قضية (جميلة) في إطار قضية (الجزائر) , ونظمت الندوات الأدبية والأمسيات الشعرية وكلها تتحدث عن قضية (الحرب الجزائرية) من خلال قضية المجاهدة (جميلة بو حيرد).
стр. 2610
انعكس ذلك على عواصم العالم، وعلى عاصمة فرنسا بصورة خاصة - فصدرت في (باريس) وعن منشورات (نصف الليل) التي يصدرها جماعة المقاومة الشيوعية في فرنسا كتابا عنوانه (دفاعا عن جميلة بو حيرد) من تأليف وكيل الدفاع (الأستاذ جاك فيرجس) والكاتب (جورج آرنو) (١) الذي ألف حوار فيلم (ثمن القلق) المشهور. وقد تضمن كتاب (دفاعا عن جميلة بو حيرد) شرحا لأساليب التعذيب التي تعرضت لها (جميلة) بأسلوب مثير، وذلك بالاستناد إلى تقرير الطبيبة (جانين بلخوجه). وثارت ثاثرة الرأي العام العالمي. فأصبحت فتاة الجزائر المعذبة، حديثا على كل فم. وطالب زعماء العالم فرنسا بالعفو عن (جميلة) وكان في جملتهم (جمال عبد الناصر) و (الرئيس الهندي نهرو) و (الزعيم السوفييتي فوروشيلوف). كان الرأي العام الإفرنسي، قد أخذ في الانقسام تجاه قضية الجزائر، فالقادة - الجنرالات - قد أظهروا عجزهم عن معالجة القوة المتعاظمة للثورة. وتأكد أن قضية الثورة ليست قضية مجموعة من العصاة (الفلاقة) كما كانت تصورها أجهزة الإعلام الاستعمارية. كما تعاظمت الخسائر التي كان يدفعها الشباب الإفرنسي من دماء أبنائه، الأمر الذي زاد من نقمة الرأي العام الافرنسي. هذا علاوة على ما تسببته (الحرب الجزائرية) من أعباء اقتصادية على فرنسا زادت من انقسام الرأي العام فيه. وجاءت قضية (جميلة بوحيرد) لتفجر ذلك الانقسام وتبرزه بشكل واضح. ولكن الانقسام في الرأي العام يلتقي عند نقطة (المطالبة بالعفو عن
стр. 2611
جميلة) وفي هذا المجال، عبر الراديكاليون الوطنيون عن رأيهم، بما يلي:
(يجب علينا ألا نخلق شهداء بأي حال من الأحوال، ومن الجنون المطبق أن نتكرم على الثوار بجان دارك جديدة. وقد حكم بالموت على فتاتين أخريين لأنهما ألقتا بمتفجرات وصدر العفو عنهما أيضا، على أنه لم يسمع سوى القليل عن هاتين الأخيرتين).
كان زعماء الثورة قد أعلنوا، ومنذ البداية، أن الإرهاب هو وسيلة مقاومة مشروعة، لمقاومة (الإرهاب الاستعماري). وحدث خلال تلك الفترة أن تمكنت السلطات الاستعمارية من القاء القبض على (ياسف سعدي) في الجزائر. وعلى إثر ذلك أصدرت قيادة الجبهة الوطنية الجزائرية، وقيادة جيش التحرير الوطني نشرة تحمل صورة أربعة ضباط فرنسيين وقعوا أسرى في قبضة قوات المجاهدين، وأنذرت فرنسا - عن طريق الصليب الأحمر الدولي - أنه بالإمكان مبادلة الضباط الأربعة (بجميلة بوحيرد) المحكوم عليها بالإعدام. أما إذا نفذ حكم الإعدام، فستنفذ شريعة القرآن الكريم (العين بالعين والسن بالسن والجراحات قصاص).
أصبحت قضية (جميلة بو حيرد) عبئا يرهق كاهل الحكومة الإفرنسية، وبقيت (جميلة) تنتظر في سجنها تنفيذ حكم الإعدام طوال ثمانية أشهر. وكان من المقرر تنفيذ حكم الإعدام يوم ٧ - آذار - مارس - ١٩٥٨ (المصادف ليوم الجمعة). غير أن هذا الحكم لم ينفذ وفي يوم ١١ نيسان - إبريل - ٩٥٨ ١ صدر مرسوم بتخفيف حكم الإعدام إلى (السجن المؤبد). وظن الإفرنسيون أن هذا الحكم سيسعد الفتاة التي (عاشت لحرية وطنها وتحرره) وعندما زارها - في سجنها - مراسل الصحيفة الإفرنسية (فرانس
стр. 2612
بريس) يوم ١٢/ ٤ /١٩٥٨ صدمته بقولها: (كنت أفضل الموت على حياة المعتقل ... ليتهم أعدموني، إذن لاسترحت من العذاب المضني الذي أعانيه الآن).
وانتصرت الثورة.
