← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وأسوارهم، وأغاروا على المداشر والقرى العربية، ثم رجعوا إلى أسوارهم بعد أن اصطحبوا معهم (٢٥٠) أسيرا عربيا. تعاظمت التحديات الإسبانية، وتعاظمت بالمقابل مقاومة الجزائريين، حتى إذا ما جاء (محمد بكداش) (١) واليا على الجزائر، أخذ على عاتقه قضية تحرير (وهران) (٢) ودعمه في ذلك (باي المغرب مصطفى المسراتي - المشهور بلقب - بوشلاغم) وصهره ووزيره (اوزن حسن - أي حسن الطول). جاء (محمد بكداش) واليا على الجزائر سنة (١١١٩ هـ = ١٧٠٧ م) فكان أول ما عمله هو توحيد الجبهة الداخلية - بحسب الاصطلاح الحديث - وائتلاف قلوب الناس بإشاعة العدل ونفي المظالم وشاع في الناس عزمه على الجهاد، فأخذ القوم يستعدون لليوم العظيم استعدادا لم يسبقه مثيل، وأرسلوا إلى كل الجهات الجزائرية يستحثون القوم على الجهاد. ووصف مؤرخ عاصر الأحداث وعاينها ما حدث بالتالي:

стр. 317

(وجاء الناس إليه من كل فج عميق، وانسلوا إليه من كل قبيل وفريق، زيادة على من عينه السلطان لذلك من عساكره، حتى أن الناس وفدوا إليه بخيامهم وعيالهم واعتكفوا عليه الليالي والأيام، ورفضوا كل شيء سواه في ذلك المقام، وأنفقوا عليه الطارف والتالد، واستطابوا لأجله الحر والبارد ... وكان طلبة العلم وحملة القرآن، هم أشد الناس مسارعة لإجابة دعوة السلطان إلى هذا الجهاد المبارك ... وكانوا بمحلة مستقلة عن غيرها -). (وبينما كانت جموع المجاهدين من رجال الشعب المجاهد، تتسارع إلى موطن الجهاد، أرسل محمد بكداش جيشا جزائريا من ثمانية آلاف وخمسمائة رجل مع سلاح كثير ومدفعية ضخمة وكميات هائلة من البارود - حتى كان ما أخرجه على يد خليفته القائد مصطفى المسراتي نحو الثلاثة آلاف وثلاثمائة قنطار). وعندما التأم شمل المجاهدين من رجال الجزائر ومن جماعات المتطوعين. بدأوا بمنازله (وهران) والتضييق عليها، وتولى (اوزون حسن) القيادة العليا، في حين أسندت إدارة العمليات إلى (الباي مصطفى بوشلاغم). في حين بقي (محمد بكداش) في الجزائر، ينظم القوات، ويرسل الدعم تلو الدعم. فيما كان رجال الدين والأئمة في المساجد يذكون نيران الإيمان في القلوب، ويدفعون بالناس إلى ساحات الشرف. ومقابل ذلك، فما أن علم الصليبيون بنوايا المسلمين، حتى أرسلوا دعما سريعا من مالطا يتكون من سبع سفن تحمل على متنها عددا من أشد المقاتلين وبعض مئات من المتطوعين الإفرنسيين. فحل هذا الدعم بمرسى وهران، وزاد من تصميم حاميتها الإسبانية على الصمود والمقاومة. بدأت القوات الجزائرية هجومها مع بداية شهر أيلول (سبتمبر) ١٧٠٧م (١١١٩ هـ) وكان أول عمل قامت به هو تدمير مجاز الماء

стр. 318

الذي يرد من الخارج إلى وهران، وعليه الحصن المنيع (برج العيون) حيث قام المجاهدون بحفر خندق وصل بهم إلى داخل الحصن، ودارت معكرة قاسية استطاع فيها المجاهدون طرد القوات الإسبانية وإبعادها عن (رأس الماء) وحفروا حوله الخنادق ونظموا الدفاع لإحباط كل هجوم مضاد قد تقوم به قوات العدو. ثم انتقل المجاهدون للهجوم على (برج العيون) وحفروا الملاغم لتدميره، غير أنهم فشلوا في تدميره، فهاجموه بقوة وتحت رصاص العدو وقنابله، حتى استطاعوا صعود جدران الأسوار، واقتحموها، وغلبوا أهلها عليها، وتمكنوا من احتلالها بعد معركة ضارية. وأسر المسلمون من بقايا المدافعين عن البرج (٣٢٢) مقاتلا ومن أنصارهم من عرب جيذرة (٦٠) رجلا. ووجدوا به من الجرحى (٢٧) رجلا أمر الأمير بإرجاعهم إلى أهلهم. وغنم المجاهدون كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمواد التموينية. وبلغ عدد القتلى الإسبانيين (٤٠) قتيلا. أما عدد شهداء المسلمين فقد تجاوز المائتي شهيد وغربت شمس يوم الثلاثاء ١٠ جمادي الآخرة ١١١٩ هـ الموافق ٨ أيلول - سبتمبر - ١٧٠٧ م عن أول نصر للمسلمين في تحرير وهران. انصرف المجاهدون للتعامل بعد ذلك مع أضخم الحصون وهو (برج مرجاج الكبير) الذي كان يطلق عليه الإسبانيون اسم (برج القديس فيليب - أو الصليب المقدس - سانتا كروز) وحفر المجاهدون مجموعة من الملاغم المستطيلة وصلت إلى ما تحت البرج وشحنوها بالبارود وعرف الإسبانيون المدافعون عن البرج بأمر هذه الملاغم، وعرفوا من خلال الاشباكات المستمرة وأعمال القصف المتبادل بأنه بات من المحال الاستمرار في المقاومة، وأن المزيد من العناد لن يؤدي بالحامية الإسبانية إلا إلى التمزق والفناء عندما ستتفجر الملاغم المدمرة

стр. 319

لتطيح بالبرج. فأعلن الإسبانيون تسليم الحصن يوم ٢٧ جمادي الآخرة الموافق ٢٥ أيلول - سبتمبر - ودخل المجاهدون المسلمون، فأسروا بقايا الحامية الإسبانية وعددهم (١٠٧) رجال و٣ نسوة. بالإضافة إلى كميات هائلة من الأسلحة والذخائر والمواد التموينية. تعاظمت ثقة المجاهدين بأنفسهم وبقدرتهم على حسم الصراع بعد إحرازهم لانتصارين متتاليين، فنقلوا ثقل هجومهم ضد أمنع حصون وهران وأكثرها تحصينا وقوة، وهو حصن (برج بن زهو) غير أن الهجوم مني بالفشل، وتكبد المجاهدون خسائر فادحة. فأعاد المجاهدون تنظيم قواتهم وكرروا هجماتهم المتتالية طوال ثمانية أيام. ودافعت الحامية الإسبانية عن مواقعها بثبات كبير، وكبدت المجاهدين الخسائر الكبيرة مع كل هجوم يتم إحباطه. وحاولت الحامية الإسبانية بعد ذلك مغادرة تحصيناتها ومجابهة قوات المسلمين في معركة تصادمية جبهية انتصر فيها المسلمون، وأرغموا الإسبانيين على التراجع إلى ما وراء تحصيناتهم. وعند ذلك شرع المجاهدون في حفر الملاغم تحت الحصن. وكانت الأرض تحته صخرية صلدة مما تطلب بذل جهد كبير وتضحيات كثيرة حتى أمكن إنجاز الملاغم وحشوها بالبارود وتفجيرها، غير أن ذلك لم يؤثر تأثيرا كبيرا على الحصن، فأعيدت المحاولة مرة ثانية، ولم تكن النتيجة أفضل بكثير من سابقتها، وجاءت المحاولة الثالثة محققة للهدف، فانفجر البرج، وتداعت صخوره، واقتحمه المجاهدون، واشتبكوا مع حاميته التي صممت على متابعة الصراع المسلح حتى النهاية التي جاءت بالقضاء على مجموع أفراد الحامية، وإبادة أفرادها البالغ عددهم (١٢٠) مقاتلا، بحيث لم يأسر المسلمون أكثر من ثمانية أسرى، وخسر المسلمون نحو المائتين من الشهداء. وانتهى المسلمون من تطهير الحصن واحتلاله يوم الخامس

стр. 320

من شعبان (الموافق تشرين الثاني - نوفمبر). وبقي على قوات المسلمين اقتحام آخر القلاع، وأكثرها منعة وأضخمها بناء وأعلاها جدارا، وهي قلعة (البرج الجديد) الذي تبرعت ببنائه سيدة إسبانية (ابتغاء مرضاة السيد المسيح - وكلفها ذلك مبلغا كبيرا من المال). وأمام هذا الموقف اضطر المسلمون للإحاطة به بمجموعة من المراكز الصغيرة التي أطلق عليها اسم (المتاريس - المتارز) والتي امتدت من ناحية (عين جندرة) حتى (شعبة الدجاج) وراء (البرج الجديد). ثم انتشرت هذه (المتاريس) إلى أرباض المدينة حتى أصبحت معقلا دفاعيا واحدا. وأخذ المجاهدون في استخدام المتاريس لتدمير المقاومات في المدينة، واستنزاف قدراتها، وصار رصاص بنادق المجاهدين يصل إلى أفراد الحامية الإسبانية وهم في عقر منازلهم. وبات من المحال عليهم الانتقال من مكان إلى مكان آخر، فاضطروا إلى ثقب جدران المنازل ووصل بعض ببعض عن طريق هذه الثغرات، وأثناء ذلك أخذ المجاهدون في التسلل إلى أطراف المدينة والتوغل فيها والاشتباك مع أفراد الحامية المدافعة عنها. حتى وصلوا إلى كنيسة (سانتا ماريا) فدمروا أصنامها، وصار قسم المدينة الموجود ما بين البرج الجديد والبرج الأحمر بين يدي المجاهدين. وأخذ الإسبانيون في نقل أمتعتهم وممتلكاتهم إلى (المرسى الكبير). وبقيت الحامية الإسبانية المدافعة عن (البرج الجديد) صامدة في مواقعها، ولم يتمكن المجاهدون المسلمون من اقتحامه، غير أن تطور الصراع في المدينة أقنع قائد الحامية في البرج الجديد بعقم الاستمرار في المقاومة، فخرج يحمل راية الاستسلام، واتفق مع القائد العام الجزائري على إيقاف الاقتتال حول البرج، فإن تمكن المجاهدون من احتلال مدينة وهران، استسلم لهم البرج مع استسلام المدينة. ونقل المجاهدون ثقل

