← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

و (بليدا) بعض الطائرات الفرنسية المطاردة من طراز (ميسترال) وطائرة (ب - ٢٦) واتجهت جميعا شطر الطائرة المغربية مزودة بأوامر إطلاق النار على محركها الأيمن إذا هي همت بالفرار. تحولت الطائرة نحو مدينة (الجزائر) واقتربت في بطء من المجال الجوي الجزائري. وبينما كانت تحلق فوق (تنس) غربي مدينة الجزائر، ظهرت في الأفق طائرتان، إحداهما ليلية من طراز (ميتيور) والثانية طائرة اتصال ذات محركين (مارسيل داسولت - ٣١٥) وكانت مهمة هاتين الطائرتين تنظيم هبوط الطائرة في (ميزون بلانش). ولم تعلم شركة طيران أطلس - المغربية - بهبوط طائرتها في مدينة الجزائر إلا في الساعة (٢١،٢٠). ... ألفت الحكومتان المغربية والفرنسية لجنة عرفت بلجنة التحقيق والتوفيق، فعقدت دورتها الأولى في (جنيف) في تموز - يوليو - ١٩٥٧ وخصصتها لتنظيم أعمالها. وفي كانون الثاني - يناير - ١٩٥٨، انتهت مرحلة تبادل المذكرات ثم بدأت المرافعات الشفوية في شباط - فبراير - وظلت جنيف مسرح هذا النشاط. غير أن الممثل المغربي، والعضو اللبناني المحايد، كلاهما اضطرا إلى الانسحاب من اللجنة لامتناعها عن سماع أقوال جميع الشهود. وكان جديرا بالشهادات التي استبعدت أن تجلو حقيقة الظروف التي رافقت عملية احتجاز رسائل الشركة المغربية للنقل الجوي؛ تلك الرسائل التي كانت تأمر قائد الطائرة بعدم مبارحة (بالما). كما أن الشهادات المذكورة من شأنها أن تحدد الظروف التي تلقت فيها الطائرة أوامر السلطات العسكرية الفرنسية بوجوب الاتجاه نحو مدينة الجزائر، وما

стр. 2802

كان من أمر اقتناص الطيران العسكري الفرنسي لها. وأمام اللجنة المشار إليها، لم يختلف فريقا النزاع في أن اعتراض الطائرة وإجبارها على تحويل خط سيرها قد وقعا في الفضاء الجوي فوق المياه الدولية. ولقد أعلنت الحكومة المغربية أنها هي التي استأجرت الطائرة، وأن المطارد الفرنسي قد اعترض سبيلها وأرغمها على الهبوط، وأن ممارسة سلطة الأمن فى الفضاء الجوي فوق البحر لا يعدو أن يكون عملا غير مشروع. أما الحكومة الفرنسية فحجتها أن ملاحي الطائرة ينتمون إلى الجنسية الفرنسية، وأن القادة الجزائريين كانوا - كما ادعت - حاملين هويات مزورة وأسلحة ومحكوما عليهم (بجرائم عادية؟). وعلى كل حال، فليس المجال هنا هو مجال الجدل القانوني (١) الذي رافق العملية وتبعها، فالأمر الواضح والذي لا يقبل الجدل أو النقاش هو أن هذه العملية هي عملية قرصنة كاملة المواصفات، تم تنفيذها عن سابق تصميم وتخطيط على أرفع المستويات الاستعمارية (وخاصة العسكرية منها والتي باتت تشكل سلطة لها فوق السلطة الرسمية الحكومية). ولقد أحدثت عملية القرصنة انشقاقا في الحكومة الفرنسية، حيث استقال الوزير (آلان سافاري) (٢) - وزير الدولة لشؤون مراكش وتونس، احتجاجا

стр. 2803

على عملية القرصنة، واحتجاز (بن بللا وإخوانه). على كل حال، لم تكن عملية القرصنة الجوية هذه هي أول عملية قرصنة أو آخر عملية نفذتها فرنسا في إطار (حرب الجزائر). ففي ٤/ ١١/ ١٩٦٠ قامت الطائرات المطاردة الفرنسية بإرغام إحدى الطائرات البريطانية على الهبوط في الجزائر، في ظروف بقيت غامضة ومحجوبة عن الرأي العام، لأن الحكومتين الفرنسية والانكليزية اتفقتا على تسوية القضية في جو من الكتمان. وفي كانون الأول - ديسمبر - ١٩٦٠، اعترضت الطائرات المقاتلة الفرنسية، إحدى الطائرات اللبنانية التابعة لشركة طيران الشرق الأوسط، وأرغمتها على الهبوط في الجزائر. وأخيرا هاجمت الطائرات المقاتلة الفرنسية يوم ٩/ ٢/ ١٩٦١ - في الفضاء الجوي الحر، طائرة روسية كانت تقل رئيس مجلس السوفييت الأعلى - السيد بريجينيف - أثناء توجهه لزيارة الرباط. وقد صرح وزير الخارجية السوفييتية السيد (غروميكو) يوم ١٠/ ٢/ ١٩٦١ بما يلي: (... لقد وقع الهجوم بين الساعة (١٤،٢٣) والساعة (١٤،٣٠) بتوقيت غرينيتش، في الفضاء الجوي

стр. 2804

فوق مياه البحر المتوسط الدولية، وعلى بعد (١٣٠) كيلو مترا تقريبا شمالي مدينة الجزائر، بينما كانت الطائرة تتجه إلى الرباط، وتتبع خط سير أعلمت به السلطات الفرنسية مقدما، وبرزت لها فجأة طائرة مطاردة فرنسية دنت منها دنوا خطيرا ثلاث مرات! وفتحت نيرانها مرتين متتاليتين على الطائرة السوفييتية، ثم اعترضت طريقها، إن هذه التصرفات لا يمكن اعتبارها سوى عمل من أعمال القرصنة الدولية ارتكبته قوات فرنسا المسلحة ...). لم تكن عملية القرصنة القذرة ضد الزعماء الجزائريين لتمر كحدث عارض، فقد هب الرأي العام العالمي مستنكرا العملية ودامغا فرنسا بالخزي والعار، وسارت في عواصم ومدن العالم العربي تظاهرات ضخمة تعلن صاخبة احتجاجها الشديد ضد أعمال الخطف والقرصنة التي أصبحت تمتهنها فرنسا بعد إخفاقها في الصمود أمام مجاهدي الجزائر وجها لوجه؛ وسحبت تونس سفيرها من باريس واحتجت الحكومتان التونسية والمغربية - المراكشية - رسميا على عملية الغدر الشنيع، واعتبرت مراكش أن عمل فرنسا موجا ضد سيادتها وكرامتها، وشكلت لجنة دولية من إيطاليا وبلجيكا ولبنان ومراكش وفرنسا للنظر في (شرعية الخطف) غير أن تضامن الدول الاستعمارية أحبط التحقيق. ب - أحمد بن بللا ورفاقه في سجون فرنسا: ظنت فرنسا أن نجاحها في أعمال القرصنة سيمهد لها السبيل لإخماد جذوة الثورة المتقدة، غير أن أملها قد خاب، إذ لم تعدم الثورة العظمى توافر عدد كبير من القادة القادرين على متابعة العمل الثوري وتطويره. وبينما كان القادة (أحمد بن بللا، ومحمد خيضر،

стр. 2805

وأحمد آيت حسين، ومصطفى الأشرف، ومحمد بوضياف) ينقلون الى سجون فرنسا، كانت الثورة تعيد تنظيم صففها لسد الفراغ، وعندما أعلن تشكيل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (يوم ١٩ ايلول - سبتمبر - ١٩٥٨) برئاسة (فرحات عباس)، تم تعيين أحمد بن بللا نائبا أول لرئيس الوزراء؛ وكان ذلك تحديا موجها لفرنسا التي اعتقلته واحتفظت به في سجونها، كما عين أحمد آيت حسين ومحمد خيضر ومحمد بوضياف وزراء دولة. وعندما طلب (ديغول) فتح باب المفاوضات مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، أصدرت هذه بيانا (في ٢٢ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٩) تضمن تحديد الشروط المناسبة للتفوض، وحدد أن المفاوضات يجب أن تتم مع وفد أحمد بن بللا ورفاقه المسجونين، وبذلك فشلت المحاولة الأولى للتفاوض. وعلى إثر ذلك (صرح متحدث باسم الحكومة الجزائرية المؤقتة بأن فرنسا تعرقل إجراء أية مفاوضات جديدة بين الجانبين الفرنسي والجزائري بسبب تشديدها للقيود التي تفرضها على الزعيم الوطني الجزائري أحمد بن بللا، نائب رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة، والذي لا زال معتقلا في فرنسا. وصرحت مصادر مطلعة ١: بأن الوزارة الفرنسية للشؤون الجزائرية، فرضت قيودا على المواعيد التي يسمح فيها للزعيم بن بللا باستخدام الهاتف واستقبال الزوار، وإن حكومة باريس تبحث في نقله إلى مكان آخر) (١). هذا وقد قام الوطنيون الجزائريون والوطنيات الجزائريات بمظاهرات ضخمة في أنحاء