وتحررت الجزائر الثائرة المجاهدة.
وتحررت فتاة الجزائر (جميلة بو حيرد).
وعادت السجينة إلى حياة الحرية في وطنها المتحرر.
стр. 2613
الفصل الثالث
الإرهاب الاستعماري
١ - معاناة الارهاب.
٢ - أكثر وحشية من النازيين والمغول (التتار).
٣ - مدارس تعليم أساليب التعذيب.
٤ - معسكرات الانتقاء والترحيل.
٥ - معسكرات التجميع.
٦ - الأسرى والجرحى.
٧ - ملحقات ضد الاستعمار وأساليبه الهمجية:
أ - شخصيات فرنسية ضد الهمجية الاستعمارية.
ب - قرار عن الجزائر في اجتماع الكرادلة وكبار الأساقفة.
ج - خطاب من الاستاذ رينيه إلى وزير التربية الوطنية الفرنسي.
د - الجنرال (دوبو لارديير) يستقيل من قيادته.
٨ - الكلمة الأخيرة.
стр. 2614
١ - معاناة الإرهاب
دعت جبهة التحرير الوطني، جماهير الشعب الجزائري لإضراب (الأيام الثمانية) الشهير (في كانون الأول - ديسمبر - ١٩٦٠) ونقلت وكالة أنباء أمريكية مشاهداتها بقولها:
(لقد جبنا حي القصبة هذا الصباح بصحبة نفر من الصحافيين الأجانب. وبدلالة فتى مسلم. فكنا فيه شهود غليان لا يوصف: الشرفات والأسطحة سوداء بما عليها من النساء اللائي يمزقن الجو بصيحات النخوة التقليدية. الرجال في الشارع يهتفون: (فرحات عباس في الحكم) و (الجزائر إسلامية!) ويلوحون بعلم جبهة التحرير الوطني. الجدران كانت مغطاة بشعارات الولاء للجبهة، سطرت حديثا بمداد أحمر.
بعد أن اجتزنا نطاق الشرطة - البوليس -. صرحنا بأننا صحفيون أجانب. وسرعان ما تواثب رهط من الأدلاء، ليطوفوا بنا حي القصبة بتعاريح أزقته الكثيفة البنيان. لم تحدث أبدا من قبل مظاهرة بهذا الشمول في حي القصبة. (إنها الثورة). كانوا يصرخون في وجوهنا (سنقاتل حتى النهاية).
стр. 2615
حدث في يوم الأحد ما لم يكن في الحسبان، بسبب رسوخ خرافة (الجزائر المستكينة). حدث اليوم: تحركت القصبة. هبطت إلى باب العويد. وعلى مسافة سبعة أو ثمانية كيلومترات كان مسلمو غربي الجزائر يحذون حذوهم: سكان بلكور، وحارة الساقية الذين كانوا يسدون الطريق دائما على القوات الخاصة والمظليين، حاملين ذات الشعارات، والأعلام، وصور فرحات عباس.
(منذ ستة أعوام ونحن ننتظر هذا اليوم) هذا ما كان يقوله فتى عربي، لم يلبث وابل من الرصاص أن أرداه قتيلا) (١).
وكتب جندي عن الإرهاب، ومعاناته:
اليوم هو (١١ آذار - مارس - ١٩٥٦) ولدي بعض التفاصيل عن العملية الشهيرة التي وقعت ذات ليلة، فقد حاول جندي استجواب النساء، متهددا إياهن بذبح طفل صغير عمره خمسة أعوام. وعندما كانت عملية التعذيب تجري مع قائد من قادة الثوار، كان باب الغرفة مفتوحا لتشاهد النساء من خلاله كل ما يجري. إن هذه الطريقة من التعذيب تتلخص في ربط الإنسان، ووضع عصا تحت ركبتيه، ثم رفعه وتركه ملقى على ظهره. وهناك أحواض الماء يغمس فيها رأس المشبوه حتى يختنق، وهناك الطريقة العادية، وهي الجوع والعطش.
دخلت في أحد الأيام إلى المطبخ، أبحث عن أكل أقدمه لسجين، بقي مهملا في خيمة منزلة عن غيرها. فناولني الطباخ بعضا من الخبز. وعندما طلبت منه قطعة لحم، وقال: إن في هذا
стр. 2616
ما يكفي لسد رمقه، إنها أوامر، فذهبت لأخذ اللحم والخبز من بيتي. لقد تجلدت قدما هذا السجين منذ ثمانية أيام. ففي إحدى الليالي، شددت القيود التي أوثقت بها قدماه. ولم يصبح الصباح حتى تجمدت رجلاه لشدة البرد وقسوته. رأيته في هذه الحالة، .. جروح ضخمة حمراء، ... تقشر بالجلد ... سواد في الأذنين، إن الطبيب عاجز عن معالجته، فقد أخذ التعفن في الانتشار، فلماذا لم يأخذوه إلى مدينة (خنشلة) لإسعافه؟ الظاهر أن ضابط الشؤون الأهلية (الساس) يريد أن يتولاه بنفسه، لأنه ثائر ألقي القبض عليه والسلاح في يده. وقد يكون هلاكه بالقروح والجوع. وبالأمس، رجعت إلى السجن، فوجدت السجين الذي قدمت له الخبز أنا و (ط) قد اختفى) (١).