стр. 321

هجومهم نحو (البرج الأحمر) آخر أبراج المدينة، ودارت مجموعة من الاشتباكات والمعارك التي تكبد فيها الطرفان المتصارعان خسائر كبيرة بدون الوصول إلى الحسم، وأخيرا، قرر المسلمون القيام بهجوم عام جبهي، تدعمه المدفعية بنيرانها الكثيفة، ونجح هذا الهجوم في اقتحام البرج يوم ١٤ تشرين الثاني - نوفمبر - واضطر بقية أفراد الحامية إلى الاستسلام. وعند هذه المرحلة، عرف الحاكم الإسباني العام (دون ملشور دي أفيلانيدا) أنه لم يبق ثمة أمل في المحافظة على المدينة أو الدفاع عنها؛ فاستقل سفينة نقلته إلى المرسى الكبير، ليغادرها بعد ذلك متوجها - إلى بلاده - إسبانيا. وتدفقت حشود المجاهدين إلى المدينة، بعد أن تم إسكات كل حصونها، وحفروا الملاغم تحت قصبتها، واقتحموها، فوجدو أن بقية أفراد الحامية الإسبانية قد هربت إلى المرسى الكبير. ولم يجدوا فيها إلا مجموعة من الرجال العجزة، وبعض (المغطسين) من الأعراب الذين وقفوا إلى جانب الإسبانيين، فتمت إبادتهم. وتبع ذلك استسلام (البرج الجديد) فوجد فيه المجاهدون أربعمائة مقاتل تم أسرهم علاوة على ما غنمه المسلمون من محتويات البرح وأسلحته. وكان مجموع الأسرى الذين وقعوا في قبضة المسلمين (ألفي أسير) بينهم (مائتي ضابط من كبار الضباط) والموظفين وجماعة من متطوعي مالطا والإفرنسيين الذين اقتيدوا إلى مدينة الجزائر. وأصبح (المرسى الكبير) هو الملجأ الذي انضمت إليه فلول الحامية المدافعة عن وهران، فتم بذلك تدعيم حامية المرسى بالمزيد من القدرة القتالية، التي كان باستطاعتها الإفادة من التحصينات الدفاعية والأسوار من أجل القيام بالمزيد من الصمود والمقاومة. ورفض المجاهدون المسلمون إحراز نصر منقوص، فقرروا عده

стр. 322

إضاعة الوقت، والانتقال بقوات الهجوم لتحرير (المرسى الكبير) وهكذا فما أن فرغ المجاهدون من استعادة وهران وتحريرها حتى نقلوا معسكرهم إلى جوار المرسى وأحكموا الحصار حوله. ولم تكن معركة المرسى الكبير هينة، ولم تكن عملية إنقاذه بالأمر السهل. فقد ركز الإسبانيون دفاعهم عنه، وعملوا على تحصينه طوال فترة احتلالهم له (١٥٠٥ - ١٧٠٨) فكان المرسى الكبير هو أول موقع قاموا باحتلاله، وكان آخر معقل خاضوا معركه للاحتفاط به. خاض الطرفان المتصارعان (المسلمون وأعدائهم) مجموعة من المعارك الضارية اشترك فيها الجميع من الطرفين، الرجال والنساء وحتى الأطفال، وأمكن تبادل المواقع أكثر من مرة، حيث كانت راية النصر تنتقل نوبا بين الطرفين، وقام المسلمون بحفر الملاغم تحت حصن المدينة الأكبر وإجراء التفجير مرات متتالية دونما نتيجة تذكر حتى جاء يوم (٢٤ محرم الحرام ١١٢٠ هـ الموافق ١٦ نيسان - أبريل - ١٧٠٨م) حيث استطاع المجاهدون المسلمون اقتحام المدينة، ودارت معركة ضارية في الشوارع والمنازل، إلى أن أمكن إبادة المقاومات الإسبانية واستسلم بقية أفراد الحامية - وعدد أفرادها (١٤٦١) إسبانيا. أما جماعة المغطسين (من الكلمة الإسبانية موقاتاز) أي الأعراب أنصار الإسبانيين فقد تمت إبادتهم ونهبهم وسبيهم - غير أن الفقهاء احتجوا على ذلك لأنه مخالف للدين. انصرفت وهران لتضميد جراحها. ولم تمض عليها فترة طويلة حتى عاد أهلوها وعملوا على إعمارها لتعود منارة للإسلام في المغرب العربي الإسلامي، وعاصمة للإقليم (بايليك). وأرسل الداي (محمد بكداش) مفاتيح وهران الذهبية الثلاثية هدية إلى السلطان العثماني (أحمد) بشارة بالفتح، واعترافا بفضل الخلافة الإسلامية في تقديم

стр. 323

الدعم والمساندة. وترددت أصداء هذا النصر العظيم قوية في مشرق العالم الإسلامي ومغربه، ففرح لها المسلمون في كل مكان، وكانت فرحة الجزائر المجاهدة أكبر من كل وصف. فقد تمكنت بجهدها وتضحياتها من طرد الأعداء عن ترابها، فكانت فرحتها بالنصر معادلة لما قدمته من الجهد والتضحيات.

стр. 324

ـ[صورة]ـ رسم إسباني لمدينة وهران والمرسى الكبير

стр. 325

٥ - الإسبانيون يعودون إلى وهران (١٧٣٢ م) أذاع ملك إسبانيا (فيليب الخامس) (١) منشورا ملكيا يوم ٦ حزيران (يونيو) ١٧٣٢ م (١١٤٥هـ) أخذته كل مراكز البلاد الغربية وعملت على توزيعه والدعاية له، وتضمن المنشور ما يلي: (قضت إرادتنا الملكية ألا نترك خارج دائرة كنيستنا المقدسة، وديانتنا الكاثوليكية، أي جزء من أجزاء الأرض التي كانت العناية الإلهية قد وضعتها تحت سلطاننا، عندما اقتضت وضعنا على عرش هذه المملكة، والتي تغلب عليها الأعداء بكثرة عددهم، وأخذوها منا، وأخرجوها عن طاعتنا بواسطة العنف والاحتيال. إننا لم نترك قط التفكير في استرجاع تلك الأجزاء المقتطعة، إنما حالت الأحداث المؤلمة بيننا وبين تحقيق أملنا في ذلك الاسترجاع، فلم نتمكن قبل اليوم من تجهيز القوى العظيمة التي وضعتها العناية الإلهية تحت تصرفنا. واليوم، وعلى الرغم من أننا لم نتخلص بصفة تامة من تلك الأحداث المؤلمة، فقد صممت على أن أبادر باسترجاع مركز (وهران)

стр. 326

ذي الأهمية العظمى والذي كان فيما مضى محط آمال، ومظهر قيمة التقوى المسيحية والأمة الإسبانية. ولقد رأيت أن بقاء وهران تحت سلطان المتوحشين الأفارقة، إنما هو عائق عظيم يحول بيننا وبين نشر ديانتنا المقدسة. كما أنه باب مفتوح يواجه إسبانيا، ويهدد سكانها الساحليين بالغزو والاسترقاق. ... ومن أجل ذلك، قررت بأن أجمع في مدينة (اليقنت) (١) جيشا يضم ثلاثين ألفا من الرجال والفرسان، مع كل ما يلزمهم من الأسلحة والمؤن والمدفعية، وكل الآلات والمعدات اللازمة لمثل هذه المعركة الحاسمة. وعينت لقيادة هذه الحملة (الكونت دي موتيمار) ومعه مجموعة من القادة والضباط الذين تتوافر لهم الخبرة والشجاعة، مما يجعلنا نأمل بفوز مجيد في هذه العملية. ولقد جمعت بأمري في المكان ذاته عددا عظيما من السفن المختلفة الأنواع والأشكال، تحرسها سفن الأسطول الكبيرة والصغيرة، لحمل هذه الجيش العظيم حالا من أجل استرجاع مدينة وهران. وبما أن مثل هذه الحملة لا يمكن أن تنجح ما لم تكن مؤيدة بعناية الله، فقد أصدرت أوامري، لجميع ممالكي، بأن تقام في كل مكان صلوات عامة ابتهالا إلى الله، من أجل تحقيق النصر لجيشنا في هذه المهمة العظيمة) (اشبيليا ٦ حزيران - يونيو - ١٧٣٢م). لقد عبر مضمون بيان (الملك فيليب الخامس) عن مدى المرارة التي نزلت بالإسبانبين نتيجة طردهم من (وهران). كما يعبر عن مدى الأهمية التي كان يعلقها الإسبانيون على امتلاكهم لهذه القاعدة في حربهم ضد الإسلام والمسلمين. ولقد تم تحرير وهران في الفترة التي كانت تخوض فيها إسبانيا ومعها أوروبا كلها تقريبا - حرب الوراثة