стр. 2806

متفرقة من فرنسا احتجاجا على ما يلقاه الجزائريون من اضطهاد في فرنسا، واحتجاجا على الأعمال الوحشية التي تقوم بها السلطات الفرنسية ضد الوطنيين في الجزائر. وعلى الأثر شنت سلطات الشرطة الفرنسية - البوليس - حملة اعتقالات واسعة النطاق في المدن الفرنسية، لكن هذه السلطات لم تلبث أن اضطرت لاطلاق سراح المعتقلين من النساء والاطفال والذين بلغ عددهم (١٠٠٠) ألف امرأة و (٥٥٠) وخمسمائة وخمسون طفلا. وقام عدد كبير من سيارات الركاب الكبيرة بنقل هؤلاء النسوة وأطفالهن إلى نقاط قريبة من منازلهن، وقد جاء معظمهن من ضواحي العاصمة، وأعلن مدير الشرطة الفرنسية بأن النساء اللواتي اعتقلن في المدن الإقليمية أثناء تظاهرات يوم ٢١ تشرين الأول - أكتوبر - أثناء تظاهرات مماثلة قد أطلق سراحهن أيضا. وفي الوقت ذاته، بقي (١١) ألف رجل من رجال الشرطة على استعداد في باريس للتدخل ضد المظاهرات التي يحتمل للجزائريين القيام بها في اليوم التالي، بمناسبة مرور خمس سنوات على اعتقال أحمد بن بللا ورفاقه الأربعة. وفي الواقع، فقد قام أساتذة جامعة (السوربون) وطلابها بمظاهرة يوم السبت ٢١ تشرين الاول - اكتوبر - ١٩٦١؛ احتجاجا على الإجراءات المتخذة ضد الجزائريين، ولا سيما اعتقال النساء الجزائريات وأولادهن - أمس -. وكان المجاهدون الجزائريون قد وجهوا - في اليوم ذاته - نداء إلى الشعب الفرنسي، دعوه فيه إلى التضامن مع المتظاهرين، ومنع السلطات من تنفيذ حظر التجول العنصري في باريس. وكانت سلطات الشرطة في باريس قد قيدت تنقلات الجزائريين خلال الليل، وناشد النداء الذي أعده الفرع الفرنسي لجبهة التحرير

стр. 2807

الوطني الجزائرية، ونشرته وزارة الاستعلامات في حكومة الجزائر المؤقتة في تونس جميع الفرنسيين أن يتضامنوا في المصانع والجامعات، وفي كل مكان مع الجزائريين الذين يعملون في فرنسا. وطلب البيان منهم أن يدافعوا في الشارع وفي الخطوط الحديدية التي تسير تحت الأرض (المترو) وفي المباني والأماكن العامة عن جميع الجزائريين الذين يقعون فريسة التدابير الجائرة للشرطة. وناشدهم النداء كذلك مطالبة الحكومة الفرنسية بإلغاء جميع الإجراءات التي تؤثر في المهاجرين الجزائريين، والمطالبة باستئناف المفاوضات مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وقال النداء إن التدابير المطبقة في باريس قد بلغت في الفظاعة ما بلغته تلك التي اتخذت في وقت من الأوقات ضد اليهود. هذا وقد ذكر بأن ثلاث قنابل بلاستيكية قد انفجرت في فرنسا في ساعة مبكرة من صباح يوم الأحد ٢٢/ ١٠/ ١٩٦١ فارتفع بذلك عدد القنابل التي فجرت إلى (١٢) قنبلة، وقد لوحظ أن هذه القنابل قد وضعت من قبل أفراد الجيش السري الفرنسي لإرهاب المتعاونين مع الجزائريين والمتعاطفين معهم. وقد أعلنت الشرطة الفرنسية في وقت متأخر أنها مددت ساعات منع التجول التي كانت ترفع الساعة الخامسة صباحا إلى الساعة السابعة صباحا، ومنعت التجمعات والمباريات التي تحضرها عادة جموع غفيرة يوم الأحد، تحسبا للطوارىء. استمرت فرنسا في متابعة ضغطها على الزعماء المعتقلين (بن بللا) ورفاقه، فقرر هؤلاء الإضراب عن الطعام، وأثار ذلك موجة جديدة من السخط، لا سيما وأن العالم بات يتوقع انفراجا في طريق المفاوضات الجزائرية - الفرنسية بعد تدهور الموقف الفرنسي عسكريا وسياسيا، داخليا وخارجيا، وبذلت جهود لإقناع الزعماء

стр. 2808

الجزائريين بالتوقف عن الإضراب. وفي يوم الثلاثاء ٢١/ ١١/ ١٩٦١ (١) (أعلن محمد يزيد وزير الأنباء في الحكومة الجزائرية المؤقتة - من تونس - بأن بن بللا ورفاقه قد توقفوا عن إضرابهم عن الطعام، كما أعلن إلى أن وقف هذا الإضراب يعود إلى نتائج المفاوضات التي اشترك فيها الوزراء الجزائريون المعتقلون. وقال إن نتيجة تلك المفاوضات هي نصر كبير للشعب الجزائري ولأبطال جبهة التحرير الوطني الجزائري المعتقلين في فرنسا وعلى رأسهم الوزراء الخمسة، والحكومة الجزائرية تحيي هؤلاء الذين أجبروا، بعد إضراب عن الطعام استمر عشرين يوما، القوى التي تعارض السلام في الجزائر على التراجع. وكان الزعماء الجزائريون قد قبلوا بإنهاء الإضراب بعد أن تم الاتفاق على أن ينقلوا إلى دار نقاهة خاصة حيث يشرف عليهم أطباء مغاربة، ويتمتعون بمزيد من الحرية، ويحق لمندوب مغربي الاتصال بهم ساعة يشاء. هذا وقد صرح الدكتور - عبد الكريم الخطيب - وزير الدولة المغربي للشؤون الأفريقية بأنه يتوقع أن تطلق السلطات الفرنسية صراح أحمد بن بللا في مطلع - شهر كانون الأول - ديسمبر - ١٩٦١). انتهت الأزمة أخيرا، وخرج الشعب الجزائري منتصرا، وأجري الاستفتاء في الأول من تموز - يوليو - ١٩٦٢، وأعلن استقلال الجزائر. ودخل أعضاء الحكومة المؤقة الجزائر يوم ٣/ ٧/ ١٩٦٢؛ ودخل (أحمد بن بللا) الجزائر يوم ٤ ايلول - سبتمبر. ١٩٦٢، وأجريت الاتتخابات للمجلس التأسيسي،

стр. 2809

وأعلنت النتيجة يوم ٢٠ أيلول - سبتمبر، ووافق المجدس على تعيين أحمد بن بللا رئيسا للجمهورية الجزائرية. وانتصر السجين على سجانه، وفشلت القرصنة كعهدها دائما في الوصول الى هدفها. ج - والقرصنة البحرية: استخدمت فرنسا ذريعة قيام الجزائر بالقرصة البحرية - على ما هو معروف - للعدوان على الجزائر واحتلالها في سنة (١٨٣٠). واستيقظت الجزائر من كبوتها في ثورتها العملاقة، وأخذت في توجيه ضرباتها الموجعة لدولة الاستعمار، دولة القانون والعلم والحضارة، فنسيت هذه الدولة ذرائعيتها، وعادت لممارسة القرصنة الاولية في (الجو والبحر والبر) لا في البحر وحده، ولكن بطرائق حضارية متقدمة. وقد سبقت الإشارة إلى القرصنة الجوية، ويمكن هنا استقراء بعض ملامح قرصنتها البحرية. وفي الواقع، فمنذ أن نشب القتال في الجزائر، حاولت السلطات الفرنسية جهدها أن تحول دون تزود القوات الجزائرية بالسلاح والعتاد الحربي والمواد الطبية، وهكذا عمدت إلى مطاردة الكثير من السفن واعتراضها وإيقافها. وتعتبر (المجلة البحرية الفرنسية) مجلة شبه رسمية - تصدر بباريس بمساعدة وزارة البحرية الفرنسية - وقد تضمن كل عدد من أعدادها الشهرية جدولا بالعمليات التي تمت في هذا المجال، ومن ذلك على سبيل المثال: (خلال شهر تشرين الأول - أكتوبر - ١٩٥٦، تحققت قطعاتنا البحرية وطائراتنا من هوية ستمائة مركب وأوقفت - ٢٨٥ مركبا، وزارت ٦٩ مركبا، وهزمت ٢١ مركبا) (١).

стр. 2810

(وفيما بين ٣ كانون الأول - ديسمبر - ١٩٥٧ و١٠ كانون الثاني - يناير - ١٩٥٨، أمكن التعرف على ٣٠٠ باخرة، وإيقاف أربعين وزيارة ثلاثين ثم اقتياد عشر منها إلى أحد المرافىء (١). (وأمكن من تاريخ ١٨ تموز - يوليو - حتى ٣١ آب - اغسطس ١٩٥٨ معرفة ٨٨٦ سفينة، وإيقاف ٢٤٦، وزيارة ١١٨ واقتياد واحدة إلى أحد المرافىء للمراقبة. وفي العام ١٩٥٩، تعرفت البحرية الفرنسية في البحر المتوسط على (٤١٣٠٠) مركبا، وفتشت (١٢٥٦٥) واقتادت ٨٣ مركبا) (٢). وكانت بعض أحداث القرصنة الفرنسية مثيرة للرأي العام العالمي، وتركت أصداء قوية، ومنها حادثة إغراق (اليخت دينا) الذي كانت تملكه امبراطورة إيران السابقة (ثريا) من قبل الأسطول الحربي الفرنسي. وفي ١٦ تشرين الأول - اكتوبر - ١٩٥٦، أوقفت الباخرة (آتوس) التي كانت تحمل العلم البريطاني وهي تسير في عرض البحر، واقتيدت إلى مرفأ (نمور) الجزائري، ثم إلى مرفأ (مرسى الكبير)، وفي حين أن الباخرة اليوغوملافية (سلوفا ينجا) قد أوقفت في ١٨ كانون الثاني - يناير - ١٩٥٨ في عرض البحر أيضا واقتيدت إلى وهران، وحلت الواقعة بالمركب الدانمركي (غرانيتا) في ٢٣ كانون الأول - ديسمبر - ١٩٥٨، وبسفينة الشحن التشيكية (ليديس) في ٧ نيسان - أبريل - ١٩٥٩، وبسفينة الشحن البولونية (مونت كاسينو) في تموز - يويو - ١٩٥٩ - وفي تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٩، أوقف المركب الألماني (بيلباو)؛ وفي

