تنفجر أحيانا. واستشهد منهم نحو المائة رجل من جراء هذه الانفجارات. ولم يعلن الإسبانيون عن خسائرهم، غير أنهم ذكروا بأن مدافعهم قذفت الجزائر بأكثر من (١٥١٥٠) مقذوفا من عيارات مختلفة، لم تصب المدينة بخسائر تذكر.
لم تحقق هذه الحملة أهدافها، وحاولت الإدارة الإسبانية التستر على فشلها الجديد بأنها سترسل حملة أقوى من كل حملاتها السابقة، غير أنها باتت مقتنعة، ومعها العالم المسيحي، أنه من المحال النيل من صمود الجزائر، فجنحت إلى السلام والمهادنة، وأرسل إلى الجزائر مندوبين (هما الكونت داسبلي، والأميرال مازاريدو) بمهمة عقد هدنة، ودارت مفاوضات طويلة انتهت يوم ١٤ حزيران (يونيو) ١٧٨٥ باتفاقية تقضي بإلزام إسبانيا بدفع جزية معينة من المال للجزائر مقابل عدم التعرض لسفنها، وعلى أن تعاملها الجزائر معاملة الدولة المسالمة. غير أن هذه الاتفاقية لم تنفذ بسبب تصميم الإسبانيين على الاحتفاظ بوهران والمرسى الكبير، وبسبب مماطلة الإسبانيين في تنفيذ بقية الشروط (على الرغم من موافقة الحكومة الإسبانية على الاتفاقية). وكان لا بد من استئناف الصراع في البحر، وفي البر أيضا، من أجل إخراج الإسبانيين من فوق تراب الجزائر.
стр. 352
٩ - وأخيرا تحرير وهران
(١٧٩١ م)
لم يتوقف الصراع يوما بين المجاهدين في الجزائر وبين أعدائهم المتمركزين في وهران والمرسى الكبير، وقد أخذ هذا الصراع أشكالا مختلفة بداية من العزل والتطويق وحرمان الحامية الإسبانية من المواد التموينية وحتى الاستنزاف المستمر بطرائق الصراع المسلح. وتعرضت الحامية الإسبانية لنكبات كثيرة، ولمحن صعبة، وكان من أبرز ما جابهته الحامية الإسبانية تلك المعركة التي فرضها عليها حاكم (بايليك الغرب) محمد بن عثمان الكردي - المشهور بمحمد الأكحل لشدة سمرته - حيث أرغمها بعد فترة من الحصار على مغادرة المدينة (سنة ١٧٨٠) والاشتباك في معركة تصادمية خارج الأسوار انتهت بتدمير قسم كبير من الحامية. واستمرت بعد ذلك أعمال الحصار حتى ١٤ أيلول - سبتمبر - ١٧٨٤م. حيث أمكن قطع الماء عن مدينة وهران. ثم تعرضت المدينة للهجوم يوم ٢٦ أيلول - سبتمبر - وأمكن احتلال (البرج الأحمر,) بعد تضحيات كبيرة ومعارك بطولية رائعة. واستمرت عمليات الصراع بين تصعيد وتهدئة، وبين توتر واسترخاء. حتى إذا ما كان ليل ٨ - ٩ تشرين الأول - أكتوبر - ١٧٩٠ حدثت هزة أرضية عنيفة في الساعة الواحدة صباحا واستمرت ولفترة ثلاث دقائق، وانتهت بتدمير وهران تدميرا شبه كامل، وأصيبت الحصون
стр. 353
والقلاع والكنائس بأضرار بالغة. ومات تحت أنقاضها ثلاثة آلاف نسمة من سكانها وجندها - ومن بينهم الحاكم العام الإسباني - بالنيابة - (دون نيكولا غارسيا,) والتهمت النيران بعض السفن والأماكن الأخرى. وزاد من هول الكارثة انطلاق الإسبانيين للنهب والسلب، وهو ما أورده قائد الجيش الإسباني في تقريره للملك والذي جاء فيه: (أن بعض الرجال الذين لا أخلاق لهم، من أصحاب الحياة السافلة - من إسبانيي وهران - قد اغتنموا فرصة هذه الحادثة فامعنوا في نهب الديار الغنية بصفة أفظع مما لو كان العدو قد قام بهذا النهب، ولم يبق للمستعمرين البائسين أي شيء مطلقا. ورغم القسوة التي قابلنا بها هذه الأعمال اللصوصية، والعقاب الصارم الذي أنزلناه بمرتكبيها، فإن الأشقياء لم يرتدعوا، واستمروا في أعمال النهب والسلب). وحدث بعد ذلك مزيد من الهزات الأرضية كان من أقواها ما حدث يوم ٢٢ تشرين الثاني - نوفمبر - ويوم ٦ كانون الثاني - يناير ١٧٩١. ولم يتوقف الصراع خلال ذلك، وتناقص عدد أفراد الحامية الإسبانية حتى بلغ (١٥٢٦) رجلا. تم توزيعهم على أكثر المواقع أهمية، في حين كان بقية الرجال من غير المقاتلين يعملون مع النسوة في إصلاح الحصون وترميم الثغرات التي تحدثها هجمات المجاهدين. وتلقت الحامية الإسبانية على إثر ذلك دعما مكونا من (٧) آلاف مقاتل. واستمرت حروب الاستنزاف طوال فصلي الربيع والصيف من سنة ١٧٩١، تخللتها معارك طاحنة كان من أبرزها معارك ٣ - ٩ أيار - مايو - ومعركة يوم ٥ تموز يوليو -.
عرفت إسبانيا أنه بات من المحال عليها الاحتفاظ بقاعدتي (وهران والمرسى الكبير) وتحولت هاتين القاعدتين إلى عبء يستنزف القدرة الإسبانية، فحاولت الحصول على شروط مناسبة للصلح،
стр. 354
واستمرت المفاوضات مع الجزائرين طويلا إلى أن تم الاتفاق على عقد معاهدة يوم ٩ كانون الأول - ديسمبر ١٧٩١٠ - تضمنت نصوصها ما يلي:
١ - تنسحب إسبانيا من وهران والمرسى الكبير دون قيد أو شرط.
٢ - تدفع إسبانيا لخزينة الجزائر سنويا مبلغ (١٢٠) ألف فرنك (ما يعادل ٢٤٠ ألف دينار جزائري).
٣ - ترجع إسبانيا للجزائر كل المدافع والقنابل والذخائر التي غنمتها عند استرجاعها لوهران والمرسى الكبير.
٤ - تحمل سفينة إسبانية، بصفة رسمية، إلى إستانبول مفتاحين ذهبيين رمز استسلام وهران والمرسى الكبير مع جرتين من ماء عيون (وهران) للخليفة السلطان العثماني، كبشرى بالفتح وتأكيده للرابطة مع دولة الخلافة.
وتقبل الجزائر مقابل ذلك:
١ - أن يكون لإسبانيا مركز تجاري في بلدة (جامع الغزوات).
٢ - وأن تبتاع من البلاد الجزائرية ثلاثة آلاف كيلة من القمح سنويا.
٣ - وأن تباشر صيد المرجان على الساحل الغربي الجزائري.
وبدأت القوات الإسبانية بالانساب يوم ١٧ كانون الأول
стр. 355
- ديسمبر - من تلك السنة، وتم الانسحاب نهائيا، بعد ترك الأسلحة والعتاد المتفق عليه وتسليم المدينة للباي (محمد بن مصطفى) الذي دخلها على رأس المجاهدين الجزائرين يوم ٢٤ شباط - فبراير - ١٧٩٢. وكان أول عمل قام به، بعد تحرير المدينة، هو بناءه للمسجد الكبير - مسجد الباشا - وانصرف لبناء المدينة الخالدة، حتى تستأتف دورها التاريخي.
стр. 356
﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم﴾
(سورة الأنفال - الآية ٧٤).
الفصل الثالث
١ - الجزائر (المحروسة) على طريق البناء والقوة.
٢ - السياسة الاستراتيجية للجزائر.
٣ - المجاهدون والحروب الثوروية الإسلامية.