стр. 327

الإسبانية (١٧٠١ - ١٧١٤) وهي الحرب التني خرجت فيها إسبانيا وهي محرومة من معظم مستعمراتها فيما وراء البحار -لمصلحة إنكلترا - ولهذا، فقد اتجه تفكير فيليب - منذ أن تم له الاستقرار على ملك إسبانيا بالعودة إلى (وهران) وفتحها من جديد، وأمضى في الاستعداد لهذه الحملة زهاء عشرين سنة تقريبا. وفي النهاية، أمكن له حشد قوات صخمة تكونت من: (٣٠ ألف مقاتل و٥٢٥ سفينة من سفن النقل والسفن الحربية و٧٢٠ مدفعا و١٦٤٢٠ قنبلة، و٥٦ ألف قنبلة يدوية و٨٠٦٩٣ قذيفة مختلفة و١٢٤٢٧ قنطارا من البارود و٨ آلاف صندوق لرصاص البنادق و١٢ ألف بندقية ومليوني وجبة طعام لأفراد الجيش علاوة على وسائط الحصار وبقية المتطلبات) (١) وعندما تم حشد كل هذه المتطلبات، أطلق ملك إسبانيا بيانه، وأصدر أمره إلى الحملة بالتحرك إلى هدفها. وأقلع الأسطول الإسباني من خليج (أليقنت) يوم ١٥ حزيران - يونيو - ١٧٣٢ فوصل بعد عشرة أيام إلى المياه الإقليمية لمدينة وهران، غير أن الرياح المعاكسة أعاقته عن الاقتراب من الساحل، فبقي يقوم بمناوراته على امتداد الساحل حتى يوم ٢٩ حزيران - يونيو - حيث تم له الاقتراب من وهران. اختار الإسبانيون لنزولهم ساحة (عين الترك) على بعد خمسة عشر كيلو مترا إلى الغرب من وهران. ولم تكن القوة الإسلامية المدافعة عن الإقليم كافية لإيقاف عملية الإنزال أو تعطيلها. فأمكن للقوات الإسبانية إنزال قواتهم وأعتدتهم الثقيلة دونما عناء كبير. وأثناء ذلك استمرت الاشتباكات بين القوات الإسلامية الجزائرية وبين قوات العدوان على الرغم من قلة عدد المجاهدين المسلمين الذين لم

стр. 328

يلبثوا أن تلقوا بعض الدعم من حامية وهران مع شيء من المدفعية، فصارت أكثر قدرة على تكبيد القوات الإسبانية المزيد من الخسائر. وأرسلت القوات الإسبانية فرقة لمجابهة هذه الكتائب الجزائرية، فاشتبكت معها في القتال، وتقدمت شيئا فشيئا إلى أن تمكنت من مشاهدة مركز التجمع الإسلامي، القليل العدد والذي كان يمتد على طول الجبل المشرف على ميدان المعركة. انقضت حينئذ كتيبة من المجاهدين تشمل نحو الألفي رجل، بين مشاة وفرنسان، على الميمنة الإسبانية، فتمكنت من احتلال مرتفع تقع تحته عين يستقي منها جند العدو، فحالت بينه وبين الماء. لكن القائد الإسباني أصدر أمره في الساعة الرابعة من عشية يوم ٢٩ حزيران - يونيو - إلى فرقة كبيرة من المشاة، ومعها أربعمائة فارس، بمهمة التصدي لهذه الكتيبة، العربية المسلمة، والقيام بحركة التفاف لقطع خط تراجع الكتيبة، غير أن هذه الكتيبة لم تقع في الكمين وانسحبت إلى المرتفعات التي كانت قاعدة لمجموع القوى الإسلامية. وأمضت القوتان المتصارعتان الليل في الاستعداد للمعركة، وما كادت تشرق شمس يوم ٣٠ حزيران - يونيو - حتى كانت ميسرة الجيش الإسباني قد التحمت في معركة ضارية مع المجاهدين قتل فيها قائد القوة الإسباني الذي كان يدير المعركة. وعندما رأت قيادة الإسبانيين أن ضغط القوات الجزائرية قد اشتد ضد الميسرة، أمرت بأن يتحرك الجيش كله ضد المراكز الجزائرية، وانطلق الهجوم الإسباني بقوة وعنف فامتد أفق المعركة ليشمل الجبهة المواجهة بكاملها. ولم تصمد قوات المسلمين لثقل هذه الهجمة، فتراجعت عن مواقعها لتحتل مواقع جديدة على جانبي فج عميق يتحدر من الجبل، وهو ممر الجيش الإسباني، وأخذوا في توجيه نيرانهم ضد القوات الإسبانية، وأوقعوا

стр. 329

فيها خسائر فادحة. لكن القوات الإسبانية أفادت من تفوقها العددي فتمكنت من دحر قوات المجاهدين التي اضطرت من جديد إلى التراجع والاعتصام بمواقع أخرى تقع إلى الخلف من سابقتها في عمق الجبال. وأصبح باستطاعة القوات الإسبانية الإشراف من مواقعها على مدينة (المرسى الكبير). كان الباي الشيخ (مصطفى بوشلاغم) فاتح وهران وأميرها منذ سنة (١٧٠٧م) قد استعد للدفاع بما توافر له من القوى والوسائط. وتجمع حوله ما يزيد على العشرين ألفا من المجاهدين من رجال الشعب، بالإضافة إلى قوة الجيش المكونة من (٢٥٠٠) مقاتل، وكانت وهران مسلحة بما يزيد على (١٣٨) مدفعا منها ٨٧ مدفعا من البرونز. وقد عمل على توجيه جزء من هذه القوة لمقاومة الإسبانيين في منطقة الإنزال (عين الترك) وعندما تطورت المعركة جمع (مصطفى بوشلاغم) قادته وأعاد تقدير الموقف على أساس التفوق الإسباني فتقرر الانسحاب من مدينة (وهران) وإخلاءها من سكانها ومن الحامية المدافعة عنها. على أن تستمر المقاومة فيما وراء المدينة، ريثما تتوافر قوات دعم كافية لاستعادة المدينة وخرج الباي ورجال الإدارة وأمتعتهم وأموال الحكومة - على مائتي بعير - وتبعهم السكان. ولم يكن عددهم حينئذ كبيرا، ودخل الإسبانيون يوم أول تموز - يوليو - المدينة فكانت مدينة مهجورة، خالية من كل حياة. وكان داي الجزائر (عبدي باشا) قد أرسل دعما سريعا من الجزائر يتكون من ألفي رجل تحت قيادة ابنه، غير أن هذا الدعم وصل متأخرا، حيث كانت القوات الإسبانية قد دخلت المدينة، فانضم هذا الدعم إلى قوى المجاهدين التي طوقت المدينة من كل جهاتها. وما كاد نبأ سقوط المدينة يصل إلى الجزائر حتى هيمن عليها

стр. 330

الغضب، واعتزل الداي - الذي كان قد بلغ الثامنة والثمانين من عمره - ولم يلبث أن قضى نحبه حزنا. كانت حامية وهران قد تركت في المدينة عند انسحابها كامل مدفعيتها، ولم تحمل معها إلا أسلحتها الخفيفة، ورابطت في الجبال المهيمنة على المدينة، وأخذت في تضييق الحصار عليها، فلم يتمكن الإسبانيون من التحرك بعيدا عن المدينة، ولهذا عملوا على إعادة معظم قواتهم إلى إسبانيا تاركين في وهران والمرسى الكبير حامية قوية وكافية للدفاع عنهما. واستمرت الاشتباكات العنيفة طوال سنة قريبا. وكان من أبرزها معركة يوم ٤ تشرين الأول - أكتوبر - حيث تمكن المجاهدون من عزل حصن (سانتا كروز) بحيث لم يتمكن الإسبانيون من إمداده إلا بعد معركة ضارية تكبدوا فيها خسائر فادحة. وفي يوم ٤ تشرين الثاني - نوفمبر - هاجم المجاهدون المدينة ووصل الباي (مصطفى بوشلاغم) على رأس فرقته إلى أبواب المدينة، والتحم مع الإسبانيين في معركة ضارية استشهد خلالها ابنه. وفي يوم ١٢ تشرين الثاني - نوفمبر - اندلعت نيران معركة جديدة، قتل فيها المركيز (دي سانتا كروز) وعدد كبير من أفراد الحامية الإسبانية. وفي سنة (١٧٣٣ م) قام المجاهدون يوم ١٠ حزيران - يونيو - بهجوم عنيف على المدينة، وقتل القائد الإسباني (دي ميروسنيل) ومعه عدد كبير من أفراد الحامية الإسبانية. وقام (مصطفى بوشلاغم) بقيادة هجوم جديد في سنة (١٧٣٤ م) ضد (مركز العيون) حول وهران، ووصل إلى أبواب المدينة، غير أنه لم يتمكن من احتلالها. وهكذا بقيت (وهران والمرسى الكبير) تحت حصار محكم، وتحت التهديد الدائم بالحرب طوال خمسين عاما، إلى أن تم تحريرها نهائيا في سنة (١٧٩١م).

