أَخْبَارَكُمْ﴾ فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون والله معكم، والسلام عليكم ورحمة الله.
...
جدير بالذكر أن المجاهد (محمد الغسيري) الذي طالما عرفته دمشق بنشاطه الذي لا يهدأ، وإخلاصه الذي لا حدود له، كان يمثل (جبهة التحرير الوطني) وقد شارك وأشرف على كافة النشاطات التي حفل بها أسبوع الجزائر.
و- رابطة المغرب العربي في دمشق:
وفي دمشق، أقامت رابطة طلاب المغرب العربي مهرجانا خطابيا في الساعة السابعة والنصف مساء (يوم ٣١/ ٣/ ١٩٥٨) على مدرج الجامعة السورية تحدث فيه كل من الدكتور جميل صليبا والأستاذ محمد المبارك والدكتور اسماعيل عزة والأستاذ حافظ الجمالي، والشاعر عبد السلام حبيب الجزائري، والطالب الجزائري محمد مهدي.
وكان مما قاله (مأمون الشناوي) في يوم الجزائر: (تمنيت لو قامت فرنسا بجميع تبرعات لها لمساعدتها في حرب الجزائر. تمنيت لو قامت بجمع التبرعات من الشعب الفرنسي، ومن شعوب العالم لتعرف رأي شعبها ورأي شعوب العالم في موقفها الآثم الظالم في الجزائر، ولتحصي فرنسا بعد ذلك عدد المتبرعين لها لتعرف عدد من يؤيدون وحشيتها وتمسكها بسلب الشعب الجزائري حقه في الحياة.
ربما استطاعت فرنسا أن تجمع آلاف الجنيهات، ولكنها لن تستطيع أن تشرك في هذه التبرعات غير عشرات الأشخاص؛
стр. 3047
عشرات الأشخاص من تجار الحروب وتجار الشعوب، والمستثمرين للدماء المهرقة على أرض الجزائر.
أما شعب الجزائر المجاهد، والمدافع عن حريته، فإن الملايين التي تشترك وتساهم في التبرع له، إنما تعبر عن احتجاجاتها عمليا على وحشية فرنسا ومجافاتها للروح الإنسانية والاعتبارات البشرية.
...
ويضق المجال عن وصف التظاهرة الحماسية الرائعة التي اجتاحت العالم العربي - الإسلامي بمناسبة (يوم الجزائر)؛ لم تكن القضية أبدا قضية تقديم دعم مادي (مالي) بقدر ما كانت مناسبة لتفجير الغضب ضد الاستعمار، والإعلان عن ذلك التعاطف العميق الذي يشد العالم العربي - الإسلامي بعضه إلى بعض.
وكان يوم الجزائر، مناسبة للشعوب الأفريقية - الآسيوية، وكلها حديثة العهد بالاستقلال، لتعبر عن غضتها ضد الاستعمار وأساليبه، فكانت الجزائر، بجهادها وصبرها، طليعة العالم وحديث الدنيا، وكانت المعول الذي أزال بقايا الأوراق التي كانت تستر سوءات الاستعمار.
***
стр. 3048
٥ - الصراع على حدود الجزائر
ضاقت القوات الاستعمارية ذرعا بضربات جيش التحرير الوطني التي أفقدتها صوابها، ولم تنفع كل المحاولات لعزل الجزائر عن جارتيها (المغرب وتونس)، وفشلت الخطوط المكهربة وحواجز الأسلاك الشائكة وحقول الألغام في احتجاز المجاهدين وعزلهم عن قواعدهم في تونس، وعلى هذا قام سلاح الجو الإفرنسي بالإغارة على قرية (ساقية سيدي يوسف) التونسية في يوم ٨ شباط - فبراير - ١٩٥٨، وأدت هذه الضربة العسكرية التي اعترفت فرنسا بمسؤوليتها عنها، إلى قيام موجة من السخط ضد فرنسا عند دول كثيرة في العالم، ولقد قيل في الدفاع عن هذه الغارة، بأنها استهدفت جماعات المجاهدين الجزائريين الذين جعلوا من الساقية قاعدة لهم. وعلى الرغم من أن جثث الضحايا السبعين لم تضم مجاهدا جزائريا واحدا، إلا أن الحادث لفت أنظار العالم إلى قضية، كانت قد غدت معقدة كل التعقيد منذ العام ١٩٥٦، وهي تتناول دور تونس في الحرب الجزائرية؛ فمنذ حصلت تونس على استقلالها في آذار - مارس - ١٩٥٦، وقفت الحكومة التونسية موقفا دقيقا بين فرنسا والجزائر، أو بين الحياد
стр. 3049
والتأييد، ولا ريب أن عواطف التونسيين كانت مع الشعب الجزائري في معركته، كما كان كثير من الجزائريين يريدون من تونس أن تحارب إلى جانبهم لتحقيق استقلال البلدين، ولكن الرئيس التونسي (الحبيب بورقيبة) كان يعتقد بأن في مقدوره تحقيق الاستقلال لبلاده الصغيرة بالصبر والأناة وعلى مراحل، ودن حاجة إلى العنف وسفك كثير من الدماء في حرب عامة شاملة؛ وقد قدم (بورقيبة) إلى إخوانه الجزائريين كل عون ممكن باستثناء الاشتراك في الحرب. وعندما وقع العدوان الفرنسي على (ساقية سيدي يوسف) كان عدد المجاهدين الجزائريين في تونس يزيد كثيرا على عدد أفراد الجيش التونسي الصغير، وكان المجاهدون الجزائريون يستخدمون هذا الملجأ الأمين للتدريب والاستجمام - للجرحى والمرضى - وتجميع السلاح والنقل. وعلى هذا فقد بات من المحتمل جدا امتداد جبهة الصراع لتشمل المغرب كله، لا سيما وأن القيادة العسكرية في الجزائر كانت تمارس عملها بحرية، ومن غير الرجوع إلى الحكومة الفرنسية التي كان عليها احتمال
مسؤولية كل فشل عسكري من غير أن يكون لها رأي فيه. وقد قبلت الحكومتان الفرنسية والتونسية وساطة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، لإيجاد تسوية لحادث (ساقية سيدي يوسف) وقضية (طلب تونس جلاء جميع القوات الفرنسية عن أراضيها)، واستمر ممثل الولايات المتحدة (المستر مورفي) وممثل بريطانيا (المستر هارولد بيلي - الذي عين بعد ذلك سفيرا لبريطانيا في القاهرة) يتنقلان الأسابيع الطوال بين تونس وباريس في محاولة للوصول إلى حل وسط. وقدمت الحكومة التونسية في أثناء هذه المباحثات، إلى المبعوثين الأمريكي والبريطاني وجهات نظرها
стр. 3050
ثوار وهم في مقتبل العمر لم يرهبهم الاستعمار
стр. 3051
في المشكلة الجزائرية، وتم الوصول في مطلع شهر نيسان - أبريل - إلى حل وسط، يقضي بانسحاب جزئي للقوات الفرنسية من تونس، على أن تعود إلى التجمع في قاعدة (بنزرت) مع بعض الشروط الأخرى التي قبلت بها حكومة (غايار)، لكن الجمعية الوطنية الفرنسية، رفضت هذا الاتفاق مما أدى إلى سقوط حكومة
(غايار) وإلى أزمة طويلة.
...
وقعت في غضون ذلك أحداث هامة على الصعيد الأفريقي، فقد قررت (لجنة التنسيق والتنفيذ) في شهر شباط - فبراير - ١٩٥٨ - إقامة (حكومة جزائرية) عندما تسنح الفرصة المؤاتية لإقامتها، وكان تشكيل مثل هذه الحكومة في المنفى، أو في منطقة (محررة) موضع الدراسة منذ عهد طويل، ولكن الصعوبات على ما يبدو في طريق تشكيلها كانت عديدة وبالغة؛ إذ أن إقامة حكومة داخل الجزائر ذاتها، والمحافظة عليها إجراء عسكري بارز، إذ أن في وسع الجيش الفرنسي أن يركز هجومه في مثل هذه الحالة على قاعدة واحدة. أما على الصعيد الديبلوماسي، فإن إقامة حكومة في المنفى قد تؤدي إلى اعتراف الدول العربية والإسلامية وغيرها، ولكنها قد تؤدي في الوقت ذاته إلى تعقد العلاقات بين تونس والمغرب من ناحية وبين فرنسا من الناحية الأخرى، وفي هذه الحالة، يضعف ما لدى جارتي الجزائر المغربيتين من قدرة التأثير على سياسة فرنسا، ولهذا فقد كان قرار شهر شباط - فبراير - معلقا على الفرصة المؤاتية، ولم تظهر هذه الفرصة إلا بعد بضعة أشهر.