стр. 357
١ - الجزائر (المحروسة)
على طريق البناء والقوة
لقد فشلت كل المحاولات للنيل من الجزائر المجاهدة، وتحطمت كل أعمال العدوان على صخورها، وغرقت على سواحلها وفي مياهها كل الموجات الصليبية، ولم يكن تحرير وهران والمرسى الكبير أكثر من حلقة في صراع مرير لم يتوقف في يوم من الأيام. وبقيت (الجزائر المحروسة) رائدة للجهاد في سبيل الله، تبني قوتها الذاتية وتقارع أعداءها، وكانت في ذلك كله خيرة معطاءة، فقوتها لها ولكل المسلمين والأعداء هم أعداء لها وأعداء للمسلمين، هكذا كانت أبدا، ومضت الأعوام بعضها يمسك برقاب بعض والجزائر البعيدة عن مركز الخلافة الإسلامية تتبادل معها الدفاع وتنسق معها الجهد، وتحمل معها الأعباء القتالية في البر والبحر. وكانت الجزائر تمارس دورها بحرية تامة، وبمحض اختيارها وإرادتها، إذ لم تكن علاقتها بالخلافة الإسلامية أكثر من علاقة اسمية، فكان الولاة يستقلون بإدارة الجزائر الداخلية تمام الاستقلال، لا تربطهم بالدولة العليا سوى روابط الود والاعتراف بالحماية، وهي رابطة أشبه ما تكون بروابط الأحلاف. بل أن هذه العلاقة أو الرابطة كثيرا ما تترك للجزائر الحرية لانتهاج سياسة خارجية مغايرة لتلك التي تلتزم بها
стр. 358
الخلافة، وعلى سبيل المثال، فقد سبقت الإشارة إلى الموقف الذي اتخذته الجزائر تجاه فرنسا التي كانت قد ارتبطت مع الخلافة العثمانية بمعاهدة (الامتيازات القنصلية) وجاءت الجزائر لترفض منح فرنسا هذه (الامتيازات) لأنها وجدتها تتناقض مع مصلحتها. وفي مناسبات أخرى كانت الجزائر تفرض على دار الخلافة (إستانبول) السياسة المناسبة للجزائر، وعلى سبيل المثال، فعندما حاولت إسبانيا التقرب من الخلافة لعقد معاهدة صداقة وسلام، تصدت الجزائر لهذه المحاولة وأحبطتها، وأعلنت بصراحة ووضوح أنه: (لا سلام مع إسبانيا طالما بقيت قواتها في وهران والمرسى الكبير. وأيدت دار الخلافة الموقف المبدئي للجزائر ودعمته وتم بذلك إحباط الجهود الإسبانية.
كانت علاقة الجزائر بدار الخلافة أشبه ما تكون بعلاقة (الأحلاف) فكانت قوة الجزائر في قوة الخلافة، وكانت قوة الخلافة في قوة الجزائر. فلا غرابة بعد ذلك أن تكون العلاقة الحميمة قائمة على الثقة المتبادلة والاحترام المتبادل. ولا غرابة في أن تترك الخلافة للجزائر النظام الذي تختاره، لإدارة أمورها. ولا غرابة أيضا في قبول كل ما يصدر عن العاصمتين بروح الإخاء، حتى لو كان في بعض الممارسات خروجا على ما هو معروف من علاقات بين الأحلاف المتشاركين في السراء والضراء.
لقد أسهبت المصادر الغربية في وصف تلك المرحلة التاريخية، لا سيما خلال الفترة الممتدة بين منتصف القرن السابع عشر وبداية القرن التاسع عشر، وأمعنت في الإساءة إلى قادة الجزائر وحكامها وشعبها، من خلال وصف الحكام (بالمزاجية وعدم الاستقرار وقبول الرشاوى بل حتى فرضها بمقادير معينة واتساع نطاق الفساد على كل
стр. 359
المستويات المسؤولة (١)). وتتجاهل تلك الكتابات روح العصر وطبيعته، وليس المجال هنا هو مجال الدفاع (عن الفساد) إذ أن هذه الظاهرة المرضية المرافقة دوما لعهود الانحطاط تبقى أبدا وهي تحمل صفة (الفساد). غير أن تركيز الأحكام على السلبيات بدون إظهار للإيجابيات المقابلة يشكل بدوره ظاهرة من ظواهر (الفساد). ولقد بات من الثابت أن الجزائر بلغت في طليعة القرن التاسع عشر مرتبة من القوة وضعتها في مركز أقوى دول البحر الأبيض المتوسط، وكانت مدينة الجزائر هي أحسن ميناء على ساحل البحر بقلاعها المتينة ومدافعها الضخمة وجنودها البواسل. وكان الأسطول الجزائري يزيد على (٧٢) قطعة حربية ممتازة كبيرة الحجم، و (١٤٠) سفينة متوسطة الحجم. وكانت كل هذه السفن الحربية مسلحة بما تحتاجه من المدافع والذخائر والجند، وبلغ عدد البحارة الجزائرين أكثر من (٣٠) ألف بحار اشتهروا بكفاءتهم القتالية العالية وتدريبهم الرائع. ولقد كانت تلك القدرة البحرية المتكاملة هي عدة الجزائر للانتشار في البحر الأبيض المتوسط، واتخاذ الملاحة صناعة وطنية، والقرصنة مهنة تجارية. ولكن وعلى الرغم مما كان يصيبه أهل الجزائر من المغانم الضخمة عبر غزواتهم البحرية، فإنهم لم يكونوا يعتبرون أن ما يحصلون عليه من ربح طائل أو ثروة ورفاهية عظيمتين هما نوعا من السرقة أو النهب، بل إنهم كانوا يعدونها نوعا من الحروب بين المراكب التجارية أينما وجدت.
стр. 360
ولم يكن الجزائريرن يهاجمون أية سفينة يظفرون بها في عرض البحر، وإنما كان على جميع الدول البحرية التي تريد أن تجتاز بواخرها البحر الأبيض المتوسط بأمان أن ترتبط مع داي الجزائر بمعاهدة صداقة، وأن ترسل قنصلا لها يقيم في مدينة الجزائر، وتدفع لحاكمها ضريبة سنوية محددة مقابل تمتعها بالحرية البحرية. وهكذا كانت انكلترا وفرنسا والدانمرك وهولاندا وسردينيا والبرتغال والسويد والنرويج وهانوفر وإسبانيا والولايات المتحدة الأميريكية ترتبط بمعاهدات رسمية مع (داي الجزائر) وترسل إليه كل عام الهدايا الثمينة، وتطلب وده ومصادقته وبذلك كانت تضمن عدم تعرض بواخرها للضرر أو الأذى. وبذلك حصلت الجزائر على اعتراف جميع دول العالم بها كدولة مستقلة، تسابق الدول لاكتساب صداقتها والتحالف معها، والاعتراف لها بالسيادة على البحر الأبيض المتوسط. ومن ذلك تلك المعاهدة التي عقدت في أيلول (سبتمبر) سنة ١٧٩٥م بين الولايات المتحدة الأمريكية والجزائر، وتضمنت التصريح للسفن الأمريكية بممارسة التجارة مع الجزائر مقابل دفع الرسوم المعتادة، وإعفاء الأدوات البحرية والحربية من هذه الرسوم على أن يصرح للسفن الجزائرية بمثل ذلك مقابل إجازات سفر لها من القنصل الأمريكي في الجزائر. وليس إعلان الحرب من قبل الجزائر على أمريكا في ١٢ نيسان - أبريل - ١٨٢٥ بسبب سوء استغلال أمريكا للإتفاقية السابقة، ثم عقد صلح جديد، إلا برهانا على استقلالية الجزائر من جهة، وتأكيدا على ما بلغته من القوة في تلك الفترة - من جهة ثانية - (١) وإذن، فالأمر
стр. 361
الذي لا يقبل الجدل هو أن حكومة الجزائر كانت تفرض إرادتها، وتعقد المعاهدات، وتعلن الحروب، وتدافع عن مصالح الجزائر دون الرجوع إلى تركيا أو غيرها من بلدان العالم.