وكتب مجند آخر:
(كنت أقوم بدور (عامل اتصال) في قرية مرتفعة، يوم بدأت القوات بتنفيذ ما أطلقت عليه اسم (مناورة التطويق) فشاهدت إحدى عشرة قرية تحترق، ويتصاعد الدخان إلى السماء من جميع (المشاتي) (٢) وكنت أستطيع متابعة حركة القوات من خلال مشاهدة تأجج النار في الطواحين والبيوت المتواضعة (الأكواخ) والممتدة تحت بصري. وتبع ذلك في الأيام التالية، قيام الجنود بأعمال النهب والسلب في جميع القرى، حتى أصبحت كافة المحلات التجارية خالية خاوية، فالأموال سرقت، والبضائع اتلفت ... أما
стр. 2617
النساء فقد جمعن في مكان منعزل للتأثير على رجالهن، ومنعن من الخروج حتى لقضاء احتياجاتهن الضرورية. وبدأ الاستجواب والتحقيق أثناء ذلك مع الرجال حتى ينتزعوا منهم الاعترافات التي يريدونها. وكان من بين المحققين (رجال الاستنطاق) ثلاثة من كتاب البولس الشرعي، جاؤوا بهم للاستعانة (بخبراتهم). وأخبروني بعد انتهاء التحقيق أنهم حصلوا على نتائح أفضل من تلك التي حصل عليها (رجال الجيش الأغرار). ثم أخذوا يتهامسون بأن مائة وخمسين رجلا على الأقل قد اعترفوا بأنهم شاركوا، أو علموا، بالكمين الذي نصب ضد الملازم (ن) وتقرر إعدام هؤلاء الرجال، رميا بالرصاص، بعد الانتهاء من العملية، في الساحة العامة، سواء منهم من كان ينتسب لمنظمة القرية العسكرية أو السياسية، ولا أعلم ما حدث بعد ذلك، لأني ذهبت) (١).
(لقد ألقي القبض في - المشتى - وهو لا يزال مسكونا، على ابنتين لرجل غائب ومعروف بانتمائه لجبهة التحرير الوطني. وقد سار الجند بالبنتين، وعمر أولاهما (١٨ سنة) والثانية (١٦ سنة) وقاموا بتسليمهما إلى جند اللفيف الأجنبي، فقضى الجند ليلة في الاستمتاع بهما، ثم عملوا على إعدامهما في الصباح، إخفاء للجريمة) (٢) وقيل إن عامل العمالة (الولاية) قد أصدر أمره بتدمير هذه القرية وإبادة أهلها غير أن القائد العسكري، أصدر أمره بإخلاء القرية من مكانها قبل تسليط المدافع عليها وتدميرها. ولقد وقعت أثناء عملية إخلاء القرية عمليات (اغتصاب شنيعة) ذهجت ضحيتها
стр. 2618
كثيرات من البنات الأبكار، وكانت هذه الفرقة العسكرية قد اشتهرت شهرة واسعة بممارسة هذه الأعمال، يتقدمها في ذلك قائدها) (١).
وكتب (راهب) يحمل رتبة ضابط، في مذكراته اليومية: (لا أتحدث كثيرا عن القسوة البالغة، والتعذيب الوحشي، وإلقاء القنابل على الدواوير والمشاتي بما فيها من نساء وأطفال ومواشي. ولا أتكلم عن أقصوصة التقتيل التي قام بها جنود المظلات. إذ من السهل على كل مسافر بالقطار الحديدي أن يشاهد على طول الطريق آثار دمار الحرب بادية في جميع المشاتي التي يمر بها، كما يشاهد حطام دور المساكن الأهلية التي أشعلت فيها أسلحتنا النيران ... إن كثيرا منا يؤيدون (الانتقام) وقلة هم الذين يستنكرون هذه الطريقة التي تحرمها كل المبادىء الإنسانية. وكثيرا ما يغمر الفرح والسرور أولئك الجنود عندما يقومون بأعمال التعذيب والتنكيل، لقد شاهدت ملازما يعتز بصورة أخذت له، وهو يجر محراث المزرعة التي حطم بها المباني، وأطبق تحتها جثث السكان. ومن أجل هذه الأعمال الإجرامية، أصبح الأهالي يهجرون مساكنهم فرارا من الهلاك المحقق. إن الجيوش الفرنسية تقوم غالبا بتهديم المنازل وإحراقها دون شفقة ولا رحمة بساكنيها. ولقد أفضى إلي أحد الجنود بقوله: (هذا جميل جدا، يجب إحراقهم في مساكنهم الحقيرة بلا شفقة لأنهم لا يفهمون إلا بهذه الطريقة لسفالتهم) (٢).
