٢٠/ ٩/ ١٩٤٧، الذي تضمن نظام الجزائر الأساسي، فقد ألغت المادة - ٥٠ - من هذا القانون أراضي الجنوب في نصها القائل:
(يلغى النظام الخاص بأراضي الجنوب، وتعتبر هذه الأراضي ولايات، وتحدد بقانون، بعد استطلاع رأي الجمعية الجزائرية، الشرائط التي بمقتضاها تؤلف هذه الأراضي كلا أو بعضا، ولايات متميزة، أو ولايات مندمجة في الولايات الموجودة أو التي ستشأ.
يلغى المرسوم الصادر في ٣٠/ ٩ / ١٩٠٣ وتدمج ميزانية أراضي الجنوب في ميزانية الجزائر اعتبارا من أول كانون الثاني - يناير - ١٩٤٨).
لم ينجم عن صدور هذا القانون أي تغيير، باستثناء إلغاء موازنة أراضي الجنوب، وإدخالها في صلب موازنة الجزائر، وحتى صلاحيات الحاكم العام بقيت كما هي، وقد مارس (مكتب التنقيب عن المعادن في الجزائر) الذي أنشىء منذ شهر آذار - مارس - ١٩٤٨، نشاطه الرئيسي في المناطق التي أصبحت تؤلف منذ العام ١٩٥٧ مجموعة (ولايات الواحات وسواره)، وكانت مدينة الجزائر تتحمل في موازنتها قسما من نفقات هذا المكتب. وجدير بالملاحظة أن المرسوم الصادر في ٧/ ٧/ ١٩٥٧، بتعديل النظام الأساسي للمكتب المذكور، لم يخرج القسم الصحراوي من دائرة نشاط المكتب في حين أن هذا المرسوم صدر بتاريخ لاحق لإنشاء المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية. ويلاحظ أيضا أن الحاكم العام للجزائر هو الذي منح الرخص الثلاثين الأولى لتنقيب عن الفحوم الهيدروجينية في الصحراء الجزائرية.
تبع إلغاء قانون (١٩٤٧) طرح مشاريع عديدة ومتنوعة، لم يكتب لأحدها النجاح، وكما أن عوامل اقتصادية تتعلق بالموازنة،
стр. 2837
هي التي أدت في العام (١٩٠٢) إلى وضع تنظيم إداري جديد للقسم الجنوبي من الجزائر، كذلك، فإن المصالح الاقتصادية الرأسمالية الكبرى تدخلت منذ العام (١٩٥٠) وانتهى بها المطاف إلى تنظيم آخر جديد. وهناك عاملان مارسا دورا قويا؛ فمن جهة، أثار اكتشاف البترول والغاز بكميات كبيرة مطامع الرأسماليين، ومن جهة ثانية فإن تصميم الشعب الجزائري على انتزاع استقلاله جعل هؤلاء الرأسماليين يخشون ضياع ثروات الجزائر الصحراوية. ومنذ أن طرح في العام (١٩٥٥) مشروع تأميم الصحراء، برزت إلى الوجود - في باريس - مجموعة من الاقراحات ومشاريع القوانين.
كان من أخطر المشاريع المقدمة مشروع فصل الصحراء عن الوطن الجزائري، وقد تصدت الإدارة الاستعمارية في الجزائر لمحاولات التقسيم، ويمكن في هذا المجال العودة إلى ما أعلنه رئيس الجمعية الجزائرية من على منبر الجمعية، وبحضور الحاكم العام للجزائر (روجيه ليونار) يوم ٢٧/ ١١ / ١٩٥١.
(... لما كنت عالما بمشاعركم جميعا، فقد أعلنت لرئيس الحكومة ووزير الداخلية في باريس، أن الجنوب الجزائري يؤلف بلا جدال، جزءا لا يتجزأ من الجزائر).
وعندما ازدحمت مكاتب الجمعيات الفرنسية المختلفة بمشروعات واقتراحات القوانين الهادفة إلى تجزئة الجزائر، ثارت من جديد مناقشة حادة حول الموضوع في (الجمعية الجزائرية) في تموز (يوليو) ١٩٥٢، وكان (السيد لوهورو) في جملة المتحدثين، باعتباره مندوب أراضي الجنوب في (الجمعية الجزائرية) وباعتباره واضع تقرير ربط هذه الأراضي بالجزائر، فقال ما يلي:
стр. 2838
(... إن القول بأن الجزائر تنتهي عند الأطلس الصحراوي، لا يعدو أن يكون مجرد بدعة، إن هذا معناه إنكار حقائق الجغرافية البشرية، بل إنكار أبسط مبادىء الجغرافية. وإذا كانت لجنة الداخلية قد اعتبرت هذا النتوء حدا فاصلا بين الشمال والجنوب، فلا ريب أنها لم تقدر خطأها، فهي إنما تقتطع عامدة أراضي تطواف بعض القبائل البدوية، وتخضع هذه الأراضي لنظامين إداريين مختلفين، وبذلك تهيء تعقيدات متعددة ومتنوعة تحمل في ثناياها آثارا سيئة على النظام العام).
وقد انتهت المناقشات إلى تبني قرار، واقتراح، فالقرار قد نص على ما يلي:
(... الجمعية الجزائرية.
تحتج على كل بتر يطرأ على جزء من أرض الجزائر، ابتغاء دمجه في أرض مستقلة، ترتبط مباشرة بالحكومة الفرنسية،.أما الاقتراح، وعنوانه مثير في حد ذاته لأنه: (يتعلق بالمحافظة على وحدة الأرض الجزائرية) ونص على ما يلي: (الجمعية الجزائرية، مضطربة من جراء مشروع قانون تأميم الصحراء الذي يقتطع من الجزائر أراضيها الجنوبية. نحتج بشدة ضد أي مشروع يفضي إلى مثل هذه النتيجة). وهكذا، فحتى المدافعون عن الاستعمار الفرنسي المجنون في الجزائر، قد انبروا، بدافع من حب الاستئثار بكل شيء، يؤيدون بحماسة شديدة الفكرة التاريخية والقانونية القائلة بوحدة الأرض الجزائرية.
استمرت (الجمعية الجزائرية) في صراعها من أجل المحافظة على وحدة الأرض الجزائرية، حتى توارت عن المسرح بمقتضى المرسوم الصادر في ١٢/ ٤ / ١٩٥٦. وفي كانون الأول (ديسمبر)
стр. 2839
من السنة ذاتها، رفع إلى البرلمان الفرنسي مشروع قانون يقضي بإحداث: (منظمة مشتركة للمناطق الصحراوية)، ولم يقو إحداث هذا القانون على المساس بالوحدة السياسية لشمال الجزائر وجنوبها.
لقد قدمت خلال تلك المرحلة، إلى البرلمان الفرنسي، مشاريع قوانين كثيرة، بهدف إخضاع الصحراء، تعسفا، لنظام أساسي فرنسي، ويمكن من خلال هذه المشاريع، ملاحظة وجود تيارين فكريين:
١ - كانت بعض مشاريع القوانين تهدف إلى إقامة تنظيم إقليمي للصحراء، ذي طابع سياسي - إداري. وبمقتضى هذا التنظيم يفصل عن كل من (الجزائر) و (موريتانيا) و (السودان) و (النيجر) و (تشاد) أقسامها الصحراوية، ثم يجري تجميع لأراضي المفصولة، ويوضع لها من طرف واحد نظام أساسي يجعل منها (إقليما وطنيا فرنسيا).
٢ - وكانت هناك مشاريع قوانين أخرى لا تتجاوز في طموحاتها حدود إجراء: (تنظيم اقتصادي لمجموعة الصحارى الجزائرية والموريتانية. الخ ... من غير ما مساس بالنظام الأساسي لكل من هذه الأجزاء. ولعل من الأهمية بمكان، ملاحظة أن أنصار اقامة وحدة إقليمية باسم (أفريقيا الصحراوية الفرنسية) أو (الاقليم الوطني الفرسي) قد أخفقوا في مساعيهم، فلم يتخذ أي قرار بالتجميع، كما استبعدت فكرة التنظيم السياسي، وتغلبت فكرة التنظيم الوظيفي، ولا تعدو المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية من أن تكون جهازا ذا أهلية اقتصادية واجتماعية، وهي بحكم نوعية اختصاصها عاجزة عن المساس بالسيادات الاقليمية، واسقلالها. وعلى هذا، فإن قانون ١٠/ ١/ ١٩٥٧، لم ينشء (إقليما) وإنما
стр. 2840
خط (محيطا). وهذا التعبير الأخير ورد في المرسوم الصادر في ١٦/ ١٠ / ١٩٥٧ بخصوص التركيب الإداري والمالي (للمنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية). وقد أقر قانون عام ١٩٥٧ الصفة الجزائرية الخالصة لأراضي الجنوب المجمعة بقصد الاستثمار داخل محيط (المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية)، حيث نصت (المادة الأولى) من مشروع القانون الحكومي على ما يلي:
(أحدثت منظمة مشتركة للمناطق الصحراوية، غايتها استثمار المناطق الصحراوية من الجمهورية الفرنسية، وتنميتها الاقتصادية، ورفع مستواها الاجتماعي، وتشترك فيها الجزائر وموريتانيا والسودان والنيجر وتشاد). والنص الذي رجحت كفته، وأصبح آخر الأمر قوام (المادة الأولى) من قانون ١٠/ ١ / ١٩٥٧.