اشتركت (جبهة التحرير الوطني) في شهر نيسان - أبريل - في مؤتمر (أكرا) للدول الأفريقية المستقلة، وتلقت تأييدا حارا من
стр. 3052
المؤتمر لقضية استقلال الجزائر، وقد وعدت الدول الأفريقية بالعون الديبلوماسي وغيره من أنواع المساعدة، كما وعدت بإرسال وفد أفريقي مشترك يتولى الدعوة للقضية الجزائرية، ودعت (جبهة التحرير الوطني) الدول الأفريقية إلى مساعدتها في عرض قضيتها على الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي أواخر شهر آب - أغسطس - ذهبت عدة وفود أفريقية إلى أوروبا وإلى أمريكا اللاتينية، لاطلاع حكوماتها وشعوبها على القضية الجزائرية وحثها على تأييدها.
بدت قضية وحدة الشمال الأفريقي (أقطار المغرب العربي - الإسلامي) في نهاية شهر نيسان - أبريل - ١٩٥٨ قريبة كل القرب، بعد أن طال البحث فيها والتحدث عنها؛ فقد عقد (حزب الاستقلال المغربي) و (حزب الدستور الجديد التونسي) و (جبهة التحرير الوطني الجزائري) مؤتمرا في (طنجة) بين السابع والعشرين والثلاثين من نيسان - أبريل - ١٩٥٨ - للبحث في حرب الجزائر وآثارها، وقد أعلنت الأحزاب الثلاثة في سلسلة من القرارات: (حق الشعب الجزائري الذي لا يرقى إليه الشك في السيادة والاستقلال، كشرط وحيد لإنهاء النزاع الجزائري - الفرنسي) وهذا يعني أن المؤتمر قد أقر صيغة معدلة، للشرط المسبق الذي وضعته جبهة التحرير. وقرر المؤتمر أيضا: (أن تعمل الأحزاب السياسية الثلاثة على حشد كل ما لدى شعوبها وحكوماتها من قوى لدعم الشعب الجزائري المجاهد في سبيل استقلاله)، وأوصى المؤتمر أخيرا: (بتشكيل حكومة جزائرية بعد التشاور مع الحكومتين التونسية والمغربية - المراكشية).
واقترح المؤتمر تشكيل مجلس استشاري مغربي، يعقد
стр. 3053
جلسات منتظمة ويدرس القضايا المتعلقة بالمصلحة المشتركة، ويتخذ التوصيات الضرورية بشأنها، كما أوصى بعقد اجتماعات لزعماء (البلدان الثلاثة) لدراسة تنفيذ التوصيات التي يتخذها المجلس الاستشاري، وأوصت الأحزاب المشتركة حكوماتها: (بأن لا تعالج القضايا المتعلقة بمصير الشمال الأفريقي في ميدان العلاقات الخارجية والدفاع، بصورة فردية، وقبل أن يتم وضع الدساتير الاتحادية الفيدرالية). ولقد كان هذا القرار الهام بالنسبة (لجبهة التحرير الوطني) التي لم تكن قد اتخذت الشكل الشرعي للحكومة بعد، قيمة كبرى، إذ أكد حقها بأن يتم الرجوع اليها واستشارتها في العلاقات الأفريقية الشمالية مع البلاد الأخرى ولا سيما فرنسا (*)، وقرر المؤتمر إقامة أمانة عامة دائمة تضم ستة أعضاء يمثل كل اثنين منهم بلدا من البلاد المشتركة، على أن يكون لها مكتبان أحدهما في الرباط والآخر في تونس، وقد اختارت جبهة التحرير زعيمين لتمثيلها في جهاز الأمانة العامة وهما (أحمد بو منجل وأحمد فرنسيس)، واستنكر المؤتمر (وجود القوات الأجنبية) في شمال أفريقيا، وطالب بأن تتوقف القوات الفرنسية فورا عن استخدام الأرض المغربية والتونسية كقواعد للعدوان على الشعب الجزانري وأخيرا، أعلن المؤتمر: (بلسان شعوب
стр. 3054
شمال أفريقيا الممثلة في المؤتمر استنكاره لموقف تلك الدول التي تزود فرنسا بالعون، الذي لا يؤدي إلا إلى خسارة هذه الدول لصداقة الشعوب المشار إليها). وأعرب القرار عن الأمل في (أن تتخلى تلك الدول عن تلك السياسة التي تنزل الكوارث بالسلاح والتعاون العالميين) ثم وجه (نداء سريعا وجديا إلى هذه الدول لوقف كل عون سياسي وعسكري يؤدي إلى استمرار الحرب الاستعمارية في المغرب العربي)، وقد هللت جبهة التحرير لقرارات (مؤتمر طنجة) بحماسة بالغة.
واجتمع ممثلو الحكومتين التونسية - والمغربية، و (لجنة التنسيق والتنفيذ) الجزائرية في منتصف شهر حزيران - يونيو - عام ١٩٥٨ في (بلدة المهدية) في (تونس) لتنفيذ توصيات مؤتمر طنجة، وبحث المجتمعون في التعاون السياسي والديبلوماسي ولكن تأليف حكومة الجزائر قد تأجل، وإن كان المؤتمر قد أكد حق الشعب الجزائري في السيادة والاستقلال.
...
واجه مؤتمر (المهدية) مشكلة تعتبر من أخطر المشاكل العسكرية والنفسانية التي ظهرت طوال الحرب الجزائرية، وكان الجيش الفرنسي والمستوطنون في الثالث عشر من أيار - مايو - عام ١٩٥٨، قد تحدوا سلطات باريس وألفوا لجنة للأمن العام، وتسلسلت الأحداث بعد ذلك مما أسفر عن مجيء الجنرال (ديغول) إلى رئاسة الوزارة الفرنسية في الأول من حزيران - يونيو - وقد طالبت (لجنة الأمن العام) ومؤيدوها بالاتحاد التام بين فرنسا والجزائر، وبالتفاهم بين الفرنسيين والجزائريين. وعلى الرغم من أن الجنرال ديغول لم يرفض الحركة الداعية إلى الإدماج عن طريق
стр. 3055
التكامل، إلا أنه اقترح أن تحتل الجزائر (مكانا خاصا) في كيان جديد يضم فرنسا وممتلكاتها وراء البحار.
قام (ديغول) في شهر آب (أغسطس) بجولة طاف بها ممتلكات ما وراء البحار، وعرض عليها الاستقلال، إما فورا عن طريق اقتراع سلبي في الاستفتاء الدستوري الذي تقرر إجراؤه في ٢٨ أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨ أو في أي وقت تشاء بعد الانضمام إلى المجموعة الفرنسية - الأفريقية. ولكن (الجزائر) لم تعط هذا الخيار، وانما تقرر أن تشترك في الاستفتاء وما يتلوه من انتخابات، على أن يجري البحث (في البقية) مع الممثلين الذين سينتخبون، وكان من المقرر أن تبث نتيجة الاستفتاء في مصير دستور ديغرل للجمهورية الفرنسية الخامسة سواء بالقبول أو الرفض. أما من الناحية العملية، فقد رأى المقترعون الجزائريون أن هذا الاستفتاء يعني الاقتراع على (ديغول) و (السلام)، بينما رأى المستوطنون ورجال الجيش الفرنسي في الاقتراع (بنعم) خطوة نحو دمج الجزائر بفرنسا عن طريق التكامل. وهكذا بدأت (عملية الاستفتاء) على صورة حملة نفسية شاملة قام بها الجيش الفرنسي لحمل أكبر عدد من الجزائريين على الاقتراع (بنعم)، وفي الوقت ذاته على الجيش على تطوير مخططاته العسكرية في محاولة جديدة للقضاء على الثورة.