وبلغت الجزائر مرحلة من التطور الاجتماعي - والاقتصادي حسدتها عليه الدول الأوروبية الغربية، ووصلت الجزائر من القدرة الاقتصادية ما جعلها تقدم القروض والمساعدات إلى فرنسا حتى بلغت ديون فرنسا للجزائر مبلغ (٧) ملايين فرنك إفرنسي (في سنة ١٧٩٨م) وأدى ذلك إلى زيادة عدد السكان، حيث بلغ عدد سكان الجزائر عشرة ملايين، وعدد سكان العاصمة الجزائر (٥٠) ألف نسمة. وكانت الجزائر تعتمد في اقتصادها على الزراعة واستخراج الحديد والرصاص والملح من المناجم بالإضافة إلى التجارة والغزو (القرصنة). وعرفت الجزائر في العهد العثماني - على خلاف ما هو شائع - تطورا ثقافيا وعلميا مذهلا بحيث كان كل جزائري تقريبا يعرف القراءة والكتابة، ويعود الفضل ذلك إلى بقاء التعليم حرا من سيطرة الدولة ومن سيطرة الحكام، فكان سكان كل قرية ينظمون بطرائقهم الخاصة ووسائلهم الذاتية تعليم القرآن الكريم والحديث والعلوم العربية الإسلامية، لأن دراسة هذه العلوم هي السبيل إلى معرفة جوهر الدين وفهم القرآن والسنة. وبقي تعليم القرآن الكريم أساس التعليم في الجزائر - كما هو في كل أقطار العالم الإسلامي - سواء كان هذا التعليم ابتدائيا أو ثانويا أو عاليا. وكانت المدارس على اختلاف مستوياتها تمول وتغذى بالأوقاف التي يحبسها أهل الصلاح والخير من الرجال والنساء، وفي بعض الأحيان كان يحبسها موظفون كبارا في الدولة كعمل من أعمال الخير. فكان هناك أملاك خاصة وعقارات وأراضي يذهب ريعها لبناء المدارس وتوظيف
стр. 362
المعلمين وتوفير المساكن للطلبة، فكانت الأوقاف هي الأساس في تدعيم التعليم وحماية الطلبة والمعلمين. وكانت الأوقاف ترعى التعليم بمراحله الثلاثة الابتدائي والثانوي والعالي.
فبالنسبة للتعليم الابتدائي كان كل طفل بين السادسة والعاشرة يذهب إلى المدرسة. والملاحظ أن هذا بخصوص الأطفال الذكور، أما الإناث فلا يذهبن إلا نادرا إلى المدارس، ولكن أصحاب البيوتات الكبيرة، فكانوا يجلبون أستاذا معروفا بصلاحه وعلمه لتعليم البنات. وكانت هناك خيمة تدعى (الشريعة) في كل قرية مهما صغرت، من أجل تعليم الأطفال، ويشرف عليها معلم (مؤدب) بختاره سكان القرية لهذه الغاية. أما في المدن والقرى الكبيرة، فقد كانت هناك مدارس تدعى المكتب (مسيد) وكانت غالبا ملحقة بالوقف، وإلى جانب ذلك كان كل جامع يضم مدرسة للتعليم أيضا. أما أهل البادية، فكانوا يرسلون أطفالهم للتعليم في المدن حيث يقيمون عادة مع عائلات صديقة أو يصرف عليهم مجانا من الأوقاف. أما المدن الكبرى، فكان عدد المدارس الابتدائية فيها كبيرا، بحيث ضمت (قسنطينة) في سنة ١٨١٠ أكثر من (٨٦) مدرسة ابتدائية، كان يختلف إليها حوالي (١٣٥٠) تلميذا. وكان في تلمسان حوالي (٥٠) مدرسة ابتدائية في تلك الفترة ذاتها. ومدة التعليم الابتدائي حوالي أربع سنوات، يتعلم الطفل خلالها مبادىء القراءة والكتابة وحفظ القرآن وأركان الإسلام وأصول الدين. ينتقل بعدها الطلاب إلى المدارس الثانوية - في الجامع أو في مدرسة ملحقة بالأوقاف.
وكان التعليم الثانوي مجاني أيضا. وكان للمدرس في الثانوي مكانته الخاصة، بحيث كان الأهالي يتكفلون بمتطلباته الحياتية وتقديم الخدمات له من أجل مساعدته على التفرغ وإعداد الدروس. وكان في
стр. 363
مجلس علمي بمسجد كتشاوة قبل تهديمه على يد الفرنسيين
стр. 364
العاصمة وقسنطينة وتلمسان جوامع ومدارس وزوايا لإيواء التلاميذ. وعلى سبيل المثال فقد كان في (قسنطينة) ٣٥ جامعا و٧ مدارس، وكان (١٥٠) تلميذا من (٧٠٠) يحصلون على أجرة سنوية من دخل الأوقاف. وكان معظم هؤلاء التلاميذ من سكان الأقاليم، وقد أعدت لهم زوايا خاصة لسكناهم بلغت ست عشرة زاوية. وقد كان في العاصمة ست زوايا لهذا الغرض ثلاثة منها لعرب الغرب واثنتان لعرب الشرق أما الأخيرة فقد أعدت لإيواء المدرسين في العاصمة والذين ليس لهم عائلات مقيمة. أما تلمسان، فقد كان فيها عدد كبير من هذه الزوايا. كما كانت فيها مدرستان إحداهما مدرسة الجامع الكبير، والأخرى مدرسة ولد الإمام. وفي ضاحية تلمسان كانت مدرسة قرية (عين الحوت). ولم تكن الزوايا مقصورة على المدن، بل كانت هناك زوايا في الأرياف تقام تخليدا لأحد المرابطين، ويقام بجانبها جامع للصلاة وبئر للشرب والوضوء. وتخصص الأرض لهذه الزوايا الريفية، فيحرثها الأهالي، ويستعمل دخلها لمساعدة المدرسين والطلبة. ويخصص أهل الخير جزءا من محصولهم السنوي للزاوية التي توجد في منطقتهم. وكان يتلقى العلم في الثانوي حوالي (٣) آلاف تلميذ في كل إقليم من أقاليم الجزائر الثلاثة.
لم يكن هناك فصل واضح بين التعليم الثانوي والعالي. ويسمى الأستاذ الذي يدرس في التعليم العالي (عالما). أما عدد الطلبة فكان يتراوح بين ٦٠٠ و٨٠٠ طالب في كل إقليم. وكانت الدروس العالية تعطى في الزوايا وأهم الجوامع. وكانت مواد التعليم العالي تشتمل على النحو والفقه (الذي يشمل العبادات والمعاملات) والتفسير والحديث والحساب والفلك بالإضافة إلى التاريخ والتاريخ الطبيعي والطب.
стр. 365
تلك هي لمحات عن الحياة في الجزائر سياسيا وعسكريا وفكريا، خلال مرحلة (بناء الجزائر) الحرة المستقلة، ولقد خاضت الجزائر المجاهدة صراعا مريرا على جبهة الأعداء الخارجيين وعلى جبهة البناء الداخلي، في إطار من التكامل. فدعمت وحدتها الداخلية بانتصاراتها الخارجية وحققت انتصاراتها الخارجية بفضل وحدتها الداخلية. وكان في ذلك انتصارها الأكبر. وبقي البناء الداخلي والصراع الخارجي مرتبطا بالجامع والزاوية (المدرسة). فكان هذا (الجامع) هو القاعدة القوية والأساس الراسخ لقدرة المجتمع الإسلامي ووحدته، على الرغم من كل ظواهر التمزق التي اجتاحته، والتي عرف المغرب العربي الإسلامي منها قدرا ربما زاد على كل ما عرفته أقطار العالم العربي الإسلامي الأخرى.
стр. 366
الحياة اليومية في منزل جزائري أيام العثمانيين
стр. 367
٢ - السياسة الاستراتيجية للجزائر
يظهر العرض السابق لمجموعة الأحداث التي تعرضت لها الجزائر المجاهدة عبر سنوات التكون والصراع المرير مجموعة من الحقائق، لعل من أبرزها:
١ - تكوين تحالف مع الخلافة العثمانية هدفه تنسيق الجهد العسكري على كافة المستويات.
٢ - الاضطلاع بواجب الجهاد في البحر بصورة رئيسية، وهكذا فبينما كانت قوات الخلافة العثمانية تخوض صراعها المرير في البر - الأوروبي - بصورة رئيسية، كانت الجزائر المجاهدة تقود الجهاد على الجبهات الأخرى (الأندلس والسواحل الجنوبية لأوروبا).
٣ - نظرا للموقع الجيواستراتيجي للجزائر، فقد أخذت على عاتقها الجهاد ضد إسبانيا بالدرجة الأولى وضد كل الدول التي ترفع راية الصليبية ضد الإسلام والمسلمين.