стр. 2811

١٢ كانون الأول - ديسمبر - ١٩٥٩ مركب هولاندي، وفي ٢ آذار - مارس - ١٩٦٠، أوقفت الباخرة (سلوفانيجا) مرة أخرى، وكذلك الباخرة (ريجيكا) من الشركة اليوغوسلافية ذاتها (التي أوقفت يوم ٣ نيان - ابريل)، كما أوقفت سفينة الشحن الألمانية (لاس بالماس) في ٩ حزيران - يونيو - ١٩٦٠، وسفينة الشحن اليوغوسلافية (هربيا = سربيجا) في ١٥ حزيران - يونيو - ١٩٦٠. وفي كانون الأول - ديسمبر - تم توقيف سبعة عشر مركبا ألمانيا في البحر الأبيض المتوسط، الأمر الذي أثار أزمة جديدة وجدية في العلاقات الفرنسية - الجرمانية. استخدمت الحكومة الفرنسية ذريعة (الدفاع عن النفس) حجة لها لممارسة أعمال القرصنة، وعلى هذه الأساس أصدرت أمرا إلى الاسطول الفرنسي بكامله في يوم ٦/ ١٠/ ١٩٥٦ نص (على القيام بدوريات منتظمة للحؤول دون وصول أية شحنة أسلحة، وذلك استنادا إلى المادة الرابعة من المرسوم والتي تنص على ما يلي: خلافا لأحكام المادة ٤٤ من قانون الجمارك، يزداد حد منطقة التفتيش الجمركي على مراحل الجزائر، باب للسفن التي تقل حمولتها عن مائة طن، بحيث يشمل خمسين كيلو مترا بعد أن كان محددا بعشرين). أما المادة الخامسة من هذا المرسوم فقد نصت على ما يلي: (إن سلطات تفتيش المراكب التي تقل حولتها عن مائة طن، وهي المخولة بموجب القوانين النافذة إلى ضباط وبحارة السفن الحربية، تصبح فيما يتعلق بالمنطقة المعينة بالمادة (٤) من صلاحيات ضباط وملاحي طائرات (الهيليكوبتر - العمودية) وسواها من الطائرات البرمائية العسكرية، وكذلك تخول إلى كل جهاز من أجهزة البحرية - الحربية يحتمل أن يعين لهذا الغرض).

стр. 2812

إنها قرصنة يحميها قانون صادر عن سلطة لا يحق لها إصدار مثل هذا القانون الذي يتناقض مع الاتفاقات الدولية، وليس المجال هنا عرلى كل حال الدخول في مناقشات قانونية، ويكفي الإشارة الى أن لجنة القانون الدولي في الأمم المتحدة، وكذلك مؤتمري جنيف في عامي ١٩٥٨ و١٩٦٠، قد أقروا وأكدوا باجماع الآراء: (أن الحقوق الدولية لا تسمح بأن تتجاوز المياه الإقليمية اثني عشر ميلا) أي ما يقارب (١٥) كيلو مترا، في حين جاء القانون - أو المرسوم - الذي أصدرته فرنسا من جانبها فقط فمددته حتى خمسين كيلو مترا وبالإضافة إلى ذلك، فإن مقررات لجنة الأمم المتحدة ومؤتمر جنيف قد أكدت المبدأ الثاني: (لما كان عرض البحر مفتوحا لكافة الأمم، فإنه ليس من حق أية دولة أن تحضع قسما منه لسلطانها). وأما حق التفتيش والملاحقة - أو المطاردة - فهما بدورهما مقيدان بنواظم دولية، فحق التفتيش محدد بأن يظن أن المركب يمارس القرصنة، أو يتعاطى تجارة الرقيق، أو إذا رفع المركب علما مزيفا، بشرط أن يحمل جنسية السفينة الحربية القادمة للتفتيش. وأما حق الملاحقة، فلا يمكن ممارسته إلا في حالة ما إذا كان المركب الملاحق قد خالف القوانين الجمركية أو المالية أو الصحية السائدة في الدولة المطلة على البحر، وبشرط أن تبدأ الملاحقة اعتبارا من المياه الإقليمية. يظهر مما تقدم أن العمليات الفرنسية إنما هي خرق فاضح للتشريع الدولي المتعلق بالبحار في زمن السلم، وإن مرسوم السابع عشر من آذار - مارس - ١٩٥٦ الذي سبقت الإشارة إليه، والذي مددت به الحكومة الفرنسية حدود المياه الإقليمية للجزائر إلى خمسين كيلو مترا يؤلف هو الآخر انتهاكا ظاهرا للقاعدة الوضعية التي

стр. 2813

سبق عرضها، والتي لا تسوغ أن تتعدى المياه الاقليمية اثني عشر ميلا. وتجدر الإشارة إلى تناقض الاستعمار الفرنسي مع ذاته، ففي مؤتمر صحفي عقد في (وهران) صرح الناطق باسم وزارة الخارجية الفرسية: أن فرنسا لن تتردد في مصادرة كل شحنة أسلحة تصادفها في حدود المياه الإقليمية للجزائر التي تبعد خمسين كيلو مترا عن الشواطىء. وهنا اعترض أحد الصحفيين فقال: بأن أندونيسيا سبق لها منذ شهر أن رسمت لمياهها الإقليمية مثل هذه الحدود، فكانت فرنسا هي أول دولة احتجت على ذلك بشدة احتجاجا مستندا إلى عدم شرعية هذه المسافة في نظر الحقوق الدولية، فبهت ممثل وزارة الخارجية، واكتفى بالإجابة: (إن الموقف في الجزائر مختلف! ...). على كل حال! فهناك حادثتان مميزتان قد تجدر الإشارة إليهما، وهما من أبرز عمليات القرصنة التي مارستها فرنسا ضد ثورة الجزائر، والأولى عملية احتجاز الباخرة (آتوس) والثانية هي عملية احتجاز الباخرة (سلوفانيجا)، وقد وقعتا في عرض البحر. قضية آتوس: صرح مصدر فرنسي رسمي بما يلي: (قامت الطائرة الفرنسية التي تحمل اسم - المقدم دوبيمودان - بالهبوط على السفينة - آتوس - التي كان رادار الطائرات البرمائية قد اكتشفها، وكانت الطائرة قد انطلقت من المياه الإقليمية). وأثناء رؤية القضية أمام محكمة القوات المسلحة (بوهران) قال محامي الدفاع، والوثائق في يمينه، بأن التوقيف جرى في مياه رأس (تروا فورش)، أي في عرض البحر - وتكلم قبطان (الآتوس) وهو يوناني، منعت محاكمته، واستمعت إليه المحكمة بصفته شاهد، فأوضح الخط

стр. 2814

الذي اتبعته الباخرة بمحاذاة الشاطىء الإسباني، وفي اتجاه مراكش - المغرب - مع تجنب الجزائر، ولقد اضطرت الباخرة إلى الإرساء في (رأس الآغا) أي في المنطقة المراكشية التي كانت في السابق تحت النفوذ الاسباني، وذلك باعتراف السلطات الفرنسية نفسها. وبعد أن مخرت مياه الشواطىء الإسبانية، لم يكن في وسعها إلا أن تدخل المياه الإقليمية المراكشية للإرساء، ومن المتعذر أن نتصور كيف يمكنها دخول المياه الجزائرية. وفضلا عن هذا، فإن التصريح الذي أدلى به رئيس الوزراء الفرنسي (غي موليه) يوم ٢٥/ ١٠/ ١٩٥٦ أمام الجمعية الوطنية، يؤكد انتهاك فرنسا للحقوق البحرية، والقيام بالقرصنة، حيث قال: (فيما يتعلق بالآتوس، سيرى البعض مجالا لطرح الأسئلة الحقوقية، لأني اعترف أنه من المحتمل جدا أن نكون قد تجاوزنا المياه الإقليمية قليلا) (١). وهكذا يتضح أن (الآتوس) المسجلة في (لويد) بمدينة (لندن) والتي كانت ترفع العلم البريطاني، وأبرم العقد بين قائدها وتاجر الأسلحة في القنصلية البريطانية بمدينة (الاسكندرية) (٢) قد أوقفت في عرض البحر خلافا للشرع الدولي البحري. قضية سلوفانيجا: كانت الباخرة اليوغوسلافية (سلو فانيجا) قد أبحرت من (ريجيكا) قاصدة (نيويورك) عن طريق (الدار البيضاء) عندما اعترضتها البحرية الحربية الفرنسية (يوم ١٨/ ١/ ١٩٥٨) على بعد (٤٥) ميلا من الشواطىء الجزائرية، أي

стр. 2815

في عرض البحر (١) فقامت الملاحة البحرية (يوغولينيجا) التي تملكها بإذاعة بلاغ على الصحف، أكدت فيه أن السفينة قد أوقفت على بعد (٤٥) ميلا من الشواطىء الجزائرية، وأن ضابطا وأربعة جنود - افرنسيين - قد صعدوا إلى سطحها، وحاصروا على الفور جهاز الإرسال اللاسلكي، رغم احتجاجات ربان السفينة، وقد أدلى هذا الأخير بمثل هذه المعلومات، لمحرري الصحف الذين قابلوه في (الدار البيضاء). وعلقت (صحيفة فرنسية) (٢) على الحادث بقولها: (لم يقل أحد أن العملية تمت في المياه الإقليمية، كما أن الباخرة - سلوفانيجا - كانت مبحرة وفق القانون الدولي للبحار، وأن بيانها الاحتجاجي وارد وصحيح الأساس). وكأنما شاءت الحكومة الفرنسية نفي تنفيذ العملية بروح عدائية، فاحتجزت البرقية التي أرسلها قائد السفينة في اليوم ذاته إلى السفارة اليوغوسلافية (بباريس)، وكانت هذه البرقية قد وصلت باريس في الساعة السابعة صباحا، ولم تسلم إلى السفارة حتى الساعة (١٩،٣٠).