لقد جاءت معركة الاستفتاء، بعد أربع سنوات من الحرب، لتصعد بقضية ولاء الجزائريين لفرنسا حتى الذروة. ومع مضي أيام الصيف، كان الجيش الفرنسي، وقد قبض عسكريا وسياسيا على زمام البلاد بقوة وعنف، يحاول استخدام كل سلاح نفسي للتأثير على الاقتراع، وكان التزام الجيش (لتحالف الثالث عشر من أيار)
стр. 3056
عميقا كل العمق، على الرغم من اختلاف دوافعه عن دوافع المستوطنين. فبعد أن مني الجيش بهزائم متعاقبة في العام (١٩٤٠) لحقت به هزائم أخرى في الهند الصينية (فييتنام) و (السويس) حيث كان الجنرال (جاك ماسو) ذاته يقود قوات المظليين، ورأى الآن في الجزائر فرصته الأخيرة للنصر ولاستعادة الهيبة والثقة بالنفس. ولم يكن للجيش أي برنامج سياسي للجزائر باستثناء شيء واحد، وهو أن لا تتكرر الهزيمة، وقد اضطر في حرب الجزائر المتقطعة إلى الاقتتال مع أساليب حرب العصابات التي تعتمد على مبدأ (اضرب واهرب) في مناطق جبلية وعرة، ومستخدما في حربه ضد الثوار أحدث أسلحة حلف الأطلسي. وأدى الافتقار إلى الأمن، وانتشار أعمال التدمير في جميع أنحاء البلاد، إلى تجزئة قواته ونشرها في كل مكان لحماية كل مزرعة وكل مركز وكل مصدر للمياه، وكل شبكة للخطوط الحديدية، وقد لجأ في مجابهة أعمال العنف في المدن إلى ممارسة أبشع أنواع القمع والإرهاب ضد المدنيين؛ بحجة تعذيب المشبوهين للحصول على المعلومات، ولم تؤد هذه الأساليب إلى استنكار الأحرار من الفرنسيين فحسب، بل إلى (أزمة ضمير) على المستويات العليا في الجيش ذاته، ولقد شرح ليبيرالي فرنسي كاثوليكي هذا الموقف بقوله:
(... لقد اقترع البرلمان الفرنسي على منح الصلاحيات الكاملة - لروبرت لاكوست - وزير الجزائر، الذي أصدر أوامره بدوره إلى - الجنرال ماسو - قائد المظليين في الجزائر بإعادة النظام إلى البلاد بكل الوسائل التي يراها مناسبة، وبضمنها التعذيب، دون إعطائه أوامر خطية تنص على ذلك. وهكذا وجد الجيش نفسه
стр. 3057
منغمسا في السياسة والاجراءات، وهو تحول سيؤدي حتما إلى نكسة جديدة يمنى بها الجيش، وإلى إذلال آخر. وقد اهتبل الجيش فرصة الأزمة الوزارية الطويلة، وغياب السلطة الشرعية المألوفة في شهر أيار - مايو - يحاول الحصول على تلك الضمانة، وكان الجيش يرى أن السبيل الذي لجأ إليه مفهوم كل الفهم).
وهكذا، وفي تلك الذروة العاطفية التي صحبت أحداث الثالث عشر من أيار - مايو - والأيام التي تلته، تعلق الجيش بحبل سياسة الدمج، وهي سياسة ذات تاريخ طويل، وعدد مختلف من المعاني؛ إذ أنها تعني بالنسبة إلى الكثيرين من ضباط الجيش مساواة غامضة بين جميع الجزائريين على الرغم من أن معاملة الجزائريين على قدم المساواة مع المستوطنين الأوروبيين قد تسفر عن نتائج لم تدرس الدراسة الكافية، وهي تعني أيضا سياسة التآخي، وسد تلك الثغرة النفسية التي اتسعت وعمقت إبان الثورة. وعندما قبض رجال الجيش على ناصية الحكم، اعتقد الكثيرون منهم أن واجبهم غدا في إكمال تلك (الرسالة التحضيرية - التمدينية) التي فشلت فرنسا في أدائها طوال الأعوام التي انقضت منذ احتلالها للبلاد في العام (١٨٣٠)، وآمن البعض منهم أيضا أنهم يقفون في الخط الأمامي من النضال ضد الشيوعية، زاعمين أن جبهة التحرير، وهي التي تتبع الأساليب التقليدية في الحروب الثورية هي آلة في يد الشيوعية، إن لم تكن شيوعية في حد ذاتها. وقد تأثرت نظرة الجيش إلى الثورة الجزائرية، بالتجارب المريرة التي تعرض لها عدد كبير من ضباطه إبان حرب الهند الصينية، لا سيما وأن الكثيرين منهم كانوا قد قضوا عدة سنوات في أمر الفييتناميين، وبالأعمال التي تتعلق بالخدمات الاجتماعية التي مروا
стр. 3058
بها أيضا، والتي جعلتهم على اتصال بأكثر الطبقات الجزائرية بؤسا وفقرا، لا سيما وأن الجماهير الغالبة من الطبقة المختارة كانت قد انضمت إلى الجبهة.
جاءت نتائج الاستفتاء طبقا للأرقام التي نشرها الفرنسيوف (٩٦،٥) في المائة أجابوا (نعم) و (٣,٥) بالمائة أجابوا (لا). وهذه النسبة تشير إلى تقسيم الأصوات إلى (صالحة) و (غير صالحة) ولكنها لا تتحدث عن القصة كلها؛ فقد تم تسجيل (٤,٣٣٥،٠٠٩) من الناخبين اقترع منهم (٣,٤٤٥,٠٦٠). وكان بينهم (٣،٤١٦،٠٨٨) أصواتهم صالحة اقترع منهم (٣,٢٩٩,٩٠٨) بنعم و (١١٥،٧٩١) بلا.
إننا إذا ما تطلعنا إلى أرقام النسجيل التي تضم طبعا جميع المستوطنين الصالحين للاقتراع والجنود الفرنسيين، يتضح لنا أن هناك عددا كبيرا من الجزائريين لم يسجلوا في القوائم الانتخابية قد يبلغون المليون، لأنهم تمكنوا من تجنب التسجيل على الرغم من جميع محاولات الفرنسيين وقيام الضباط شخصيا بزيارة القرى لتسجيل المقترعين، وهؤلاء الذين لم يسجلوا، لم يكونوا جميعا من أعضاء جيش التحرير الوطني، بل جزائريين يعارضون الحكم الفرنسي. وهكذا تظهر هذه الأرقام أيضا أن أكثر من مليون شخص من الذين سجلوا لم يقترعوا أيضا، وجميع هؤلاء من الذين لو اقترعوا لقالوا (لا)؛ إذ أنهم كلهم من الجزائريين، وتكون نتيجة أرقام الفرنسيين أنفسهم أن أكثر من مليوني جزائري، أي أكثر من نصف عدد الذكور البالغين قد تمكنوا من إظهار معارضتهم للنظام الاستعمار الفرنسي، بشكل أو بآخر.
لم تحاول (جبهة التحرير الوطني) أن تهتم (بلعبة الأرقام)
стр. 3059
هذه منذ البداية، بل أعلنت استنكارها للاستفتاء على أنه تزييف للنظم الديموقراطية، وكما وقع في معركة (مدينة الجزائر - ذاتها)، فإنه لم تكن كفتا الميزان في معركة الاستفتاء متعادلتين، ذلك لأن وطأة ضغط الجيش الفرنسي وقعت على المدنيين من الجزائريين، وهم أقل قدرة على المقاومة والاحتمال، وكان على (جيش التحرير الجزائري) أن يختار بين أحد أمرين، إما أن يستخدم القوة لمنع الشعب الجزائري من الاشتراك في الاستفتاء، أو أن يسمح لهم باتخاذ موقف (عمل ما يمكن عمله) ليجنبهم عنف الجيش الفرنسي وإرهابه، وقد ترك جيش التحرير الوطني الجزائري اتخاذ القرار النهائي للقادة المحليين، وبالطبع، آثر الكثيرون منهم عدم اتخاذ أي إجراء عسكري، فجاءت نتيجة الاستفتاء الظاهرة، بانتصار الفرنسيين شيئا مؤلما لهم.