стр. 331

٦ - تبادل الأسرى والمعركة البحرية أمام الجزائر (١٧٧٣ م) حاولت إسبانيا بعد استيلائها على وهران والمرسى الكبير الوصول إلى سلم مع الجزائر، غير أن هذه رفضت الدخول في أية تسوية سلمية طالما بقيت القوات الإسبانية فوق أرض الجزائر. واستمرت المفاوضات فترة طويلة، تتوقف فترة لتستأنف في مرحلة لاحقة. وأمكن في النهاية الوصول إلى اتفاقية لتبادل إطلاق سراح الأسرى فقط، وعقدت الاتفاقية الأولى في شهر تشرين الأول - أكتوبر - سنة ١٧٦٨ م. واشترط الجزائريون أن تطلق إسبانيا جميع من لديها من أسرى المسلمين مقابل إطلاق سراح الأسرى الإسبانيين الموجودين في الجزائر فقط. وبموجب هذا الاتفاق أطلقت إسبانيا سراح (١٢٠٠) أسير مسلم مقابل (٧١٢) أسير إسباني. وأعيد تطبيق هذه الاتفاقية ذاتها في سنة ١٧٧٣، واشترطت الجزائر في هذه المرة إطلاق سراح أسيرين مسلمين مقابل كل أسير إسباني، وبذلك أطلقت إسبانيا (١١٠٦) أسيرا من المسلمين - هم كل من كان لديها - مقابل إطلاق الجزائريين سراح (٥٧٠) أسيرا من الإسبانيين. ظنت الإدارة الإسبانية بعد ذلك، أن الظروف قد باتت مناسبة لها لتوجيه حملة هدفها تدمير مدينة الجزائر وإخضاعها، إذ كانت الدولة الجزائرية في حال حرب مع معظم الدول الأوروبية، وكان الأسطول

стр. 332

الجزائري منتشرا في عدد كبير من قواعد البحر الأبيض المتوسط. ووضعت الإدارة الإسبانية مخطط عملياتها على أساس تحقيق الأهداف التالية: ١ - مهاجمة الجزائر بحرا بواسطة قدرة بحرية كافية. ٢ - تدمير السفن الجزائرية التي تكون راسية بالميناء - المرسى -. ٣ - تدمير حصون مدينة الجزائر وقلاعها. ٤ - فرض الشروط المناسبة لإسبانيا على حكومة الجزائر. وأخذت الإدارة الإسبانية بعد ذلك في حشد أسطولها البحري في مدينة قرطاجة الإسبانية، فتجمعت (٧٦) سفينة حربية، أسندت قيادتها للأميرال (أنطونيو - باركلو). تلقى داي الجزائر (محمد عثمان باشا) إعلاما من ملك المغرب (السلطان محمد بن عبد الله) في شهر أيار (مايو) ١٧٧٣ م (١١٨٧ هـ) يعلمه بتجمع الأسطول النصراني واستعداده لمهاجة الجزائر - خلال فترة وجيزة - فشرع (داي الجزائر) بالاستعداد لمجابهة العدوان في البر والبحر، وشملت استعداداته: ١ - تجميع القوات في الجزائر، واستقدام القوات من داخل البلاد، فجاء من ولاية قسنطينة (بايليك) (٢٥) ألفا ومن ولاية معسكر (٢٠) ألفا ومن ولاية تيطري (٥) آلاف. ٢ - إخراج السكان المدنيين من مدينة الجزائر ومعهم أمتعتهم وثرواتهم إلى حدائق النزهة في ظاهر المدينة. ٣ - إرسال الأسرى المسيحيين فورا - وعددهم ١٥٤٨ أسيرا - إلى مدينة المدية. ٤ - الشروع فورا ببناء سفينتين مسلحتين بالمدفعية القوية لدعم الأسطول البحري (العمارة).

стр. 333

غادر الأسطول الإسباني قواعده في شهر تموز (يوليو) ١٧٧٣ - وأصبح لزاما على الأسطول الجزائري المكون من (٢٥) سفينة، مجابهة أسطول العدو المتفوق بمعدل ثلاثة أضعاف تقريبا. وصل الأسطول الإسباني إلى المياه الإقليمية لمدينة الجزائر يوم ٢٩ تموز (يوليو) واصطفت سفنه في مواجهة المدينة استعدادا للانقضاض عليها وقصفها، فرفعت الحصون الجزائرية على الفور أعلامها، وبادرت سفن العدو بإطلاق النار عليها. وفي يوم ٣٠ تموز - يوليو - غادرت مرسى الجزائر بعض السفن، وسارت متحدية الأسطول الإسباني الذي اشتبك معها بالنيران، غير أنه لم يتمكن من إصابتها بسوء، واستمر تبادل إطلاق النار بين القوتين. قامت مدفعية الأسطول الإسباني بقذف قنابلها على الميناء - المرسى - يوم ١ - آب - أغسطس - وردت عليها بطاريات الحصون برمايات كثيفة ومركزة. وخرجت عوامتان جزائريتان تجرهما القوارب، فاقتربتا من الأسطول الإسباني، وألقتا عليه ما كانتا تحملانه من القنابل، ثم رجعتا إلى المرسى سالمتين، ثم خرجتا مرة ثانية، ومعهما سفن أخرى، وهاجمت هذه القوة الأسطول الإسباني، ثم رجعت سالمة، وخسر الجزائريون ٨ - ١٠ شهداء بينهم وزير الحرب. وفي يوم ٢ آب - أغسطس - فتحت حصون الجزائر نيرانها ولم ترد عليها مدفعية الأسطول الإسباني إلا بعد ساعتين تقريبا. ثم خرجت قوة بحرية جزائرية لمهاجمة الأسطول المعادي، واشتبكت معه بنيران المدفعية، فيما كانت مدفعية الحصون تتابع قذف الأسطول الإسباني باستمرار حتى الساعة (١٦،٠٠) مساء، فتوقفت المدفعية الإسبانية،

стр. 334

وأوقفت المدفعية الجزائرية عملية القصف بعد ذلك بربع ساعة. وأثناء ذلك أصابت قنابل الإسبانيين بعض منازل المدينة، كما نزلت قذيفة بدار الحكومة (قصر الجنينة). وتجدد القتال يوم ٤ آب - أغسطس - وخرجت السفن الجزائرية، وهاجمت الأسطول الإسباني وأصلته نارا حامية، وكان ضرب بطاريات الأرض - الجزائرية - قويا جدا، كما كان قصف الأسطول الإسباني أشد قوة من كل الاشباكات السابقة. ظهرت ريح قوية شرقية - يوم ٥ آب - أغسطس - وانتشرت غيوم الضباب الكثيف، فأعاقت حدوث اشتباكات قوية. وفي المساء أمكن تبادل القذف المدفعي. ودعم الجزائريون قواتهم بوضع مدافع إضافية. وتقدمت السفن الإسبانية يوم ٦ آب - أغسطس - فاصطدمت بسفن الأسطول الجزائري، وتبادلت القوتان أعمال القذف. واشتركت مدفعية الحصون بدعم الأسطول الجزائري. ورجمت السفن الإسبانية في الساعة (١٨،٠٠) إلى مركز التجمع بعد أن أصابت قنابلها بعض منازل المدينة فدمرتها. وأصيبت سفينة جزائرية فاحترقت، غير أن بقية السفن أنقذتها. وقتل في معركة هذا اليوم وجرح (٣٠) رجلا. كما غرقت سفينة استطلاع جزائرية (جوالة) وغرق قائدها. وفي يوم ٧ آب - أغسطس - اتخذت السفن الإسبانية مواقعها للقتال وتقدمتها سفينتان لرمي المدفعية، فتصدى لها الأسطول الجزائري، واشتبك معها بالنيران لمدة ساعتين، ثم انسحبت السفينتان الإسبانيتان. واستؤنف القتال في المساء. وأصيبت بارجة إسبانية كانت تحتل أقصى موقع في تشكيل المعركة، فانفجرت وصدر

стр. 335

عنها دوي هائل، وعندما تقشعت سحب الدخان، تبين أنه لم يعد هناك أثر لهذه البارجة، وتوقفت المعركة، وعادت سفن الطرفين المتصارعين إلى مراكزها. ثم ألقى الإسبانيون عددا من القنابل على المرسى (الميناء) يوم ٨ آب - أغسطس - غير أن هذه الرمايات لم تكن محكمة، وسقطت بعيدا في البحر. استعد الأسطول الإساني للانسحاب يوم ٩آب - أغسطس - واتجه نحو الشمال. ومرت سفينة الأميرال الإسباني أثناء انسحابها على مسافة قريبة جدا من الحصون الجزائرية، فحيتها الحصون الجزائرية بطلقتي مدفع (بالبارود وبدون قذائف). انتهت هذه المعركة بفشل ٩ هجمات إسبانية، وأطلق الجزائريون خلالها (١٥) ألف قذيفة من قذائف مدفعيتهم. وخسر المسلمون في هذه الهجمات مائة شهيد بالمرسى ولم يعلن الإسبانيون عدد قتلاهم، وخاصة ضحايا السفينة البارجة التي غرقت. أما بالمدينة، فقد كان عدد القتلى نحو الثلاثمائة. وتم أيضا تدمير ثلاثمائة منزل تقريبا. وبلغ عدد القنابل التي قذفها الإسبانيون على الأسطول الجزائري وعلى المدينة أكثر من (٧٥٠) قنبلة وقذيفة من عيارات مختلفة.