стр. 2816

وقالت الوكالة السويسرية في برقية لها (يوم ٢٧ كانون الثاني -يناير - ١٩٥٨) ما يلي: (لقد كانت الشحنة نظامية إطلاقا، وهيئت لها كافة الإجازات (الترخيصات) الدولية، ولولا ذلك لما وافق مكتب (فيلكس - في زوريخ) على عقد الصفقة. وبدهي أن الأسلحة والأعتدة قد صرح عنها بالتفصيل، سواء في بيان الإبحار أو في الإشعارات، إذ لم يكن ثمة ما يجب إخفاؤه). وقالت وكالة الأنباء اليوغوسلافية (في ٢١ كانون الثاني - يناير - ١٩٥٨): (إننا حيال خرق فاضح لحرية الملاحة في البحار، وعرقلة تعسفية للتجارة البحرية ... ويعتبرون في - بلغراد - أنه ليس ثمة أي اتفاق دولي يعطي فرنسا أو أية حكومة أخرى، حق توقيف السفن، وتفتيشها، ومصادرة حمولتها، وعدا عن ذلك فإن تسليم الأسلحة المعروفة، لم يرد عليه أي نص بمنعه في الظروف الحالية، وليس هناك من اتفاق خاص بشأن منع تسليم مثل هذا العتاد إلى مراكش، (١). ولقد أوقفت هذه الباخرة (اليوغوسلافية) مرة أخرى في ٢٩ آذار - مارس - ١٩٦٠. وتولت إيقافها سفينة الحرب الفرنسية (سافوايار) على بعد (٢١) ميلا من الشواطىء الجزائرية، كما أوضحت ذلك وزارة

стр. 2817

الخارجية اليوغوسلافية. وأضاف هذا المصدر الرسمي أن قبطان الباخرة وافق على تقديم أوراقه بعد أن التزم الضباط الفرنسيون بتنظيم ضبط يشار فيه إلى المكان الذي أوقفت فيه السفينة. أعمال قرصنة أخرى: أوقفت البحرية الفرنسية بعد ذلك بخمسة أيام (أي في ٣ نيسان - ابريل - ١٩٤٠) سفينة يوغوسلافية أخرى (ريجيكا) وهي في عرض البحر، وذلك على بعد (٣٢) ميلا من الشواطىء الجزائرية. وفي ١٥ حزيران - يونيو - ١٩٦٠، اعترضت سفينة حرب فرنسية مركبا يوغوسلافيا آخر على بعد (١١) ميلا من غربي الشواطىء المراكشية، بعد أن سلطت عليه نيران مدافعها المضادة للطائرات. ووجهت وزارة الخارجية التشيكوسلوفاكية إلى الحكومة الفرنسية (في ١٣ نيسان - ابريل - ومطلع تموز - يوليو - ١٩٥٩) مذكرتين احتجت بهما على اقتياد السفينة التشيكية (ليديس) الذي حدث في ٧ نسان - ابريل - ١٩٥٩ - بصورة مخالفة للقانون، وفي عرض البحر. وفي ٢٤ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٩، أعربت الحكومة الفرنسية إلى حكومة ألمانيا الاتحادية عن أسفها لمصادرة قسم من حمولة السفينة الألمانية (بيلباو) التي أوقفت في عرض البحر يوم ٥ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٩٥٩ ولكن في أعقاب سلسلة من عمليات التوقيف التي تناولت شتى السفن الألمانية، ما بين كانون الأول - ديسمبر - ١٩٦٠ وكانون الثاني - يناير - ١٩٦١، وجهت حكومة (بون) في ٧ كانون الثاني - يناير - ١٩٦١، مذكرة احتجاج إلى الحكومة الفرنسية، وهددت فيها باتخاذ بعض التدابير العدائية، ومنها إغلاق المرافىء الألمانية في وجه البواخر الفرنسية.

стр. 2818

ومن نافلة القول أن نستمر في تعداد الحوادث المماثلة، فقد أكدت مجموعة العمليات التي قامت بها السلطات الفرنسية من تعرض وتوقيف ومصادرة أنها كلها تمت في عرض البحر، وهي لا تتجاوز نطاق (القرصنة البحرية).

стр. 2819

٢ - على المسرح الدولي كانت سنة ١٩٥٧ هي سنة الجزائر في الأمم المتحدة، فقد عرضت (قضية الجزائر) مرتين على الأمم المتحدة في الدورتين الحادية عشرة والثانية عشرة، واستمر طرح القضية بعد ذلك في كل دورة من دورات هيئة الأمم المتحدة، وكان عدد أنصار الجزائر يتزايد في كل مرة، في حين كان موقف فرنسا يتزايد حرجا، الأمر الذي أرغم حلفاء فرنسا في النهاية إلى التخلي عنها، وكان للعزلة الدولية التي نزلت بفرنسا دورها في التأثير على السياسة الفرنسية التي وجدت نفسها مضطرة لإعادة تقويم مواقفها. وقد لا يتسع المجال هنا لعرض مراحل الصراع السياسي للجزائر على المستوى الدولي، وعلى هذا فقد يكون من المناسب البدء بالقرار (١٥٧٣) الذي أصدرته الأمم المتحدة يوم ١٩/ ١٢ / ١٩٦٠ (الدورة الحادية عشرة) والذي تضمن ما يلي: أولا: إن الجمعية العامة قد أحيطت علما بأن الفريقين قد وافقا على حق تقرير المصير، كأساس لحل القضية الجزائرية. ثانيا إن الجمعية العامة (قد اعترفت بحق الشعب الجزائري بتقرير المصير والاستقلال). ثالثا: إن الجمعية العامة (قد أكدت الحاجة القصوى لوضع

стр. 2820

الضمانات الفعلية المناسبة التي تكفل تطبيق مبدأ تقرير المصير بنجاح وعدالة، على أساس الاعتراف بالوحدة والسلامة الإقليمية للجزائر). رابعا: إن الجمعية العامة (تعترف بأن على الأمم المتحدة مسؤولية المساهمة في تنفيذ حق الشعب الجزائري بكل نجاح وعدالة). وعلى هذا الأساس - بدأت مباحثات - إيفيان -. أخذت الحكومة المؤقتة للجمهور ية الجزائرية المبادأة - كعادتها - من أجل تنفيذ قرار هيئة الأمم المتحدة، ولما يمضي على صدور هذا القرار أكثر من أربعة عشر يوما، وأعلنت عن استعدادها للدخول في مفاوضات مع الحكومة الفرنسية، على أساس تقرير المصير والاستقلال. وفي الواقع، فقد كانت الحكومة الجزائرية هي التي تقترح دائما المفاوضات مع الحكومة الفرنسية لإجراء تسوية سلمية، وحتى حين كانت الحرب الجزائرية على أشدها تنزل الضربات القاصمة بالقوات الفرنسية، لم تتردد جبهة التحرير الوطني الجزائرية، المرة بعد المرة في الدعوة إلى المفاوضات، ففي آذار (مارس) ونيسان (أبريل) وآب (أغسطس) وتشرين الأول (أكتوبر) من العام ١٩٥٦، بذل الزعماء الجزائريون جهودهم لاقناع فرنسا بالموافقة على مبدأ المفاوضات، وجدد الزعماء جهودهم في تشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) (١٩٥٧)، ثم تابع الزعماء الجزائريون محاولاتهم في أيلول (سبتمبر) وتشرين الأول (أكتوبر) من العام التالي (١٩٥٨). وقد بادرت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بعد إنشائها (وفي العام ١٩٥٩) بأربع محاولات للمفاوضات (في حزيران - يونيو، وأيلول -

стр. 2821

سبتمبر، وتشرين الأول - اكتوبر، وتشرين الثاني - نوفمبر). وقد تم اجتماع (ميلون) في العام (١٩٦٠) بمبادرة من الزعماء الجزائريين، وكان الوزراء الجزائريون في هيئة الأمم المتحدة يسعون سعيا حثيثا مع وفود الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حتى تكون قرارات هيئة الأمم المتحدة متضمنة لمبدأ المفاوضات، ومقابل ذلك، كان موقف فرنسا متناقضا ومتباينا، ففي بعض الأوقات كانت فرنسا ترفض المفاوضات رفضا قاطعا، وفي مرات أخرى كانت فرنسا ترفض استخدام لفظ المفاوضات، وأخيرا فإن الصائغين البارعين في الأمم المتحدة، وهم ينبشون القواميس الدبلوماسية، عثروا على تعبير فرنسي يقابل كلمة المحادثات (١) وذلك لإرضاء المشاعر الفرنسية الحساسة ... وهذا ما دعا الجمعية العامة أن تستخدم هذا التعبير الفرنسي في قرار هيئة الأمم المتحدة ولم يكن سرا طوال سنوات الصراع، كانت تنهال على هيئة الأمم المتحدة النداءات والمناشدات حتى يأخذ الأعضاء بعين الاعتبار مصالح فرنسا، مع تمجيد عظمتها وإشباع غرورها، والمبالغة في الثناء عليها ومراعات عاطفتها الحساسة ورقة مشاعرها ... وكثيرا ما كان أعضاء هيئة الأمم المتحدة يستجيبون لهذه النداءات. لم يقتصر الشعب الجزائري على المطالبة بالمفاوضات، بل إن حق تقرير المصير للشعب الجزائري، كما أعلنه الرئيس ديغول في بيان ١٦ أيلول - سبتمبر - ١٩٥٩ وقبلته الحكومة الجزائرية في ٢٨

