حتى نرى وهران دار إقامة ... الصلوات يسبقها الأذان المكمل
ونرى بها القرآن يفشو درسه ... والعلم حل بها فنعم المنزل
ويبوء عباد الصليب بحسرة ... لديار كفرهم الشنيع تزلزل
والخيل تمرح في جوانب أرضهم ... سورا ودورا بالأسارى تقفل
٤ - ومن قصيدة (لأبي العباس أحمد أبي علي صاحب) في استصراخالمجاهدين لإنقاذ وهران:
فمن مبلغ عني ملوك الأقالم ... وكل رئيس من رؤوس العمائم
وكل همام مائل في حمائل ... على متن جار سابق في العزائم
وكل زعيم مولع بحدوده يصيد ... الضواري من فحول الضراغم
وسلطانها التركي في دار ملكه ... وبين علاه في دهاة العظائم
وجيش بني عثمان من كل قائد ... جيوشا كموج البحر عند التلاطم
يريدون (وهرانا) فما سبق القضا ... بتنفيذه للوقت في جفن عالم
يخوضون لجا في سفائن رائس ... حراضا لدين الله عز العزائم
وحرز بنات العرب من كل فاتك ... بأبكارها الحرات في قصر ظالم
فيا آل عثمان ويا سادة الوغى ... وكلكم أعماله بالخواتم
ويا معشر الأتراك ما بال سعيكم ... ووهران تزهو نخوة بالمراغم
٥ - وعندما حرر المسلمون (وهران) انطلق الشعراء لتخليد هذا الحدث. فكان مما قاله الشيخ (أبو زيد عبد الرحمن التلمساني) فيها:
تلت رسل البشائر يوم عيد ... علينا سورة الفتح السعيد
فأحيت من رسوم البشر رسما ... عفا بالشرك من زمن بعيد
стр. 387
وقل (وهران) يهنيك افتكاك ... وإنقاذ من الأسر الشديد
لك البشرى وللإسلام أخرى ... بمنعك من يد الكفر العنيد
أتذكر حين كنت مناخ شرك ... فصرت مقام شكر للحميد
وكنت مقام تثليث فأضحى ... يقرر فيك توحيد المجيد
جزى جيش الجزائر كل خير ... إله الخلق ذو الملك العتيد
هم المستنقذوك وقد أحاطت ... بك الأعداء تطمع في المزيد
٦ - ومن قصيدة (لأبي عبد الله محمد - المعروف بابن يوسف الجزائري):
مولاي فضلك للكروب مفرج ... وبتاج عز الله أنت متوج
جهزت حقا للجهاد عساكرا ... كرب الورى بقربهم يتفرج
كم قاتلوا الأبطال يوم الملتقى ... حتى محوا داجي الضلال وفرجوا
وحياهم المولى بنصر عندما ... ركبوا المطايا للجهاد وأسرجوا
حتى قضوا حقا (لوهران) التي ... أمواج بحر ضلالهم تتموج
فرت خيول المشركين أمامهم ... لما رأوا برق الهدى يتورج
عادت إلى الإسلام دارا مثلما ... كانت، وصارت ريحها تتأرج
أضحى مؤذنها يحيعل تارة ... وبها يهلل تارة ويهزج
وقراءة القرآن في أرجائها ... منها نتائج الاستقامة تنتج
والدين أصبح قيما وكفى بها ... من نعمة عنا الكروب تفرج
٧ - ومن قصيدة للشيخ (محمد بن محمد بن علي بن سيدي المهدي الجزائري):
وهل طاوعت (وهران) قبل مملكا ... سواه فأضحى أنفها وهو راغم
فكم سامها من لا يناهضها وكم ... حوالي حماها حام بالزور حالم
تملكها حزب الشقاء ولم يكن ... زمانا لحزب الحق عنها مخاصم
стр. 388
بها يسمع الناقوس من نحو فرسخ ... ومن لغة الكفار عنه تراجم
وفي كل يوم صيحة من خيولها ... ينوح لها الإسلام، والشرك باسم
زهى واعتلى التثليث فيها ونكست ... لما دهم التوحيد منه الغمائم
فقيض للفتح المبين مهندا، رقيق ... الشبا، صلب الصفيحة، صارم
إمام سقى الكفار كأس منية ... لهم شبه بالنمل والسيف حاطم
لقد صال فيهم صولة هاشمية ... فأمرهم في الحرب حيران واجم
وعاد (لوهران) السنية ريها ... وحن إليها عهدها المتقادم
٨ - ومن أرجوزة للشيخ (أبو عبد الله محمد التغيرلي) من مدينة الجزائر في تاريخ تحداث وهران:
الحمد لله الذي قد فتحا ... وهران من أيدي الرجال الصلحا
وقهر القوم اللئام الفجرة ... ورفع الإسلام فوق الكفرة
في مدة السلطان فخر الناس ... (أحمد) خاقان أبي العباس
من ملك البرين والبحرين ... ومصر والشام بدون مين
للحرمين خادم طول المدى ... دام انتصاره على جمع العدا
يا سائلا عما بوهران ظهر ... من أخذها وفتحها كما اشتهر
أخذها الكفار بالثبات ... مما رويناه عن الثقات
سنة أربع وعشرة مضت ... من بعد تسعمائة قد كملت
فمئتان مع خمس سنين ... عدد مكثها بأيدي المشركين
ثم بعد العزم من الإله ... قد جاءنا الفتح بنصر الله
ففتحت سنة تسعة عشر ... ومائة من بعد ألف تعتبر
في سادس العشرين من شوال ... صبيحة الجمعة خذ مقالي
عن يد من قد صير الجزائر ... جنة كل قاطن وزائر