стр. 336

ـ[صورة]ـ الوالى الجزائري يشرف على مرعكة بحرية أمام مدينة الجزائر

стр. 337

٧ - الجزائر تدمر الحملة الإسبانية الكبرى (١٧٧٥ م) لم يكن استيلاء إسبانيا على وهران والمرسى الكبير غير مرحلة في أحلام الملوك الإسبانيين للتوسع عبر المغرب العربي - الإسلامي. وكان هذا الاحتلال لوهران محدود القيمة، محدود الأهمية، ما لم يصل إلى الجزائر ذاتها، ولكن الظروف لم تكن مناسبة لتطوير هذا الاحتلال، لا سيما بعد تلك المقاومة الضارية التي قدمتها الجزائر لحصار الحامية الإسبانية في وهران والمرسى الكبير والتضييق عليها، حتى إذا ما جاء (شارل الثالث) (١) حاول السير على أثر أسلافه، فجهز حملة قوية تكونت من: (٢٢٦٠٠) مقاتل و (مائة مدفع ضخم من مدفعية الحصار) و (٤٤) سفينة حربية و (٣٤٤) سفينة نقل، بالإضافة إلى وسائط القتال الأخرى والذخائر والمواد التموينية، وعندما انتهت الاستعدادات تولى (الكونت أوريلي) قيادة الحملة وتوجه بها إلى الجزائر في شهر حزيران - يونيو - ١٧٧٥م. ووصلت سفن الحملة إلى مياه الجزائر مع بداية شهر تموز - يوليو -.

стр. 338

وقرر (الكونت أوريلي) قائد الحملة إنزال قواته عند فجر يوم ٣ تموز (يوليو) فوق أرض الساحل الواقع إلى الجنوب من (وادي الحراش). وطلب إلى قائد الأسطول (الأميرال مازاريدو) دعم الإنزال بمدفعية الأسطول للرمي على منطقة الإنزال، كما أمر بأن يتم إنزال ١٢ قطعة مدفعية عيار (٤) و١٢ قطعة مدفعية عيار (٨) وثمانية مدافع عيار (١٢) وذلك مع إنزال الأفواج الأولى من قوات الغزو. وتقرر اقتراب سفن الإنزال إلى أقرب نقطة من الساحل. وحددت مهمة كل سفينة حربية ومجموعة سفن النقل المرافقة لها. غير أنه تبين صعوبة الإنزال يوم ٣ تموز (يوليو) فتقرر تأجيل تنفيذ العملية إلى اليوم التالي. وهبت رياح قوية جدا صبيحة يوم ٣ تموز (يوليو) فأصبح من المحال تنفيذ عملية الإنزال بسبب هياج البحر. وفي مساء هذا اليوم ذاته، جمع القائد العام للحملة هجئة أركانه فتقرر إنزال القوات عند خليج (مالا موجير) الواقع غرب رأس كاكسين (غربي الجزائر بمسافة عشرين كيلومترا تقريبا). وحددت السفن المخصصة لهذا الإنزال وسفن الدعم التابعة لها. ونفذت البحرية ما هو مطلوب منها وأصدر قائد الأسطول (الأميرال مازاريدو) أوامره بإقلاع السفن، وفق التنظيم التالي: ... تتحرك السفن تحت قيادة القائد العام، وتكون وراءه اسفغن ناقلة الجيش، تليها السفن ناقلة الفرنسان وآلات الحرب والعتاد والمؤن. وتتقدم السفن إلى أقرب نقطة من الساحل حتى تتمكن قوات الغزو من النزول بسرعة والسير فورا نحو المرتفع الذي تعلوه قلعة السلطان (برج بوليلة) المشرفة على الجزائر، وتحتل البطاريات الجزائرية الموجودة هناك .. غير أنه ما أن هبط ظلام الليل، وأزفت الساعة المحددة لإعطاء

стр. 339

الأوامر بالتحرك، حتى كانت الريح قد أخذت في الاتجاه نحو الشرق، واهتاج البحر واضطرب، فحال ذلك دون تنفيذ عملية الإنزال. وعقد قائد الحملة من جديد مؤتمرا لهيئة أركانه، فتقرر تعديل مخطط الإنزال، والعودة لإنزال القوات عند المكان الذي تم اختياره من قبل (إلى الجنوب من وادي الحراش) على أن تنفذ العملية يوم ٧ تموز - يوليو - وانصرف قائد الأسطول لوضع المخطط النهائي بنقل الجند، وتعيين السفن المكلفة بالتنفيذ، بحيث يتم إنزال (٧٧٠٠) رجل في موجة الإنزال الأولى ثم تليها الموجة التالية المكونة من (٧٠٠) رجل فقط. وعندما أزف الموعد المحدد للإنزال (من صباح يوم ٧ تموز - يوليو) هدأ البحر قليلا. فقام قائد الأسطول بتوزيع قائمة السفن المخصصة لكل فرقة من الفرق السبعة، وتم تعيين ضابط بحري لكل مجموعة من سفن النقل واجبه تنسيق التعاون مع قائد الفرقة التي سيتم نقلها، والتي سيرافقها حتى منطقة إنزالها. ثم ذهب القائد العام (الكونت أوريلي) برفقة قائد الأسطول للإشراف على العملية. وأمكن لهما تحديد مرابض بطاريات المدفعية الجزائرية التي تم نشرها على الساحل المخصص لإنزال القوات الإسبانية. فقرر القائد العام وضع سفينتين حربيتين في مواجهة كل بطارية من بطاريتي المدفعية الجزائر. كانت الجزائر تتابع الموقف منذ أن بدأت إسبانيا بالإعداد لحملتها، وعرفت أنها هي المستهدفة من هذه الحملة. فاستعدت لتلقي صدمة الهجوم. تحت قيادة والي الجزائر (الداي محمد عثمان باشا). وهكذا فعندما وقفت قطع الأسطول الإسباني في مواجهة الجزائر، لم يكن الأمر مباغتا. ووقف المقاتلون المسلمون وهم يتابعون حركة سفن الأسطول وهي تصطف على أشكال وخطوط مختلفة، في خيلاء وتحد، ثم عندما وجهت هذه السفن مقدماتها في مواجهة وادي

стр. 340

الحراش، وعندما وصلت إلى مدى رمي المدفعية الجزائرية بدأت بإنزال القوات. وعلى الرغم من معرفة المجاهدين مسبقا بأمر هذه الحملة، فقد كان حجم قوات الغزو، وتفوقها، مثيرا للقلق، وهنا انطلق قادة المجاهدين، ومشايخهم، وهم يحضون على القتال، ويرددون على إسماع المجاهدين قوله تعالى: ﴿وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين﴾ فاطمأنت النفوس لذكر الله وأنزل الله السكينة على قلوب المؤمنين. عمل والي الجزائر (محمد عثمان باشا) على استنفار كل قادر على حمل السلاح وحشده في المعركة، كما كلف الأولاد - الصبيان - ممن يتجاوزون عمر السابعة بالعمل مع المجاهدين لمساعدتهم في أعمال الدفاع والتحصين، وتم اختيار المواقع المناسبة (لمرابض المدفعية). وقسمت القوة على النحو التالي: ١ - قوة مقاتلة بقيادة (حسن الخزنجي) - وزير المالية ومركزه (عين الربط) - وهو الحي الذي يدعى اليوم باسم (ساحة المناورات) بين مدينة الجزائر وحي بلكور. ٢ - قوة مقاتلة بقيادة (القائد علي) المعروف (بآغة العرب) ومركزه عند (وادي خنيس) وهو في آخر حي العناصر حاليا (حيث حديقة التجارب). ٣ - قوة مقاتلة بقيادة (خوجة الخيل - وزير الحربية) ومركزه في (باب الوادي). ٤ - قوة باي الشرق (صالح) التي عسكرت على وادي الحراش. ٥ - قوة باي (تيطري) مصطفى باي التي أقامت معسكرها على جهة (تامانتغوس) ومعها بعض القبائل وفرسان ناحية سباو.