стр. 2822

أيلول - سبتمبر - ١٩٥٩ كان مطلبا جزائريا على الدوام. لقد كان حق تقرير المصير هو (كلمة السر) في الحرب الجزائرية، و (الشعار القومي) للشعب الجزائري، ولولا الحساسة الفرنسية لوجب على هيئة الأمم المتحدة حين الإشارة في قراراتها إلى (المفاوضات وحق تقرير المصير) أن توجه نداءها الى فرنسا، والى فرنسا وحدها. فلقد كانت الجزائر تقف دائما، إلى جانب مبدأ المفاوضات، لتجري بصورة أمينة صادقة، والى جانب تقرير المصير يطبق بكل جد وعدالة، ولكن فرنسا هي التي كانت تتخلف مرة، وتنتحل الأعذار مرة أخرى. ولم يكن موقف الجزائر ناجما عن ضعف، فقد كانت تتابع الحرب باستمرار، وتطور استعدادها، وهي تعلن في الوقت ذاته استعدادها للسلام، وكان المجاهدون يحرزون النصر تلو النصر في ميادين الصراع المسلح، في حين كانوا يرفعون في اليد الأخرى غصن الزيتون، وكان ذلك سر قوتهم. ومن أجل ذلك، كان جليا للعيان، أنه حينما أعلنت الحكومة الجزائرية في كانون الثاني - يناير - ١٩٦١، أنها على استعداد لأن تقبل بصورة رسمية الدخول في مفاوضات مع الحكومة الفرنسية، استجابة لقرار الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، إنما فعلت ذلك رغبة منها في السلام، وفي الحرية التي تستهدف السلام، ولقد أخذت الحكومة الجزائرية زمام المبادرة، وأدى ذلك الى (مؤتمر إيفيان) الذي عقد في أيار - مايو - ١٩٦١. وكان سرور المحافل الدولية كبيرا إذ اعتقدت أن فرنسا قد تخلت في النهاية عن أسطورة (الجزائر الفرنسية)، غير أن هذا السرور ما لبث أن تحول إلى إحباط عندما فشلت المفاوضات بسبب عودة فرنسا إلى عنادها القديم في موضوع (الصحراء ووحدة التراب الجزائري) وكان حريا بالجنرال (ديغول) الذى ارتبط

стр. 2823

اسمه (بشمال أفريقيا) أن يكون أكثر معرفة بالتاريخ والجغرافيا، إن وحدة الجزائر حتمية - كالقدر - وإن سلامتها الإقليمية، بشواطئها وجبالها وصحرائها، حاسمة قاطعة، لا تقبل النقاش أو الجدل، وقد رفضت الجزائر أن تطرح هذه الأمور على مائدة المفاوضات حتى لو أدى ذلك الى أن تصبح الحرب الجزائرية - الفرنسية (حرب المائة عام) (١). المهم في الأمر، هو أن المفاوضات قد أظهرت بوضوح تام موقف الطرفين (الجزائري والفرنسي) من المفاوضات، ولقد أصدرت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، في عشية (مؤتمر إيفيان) أي في يوم (١٩ - أيار - مايو - ١٩٦١) بيانا سياسيا من مقرها في تونس تضمن ما يلي: (ستبدأ المفاوضات في - إيفيان - غدا بين الحكومة الفرنسية والحكومة الجزائرية، وسيحضر وفدنا هذا المؤتمر برغبة أكيدة للوصول إلى حل حاسم للمشكلة التي نشأت منذ - ١٣٠ - عاما، وعلى أمل الوصول الى نهاية للحرب، وقد بات السلام ممكنا إذا ما توفرت الضمانات التي لا بد منها. إن هدف الاجتماع في (إيفيان) يجب أن يكون تحرير الجزائر تحريرا حقيقيا كاملا، وإن معنى هذا، هو أن الشعب الجزائري يجب أن يجد نفسه متحررا من العبودية، بعد أن أخضع طوال مائة وثلاثين عاما للقانون الفرنسي، قانون الأقوى، وقد قاتل الجزائريون من أجل استقلالهم منذ أن حملوا السلاح في الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤، وحتى يومنا هذا، ولقد استشهد

стр. 2824

من استشهد في سبيل هذا الاستقلال، ولم تبخل الجزائر لتحقيق هذه الغاية بالأرواح والأموال، وقد أصبح عسيرا أن نحصي عدد شهداءنا. وإن كفاح جيش التحرير الجزائري الذي لا يقهر، هو الذي جعل مفاوضات الغد ممكنة، وإن هذه المفاوضات يجب ان تيسر لشعبنا أن يمارس سيادته ممارسة حقيقية، وأن يحقق استقلاله. إن سياسة الجزائر الخارجية، تهدف إلى إقامة علاقات مثمرة وثابتة مع جميع الشعوب، وبطبيعة الحال مع الشعب الفرنسي، وإن الجزائر قد أغنتها تجارب حرب السبع سنوات، لترغب أن تساهم في بناء السلم العالمي، وأن الجزائر المستقلة مستعدة أن تمد يدها إلى فرنسا، وهي مستعدة كذلك أن تحترم المصالح الإفرنسية التي لا تتعارض مع المصالح الجزائرية. وإنه من طبيعة الأشياء، أن الشعب الجزائري، متحررا من قيود العبودية، ستكون له أحسن العلاقات بالشعب الفرنسي، وسرعان ما تنتهي الحرب، ويتحقق الاستقلال، فإن العلاقات العادية بين الشعبين ليست ممكنة فحسب، ولكنها مرغوب فيها ... وسيكون أمام شعبينا مجال واسع للتعاون الحر. أما بشأن الأقلية الأوروبية، فإننا نأمل أن تفهم هذه الأقلية في الجزائر أننا على أبواب عهد جديد، وأنه ليس لهم ما ينفعهم من ارتباطهم بالاستعمار، وسيكون في الجزائر مكانة مرموقة لكل جزائري، ونحن نتطلع إلى مستقبل مفعم بأمل السلام والتقدم للجزائر. وإذا كانت فرنسا مستعدة بإخلاص أن تقلب صفحة الماضي الاستعماري، بصورة نهائية قاطعة، فنحن مستعدون من جانبنا أن نضمد جراحنا ونتغلب على مشاعر المرارة في نفوسنا). لقد بدأت مفاوضات (إيفيان) من غير جدول أعمال متفق

стр. 2825

عليه، ولكن الحكومة الجزائرية لم تشأ أن تعلق أهمية على هذا الموضوع البالغ الأهمية، وتجاوزت كل الجوانب الغامضة التي أحاطت بالمؤتمر وموضوعاته منذ البداية، والتي لم يكن أقلها البلاع الرسمي، المبهم والغامض، والذي أصدرته الحكومة الفرنسية يوم (٣٠ آذار - مارس - ١٩٦١) وتضمن (بأن المفاوضات ستدور حول تقرير المصير والأمور المتصلة به). ولم تشأ الحكومة الجزائرية أن تلفت النظر إلى هذه الصيغة المغلفة بالغموض، وارتأت أن تسير في هذه الرحلة الى نهايتها، رغما عن الألغام التي كانت فرنسا قد زرعتها في الطريق منذ بدايتها. وبهذه الروح البناءة الخيرة، اتجه وفد الحكومة الجزائرية إلى (إيفيان) ممثلا لوزارات الخارجية والمالية والتنمية الاقتصادية والإعلام وجيش التحرير الوطني، وكان الوفد مخولا ببحث جميع القضايا السياسية والاقتصادية والعسكرية ومفوضا أن يدخل في مفاوضات حرة مع فرنسا، من غير شروط مسبقة، إلا ما نص عليه قرار هيئة الأمم المتحدة: (تقرير المصير على أساس وحدة الشعب الجزائري، وسلامة الوطن الجزائري). بدأ الوفد الجزائري محادثاته في (إيفيان) بإلقاء بيانه الذي تضمن فيما تضمنه ما يلي: (إن الموضوع الذي يواجهنا في هذه الدقيقة هو استئصال الاستعمار من جذوره، وإن هاتين الكلمتين - استئصال الاستعمار - على إيجازهما تحددان المشكلة وتحددان الحل. إن القضية الجزائرية هي قضية استعمار، ولذلك فإن حلها، شأنها شأن جميع القضايا الاستعمارية هو باستئصال الاستعمار، وليس هذا ما يفرضه المنطق البسيط فحسب، بل إن هذه هي روح العصر، بل هي روح اليوم الذي نعيشه ... ان تقرير المصير يجب

стр. 2826

أن يمارسه الشعب الجزائري في معزل عن أية شروط، وإن استقلال الجزائر ليس معناه العداء للأجنبي، وليس له أن يؤدي الى الكراهية. نحن نفهم الاستقلال في إطار العلاقات النافعة من شعبين متحررين، وإن هذه العلاقات يمكن تنميتها، ويمكن أن تنفع الشعب الفرنسي والشعب الجزائري). ... عقد مؤتمر (إيفيان يوم ٢٠ أيار - مايو - ١٩٦١، ولم تمض أكثر من أربعين دقيقة على بدء الجلسة الافتتاحية، وبينما كان الوفد الفرنسي يلقي بيانه، أعلنت الحكومة الفرنسية عن (هدنة في الجزائر). وكانت هذه الخطوة من جانب فرنسا مدعاة الى التقدير في ظاهر الأمر، فوق أنها تدل على (التقى والورع). ولكن لم تنقض لحظات بعد ذلك حتى أدرك الرأي العام العالمي حقائق الموقف، وسقطت الأقنعة والستائر عن المحاولة الفرنسية؛ فقد انكشف أولا أن هذه الهدنة هي هدنة فرنسية جاءت من طرف واحد حتى أن الحكومة الجزائرية لم تبلغ بها، وتتطلب الهدنة الحقيقية على ما هو معروف اتفاقا مسبقا يتم الوصول اليه بالتفاوض بين الطرفين المتحاربين، فإذا أعلنها طرف واحد فإنما هي (خدعة) لا (هدنة)، ولا تكون إلا تكتيكا مفضوحا، خاليا من روح التكتيك ... لقد ظنت فرنسا انها بهذه الخطوة تستطيع ان تأسر خيال رجل الشارع في فرنسا، وتربح الرأي العام العالمي، وتحرج الحكومة الجزائرية، ولكن فرنسا قد أخفقت في تحقيق هذه الأهداف الثلاثة، فلقد خاب ظن المواطن الفرنسي في حكومته (الكذابة) وسخر الرأي العام العالمي من عقلية القرصنة الفرنسية، وكان