محمد بكداش فخر الدولة ... وحسن صهره عالي الصولة (١)
стр. 389
٢ - ترجمة رسالتين متبادلتين
بين داي الجزائر والرئيس الأميريكي سنة ١٨٢٥
أعلنت الجزائر الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية في ١٢ نيسان - أبريل - ١٨٢٥، بسبب استغلال أمريكا لاتفاقياتها مع الجزائر بطريقة سيئة، وبسبب عدم وفاء أمريكا بالتزاماتها. وأرسل الرئيس الأمريكي (جيمس ماديسون) رسالة إلى الداي تضمنت ما يلي:
(لقد أعلنتم سموكم الحرب على الولايات المتحدة، وقد قرر الكونغرس في إجتماعه الأخير إعلان حالة الحرب مع حكومتكم، وكلف أسطولا من بواخرنا بالتوجه إلى البحر الأبيض المتوسط لتنفيذ ذلك القرار. وسيكلف هذا الأسطول تخييركم بين الحرب والسلام، وأنتم وما ترون، ولنا وطيد الأمل أن توازنوا بين ويلات الحرب ومزايا حسن التفاهم مع أمريكا التي تزداد قوتها مع الزمن، فتجنحوا إلى استئناف ما كان بين الحكومتين من علاقات الود والصداقة، وليس لحكومتنا هدف إلا السلام والصداقة مع الجميع).
وأجاب الداي (عمر) باسم الحكومة الجزائرية على ذلك - بعد أن حدد شروط الصلح، وتضمنت رسالته:
(وإني أبلغكم رغبة حكومتي في استئناف علاقات الصداقة التي
стр. 390
ربطت بين بلدينا منذ أكثر من عشرين سنة، ولا سيما أن أمريكا كانت أول دولة عقدت معها حكومتي معاهدات سلام. ونتمنى بعون الله أن يأتينا ردكم سريعا بالموافقة على شروطنا الموضحة آنفا، أما إذا رفضتم الموافقة عليها، فإنكم تتحملون وزر خرق قوانين الإنسانية المقدسة، والاعتداء على مواثيق الأمم).
وقد رضخت أمريكا لشروط الداي وتم الصلح.
(تاريخ الجزائر - مجاهد مسعود - ص ١٠٤)
стр. 391
المراجع
стр. 392
الفهرس
стр. 393
_________
ب - انتصار المسلمين في مستغانم (١٥٥٨م) ........................... ٨٣
ج - معركة المرسى الكبير (١٥٦٣م) .................................... ٨٧
د - تحرير تونس (١٥٧٣م) ............................................. ٩٧
هـ - انتصار المجاهدين في أصيلا (المغرب) (١٥٧٥م) .................. ١٠١
٢ - انكلترا تشن الحرب على الجزائر (١٦٢٠ م) ......................... ١٠٩
٣ - الأعمال العدوانية الإفرنسية (١٦٦٤ - و١٦٨٢م) ................... ١١٣
٤ - القتال حول وهران وتحريرها (١٧٠٥ - ١٧٠٨ م) ................... ١١٧
٥ - الإسبانيون يعودون إلى وهران (١٧٣٢م) ............................ ١٢٨
٦ - تبادل الأسرى والمعركة البحرية أمام الجزائر (١٧٧٣م) ............... ١٣٤
٧ - الجزائر تدمر الحملة الإسبانية الكبرى (١٧٧٥م) ..................... ١٤٠
٨ - معركة بحرية جديدة أمام الجزائر (١٧٨٤م) .......................... ١٥٠
٩ - وأخيرا تحرير وهران (١٧٩١م) ...................................... ١٥٥
الفصل الثالث: .......................................................... ١٥٩
١ - الجزائر (المحروسة) على طريق البناء والقوة ......................... ١٦١
٢ - السياسة الاستراتيجية للجزائر ........................................ ١٧١
٣ - المجاهدون والحروب الثوروية الإسلامية ............................. ١٧٨
قراءات .................................................................. ١٨٧
١ - وهران وأدب الحرب ................................................. ١٨٩
٢ - ترجمة رسالتين متبادلتين بين داي الجزائر والرئيس الأمريكي .......... ١٩٤
المراجع الرئيسية للبحث .................................................. ١٩٦
стр. 394
المقاومة الجزائرية للإستعمار الفرنسي
(١٨٣٠ - ١٨٣٨م)
стр. 395
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 396
جهاد شعب الجزائر
المقاومة الجزائرية للإستعمار الفرنسي
(١٨٣٠ - ١٨٣٨م)
بسام العسلي
دار النفائس
стр. 397
الطبعة الأولى: ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠م
الطبعة الثانية: ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦م
стр. 398
الإهداء
إلى أرواح الشهداء
من الرواد الأوائل في مجابهة
الهجمة الصليبية (الاستعمارية)
والذين أضاؤوا بدمائهم درب الجهاد
فسارت جموع المجاهدين على خطاهم حتى النصر.