٤ - عرفت الجزائر أنه من المحال عليها الاضطلاع بدورها أن لم تكن مطمئنة إلى جارتيها في المشرق والمغرب. فعملت في البداية على خوض الصراع ضدها، ثم انتهى الأمر بتحقيق التكامل عندما أمكن
стр. 368
ربط هذين الإقليمين بالخلافة العثمانية - أو بالأحرى - بسياسة استراتيجية واحدة.
لقد انعكست هذه السياسة الاستراتيجية على مستوى العمليات بمجموعة من الظواهر أبرزها:
١ - تنسيق الجهد العسكري في العمليات المشتركة، حيث عمل الأسطول الجزائري في مناسبات كثيرة، منذ أيام ذوي اللحى الشقراء - بربروس - وحتى عهود بعيدة تمتد إلى أكثر من ثلاثة قرون على دعم الأسطول العثماني في العمليات الكبرى. وتولى قادة الجزائر في مناسبات كثيرة قيادة وزارة البحرية (قبودان باشا) وأسهمت السفن الجزائرية بمجموعة المعارك التي تطلبت جهدا كبيرا (معركة ليبانتي) (الهجوم على طولون) الخ ... كما قام الأسطول العثماني بالمقابل بدعم الجزائر في كل مناسبة ظهرت فيها الحاجة لمثل هذا الدعم (أثناء هجمات الإسبانيين) على المدن في المغرب العربي الإسلامي. وكانت الخلافة العثمانية تقدم للجزائر باستمرار الأعتدة الحربية وما تحتاجه لدعم قدرتها القتالية بشريا، وبوسائط القتال. وجدير بالذكر أن هذه السياسة الاستراتيجية - البحرية - لم تكن إلا ظلالا متقدمة للسياسة الاستراتيجية التي وضعها (معاوية بن أبي سفيان) وطورها الأمويون من بعده والتي تعتمد على تنظيم مجموعة من الأساطيل في الشام ومصر والقيروان - تونس - والأندلس. تقوم بأعمال مستقلة أحيانا. وتلتقي بعضها مع بعض للقيام بتنفيذ العمليات الكبرى وكان تطبيق هذه السياسة الاستراتيجية هو الذي ضمن للعرب المسلمين في البداية دعم فتوحاتهم، وهو الذي ضمن للجزائر المجاهدة وللعثمانيين من بعد مجابهة الحملات الصليبية بقوة وفاعلية، وإحراز الانتصارات الحاسمة.
стр. 369
٢ - إعطاء أفضليات لمسارح العمليات - إذ كان من المحال على الجزائر خوض الصراع الشامل ضد كل القوى الصليبية في وقت واحد. ولهذا كان على الإدارة الجزائرية، توجيه الجهد في بعض الأحيان إلى أعمال (القتال البحري) وإعطاءها الأفضلية الأولى، للانتقال بعدها إلى حروب الاستنزاف ضد القواعد التي أقامها الإسبانيون فوق أرض المغرب العربي - الإسلامي (خاصة وهران والمرسى الكبير) للعمل بعد ذلك في دعم الجهد ضد قوات الأعداء في المغربين الأدنى والأقصى (تونس والمغرب). وهذا ما يفسر بقاء القواعد الصليبية لفترات طويلة فوق أرض المغرب العربي الإسلامي، في حين كانت أعمال القتال في البحر أو الغزوات مستمرة على الجبهات الأخرى.
٣ - لم تتمكن الجزائر - بحكم خبراتها وتجاربها - التمييز بين القواعد الاجنبية فوق أرض إقليم الجزائر، وبين تلك القواعد في المغربين الأدنى والأقصى، وذلك لسببين متكاملين أولهما أن وحدة التراب ووحدة الدين تجعل الجهاد ضد كل عدوان أجنبي على المسلمين وعلى أرضهم هو واجب على كل مسلم، لا تمييز لحدود في ذلك، وثانيها أن هذه القواعد لا تتهدد الأقطار الإسلامية المجاورة وحدها وإنما تتهدد الجزائر ذاتها أيضا. ومن الملاحظ أن هذه الملامح الأولية قد ارتسمت بصورة أكثر وضوحا مع تطور الصراع ضد الأعداء - بما في ذلك ظروف الاحتلال الإفرنسي للمغرب العربي -الإسلامي ومقاومته. وهذا ما فرض بدوره العمل على تنسيق التعاون مع الأقطار المجاورة في مناسبات كثيرة.
٤ - لقد خاضت الجزائر حروبها في إطار من (الدفاع الاستراتيجي): يؤكد ذلك وقوع العدوان على أرضها، واحتلال
стр. 370
القوات الصليبية لقواعدها الساحلية، وقد أمكن تحرير هذه القواعد وإحباط أعمال العدوان. ومن هنا فقد كان من المحال على الجزائر، التوقف دائما عند حدود انتظار وقوع العدوان لإحباطه، ولقد أثارت مصادر كثيرة بصورة غير واضحة في بعض الأحيان وبصورة واضحة تماما في أحيان أخرى (كما كانت عليه عمليات الإخوة ذوي اللحى الشقراء بربروس) إلى أن التصدي لسفن الأعداء واستنزاف قدراتهم البحرية، والإغارة على المدن الساحلية للإفرنج الصليبيين لم تكن إلا حربا دفاعية - أكثر منها انتقامية - أو في أفضل الاحتمالات دفاعية انتقامية. وإذا ما تطورت هذه الأعمال إلى ما يطلق عليه اسم (القرصنة) فذلك بنتيجة روح العصر التي جاءت من الدول الغربية البحرية، ووجد فيها المسلمون أداة دفامعية متقدمة تدعم أساليبهم في (دفاعهم الاستراتيجي) ويؤكد جدول مسيرة الأحداث في إطارها الزمني هذه الحقيقة بما لا يدع مجالا للشك أو الريبة.
٥ - لقد أدى اتساع أفق الصراع، واتصال الأعمال القتالية، إلى حقيقتين برزتا خلال معظم الأعمال القتالية للقوات الجزائرية. أولاهما: تكوين خبرات قتالية رائعة على كافة المستويات، وثانيتهما الاستعداد الدائم للقتال. وقد برزت أهمية الخبرات القتالية في مناسبات كثيرة، وكان لها الدور الأساسي والحاسم في (حوار الإرادات المتصارعة) حيث خرجت الإرادة الجزائرية وهي منتصرة باستمرار نتيجة ثقتها (بحتمية النصر) وإيمانها المطلق بعدالة قضيتها ومعرفتها الثابتة بما يتوافر لها من القدرات والإمكانات. وكان الاستعداد الدائم للقتال هو الذي أحبط الأعمال العدوانية فوق المياه الإقليمية للجزائر، وهو الذي دمر أطماع الصليبيين فوق رمال الجزائر وصخورها. ولا حاجة بعد ذلك لربط هذين العاملين - المبدأين -
стр. 371
بمفهوم الجهاد في العقيدة القتالية الإسلامية التي كان لها الفضل الأساسي في تحقيق التكامل في أسس فن الحرب.
٦ - وأدى اتساع أفق الأعمال القتالية أيضا إلى اعتماد المجاهدين على (خفة الحركة الاستراتيجية) في البحر، وخفة حركة القوات في البر. وقد يصاب المرء بالذهول عند استعراض دقائق الأعمال القتالية، ومتابعة ما تخللها من تفاصيل عن تحرك القوات للالتحاق بميادين القتال البعيدة والقاصية، سواء في البر أو البحر، والانتقال من مسرح عمليات إلى مسرح عمليات آخر. وهنا يظهر أيضا دور الخبرات القتالية المتوارثة منذ الفتوح الإسلامية عامة، وفي أيام الصراع على جبهة الأندلس بصورة خاصة، حيث اضطلع المرابطون والموحدون وبنو مرين وأبناء المغرب العربي الإسلامي عامة بالاشتراك في حمل أعباء الجهاد على كافة الميادين المتناثرة والمتفرقة والمتباعدة.