لم تكن (جبهة التحرير الوطني) - بدهيا - فانطة كل القنوط من نتائج معركة الاستفتاء؛ فمنذ اللحظة الأولى التي تولى فيها الجنرال (ديغول) السلطة، قامت جبهة التحرير بتخظيط استراتيجية دقيقة تستهدف إعلاء مكانتها، وتوطيد دعائم ثقة الجزائريين، بقدرتها على مقاومة أية حكومة فرنسية مهما كانت قوية. وفتحت (جبهة التحرير الوطني) في شهر آب - أوت - (جبهة قتال) ثانية في فرنسا ذاتها، ووقعت سلسلة من الهجمات الرائعة على المؤسسات العسكرية والبوليسية، والأهداف الاقتصادية بما في ضمنها مخازن النفط ومستودعاته، مما أشار إلى قوة جبهة التحرير الوطني في الأرض الفرنسية ذاتها، وأدى اعتقال عدد كبير من العمال الجزائريين وتعذيبهم الى توسيع الخلاف بين الفرنسيين وشعب المغرب العربي - الإسلامي.
стр. 3060
الفصل الثاني
١ - تشكيل الحكومة المؤقتة.
٢ - أول بيان للحكومة المؤقتة.
٣ - الاعتراف بالحكومة المؤقتة.
آ - بيان البلدان التي اعترفت بالدولة الجزائرية وبحكومتها.
ب - الجزائر والأمم المتحدة.
ج - الجزائر والندوات الدولية الكبرى.
٤ - الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، ونقض معاهدة الأطلسي.
стр. 3061
١ - تشكيل الحكومة المؤقتة
ظهر في النهاية أن اللحظة قد غدت مؤاتية، وفي التاسع عشر من أيلول- سبتمبر - ١٩٥٨، أعلن المجلس الوطني للثورة الجزائرية في كل من القاهرة والرباط وتونس، تأليف الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وقد ضمت الحكومة عددا من الزعماء السياسيين والعسكريين المعروفين بالإضافة إلى عدد من العسكرين والمنظمين في داخل الجزائر، من الذين لم يكن يعرف العالم الخارجي شيئا عنهم.
وتشكلت الحكومة المؤقتة على النحو التالي:
فرحات عباس: رئيس الوزراء.
أحمد بن بللا: النائب الأول لرئيس الوزراء (معتقل).
كريم بلقاسم: وزير الدفاع ونائب رئيس الوزراء.
محمد الأمين دباغين: وزير الشؤون الخارجية.
الأخضر بن طوبال: وزير الشؤون الداخلية.
محمود شريف: وزير التسلح والتموين.
عبد الحفيظ بوصوف: وزير المواصلات.
عبد الحميد المهري: وزير شؤون شمال أفريقيا.
стр. 3062
أحمد فرنسيس: وزير الاقتصاد والمالية.
محمد يزيد: وزير الاستعلامات.
بن يوسف بن خده: وزير الشؤون الاجتماعية.
أحمد توفيق المدني: وزير الشؤون الثقافية.
حسين آية أحمد: وزير دولة (معتقل).
رابح بيطاط: وزير دولة (معتقل).
محمد بوضياف: وزير دولة (معتقل).
محمد خيضر: وزير دولة (معتقل).
الأمين خان: وزير دولة.
عمر صديق: وزير دولة.
مصطفى اسطمبولي: وزير دولة.
ما أن أعلن عن تشكيل الحكومة، حتى أوضحت هذه الحكومة أن مقرها النهائي سيكون على الأرض الجزائرية، وأنه حتى يتيسر لها ذلك، فإن الوزارات المختلفة ستتخذ مقرات لها في عواصم الدول الصديقة. وجاء تأليف الحكومة باعثا قويا للروح المعنوية عند المجاهدين الجزائريين؛ فقد تحققت لهم الشرعية الآن، وحلت إلى حد ما مشكلة تمثيل جبهة التحرير للشعب الجزائري، وقد تجاهلت حكومة ديغول الفرنسية هذا التطور الجديد للسيادة الجزائرية، ولم تمض سوى أشهر قليلة حتى كانت (الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية) قد حصلت على اعتراف عدد كبير من دول العالم.
стр. 3063
٢ - أول بيان للحكومة المؤقتة
أول تصريح للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (*)
٢٦ أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨.
لقد أعلن يوم ١٩ سبتمبر - ١٩٥٨ عن تشكيل حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية، وإن هذا الإعلان الذي تم باسم شعب يكافح منذ أربع سنوات من أجل استقلاله، يعيد الدولة الجزائرية التي حذفتها من الخريطة السياسية لشمال أفريقيا، صروف الاحتلال العسكري الذي تم سنة (١٨٣٠).
وهكذا وضع حد لأبشع اغتصاب وقع في القرن الماضي، والذي أراد أن يحرم شعبا من جنسيته، وأن يحيده عن مجرى تاريخه، وأن يحرمه من وسائل عيشه، وأن يجعله بقايا من إنسان، وهكذا انتهى ليل طويل من الأساطير ومن الزيف، كما انتهى زمن الاحتقار والإهانة والعبودية، وإن شعبا لم يتخل ولو مرة واحدة طوال (١٢٨) سنة من الهيمنة على
стр. 3064
الطريق الى الحرية
стр. 3065
شخصيته، والذي تعرض لهزائم دامية من غير أن يرضخ أبدا، ولم يغير أسلوب حياته اليومية، طوال حياته، والذي حافظ على ثقافة ماضيه وعلى تقاليده وعلى لغته وعلى حضارته، إن هذا الشعب له الحق في الاحترام والحرية، ولأن هذه الحرية بقيت عبر الأجيال المثل الأعلى الذي تناقلته، فقد وقعت في أول نوفمبر - ١٩٥٤ - انتفاضة جديدة وعنيفة هذه المرة؛ لقد نهض الشعب الجزائري ليؤكد، والسلاح بيديه، حقه المشروع في الاستقلال وفي الحرية وفي الكرامة.
إن شعبنا يكافح منذ أربع سنوات، وهو يواجه واحدا من أكبر جيوش العالم، وقد سقطت أكثر من ستمائة ألف ضحية على طريق الحرية الطويل، وإن شعبنا الخاضع لسلطة العنصريين الاستعماريين يتعرض كل يوم للتعذيب والتقتيل، غير أنه بني على الرغم من آلامه وآلاف شهدائه، صامدا في عقيدته، وفي إيمانه بالتحرير القريب. وإن جيشنا للتحرر الوطني، وبالرغم من إمكاناته المحدودة، يواجه ببسالة جيشا فرنسيا مجهزا بعتاد عصري قوي، وبالمدفعية وبالطائرات وبالبحرية، وإن هذه البطولة وهذه الشجاعة وهذه التضحيات العديدة، وبكلمة واحدة، فإن العزيمة الجماعية، هي التي تمنح شرعية الحكومة.
إن أول واجبات الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، تتمثل في الإشادة بهذا الشعب الجزائري الشهيد الذي تعرض لأشد المحن في سبيل ميلاد الجمهورية الجزائرية الحرة وحياتها، وهذه الإشادة موجهة أيضا وبالحماسة ذاتها إلى جيش التحرير الوطني المظفر الذي وضع بفضل شجاعته وتضحياته قضية الثورة الجزائرية، نهائيا، على طريق النصر.
стр. 3066
والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تترحم بتأثر، في هذه الأوقات التاريخية، على أرواح كل الشهداء الجزائريين، والذكرى الخالدة لأولئك الذين قتلوا بكل وحشية، والذين قلب اغتيالهم الرهيب بخبث - ولؤم - إلى (فرار) أو (محاولة فرار) أو إلى (انتحار) وكأنه أريد أن تضاف اللعنة الكبرى لتضحيتهم الكبرى.
فالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تعاهدهم على أن تبقى وفية لمثلهم في الحرية وفي العدالة وفي الترقية الاجتماعية، والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية النابعة عن إرادة الشعب، شاعرة الآن بسمؤولياتها، وهي ستضطلع بها كاملة، وهي تضع على عاتقها قبل كل شيء أن تقود الشعب وجيشه حتى التحرر الوطني، تعطي الكلمة للشعب الذي سيرجع إليه وحده صنع مؤسسات الدولة الجزائرية، فبتبنيه للثورة قد أعرب أمام العالم أنه يرغب في جمهورية ديموقراطية واجتماعية.