بسام
стр. 399
المقدمة
ويبدأ القرن الخامس عشر للهجرة،
ومع هذه البداية يكون قد مضى على احتلال الجزائر قرن ونصف من عمر الزمن. ففي سنة (١٨٣٠ م) اقتحمت جيوش الغزو الإفرنسي أرض الجزائر الإسلامية في عملية قرصنة وحشية عجزت عن مثلها جيوش البرابرة. وكان ذلك إيذانا ببدء عصر جديد عرف باسم (عصر الاستعمار).
ومع بداية سنة (١٩٨٠ م) يعود العالم العربي - الإسلامي ليعيش تجارب غير بعيدة في ملامحها العامة عن تلك التي عرفها منذ مائة وخمسين سنة.
الحرب واحدة وظواهرها متنوعة وأشكالها متباينة، غير أن هذا التنوع وذاك التباين لا يستطيعان إخفاء هدف هذه الحرب الشرسة وطبيعتها.
لقد كانت عملية غزو الجزائر - تحت راية الصليبية - هي بداية صراع مرير خاصه شعب الجزائر المجاهد تحت راية الإسلام؛ طوال فترة (عرفت بليل الاستعمار). وكان هذا الليل الطويل حافلا
стр. 400
بالتجارب الثوروية وأعمال الصراع المسلح. ولم تعد هذه التجارب الثوروية ملكا للجزائر وأهلها بقدر ما أصبحت ملكا لشعوب العالم كله، وبصورة خاصة تلك التي عانت من (تجربة الاستعمار) ولا تزال تعاني من (رواسبه).
وتجربة الجزائر هي تجربة (فردة) فقد بدأ الاستعمار بالجزائر وانتهى فوق أرض الجزائر. وكان الجهاد طوال هذه الفترة مميزا بخصائصه، مميزا بأساليبه، مما حمل الكاتب العسكري الإفرنسي بلوفر - على الاعتراف بهذه الخصوصية، فصنفها في إطار (الحروب الثوروية الإسلامية). وقد يكون من غير المهم الأخذ برأي الغربيين في المنجزات الثوروية للعالم العربي الإسلامي، ولكن من المهم
أن يعرف العرب - المسلمون أهمية تجاربهم الثوروية، لأن هذه المعرفه تجعلهم أكثر قدرة على الالتزام بأسس (أصالتهم الذاتية).
تجربة (الجزائر المجاهدة) هي تجربة فردة، وقد يكون العرب المسلمون أحرى من غيرهم بمعرفة أبعاد هذه التجربة والإفادة منها. وقد يكون من الصعب الوصول إلى هذه الأبعاد إن هي لم تستند إلى بداياتها الأولى. ومن هنا تظهر أهمية العودة إلى تلك البدايات في مقاومة الهجمة الاستعمارية. لقد تميزت المقاومة الجزائرية بمجموعة من الظواهر التي ارتسمت ملامحها الأولى مع بدايات الغزو، ثم تطورت هذه الظواهر من خلال التفاعل المستمر بين قوى القمع الاستعماري وقوى الجهاد الإسلامي. وحاولت الصليبية تغطية كل سوءات الاستعمار، غير أنها فشلت في ذلك. وحاولت قوى القمع الاستعماري تدمير قواعد الصمود الإسلامية بتدمير المسلمين عقيدة وفكرا وحتى عبادة بتدمير المساجد.
стр. 401
والاستيلاء عليها. غير أن ذلك كله ما زاد الجهاد إلا اتقادا، وما زاد من ألق الاسلام إلا توهجا. فانطلقت الثورات المتتالية من المساجد - من قواعد الصمود -.
وحاولت فرنسا الاستعمار تدمير العرب، واللغة العربية، لأنها لغة القرآن، لغة الصمود. وهنا كان فشلها الكبير أيضا، فكانت الصيحة المفجرة لكل ثورة ولكل معركة هي صيحة الجهاد عند العرب - المسلمين (الله أكبر).
وتنتصر الجزائر. ويعود الصراع من البداية، وإلى البداية.
غير أن أساليب الصراع تختلف، وطرائقه تتباين، لكن طبيعته ثابتة لا تتغير.
ومن هنا أيضا تأخذ التجربة الجزائرية كل أهميتها، وتصبح ملكا للعالم العربي - الإسلامي كله. وهذا ما يدفع إلى (ضرورة التعرف عليها) وتذكرها دائما، والتعلم منها.