ليس أقل وضوحا إذ يقول: (أحدثت منظمة مشتركة للمناطق الصحراوية، يشترك في إدارتها كل من الجزائر وموريتانيا والسودان والنيجر والتشاد). وتجدر الإشارة إلى أن هذه المؤسسة الجديدة لم تكن تمتلك في حد ذاتها قاعدة إقليمية، ذات تنظيم قانوني خاص، وتلك ظاهرة تتجلى أيضا في واقع أن هذا الجهاز المنضد، ذا الاختصاصات الوظيفية من النوع الاقتصادي والاجتماعي البحت، يقع مركزه في (باريس) وليس داخل المحيط الصحراوي.
وعلى كل حال، فقد جاءت الثورة الجزائرية لتقلب المخططات الإفرنسية رأسا على عقب، في شمال الجزائر وجنوبها، وتبع ذلك نقل المشاكل التي تتعلق بالجزائر - بما فيها قضايا الجنوب - إلى (باريس)، حيث أصبحت معالجتها من اختصاص رئيس مجلس الوزراء الفرنسي، يعاونه وزيران يختص أحدهما (بالقضايا
стр. 2841
الجزائرية) ويختص الآخر (بقضايا الصحراء)، وقد تم ذلك بموجب مرسوم ٧/ ٨ / ١٩٥٧ حيث تم إحداث ولايتين في الجزائر الصحراوية: (ولاية الواحات) ومركز إدارتها (الأغواط)، وولاية (سوارة) ومركز إدارتها (كولومب بيشار)، وتخضع هاتان الولايتان لنظام إداري وتشريعي مماثل، من جميع الوجوه، للنظام المطبق في ولايات شمال الجزائر، بحيث أن التوزيع الوظيفي بين الوزيرين لا يبدو مخلا بالوحدة الجزائرية.
...
كانت تلك لمحة تاريخية لعلاقة فرنسا بالصحراء، وعندما عادت فرنسا في محادثات (إيفيان) لطرح قضية الصحراء، تقدم
الوفد المفاوض الجزائري ببيانه (يوم ١٠ حزيران - يونيو - ١٩٦١) وجاء فيه: (إن الجزائر لن تنسى بأن الصحراء تحت السيادة الجزائرية، ستكون مفتوحة أمام الانتاج الكامل، وأن تستغل ثروتها إلى أبعد حد، وستأخذ بعين الاعتبار مصالح الأقطار المجاورة، وكذلك مصالح أفريقيا وفرنسا ذاتها، وسيكون المجال مفتوحا كذلك أمام جميع الدول الراغبة في التعاون معنا على قدم المساواة). ثم صدر عن الحكومة الجزائرية بيان جاء فيه: (إن الحكومة الجزائرية، تميز بين السيادة على الصحراء، وموضوع استثمار ثرواتها الطبيعية. إن الثروة الطبيعة يجب أن تنتفع بها أفريقيا عن طريق التعاون المثمر، وإن هذا التعاون يمكن أن يتحقق مع فرنسا، خصوصا وأنها قد بدأت فعلا في مشروعات الاستثمار). ولكن فرنسا لم تقتنع بهذا المنطق الحر، فحاولت استثمار فترة وقف مباحثات (مؤتمر ايفيان) للقيام بمحاولة جديدة - على طريقة الأسلوب الاستعماري القديم والمكشوف وهو فرق تسد - فاتصلت
стр. 2842
بالدول المجاورة للصحراء، وهمست في آذان المسؤولين بأن: (مطالب الجزائر بشأن الصحراء لن تترك لمصالحهم أي مجال، وستسد الطريق على جميع ادعاءاتهم). ولكن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تمكنت من إحباط الخطة الفرنسية، واتصلت بوزارات الخارجية في تلك الدول، وأوضحت لها موقف الجزائر من (قضية الصحراء)، وكانت النتيجة نصرا للجزائر وهزيمة لفرنسا. وتجلى ذلك في الموقف الرائع الذي أعلنته الدول الأفريقية، في أن (موضوع الصحراء يمكن أن يحل بصورة ودية بين الدول الأفريقية ذاتها، ولكن بعد استقلال الجزائر).
اسؤنفت المباحثات الجزائرية - الفرنسية من جديد في (لوغران) يوم ٢٠ تموز - يوليو - ١٩٦١.
وفي هذه المرة تم إعداد جدول أعمال دقيق بناء على طلب الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، ولم يترك هذا الجدول أي
موضوع يتصل بتطبيق مبدأ (تقرير المصير) أو في الأمور التي يجب أن تقرر بالنسبة لمستقبل الجزائر، وتولى الوفد الجزائري بسط القضية الجزائرية بصورة كاملة مفصلة وفي موضوع الصحراء (أكد الوفد الجزائري أنه يجب استطلاع جميع آفاق التعاون، وأعلن من جديد استعداد الجزائر للوصول إلى اتفاق بشأن استثمار الصحراء، ولكن على أساس انها جزء لا يتجزأ من الجزائر المستقلة). ولكن الوفد الفرنسي بقي متخندقا في خنادقه، لا يتراجع خطوة واحدة عن مواقفه السابقة، وربط مصير المفاوضات والمؤتمر بالصحراء، كما ربط مصير الصحراء بالمصالح الفرنسية، واعتبر أن الصحراء كانت لفرنسا، وهي لذلك تشكل قضية (مستقلة بذاتها)، متجاهلا بذلك، أن الصحراء تؤلف أربعة أخماس
стр. 2843
الجزائر، وأن وحدة الوطن الجزائري تعبير لا معنى له، اذا كان أربعة أخماس الوطن يؤلف منطقة منفصلة قائمة بذاتها، وأنه لا يمكن أن يكون هنالك وطن جزائري بدون الصحراء. إن الحديد في (تندوف) والفحم في (جنوب وهران) والمعادن المشعة في (الهقار) والزيت في (حاسي مسعود) و (الدحبيلة) والغاز في (الرمل)، كل هذه الثروات الطبيعية يجب أن لا تكون سببا في تجزئة الجزائر بل في وحدتها. إن هذه الثروة الطبيعية يجب أن تكون نعمة، لا نقمة على الشعب الجزائري، فإننا لا نعرف خطرا أدهى وأمر من التقسيم. وفضلا عن ذلك، فإن الأمم المتحدة، منذ إنشائها، وهي مهتمة بالمعاونة الاقتصادية والفنية تقدمها للدول النامية، وأنها تكون، بلا شك، هزيمة منكرة للأمم المتحدة، إذا كان على أي بلد أن يحرم من سيادته على رقعة من أرضه بسبب الثروة الطبيعية الكامنة فيها. إن الجزائر، وهذا أقل واجبات الأمم المتحدة، يجب أن تساعد حتى تساعد ذاتها في استثمار ثرواتها الطبيعية. إن سيادة الجزائر على الصحراء هي أولى المقومات الرئيسية للتنمية الاقتصادية في الجزائر، والجزائر لم ترفض أي اقتراح معقول لاستثمار الصحراء في إطار الدولة الجزائرية المستقلة، ولكن اقتطاع الصحراء يؤدي إلى تهشيم الوطن الجزائري، وإلى إفقار الشعب الجزائري. غير أن الوفد الفرنسي لجأ آخر الأمر إلى محاولة أخيرة، فقد اقترح في محادثات (لوغران) أن تجمد قضية الصحراء وأن توضع في (الثلاجة). إلا أن الوفد الجزائري رفض هذا الاقتراح بكل تصميم، ذلك أن كل شيء يمكن أن يجمد ويوقع في الثلاجة إلا الصحراء. إن الصحراء بطبيعتها تأبى أن تحتويها أية ثلاجة!! وبعد هذا راح رئيس الوفد الفرنسي يهزأ
стр. 2844
بالوفد الجزائري والموقف الجزائري، فقال: (أعلن الوفد الجزائري أنه مستعد أن يبحث كل شيء، وأن يذلل كل الصعوبات، وأن يقترح صيغا متعددة وصولا إلى الاتفاق، ولكن الوفد الجزائري، وفي أول جلسة من جلسات المؤتمر وقف جامدا أمام كلمة - الصحراء - ورفض أن يسير خطوة واحدة قبل أن نعترف له بالسيادة على الصحراء). وحاول الوفد الفرنسي، ليبرر موقفه من قضية الصحراء، تجاهل ما أعلنه الوفد الجزائري: (وهو الاعتراف بالسيادة الجزائرية على الصحراء) واقترح: (أن يكون مصير الصحراء مرهونا بما تقرره مجموعات السكان في الصحراء، وأن يقوم ترابط بين الصحراء وفرنسا والجزائر لإنهاء المشكلة)، وقد جاء الرئيس (ديغول) ليؤكد هذا الاتجاه ذاته، وذلك في مؤتمره الصحفي الذي عقده في (٥ ايلول - سبتمبر - ١٩٦١) في قصر (الإليزيه) حيث أعلن: (إن مجموعات السكان الذين يقطنون في الصحراء، يجب أن يؤخذ رأيهم بشأن مصيرهم وفق شروط تتلاءم مع تفرقهم في الصحراء وتعدد تجمعاتهم).