стр. 2827

الشعب الجزائرية أكثر هزءا بهذه (اللعبة المكشوفة) التي لم تلبث أن فضحتها التعليمات الخاصة التي وجهها الحاكم العام الفرنسي في الجزائر: (والتي خولت الجيش الحرية الكاملة للقيام بعمليات هجوم شاملة، حيثما كان، وبقدر ما تسمح الظروف). أما بالنسبة لموقف الحكومة الجزائرية من (الهدنة)، فإنها بوغتت بهذا الاجراء، غير أنها لم تصب بالنهول، فقد تمرست بأساليب اللعب الاستعمارية؛ ولهذا فقد اعتبرت أن (الهدنة الفرنسية) هي (ضربة تسلل) سارعت بالرد عليها، فأصدرت من مقرها بتونس يوم (٢١ - أيار - مايو - ١٩٦١) بيانا جاء فيه: (إنها لا تعلم شيئا عن الهدنة الفرنسية) وبذلك لم يتيسر للخدعة أن تخدع أحدا. وفيما يتعلق بجوهر المفاوضات في (إيفيان) فقد كان موقف الحكومة الفرنسية أسوأ من (حكاية الهدنة)؛ فقد قدم الوفد الفرنسي يوم (٨ حزيران - يونيو - ١٩٦١) خطة لما أسماه (إزالة الاستعمار) وهي تتضمن بنودا من شأنها (تطوير الاستعمار) ومن أبرز نقاطها: أ - دعم (الوجود الأوروبي) بضمانات كيانية ودستورية، بما فيها حق التمثيل في (البرلمان الفرنسي) لهذه الجماعة الأوروبية، وحقها في كيان منفصل. وبهذا فإن الخطة الفرنسية تقيم في داخل (الدولة الجزائرية) دويلة أوروبية، أوروبيه دائما، ومفضلة متميزة باستمرار. ب - اعادة إثارة الأسطورة القديمة (الصحراء الفرنسية) والمطالبة بفصلها عن الجزائر. ج - المطالبة بإنشاء مناطق عسكرية داخل الدولة الجزائرية تكون تابعة لفرنسا، وليست هذه قواعد حربية، وإنما هي مناطق شاسعة بكاملها، مخصصة لأغراض عسكرية، ويكون لفرنسا عليها السيادة

стр. 2828

الكاملة. وبهذا يكون لفرنسا دويلات عسكرية موزعة في كل مكان فوق التراب الجزائري، وداخل كيان الدولة الجزائرية. د - الدعوة لإنشاء نظام خاص في مدن معينة، يعاد فيها تجميع الأوروبيين، على نحو ما كانت عليه دويلات المدن في عالم اليونان القديمة. لقد كانت الخطة الفرنسية خطة متكاملة هدفها تدمير مبدأ (تقرير المصير) و (تجزئة الوطن الجزائري) و (القضاء على وحدة الشعب الجزائري)، وفوق هذا وذاك، فإنها تصنع من الجزائر مزيجا غريبا وشاذا من الأنظمة والكيانات: الدولة الأوروبية دولة المدن، دولة الصحراء، وأخيرا دولة الجزائر. وعلى الرغم مما تتضمنه هذه الخطة من (فضائح مخزية) و (عيوب فاضحة) فقد مضى الوفد الجزائري في المفاوضات، مفندا المزاعم الفرنسية التي بنيت عليها الخطة، ومعارضا المقولات الفرنسية ومجادلا بصبر نافذ، وحماسة دافئة، ولكن جميع الحجج لم تقنع الوفد الفرنسي بضرورة الالتزام بمادىء (هيئة الأمم المتحدة وميثاقها). وفجأة، وبعد ثلاثة أسابيع من المفاوضات، قرر الوفد الفرنسي إيقاف أعمال المؤتمر، بدون إبداء الأسباب الداعية لذلك، وكان هذا الموقف من جانب فرنسا، بغير علم الوفد الجزائري أو موافقته، يشابه تماما موقف فرنسا من (حكاية الهدنة) في بداية أعمال المؤتمر. واعتصم الوفد الجزائري - كعادته - بالصبر وبعد النظر، (فأعرب عن استعداده لاستئناف المفاوضات حينما يحلو للفريق الفرنسي العودة لممارسة لعبة المفاوضات). وبدلا من أن تنصرف فرنسا إلى دراسة الموقف من جديد، فقد عملت على إلقاء مسؤولية الفشل على عاتق الوفد الجزائري، وألقى الوزير الفرنسي لشؤون الجزائر - مسيو لويس

стр. 2829

جوكس - بيانا في الإذاعة والتلفزيون جاء فيه ما يلي: (... نحن لم نتمكن من معرفة موقف جبهة التحرير الوطني الجزائرية بصدد أي موضوع من المواصيع المطروحة على المؤتمر، حتى أننا وجدنا أنفسنا نلام للقرار الذي اتخذناه بشأن وقف الأعمال الحربية، ذلك القرار الذي أعتبر مناورة عسكرية ... وفي المواضيع الأخرى، كان ممثلو جبهة التحرير الوطني الجزائرية يقيدون أنفسهم بأمور نظرية مجردة، أو يلتزمون الصمت، أو أنهم يعربون عن نوايا طيبة، سرعان ما نجدها تطير في الهواء حينما نحاول أن نمسك بها). لم تكن هناك حاجة لدحض المزاعم التي طرحها - الوزير الفرنسي - ذلك ان الوفد الجزائري كان قد قدم بيانا رسميا الى (مؤتمر إيفيان) في يوم (١٠ حزيران - يونيو - ١٩٦١) مرفقا بمذكرة تضمنت ما يلي: (إن الخطة الجزائرية قد أخذت باعتبارها جميع الحقائق، وجميع العوامل الإنسانية والنفسية في نطاق خطة صادقة لإزالة الاستعمار والتعاون المثمر). ولقد ركز البيان الجزائري على مجموعة النقاط التي أثارها الوفد الفرنسي، وأبرزها: ١ - الموقف من قضية الصحراء. ٢ - الموقف من الأقليات الأوروبية. ٣ - الموقف من محاولات (تقسيم الجزائر). وتميز البيان الجزائري بالوضوح التام، والصراحة المطلقة، لا لبس ولا غموض، ولا مناورات خداعية، ولم يكن باستطاعة الوفد الفرنسي إغماض عينيه أمام وهج شمس الحق الساطعة، فلم يكن أمامه إلا الفرار من (حلبة المفاوضات) وهذا ما فعله. وعرف العالم كله، موقف الطرفين المتصارعين على حلبة (الصراع السياسي)،

стр. 2830

فزاد موقف فرنسا تدهورا. وتتطلب فقرات (البيان الجزائري) في الواقع، وقفة قصيرة عند كل فقرة من الفقرات. أ - قضية الصحراء الصحراء الجزائرية هي الجزء الجنوبي من الجزائر، وقد عرفت بأسماء مختلفة مثل (الجنوب القسنطيني) و (جنوب ولاية الجزائر) و (الجنوب الوهراني)، وليس هناك من وصف آخر يطلق على (الجنوب الجزائري) الذي يشغل أرضا مساحتها مليون ونصف المليون من الكيلومترات المربعة، تعادل أربعة أضعاف مساحة فرنسا ذاتها، وقد اكتشف فيها الغاز الطبيعي والبترول غداة الحرب العالية الثانية. ويظهر أن تفجر الثروات في الصحراء الجزائرية قد حرك أطماع الاستعمار الفرنسي، تدعمه السياسة الاستعمارية الدولية، وخشية أن يؤدي استقلال الجزائر إلى القضاء المبرم على أهدافه، فقد انبرى يحاول اختلاس القسم الصحراوي من الجزائر متذرعا بمختلف الذرائع الواهية. وفي الوقت الذي كانت تنطلق فيه هتافات مجنونة على غرار (من دنكرك إلى تامانراست) تتغنى بها جماعة تتوهم في غمرة الرقي الحرية أن مجرد ترديد رغبة يكفي لتوليد حقيقة، في ذلك الوقت، كانت الحكومة الفرنسية والبرلمان الفرنسي يقيمان الطقوس ذاتها، فيتخيلان أن سن قانون، وإصداره، يكفيان لإسباع الحياة على وهم خرافي. وعلى هذا النمط، حاولوا أن يعلنوا أن الصحراء الجزائرية هي (أرض فرنسية) بشكل (نهائي ورسمي وسيادي)، ومجرد الادعاء يضاهي بقوة السحر برهانا ساطعا، في نظر جماعة (بوجاد) (إن سيادتنا على الصحراء لا تقبل النزاع. وإذن، فهي أرض من الوطن، ويعود إلى