٧ - ربط جهد الأعمال القتالية بالجهد الاقتصادي. وتلك ظاهرة لا يمكن تجاوزها عند التعرض لمجموعة الحروب التي خاضتها الجزائر ضد أعداء الدين. إذ لم تكن المغانم إلا وسيلة لحرمان العدو من إمكاناته ولتدعيم قدرات المسلمين في الوقت ذاته. وهناك شواهد لا نهاية لها تؤكد أن الجزائر لم تكن تبغي مغنما - من أعمال القرصنة الموصوفة. إلا للحصول على المزيد من القدرة القتالية، وبكلمة أخرى، فقد كانت الجزائر تكتب قدرتها من خلال إضعاف أعدائها، وهناك معاهدات للصداقة تنص بوضوح على تقديم الدول التي تصالحها الجزائر سفنا حربية وأعتدة قتالية ومدفعية وذخائر مقابل ما تضمنه لها الجزائر من الحماية أو مقابل ما تتبادله معها من السلع التجارية أو مقابل ما تقدمه لها من امتيازات في المعاملة (صيد
стр. 372
المرجان). وتجدر الإشارة هنا أيضا إلى أن هذه الظاهرة بقيت ملازمة للسياسة الاستراتيجية الجزائرية في مختلف العهود.
٨ - وضوح الهدف في كل مرحلة من مراحل الصراع، واختيار طرائق العمليات المناسبة لبلوغ هذا الهدف. وقد حدد الجزائريون منذ البداية هدفهم ببناء الجزائر القوية، وحددوا هدفهم بتحرير بلاد المسلمين في المغرب العربي - الإسلامي من أعداء الدين، وحددوا هدفهم ببناء العلاقات داخليا وإسلاميا ودوليا بما يضمن لهم تحقيق طموحاتهم. فكانت حروبهم نوبا، بين حروب الاستنزاف والحروب التصادمية، وبين الحروب الهجومية والحروب الدفاعية، بين الحروب الثوروية والحروب النظامية. وقد يكون من الخطأ الفادح - بل وحتى الجحود - القول بأن التنوع في أساليب هذه الحروب وطرائقها قد جاء بنتيجة ردود فعل تجاه المواقف التي جابهتها الجزائر في أصعب أيامها، والدليل على ذلك هو أن الجزائر قد رفضت في مرات كثيرة عقد معاهدة صلح أو هدنة مع إسبانيا قبل الجلاء عن وهران والمرسى الكبير، ورفضت أيضا منح فرنسا امتيازات لا تتفق مع مصلحة الجزائر، ورفضت عقد المعاهدات مع دول مختلفة إلا بالشروط المناسبة للجزائر، ومن خلال هذا الوضوح في الهدف، ومن خلال التصميم العنيد على بلوغه، تم اختيار الأساليب المناسبة لخوض الصراع في كل صراع، بما يتناسب والهدف المرحلي أو الهدف النهائي.
لقد حددت هذه الأسس الاستراتيجية، وانعكاساتها على أفق الأعمال القتالية، طبيعة الصراع الذي تجابهه الجزائر، والذي تشابكت فيه العوامل الجيو - استراتيجية، بالعوامل الجغرافية والديموغراية - السكانية - مع العوامل الاقتصادية والسياسية لتشكل
стр. 373
بمجموعها (خصوصية) الصراع الجزائري وهو صراع تمثل في إطار تحد ديني قبل كل شيء، بدأ من الأندلس وانتهى بالمغرب العربي الإسلامي وحملت الجزائر المجاهدة راية الريادة فيه.
قد يكون من المتوقع بعد ذلك أن تخوض الجزائر صراعها في إطار (حروب الإيمان). وقد يكون من المتوقع بعد ذلك أيضا أن تكون العقيدة القتالية معتمدة في أصولها وفروعها على العقيدة الدينية الإسلامية.
لقد قيل بأنه (ما من عامل ألهب التعصب الإسلامي مثل ذلك التعصب المسيحي) وقد يكون ذلك صحيحا في بعض المواقف وفي بعض الأحيان غير أن العقيدة القتالية التي طبقتها الجزائر لم تكن معتمدة على التعصب بقدر اعتمادها على المبدأ - بحسب كل الشواهد المتوافرة - ولم يتمكن التعصب المسيحي من إخراج المسلمين المجاهدين عن أساليبهم وطرائقهم. وفي الوقت ذاته فإن حروب الإيمان هذه لم تعتمد على الحقد بقدر اعتمادها على الغضب، إذ كان من المحتمل أن يؤدي الحقد لو تفجر إلى نتائج مغايرة تماما لما حدث، في حين جاء الغضب للإسلام وعلى الإسلام، فطهر النفوس ووحدها ودفعها إلى (الجهاد في سبيل الله) فلا غرابة إذن في ملاحظة التحولات الحاسمة في مواقف المجاهدين وفقا لما أبرزته عملية استعراض الأحداث في الفصل الثاني -والانتقال بصورة تدرجية، من مواقف التشرذم (القبلية الجاهلية) إلى مواقف الوحدة الإسلامية الصلبة في الداخل والخارج والتي أمكن بفضلها تحقيق النصر في (حروب الإيمان).
стр. 374
٣ - المجاهدون والحروب الثوروية الإسلامية
أظهر العرض الوجيز لمسيرة الأحداث - الفصل الثاني - ذلك الدور الرائع الذي اضطلعت به جماهمير الشعب العربي المسلم في رفع راية الجهاد في سبيل الله، في البر والبحر، بصورة عامة، وما قام به المجاهدون فوق أرض الجزائر الحرة بصورة خاصة، في ظروف الدفاع عن أرض الإسلام والمسلمين، وفي إحباط أعمال العدوان ودحرها. فقد كانت حشود المجاهدين هي القوة الحقيقية التي تحسم الصراع في كل مرة تتعاظم فيها قوى العدوان، فتتسارع إلى ميادين الجهاد في كل مرة يرتفع فيها صوت حاكم الجزائر معلنا (الجهاد في سبيل الله). وقد سجلت المصادر التاريخية في مناسبات كثيرة العبارات التالية: (وما كاد المجاهدون يسمعون باقتراب الأعداء - الكفار - حتى يندفعون إلى ميادين الجهاد حتى تضيق بهم الأرض).
و (كان المجاهدون يقبلون ومعهم نساءهم وأولادهم، الذين يشتركون معهم في إنقاذ الجرحى ودفن الموتى وفي المشاركة بأعمال تحصين الأرض).
تلك هي الصورة الرائعة والخالدة لمفهوم (الجهاد في سبيل الله) منذ ظهر الإسلام على الأرض، والتي تكررت بأوضح معانيها وأسمى
стр. 375
أشكالها في مجابهة ما تعرضت له الجزائر أيام البلوى القاسية والصعبة. وهذه النفرة الإجماعية هي التي تأخذ في الحروب الحديثة اسم (الحرواب الشعبية) والتي حدد المسلمون أشكالها ومضامينها من قبل أن يعرف العالم اسم (الحروب الشعبية) بقرون طويلة.
وتجدر الإشارة إلى أن العالم قد عزف منذ أيام الحروب البدائية، وحتى في العصر الحديث بعض أشكال هذه (النفرة الإجماعية) فقد اشتهرت الفتيات الأمازونيات باشتراكهن في الحروب وسبقهن في مجالات حمل السلام، كما أبرز عرض الأعمال القتالية قيام النسوة الإسبانيات وحتى الأولاد بمشاركة القتاليين في أعمال الحصار وترميم الحصون والثغرات. غير أن هناك ثمة فارق كبير بين هذه النماذج وبين مفهوم (النفرة الإجماعية في الجهاد) والتي تعتمد على مجموعة من الخصائص أبرزها: ١ - الطوعية في الإقبال على القتال. ٢ - الاستعداد الدائم للقتال. ٣ - الاستجابة الإجماعية والموحدة لنداء الجهاد. ٤ - ربط مفهوم الجهاد بهدف نبيل (الشهادة أو النصر) والذي يرتبط بالعقيدة الدينية الإسلامية.
ولقد استطاعت الكنيسة في الحقيقة - عبر الحروب الصليبية - تكوين مفاهيم مشابهة كمفاهيم المسلمين في الجهاد، بل إنها عممت استخدام ذات العبارات التي كان يستخدمها المسلمون ويطلقونها على أعدائهم (الكفار) و (أعداء الدين) و (الجهاد) و (الغفران) و (الجنة) و (الخلود). غير أنه كان من المحال الاحتفاظ (بدفء هذه المفاهيم) و (حرارتها) في استثارة الهمم والتحريض على الجهاد والحض على القتال. وهذا ما أكدته وأبرزته أعمال المجاهدين عند الاندفاع لدعم المسلمين المجاهدين في الأندلس، ثم في الدفاع عن أرض الإسلام
стр. 376
عند انتقال العدو للهجوم على أرض المغرب العربي - الإسلامي - وتبرز عند هذه النقطة مجموعة من النقاط التي يجدر التوقف عندها من جديد، وأهمها:
١ - الموقف من أعداء الداخل - أعداء الدين -.