وقع كمين قرب مدينة (باتنه) في أوائل شهر أيار - مايو - ١٩٥٦
стр. 2619
وسقط فيه اثنان من رجالنا - الفرنسيين - فألقي القبض على (١٥) رجلا من الذين اشتبه بأمرهم، واستجوبوا، وعذبوا، ثم أعدم (١٤) منهم رميا بالرصاص.
ووقع اعتداء على أحد الجنود الفرنسيين قرب مدينة (تبسة) في أوائل شهر أيار (مايو) أيضا. فجمع رفاقه أمرهم، وهاجموا المقاهي العربية، وأطلقوا الرصاص على كل من كان فيها من المدنيين، ثم ألقوا القنابل على المساكن. ومن الغد، سمح الرائد - الكومندان - لجنوده باستباحة المدينة ساعة كاملة، وأن يفعلوا فيها ما يشاؤون، وذلك في حالة وقوع اعتداء عليهم أثناء دفن رفيقهم. ولكن لم يقع أي اعتداء لحسن الحظ.
وفي اليوم الحادي عشر من شهر أيار (مايو) ١٩٥٦. كانت فرقة من جنودنا تجتاز مضيقا قرن مشتى بجهة (هلنسور). وأطلقت طلقتان أو ثلاث ضد جنودنا، فصدرت الأوامر بإزالة كل أثر للحياة من المشتى. فقتلنا على الأقل (٧٩) رجلا وامرأة وصبيا.
وفي يوم ٢٨ نيسان (أبريل) ١٩٥٦، كان قد وقع اعتداء بمدينة قسنطينة على أحد جنود المظلات، فأردي قتيلا، فتجمع رفاقه وساروا إلى ثكناتهم، وحملوا بنادقهم، وهاجموا المدينة، وشنوا حملة انتقامية ضد السكان المدنيين. وقد وقعت عملية من النوع ذاته في مدينة (بسكرة) عند نهاية شهر تموز (يوليو) ونجم عنها قتل ما بين (٢٦) و (٣١) من المدنيين، وجرح أربعين منهم (١).
...
стр. 2620
ذكر يوم ١٥ آب - أغسطس - ١٩٥٦ أن السلطات الإفرنسية أعدمت (٩٥) ثائرا جزائريا - رميا بالرصاص - واستطاع الفرنسيون بعد هذه العملية أن يصادروا ثلاث بنادق صيد من السكان - الأهلين -ونظرا لانعدام النسبة بين عدد الضحايا وعدد البنادق التي أمكن مصادرتها، نفقد خفض البلاغ الرسمي عدد القتلى من (٩٥) الى (٤٥). ويشير كشف الأسماء على أن هؤلاء القتلى، يضمون بينهم نساء وأطفالا، من بينهم طفل عمره ثلاث سنوات، كما جاء في محضر الشرطة - البوليس - ذاته.
...
خرجت قوة فرنسية على شكل مجموعتين تضم كل مجموعة مائتي رجل يومي ٣ و٤ - أيلول - سبتمبر - ١٩٥٦ ولما وصلت إلى (دوار مزرنا) في غرب (سرياط) تحت قيادة النقيب (س) والملازم (ر) في الساعة السادسة صباحا. قتلت (٥) رجال من العرب، على بعد (٢٠٠ - م) من المعسكر. وذلك بعدما رفض الملازم الذي كان يقود إحدى المجموعتين القيام بهذا العمل. ثم أخدت القوات بإطلاق النار على السكان الذين أخذوا في الفرار على أثر وصول القوة الإفرنسية، وأصيب صبي برصاصة اخترقت فخذه. ثم بدأت عملية إلقاء القبض على الرجال الأشداء، وسوقهم الى قرية (تابلاط). فيما كانت إحدى الجماعات توقد النيران في الجبال. وعندما اقتربت القوة الفرنسية من القرية - تابلاط - أصاب الهلع نفوس النساء والأطفال .. بمجرد رؤيتهم للقوات الفرنسية (١).
...