(وقل رب زدني علما)
بسام العسلي
стр. 402
وجيز الأحداث على الساحة الأوروبية
стр. 403
وجيز الأحداث على الساحة الإسلامية
стр. 404
وجيز الأحداث على ساحة الجزائر
стр. 405
﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ................ والله على كل شيء قدير﴾
(سورة التوبة - الآيتان ٣٨ و ٣٩).
الفصل الأول
١ - الموقف في دار الخلافة العثمانية.
٢ - محمد علي باشا في مصر.
٣ - معركة نافاران (١٨٢٧).
стр. 406
١ - الموقف في دار الخلافة العثمانية
بدأ القرن التاسع عشر وهو يحمل معه بدايات التحول الحاسمة في غير مصلحة العالم الإسلامي، وأخذت الضربات المتلاحقة والمتسارعة تنزل بالإمبراطورية العثمانية (الخلافة) بعد أن استنزف الصراع المستمر جهد طاقتها، وبعد أن أخذت الدولتان المجاورتان لها (بصورة خاصة) تتوسعان على حسابها، فقد سبق لدولة روسيا والنمسا أن انتزعتا قسما كبيرا من أراضيها، لا سيما بعد أن ضمت روسيا إليها ولاية الكرج (جورجيا) سنة ١٧٨٤، وصار بإمكانها تهديد دار الخلافة الإسلامية تهديدا مباشرا. ورافق ذلك ثورة صناعية في الغرب، أدت إلى زيادة القدرات في دوله - وبصورة خاصة في فرنسا وانكلترا - وبدأت عملية البحث عن الأسواق الجديدة في العالم للحصول على المواد الأولية وفريق المنتجات. ولما كان العالم الإسلامي يمسك بالتجارة الدولية ومفاتيح البحار، فقد أخذ البحث عن الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك عن طريق ما عرف (بالاستعمار). وتوجهت الأطماع بالدرجة الأولى لتمزيق وحدة العالم الإسلامي، خارجيا وداخليا، وكان باستطاعة الدول العظمى استخدام عامل التحريض (القومي والوطني) لتدمير - القلعة
стр. 407
الإسلامية من الداخل، وظهرت نتائج التحريض بسرعة على المسرح الأوروبي.
وأمام هذه الأخطار مجتمعة ظهرت حاجة الخلافة العثمانية لإعادة التنظيم الشامل في كل أجهزتها ومؤسساتها. ولم تعدم دار الخلافة وجود شخصيات إصلاحية متفتحة تنزع إلى الإصلاح، وكانت المؤسسة العسكرية التي أحرزت فيما مضى أعظم الانتصارات، قد انتهت إلى مرحلة مذهلة من التدهور والضعف والانحطاط. وكان لا بد من العمل على البدء بإصلاح هذه المؤسسة قبل كل شيء لمجابهة الأخطار الخارجية. وعندما حاول السلطان (سليم الثالث) إصلاح جيشه، وتطويره، مستفيدا في ذلك من تجربة نابليون بونابرت، تصدت له طبقة (قيادة الإنكشارية) فأمرت مع حاميات قلاع البوسفور. وأرغمت السلطان عن التنازل عن العرش في ٢٩ أيار - مايو - سنة ١٨٠٧ م٠ بعد أن تم اقتياد جميع أنصار الإصلاح إلى ميدان السباق (آت ميدان) حيث تمت إبادتهم عن آخرهم.
تولى مصطفى الرابع - ابن عم سليم الثالث - الخلافة، غير أنه لم يتمكن من الاسمرار في الخلافة أكثر من سنة واحدة، أقدم بعدها (مصطفى البيرقدار - حاكم سيلسترة) (١) على خلعه ولما كان (السلطان سليم السابق) قد قتل، فقد خلفه على الخلافة أخوه (محمود الثاني: ١٨٠٨ - ١٨٣٩) الذي وضع نصب عينيه تطوير الخلافة وزيادة قوتها والقضاء على (الإنكشارية). وأظهر في البداية
стр. 408
ومعه مصطفى البيرقدار رضوخه للعناصر المقاومة للإصلاح. وعندما تعرض للهزائم المتتالية أمام القوات الروسية وخسر (نيقو بوليس وسيلستره وروسجق) واضطر إلى توقيع صلح (بوخارست في ٢٨ أيار - مايو سنة ١٨١٢) وهو الصلح الذي اعترف فيه بنهر البروت حدا فاصلا بين روسيا ودار الخلافة والذي أعلن فيه التزامه بعدم أي توسع جديد في المستقبل، وجد أن الفرصة قد باتت سانحة للمضي في إصلاحاته، غير أنه كان ملزما على التحرك بحذر بسبب مخاوفه من حرب يشنها (نابليون) على حدود البلاد الإسلامية، وبسبب الثورات