٢ - قوة تيار الجهاد وعمق مفاهيمه.
ولقد ظهرت فوق سطح عالم الفتوحات الإسلامية بعض الانتكاسات التي تعود في جذورها إلى مفاهيم (القبلية - الجاهلية). غير أن هذه الانتكاسات بقيت محدودة الخطورة، محدودة التأثير، محدودة النتائج. غير أن هذه الظاهرة أخذت في رسم أبعاد خطيرة على ساحة الصراع في الأندلس، وهو الأمر الذي أدى إلى سقوط طليطلة، وتعاظم قدرة حكام الأندلس واستنصار المسلمين بهم على إخوانهم في الدين. الأمر الذي ضاعف من خطورة التمزق الداخلي، والذي استطاع المعتمد بن عباد علاجه بانتصاره (بابن تاشفين). وعرف الصليبيون من خلال ذلك أن قوة المسلمين تكمن في وحدتهم فانطلقوا للإسهام بتمزيق هذه الوحدة، وكان لهم دور كبير فيها. حتى إذا ما نقلوا صراعهم إلى أرض المسلمين في المغرب العربي - الإسلامي. انطلقوا إلى اعتماد هذه الوسيلة للتفريق بين المسلمين وضرب بعضهم ببعض ثم ضربهم جميعا. وكانت الجزائر المجاهدة قد أدركت هذه الحقيقة واستوعبتها فلم تعد تقبل مهادنة أعداء الداخل، وكانت في بعض الأحيان أكثر قسوة في القضاء عليهم وإبادتهم من قسوتها على الأعداء ذاتهم إدراكا منها بأن أعداء الداخل هم أشد خطرا من أعداء الخارج على الدين وعلى قضية الجهاد. وقد عالج أئمة المسلمين هذا التطرف ونجحوا في كبحه غير أنهم لم يتساهلوا أبدا في معالجة
стр. 377
(المتعاونين مع العدو). ولقد ظهرت نتائج ذلك بسرعة مذهلة فقد أمكن توحيد الجبهة الداخلية للمسلمين، والانطلاق منها بحزم لمجابهة الأعداء الخارجيين وأدى ذلك بدوره إلى ضعف أعداء الداخل وانهيارهم. حتى أنه في كثير من المعارك كان المقاتلون تحت راية المتعاونين مع الإسبانيين، ينفصلون عنهم بمجرد الاشتباك في المعركة، أو يعتزلون القتال ضد المسلمين في أضعف الحالات.
ولقد كان الولاء لزعيم العشيرة أو الملك، وهو أمر مرتبط بجوهر الدين، هو العامل الأساسي في الانتكاسات وهو نزوع جاهلي، جاء المبدأ الحالد (لا ولاية لكافر على مسلم) فعمل على إلغائه. وقد برز هذا المبدأ بكل وضوحه وبأعمق معانيه في جهاد الجزائر ضد أعداء الدين فكان في ذلك بعض عدة الجزائر المجاهدة فيما حققته من انتصارات. وأما المبدأ الثاني فهو (عدم الانتصار بكافر على كافر) وهو المبدأ الذي أدى أحيانا إلى اصطدام الجزائر بالخلافة، والذي أرغم دار الخلافة على الخضوع للجزائر في النهاية. فكان في ذلك أيضا بعض عدة المسلمين في انتصارهم على أعدائهم.
كانت أعمال الجهاد في الجزائر (مبدئية وثابتة) وهو ما تؤكده جميع المواقف وكان الفضل في ذلك لعمق مفهوم تيار الجهاد من جهة، وللتجارب التي أكدت صحة هذا المفهوم في كل المناسبات، وفي كل الحروب التي خاضها المجاهدون في سبيل الله.
وظاهرة وجود (فئة من الخارجين على الإجماع) هي أمر طبيعي عرفته كل المجتمعات في القديم والحديث، وعرفت المجتمعات في القديم والحديث أيضا أن خطورة (أعداء الداخل) تتزايد في مرحلة ضعف المجتمع وتضعف بزيادة قوته. ومن هنا فإن ظهور قوة (أعداء
стр. 378
الداخل) وزيادة حجمهم وقدرتهم هو المؤشر الثابت على ما يتعرض له المجتمع من الانهيارات. والعلاقة بين قوة المجتمع وقوة أعداء الداخل علاقة جدلية ثابتة, ومن هنا فإن تصفية أعداء الداخل كمرحلة لها الأفضلية الأولى في بناء القدرة الذاتية هو أمر أساسي وحاسم (عبرت عنه الثورة الإفرنسية بوضورح عندما عملت على تصفية أعداء الداخل قبل الانطلاق لمجابهة أعداء الخارج) وسبقتها الجزائر عندما دمرت أعداء الداخل ووحدت الجبهة الداخلية قبل أن تنطلق للجهاد ضد أعداء الدين. وهنا ظهرت العلاقة الجدلية والثابتة من جديد فقد كان كل انتصار خارجي للمسلمين يضعف من أعداء الداخل المتعاونين مع الأعداء الخارجيين، وكان ضعف هؤلاء الأعداء الداخليين يؤدي بالتالي إلى زيادة القدرة لقتال الأعداء الخارجيين، وفي الواقع، فإن متابعة مسيرة الأحداث على جبهة الصراع بين الجزائر المجاهدة وأعداء الدين تؤكد هذه الحقيقة الجدلية وتبرزها بشكل واضح على امتداد صفحة الجهاد.
وكان عمق تيار الجهاد هو العامل الأساسي في بروز هذه الظواهر وتأكيد فاعليتها وأهمية دورها، وهو ما تؤكده أيضا المقولات الشعرية والنثرية التي حفظتها الأوابد المغربية الإسلامية في الحض على الجهاد وتحرير الأرض المغتصبة من ديار المسلمين، فقد بقيت وهران والمرسى الكبير تحت احتلال الإسبانيين طوال قرنين من الزمن في المرحلة الأولى وعلى امتداد خمسين سنة في المرحلة الثانية، كان أئمة المسلمين ومشايخهم وكتابهم وشعراءهم لا يتوقفون عن التذكير بمأساة (وهران) واستثارة الهمم، ولم يكن باستطاعة حكام المسلمين في الجزائر تجاهل هذا التيار المحرض القوي، وهكذا كان تيار الجهاد هو الذي يدفع الحكام ويقودهم ويوجه خطاهم، ولا ينتقص ذلك من
стр. 379
دور هؤلاء الحكام الذين عملوا على التتابع من أجل تنظيم تيار الجهاد وإذكاء شعلته وتوجيه فعالياته وقدراته، وإطلاق شعلته العالية لإضاءة ظلمات دنيا المسلمين خلال تلك الحقبة التاريخية التي تناوبت فيها المحن والنوائب على كل ديار المسلمين، فكان للجزائر المجاهدة دورها الأساسي والحاسم في رفع قيم الجهاد في سبيل الله، وتأكيد فضائلها في حماية مجتمع الإسلام والمسلمين.
ولقد كان للمسجد (الجامع) دوره في تكوين هذا التيار، وأظهرت الأوابد أيضا، وفي مناسات كبيرة (اندفاع طلبة العلم والمشايخ إلى مقدمات الصفوف) وإعطاء الأمثولات في (طلب الشهادة أو النصر) وفي (الحض على الجهاد والتحريض على القتال). فليس من الغريب بعد ذلك أن يبقى (القضاء على المسجد) هو الهدف الأول لكل الحملات الصليبية في المشرق كما في المغرب. وإذا كان هدف المسلمين من إقامة المساجد هو (الهداية) ورفع (راية الإسلام) فقد بات من المتوقع أن تعمل الحملات الصليبية، وعلى كل الجبهات، من أجل تدمير المسجد وتحويله إلى كنيسة لحرمان المسلمين من عامل صمودهم. وعرفت الجزائر المجاهدة، كما عرف المسلمون ذلك في كل ديارهم، فكان أول عمل لهم بعد كل فتح، هو ترميم المساجد وإصلاحها وإقامة المساجد الجديدة حتى تتمكن من الاضطلاع بدورها في توحيد كلمة المسلمين، والمحافظة على قدرتهم الذاتية التي يكمن فيها وجودهم.