...
أكد سكان الصحراء، تلاحمهم مع شعبهم الجزائري، وحملوا السلاح مع المجاهدين لمقاومة الاستعمار الفرنسي، وكان ذلك الاستفتاء الحقيقي (لتقرير مصير وحدة التراب الجزائري) وإحباط المخططات الاستعمارية.
واتحدت الجزائر المجاهدة، بصحرائها وشواطئها، بسهولها وجبالها، بمدنها وقراها، وحققت أهدافها في الاستقلال. غير أن الجهود الفرنسية استطاعت تحقيق بعض ما تريد عبر (إعلان مبادىء
стр. 2845
حواجز مرعبة - إلا للمؤمنين المجاهدين
стр. 2846
التعاون من اجل استمثار ثروات باطن الأرض بالصحراء) (١)، وإن مطالعة المحاولات التي سبق عرضها تلقي بعض الظلال على الوضع الذي أمكن تفجيره في قضية (الصحراء) التي باتت تشغل المغرب بقدر ما تشغل الجزائر وبقدر ما شغلت (موريتانيا) من قبل، وهو الوضع الذي يستنزف قدرات المغرب العربي - الإسلامي، ويصرفه إلى صراعات دموية مريرة، لا مصلحة له فيها، لا على المدى القريب، ولا على المدى البعيد، فهل من رشيد؟ ...
ب - قضية الأقلية الأوروبية .
لقد سبق طرح (قضية الأقلية الأوروبية) في تكونها وحجمها ودورها الاستعماري عبر البحث في الدراسات السابقة، وفقا لما كانت تتطلبه طبيعة البحث ذاته، وما يهم البحث هنا هو التعرض لهذه القضية من خلال الصراع السياسي (الجزائري - الفرنسي). فقد أثار الوفد الفرنسي المفاوض - فيما أثاره - أثناء مباحثات (إيفيان) قضية الأقلية الأوروبية، وكان لدى الوفد الجزائري المفاوض كل الحجج الشرعية والقانونية وحتى الإنسانية لمعالجة هذه (القضية) معالجة رائعة. وقد تضمن بيان الوفد الجزائري الذي قدمه يوم (١٠ حزيران - يونيو - ١٩٦١) ما يلي:
(إن الجزائر لا تمنع الجنسية الجزائرية عن الأهلية الأوروبية، ولكنها لا تفرضها عليها. إن الحكومة الجزائرية تعرض الجنسية الجزائرية على الأهلية الاوروبية، من شاء منهم أن يرغب فيها، وإن هذا الحل ينطوي على أقصى قدر من الواقعية والإنسانية والديموقراطية، وإن نتائج هذا الحل واضحة كل الوضوح، سيكون
стр. 2847
لجميع الجزائريين من غير تمييز، نفس الحقوق، ونفس الواجبات، وسيشاركون في الحياة السياسية العامة للشعب). أما فيما يتعلق بالضمانات المحددة الخاصة بالمستوطنين الأوروبيين، فقد أعلن الوفد الجزائري ما يلي: (نحن حريصون أن نوضح تماما حقوق الجزائريين الذين هم من أصل أوروبي. نحن على استعداد أن نبحث جميع الضمانات التي تكفل لهم الحقوق الإنسانية والمدنية، سواء بالنسبة للأحوال الشخصية، والتعليم، والحرية الدينية، أو في سائر المجالات التي تضمن لهم ممارسة جميع نشاطاتهم من غير إكراه ولا إجبار ... إن الأوروبيين الذين يريدون أن يبقوا فرنسيين فذلك حقهم، وبهذا فإنهم يختارون أن يكونوا أجانب، وبهذه الصفة، فإنهم يستطيعون أن يتمتعوا بالضمانات المقررة، أما الفرنسيون الذين يريدون أن يحتفظوا بجنسيتهم فنحن مستعدون أن نبحث موضوعهم بصورة واقعية، مهما كان عددهم، ومهما كانت أوضاعهم، وبإمكاننا أن نحدد الضمانات التي تكفل لهم بصورة مشروعة الاستمرار في الإقامة في الجزائر، في إطار السيادة الكاملة للدولة الجزائرية).
أثناء ذلك، كانت البعثة الجزائرية الدائمة لدى الأمم المتحدة، تعمل باستمرار على شرح موقف الدولة الجزائرية المقبلة من قضية (المستوطنين الفرنسيين)، وأكدت باستمرار: (أنها - لجميع الجزائريين جميع الحقوق، من غير النظر إلى أصولهم، غير أن الجزائر ترفض رفضا قاطعا أية فكرة من شأنها أن تمنح أية جماعة عنصرية امتيازات خاصة، وتعتبر هذا العمل منافيا للديموقراطية. إن تصنيف الجزائريين على أسس عنصرية إنما هو تهديد للاستقلال الذي جاهد الشعب الجزائري من أجله زمنا طويلا، غير أن الحكومة
стр. 2848
الجزائرية لا يغيب عن بالها الخصائص الذاتية للأقلية الأوروبية في النواحي الثقافية واللغوية والدينية، لقد أعلنت الحكومة الجزائرية. المرة بعد المرة، أنها على استعداد لأن تمنح الجنسية الجزائرية لجميع الأوروبيين الذين يرغبون أن يصبحوا جزائريين، ومن ناحية أخرى، فإن الذين يريدون أن يبقوا فرنسيين، وأن يستمروا في العيش في الجزائر، فلهم الحرية الكاملة في ذلك، وستتوافر لهم الضمانات اللازمة التي ستتفق مع السيادة الجزائرية ومع القوانين المعمول بها، ونحن نتطلع إلى حل يستند إلى مفهوم الديموقراطية الصحيح. نحن نعترف بالخصائص الذاتية للأقلية الأوروبية، نحن مستعدون أن نمنح الجنسية الجزائرية الكاملة والمساواة الشاملة للأقلية الأوروبية وفيها عدوا من أشد أعدائنا)، فماذا تطلب فرنسا أكثر من ذلك، من الحكومة الجزائرية؟؟ إن هذه الضمانات هي ضمانات مميزة، تكاد أن تصبح نظاما مفضلا، لم تمنحه أي من الخمسين دولة التي حازت على استقلالها، منذ أن نشأت الأمم المتحدة.
لقد ذهب الرئيس (ديغول) بعيدا جدا في تمسكه بذريعة (الأقليات الأوروبية) حين قال:
(يوجد في الجزائر ما يزيد على المليون من السكان من أصل أوروبي، ومن المحال ترك هؤلاء تحت رحمة الغير). وهذه حجة فرنسية باطلة ليس لها ظل من الحقيقة والواقع، فالحكومة الجزائرية لم يخطر في تفكيرها لدقيقة واحدة أن تضع الجالية الأوروبية تحت رحمة أحد، وقد أعلنت باستمرار عن استعدادها لمنحهم حق الجنسية، إذا أرادوا أن يكونوا مواطنين جزائريين، وأن تمنحهم حق السكنى في الجزائر، إذا كانوا يريدون أن يصبحوا من سكانها، ومن غير جنسية جزائرية، فماذا يطلب من الجزائر أكثر من ذلك حتى لا
стр. 2849
تكون الجالية (الأوروبية) تحت رحمة (الغير)؟؟ .. الأمر المعروف للعالم كله أن الشعب الجزائري قد رزح تحت رحمة الجالية الأوروبية طوال مائة وثلاثين عاما، ولعله من نافلة القول أن تتحقق المساواة في الجزائر بعد هذه الحقبة الطويلة من القهر القومي والاضطهاد الديني بين الأوروبيين وغير الأوروبيين، وإذا كان الرئيس ديغول لا يريد أن يصبح المليون من الأوروبيين تحت رحمة الغير، فكيف يريد للعشرة ملايين جزائري أن يبقوا تحت رحمة الأقلية الأوروبية؟؟ .. لقد عرضت الحكومة الجزائرية حق المساواة التامة بين الجميع، ومن غير تمييز، متجاوزة بذلك كل مخلفات الماضي التعيس، وذكرياته الجارحة المريرة، في حين كان الجنرال ديغول ينادي بالاستعلاء والتمييز العنصري، فأكد بذلك حقيقة الديموقراطية الفرنسية، وأسقط عنها وجهها الزائف.