стр. 2621
جاءنا تقريران من ناحية (عنابة) في شهر نيسان - أبريل - ١٩٥٦، وقد أفاد أحدهما بأن فرقة من المدفعية صوبت سلاحها في المساء نحو جملة (مشاتي) مجاورة. حتى إذا ما انتصف الليل، وصدرت بعض الطلقات المزعجة - من جانب الثوار، أفرغت المدفعية حممها على المشاتي ودمرتها، على رؤوس سكانها، من غير اهتمام لمعرفة ما إذا كان هؤلاء الأهالي مسؤولين أو غير مسؤولين عن طلقات النار التي أزعجتهم. وقد علمنا أنه تم تنفيذ عمليات مماثلة مرات عديدة في ناحية (سطيف) وعدد من النواحي الأخرى في شهر آب - أغسطس - ١٩٥٦. أما التقرير الآخر، فيشير إلى أنه حدث في أوائل شهر تشرين الأول - أكتوبر - أن وقعت ثلاث عربات في كمين ليلي، وكانت هذه العربات تابعة للإدارة البلدية وتسير على طريق جبلي. وقد أطلق أفراد الكمين سراح السائقين، وقذفت العربات من أعالي الجبل - وفي اليوم التالي، أصدر الملازم قائد الرتل أمرا بالرمي على أية قرية، من غير تحديد، فنصبت مدافع الهاون (٦٠ مم) في اتجاه قرية قيل أنها لم تستقبل القوات الإفرنسية استقبالا حسنا. وقذفت بعدد من القنابل لم تعرف نتائجها. ولكن ذكر بأن إحدى هذه القنابل أصابت امرأة وشطرتها إلى قسمين. أما الخسائر المادية فهي غير مهمة (١).
ووقعت قوة فرنسية في كمين بالقرب من (سانتونج) في أوائل شهر تشرين الأول - أكتوبر - ١٩٥٦. فقتل عدد من الجنود الإفرنسيين كما جرح آخرون. وعلى الأثر أصدر الملازم أمره بتهديم ثلاثة قرى وإبادة جميع الرجال بحجة الانتقام لقتلى الفرنسيين
стр. 2622
والثأر لهم. غير أن عملية الانتقام لم تقتصر على الرجال، فقد تمت إبادة جميع السكان، بمن فيهم من النساء والأطفال الذين قتلوا عن آخرهم (١).
هذا، وقد استمرت عمليات تدمير العشائر بصورة متواصلة، ورجع قادة طائرات الاستطلاع، وأفادوا بأنهم لاحظوا من طائراتهم عدة قرى مدمرة تدميرا تاما، وهناك وحدات من الجيش قد تعودت على تدمير الديار المجاورة عقب كل كمين يقع لها. وأصبحت هذه العادة معمولا بها في سائر أنحاء القطر الجزائري (٢). وهذا ما أكده (الملازم س) الذي قال: (كلما وقع كمين ومات فيه رجل من رجالي، أعمد إلى أول قرية أجدها في طريقي، ثم أجمع كل رجالها، وأعدم نصفهم بدعوى أنهم لم يخبروا الجند الفرنسي بوجود كمين في ذلك المكان) (٣).
ذكر جندي ما يلي: قام أحد الفدائيين بقتل (الكوميسار المركزي سنمارسلي) في الساعة التاسعة والنصف من يوم ٢٩ آذار - مارس - ١٩٥٦، وعلى الأثر، حمل ابن القتيل السلاح، وأخذ يتصيد كل عربي يصادفه، فقتل اثنين على الفور، وأصاب ستة آخرين بجراح خطيرة، لم يلبث أن مات اثنين منهم. وفي المساء، وقعت عملية تفتيش ضخمة، حشد فيها خمسة عشر ألفا من سكان المدينة، وسيقوا إلى (الكدية) حيث توجد (الكوميسارية المركزية). وقد اغتنم بعض الرجال معاوني الشرطة - البوليس -
стр. 2623
هذه الفرصة فانطلقوا لتدمير واجهات المخازن التجارية، وحطموا (٣٠٠) متجرا منها، ونهبوا منها كل ما اعتقدوا أنه ثمين. وقد انتهكت أثناء هذه العملية حرمة مسجدي (سيدي عبد الرحيم) و (سيدي بو مغرف). وتم إعدام (١٣) رجلا. خمسة منهم تحت جسر (سيدي راشد) وثمانية منهم على طريق (الخروب). ولم يظهر أبدا أن واحدا من هؤلاء الذين تم إعدامهم قد قام بنشاط إرهابي. وهم (رابح - منتج ألبان) و (بودور - وهو موظف شيوعي يعمل بالخط الحديدي) و (نزار - مثل السابق، وقيل إنه شيوعي أيضا) و (عجابي محمد الطاهر - موظف بالمستشفى الوطني بقسنطينة - وكانت نقابات جامعة العمال) و (أحمد رضا حوحو - كاتب معهد عبد الحميد بن باديس ورئيس جمعية أحباب الفن والموسيقى) و (بو علاق - وهو تاجر ومن أعضاء حزب البيان سابقا) و (بوزو - وهو موظف بإدارة المنح العائلية) و (رنارمي - الموظف بشركة الكهرباء والغاز) (١).