المتفجرة في أوروبا. فمنذ سنة (١٨٠٤ م) كانت بلاد الصرب قد أعلنت الثورة بقيادة (قره جورج - قره يوركي) التي قدمت دعما كبيرا لروسيا في حربها ضد العثمانيين مقابل دعم الروس لهم من أجل الاستقلال. ثم تابع (قره جورج) حربه ضد الخلافة العثمانية، ولكن الهزائم التي نزلت به أرغمته على الفرار إلى النمسا. فقام مقامه (ميلوش اوبرنوويج). وفي سنة ١٨٢٠ اندلعت نار الثورة اليونانية التي أذكتها الحماسة الأوروبية - الصليبية -. وأدت هذه الثورة إلى تعقيدات كبيرة بسبب منافسات الدول العظمى على استثمارها. وكان من أبرز نتائجها، حرمان بلاد الخلافة العثمانية من إقليم له أهميته العظمى (من الناحية الجيو - استراتيجية ومن الناحية الاقتصادية والبشرية). وتبع ذلك ظهور ثورات في الروم إيلي والأناضول غير أن الخلافة العثمانية نجحت في القضاء على هذه الثورات، واستعادت هيبتها في الإقاليم. وبرهن جند الإنكشارية في هذه المعارك جميعها على ضعفهم وقصورهم. وأفاد (السلطان محمود) من فترة الانتظار والهدوء، فأسند معظم مناصب الدولة إلى رجال أكفاء ومخلصين. وأقدم بعد ذلك على الخطوة الحاسمة في
стр. 409
ربيع سنة ١٨٢٦م حيث أصدر أمره بإنشاء جيش نظامي جديد أطلق عليه اسم (معلم اشكنجي) أي (الحرس المدرب) وذلك بعد أن اتخذ التدابير الوقائية اللازمة تحت حماية الجيوش الأناضولية التي كان حاكم (بيقوز - أو بكقوز) قد حشدها على الضفة الشرقية من البوسفور. واستخدم لتدريب هذا الجيش المدربين الذين أرسلهم محمد علي والي مصر لهذه الغاية. وأمكن للسلطان أن يكتسب إلى جانبه ضباط الإنكشارية، فأقروا خططه الإصلاحية، في حين ازدادت معارضة من دونهم من الجند لهذا الإصلاح شدة وحدة. وحدد يوم ١٨ حزيران - يونيو ١٨٢٦ موعدا لعرض الجيش في (كآغد خانه) قرب استانبول. ولكي يحول الإنكشارية دون هذا العرض، فقد أعلنوا العصيان قبل موعد العرض بثلاثة أيام، واكتفوا بادىء الأمر بالمطالبة بإلغاء قوانين التدريب المستحدثة للجيش الجديد. ولكن السلطان أمر - بموافقة العلماء - بأن تنشر الراية النبوية - وكأنه يبغي قتال فئة من الكفار. وأوعز إلى الجيش، بعد أن حشد على وجه السرعة، بتطويق الإنكشارية في (آت ميدان) القائمه تجاه ثكناتهم، ولفظ المفتي اللعنة عليهم، ومن ثم دارت رحى مجزرة لم يسلم من هولها أحد منهم، وقتل نحو الألف من الإنكشارية في الأقسام الأخرى من المدينة وألقيت رايتهم ولباسهم المميز أي القلنسوة في الوحل وهدمت ملاهيهم ومقاهيهم التي ألفوا التردد عليها. ليس ذلك فحسب، بل حلت الطريقة (البكتاشية) المتصلة بالإنكشارية، كما حلت فرق الإطفاء والحمالين ذات الصلة الوثيقة بها. ولم تغفل الدولة رجال المدفعية وحرس البوسفور، الذين تعلقوا هذه المرة بأهداب الولاء، على الرغم من أنهم كثيرا ما أيدوا الإنكشارية وتضامنوا معهم، فقضت على كل امرىء منهم آنست
стр. 410
فيه ميولا مويدة للإنكشارية.
كانت المنافسة الاستعمارية الإفرنسية - الإنكليزية قد قطعت شوطا بعيدا في مجال التوغل في المشرق الإسلامي، ولم تكن حملة نابليون على مصر، وتدمير الأسطول الإفرنسي في أبي قير، سوى مظهرا من مظاهر هذه المنافسة (للسيطرة على تجارة الشرق - عبر طريق الهند) وقد أخذت فرنسا في انتهاج سياسة السيطرة على الشرق من خلال والي مصر (محمد علي) الذي وجه قواته إلى اليمن، وبذلك وجدت بريطانيا نفوذها مهددا بشكل قوي، ووجدت طريق الهند مقطوعة. وعلى كل حال، فإن صراعا متباينا في الحدة كان يجري - منذ سنة ١٨١٧ م - بين القبائل اليمنية وبين القوة العسكرية المحدودة للحاكم الإنكليزي في (مخا). وعند وصول الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا نفسه، أرسلت بريطانيا الكابتن (سادلر) بسرعة من بومباي - في سنة ١٨١٩ - ليتابع عن قرب العمليات العسكرية ويبحث عن وسائل تعاون (إنكليزي - مصري) لإعادة الهدوء إلى البلاد. وكان الباب العالي ومحمد علي قد أدركا المطامع الاستعمارية الكامنة وراء هذا المسعى. فكتب السلطان إلى والي مصر محذرا من النوايا الانكليزية في ١٥ تشرين الأول - نوفمبر - ١٨١٩. رسالة جاء فيها: (تهدف السياسة الإنكليزية - بالنسبة للقضية اليمنية، إلى أن تحتل تدريجيا بعض المواقع من أجل التمهيد لغزو محتمل لهذه المنطقة وإيجاد الوسائل للتدخل في شؤنها) (١) ومع ذلك، فقد تدخلت بريطانيا بقواتها ضد (مخا)
стр. 411
وقصفت المدينة في كانون الأول - ديسمبر ١٨٢٠، وأرغمت الإمام على التوقيع على معاهدة سلام، وعلى احترام حقوق المقيم الإنكليزي فيها، ممثل شركة الهند، في (١٥ كانون الثاني - يناير - ١٨٢١). ويذكر هنا أن بلاد المشرق الإسلامي كانت تتعرض في تلك الفترة لموجات من الجواسيس الذين يحملون واجهات علمية، بهدف التمهيد لتنفيذ المخططات الاستعمارية ومنهم على سبيل المثال (عالم الأثنوبولوجيا والرحالة ج. ل. بوركاردت ١٧٨٤ - ١٨١٩) والذي كان يجتاز الجزيرة العربية في ثياب حاج مسلم تحت اسم الشيخ إبراهيم، فأوقفه (محمد علي باشا والي مصر) في الطائف سنة ١٨١٤م باعتباره جاسوسا إنكليزيا. وقد استجوبه والي مصر طويلا حول السودان والنوبة وبلاد الحبشة. وقد أثارت المعلومات التي حصل عليها محمد علي اهتمامه، وأخذ في التحدث عن مشروع لغزو - الحبشة، مما أزعج بريطانيا، فبعثت بسفيرها لمقابلة محمد علي والتحدث إليه، وفي ٢٠ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٢٠، أرسل السفير الإنكليزي (سالت) نتائح مقابلته مع محمد علي باشا في تقرير، تضمن ما يلي:
(اغتنمت الفرصة لأعلن له بلهجة حازمة، بأن مشروع غزو الحبشة قد سبب لي بالفعل ألما حقيقيا لأنني متأكد من أنه سوف لا يروق للحكومة البريطانية، إذ أننا نعتبر أن الحبشة واقعة تحت حمايتنا. ولقد لفت نظره إلى أن الحبشة هي البلد الوحيد في أفريقيا الذي احتفظ بالدين المسيحي، وإلى أنها صمدت صمودا مظفرا خلال أجيال أمام هجمات المسلمين، وإلى أنه لا ينبغي لأحد أن يتوقع من أوروبا عامة، ومن إنكلترا خاصة، أن تنظر بعدم المبالاة إلى هذا البلد إذا ما تعرض للهجوم. وقد التزمت أنا شخصيا بزيارة
стр. 412
هذا البلد لإقامة علاقات ودية مع حكامه. وهناك كثيرون من جمعية الكتاب المقدس في بريطانيا يهتمون بمستقبل هذا البلد. وعندما رأى سموه موقفي الجدي، غير لهجته وطمأنني بشكل معبر إلى أنه قد تخلى منذ الآن عن كل مطمع فيها، وذلك بالرغم من أن هذه المنطقة تغص بالذهب وبالأحجار الكريمة، وبالرغم أيضا من أن غزوه لها مضمون وذلك حتى لا يتورط ولو للحظة واحدة مع حكومتنا) (١).
ظهر بوضوح أن (محمد علي باشا) والي مصر، كان يخشى إنكلترا، ويحسب حسابها، ولهذا فإن إنكلترا لم تعد تهتم بتطوير العلاقات الإفرنسية وهذا ما كتبه القنصل الإنكليزي في الإسكندرية في رسالة له يوم ١٩ حزيران ١ يونيو ١٨٢٧، جاء فيها ما يلي:
(ما هي القيمة السياسية لصداقة الباشا للإفرنسيين؟ إنها، حتى ولو افترضناها نتيجة شعور بالعرفان، بسبب النعم والعلاقات الشخصية فماذا يمكن أن تساوي؟ فلنتركهم إذن يتمتعون بسلام بكل فوائد محبة (محمد علي) ما دمنا قادرين على السيطرة عليه بالتخويف: هذا ما يجب أن يكون أساس سياستنا. ضعوا قوة إنكترا الهائلة في كفة الميزان، وضعوا حب الباشا للمتملقين والمتزلفين الإفرنسيين في الكفة الأخرى، وسترون كفة من سترجح؟ ..) (٢).