وهنا لا بد من القول أيضا، أن دويلات المسلمين في مختلف العصور والعهود، وعلى امتداد المغرب العربي الإسلامي قد عنيت أشد العناية بإقامة المساجد والاهتمام بها، وإذا كانت هذه الدول قد جنحت في فترة انحطاطها إلى التعاون مع أعداء الدين، فقد بقي هذا
стр. 380
التعاون ظاهرة مرضية تعبر عن جنوح مرحلي لم تلبث جماهير (المسجد) أن عملت على تقويمه وتصحيحه.
لقد تعاقب على حكم الجزائر عدد كبير من (البايات والدايات) بداية من الإخوة ذوي اللحى الشقراء، وحتى نهاية الحكم العثماني، بعضهم تألق في سماء قيادة الجهاد، وبعضهم قصرت همته عن بلوغ مرتبة قيادة الجهاد. غير أن تيار الجهاد بقي قويا وثابتا، لم يتأثر بتغير الحكام ولم يتحول بتأثير الصراعات الداخلية، ولم يضعف بتأثير الانتكاسات. وبقي (تيار المسجد الجامع) هو التيار المهيمن على الجمهور المسلم، وهو الموجه للحكام على اختلاف قدراتهم وتباين إمكاناتهم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن (تيار المسجد) هو الذي أزال كل التناقضات الداخلية وصهرها جميعها في تيار واحد (هو تيار الجهاد في سبيل الله) لا فارق في ذلك بين تركي وعربي؛ ومغربي وغير مغربي، فكان في ذلك بعض عدة المجاهدين فيما حققوه من انتصارات متتالية. وقد يكون من غير الضروري بعد ذلك البحث في فضائل (تيار المسجد - الجامع) بالمحافظة على تقاليد الجهاد، فالصبر على المكاره، واحتمال كره القتال، والاستعداد الدائم للقتال والإعداد له، والصلابة والتصميم حتى بلوغ النصر الكامل والثبات في مواطن الشدة والخطر كل ذلك هو بعض الفضائل الإسلامية التي تشكلت منها (العقيدة القتالية الإسلامية) والتي أبرزتها صفحة الجهاد على أرض المغرب العربي - الإسلامي والحروب البحرية.
بنتيجة ذلك كله، لم تكن حروب الجزائر حروبا نظامية في مفهومها الحديث - بقدر ما كانت نوعا من الحروب الثوروية الحقيقية
التي طبقت فيها أساليب الحرب النظامية، واستخدمت فيها أسلحتها، فكانت نموذجا متقدما للمزج بين طرائق الحرب النظامية
стр. 381
وطرائق الحروب الثوروية. وكانت هذه الظاهرة هي التي أذهلت قادة الصليبيين الإسبانيين الذين اعترفوا في مناسبات كثيرة (بأنهم لم يعرفوا مثل هذه الحروب) على الرغم من استمرار صراعهم مع المسلمين. ولم يكن ذلك إلا بسبب اعتماد الجزائر المجاهدة على أسس (العقيدة القتالية الإسلامية) والتي شكلت ما يطلق عليه في العصر الحديث اسم (الأصالة الثوروية) وهي الأصالة التي كان لها دورها الثابت في مجابهة كل ما تعرضت له الجزائر من قبل ومن بعد.
وقد يصاب المرء بالذهول وهو يطالع ما جابهته الجزائر المجاهدة عبر تاريخها الطويل، وما تعرضت له من غزوات واعتداءات. لقد كانت وباستمرار في (حرب طويلة الأمد) لا تكاد تنطفىء معاركها حتى تتجدد بقوة أكبر وبعنف أعظم، واشتركت في هذه الحرب الطويلة الأمد، كل شعوب الأرض، فإذا كانت إسبانيا الصليبية هي التي تزعمت الحرب الصليبية ضد الجزائر وتركت للبرتغال قيادة هذه الحرب في المغرب الأقصى، فإن الدول الأوروبية الأخرى لم تلبث أن جاءت بدورها للإسهام في هذه الحرب الشاملة، حتى أمريكا ذاتها لم تلبث أن جربت حظها في العدوان على الجزائر المجاهدة الصابرة المحتسبة. وانتصرت الجزائر على كل أعدائها. وبقيت (الجزائر المحروسة) نجما يتألق في سماء (المغرب العربي الإسلامي) وكوكبا متوهجا يضيء دنيا الإسلام والمسلمين.
لقد بقيت (الجزائر المحروسة) لأنها حفظت الإسلام فحفظها الإسلام.
وعرفت (الجزائر المحروسة) تلك العلاقة الجدلية الثابتة أيضا بين دفاعها من الإسلام والمسلمين، وبين دفاع الإسلام والمسلمين
стр. 382
للمحافظة على وجودها وقدرتها. فكان في ذلك بناء (الأصالة الثوروية الحقيقية) التي بقيت الصخرة الثابتة ضد كل أعداء الدين. واعتمدت (الجزائر المحروسة) في تحليقها وفي انطلاقتها على جناحيها الثابتين في المشرق والمغرب. وكان في ذلك التعبير الحقيقي عن (الأصالة الثوروية الحقيقية) والتي ستبقى أبدا مصدر قوة (الجزائر المجاهدة) وقوة (المغرب العربي الإسلامي).
стр. 383
قراءات
١ - وهران وأدب الحرب.
٢ - ترجمة رسالتين متبادلتين بين داي الجزائر والرئيس الأميركي
стр. 384
١ - (وهران) وأدب الحرب
كان بقاء الاحتلال الإسباني لوهران حافزا استثأر شعراء المسلمين فمضوا يحرضون على الجهاد ويحضون على القتال، ويبعثون في النفوس الحماسة ويذكرون الحكام دائما بواجبهم لتحرير المقدسات وكان تيار التحريض قويا أبرزته مجموعة غير محدودة من القصائد الشعرية. منها:
١ - قصيدة (محمد القوجي الجزائري) يخاطب الداي (أحمد باش خوجة) - منه:
ثم التفت نحو الجهاد بقوة ... والكفر فاقطع أصله بذكور
جهز جيوشا كالأسود وسرحن ... تلك الجواري في عباب بحور
اضرم على الكفار نار الحرب لا ... تقلع ولا تمهلهم بفتور
(...) عن وهران ضرس مؤلم ... سهل اقتلاع في اعتناء يسير
كم قد أذت من مسلمين وكم سبت ... منهم (بقرب؟) أسيرة وأسير
حلت بأرض المسلمين فهل لها ... من عسكر عند الصباح مغير
يلقي كلاكله عليها بغتة ... يأتيهم في غرة المغرور
فانهض بعزمك نحوها مستنصرا ... بالله في جد وفي تشمير
بعساكر مثل السيول تزاحمت ... للسبق تحت لوائك المنصور
стр. 385
بادر بنا نغزو العدو وسارعن ... في حسم شوكتهم وفي التدبير
أقصد بلاد الكفر شتت شملها ... خرب بها ما كان من معمور
أقتلهم قتلا ذريعا واتركن ... أشلاءهم صرعى لطعم نسور
٢ - من قصيدة (محمد بن عبد المؤمن) يحرض الداي (حسن الشريف باشا):
نادتك وهران فلب نداءها ... وأنزل بها لا تقصدن سواها
صرخت بدعوتك العلية فاستجب ... لنداءها ولتكملن مناها
قد طالما عبثت بها أيدي العدا ... حتى استباحوا أرضها وحماها
وتصرفوا في المسلمين فأصبحت ... أعجوبة لمن اغتدى يرعاها
أضحى الصليب مؤيدا، والدين ... قد درست معالمه فلست تراها
جعلوا بها الناقوس في أوقاتهم ... بدل الأذان وغيروا معناها
كم من أسير حولها لا يفتدى ... كم من فقير حل في مثواها
يا أيها الملك الذي أيامه ... غرر غدت بكماله تتباهى
جرد (قواك) لمحق أثار العدا ... حتى ترى الإسلام في مغناها
وادع الغزاة لفتحها مستنجدا ... وانهض إليها وأنزلن مرساها
الآن آن الفتح إذ ظهرت به ... آثار تنبي أنه وافاها