وقال مجند: خرجت الفرقة الثانية التي أنتمي إليها بقيادة الملازم (س) في ليل ٧ - ٨ آذار - مارس - ١٩٥٦ وهي تحمل معها جهازا لاسلكيا ووسائط دعم مختلفة. وذلك لتنفيذ مهمة البحث عن الأسلحة وكان معنا بعض جنود المظلات. وقمنا على الفور بمحاصرة (مشتى) من المشاتي. واقتحم رجالنا بيوته. وألقوا القبض على جماعة من أهله. وأخذوا بضربهم ضربا مبرحا بالأيدي، ثم بالسكاكين، حتى غرقت أيدي رجالنا بالذماء، وكان بعضهم فخورا بذلك. واستخدم قائد فصيلتنا قدميه لرفس (لبط)
стр. 2624
من كان يقال أنهم من (المشتبه بهم) حتى أنه بقي يومين وهو يشكو من الألم. وكان الملازم الآخر يكتفي باستعمال قدميه لضرب الرجال على خصيتيهم. واستمرت العملية على هذا الشكل ثلاث ساعات متوالية. ثم جمعنا كل النساء والرجال في جهة واحدة، وجمعنا في الجهة المقابلة أفراد قوتنا. إننا نستعد للانتقام لقتلانا. فأطلق جماعة منا النار على ثلاثة من القرويين وراء ظهورهم فسقطوا أمواتا في الحين. ثم ألقينا على المشنى قنبلة مما يستعمل ضد المصفحات (بازوكا). ولم نجد خلال هذه العملية أي أثر للأسلحة التي زعمنا أننا قد خرجنا للبحث عنها. وقد عدنا ببعض الرجال. وقد عذب واحد منهم إلى درجة أن معالم وجهه تغيرت وبات من الصعب التعرف عليه. ثم أجهز عليه رجالنا بعد يومين، وتطوع بعض رجالنا بدفنه في المرحاض. أما الآخر فقد شد من كتفيه بقيود وذلك بعد تهشيمه، فأصاب التعفن كثيرا من أعضاء جسمه. وكان رجالنا رغم ذلك يذهبون إليه، ويتبارون في تعذيبه إلى أن مات من جراء التعفن رغم الجهود التي بذلها أحد معاوني الأطباء.
مات عندنا رجل آخر من المشتبه بأمرهم وذلك قبل رحيل فرقتنا بيومين، من جراء تجمد أعضائه. فدفناه في المرحاض أيضا. وأكد لي (م) أن الحادث وقع فعلا. كما أكد لي (ل) أنه كان لدينا ستة رجال بصفة رهائن، يوم وقع الكمين الذي أودى بحياة ستة من رجالنا. فجاء جماعة منا وأخذوا الرهائن الستة وذهبوا بهم بحجة استخدامهم في (سخرة الحطب). وقد قص علي (ب) قصة قائد الفصيلة الذي كان يعدم الرجل منهم بأن يرغمه على الجثو على ركبتيه، ثم يطلق رصاصة على كبده، ولا يكاد يسقط على الأرض حتى يذبحه بسكينه. وينتظر فراغه من الدم، ثم يطلق عليه رصاصة
стр. 2625
في أم رأسه. وعندما كنت عائدا، لاحظت فيما بين بلدتي (قابس) و (خنشلة) عددا من القرى المحترقة. وبحثت عن سبب ذلك، فتبين لي أن قوة من جنود المظلات قد وقعت في كمين بهذه الناحية منذ أسبوع. وخسرت اثنين من رجالها. ثم جاءت قوات الدعم فأطلقت عليها رصاصة من إحدى الديار، فبادر المظليون إلى إحراق دور القرية جميعها.
انطلقت في الساعة الحادية عشرة صباحا (١١٠٠) من يوم ٧ آذار - مارس. نيران مدفع رشاش. ورأيت على بعد جماعة من العرب يفرون، ثم سقط أحدهم على الثرى. فجرى الجند نحوه. وكان الرجل يتخبط بدمه ويحاول النهوض، فضربه أحدهم برصاصة اخترقت صدره، واستطاع مع ذلك أن يسير مسافة كيلومتر كامل. وهو يعالج الآن في مستشفى (خنشلة) وقد تبين فيما بعد أن هذا الرجل كان قادما من عند ضابط المخابرات. وفي المساء، عمل الملازم (س) ورجاله من المظليين على تعذيب الجماعة المأسورة
من العرب. وبدؤوا عملهم بضرب الأرجل على الخصيتين، والصفع بالأيدي على الوجوه والصلب من الأيدي ومن الأرجل. وكان رفاقنا يمرون وينظرون ويسمعون صراخ المعذبين. وقيل أنهم اعترفوا بأشياء كثيرة. وعندما شاهد الملازم جنوده وهم يتابعون أعماله، سألهم: لماذا تنظرون هكذا؟ فأجابوه: نحن نتلقى عنك الدروس الصالحة أيها الملازم. فقال لهم: هذا حسن. لكن لا تبقوا هنا وسأتولى بنفسي تعليمكم هذه الأعمال في فرصة أخرى (١).