إن الشعب الجزائري هو شعب مسالم، وإن الاستعمار هو الذي دفعه إلى حمل السلاح بعد أن نفذت كل الوسائل السلمية لاسترجاع حريته واستقلاله، كما أن زيف (الجزائر الفرنسية) وفكرة (الإدماج) الوهمية، لم يكن لها أي أساس سوى سياسة القوة، فالجزائر ليست فرنسا، والشعب الجزائري ليس فرنسيا. أما الزعم - أو الادعاء - بفرنسة بلادنا فإنه يشكل أمرا فظيعا، وعملية في غير عصرها، وإجراما يدينه ميثاق الأمم المتحدة. وإن إجبار الجزائريين أن يوافقوا - عن طريق استفتاء - على المؤسسات الفرنسية البحتة، يعتبر استفزازا لا يحتمل ضد شعب يكافح من أجل استقلاله الوطني. إن الاستعماريين الفرنسيين المنتخبين في هياكلهم الامبريالية والعنصرية يحلمون بالماضي، ويريدون بحرب
стр. 3067
الجزائر الإبقاء على جريمة سنة (١٨٣٠)، والمحافظة على سيطرتهم. إن هذا الوقت قد مضى وانقفضى، ولم يعد لأية أمة مهما بلغت قوتها أن تفرض قانونها على أمة أخرى، وهذا يعني أن القوة ستبقى عاجزة أمام إرادة الجزائريين الجماعية. في بناء وطنهم وفي الاتصال من جديد بتاريخهم، وهذا يعني أيضا أنه لن يضع السلاح إلا عندما يعترف بحقوقه كشعب له سيادته. إن الجزائر في هذا الكفاح لم تعد وحدها، وعلى المسؤولين الفرنسيين أن يفكروا بأن هناك خلفنا تونس والمغرب اللذين ارتبط مصيرهما بمصيرنا عبر العصور، ومن المنطقي أن تكون الجزائر جزءا لا يتجزأ من المغرب العربي، وأن تبني مع هذين البلدين اتحاد أفريقيا؛ فندوة (طنجة) أصبحت تاريخية، والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، ستبقى وفية لروح هذه الندوة، لأنها مقتنعة كل الاقتناع أنها الحل الوحيد لتقديم حلول ملائمة للقضايا المطروحة علينا، فهي تفتح أمامنا آفاقا على مستوى العالم العصري.
وهناك أيضا التراث الرائع للحضارة العربية - الإسلامية، فالشعب الجزائري المتعلق بحضارته ينتمي إلى الوطن العربي، فهذا الوطن واحد، ومن الخطأ السياسي محاولة تقسيمه؛ فلا يمكن أن نؤكد الصداقة للعرب في تونس وفي الرباط وفي بيروت،
وأن نضربهم في الجزائر أو في القاهرة أو في بغداد، فالتضامن العربي ليس كلمة جوفاء، فبفضل التضامن الفعال لهذه الشعوب الشقيقة وحكوماتها، أصبح الشعب الجزائري قريبا من بلوغ هدفه، وإذا كانت هناك حاجة للاعتراف بالشكر فيما بين الأشقاء، فإن الشعب الجزائري يعترف بجميل الشعوب العربية عرفانا كبيرا.
стр. 3068
نذكر أيضا جميل البلدان المتحررة (مؤتمر أكرا) والشعوب التي لا تزال مقيدة - بأغلال الاستعمار - في القارة الأفريقية الشاسعة والتي تتطلع إلى استقلالها، فهي في وقت حاسم من مصيرها. وتحيي (الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية) شعوب أفريقيا ومدغشقر التي تربطها بالشعب الجزائري وحدة في الآلام وفي الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، فالأفارقة، والمالاغاشون، والجزائريون سيتعاونون بالإيمان الذي يتطلبه التحرر، وترقبه القارة الأفريقية.
وتقف (آسيا) مع الجزائر، كما تقف معها كل الشعوب التي هزت الهيمنة الاستعمارية، والتي أخذت شيئا فشيئا في الاضطلاع بمسؤوليات السلطة والتقنية العصرية. وفي هذا الصدد فإن الاعتراف بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية من قبل (جمهورية الصين الشعبية) والذي سيتبعه اعتراف دول آسيوية أخرى، هذا الاعتراف له مدلوله الخاص، فلكل الشعوب التي جمعها (مؤتمر باندونغ) حول حق الشعوب في تقرير مصيرها، توجه الجزائر المكافحة شكرها، وتؤكد لها في الوقت ذاته تمسكها بمبادىء باندونغ، وعرفانها بالجميل على المساعدة المادية والمعنوية التي قدمت لها، كما نوجه شكرنا أيضا إلى هؤلاء الرجال من خيرة أبناء وطنهم، إلى هؤلاء الديموقراطيين من الفرنسيين والذين ما انفكوا في أوروبا وفي أمريكا يؤيدون قضيتنا العادلة بحرية في التفكير تشرفهم، وإن أصحاب (الأفكار الجديدة) هؤلاء، هم بناة إنسانية خالية من كل روح للسيطرة، وإنهم - بأفكارهم - يدينون من غير تحفظ كامل النظام الاستعماري، وهؤلاء الرجال الذين ينتمون إلى كل العقائد والأصول، جلهم من أصدقائنا وحلفائنا.
стр. 3069
وإذن، فللشعب الجزائري مساندة قوية ومتينة، وهو لا يقوم بالحرب من أجل الحرب، وهو ليس عدوا للشعب الفرنسي، ولكنه عدو للاستعمار فحسب. غير أن الصداقة بين الشعوب لا يمكن أن تفهم إلا في إطار احترام حرية وسيادة كل واحد منها، ولقد أكدنا دائما رغبتنا في الوصول إلى حل سلمي للقضية الجزائرية عن طريق (المفاوضات)، فرفض الحكومة الفرنسية المتعنت لأية مفاوضات هو وحده سبب استمرار الحرب، فمعنى ذلك أنه بالإمكان وضع حد بكل سرعة لحرب الجزائر إذا رغبت في ذلك الحكومة الفرنسية، وإن (الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية) مستعدة من جانبها لإجراء المفاوضات، ولذلك فهي مستعدة في كل وقت للاجتماع بممثلي الحكومة الفرنسية، فوجود فرنسيين وأوروبيين في الجزائر لا يشكل عقبة مستعصية على الحل. ومهما يكن من أمر، فإن الجزائر بعد خروج الاستعماريين منها لن تعرف لا مواطنين متفوقين، ولا مواطنين ناقصين، فالجمهورية الجزائرية لن تقوم بأية تفرقة تقوم على الجنس أو العقيدة بين أولئك الذين يريدون أن يبقوا أبناء لها، ولسوف تمنح ضمانات أساسية حتى يكون كل المواطنين من كل المستويات شركاء في حياة البلاد، وستحترم كل الحقوق المشروعة. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن استقلال الجزائر لن يشكل أبدا عقبة أمام إقامة علاقات جديدة بين فرنسا والجزائر، وستكون هذه العلاقات مثمرة إذا اعتمدت على احترام سيادة كل من البلدين. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الاستقلال سيكون وحده الكفيل بأن يفتح آفاقا جديدة أمام التعاون بين البلدين.
لقد سجلت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية منذ الإعلان عنها بكل ارتياح الاعتراف بها من طرف عدد من الدول
стр. 3070
الكبرى وهي تشكرها على ذلك بكل حرارة، وستعترف بها غدا دول أخرى، ولكل هذه الدول الكبرى نعلن أن حكومتنا شاعرة بمسؤولياتها في المجال الدولي، وأنها ستحترم مبادىء ميثاق الأمم المتحدة، ونتبنى التصريح العالمي حول حقوق الإنسان وستبقى هذه المبادىء أساس سياسة الجمهورية الجزائرية الذي لا مساس به، كما ستوجه عمل حكومتنا.
وفي هذا الميدان، فإن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، ستقبل بارتياح كبير كل مبادرة دولية تهدف إلى تطبيق الإجراءات الإنسانية لاتفاقية جنيف في حرب الجزائر، كما ستقبل كل مبادرة ترمي إلى تدعيم السلام في العالم، وإلى إيقاف التسابق في التلسح وإلى منع التجارب النووية في العالم التي تريد فرنسا أن تمدها إلى الأرض الجزائرية.
وبودنا في نهاية هذا التصريح أن نذكر بأن استمرار حرب الجزائر يشكل تهديدا مستمرا على السلام العالمي، وإننا نوجه نداء مسلحا لكل الرجال، ولكل الشعوب ليضموا جهودهم إلى جهودنا من أجل وضع حد لهذه الحرب الدامية من أجل الاحتلال الاستعماري من جديد.