لقد عملت الثورة الجزائرية وقياداتها السياسية والعسكرية، على دحض خرافة (الأقليات الأوروبية) وأسقطت ذرائعيتها، وبرهنت على أن كثيرا من الأوروبيين الموجودين في الجزائر، يريدون العيش بسلام في الجزائر، وقد كان تسامحا كبيرا من الجزائر أن تحاول نسيان الماضي وتجاوزه، وأن تقفز من فوق أنهار الدماء التي أهرقها هؤلاء الأوروبيون في الجزائر حتى يتمكنوا من استرقاق شعبها واحتكار ثرواته ونهب خيراته، ويكفي الجزائر كبرياء وتيها أنها كانت في كل ما تفعله تتطلع إلى الأمام لا إلى الوارء، متناسية آلام الماضي ومعاناته، محاولة إسدال ستار العفو والغفران، معلنة تصميمها على بناء الدولة الديموقراطية التي تستطيع الأقلية الأوروبية فيها أن تعيش بطمأنينة وسلام. إن (الحركة الأوروبية) التي يعلن عنها كثيرا - زورا وبهتانا - ليست حركة أوروبية في حقيقتها، إنها من صنع القادة
стр. 2850
(الجنرالات) المتقاعدين الباحثين عن السلطة، المتطلعين إلى الحكم، إنها أحلام القادة الكبار (المارشالات) يتآمرون ليمنعوا انقلابا يأتي بالجمهورية السادسة، ويحملون على رأسهم قائدا مغامرا ليصبح رئيسا للجمهورية الفرنسية. ولقد كان موقف الجزائر من أمثال هؤلاء هو التالي: (ليس في الجزائر حركة أوروبية - لا تحت الأرض ولا فوق الأرض - وإن الأوروبيين، حتى المتطرفين منهم، سيتصرفون تصرفا لائقا، وسيسلكون سلوكا سويا، عندما تقوم قوات الجيش الافرنسي الاستعماري بالجلاء عن أرض الوطن الجزائري. إن بعضهم يمثل في ظل حماية الاستعمار له، دور الطفل الذي أفسده الدلال وسوء التربية، ولهذا فإنهم يتصرفون تصرف العابث بالقانون والنظام، وحينما تغادر القوات المسلحة الفرنسية الثرى الجزائري سيخلدون إلى السكينة، وينصاعون لحكم القانون، أو إنهم سيحملون على الانصياع لحكم القانون العادل. انتظروا وانظروا ...).
على كل حال، لقد انكشف الموقف الفرنسي انكشافا فاضحا على يد الفرنسيين ذاتهم، فلقد ألقى رئيس الوفد الفرنسي للمفاوضات خطابا (بالراديو والتلفزيون الفرنسي) في شهر آب - أغسطس - ١٩٦١، هتك فيه أسرارا غير كريمة عن مؤتمري (ايفيان) و (لوغران)، ولقد أباح رئيس وفد المفاوضات والوزير الفرنسي لشؤون الجزائر - المسيو جوكس , لنفسه، أن يتحدث عن الأقلية الإفرنسية واصفا إياهم بكلمة (مواطنونا) ويوضح ذلك بجلاء تام، ومن غير خفاء أو تستر، الروح التي تعالج بها فرنسا موضوع (الأقلية الأوروبية). وقد أمكن الرد على هذا الموقف بالمقولة التالية: (إذا كان هؤلاء هم - مواطنوكم -
стр. 2851
فلماذا لا ترحلوا بهم إلى فرنسا، حيث بإمكانكم أن تسبغوا عليهم كل الامتيازات التي تريدونها، أما إذا كنتم تريدوذهم أن يعيشوا في الجزائر فلا يمكن أن يظلوا مواطنيكم، يجب أن يصبحوا جزائريين، ولا حرج في القول أيضا بأنه يجب عليهم أن يصبحوا أفريقيين. إن الرجل الأبيض في أفريقيا يجب أن يصبح أفريقيا، ليس ذلك فحسب، بل يجب على الرجل الأبيض في أفريقيا أن يسود وجهه ويبيض ضميره ... إنه لا يستطيع أن يظل أفريقيا وأوروبيا في وقت واحد، إن عليه أن يختار بين الاثنين. وفي كل الأحوال، فإن الأوروبيين في أفريقيا يلقون من المعاملة ما هو أفضل بكثير من تلك المعاملة التي يلقاها الأفريقيون في أوروبا، وهذا وحده يكفى أن يكون مفخرة للشرق وعارا على الغرب).
لقد زعمت فرنسا أن من حقها (حماية الأقلية الأوروبية) و (الدفاع عنها) وكان رد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، حاسما، ومعتمدا على القوانين الدولية، قدر اعتماده على المفهوم الصحيح للديموقراطية. وقد تضمن بيان (الحكومة الجزائرية) تجاه هذا الموقف ما يلي:
(.. نحن متشددون فيما يختص بالسيادة الجزائرية في الميدانين الداخلي والخارجي، وإذا توصلنا إلى فترة انتقال فنحن لا نتصور جلاء جميع القوات الفرنسية في فترة الانتقال. إن فرنسا، وهي لا تبعد بأكثر من ساعة واحدة عن الجزائر - بالطائرة - لا يمكن أن تجد نفسها وقد عدمت وسائل الدفاع عن مصالحها أو عن الأقلية الفرنسية في الجزائر. ويصبح من واجب الفرنسيين خلال فترة الانتقال أن يكيفوا أنفسهم مع ظروف المستقبل الجديد. يجب أن يقوم تعاون بالنسبة للصحراء، وفي شمال الجزائر، يجب أن يكون
стр. 2852
هناك تعاون في حقول الثقافة والمواصلات، ولا مناص من أن يكون هذا التعاون مع فرنسا (١)، وسيرى العالم كله، أننا سننظم قوة شرطة - بوليس - لحماية منشآت البترول والغاز، الذي سيصدر أكثره إلى فرنسا وأوروبا الغربية، لأننا نحن في أفريقيا لم نبلغ بعد المرحلة الكافية لاستهلاك كميات كبيرة من البترول والغاز. أما موضوع الأقلية الفرنسية فيجب أن نجد له حلا سليما، وكل ما نطلبه أن لا يظل الفرنسيون يعتبرون أنفسهم مواطنين مميزين، نحن مصممون على أن نمنحهم جميع الحقوق التي تكفل لهم حياة كاملة في الجزائر، حتى لو لم تتوافر لديهم الرغبة ليكونوا جزائريين).
...
لقد بذلت (الحكومة الجزائرية) ووفدها المفاوض، كل الجهود الممكنة للوصول بالمباحثات حتى نهايتها، وكان موقف الاعتدال الجزائري، مثيرا للذهول، غير أن جهة واحدة لم يطالها هذا الذهول وهي فرنسا الاستعمار، لقد كانت تعتقد أنها تمتلك كل شيء، ولم تتمكن الحجج الدامغة، والمواقف المعتدلة أن تزحزحها عن اعتقادها (الخاطىء)، فكان لا بد من الاستمرار في الصراع المسلح حتى نهايته، غير أن الثورة الجزائرية وهي تمضي قدما على دروب النصر العسكري لم تتراجع عن اعتدالها، فأصدرت الحكومة الجزائرية بيانا قالت فيه: (نحن ندرك جيدا أن فرنسا لا تستطيع أن ترحل ثمانمائة ألف إنسان في ليلة واحدة) فأي موقف أكثر اعتدالا من هذا الموقف المعتدل.
стр. 2853
ج - قضية (تقسيم الجزائر)
بينما كان الوفد المفاوض الجزائري، يمضي قدما في طرح مواقف (الجزائر وحكومتها) بصراحة ووضوح، كانت فرنسا تمضي بدورها قدما في (اختراع المخططات الاستعمارية المتطورة) وكان موضوع (تقسيم الجزائر) في جملة (البدع) التي تفتقت عنها العبقرية الاستعمارية، مستفيدة في ذلك من تجربة تقسيم فلسطين، ومتجاهلة كل حقائق الموقف الجزائري، ولقد كان أول رد فعل للوفد الجزائري على قضية (تقسيم الجزائر) ممثلا بالمقولة التالية:
(إن الوفد الجزائري لم يعالج هذا والموضوع من الزاوية المعروفة، لقد جعله الوفد الفرنسي موضوعا إقليميا تريد فرنسا من ورائه أن تحتفظ عليه بسيادة كاملة، وبهذا فإنها تنتقص من وحدتنا الإقليمية، وسيادتنا الوطنية). وفي موضوع اقتراح الوفد الفرنسي بإقامة مناطق عسكرية تبقى خاضعة لفرنسا، ذكرت البعثة الجزائرية في هيئة الأمم المتحدة، في تقرير لها، ما يلي: (لقد طلبت فرنسا إقامة مناطق عسكرية تابعة لها في الجزائر، لا مجرد قواعد عسكرية فحسب بل مناطق كاملة تمارس فرنسا عليها السيادة الكاملة، ويتنافى هذا الطلب مع الوحدة الإقليمية للوطن الجزائري ومع مبدأ تقرير المصير، لأن هذا المبدأ يجب أن ينطبق على جميع الجزائر وجميع الجزائريين).