стр. 341

٦ - قوة خليفة الغرب (محمد عثمان) التي ضمت (٤) آلاف فارس من فرسان العرب الدواير، وقد أقامت معسكرها على مقربة من معسكر (الخزنجي). ٧ - قوة باي الغرب (إبراهيم باي) والتي أقامت معسكرها على مقربة من مدينة (مستغانم) وواجبها العمل كقوة احتياطية. ومضى كل قائد لتنظيم قواته في المنطقة المحددة له، وأقيمت التحصينات، وحفرت الخنادق، واتصل العمل في الليل والنهار، فيما كانت المدفعية تشتبك مع سفن الأسطول، وما أن سمع رجال القبائل في الجبال القريبة من الجزائر، باقتراب قوات الغزو الإسباني حتى أسرعوا من كل ناحية للاشتراك في شرف الجهاد. وتبعتهم جموع المجاهدين من كل أنحاء الجزائر، وبصورة خاصة من ناحية (قسنطينة) حتى ضاقت بهم الأرض على رحبها وسعتها. اختار قائد الحملة الإسباني خمس سفن حربية - من أكبر سفنه وأقواها تسليحا - وكانت كل سفينة منها تحمل ثمانين مدفعا، وكلفها بالتمهيد لعملية الإنزال بقذف قنابلها من عيار ٢٤ و٣٦ رطلا. ووقفت سفينتان منها في مواجهة (برج الشرق - أو برج الكيفان). واثنتان منها في مواجهة (محلة الآغا) ووقفت الخامسة في مواجهة (محلة الخزنجي). وأخذت هذه السفن في قصف مرابض بطاريات المدفعية الجزائرية، اعتبارا من صباح يوم ٧ تموز - يوليو - وردت عليها المدفعية الجزائرية برمايات كثيفة ومركزة استمرت طوال الليل. ثم انسحبت السفن إلى عرض البحر مبتعدة عن مدى عمل المدفعية الجزائرية، ومفسحة المجال أمام سفن النقل التي استمرت في نقل القوات وإنزالها طوال اليوم واللية التالية. وتمكنت المدفعية الجزائرية من إنزال بعض الخسائر في سفن إنزال العدو. وأثناء ذلك نقلت مدفعية الأسطول

стр. 342

الإسباني رماياتها الكثيفة ضد حصون المسلمين ومواقعهم في (الحراش وخنيس). ثم أخذت سفن الإنزال بالتوجه إلحى مصب وادي خنيس وقامت بإنزال قسم من قواتها عنده. وبادرت قوات الغزو هذه بالانقضاض على مواقع المجاهدين المسلمين غير أن هؤلاء استطاعوا تدمير الموجات المتتالية للقوات الإسبانية، ووصلت مجموعة مقاتلة إسبانية إلى البساتين حيث كان يتمركز (مخزن البارود) إلى جانب بطارية مدفعية خنيس، وهنا دارت معركة ضارية أمكن بواسطتها إيقاف التقدم الإسباني. وأمضى المقاتلون من الطرفين ليلهم في الاستعداد للقتال، وعندما ارتفع الأذان لفجر يوم ٨ تموز - يوليو - وذهب المسلمون للصلاة، دوت المدفعية الإسبانية معلنة بدء المعركة، واحتل المجاهدون مواقعهم، ووقفوا خلف تحصيناتهم، ولم تلبث نيران المدفعية الإسبانية أن غطت مواجهة الجبهة بكاملها (من مربض باي قسنطينة ما بين وادي الجميز والحرج، وحتى محلة الخزنجي ما بين وادي الحراش وعين الربط). واستمر القصف الكثيف حتى طلعت الشمس وعندها شاهد المجاهدون أن هناك أكثر من ألف وخمسمائة سفينة وناقلة وفلك وقارب قد اتجهت صوب وادي الحراش وعين الربط. وأسرع قادة قوات المسلمين في قيادة قواتهم نحو المكان الذي حدده الإسبانيون للإنزال، وأخذوا في الاستعداد للمعركة. شحنت القوات الإسبانية فوق ناقلات الجند كل ما تتطلبه عمليات التمركز والتحصين، وحملت معها كميات مذهلة من الأكياس الفارغة (لتملأ بالتراب والرمل وتوضع بعضها فوق بعض) كما دفعت مع المقدمة وحدات من المهندسين للإشراف على إقامة التحصينات وتنظيم الأرض. وكانت السفن تتقدم بصورة بطيئة نحو

стр. 343

الساحل، بينما كانت السفن الحربية تلقي بمقذوفات مدافعها على معسكرات المسلمين في الشرق، وعلى معسكر الخزنجي بصورة خاصة، وقابلت بطاريات مدفعية المسلمين أعمال القصف بقصف مضاد اشتركت فيه كل المدفعية باستثناء مدفعية المرسى ومدينة الجزائر، نظرا لأن السفن الإسبانية كانت بعيدة عنها وخارج مجال عملها. ووصلت السفن الإسبانية، وألقت بمراسيها في البحر، وتقدمت القوارب تحمل الجنود حتى وصلت على مقربة من الساحل، فوضعت ألواحا من الخشب تصل بينها وبين البر، اجتازها الجند، واستقر فوق اليابسة. وكان كل جندي من جنودهم يحمل بندقية ورمحا برأسين من الحديد، لكي يغرسوها في الأرض حول معسكرهم، فتعيق وصول الفرنسان المسلمين إليهم. وكذلك أنزلوا معهم كميات صخمة من الأخشاب التي ربط بعضها إلى بعض من أجل إقامة الحواجز. وهكذا فما أن وطئت أقدام الإسبانيين الأرض حتى أقاموا معسكرا منيعا، دعموه بحفر خندق عميق، ثم أوثقوا حوله الحبال، ووضعوا وراءها أكياس الرمل. وغرسوا أعمدة من الخشب بين هذه الأكياس ثم إن كل فرقة من فرق الجند شبكت حول منطقتها، وعلى شكل دائري، تلك الرماح ذات الرأسين الحديديين التي أنزلوها معهم،، فكانوا يستطيعون التنقل والسير وهم محتمون بتلك الدائرة التي تمنع عنهم الهجمات المباغتة لقوات المسلمين. وأمكن إنشاء ذلك المركز الذي كان أشبه شيء بمدينة صغيرة خلال فترة قصيرة من الوقت، وكان يتخلل المعسكر ١٤ طريقا يتصل بعضها ببعض. وحفروا في الوسط بئرا يستسقون من مائه العذب. قامت قوات المجاهدين بهجوم قوي على معسكر الإسبانين، فقتلوا كل الجنود الذين كانوا خارج المعسكر، غير أنهم لم يتمكنوا من

стр. 344

اقتحامه، فانسحبوا ومعهم قتلاهم وجرحاهم. ثم استؤنفت المعركة بقوة وشدة. وكانت القنابل والرصاص تسقط بكثافة عالية، وتحصن المسلمون وراء بطارياتهم وفوق كثبان الرمل المحيطة بالمعسكر الصليبي. وكانت قذائف المسلمين ورصاص بنادقهم يصيب جند الأعداء وهم في داخل معسكرهم، فكانوا لا يستطيعون الخروج منه أبدا. وكلما سقط منهم رجل أخذوه فورا إلى القوارب التي تنقله للأسطول، فربطوا رجله إلى قذيفة وألقو به إلى البحر حتى لا تطفو جثته فوق الماء، وكانوا أحيانا يجمعون الخمسة والستة من الجثث ويربطونها إلى قذائف ثم يلقون بها إلى البحر. وهكذا يفعلون بموتاهم داخل معسكرهم. لكن هذه الأعمال لم تكن حاسمة. ولم يجد المسلمون حيلة لاقتحام مركز العدو الإسباني نظرا للعدد الضخم من القنابل الذي كان يتساقط حول المعسكر لحمايته. واقترح باي قسنطينة القيام بهجوم شامل، على أن تتقدمه الجمال كستارة وقائية، وجمعت الإبل من كل ناحية بسرعة ودفعت نحو معسكر الإسبانيين تبعها عن قرب المجاهدون وعلى رأسهم القادة والولاة ودارت معركة طاحنة تحول لها النهار إلى ليل لكثرة دخان البارود والغبار المتصاعد، ولم تسفر المعركة عن نصر حاسم، فتراجع المسلمون من جديد، وأخذوا في الاستعداد للقيام بهجوم ليلي. وكان المعسكر الصليبي محددا جدا، وضيقا، وفيه تكدست جماعات الجند وكميات السلاح والذخائر، وأقام فيه الإسبانيون ستين نقطة محصنة، غير أن التحرك بين هذه النقاط كان صعبا جدا بسبب ضيق المعسكر، ولهذا كان من المحال القيام بأي مناورة للقوات. وكانت ميمنة هذا المعسكر على وشك الانهيار تحت هجوم المسلمين لولا تدخل السفن الإسبانية، وتوجيه نيران غزيرة عطلت تقدم المجاهدين

стр. 345

وأوقفته. وكذلك الأمر بالنسبة للجناح الشرقي الذي تعرض لهجوم فرنسان المسلمين وكاد يسقط بدوره لولا دعم القوات البحرية. ولهذا أعادت القيادة الإسبانية تنظيم مواقعها على عمق جبهة لا يتجاوز الخمسمائة متر. واستمر الإسبانيون في المقاومة ضمن هذه المنطقة الخطرة. وكانوا يتلقون ضربات محكمة لا يعرفون مصدرها فيتساقط منهم الجنود صرعى. وكانت كل رمية بندقية يقذفها المسلمون تصيب مقتلا من جند الإسبانيين بسبب ضيق المكان واكتظاظه بالمقاتلين. وزاد الأمر سوءا - بالنسبة للإسبانيين - نتيجة الرمايات المحكمة التي كانت تطلقها بطارية (وادي خنيس) وهي البطارية التي لم تتمكن السفينة (القديس شارل) من تدميرها. فأحدثت رمايات بطارية المسلمين خسائر فادحة في القوات الإسبانية. وزادت خسائر الإسبانيين. فامتلأت القوارب بالجرحى الذين كان يتم نقلهم إلى مركز الأسطول، حيث تجرى لهم الإسعافات الأولية في السفن الحربية، لينقلوا بعدها إلى أحد السفن الثمانية التي حولت إلى (مستشفيات بحرية) وأدرك القائد العام للحملة بعد مضي ساعات فقط أنه من المحال أمام هذه المقاومة الضارية إحراز أي نجاح أو أي تقدم. فقرر الاسحاب بقواته فورا، وأصدر أوامره إلى سفن الأسطول الإسباني بالتجمع تحت حماية مدفعية الأسطول. وأخذت بعض الفرق في الانسحاب فورا ومعها بعض قطع المدفعية. بدأ المجاهدون المسلمون هجومهم الليلي - بعد أداء صلاة المغرب مباشرة - من ليل ٨ - ٩ تموز - يوليو - وهطلت أمطار غزيرة زادت من صعوبة القتال، وشعر المجاهدون بمحاولات العدو للانسحاب فقطعوا عليها طريق انسحابها مرات عديدة، وأنزلوا فيها خسائر فادحة، فيما كانت المدفعية تقصف مواقع الإسبانيين دون هوادة،