ونأمل كل الأمل أن يكون هذا النداء مسموعا.
***
стр. 3071
٣ - الاعتراف بالحكومة المؤقتة
بينما كان يعلن في كافة أرجاء الجزائر عن قيام الجمهورية الجزائرية وتشكيل حكومتها المؤقتة، يوم الجمعة التاسع عشر من أيلول - سبتمبر - عام ١٩٥٨، كان الرئيس (فرحات عباس) في القارة، واثنان من وزرائه أحدهما في (تونس) والآخر في (الرباط) يقومان بهذه المهمة وفي الساعة ذاتها. وفي ردهة (مبنى الجزائر) الكائن بمديرية التحرير بالقاهرة، حيث جرى الاحتفال بحضور عدد كبير من محرري الصحف والمصورين، وجمهور يتأجج حماسة غصت به البناية، وامتلأت به شوارع الحي، نهض سفير العراق بالقاهرة، بعد أن أنهى الرئيس (فرحات عباس) كلمته ليعلن:
(إن الحكومة العراقية قد اعترفت على الفور بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية) فكان اعتراف العراق هو أول اعتراف رسمي بالحكومة المؤقتة وبالجمهورية الجزائرية.
...
وعلى هذا النحو جاء اعتراف المملكة العربية السعودية التي أرسل ملكها إلى الرئيس (فرحات عباس) برقية في اليوم ذاته جاء
стр. 3072
فيها: (إنني أهنىء سيادتكم بقيام الجمهورية الجزائرية، وإنه ليسرني أن أفيد سيادتكم باعتراف حكومة المملكة العربية السعودية شقيقتها الجمهورية الجزائرية).
...
ومن المغرب تلقى الرئيس (فرحات عباس) برقية يوم ٢٢ أيلول - سبتمبر - جاء فيها ما يلي:
(لي الشرف بأن أنقل إلى علمكم أن مجلس الوزراء المجتمع برئاسة صاحب الجلالة ملك المغرب - مراكش - قد قرر في التاسع عشر من أيلول ١٩٥٨، الاعتراف بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية).
رئيس الوزراء ووزير الخارجية - أحمد بلفريج.
...
وقدم سفير السودان في القاهرة إلى الرئيس (فرحات عباس) وثيقة الاعتراف التي تضمنت:
(تهدي سفارة السودان بالقاهرة أطيب تحياتها إلى رئيس وأعضاء الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، ويسرها أن تنهي إليهم أن مجلس الوزراء السوداني قد عقد جلسة خاصة وقرر الاعتراف بحكومة الجزائر الحرة) - القاهرة ٢٢ من أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨.
...
وتضمنت وثيقة اعتراف المملكة الاردنية الهاشمية الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ما يلي:
(أرجو أن تقبلوا دولتكم باسمي، وبالنيابة عن حكومة المملكة الاردنية الهاشمية والشعب الاردني، أحر تمنيات الخير والتوفيق
стр. 3073
لحكومتكم الموفرة)؛ في ٢٢/ ٩/ ١٩٥٨ -
رئيس الوزراء: سمير الرفاعي
...
ومن ليبيا، صدرت وثيقة الاعتراف عن (بنغازي) بتاريخ ١٩ من أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨ وفيها: (يسعدني جدا أن أبادر بإبلاغ سيادتكم قرار الحكومة الليبية بالاعتراف بحكومة الجزائر باعتبارها الحكومة الشرعية للشعب الجزائري المجاهد)
رئيس الوزراء ووزير خارجية ليبيا: عبد المجيد كبار.
...
وتلقى رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية الإشعار الآتي من وزير الشؤون الخارجية اللبنانية، وذلك في يوم ١٥ كانون الثاني - يناير - ١٩٥٩:
(يسرني أن أؤكد لدولتكم مضمون البرقية التي تشرفت بإرسالها لكم لإبلاغكم اعتراف لبنان بحكومة الجزائر المؤقتة وهذا نصها: قررت الحكومة اللبنانية اليوم الاعتراف قانونيا بحكومة الجزائر المؤقتة).
...
أما وثيقة اعتراف الحكومة الاندونيسية بالحكومة الجزائرية فجاء فيه ما يلي:
(إن الأسس والدواعي التي دفعت أندونيسيا للمبادرة بالاعتراف بالحكومة الجزائرية قد تضمنها البيان الرسمي الذي أصدرته حكومة الجمهورية الاندونيسية في جلسة طارئة لمجلس الوزراء في ٢٧ - أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨، وبإعلان استقلال الجزائر الذي أذيع في القاهرة في يوم ١٩ - أيلول - سبتمبر ١٩٥٨، فمن الطبيعي أن
стр. 3074
ترحب أندونيسيا ترحيبا حارا بقيام هذه الحكومة الجديدة. إن الحكومة الأندونيسية تؤمن بأن ميثاق الأمم المتحدة ومبادىء مؤتمر باندونغ العشرة ستفتح مجالا للدولتين وهما الجزائر وفرنسا لتعيدا علاقاتهما التي كانت قائمة على أسس استعمارية إلى علاقة بين دولتين مستقلتين تقوم على مبادىء القانون الدولي والعرف الدولي. إن قرار الحكومة الأندونيسية بالاعتراف بحكومة الجزائر المؤقتة يتفق مع رغبة الشعب الاندونيسي المناهض للاستعمار كما يتفق مع سياسة الحياد الايجابي التي تتمسك بها أندونيسيا).
...
وصدرت عن (هانوي) وثيقة الاعتراف بالحكومة الجزائرية في يوم ٢٦ أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨:
(لي الشرف بأن أشعركم أن حكومة جمهورية فييتنام الديموقراطية قد اتخذت قرارها للاعتراف بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بوصفها الحكومة الوحيدة القانونية والممثلة الشرعية لشعب الجزائر) - الرئيس (فان - دونغ) (*).
...
أما الاتحاد السوفييتي - فقد جاء في مجرى تصريح أدلى به الرئيس (نيكيتا خروشوف) يوم ٨ تشرين الأول - أكتوبر - ١٩٦٠ وتضمن ما يلي: (يمكن اعتبار اجتماعاتنا - في غلنكوف قرب نيويورك .. ومحادثاتنا مع ممثلي الحكومة المؤقتة الجزائرية على أنها
стр. 3075
اعتراف بأن هذه الحكومة قائمة في الواقع).
...
تلك هي بعض نماذج الاعترافات بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية التي أخذت على الفور بتبادل التمثيل الديبلوماسي مع الدول المختلفة مع تطوير الاتصالات بالهيئات والمنظمات الدولية، وممارسة حق الجزائر في إبرام المعاهدات أو نقضها - وأبرز عمل في هذا المجال هو الانضمام إلى اتفاقيات جنيف ونقض اتفاق معاهدة حلف شمال الأطلسي والتي سيتم التعرض لها في الفقرة التالية نظرا لأهميتها -. هذا وقد أخذت الحكومة الجزائرية فور تشكيلها بممارسة حقها في الإسهام بالمؤتمرات الاقليمية والدولية (المؤتمرات الأفريقية - الأسيوية) علاوة على اشتراكها في الجامعة العربية ومؤتمراتها.
أ- بيان البلدان التي اعترفت بالدولة الجزائرية وبحكومتها (*).
اسم البلد .......... تاريخ الاعتراف
١ - العراق .......... ١٩ - أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨.
٢ - ليبيا .......... ١٩ - أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨.
٣ - المغرب .......... ١٩ - أيلول - سبتمر - ١٩٥٨.
٤ - تونس ........... ١٩ - أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨
стр. 3076
٥ - المملكة العربية السعودية ........... ٢٠ - أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨.
٦ - المملكة الأردنية الهاشمية .......... ٢٠ - أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨.
٧ - ج. ع. م (مصر وسوريا) .......... ٢١ - أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨.
٨ - المملكة اليمنية ........... ٢١ - أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨.
٩ - السودان ........... ٢٢ - أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨.
١٠ - الصين الشعبية ........... ٢٢ - أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨.
١١ - كوريا الشعبية ........... ٢٦ - أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨.
١٢ - فييتنام الديموقراطية .......... ٢٦ - أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨.
١٣ - أندونيسيا ........... ٢٧ - أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨.