جدير بالذكر أن حملة (تقسيم الجزائر) كانت حملة شاملة، بقيادة الرئيس الفرنسي - ديغول - ذاته؛ ففي حفلة كبرى أقامها في حدائق (قصر الإليزيه) تفجر الرئيس ديغول غضبا على الحكومة الجزائرية لأنها رفضت خطة (الجمعية الجزائرية الفرنسية)، وقد بدا في ملاحظاته تهديد صريح بتطبيق فكرة التقسيم في الجزائر،
стр. 2854
وتحدث (ديغول) عن (إعادة التجميع)، وهو تعبير ابتدعه وقصد به تجميع الذين يريدون أن يبقوا فرنسيين في منطقة محددة من الجزائر، إذا اختار الجزائريون طريق الاستقلال. وتنفيذا لهذه الفكرة عكفت وزارة الخارجية الفرنسية على إعداد ملف ضخم خاص لتقسيم الجزائر، وتضمن هذا الملف خطة مفصلة: (يترك بموجبها للجزائريين الصحراء القاحلة والمناطق الجبلية، أما الفرنسيون فقد تركت لهم هذه الخطة منطقة - وهران - أرزو - مستغانم - التي تحتوي (٤٤) في المائة من كروم الجزائر و (٢٧) في المائة من الموالح و (٥٠) في المائة من الإسمنت مع السيطرة على غاز (حاسي الرمل) وتعطيهم كذلك (سهل متيجة - متوجة) وشاطىء الجزائر، بما يحتوي من (٢٠) بالمائة من الكروم و (٢٠) بالمائة من التبغ، و (٤٢) في المائة من الموالح، و (٥٠) في المائة من الانتاج الصناعي، وتعطيهم كذلك منطقة (بوجي) التي تسيطر على نقل مصنوعات الحديد في (حاسي بون) وتحتوي على (٦٠) في المائة من إنتاج القطن، و (٥٠) في المائة من التبغ و (١٢) في المائة من الموالح و (١٩) في المائة من انتاج الكهرباء. وبموجب هذه الخطة فإن فرنسا تسيطر على ثلاثة أرباع الشاطىء الجزائري، الذي يضم أجود الأراضي للانتاج الزراعي، وكان هذا الإنتاج خلال تلك الفترة، يقدر بما قيمته اثنين بليون فرنك - جديد - من أصل اثنين ونصف بليون فرنك تمثل مجموع الإنتاج في البلاد. وقد استمرت فرنسا بتهديد الحكومة الجزائرية لهذه الخطة، ولا سيما بعد (مؤتمر إيفيان)، غير أن الجزائر، حكومة وشعبا، لم تضعف أو تصاب بالوهن في مواجهة هذه الخطط الاستعمارية، وبرهنت الجزائر فى مجال الصراع السياسي أيضا أنها أصلب عودا وأشد مراسا مما كانت
стр. 2855
تظنه فرنسا، وأن كافة التهديدات والمناورات غير قادرة على تليين إرادتها أو حرفها عن هدفها، لقد قاتل الشعب الجزائري دفاعا عن حياضه طوال مائة وثلاثين عاما، كما خاض الحربين العالميتين الأولى والثانية دفاعا عن فرنسا ذاتها، في الوقت الذي كان فيه قادة فرنسا (مارشالاتها وجنرالاتها) يوقعون صكوك الاستسلام، ويمهرون اتفاقات الذل والعار بتواقيعهم.
لم يقتنع الجنرال (ديغول) بمنطق الأحرار، فعاد من جديد إلى التهديد (بالتقسيم) في مناورة غير بارعة حيث قال: (إنه إذا لم يتم الاتحاد بين فرنسا والجزائر، فسيكون من الضروري في النهاية أن تجمع فرنسا في منطقة واحدة، جميع السكان الذين يرفضون أن يكونوا في دولة مصيرها الفوضى ...) وكشف (ديغول) بذلك الخطة الجديدة لإثارة التخريب والفوضى في الجزائر، إذا ما هي صممت على متابعة طريقها الاستقلالي. وكان رد الثورة الجزائرية ممثلا بالمقولة التالية (سيكون مصير الجزائر المستقلة هو التقدم والازدهار، لا الفوضى والخراب، بل إن هذا التفكير الفرنسي هو الذي سينتهي إلى الفوضى والخراب. إن على السكان الذين يرفضون أن يعيشوا في الجزائر المستقلة أن يخرجوا من الجزائر، عليهم أن يرحلوا عن الجزائر حالا، إننا لا نعرف بلدا يخضع مصيره إلى رغبات جزء من السكان يرفضون أن يتبعوا وطنهم، تماما كما ترفض فرنسا أن تربط الوطن برغبات مجنونة - هستيرية، تنادي بها أية جماعة في فرنسا، ترفض أن تتبع فرنسا).
لقد حاولت فرنسا - بمختلف الوسائل، وبشتى الأساليب - الوصول إلى أهدافها، لإطالة عمر الاستعمار والعمل على تطويره، وكان في جملة وسائلها محاولة الالتفاف من حول هذه القيادة العنيدة
стр. 2856
الممثلة للشعب الجزائري وثورته العملاقة. ويذكر في هذا المجال ما قاله أحد وزراء فرنسا، وهو في حالة من الغضب والهياج من أن (المفاوضات معناها الحرب) كما اعتبرت فرنسا أن مطالبة الجزائريين بالاستقلال هو (ضرب من الجنون) ووصفت زعماء الجزائريين: (بأنهم مصابون بالجنون، ويكفي للدلالة على جنونهم أنهم يطالبون باستقلال الجزائر). وعلى هذا لم يكن من الغريب بعد إحباط فرنسا (لمؤتمر إيفيان)، أن يتوجه رئيس وفد المفاوضات الفرنسي، ووزير الشؤون الجزائرية، المسيو جوكس، إلى الجزائر في محاولة جديدة لإنشاء (سلطة تنفيذية) من زعماء الجزائر المسلمين، وهي السلطة التي طالما حاولت فرنسا إنشاءها مرات عديدة وفشلت في مسعاها .. ولقد اتصل - جوكس ومعاونوه -بجميع الزعماء الجزائريين في جميع المدن والمقاطعات الحزائرية، ولقد جرت أحاديث تفصيلية بين الجانبين الفرنسي - الجزائري، ولكن جواب الجزائريين كان حاسما، فقد رفض الزعماء الجزائريون أن يتعاونوا مع السلطة الفرنسية، من غير موافقة الحكومة الجزائرية لقد واجه - المسيو جوكس - كلمة (لا) حتى من أولئك الذين يعرفون بأنهم جماعة (نعم - أو بني وي - وي) في الجزائر، وجماعة (نعم) يمكن لها أن توجد في كل شعب، وعلى هامش كل حركة تحريرية في العالم. وهكذا فقد فشل - المسيو جوكس - وعاد إلى فرنسا ليرفع تقريرا عن فشله الذريع، وثبت مرة أخرى، أكثر من أي وقت مضى، أنه من المحال على فرنسا أن تصل إلى أية نتيجة من غير موافقة الحكومة الجزائرية.
لقد كان ذلك استفتاء لقوة الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، واختبارا جديدا لنفوذ جبهة التحرير الوطني، وبرهانا
стр. 2857
ساطعا على تلاحم جماهير الشعب الجزائري مع مجاهدي جيش التحرير. وفي الحقيقة، وكما سبق ذكره، فقد بات العالم كله على معرفة أكيدة بهذه الحقائق، ولكن جبهة التحرير (والحكومة المؤقتة) لم تكن تقف جامدة في مجال التحرك السياسي وهي تشهد الهجوم الاستعماري الشامل، وكانت الإضرابات الشاملة، في تلك الظروف، هي أداة التعبير عن (الاستفتاء العملي) وهي وسيلة البرهان على قوة (البيعة الشعبية) التي برهنت على ما تتمتع به (جبهة التحرير وحكومتها) من الدعم والتأييد، وقد يكون من المناسب هنا التوقف قليلا عند بعض ظواهر هذه البيعة الشعبية.