٣ - ومن قصيدة (لأبي عبد الله سيدي محمد) نظمها سنة ١١١٤هـ (١٧٠٢ م) لاستنقاذ وهران:
نرجو رضاك فربنا سبحانه ... مهما رضيت بفتحه يتفضل
إنا توسلنا إليك بسادة ... أقدامهم فوق الحياة تفضل
فبحقهم الا قضيت حقوقنا ... وفتحت من باب العدا ما يقفل
ارجعت للإسلام رجعة مشفق ... والدين ينصر والكوافر تخذل
стр. 386
حتى نرى وهران دار إقامة ... الصلوات يسبقها الأذان المكمل
ونرى بها القرآن يفشو درسه ... والعلم حل بها فنعم المنزل
ويبوء عباد الصليب بحسرة ... لديار كفرهم الشنيع تزلزل
والخيل تمرح في جوانب أرضهم ... سورا ودورا بالأسارى تقفل
٤ - ومن قصيدة (لأبي العباس أحمد أبي علي صاحب) في استصراخالمجاهدين لإنقاذ وهران:
فمن مبلغ عني ملوك الأقالم ... وكل رئيس من رؤوس العمائم
وكل همام مائل في حمائل ... على متن جار سابق في العزائم
وكل زعيم مولع بحدوده يصيد ... الضواري من فحول الضراغم
وسلطانها التركي في دار ملكه ... وبين علاه في دهاة العظائم
وجيش بني عثمان من كل قائد ... جيوشا كموج البحر عند التلاطم
يريدون (وهرانا) فما سبق القضا ... بتنفيذه للوقت في جفن عالم
يخوضون لجا في سفائن رائس ... حراضا لدين الله عز العزائم
وحرز بنات العرب من كل فاتك ... بأبكارها الحرات في قصر ظالم
فيا آل عثمان ويا سادة الوغى ... وكلكم أعماله بالخواتم
ويا معشر الأتراك ما بال سعيكم ... ووهران تزهو نخوة بالمراغم
٥ - وعندما حرر المسلمون (وهران) انطلق الشعراء لتخليد هذا الحدث. فكان مما قاله الشيخ (أبو زيد عبد الرحمن التلمساني) فيها:
تلت رسل البشائر يوم عيد ... علينا سورة الفتح السعيد
فأحيت من رسوم البشر رسما ... عفا بالشرك من زمن بعيد
стр. 387
وقل (وهران) يهنيك افتكاك ... وإنقاذ من الأسر الشديد
لك البشرى وللإسلام أخرى ... بمنعك من يد الكفر العنيد
أتذكر حين كنت مناخ شرك ... فصرت مقام شكر للحميد
وكنت مقام تثليث فأضحى ... يقرر فيك توحيد المجيد
جزى جيش الجزائر كل خير ... إله الخلق ذو الملك العتيد
هم المستنقذوك وقد أحاطت ... بك الأعداء تطمع في المزيد
٦ - ومن قصيدة (لأبي عبد الله محمد - المعروف بابن يوسف الجزائري):
مولاي فضلك للكروب مفرج ... وبتاج عز الله أنت متوج
جهزت حقا للجهاد عساكرا ... كرب الورى بقربهم يتفرج
كم قاتلوا الأبطال يوم الملتقى ... حتى محوا داجي الضلال وفرجوا
وحياهم المولى بنصر عندما ... ركبوا المطايا للجهاد وأسرجوا
حتى قضوا حقا (لوهران) التي ... أمواج بحر ضلالهم تتموج
فرت خيول المشركين أمامهم ... لما رأوا برق الهدى يتورج
عادت إلى الإسلام دارا مثلما ... كانت، وصارت ريحها تتأرج
أضحى مؤذنها يحيعل تارة ... وبها يهلل تارة ويهزج
وقراءة القرآن في أرجائها ... منها نتائج الاستقامة تنتج
والدين أصبح قيما وكفى بها ... من نعمة عنا الكروب تفرج
٧ - ومن قصيدة للشيخ (محمد بن محمد بن علي بن سيدي المهدي الجزائري):
وهل طاوعت (وهران) قبل مملكا ... سواه فأضحى أنفها وهو راغم
فكم سامها من لا يناهضها وكم ... حوالي حماها حام بالزور حالم
تملكها حزب الشقاء ولم يكن ... زمانا لحزب الحق عنها مخاصم
стр. 388
بها يسمع الناقوس من نحو فرسخ ... ومن لغة الكفار عنه تراجم
وفي كل يوم صيحة من خيولها ... ينوح لها الإسلام، والشرك باسم
زهى واعتلى التثليث فيها ونكست ... لما دهم التوحيد منه الغمائم
فقيض للفتح المبين مهندا، رقيق ... الشبا، صلب الصفيحة، صارم
إمام سقى الكفار كأس منية ... لهم شبه بالنمل والسيف حاطم
لقد صال فيهم صولة هاشمية ... فأمرهم في الحرب حيران واجم
وعاد (لوهران) السنية ريها ... وحن إليها عهدها المتقادم
٨ - ومن أرجوزة للشيخ (أبو عبد الله محمد التغيرلي) من مدينة الجزائر في تاريخ تحداث وهران:
الحمد لله الذي قد فتحا ... وهران من أيدي الرجال الصلحا
وقهر القوم اللئام الفجرة ... ورفع الإسلام فوق الكفرة
في مدة السلطان فخر الناس ... (أحمد) خاقان أبي العباس
من ملك البرين والبحرين ... ومصر والشام بدون مين
للحرمين خادم طول المدى ... دام انتصاره على جمع العدا
يا سائلا عما بوهران ظهر ... من أخذها وفتحها كما اشتهر
أخذها الكفار بالثبات ... مما رويناه عن الثقات
سنة أربع وعشرة مضت ... من بعد تسعمائة قد كملت
فمئتان مع خمس سنين ... عدد مكثها بأيدي المشركين
ثم بعد العزم من الإله ... قد جاءنا الفتح بنصر الله
ففتحت سنة تسعة عشر ... ومائة من بعد ألف تعتبر
في سادس العشرين من شوال ... صبيحة الجمعة خذ مقالي
عن يد من قد صير الجزائر ... جنة كل قاطن وزائر
محمد بكداش فخر الدولة ... وحسن صهره عالي الصولة (١)
стр. 389
٢ - ترجمة رسالتين متبادلتين
بين داي الجزائر والرئيس الأميريكي سنة ١٨٢٥
أعلنت الجزائر الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية في ١٢ نيسان - أبريل - ١٨٢٥، بسبب استغلال أمريكا لاتفاقياتها مع الجزائر بطريقة سيئة، وبسبب عدم وفاء أمريكا بالتزاماتها. وأرسل الرئيس الأمريكي (جيمس ماديسون) رسالة إلى الداي تضمنت ما يلي:
(لقد أعلنتم سموكم الحرب على الولايات المتحدة، وقد قرر الكونغرس في إجتماعه الأخير إعلان حالة الحرب مع حكومتكم، وكلف أسطولا من بواخرنا بالتوجه إلى البحر الأبيض المتوسط لتنفيذ ذلك القرار. وسيكلف هذا الأسطول تخييركم بين الحرب والسلام، وأنتم وما ترون، ولنا وطيد الأمل أن توازنوا بين ويلات الحرب ومزايا حسن التفاهم مع أمريكا التي تزداد قوتها مع الزمن، فتجنحوا إلى استئناف ما كان بين الحكومتين من علاقات الود والصداقة، وليس لحكومتنا هدف إلا السلام والصداقة مع الجميع).
وأجاب الداي (عمر) باسم الحكومة الجزائرية على ذلك - بعد أن حدد شروط الصلح، وتضمنت رسالته:
(وإني أبلغكم رغبة حكومتي في استئناف علاقات الصداقة التي
стр. 390
ربطت بين بلدينا منذ أكثر من عشرين سنة، ولا سيما أن أمريكا كانت أول دولة عقدت معها حكومتي معاهدات سلام. ونتمنى بعون الله أن يأتينا ردكم سريعا بالموافقة على شروطنا الموضحة آنفا، أما إذا رفضتم الموافقة عليها، فإنكم تتحملون وزر خرق قوانين الإنسانية المقدسة، والاعتداء على مواثيق الأمم).
وقد رضخت أمريكا لشروط الداي وتم الصلح.
(تاريخ الجزائر - مجاهد مسعود - ص ١٠٤)