لقد ترافقت سياسة المنافسة هذه، بمشاريع تقسيم الإمبراطورية العثمانية، ولم يعد الحديث عن تقسيم تركة (الرجل المريض سريا
стр. 413
أو في الخفاء. فقد ظهر في باريس كتيبان يتضمنان تلخيصا لبعض الأفكار التي ظهرت في القرن الثامن عشر حول انحطاط الإمبراطورية العثمانية. وضرورة توزيع مقاطعاتها على الأمم الأوروبية التجارية. وكان الكتيب الأول عبارة عن منشور مغفل بتوقيع. ج. ج. صدر سنة ١٨٢١ م بعنوان (آراء حول أزمة الإمبراطورية العثمانية الراهنة) ويدعو المؤلف من جديد في هذا الكتيب إلى طرد الأتراك من أوروبا، وتوزيع بعض المواقع الاستراتيجية في البحر الأبيض المتوسط على الدول الاستعمارية وتبعا لذلك ينبغي على فرنسا أن تطالب بجزيرتي قبرص وكريت أما الكتيب الثاني فمنسوب إلى مؤلف يدعى. ب. أ. دوفو (١٧٩٥ - ١٨٧٧). ويحمل عنوان (حول تقسيم تركيا الأوروبية بين روسيا وإنكلترا واليونان بواسطة فرنسا) ويقترح مضمون هذا الكتيب تكوين (إمبراطورية يونانية) على أنقاض السيطرة العثمانية.
وفي هذه الأثناء، كانت مسألة العمل لتقسيم تركيا مسألة مطروحة فعليا أمام الدبلوماسية الأوروبية. وفي ٤ تموز - يوليو - ١٨٢١ م. أرسل (نسرلود) (١) مذكرة دورية باسم روسيا موجهة إلى الدول الكبرى يطالبها فيها بإبداء رأيها بشأن مصير الإمبراطورية العثمانية وكان القيصر يحث على التفاهم بين الدول الكبرى المعنية بشأن تقسيم كان يبدو له مستعجلا ووشيكا.
стр. 414
وبعد ذلك بأسبوعين كانت الحكومة الروسية تقترح على فرنسا تحالفا شكليا حول هذا الموضوع. ولكن الدوق (ريشيليو) كان يطالب بمشروع حسي - عملي - وهذا ما كان يرفضه القيصر. ورغم ذلك، كان يبدو أن شاتوبريان يؤيد هذا المشروع الروسي. حتى أنه أرسل من سفارته في روما رسالة دعا فيها وزيره إلى التفاهم مع قيصر روسيا بشأن تقسيم عادل للمقاطعات العثمانية - الأوروبية: (إذا أردتم - القيصر - الذهاب إلى القسطنطينية فقوموا مع الدول المسيحية بتقسيم عادل لتركيا الأوروبية. أما الدول التي ليست في مركز يسمح لها بالتوسع من جهة الشرق، فتحصل على تعويضات في مناطق أخرى). وهكذا كان وزير الخارجية الإفرنسي (شاتو بريان) (١) مستعدا للتنازل بكل طيبة خاطر عن القسطنطينية لروسيا مقابل مطالبته بكولونيا وريناني لفرنسا. أما الحكومة البريطانية فكانت على ما يظهر تسير على درب منفرد لوضع خريطة جديدة للقارة. أما بروسيا التي كان يجب عليها أن تتخلى عن مقاطعاتها الشرفية في رينانيا، فقد كانت ستحصل بالمقابل على مملكة (الساكس) التي سيعوض على أصحابها بمقاطعة ميلانو، وكانت
стр. 415
حدود هولاندا ستتغير أيضا وفقا لتلك المخططات. ولم يكن على كل حال هذا المشروع هو أول مشروع في أفق الديبلوماسية الغربية خلال تلك الفترة.
لقد كانت هذه الديبلوماسية المتنافسة (أحيانا) تسير بخطوات متوازية ومتكاملة، تشترك فيها انكلترا وفرنسا بالدرجة الأولى والنمسا وروسيا بالدرجة الثانية، ثم تأتي بروسيا بالدرجة الثالثة. وكانت هذه المنافسة تصل إلى مستوى الصراع أحيانا، غير أنها سرعان ما تصل إلى الاتفاق عندما يكون الأمر متعلقا بالسيطرة على العالم الإسلامي من خلال الهيمنة عليه، وهو الأمر الذي أدركه حاكم مصر في مرحلة متأخرة عندما تحدث إلى القنصل الروسي وهو يسدي نصائحه بصمت واهتمام، ثم قال له: (إني أرى بأن بروسيا في عداد الدول التي باتت تتدخل في شووننا كما لو كانت الحكومات الأربع الكبرى غير كافية، وكأن من الضروري انضمام هذه الدوله الخامسة - وأرى أن المنطق يخضع لقانون الأقوى) (١)
стр. 416
٢ - محمد علي باشا في مصر (١)
بقي المماليك هم القوة الحاكمة في مصر منذ نهاية الحروب الصليبية وامتد حكمهم لأكثر من ثلاثة قرون، حتى إذا ما جاء الفتح العثماني، لم يغير كثيرا من العلاقات التي كانت سائدة، غير أن حملة نابليون على مصر (١٧٩٨ م) دمرتهم في معركة الهرم،
стр. 417