стр. 2858
٣ - الاستفتاء العملي والبيعة الشعبية
عندما كانت فرنسا تتنكر للصفة التمثيلية التي تتمتع بها الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد لشعب الجزائر المجاهد، كانت هذه الحكومة قد أصبحت راسخة الجذور، ثابتة الأركان، وليس أدل على ذلك من أنها كانت قد اكتسبت الاعتراف الرسمي لأكثر من ثلاثين دولة، تمثل نحو ثلثي سكان العالم. وعلى هذا فقد كان من الطبيعي أن ترد (الحكومة الجزائرية) على تهديدات الجنرال ديغول - بالتقسيم - بإعلان الإضراب في الجزائر كلها، في مدنها وقراها، في جبالها وسهولها، الى آخر أكواخها وخيامها. لقد أعلنت الحكومة الجزائرية اليوم الخامس من شهر تموز - يويو - ١٩٦١ ليكون (اليوم الوطني ضد التقسيم). ولقد أصبح ذلك اليوم تاريخيا في حياة الجزائر، وكانت النتيجة فوق ما يتوقع أكثر الناس تفاؤلا؛ فلقد أضربت الجزائر لمدة (٢٤) ساعة، وأخفقت كل وسائل الإرهاب لإحباط الإضراب. وفي الجزائر - العاصمة - وحدها، حشدت السلطة الاستعمارية أكثر من (٣٥) ألفا من رجال الجيش والشرطة ليقمعوا المظاهرات العامة، ولم تكن هذه مظاهرات عادية، في
стр. 2859
ذلك اليوم، كان الشعب الجزائري كله في الشوارع، وفي الساحات وفي الميادين العامة، احتجاجا على مشاريع (التقسيم)،واهتزت الجزائر كلها وهي تردد مع آلاف الحناجر المنطلقة من الأعماق وهي تصرخ بصوت واحد (لا تقسيم في الجزائر). وسقط مئات القتلى والجرحى، وتناقلت وكالات الأنباء تعليقا واحدا: (من ذا الذي يشك في قوة الحكومة الجزائرية، بعد هذا الاستفتاء الشعبي الذي سالت فيه الدماء الغزيرة، على أرض شوارع الجزائر). وكتبت صحيفة إيطالية - معروفة بمناصرتها للسياسة الفرنسية - ما يلي: (لقد أثبت اليوم الخامس من تموز - يوليو - القدرة الفائقة للحكومة الجزائرية التي استطاعت في الوقت المناسب أن تعبىء شعور المسلمين جميعا في الجزائر، والواقع أن المسلمين في الجزائر يعتبرون أن الحكومة الجزائرية هي حكومتهم الشرعية ... وأن اليوم الخامس من تموز - يوليو - كان انتصارا مجيدا للثورة، من الناحيتين السياسية والمعنوية). وكان مدير دائرة الأنباء في الإدارة الفرنسية في الجزائر - السيد كودي فرجيك - قد توقع نجاح الإضراب، من قبل أن يبدأ هذا الإضراب بقوله: (إن مائة في المائة من المسلمين في الجزائر سيلبون نداء الإضراب، وقد جاء الإضراب ليشل شللا كاملا النشاط الاقتصادي في جميع البلاد) (١).
...
لقد أعلنت (الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية) الإضراب احتجاجا على (مشاريع التقسيم) في يوم (٥ تموز - يوليو -
стр. 2860
فرنسا تفتح مخازن التجار المضربين بالقوة
стр. 2861
١٩٦١) وهو اليوم المصادف لذكرى احتلال الجزائر (في سنة ١٨٣٠)، فكانت مناسبة تضم مناسبتين معا. وقد تردد صدى دعوة الحكومة الجزائرية على كافة الصعد والمستويات، وقد يكون من المناسب هنا استقراء نص (النداء التالي) الذي كتب بلغة بسيطة، غير أنه يظهر المضمون الحقيقي للاستجابة المناسبة (١):
الجمهورية الجزائرية
ولاية (١) منطقة (٢) ناحية (٤) قسمة (٢)
إلى لجنة رقم (٢) تحية عسكرية وبعد:
دون شك، إنكم على يقين بأن حكومتنا نادت على شعبها الجزائري الثائر بأن يعمل الإضراب يوم ٥/ ٧/ ١٩٦١م، وعليه، بكل عزم يجب عليكم إبلاغ هذا الأمر الأكيد إلى كل طبقات الشعب لتعمل الإضراب، برجالها ونسائها، وشيوخها وأطفالها، وتغلق كل الحوانيت والمقاهي والطحونات، وتحبس تحركات كل السيارات والأعمال مهما كان نوعها. واعلموا بأن هذا الإضراب سيعم كل أرض الجزائر المجاهدة، وأنه ضد لرغبة الاستعمار في (تقسيم الجزائر)، وأنه هو الذي سيبين للاستعمار مرة أخرى تضامن الشعب الجزائري مع بعضه بعضا، ورغبته في السيادة الكاملة على كل أرض الجزائر.
أيها الأخوان! إننا لفي انتظار برهانكم لتقدموا عنكم تقريرا إلى القيادة العليا لوطنكم الحر المستقل، فكونوا عند حسن ظننا بكم وبالشعب العائش الآن تحت مسؤوليتكم الثورية، واعلموا بأن
стр. 2862
العالم أجمع في ترقب إضرابكم وانتظاره، كما أن الشعوب الشقيقة والصديقة هي الأخرى ستقوم معكم بهذا الإضراب لتعلموا أنكم لستم وحدكم في معركة تحرير الجزائر العظيمة المجيدة.
في ٣/ ٧ / ١٩٦١
الإمضاء - عن - مجلس القسمة (٢)
المساعد عبد القادر
...
كانت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية قد أجرت استفتاء مماثلا، قبل ستة أشهر، تمثل باضرابات كانون الأول - ديسمبر - ١٩٦٠، وكانت بيعة الشعب الجزائري لحكومته مماثلة، وهو ما تبرزه المقولات التالية:
(في رأي معظم زملائنا، إن هذا الأحد الدامي كان ساعة الحقيقة، ونهاية للأكاذيب والأوهام) (١)، (حولي رجال يهتفون (عاشت الجزائر مستقلة) و (حرروا ابن بللا) و (هذا صوت الشعب المتعطش للحرية). وعلى البعد، تجلجل أصوات أخرى، إنهم ينشدون نشيد (الجزائر الحرة) وفي شارع (بروتمر) مركبة علقت عليها ست لوحات كتب عليها (الجزائر مسلمة)، ويدنو مني فتى موظف في إحدى الإدارات كما قال، ويؤذن له بالكلام: نحن نريد أن يشرع ديغول في مفاوضة الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، لا استفتاء إلا هذا، الانتخابات في هذا البلد لم تكن قط حرة، لسنا أعداء - ديغول - ولا فرنسا، بل نحن أعداء الاستعمار، وقد لقينا منه ما كفانا، إننا نقولها اليوم، ونقدم عليها الدليل، وإننا لن نتوقف
стр. 2863
جزائريون في فرنسا تحت حراسة الشرطة
стр. 2864
أبدا. وتظهر الحقيقة، وهي أن سنوات التهدئة لم تحل شيئا، لا في العاصمة (حيث كانوا يتباهون بالنجاح) ولا في سواها. الحقيقة هي أن الرغبة التي تضطرب بها أعماق المسلمين، لا تلبيها (الجزائر الجزائرية) كما يفهمها ديغول، بل (الجزائر المستقلة) لأنهم حتى وهم يهتفون: (الجزائر جزائرية) فإنما هم (بالجزائر المستقلة) يفكرون).
وكتبت (صحيفة أمريكية) (١) ما يلي: (إن الرأي القائل بأنه ليس ثمة إلا عصابة من المتمردين والمتعصبين تنادي بفكرة استقلال الجزائر، وأن كثرة المسلمين لا تحفل بهذا، إن لم تكن ترى خلافه، هذا الرأي بات من الصعب الدفاع عنه على ضوء النزاع الدامي في شوارع الجزائر).
وكتبت (صحيفة فرنسية) (٢) أيضا: (الإضراب شامل حي (القصة) بأسره، وها هو ذا جمهور هائل، جمهور عربي نموذجي يحدق بي، بحر بشري، بحر من البرانس والجلابيات. أرفع طرفي وأرى ثمة علما خفاتا في الساحة، إنه علم جبهة التحرير الوطني، إنه لشيء مذهل، إنه لا يصدق، ولكنني أؤكد أنه حقيقي، ليست هنا، أو لم تعلن هنا الجزائر، هنا عالم جديد، عالم قائم بذاته. أمس مساء، أقيم احتفال لجبهة التحرير الوطني في (ساحة راندون)، مدينة في المدينة).
هذا فيما كتبت صحيفة (سويسرية) (٣): (تدخل المسلمين
стр. 2865
المأساوي يقلب الموقف في الجزائر، الرجعيون ينتحرون سياسيا، المسلمون سيصوتون لجبهة التحرير الوطني، وتحت هذه العناوين المثيرة ورد ما يلي: في باريس كما في الجزائر، ينسبون إلى قلة من المحرضين الاضطرابات الإسلامية في العاصمة ووهران، ولكنهم يوجسون قلقا من النتائج التي قد تترتب على الدماء المهراقة إبانها، إن الشعب المسلم قد خرج على لامبالاته الظاهرية، بل إنه عبر بصورة لم يسبق لها مثيل عن طموحه العميق إلى السلام، والولاء الذي يكنه لحركة التمرد.
لقد بات لزاما علينا أن نصرف النظر عن الدعاوة الرسمية التي باتت ترهق حتى الذين يفرزونها (بهمة) بقدر ما ترهق الذين توجه إليهم، وبات كثير من الفرنسيين يعتقدون بعدم جدوى الأعمال الحربية، كما يعرفون كذب تلك الدعاوة القائلة بأن (المسلمين لا يؤيدون جبهة التحرير الوطني)، والذي يبدو أن هذا الاستنتاج الأخير هو ما يذهل الناس هنا، لقد قصوا عليهم خلال شهور وأعوام: (بأنه يجب عزل مجموعات المسلمين عن الانحرافات والجرائم التي تقوم بارتكابها عصابات من المتمردين لا يمثلون شيئا) ولكن الصور والشهادات التي التقطها بشجاعة مراسلو الإذاعات، وتم إرسالها قبل فرض الرقابة، وكذلك تعليقات رجال الصحافة مجمعة على أنه يوم يستشار المسلمون بحرية، فإنهم جميعا سيصوتون للاستقلال، ولا يقتضي إدراك هذا أن يكون المرء فقيها كبيرا، ولكن، وكما أسلفنا، فإن دعاوة جاهلة بالحقيقة عن سوء نية، أو ميل مرضي للأوهام، قد كونت على هواها ذهنية الفرنسيين الذين يكتشفون اليوم، بذهول، ما له اسم: الحقيقة الوطنية
стр. 2866
وعادت (صحيفة فرنسية) (١) للقول على لسان مراسلها:
(يقودني جزائري نحو زاوية محصنة، ويريني علما أخضرا مخضبا ببقع حمراء كبيرة ويقول لي: انظر إلى هذا العلم، هذا دم إخواننا. ولقد جرى هذا اللقاء الصحفي في عرض الشارع، تحت أنظار رجال القوى الخاصة الذين تجاوزهم وطغى عليهم الحادث الرهيب.