стр. 2831

البرلمان - الفرنسي - أن يرسم ذلك بشكل قانوني، منعا لكل التباس) (١)، وآخرون من رجال السياسة يرون ان فرنسا قد وضعت يدها على (مال متروك لا صاحب له). طبعا، فالمسألة مسألة أرض خالية لا يقطنها أحد ولا يملكها أحد!! وأولئك المليون مخلوق بشري من أبناء صحراء الجزائر؟ إنهم غير موجودين، بإرادة القانون ووقاحة الاستعمار!! لقد أصبحت عادة من العادات تلك الصيحة التي يرددها رجال فرنسا في الجزائر، كلما دخلوا مكانا ليس فيه سوى المسلمين: (لا يوجد أحد)، أما (آل رغيبة) و (الطوارق) و (الهقار) و (العجار) و (سكان الواحات) فليسوا جميعا سوى ذرات من الرمال. ومعلوم أن الأرض تعتبر خالية - بلا صاحب - منذ الوقت الذي لا تمارس عليها أية سلطة، والصحراء الجزائرية ينطبق عليها هذا التعريف في نظرهم، لأن القبائل التي تقطنها لا عهد لها بمفهوم السلطة والسيادة على النحو المعروف لدى الأوروبيين في قانونهم الدولي العام. وليس بالإمكان الإنحاء باللوم على (قيصر) لأنه كان يجهل البارود، ولكن ذلك مثال التعليل الاستعماري القائم على عناصر يعتبرونها في قاموسهم مطلقة على حين أنها ليست إلا نسبية، وهم لا يلتفتون، مع ذلك، إلى واقع أن هذه القبائل التي يعترفون بأنها (محاربة موهوبة) إنما تقيم لسيادتها واستقلالها مفهوما يتسم بالغيرة، بل حتى بالمغالاة. وتبقى الحقيقة الوحيدة، وهي أن فرنسا لا تملك سندا قانونيا صحيحا يخولها ضم الجزائر اليها، سواء في ذلك القسم الشمالي منها أو الجنوبي، وليست فرنسا سوى سلطة

стр. 2832

احتلال في الصحراء الجزائرية، كما في باقي أنحاء البلاد. ومن مظاهر هذه الحقيقة أن أراضي الجنوب الجزائري ظلت تخضع للإرادة العسكرية الفرنسية، وتحكم بموجب قوانين خاصة تطورت في ثلاثة مراحل متميزة: ١ - الفترة الأولى: وفيها حكمت الصحراء بموجب (القانون الصحراوي) من سنة ١٩٠٢ الى سنة ١٩٤٧. ٢ - الفترة الثانية: وفيها حكمت الصحراء بموجب قانون ١٩٤٧حتى سنة ١٩٥٧. ٣ - الفترة الأخيرة: وفيها حكمت الصحراء بانشاء (المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية). ... عندما سنت السلطات الفرسنية عام ١٩٠٢ قانونا ظل طوال نصف قرن هو النظام الأساسي لأراضي الجنوب الجزائري، لم تشأ تلك السلطات أن تفصل عن الجزائر جزءا من أرضها. وعلى هذا فإن القانون لم يحدث قط كيانا سياسيا، وإنما اكتفى بإقرار تنظيم من النوع الإداري المحض، بعد أن اعترف بأن أراضي الجنوب تؤلف جزءا لا يتجزأ من الجزائر. فالأمر الذي حمل البرلمان الفرنسي على إنشاء وحدة إدارية دعيت (بالجنوب الجزائري) لم يكن الرغبة السياسية في تجزئة الجزائر، وإنما مرده إلى اعتبارات مالية صرف، وقد قال مشرع القانون: (أيها السادة!. لقد أفصح البرلمان عن رغبته في أن يرى نفقات احتلال أراضي الجنوب الجزائري، مقصورة على ما هو جد ضروري، ومن بين الوسائل المؤدية إلى هذه النتيجة، وسيلة أشارت إليها لجنة الميزانية في المجلس لعام ١٩٠٢، وهي تقضي

стр. 2833

بأن تنتظم أراضي الجنوب في وحدة إدارية متميزة لها ميزانيتها التي تغذيها ضرائب محلية. وقد أقر المجلس على هذا الأسلوب، فصادق في ٢٣/ ١٢/ ١٩٠١، مشروع قرار نص على: أن المجلس يدعو الحكومة إلى دراسة مشروع تنظيم إداري ومالي للجنوب الجزائري). ومن الملاحظ، إذن، أن أراضي الجنوب كان معترفا بأنها ليست سوى (الجنوب الجزائري) وأن المشروع لم يهدف، ولا أحكام القانون ذاته قد رمت، إلى إقامة وحدة سياسية منفصلة عن الجزائر. ومن الملاحظ أيضا أن قانون عام ١٩٠٢، قد أكد حقيقة وحدة الأرض الجزائرية، فالضرائب والرسوم التي تجبى في أراضي الجنوب، شأنها شأن الضرائب والرسوم المفروضة على أي جزء آخر من الجزائر، كانت فيما مضى، تغذي ميزانيات الجزائر وولايات وهران والجزائر وقسنطينة، وكل ما هدف إليه قانون عام ١٩٠٢ هو الاقتصاد والتوفير، بتخصيص موارد الموازنات المحلية للنفقات المحلية، أي أن توضع موازنة خاصة لما أسماه المقرر البرلماني (بالصحراء الجزائرية). وما التقرير الذي رفع من (لجنة الجزائر) إلى (مجلس الشيوخ الفرنسي) إلا تأكيد للعوامل ذاتها والهادفة إلى تخفيض نفقات الميزانية لما كان معترفا بأنه يؤلف. دونما ريب، (القسم الجنوبي للجزائر) أو أيضا (الجزء الآخر من الجزائر) وفقا لما تضمنه التقرير المشار إليه: (يبدو أن هذا الجزء من الجزائر يمكن وضعه تحت إدارة خاصة، دونما محذور، بحكم تربته ومناخه وعادات أهله، والدور الذي يضطلع به في مستعمرتنا الأفريقية الجميلة ... أما الاحتفاظ بهذين الجزئين من الجزائر مدة أطول

стр. 2834

تحت إدارة واحدة، وفي حدود موازنة واحدة، فإنه ينطوي على عدم الانصاف، ومن شأن هذه الطريقة أن تلحق الضرر بالجزئين معا). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن قانون عام ١٩٠٢ قد سبقته استشارة الهيئات الجزائرية المختصة، ولا سيما العناصر المالية والمجلس الأعلى في شأن المشروع الحكومي، وقد انتهت هذه الهيئات إلى الموافقة على نص المشروع بعد أن أجيب إلى طلبها الرامي إلى اخضاع كل مشروعات الموازنة الخاصة بأراضي الجنوب لتمحيصها ودراستها. وعلى هذا فإن التنظيم الإداري المستوحى من دواع مالية معروفة لم يسفر عن شيء، سوى تعزيز المركزية لا لصالح (حكومة باريس) بل لمصلحة (السلطة الحاكمة في مدينة الجزائر). ولقد هدف قانون (١٩٠٢) وجميع النصوص اللاحقة إلى تحقيق ما يلي: أ - تقليد الحاكم العام في الجزائر (وليست أية سلطة خارج الجزائر -) السلطات اللازمة لإدارة أراضي (الجنوب الجزائري). ب - الحد من نظام الإدارة الخاصة المقرر لأراضي الجنوب، عن طريق الإبقاء على الوحدة بين الشمال والجنوب في بعض المجالات الإدارية. ج - المحافظة على مبدأ الوحدة السياسية بين جزئي الجزائر، وتطبيق هذا المبدأ. وهكذا كان الحاكم العام للجزائر هو الذي يمارس إدارة أراضي الجنوب الجزائري بصورة مباشرة، وعن طريق دائرة تدعى (إدارة أراضي الجنوب) ملحقة بمكتب الحاكم العام في مدينة الجزائر.

стр. 2835

وهكذا، وعلى سبيل المثال، وفي مجال القضاء الإداري، كان الاختصاص المعقود لمجالس ولايات وهران والجزائر وقسطينة يشمل أراضي الجنوب المقابلة، أي أراضي عين صفرا، وغرداية، وتقرت والواحات. وعلى هذا النحو، جاء الأمر الصادر في ١٧/ ٨/ ١٩٤٥، في شأن انتخاب الجمعية الوطنية التأسيسية الفرنسية الذي نص في مادته (الرابعة عشرة) بوضع مرسوم يحدد كيفيه تطبيقه في الجزائر، وقد صدر مرسوم التطبيق في اليوم ذاته، فمنح الجزائر (٢٦) مقعدا توزع مناصفة بين فرنسيي الجزائر ومسلمي الجزائر: (فكانت ولاية وهران - عين الصفرا تنتخب خمسة نواب عن الفرنسيين وثلاثة نواب عن المسلمين، وكانت ولاية الجزائر - غرداية تنتخب خمسة نواب عن الفرنسيين وأربعة عن المسلمين، وكانت ولاية قسنطينة - تقرت تنتخب ثلاثة عن الفرنسيين وستة عن المسلمين) وواضح أن التمثيل النيابي للجزائر قد شمل الجزائر كلها، بما فيها مناطق الصحراء (١). وعلى كل حال، فعندما تم إلغاء نظام أراضي الجنوب في العام ١٩٤٧، ألحقت هذه الأراضي بجزائر الشمال؛ وكان ذلك تأكيدا جديدا، بوحدة التراب الجزائري، جاء بتوجه القانون الصادر في