كانت الحركة عظيمة في معسكرنا بالأمس (بداية آذار - مارس -
стр. 2626
١٩٥٦) فقد وقعت عربتا نقل تابعتان لقوة المظلات في كمين نصبه الثائرون. وكانت نتيجة الكمين أن قتل ضابط صغير وجندي فأخذت فرقتنا تستعد للرد، والانتقام، وتحركت راجلة نحو السهل في الساعة الرابعة صباحا. وبدل أن تذهب لإمداد القوة التي وقعت في الكمين. توجهت قوتنا نحو قريتين من القرى المجاورة لنا. وهناك بدأت عملية التفتيش واعتقال الرجال، وضربهم المبرح. وكانت القريتان على بعد خمسمائة متر من معسكرنا، وعلى بعد ثمانية أو تسعة كيلومترات من مكان الكمين. ولكن رجالنا وقع اختيارهم على القريتين لصب جام الانتقام عليهما. وباشرت الفرقة الأولى عملية السلب والنهب، فلم تترك شيئا إلا أخذته. أما قوتنا فقد كان سلوكها أفضل، وبعد هذه العملية صعدنا فوق هضبة وأخذنا نشاهد هجوم الطائرات المقاتلة على القرى وتدميرها لها، وكأننا على مسرح.
وخلال هذه الفترة، من شهر آذار - مارس - ألقى أحد الفدائيين في (وادي الزناتي) قنبلة على جندي فرنسي، فأصابه بجرح خطير، وجاء رد الفعل الفرنسي سريعا جدا. إذ وقع الهجوم على الحي المجاور للمنطقة التي وقع فيها الاعتداء. وسيق كل المسلمين الذين يسكنونه إلى مركز الدرك - الجندرمة - حيث قضوا كامل الليل، ثم وقع اختيار الدرك على ستة من الرجال أعدموا فورا. وأذيع بيان على الأهلين بأنه سيعدم من بينهم ثلاثون رجلا كلما وقع اعتداء على أحد الجنود الفرنسيين. وفي اليوم التالي. أطلق رجال
الشرطة - البوليس - سراح ستة من المسلمين، كان قد ألقي القبض عليهم منذ أسبوع، ولم تثبت إدانتهم بشيء، فتسلم العسكريون فورا هؤلاء الستة وذهبوا بهم. وفي صبيحة يوم الاثنين (٢٦ - آذار - مارس) اكتشف الناس جثث هؤلاء الستة في المكان المعروف باسم
стр. 2627
(منجم أ. أ.) وصدرت الصحف يوم الثلاثاء، وهي تحمل بلاغا عسكريا يقول: (إنه قد وقعت معركة قرب (منجم أ. أ.) أسفرت عن مقتل ستة من الثائرين.
يمكن هنا الإشارة الى تلك الرسالة التي تحمل تاريخ ٣٠ نيسان - أبريل - ١٩٥٦. والتي تضمنت ما يلي:
(أطلق أحد الفدائيين النار على أحد حراسنا منذ (١٢) يوما، فأصابه بجراح. وذلك على مقربة من إحدى القرى. فهاجم جندنا القرية، وأخرج سكانها. واختار من بينهم عشرة رجال تم إعدامهم فورا.
وكانوا من العمال في المنجم المشهور. وارتاع سكان القرى، فأخلوها والتجأوا جميعا إلى القرى المجاورة. وكان السكان الأوروبيون يرون هذه الحادثة، وهم يذرفون الدموع لأن هؤلاء العمال الذين أعدموهم كانوا رفاقا لهم، وكانوا يعملون معهم جنبا إلى جنب في المنجم المذكور).
لقد تم إعدام هؤلاء الرجال، وسواهم، من غير محاكمة، ومن غير تحقيق حقيقي. وقد تم في يوم ٢٨ آذار - مارس - ١٩٥٦ إعدام (٣٢) رجلا بطريقة مريعة، فيما بين الظهر والغروب بدوار قرية (أولاد الباشا) وذلك بعد أن عذبوا بقسوة ووحشية حتى اختفت صور وجوههم، ولم يعد بالإمكان معرفتها لكثرة ما لحق بها من التورم والكسور. ولم يكن هؤلاء الرجال قد حملوا السلاح، أو شاركوا في الثورة، وإنما كانوا يعيشون في مشاتيهم ويمارسون أعمال الزراعة - الفلاحة - وهم آمنين وادعين فحملوا على المكاره حملا (١).