فتى مسلم ... يقترب منا، إذ نوجس خيفة أن تطغى بين دقيقة وأخرى الآلاف المحتشدة على قوى المحافظة على النظام، ويقول لأحد رجال الشرطة: لو أعرتني مكبر الصوت، هذا، فإني سأحاول تهدئتهم. وعندها يعطي الشرطي مكبر الصوت السيار الخاص بمصلحة الأمن إلى الفتى المسلم الذي يمسك بالمكبر، ويستدير نحو الجمهور الهادر الذي ما فتىء يرفع الرايات الخضر ذوات الهلال والأنجم الحمر، ثم يبدأ بالهتاف: (عباس إلى الحكم! عاشت جبهة التحرير الوطني!). .
ومعروف أن مظاهرات وطنية مماثلة قامت في المدن الجزائرية الأخرى وخاصة في وهران وعنابه (بونه) وتيهرت وسعيده وسطيف وبليدا؛ وهي المظاهرات التي استمرت بعد ذلك طوال شهر رمضان الأول - ديسمبر - ١٩٦٠ وشهر كانون الثاني - يناير - ١٩٦١.
стр. 2867
٤ - الحرب الجزائرية تدمر فرنسا
خاضت فرنسا حرب الجزائر للمحافظة على بقايا امبراطوريتها الممزقة، ووضعت المخططات العسكرية على أمل تحقيق نصر سريع وحاسم، وبذل كبار قادة الجيش الفرنسي (المارشالات والجنرالات) قصارى جهودهم من أجل إخماذ لهيب الثورة المتوهج، فعجزوا عن ذلك. وانعكس ذلك على فرنسا، فأصيب اقتصادها بالانهيار، ونزل التمزق بالمجتمع الفرنسي، وانهارت الجمهورية الرابعة (يوم ١٣ - أيار - مايو - ١٩٥٨) وقامت على أنقاضها الجمهورية الخامسة برئاسة (ديغول) وذلك على أمل إخراج فرنسا من الوحل - على حد تعبير ديغول ذاته - غير أن (ديغول) مضى على سياسة أسلافه، فعمل على تصعيد الصراع المسلح، وزاد من شدة الإرهاب، وسار على دروب ملتوية في مجال الصراع السياسي ضد الجزائر، وزاد ذلك كله من موقف فرنسا سوءا وارتباكا، وتعاظم غرقها في مستنقع الوحل. وقد يكون من المناسب التوقف عند بعض المقولات التي صدرت في تلك الفترة والى تصور الموقف الفرنسي، والعلاقات الجدلية بين الحرب الجزائرية وانعكاساتها على فرنسا.
стр. 2868
لقد تعرضت صحيفة (أوبسرفاتور) الفرنسية (١) للموقف بقولها:
(وإذن فكل شيء باق على ما كان عليه، بعد عام من تولي (ديغول) مقاليد الحكم، ولم يتغير أدنى شيء .. أما مهزلة التآخي فقد افتضحت ... والعمليات العسكرية ما تزال مستمرة بالعنف ذاته، والشدة ذاتها، على نحو ما كانت عليه في الماضي، ولماذا يحدث إذن أدنى تغيير؟ .. ٠ فاليوم مثل الأمس ... إن الجزائر لا تريد أن تكون فرنسية ... فإما أن نعترف بهذه الجزائر، وإما أن نتجاهلها، إما أن نتفاوض معها، وإما أن نبقى معها في حرب إلى الأبد).
وهذا ما أكده النائب العمالي البريطاني - ريتشارد كروسمان - بقوله: (لقد جاء ديغول ومعه خطرين: أولهما أنه حطم أمل الرجوع إلى الديموقراطية، إذ لو فشلت ديكتاتوريته الشخصية، أو توفي، فإن فرنسا ستواجه حربا أهلية يقف فيها الفاشيستيون والشيوعيون وجها لوجه، أما الخطر الثاني فهو فشل ديغول في إيجاد حل للقضية الجزائرية). وكذلك أيضا ما كتبته صحيفة (الأوبسرفاتور): (... إن الحقيقة بسيطة وواضحة لمن يريد أن يراها، فالسلم لم يكن في وقت من الأوقات أبعد مما هو الآن، ومحاولة إقناع الناس بوجود السلم تزوير جاءت به حكومة - ديغول - ولا يغفره لها أحد. إن الحرب لم تنته إلا في البلاغات الفرنسية، وحتى في هذه البلاغات، فقد استؤنفت كأعنف ما تكون حرب، ونستطيع ان نتبين الواقع المفجع من خلال أكاذيب وصمت البلاغات الفرنسية التي
стр. 2869
تزعم أن (٧١) من الثوار قد قتلوا في هذا اليوم و (١٢٣) قد قتلوا في اليوم الآخر الخ ... فمن هو الذي يصدق أن معارك في مثل هذا العنف لم يخسر الفرنسيون فيها شيئا؟ إنه لا يكفي لتزوير الحقاثق أن نسكت عن ذكر الخسائر. إنني عندما رجعت هذه الأيام من الإجازة وجدت رسالة وجهتها لي أرملة جنرال كان يعمل بالجيش الفرنسي في أفريقيا، وهي نفسها كانت تعمل في المقاومة الفرنسية، وأحرزت وسام المقاومة، وقد جاء في رسالتها: أعلن لكم بألم كبير مقتل ابني الوحيد - وهو ضابط - في كمين (ببلاد القبائل)، إن هذه الحرب الوحشية التي لا فائدة منها تحصد زهرة الشباب الفرنسي، وقد تكبدت كتيبة ابني خسائر فادحة، وقد كان ابني نفسه متعبا منهوكا، ومع ذلك، أرسل في مهمة كان الموت ينتظره فيها. إن صعوبة الانتقال واستحالة حمل ابني الى الجزائر، وانتظار قافلة تذهب إلى (تيزي أوزو) إن كل ذلك قضى على رجل بلغت قواه نهاية ضعفها، وهكذا تلقت تابوتا يحمل ابني الوحيد الذي كان يرغب مثلي في تآخي الشعوب).
وكتبت (صحيفة أمريكية) (١) ما يلي: (لا أعتقد أن هناك أيا من المسؤولين الأمريكيين يعتقد بأن الثورة الجزائرية يمكن إخمادها بنصر عسكري. إنهم يعتقدون أن الثورة في الجزائر، مثلها كمثل جميع الثورات المشابهة التي اندلعت في النصف الأول من هذا القرن، سوف تنتهي فقط عندما تفعل الحكومة الفرنسية ما تعلمت الحكومة البريطانية فعله، وهو الاعتراف بصدق عزم الثوار على طلب قيام وضع جديد في بلادهم. إننا لا نعتقد بأن فرنسا قادرة على تهدئة
стр. 2870
الجزائر والاحتفاظ بها عن طريق سياسة القوة العسكرية).
وفي الموضوع ذاته كتبت (صحيفة فرنسية) ما يلي (١): (بعد خمس سنوات من الحرب المستمرة في الجزائر، وبعد سنة من (عمليات التآخي) التي بدأت يوم ١٣ أيار - مايو - ١٩٥٨، يسقط الآن كل أسبوع مئات من القتلى، إذا صدقنا البلاغات العسكرية، وهناك ربع مليون جزائري بعيدين عن منازلهم، مما يدل دلالة قاطعة على تعاظم مقاومة المسلمين، وهذا يعني أنه ليس بالمستطاع إيجاد حل عسكري دائم. إن الشعب الجزائري لن يبقى مرتبطا في نهاية الأمر بفرنسا، إلا إذا أراد هو ذلك، مهما بلغت المحاولات الخيالية المبذولة لتنفيذ (سياسة الدمج) وإذن، فكل شيء متوقف على إرادة الشعب الجزائري.