стр. 346

وعندما ارتفعت الأصوات معلنة أذان الفجر توقفت مدفعية الأسطول الإسباني عن الرمي. واندفعت قوة من المسلمين إلى داخل معسكر الصليبيين فوجدته فارغا، ووجدت فيه الكثير من الأسلحة والذخائر والمدفعية مما يدل على أن القوات المعادية قد انسحبت على عجل فلم تتوافر لها فرصة من الوقت لحمل أسلحتها وأمتعتها وعتادها. واستولت قوات المسلمين على ما تركه العدو من غنائم فوق أرض المعركة من الوسائط القتالية والبنادق و ١٦ مدفعا من النحاس وقطعتين من راميات القذائف. وجمع المسلمون المقذوفات التي أرسلتها المدفعية الإسبانية فبلغت (٤٠) ألف قذيفة. واعترفت المصادر الإسبانية بمصرع (١٩١) ضابطا و (٢٠٨٨) جنديا في اليوم الأول من المعركة. في حين تذكر مصادر أخرى أن عدد القتلى الإسبانيين يرتفع إلى (٤) آلاف قتيل. أما المصادر العربية فتذكر أن عدد قتلى الأعداء يبلغ (١٠) آلاف قتيل مقابل (مائتا شهيد) من قوات المسلمين. أمضت سفن الأسطول الإسباني أيام ٩ و١٠ و١١ تموز - يوليو - ١٧٧٥ وهي في عرض البحر، تنظم المستشفيات، ثم رفعت العلم الأسود علامة الحداد، ومضت خائبة في طريق عودتها إلى قواعدها. وقرر القائد العام للحملة الإسبانية، قصف مدينة الجزائر بالقنابل يوم ١٣ تموز - يوليو - انتقاما لما نزل بقواته من الخسائر، غير أن هيئة أركانه أقنعته بعقم محاولته وعدم جدواها، علاوة على ما تحمله من خطر التعرض لمدفعية الساحل القوية. يذكر هنا أنه ما كادت المعركة تصل نهايتها حتى بلغت أعداد المقاتلين المسلمين الذين تدفقوا من كل أنحاء البلاد أكثر من (١٥٠) ألفا، بينهم (٦) آلاف من الأتراك، و (٣) آلاف بحار في الميناء (المرسى).

стр. 347

٨ - معركة بحرية جديدة أمام الجزائر (١٧٨٤) ترك تدمير الحملة الإسبانية على الجزائر أثرا عميقا على الطرفين المتصارعين، فمضت القوات الإسبانية في الإعداد لعملية جديدة على أمل أن تعوض بها عن هزائمها السابقة. وفي الوقت ذاته، أفادت الإدارة الجزائرية من المعركة، فعقد مؤتمر ضم أعضاء القيادات البرية والبحرية بهدف استخلاص الدروس من العمليات السابقة. وتقرر إقامة مجموعة من القلاع والتحصينات الجديدة، وبناء سفن للمدفعية العائمة. ولم تمض أكثر من فترة وجيزة حتى أمكن إعادة التنظيم الدفاعي في البر وإعادة تنظيم القدرة البحرية وتدعيمها. واتخذت كل الترتيبات لإبقاء السفن الإسبانية على مسافة بعيدة جدا عن المدينة. إذا ما أقدمت على مغامرة جديدة. مضت الإدارة الإسبانية بدورها لإعادة تنظيم قواتها. واستطاع قائد البحرية (الأميرال أنطونيو دي بارلكو) حشد قدرة بحرية تضم (١٣٠) سفينة حربية في سنة (١٧٨٤م) وأعلن عن قيادة حملة صليبية جديدة، وأسرع البابا فنشر في يوم ١٨ حزيران (يونيو) من السنة ذاتها بلاغا أعلن فيه أنه (وهب الغفران والبركة السماوية لكل مسيحي يشارك في هذه الحملة). وجاءت من البرتغال قوة بحرية لدعم الأسطول الصليبي، الذي غادر المياه الإسبانية ليصل إلى المياه

стр. 348

الإقليمية للجزائر يوم ٩ تموز - يوليو - وأخذ في الانتظام بتشكيل القتال. غير أن سفن الأسطول الجزائري لم تمهله طويلا، فخرجت العوامات حاملة المدافع الكبيرة. وأرغمته على البقاء بعيدا عن المدينة، وبحيث لا تصل قنابل مدفعيته إلى الجزائر. بدأ الاشتباك الأول في يوم ١٢ تموز - يوليو حيث تقدمت سبعون سفينة إسبانية (من نوع الشالوب والتي هي مجردة من الخيام والصواري) فبرزت لها (٦٣) سفينة جزائرية من النوع ذاته، وكان منها (١٣) سفينة تحمل قاذفات القذائف و (٤٣) تحمل المدافع الثقيلة. وتقدمت السفن بعضها من بعض، واستعدت للقتال، وكانت السفن الإسبانية مدعمة بالحراقات وبالسفن الضخمة. وأخذ الأسطولان المتعاديان يقومان بحركات التفاف حول خط متواز، وضمن حدود مجال عمل المدفعية. ولم يرغب الجزائريون البدء بالقتال. غير أن طلقة من مدفعية الحصون الجزائرية انطلقت في الساعة الثامنة لتأمر الجزائريين ببدء القتال. وأخذ الجزائريون على الفور برمي قنابلهم من طول الخط على السفن الإسبانية التي ردت بالمثل. وأحاط بالمتحاربين دخان كثيف، وكانت القذائف الإسبانية غير محكمة، فكانت تتخطى خط السفن الجزائرية لتسقط على مسافة بعيدة في عرض البحر. وأصيبت ثلاث سفن إسبانية، فاضطرت إلى الانسحاب من تشكيل القتال. وعندما ارتفعت سفن الدخان تبين أن الاضطراب قد هيمن على الأسطول الإسباني فيما كان الأسطول الجزائري محافظا على مواقعه وعلى تنظيمه القتالي. وانسحبت السفن الإسبانية في الساعة (١١،٠٠) إلى مركز تجمع الأسطول تحت حماية السفن الكبيرة. وبقي الأسطول الجزائري حتى الساعة (١٢،٠٠) قبل أن يعود إلى مركز تجمعه.

стр. 349

تجدد الاشتباك بعد ثلاثة أيام عندما أطلق القائد الإسباني طلقتين في الساعة (٣،٠٠) من فجر يوم ١٥ تموز - يوليو - فأخذبت السفن تشكيل القتال. وفي الساعة (٦،٠٠) أطلقت السفن الجزائرية نيرانها، غير أن تشكيلها للقتال لم يكن منتظنا. في حين كان تشكيل الأسطول الإسباني منتظما على نصف دائرة تحميه من الأجناب السفن الخفيفة. وبدأت المعركة الضارية التي استمرت حتى الساعة (٩،١٥) حيث انسحبت السفن الإسبانية (الشالوب) وبقيت الحراقات مستمرة في القذف العنيف. ثم قامت بالانسحاب، وبقي الأسطول الجزائري حتى الساعه (١٠،٠٠) وعاد بعدها إلى قواعده. وانفجر مدفع في إحدى السفن فأغرقها ومات فيها ١٢ رجلا، وجرح (١٤). عادت سفن الأسطول الإسباني للقتال في الساعة (٨،٠٠) من يوم ١٧ تموز - يوليو - وقد انتظمت في تشكيل القتال على ثلاث مجموعات واجب الأولى الدفاع عن الأسطول وحمايته وخصصت فرقة لمجابهة الأسطول الجزائري، أما الفرقة أو المجموعة الثالثة فواجبها قصف مدينة الجزائر. وبدأت هذه المجموعات - الفرق - بالقصف من الساعة (٣٠, ٨) حتى الساعة (١٠،٣٠).غير أن عملية القصف لم تسفر عن نتائج كبيرة (مقتل جزائريين وجرح خمسة) نظرا لكون الرمايات غير دقيقة وغير محكمة. وفي هذا اليوم ظهر هلال شهر رمضان وبدأ المسلمون صومهم. تقدمت السفن الإسبانية بعد ذلك في الساعة (٧،٠٠) من يوم ١٨ تموز - يوليو - في تشكيل القتال، وتصدت لها السفن الجزائرية، وبادرتها باطلاق النار، وبدأت الحصون الجزائرية في الوقت ذاته بإرسال نيرانها ضد السفن الإسبانية التي فتحت نيران مدفعيتها في الساعة (٨،٠٠) وكان دخان مدفعية الإسبانيين يحجبهم عن أنظار