١٤ - غينيا ............ ٣٠ - أيلول - سبتمبر - ١٩٥٨.
١٥ - منغوليا الشعبية ........... ١٥ - كانون الأول - ديسمبر - ١٩٥٨.
١٦ - لبنان ........... ١٥ - كانوف الثاني - يناير - ١٩٥٩.
١٧ - ليبيريا ........... ٧ - حزيران - يونيو - ١٩٦٠.
١٨ - التوغو ........... ١٧ - حزيران - يونيو - ١٩٦٠.
١٩ - مالي ........... ١٨ - شباط - فبراير - ١٩٦١.
٢٠ - الكونغو (ليوبولدفيل) ........... ١٩ - شباط - فبراير - ١٩٦١.
٢١ - كوبا ........... ٢٩ - حزيران - يونيو - ١٩٦١.
٢٢ - باكتسان ........... ٣ - آب - اغسطس - ١٩٦١.
٢٣ - أفغانستان ........... ٢ - أيلول - سبتمبر - ١٩٦١.
٢٤ - كمبوديا ........... ٥ - أيلول - سبتمبر - ١٩٦١.
٢٥ - يوغوسلافيا ........... ٥ - أيلول - سبتمبر - ١٩٦١.
٢٦ - غانا ........... ٥ - أيلول - سبتمبر - ١٩٦١.
٢٧ - الاتحاد السوفييتي ........... ١٩ - آذار - مارس - ١٩٦٢.
٢٨ - تشيكوسلوفاكيا ........... ٢٠ - آذار - مارس - ١٩٦٢.
стр. 3077
٢٩ - رومانيا .......... ٢٠ - آذار - مارس - ١٩٦٢.
٣٠ - ألبانيا .......... ٢١ - آذار - مارس - ١٩٦٢.
٣١ - بلغاريا .......... ٢١ - آذار - مارس - ١٩٦٢.
ب - الجزائر والأمم المتحدة
١ - الدورة العاشرة: أيلول - تشرين الثاني (سبتمبر - نوفمبر) - ١٩٥٦.
قررت الجمعية العامة تسجيل القضية الجزائرية على جدول
أعمالها للمرة الأولى، وذلك يوم ٣٠ - أيلول - سبتمبر - بنتيجة حصولها على ٢٣ صوتا ضد ٢٧ صوتا.
٢ - الدورة الحادية عشرة: كانون الثاني - شباط (يناير - فبراير) ١٩٥٧.
تبنت الجمعية العامة يوم ١٥ شباط - فبراير - توصية بالبحث عن حل سلمي وديموقراطي وعادل وفقا لمبادىء ميثاق هيئة الأمم المتحدة.
٣ - الدورة الثانية عشرة: ١٣ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٥٧.
تقديم توصية مشابهة في نصها ومضمونها للتوصية السابقة.
٤ - الدورة الثالثة عشرة:
قدمت توصية من قبل الدول الأفرو - آسيوية في ٩ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٥٨ تنص على:
- الاعتراف بحق الشعب الجزائري في تقرير المصير.
- المطالبة بإجراء مفاوضات بين الطرفين.
وحصلت هذه التوصية على (٣٥) صوتا عوضا عن (٣٦)
стр. 3078
صوتا لتصبح قابلة للتصديق.
٥ - الدورة الرابعة عشرة: (ايلول - كانون الاول) سبتمبر - ديسمبر - ١٩٥٩.
قدم المندوب الباكستاني، بالنيابة عن الكتلة الأفرو - آسيوية (٢٢ دولة) قرارا معتدلا (يستعجل الطرفيين المعنيين للدخول في محادثات لتقرير البدء بأسرع ما يمكن في تنفيذ حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، بما في ذلك شروط وقف إطلاق النار). وقد مر هذا القرار بسهولة يوم ٧ كانون الأول - ديسمبر - وحصل على ثمانية وثمانين صوتا ضد ستة وعشرين (ثلثي الأصوات) وذلك بالرغم من أن الولايات المتحدة لم تكن راغبة في استثارة عداء (ديغول) ولهذا فقد أعطت صوتها ضد القرار، وكذلك فعلت المملكة المتحدة (بريطانيا)، وقاطعت فرنسا الاجتماع بالطبع، لأنها كانت لا تزال متمسكة بزعمها (في أنه لا يحق للهيئة الدولية التعرض لمشكلة تعتبرها فرنسا من شؤونها الداخلية). وعلى كل حال، فقد حدث عندما انعقدت هذه الهيئة في ١٢ كانون الأول -ديسمبر - شيء لا سابقة له في تاريخ الأمم المتحدة؛ فعند قراءة القرار وأخذ الرأي عليه فقرة فقرة بالنداء، لقى تأييدا أكثر من ثلثي الأصوات، ومع ذلك، فعند قراءة القرار وأخذ الرأي عليه في مجموعه بعد ذلك بعدة دقائق، قلبت بعض الوفود موقفها، فأصبحت (باراجواي) معارضة بعد أن كانت موافقة، وكذلك فعلت (أستراليا وأكوادر وهندوراس ولاووس) إذ انتقلت من الامتناع عن التصويت إلى الرفض، بينما ظهرت (نيكارغوا) التي كانت غائبة أثناء دور النداء، لتعطي صوتا آخر بالرفض، وكذلك هزم القرار بما سماه (الوفد الفرنسي) استراتيجية وتعاون فرنسا مع
стр. 3079
مجموعة من أصدقائها. واستنكر الجزائريون وهم يشعرون بالمرارة هذه النتيجة التي جاءت بسبب: (مناورات وضغط حلف الأطلسي الذي وقف بحزم بناء على طلب فرنسا، ضد أي قرار بصرف النظر عن مضمونه ومحتواه). وبتعبير آخر لام الجزائريون الولايات المتحدة لممارستها الضغط على عدد من الدول الصغرى حتى تعطي صوتها بشكل مناسب، غير أن الولايات المتحدة ذاتها لم تستمر في معارضة القرار في الاجتماع العام، على أمل أن تهدىء من غضب الجزائريين، وقد كان لذلك تأثير ضئيل في التخفيف من ثائرة الجزائريين. وفي الوقت ذاته، غضبت فرنسا، إذ كانت تتوقع تضامنا كاملا وواضحا ومستمرا. وكانت حصيلة دورة هيئة الأمم المتحدة، إذن، أن الفرنسيين والجزائريين باتوا وهم أبعد عن الاتصال مما سبق، ونعى الطرفان على واشنطن ضعفها وترددها.
٦ - الدورة الخامسة عشرة: كانون الأول - ديسمبر - ١٩٦٠.
اتفقت المجموعة الأفريقية - الآسيوية على نص مشروع تضمن النقاط التالية:
١ - الاعتراف بحق الشعب الجزائري في تقرير المصير والاستقلال.
٢ - تطبيق حق تقرير المصير بطريقة عادلة، واحترام الوحدة الترابية للجزائر.
٣ - قيام الأمم المتحدة بالإشراف على تطبيق ما نص عليه هذا المشروع.
٤ - إجراء استفتاء في الجزائر، وقيام الأمم المتحدة بتنظيمه والإشراف عليه، مما يسمح للشعب الجزائري بتقرير مصيره
стр. 3080
بنفسه، وقد حظي هذا المشروع على (٦٣) صوتا ضد (٨) وغياب (٢٧) عن الاقتراع.
٧ - الدورة السادسة عشرة: تشرين الثاني - كانون الأول (نوفمبر -ديسمبر) ١٩٦١.
وافقت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة بأغلبية (٦٢) صوتا وامتناع (٣٨) عن التصويت مقابل لا شيء، على لائحة اللجنة السياسية التي تطلب إلى الحكومة الفرنسية والحكومة الجزائرية، استئناف المفاوضات، وذلك من أجل تطبيق حق تقرير المصير، واستقلال شعب الجزائر، في إطار الوحدة الترابية للجزائر.
...
جدير بالذكر أن فرنسا قد حاولت جهد استطاعتها مقاومة الحكومة الجزائرية في كافة مجالات العمل السياسي والديبلوماسي بضراوة لا تضارعها في شدتها إلا مقاومتها للثورة الجزائرية المسلحة؛ فغداة إعلان تشكيل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، الذي كان في الوقت ذاته إعلانا بقيام (الجمهورية الجزائرية) حذرت الحكومة الفرنسية سائر الحكومات التي تتبادل معها العلاقات الديبلوماسية بما قد ينجم عن اعترافها بالحكومة المؤقتة من تعكير لصفو العلاقات بينها وبين فرنسا.