لقد أصبح من الواضح الجلي بعد خمس سنوات من الحرب، أنه من المحال إيجاد حل للمشكلة عن طريق إبادة أحد الطرفين المتصارعين، فلا أعمال الإرهاب، ولا القمع، ولا العمليات العسكرية، استطاعت كلها ان تفتح الطريق نحو الحل الممكن، ولن تستطيع المكاسب الاقتصادية - هذا إذا ما أمكن تنفيذ بعض المشاريع المدروسة - ولا بعث أسلوب العطف الأبوي الاستعماري القديم، أن تخنق إرادة الاستقلال الموافقة لتطور العالم الحديث ولتقاليدنا القومية ذاتها. إن الواجب يفرض علينا أن نثق بهذه القوى الجديدة، وأن نؤمن بمستقبلها الخاص، وأن نترك الشعب الجزائري ذاته حتى يحل قضيته التي لم تستطع الحرب، ولا الددبلوماسية، ولا الحوادث، ولا المشاريع الاقتصادية أن تصل أبدا
стр. 2871
إلى حلها) وكانت هذه (الصحيفة الفرنسية) (١) قد عالجت الموقف بقولها: (كذا نعتقد أن عبارة، الربع الساعة الأخيرة - في حياة الثورة الجزائرية - قد انتهت واختفت تماما من مصطلحات المسؤولين، ولكنها عادت إلى الظهور من جديد، بعد أن اجتازت السخرية على شفاه الناطق الرسمي لمصلحة الاستعلامات بالمندوبية العامة للحكومة بالجزائر الذي قال: إن جبهة التحرير الوطني قد أصبحت مرة أخرى في ربع ساعتها الأخيرة. وقد كان يقصد بذلك الانتخابات البلدية التي سيقضى بها نهائيا على المنظمة السياسية والعسكرية لجبهة التحرير الوطني. وقد أضيف إلى الذرائع التي كانت سببا في إطالة أمد الحرب الجزائرية، أمام الرأي العام المصاب بالذهول، سبب آخر هو: انتخابات جديدة لم يحدد موعدها. وهذا ما حملته الأخبار في هذه الأيام، بعد أن كانت تتعلل أحيانا بمناقشات هيئة الأمم المتحدة واقتراحاتها، وأحيانا أخرى باجتماعات وزراء الحكومة الجزائرية في القاهرة، أو مؤتمرات تونس او الرباط.
لقد كان وقع تلك الكمائن التي نصبها المجاهدون الجزائريون ذا أثر بالغ في الرأي العام، مما يكذب التأكيدات المتفائلة المروجة، فالحال لم تتغير عن كانون الثاني - يناير - ١٩٥٧، وقد مضى عامان، فغير صحيح أننا في الربع الساعة الأخيرة. ولنتساءل عن أهمية وقيمة تلك العبارات التي تقال اليوم، فقد سبق أن أكدها منذ شهرين تقريبا أكبر سلطة عسكرية، فقال أن هناك أعمالا إرهابية وخلايا للثوار سيستطيع الجيش الفرنسي قهرها فلديه ما يلزمه للقيام
стр. 2872
بتلك المهمة، وأن الحرب كادت تنتهي. ولكن النشرة الأسبوعية للمندوبية العامة بالجزائر اعترفت هذا الأسبوع أن عدد الجنود غير كاف في بعض القطاعات، كما أن قادة القطاعات لم تكن لديهم الوسائل الضرورية، مما أدى إلى عجزهم عن القيام بمهامهم المتعددة، ولا يكفي إخفاء أرقام الخسائر حتى نحمي جيشنا منها، وإن الاحصاءات المتوافرة تؤكد للأسف أن الجيش الفرنسي يعاني من تدهور كبير لم يتعرض له من قبل).
أما صحيفة - المجاهد - لسان حال الثورة الجزائرية، فقد كتبت ما يلي: (بوغت المراقبون للأعمال العسكرية، بالحملة الإعلامية الساذجة التي رافقت حركة (١٣ أيار - مايو) والتي زعمت أن هذه الحركة قد نجحت في وضع حد نهائي للثورة. ولم يتمكن أولئك المراقبون من أن يفهموا كيف أن مجرد قيام الأوروبيين بمظاهراتهم واحتفالاتهم كاف للقضاء على الثورة. والواقع أن جماعة حركة ١٣ أيار - مايو - كان أملهم في إنهاء الثورة هو في اتفاق الشعب الجزائري معهم وتنكره لثورته، ولذلك رفعوا أسطورة (الأخوة الاسلامية - الفرنسية) إذ ذاك، ثم تولى - جاك سوستيل -وزارة الإعلام في فرنسا فأصدر تعليماته إلى الصحف بأن تصمت نهائيا عن نشر أنباء المعارك التي لم تتوقف، وتوهم الفرنسيون فعلا أن الثورة إذا لم تنته فعلا فقد ضعفت، وأنها على أبواب التلاشي والاضمحلال. ثم دخل - ديغول - ذاته في هذه الحملة الدعائية المخجلة فزعم في (قسنطينة) أن صفحة الحرب قد انتهت، وأننا الآن سنشرع في كتابة صفحة الاقتصاد. ثم تذكر ماريشال فرنسا - جوان - من ناحيته أن الفرصة قد سنحت له مرة أخرى ليظهر عبقريته العسكرية، ويؤكد وطنيته في الوقت ذاته، فزعم بعد ديغول بأيام:
стр. 2873
أن الثورة تعتبر منتهية من الناحية العملية. ولكن دهشة المراقبين الجديين، كانت أعظم من دهشتهم الأولى عندما رأوا الفرنسيين في الأسابيع الأخيرة يتحدثون فجأة عن خطورة الموقف العسكري الفرنسي في الجزائر، وعن فساد العتاد الفرسي بجملته وعدم صلاحيته للاستعمال، وعن قلة الجنود الفرنسيين الأمر الذي تسبب لهم في حدوث خسائر فادحة لهم في المعارك الأخيرة. ... الخ ... وجاء وزير القوات المسلحة إلى الجزائر ليبحث (هذا الوضع الخطير) على الطبيعة فوجد كلمة واحدة تتردد على ألسنة جميع الضباط: إننا نريد المزيد من القوات، ووجد المقيم الفرنسي الجديد ذاته وهو يطالب بإرسال المزيد من القوات ويقول: إن المشروع الاقتصادي الذي كلفني ديغول بتنفيذه في الجزائر، لا يمكن أن أحققه، ولو جزئيا، إلا إذا وصلت قوات دعم جديدة) وعادت صحيفة (لوموند) المعروفة بتأييدها للجنرال - ديغول - فقالت: (تعتبر الفترة الواقعة بين ٢٠ و٢٤ كانون الثاني - يناير - ١٩٥٩، من أبرز الفترات التي أصيبت فيها قوات الأمن بخسائر فادحة منذ بداية الثورة وحتى اليوم، ولهذا فإن القوات الفرنسية ستجد نفسها مرغمة على مواجهة العودة المباغتة لأسلوب من أساليب الصراع هو أشد فتكا وقتلا، وتدل جميع الظواهر على أن قادة الوحدات الفرنسية قد اطلعوا (السيد جيوم) على النقص الموجود في عتادهم الحربي، وعلى قدم ذلك العتاد وعدم صلاحيته للحرب (؟). وفعلا فالأسلحة والسيارات وأجهزة الراديو وجميع الأعتدة الحربية قد استنفذت المدة التي كانت مقررة لاستعمالها العادي، خصوصا وأن قسما من هذا العتاد قد استعمل في الهند الصينية من قبل - فييتنام - ولا يمكن ترقيعه إلى ما لا نهاية ... هذا وإن الخسائر
стр. 2874
التي تتكبدها قوات الأمن تؤكد أن جبهة التحرير الوطني ما تزال قادرة على القيام بعمليات مباغتة تلحق بالقوات الفرنسية أفدح الخسائر وهذا يناقض ما كانت تأمله أو تقوله القيادة الفرنسية عن قرب انتهاء الحرب).
стр. 2875
٥ - ديكتاتورية ديغول في الجمهورية الخامسة
تولى الجنرال (ديغول) السلطة على أمل (إنقاذ فرنسا)، وعلى هذا الأساس طلب إلى (الجمعية الوطنية الفرنسية) منحه سلطات استثنائية، ووافقت الجمعية الوطنية على طلبات (ديغول) بأغلبية ساحقة، ومضى ديغول لتحقيق المعجزة، على ما كان يعتقده، مستثمرا (هيبته الشخصية)، لكن هيبة الرجل الأبيض، وتفوق القائد العسكري، كانت قد انمحت من أذهان الثوار الجزائريين. ومضت الأيام متلاحقة والشعب الفرنسي يتململ ويتذمر تحت أعباء الحرب، وينتظر في (لهفة) حدوث المعجزة. لكن هذه لم تحدث، فديغول لم يوقف الحرب، وإنما على النقيض من ذلك فقد أسهم في زيادة تأججها، وشباب فرنسا الذي يقضي إجازته على رمال الجزائر الحارة الملتهبة لا زال هناك، وصار حجم القوات الفرنسية في الجزائر يناهز المليون. واستمرت السفن الفرنسية في حركتها ما بين فرنسا والجزائر وهي تنقل كل يوم المزيد من القوى ووسائط القتال، وتعود حاملة معها دفعات جديدة من القتلى والجرحى الذين أصبحوا - نهائيا - خارج القتال. وظل المشهد الحزين يتكرر في موانىء فرنسا في عهد الرئيس (ديغول) مع فارق بسيط، وهو أن