стр. 350

الجزائريين، فتقدمت مجموعة من سفنهم نحو المدينة، وأصابت بمقذوفاتها جسر المرسى، فتصدت لها بعض السفن الجزائرية وأرغمتها على الانسحاب وأوقفت السفن الإسبانية قذف قنابلها في الساعة (٣٠, ٩) بدون أن تلحق بالجزائريين أضرارا تذكر. غير أن ستة مدافع جزائرية انفجرت بين أيدي سدنتها فاستشهد (٥) رجال وأصيب (٨) رجال بجراح. وتقدمت السفن الإسبانية من جديد في أداءة (٦،٤٥) من يوم ١٩ تموز - يوليو - تحت حراسة بعض القطع الصغيرة وحراقتين. وجابهتها السفن الجزائرية في الساعة (٩،٠٠) واستمر الاشتباك المدفعي حتى الساعة (٩،٠٠) ثم انسحبت السفن الإسبانية إلى مركز تجمع أسطولها. وتقدمت بعد ذلك خمسة أو ست سفن جزائرية (شالوبات) نحو مركز الأسطول الإسباني، وهاجمته، فقاومتها سفينة الأميرال والسفن التي حولها، وألقت عليها القنابل لكنها لم تحدث لها أدنى خسارة. ومات في هذه الوقعة رجلان وجرح خمسة رجال من الجزائريين. وتم انسحاب الأسطول الإسباني نهائيا من المعركة يوم ٢٢ تموز - يوليو - مبتعدا عن مواقع القتال. وفي اليوم التالي كان هذا الأسطول يتجه نحو قواعده في الأندلس. استشهد من جراء القصف نحو ثلاتين من المدنيين، أما خسائر الجزائريين العسكرية فكان معظمها بسبب انفجار المدافع التي يستعملونها، حيث أنهم لشدة حماستهم لمقاومة العدو لم يكونوا يتركون للمدفع بعد استعماله فترة كافية حتى تبرد حرارته، كما كانوا يبالغون في حشوه بالبارود لإرسال المقذوفات لمسافة أبعد، ولهذا كانت المدافع

стр. 351

تنفجر أحيانا. واستشهد منهم نحو المائة رجل من جراء هذه الانفجارات. ولم يعلن الإسبانيون عن خسائرهم، غير أنهم ذكروا بأن مدافعهم قذفت الجزائر بأكثر من (١٥١٥٠) مقذوفا من عيارات مختلفة، لم تصب المدينة بخسائر تذكر. لم تحقق هذه الحملة أهدافها، وحاولت الإدارة الإسبانية التستر على فشلها الجديد بأنها سترسل حملة أقوى من كل حملاتها السابقة، غير أنها باتت مقتنعة، ومعها العالم المسيحي، أنه من المحال النيل من صمود الجزائر، فجنحت إلى السلام والمهادنة، وأرسل إلى الجزائر مندوبين (هما الكونت داسبلي، والأميرال مازاريدو) بمهمة عقد هدنة، ودارت مفاوضات طويلة انتهت يوم ١٤ حزيران (يونيو) ١٧٨٥ باتفاقية تقضي بإلزام إسبانيا بدفع جزية معينة من المال للجزائر مقابل عدم التعرض لسفنها، وعلى أن تعاملها الجزائر معاملة الدولة المسالمة. غير أن هذه الاتفاقية لم تنفذ بسبب تصميم الإسبانيين على الاحتفاظ بوهران والمرسى الكبير، وبسبب مماطلة الإسبانيين في تنفيذ بقية الشروط (على الرغم من موافقة الحكومة الإسبانية على الاتفاقية). وكان لا بد من استئناف الصراع في البحر، وفي البر أيضا، من أجل إخراج الإسبانيين من فوق تراب الجزائر.

стр. 352

٩ - وأخيرا تحرير وهران (١٧٩١ م) لم يتوقف الصراع يوما بين المجاهدين في الجزائر وبين أعدائهم المتمركزين في وهران والمرسى الكبير، وقد أخذ هذا الصراع أشكالا مختلفة بداية من العزل والتطويق وحرمان الحامية الإسبانية من المواد التموينية وحتى الاستنزاف المستمر بطرائق الصراع المسلح. وتعرضت الحامية الإسبانية لنكبات كثيرة، ولمحن صعبة، وكان من أبرز ما جابهته الحامية الإسبانية تلك المعركة التي فرضها عليها حاكم (بايليك الغرب) محمد بن عثمان الكردي - المشهور بمحمد الأكحل لشدة سمرته - حيث أرغمها بعد فترة من الحصار على مغادرة المدينة (سنة ١٧٨٠) والاشتباك في معركة تصادمية خارج الأسوار انتهت بتدمير قسم كبير من الحامية. واستمرت بعد ذلك أعمال الحصار حتى ١٤ أيلول - سبتمبر - ١٧٨٤م. حيث أمكن قطع الماء عن مدينة وهران. ثم تعرضت المدينة للهجوم يوم ٢٦ أيلول - سبتمبر - وأمكن احتلال (البرج الأحمر,) بعد تضحيات كبيرة ومعارك بطولية رائعة. واستمرت عمليات الصراع بين تصعيد وتهدئة، وبين توتر واسترخاء. حتى إذا ما كان ليل ٨ - ٩ تشرين الأول - أكتوبر - ١٧٩٠ حدثت هزة أرضية عنيفة في الساعة الواحدة صباحا واستمرت ولفترة ثلاث دقائق، وانتهت بتدمير وهران تدميرا شبه كامل، وأصيبت الحصون

стр. 353

والقلاع والكنائس بأضرار بالغة. ومات تحت أنقاضها ثلاثة آلاف نسمة من سكانها وجندها - ومن بينهم الحاكم العام الإسباني - بالنيابة - (دون نيكولا غارسيا,) والتهمت النيران بعض السفن والأماكن الأخرى. وزاد من هول الكارثة انطلاق الإسبانيين للنهب والسلب، وهو ما أورده قائد الجيش الإسباني في تقريره للملك والذي جاء فيه: (أن بعض الرجال الذين لا أخلاق لهم، من أصحاب الحياة السافلة - من إسبانيي وهران - قد اغتنموا فرصة هذه الحادثة فامعنوا في نهب الديار الغنية بصفة أفظع مما لو كان العدو قد قام بهذا النهب، ولم يبق للمستعمرين البائسين أي شيء مطلقا. ورغم القسوة التي قابلنا بها هذه الأعمال اللصوصية، والعقاب الصارم الذي أنزلناه بمرتكبيها، فإن الأشقياء لم يرتدعوا، واستمروا في أعمال النهب والسلب). وحدث بعد ذلك مزيد من الهزات الأرضية كان من أقواها ما حدث يوم ٢٢ تشرين الثاني - نوفمبر - ويوم ٦ كانون الثاني - يناير ١٧٩١. ولم يتوقف الصراع خلال ذلك، وتناقص عدد أفراد الحامية الإسبانية حتى بلغ (١٥٢٦) رجلا. تم توزيعهم على أكثر المواقع أهمية، في حين كان بقية الرجال من غير المقاتلين يعملون مع النسوة في إصلاح الحصون وترميم الثغرات التي تحدثها هجمات المجاهدين. وتلقت الحامية الإسبانية على إثر ذلك دعما مكونا من (٧) آلاف مقاتل. واستمرت حروب الاستنزاف طوال فصلي الربيع والصيف من سنة ١٧٩١، تخللتها معارك طاحنة كان من أبرزها معارك ٣ - ٩ أيار - مايو - ومعركة يوم ٥ تموز يوليو -. عرفت إسبانيا أنه بات من المحال عليها الاحتفاظ بقاعدتي (وهران والمرسى الكبير) وتحولت هاتين القاعدتين إلى عبء يستنزف القدرة الإسبانية، فحاولت الحصول على شروط مناسبة للصلح،

стр. 354

واستمرت المفاوضات مع الجزائرين طويلا إلى أن تم الاتفاق على عقد معاهدة يوم ٩ كانون الأول - ديسمبر ١٧٩١٠ - تضمنت نصوصها ما يلي: ١ - تنسحب إسبانيا من وهران والمرسى الكبير دون قيد أو شرط. ٢ - تدفع إسبانيا لخزينة الجزائر سنويا مبلغ (١٢٠) ألف فرنك (ما يعادل ٢٤٠ ألف دينار جزائري). ٣ - ترجع إسبانيا للجزائر كل المدافع والقنابل والذخائر التي غنمتها عند استرجاعها لوهران والمرسى الكبير. ٤ - تحمل سفينة إسبانية، بصفة رسمية، إلى إستانبول مفتاحين ذهبيين رمز استسلام وهران والمرسى الكبير مع جرتين من ماء عيون (وهران) للخليفة السلطان العثماني، كبشرى بالفتح وتأكيده للرابطة مع دولة الخلافة. وتقبل الجزائر مقابل ذلك: ١ - أن يكون لإسبانيا مركز تجاري في بلدة (جامع الغزوات). ٢ - وأن تبتاع من البلاد الجزائرية ثلاثة آلاف كيلة من القمح سنويا. ٣ - وأن تباشر صيد المرجان على الساحل الغربي الجزائري. وبدأت القوات الإسبانية بالانساب يوم ١٧ كانون الأول

стр. 355

- ديسمبر - من تلك السنة، وتم الانسحاب نهائيا، بعد ترك الأسلحة والعتاد المتفق عليه وتسليم المدينة للباي (محمد بن مصطفى) الذي دخلها على رأس المجاهدين الجزائرين يوم ٢٤ شباط - فبراير - ١٧٩٢. وكان أول عمل قام به، بعد تحرير المدينة، هو بناءه للمسجد الكبير - مسجد الباشا - وانصرف لبناء المدينة الخالدة، حتى تستأتف دورها التاريخي.
следующие страницы →