ويمكن القول أن الديبلوماسية الفرنسية أصبحت في حالة استنفار دائم منذ الإعلان عن تشكيل الحكومة المؤقتة للعمل بكل الوسائل، وكافة الأساليب، ومن الضغوط إلى الاحتجاج، بل إنها لجأت إلى التهديد بالشجار أحيانا. ولكن هذه التعبئة الديبلوماسية لم تستطع مع هذا منع الدول العربية العشر من أن تعجل الاعتراف بالحكومة الجزائرية المؤقتة، علما بأن بعضها مثل تونس والمغرب
стр. 3081
كانتا تتبادلان الصلات الديبلوماسية مع فرنسا، ولكي تستر الديبلوماسية الفرنسية فشلها هذا، فإنها أوضحت أن تهديداتها لا تستهدف البلاد العربية التي تشدها إلى الحكومة المؤقتة من (الروابط) ما يضطرها الى الاعتراف بها. وفي الثلاثين من نيسان - أبريل - ١٩٥٩، كان الوزير الفرنسي ما زال يصرح من على منبر الجمعية الوطنية الفرنسية بما يلي: (أريد منذ هذا المساء أن أقول أن الحكومات الصديقة والحكومات الحيادية، والدول المسؤولة، قد أنذرها سفراؤنا، كما دأبت وزارة خارجيتنا على إشعارها بإرادتنا، وبالنتائج التي تترتب على كل مساعدة تبذل من قبلها لحركة التمرد) وفي اليوم ذاته، ذكر رئيس الجمهورية الفرنسية: (بأن فرنسا ستقطع علاقاتها فورا بأية حكومة - رصينة - تعترف بالحكومة الجزائرية المؤقتة). غير أن هذا التصريح أصبح حرفا ميتا بعد الاعترافات التي جاءت بعد ذلك.
ج - الجزائر والندوات الدولية الكبرى:
١ - الندوات المغربية:
تونس (تشرين الأول - اكتوبر) ١٩٥٦.
طنجه (نيسان - أبريل) ١٩٥٨.
تونس (حزيران - يونيو) ١٩٥٨.
المغرب - الرباط (شباط - فبراير) ١٩٦١.
٢ - ندوات الدول العربية:
شتورة (آب - أغسطس) ١٩٦١.
стр. 3082
٣ - ندوات الدول الأفريقية المسقلة:
أكرا - (نيسان - أبريل) ١٩٥٨.
مونروفيا (آب - أغسطس) ١٩٥٩ (*).
أديس أبابا (حزيران - يونيو) ١٩٦٠.
٤ - ندوات شعوب أفريقيا:
أكرا (كانون الأول - ديسبر) ١٩٥٩.
تونس (كانون الثاني - يناير) ١٩٦٠.
القاهرة (آذار - مارس) ١٩٦١.
٥ - ندوات رؤساء الدول الافريقية:
الدار البيضاء (كانون الثاني - يناير) ١٩٦١.
٦ - الندوات الأفريقية - الآسوية:
باندوخ (نيسان - أبريل) ١٩٥٥.
القاهرة (كانون الأول - ديسمبر) ١٩٥٧.
الكونغو (نيسان - أبريل) ١٩٦٠.
٧ - ندوات رؤساء دول عدم الانحياز:
بلغراد (أيلول - سبتمبر) ١٩٦١.
стр. 3083
٤ - الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ونقض معاهدة الأطلسي مذكرة
بشأن نقض معاهدة شمال الأطلسي
من قبل الحكومة المؤقة للجمهورية الجزائرية (*)
موضوع هذه المذكرة:
١ - التذكير بأن الجزائر أدرجت عام (١٩٤٩) في ميثاق الأطلسي دون رضاء الشعب الجزائري.
٢ - تقرير استمرار التدخل العسكري والمالي والديبلوماسي من جانب دول منظمة معاهدة شمال الأطلسي ضد الشعب الجزائري، منذ ست سنوات وحتى اليوم.
٣ - تقرير أن (ميثاق الأطلسي) من شأنه في أية لحظة أن يعرض أمن المغرب كله للخطر. ونتيجة لذلك، فإن المذكرة الحاضرة لا تقضي بفسخ إدخال الجزائر بصورة تعسفية في منظمة حلف شمال الأطلسي وحسب، بل بفسخ ميثاق الأطلسي ذاته من
стр. 3084
جانب الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية.
أولا: إن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، تذكر بادىء ذي بدء بأن الجزائر أدرجت في ميثاق الأطلسي دون رضاء الشعب الجزائري.
لقد قرر ميثاق الأطلس بصورة تعسفية أن (الجزائر فرنسية) وعلى الدوام، ظل هذا الميثاق أداة طيعة للاستعمار.
١ - خرافة (الجزائر الفرنسية) في ميثاق الأطلسي
تنص المادة السادسة من ميثاق الأطلس على ما يأتي: (يعتبر هجوما مسلحا ضد واحد، أو أكثر من الدول الأطراف: الهجوم المسلح على أراضي أية واحدة من هذه الدول في أوروبا أو أمريكا الشمالية، وعلى ولايات الجزائر الفرنسية ...).
وقد استطاع رئيس الحكومة الفرنسية (السيد فيليكس غايار) أن يعلن في إثر مسؤولين آخرين من الفرنسيين في ١٥/ ١١/ ١٩٥٧ من على منبر البرلمان الفرنسي: (إن ميثاق الأطلس يشمل ولايات الجزائر، وأن مادته السادسة صريحة في هذا الشأن، وكل تهديد موجه إلى وحدتها ستتبع التضامن الآلي من جانب حلفائنا). كما أوضح أحد أعضاء الوفد الأمريكي الذي وقع معاهدة شمال الأطلسي، أن هذه المعاهدة تشمل: (ولايات الجزائر الفرنسية الأربع التي تؤلف جزءا من فرنسا من الناحية الدستورية) (*). وهذا
стр. 3085
التصرف التعسفي بإدخال الجزائر في الميثاق قد جاء نتيجة التهديد الفرنسي - بعد أن اصطدم في بداية الأمر برفض الولايات المتحدة التي حاولت أن تسلم بأن الجزائر لم تكن فرنسية -، ولكن الاستجابة لرغبة الحكومة الفرنسية، في آخر المطاف، جعل الشعب الجزائري بأجمعه يشعر بأن إهانة كبرى لطموحه إلى الاستقلال، تعمدت دول الأطلسي أن توجهها إليه علنا. ولهذا السبب، فما أن تم توقيع المعاهدة حتى انبرت جميع الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية تعلن باسم (الشعب الجزائري) اعتراضها على إدخال الجزائر في شمول المعاهدة، وكانت الاجتماعات الكثيرة التي عقدت، والرسائل التي أرسلت إلى الدول المعنية، واعتراضات النواب أثناء مناقشة التصديق على الميثاق، تعبر جميعا أبلغ تعبير عن مشاعر الشعب الجزائري حيال المحتل والدول ذات العلاقة ٠ ولقد قاوم الشعب الجزائري بشدة مزاعم الميثاق الذي حاول أن يكرس دبلوماسيا الطابع الفرنسي المزعوم للجزائر، وأن يدعم فرنسا في ادعاءاتها بأن لها (حقوقا) في الجزائر، وأن يخلد نهائيا الخرافة القائلة بأن (الجزائر فرنسية).
لقد أعلن مقرر المجلس النيابي الفرنسي - السيد رينيه - أثناء مناقشة التصديق على الميثاق: (إن الهجوم الذي يستهدف ولايات الجزائر الفرنسية، يماثل بصراحة النص، الهجوم على أرض فرنسا البرية، ولو كانت هذه الولايات تقع في أفريقيا، وإنا لواثقون أن الأغلبية الكبرى في المجلس، شأنها شأن الأغلبية في لجنة الشؤون الخارجية، سيسرها هذا - الوضوح - الذي لم تحصل عليه الحكومة ومفاوضو الميثاق إلا بشق الأنفس، وستغتبط بأن ترى وجود فرنسا في الولايات الجزائرية، ووحدة الجزائر، معترفا بهما دوليا كعنصر