стр. 2628
٢ - أكثر وحشية من النازيين والمغول (التتار)
لقد عانت المرأة الجزائرية من قوة الإرهاب ما عانت. واحتملت من الأهوال فوق ما يحتمل. وكانت شريكة للجزائري الرجل، مجاهدا، أو فدائيا، أو مسبلا، أو حتى عاملا بسيطا وفلاحا متواضعا يعيش حياته في (مشتاه المنعزل). وإذا كانت المرأة الجزائرية قد تأثرت مباشرة بما يحدث من دمار شامل وإبادة عامة، تقع تحت سمعها وبصرها إن لم تكن هي ذاتها ضحية لها. فقد كانت هناك ممارسات أخرى لا تطالها مباشرة في بعض الأحيان، إلا أنها لم تكن بمعزل عن التأثر بها بصورة غير مباشرة. فقد مارس الاستعماريون الفرنسيون أعمال (التهدئة) بطرائق أكثر وحشية مما عرفه العالم عن طرائق النازيين والمغول (التتار). وقد أشارت المصادر الفرنسية ذاتها إلى بعض هذه الممارسات، وما لم يعرف هو أعظم وأرهب. وقد يكون من المناسب استقراء ملامح بعض هذه الممارسات (حتى لا ننسى):
قال مجند فرنسي: إذا كانت هناك أعمال تتكرر باستمرار، في مجال التعذيب، فإن العمل الذي سأقصه عليكم لم يقع إلا بقلة، لكنني أريد تسجيله حتى تعلموا إلى أي درجة من الوحشية يستطيع أن
стр. 2629
يصل بعض الناس، ففي الفترة ما بين ١٥ و ٢٠ أيلول - سبتمبر - ١٩٥٦، أوتي برجل قيل أنه مشتبه في أمره، إلى مركز القيادة العامة ونقل بعربة خفيفة - جيب عسكرية - وكان الجنود طوال الطريق يتبارون في تقطيع أجزاء جلد ذلك الرجل، وهو حي، وتمزيق قطع من لحمه.
كنا نحن خلال هذه الفترة في (وادي الصومام). ولقد أوتي بثلاثة من الرجال، وأمروا بحفر حفر، ثم دفنوا فيها إلى العنق، وبقي رأسهم معرضا لوهج الشمس. ووضعوا أمام كل منهم وعاء فيها ماء يبعد عن فمهم مسافة نصف متر تقريبا، وقيل لهم أنهم لن ينالوا شيئا من الماء إلا إذا تكلموا. ولقد بقوا على تلك الحالة يومين كاملين، فلم ينبس اثنان منهم ببنت شفة. وأعدم اثنان وهما على تلك الحالة، أما الثالث فقد قال شيئا - آخر الأمر - إلا أنه أعدم أيضا إثر ذلك (١).
(وفي قرية (الشريعة) أوتي برجل للتحقيق معه (استجوابه) فنزعت عنه كل ثيابه، وقيد من أكتافه، ثم ألقي على الأرض بعدما ضمخوا كل جسده بمعجون السكري (المربى) وبقي كذلك طوال اليوم معرضا لشمس شهر تموز - يوليو - اللاذعة، وكانت أسراب الذباب تروح وتغدو حول تلك الفريسة البشرية التي كانت عيناها تعبران عن جنون الألم. وقال لنا النقيب (الكابتن) بأنه إذا لم يعترف فسأطلق عليه سربا من النحل) (٢).
وجاء في مصدر آخر ما يلي: (لقد تعرفت على جماعة من
стр. 2630
الطلبة الفرنسيين، الذين كانوا في حالة من الهياج القصوى. وكان أحدهم يتحدث بحرارة عن أعماله. وكيف أنه أتى بمدفعين رشاشين من النمسا، لقتل المسلمين. وقص علي مفاخرا أنه رأى بعينيه في جهة (باليسترو) أحد الضباط وهو يدلي من طائرة عمودية (هيليكوبتر) - بواسطة حبال - بعض المشتبه بأمرهم، ويهددهم بإسقاطهم على الأرض إن هم لم يتكلموا. ولما امتنع هؤلاء عن الإدلاء ولو بكلمة واحدة - رغم التهديد المرعب - عمل هذا الضابط على قطع الحبال، وسقط أولئك الناس، وسحقوا على الأرض. لقد كان في هذا درس صالح للسكان العرب) (١).
يمكن في هذا المجال الإشارة إلى البلاغ الصادر عن القيادة العامة لجيش التحرير الجزائري - لولاية وهران يوم ١٠ أيار - مايو - ١٩٥٧. والذي جاء فيه بالحرف ما يلي:
(ان المجاهد العربي بن المهيدي الذي قبض عليه الفرنسيون أخيرا، لم يعترف بشيء أثناء الاستنطاق ولكنهم سلخوا جلدة رأسه في غرف التعذيب التابعة للبوليس الفرنسي، ثم لم يكفهم هذا، بل أدخلوا في فمه قضيبا من الحديد في أقصى درجات الاحمرار. فكانت النتيجة أن فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها إثر هذه العملية الوحشية التي تقشعر لهولها الأبدان. وقد كان هذا في مدينة الجزائر، والعقيد ﵀، كان من أشد الناس حماسة لقضية بلاده.
وهناك وسيلة أخرى من نفس الوسائل السابقة تطبق الآن في مقاطعة (وهران). ففي يوم ٣ كانون الثاني - يناير - ١٩٥٧. سقط المجاهد أبو مدين محمد من دوار (أولاد حمو) من دائرة