стр. 2836

٢٠/ ٩/ ١٩٤٧، الذي تضمن نظام الجزائر الأساسي، فقد ألغت المادة - ٥٠ - من هذا القانون أراضي الجنوب في نصها القائل: (يلغى النظام الخاص بأراضي الجنوب، وتعتبر هذه الأراضي ولايات، وتحدد بقانون، بعد استطلاع رأي الجمعية الجزائرية، الشرائط التي بمقتضاها تؤلف هذه الأراضي كلا أو بعضا، ولايات متميزة، أو ولايات مندمجة في الولايات الموجودة أو التي ستشأ. يلغى المرسوم الصادر في ٣٠/ ٩ / ١٩٠٣ وتدمج ميزانية أراضي الجنوب في ميزانية الجزائر اعتبارا من أول كانون الثاني - يناير - ١٩٤٨). لم ينجم عن صدور هذا القانون أي تغيير، باستثناء إلغاء موازنة أراضي الجنوب، وإدخالها في صلب موازنة الجزائر، وحتى صلاحيات الحاكم العام بقيت كما هي، وقد مارس (مكتب التنقيب عن المعادن في الجزائر) الذي أنشىء منذ شهر آذار - مارس - ١٩٤٨، نشاطه الرئيسي في المناطق التي أصبحت تؤلف منذ العام ١٩٥٧ مجموعة (ولايات الواحات وسواره)، وكانت مدينة الجزائر تتحمل في موازنتها قسما من نفقات هذا المكتب. وجدير بالملاحظة أن المرسوم الصادر في ٧/ ٧/ ١٩٥٧، بتعديل النظام الأساسي للمكتب المذكور، لم يخرج القسم الصحراوي من دائرة نشاط المكتب في حين أن هذا المرسوم صدر بتاريخ لاحق لإنشاء المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية. ويلاحظ أيضا أن الحاكم العام للجزائر هو الذي منح الرخص الثلاثين الأولى لتنقيب عن الفحوم الهيدروجينية في الصحراء الجزائرية. تبع إلغاء قانون (١٩٤٧) طرح مشاريع عديدة ومتنوعة، لم يكتب لأحدها النجاح، وكما أن عوامل اقتصادية تتعلق بالموازنة،

стр. 2837

هي التي أدت في العام (١٩٠٢) إلى وضع تنظيم إداري جديد للقسم الجنوبي من الجزائر، كذلك، فإن المصالح الاقتصادية الرأسمالية الكبرى تدخلت منذ العام (١٩٥٠) وانتهى بها المطاف إلى تنظيم آخر جديد. وهناك عاملان مارسا دورا قويا؛ فمن جهة، أثار اكتشاف البترول والغاز بكميات كبيرة مطامع الرأسماليين، ومن جهة ثانية فإن تصميم الشعب الجزائري على انتزاع استقلاله جعل هؤلاء الرأسماليين يخشون ضياع ثروات الجزائر الصحراوية. ومنذ أن طرح في العام (١٩٥٥) مشروع تأميم الصحراء، برزت إلى الوجود - في باريس - مجموعة من الاقراحات ومشاريع القوانين. كان من أخطر المشاريع المقدمة مشروع فصل الصحراء عن الوطن الجزائري، وقد تصدت الإدارة الاستعمارية في الجزائر لمحاولات التقسيم، ويمكن في هذا المجال العودة إلى ما أعلنه رئيس الجمعية الجزائرية من على منبر الجمعية، وبحضور الحاكم العام للجزائر (روجيه ليونار) يوم ٢٧/ ١١ / ١٩٥١. (... لما كنت عالما بمشاعركم جميعا، فقد أعلنت لرئيس الحكومة ووزير الداخلية في باريس، أن الجنوب الجزائري يؤلف بلا جدال، جزءا لا يتجزأ من الجزائر). وعندما ازدحمت مكاتب الجمعيات الفرنسية المختلفة بمشروعات واقتراحات القوانين الهادفة إلى تجزئة الجزائر، ثارت من جديد مناقشة حادة حول الموضوع في (الجمعية الجزائرية) في تموز (يوليو) ١٩٥٢، وكان (السيد لوهورو) في جملة المتحدثين، باعتباره مندوب أراضي الجنوب في (الجمعية الجزائرية) وباعتباره واضع تقرير ربط هذه الأراضي بالجزائر، فقال ما يلي:

стр. 2838

(... إن القول بأن الجزائر تنتهي عند الأطلس الصحراوي، لا يعدو أن يكون مجرد بدعة، إن هذا معناه إنكار حقائق الجغرافية البشرية، بل إنكار أبسط مبادىء الجغرافية. وإذا كانت لجنة الداخلية قد اعتبرت هذا النتوء حدا فاصلا بين الشمال والجنوب، فلا ريب أنها لم تقدر خطأها، فهي إنما تقتطع عامدة أراضي تطواف بعض القبائل البدوية، وتخضع هذه الأراضي لنظامين إداريين مختلفين، وبذلك تهيء تعقيدات متعددة ومتنوعة تحمل في ثناياها آثارا سيئة على النظام العام). وقد انتهت المناقشات إلى تبني قرار، واقتراح، فالقرار قد نص على ما يلي: (... الجمعية الجزائرية. تحتج على كل بتر يطرأ على جزء من أرض الجزائر، ابتغاء دمجه في أرض مستقلة، ترتبط مباشرة بالحكومة الفرنسية،.أما الاقتراح، وعنوانه مثير في حد ذاته لأنه: (يتعلق بالمحافظة على وحدة الأرض الجزائرية) ونص على ما يلي: (الجمعية الجزائرية، مضطربة من جراء مشروع قانون تأميم الصحراء الذي يقتطع من الجزائر أراضيها الجنوبية. نحتج بشدة ضد أي مشروع يفضي إلى مثل هذه النتيجة). وهكذا، فحتى المدافعون عن الاستعمار الفرنسي المجنون في الجزائر، قد انبروا، بدافع من حب الاستئثار بكل شيء، يؤيدون بحماسة شديدة الفكرة التاريخية والقانونية القائلة بوحدة الأرض الجزائرية. استمرت (الجمعية الجزائرية) في صراعها من أجل المحافظة على وحدة الأرض الجزائرية، حتى توارت عن المسرح بمقتضى المرسوم الصادر في ١٢/ ٤ / ١٩٥٦. وفي كانون الأول (ديسمبر)

стр. 2839

من السنة ذاتها، رفع إلى البرلمان الفرنسي مشروع قانون يقضي بإحداث: (منظمة مشتركة للمناطق الصحراوية)، ولم يقو إحداث هذا القانون على المساس بالوحدة السياسية لشمال الجزائر وجنوبها. لقد قدمت خلال تلك المرحلة، إلى البرلمان الفرنسي، مشاريع قوانين كثيرة، بهدف إخضاع الصحراء، تعسفا، لنظام أساسي فرنسي، ويمكن من خلال هذه المشاريع، ملاحظة وجود تيارين فكريين: ١ - كانت بعض مشاريع القوانين تهدف إلى إقامة تنظيم إقليمي للصحراء، ذي طابع سياسي - إداري. وبمقتضى هذا التنظيم يفصل عن كل من (الجزائر) و (موريتانيا) و (السودان) و (النيجر) و (تشاد) أقسامها الصحراوية، ثم يجري تجميع لأراضي المفصولة، ويوضع لها من طرف واحد نظام أساسي يجعل منها (إقليما وطنيا فرنسيا). ٢ - وكانت هناك مشاريع قوانين أخرى لا تتجاوز في طموحاتها حدود إجراء: (تنظيم اقتصادي لمجموعة الصحارى الجزائرية والموريتانية. الخ ... من غير ما مساس بالنظام الأساسي لكل من هذه الأجزاء. ولعل من الأهمية بمكان، ملاحظة أن أنصار اقامة وحدة إقليمية باسم (أفريقيا الصحراوية الفرنسية) أو (الاقليم الوطني الفرسي) قد أخفقوا في مساعيهم، فلم يتخذ أي قرار بالتجميع، كما استبعدت فكرة التنظيم السياسي، وتغلبت فكرة التنظيم الوظيفي، ولا تعدو المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية من أن تكون جهازا ذا أهلية اقتصادية واجتماعية، وهي بحكم نوعية اختصاصها عاجزة عن المساس بالسيادات الاقليمية، واسقلالها. وعلى هذا، فإن قانون ١٠/ ١/ ١٩٥٧، لم ينشء (إقليما) وإنما

стр. 2840

خط (محيطا). وهذا التعبير الأخير ورد في المرسوم الصادر في ١٦/ ١٠ / ١٩٥٧ بخصوص التركيب الإداري والمالي (للمنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية). وقد أقر قانون عام ١٩٥٧ الصفة الجزائرية الخالصة لأراضي الجنوب المجمعة بقصد الاستثمار داخل محيط (المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية)، حيث نصت (المادة الأولى) من مشروع القانون الحكومي على ما يلي: (أحدثت منظمة مشتركة للمناطق الصحراوية، غايتها استثمار المناطق الصحراوية من الجمهورية الفرنسية، وتنميتها الاقتصادية، ورفع مستواها الاجتماعي، وتشترك فيها الجزائر وموريتانيا والسودان والنيجر وتشاد). والنص الذي رجحت كفته، وأصبح آخر الأمر قوام (المادة الأولى) من قانون ١٠/ ١ / ١٩٥٧. ليس أقل وضوحا إذ يقول: (أحدثت منظمة مشتركة للمناطق الصحراوية، يشترك في إدارتها كل من الجزائر وموريتانيا والسودان والنيجر والتشاد). وتجدر الإشارة إلى أن هذه المؤسسة الجديدة لم تكن تمتلك في حد ذاتها قاعدة إقليمية، ذات تنظيم قانوني خاص، وتلك ظاهرة تتجلى أيضا في واقع أن هذا الجهاز المنضد، ذا الاختصاصات الوظيفية من النوع الاقتصادي والاجتماعي البحت، يقع مركزه في (باريس) وليس داخل المحيط الصحراوي. وعلى كل حال، فقد جاءت الثورة الجزائرية لتقلب المخططات الإفرنسية رأسا على عقب، في شمال الجزائر وجنوبها، وتبع ذلك نقل المشاكل التي تتعلق بالجزائر - بما فيها قضايا الجنوب - إلى (باريس)، حيث أصبحت معالجتها من اختصاص رئيس مجلس الوزراء الفرنسي، يعاونه وزيران يختص أحدهما (بالقضايا
следующие страницы →