وأرسلت الخلافة قوة لمحاربة الإفرنسيين تولى (محمد علي الألباني - الأرناؤوطي) قيادة كتيبة منها، ثم لم يلبث حتى أفاد من التناقضات التي اعقبت إخراج الإفرنسيين من البلاد. وأصبح في سنوات قليلة الحاكم المطلق لمصر، وأظهر من الغيرة على الدين، والرغبة في الجهاد، والعمل لبناء مصر، ما جعله يستحوذ على محبة أهل مصر الذين التفوا حوله وساندوه. وخلال هذه الفترة ترك - للمماليك حرية الحكم في أعالي مصر، حتى إذا ما شرعوا في مفاوضة انكلترا (وكان محمد علي قد هزم جيوشها التي حاولت النزول إلى البر، عند رشيد، في نيسان - أبريل - سنة ١٨٠٧) قرر التخلص منهم. ودعا زعماءهم إلى القاهرة في آذار - مارس - ١٨١١، زاعما أنه يبتغي استشارتهم في أمر حملة يريد شنها على الوهابيين في بلاد العرب. وهناك أعمل السيف في رؤوسهم (في ١١ من الشهر نفسه) وكانت عدتهم ثلاثمائة رجل. فدانت مصر لمحمد علي كما لم تدن لحاكم آخر من قبله. غير أن جنوده الألبانيين (الأرناؤوط) الذين كانوا لا يزالون خاضعين خضوعا بعيدا لتأثير الروح العثمانية، أظهروا تهاونا فحاول قمعهم بالقوة، وأدى ذلك إلى نشوب فتنة في القاهرة سنة ١٨١٦ استطاع محمد علي إخمادها دون عناء كبير. وعلى إثر ذلك سرح جنوده الألبانيين واستعاض عنهم بالفلاحين المصريين الذين دعاهم إلى الخدمة العسكرية. وانطلق لإعادة تنظيم البلاد داخليا وعسكريا على أسس جديدة.
بدأ محمد علي بالعمل للإمساك باقتصاد مصر بقبضة قوية، فقام بإحصاء عام للأراضي، ثم وزعها على الممثلين الرئيسيين للمجتمع المصري الريفي على أساس الاستفادة منها مدى الحياة.
стр. 418
ومكنه ذلك من تدعيم نظام حكمه، وكسب تأييد جماهير السكان العاملة. وفرض نفسه في الواقع كمالك فعلي وحيد للبلاد وكسيد لمصائرها الحيوية. وبعدما حقق كل ذلك، اختط لنفسه سياسة داخلية وخارجية ذات جوانب متعددة ومتكاملة: كان يسيطر بقبضته الإدارية القوية على ثروات وادي النيل الضخمة، وثروات المناطق التي ضمها إليه، وكان يفرض نفسه على السلطان العثماني الذي أنهكته التهدئة العسكرية) ورأى اتباع سان سيمون، رواد اشتراكية الدولة، في شخص محمد علي حاكما يحمل لواء نظريتهم الاقتصادية ويعمل على تطبيقها) والتفت محمد علي بعد ذلك إلى الصناعة: (فنشر في مالطا بتاريخ ٤ نيسان - أبريل - ١٨١٤ إعلانا يدعو فيه العمال من كافة الاختصاصات إلى التعاقد معه للعمل. وفي السنة التالية أمر وكلاءه في العواصم الأوروبية الكبرى أن يزودوه بعمال مهرة ومتخصصين في صناعة النسيج التي كان ينوي دفعها إلى الأمام. لقد أدرك أنئذ أهمية تحويل المواد الأولية الوطنية في مصر نفسها وبيعها مصنعة إلى الخارج. وهكذا بدأت اليد العاملة في الهجرة إلى مصر. وفي أثناء ذلك أقدم على مصادرة العمال الحرفيين في القاهرة والمقاطعات للعمل في المؤسسات التي أنشأها). (وإلى جانب صناعة النسيج أقام محمد علي صناعات أخرى مثل صناعة السكر والزجاج والدباغة والورق والبارود والمنتجات الكيميائية، وعهد بهذه الصناعات إلى خبراء أوروبيين من مختلف الجنسيات) (كذلك برزت أيضا سياسة الانفتاح والتودد تجاه الخبراء الأجانب. وألغى محمد علي القوانين التمييزية، وأطلق حرية ممارسة الشعائر الدينية المسيحية جهارا وإنشاء المدارس والكنائس، ومنح المساواة خاصة بالنسبة لليهود). وأقبل
стр. 419
الافاقون والمغامرون لتجربة حظهم في مصر، وعندما حذره المقربون إليه من الاختيار المتسرع للأجاب أجابهم: (إنني أعرف أنه بين الخمسين شخصا الذين يأتون ليعرضوا علي خدماتهم هناك تسعة وأربعون يمكن اعتبارهم حجارة كريمة مزيفة. إلا أنني لا أستطيع أن اكتشف الجوهرة الحقيقة الوحيدة بينهم دون تجربتهم جميعا، إني أشتريهم كلهم، وعندما أكتشف العنصر الحقيقي بينهم فإنه يعوض علي الخسارة التي سببها لي الآخرون) (وأرسل محمد علي عشرات الطلاب في بعثات خارجية - إلى فرنسا بصورة خاصة - وسافرت البعثة الأولى المكونة من أربعين طالبا سنة ١٨١٨ م. ونظمت إدارة ومراقبة الطلاب إلى الجغرافي جوزيف أيوب، أستاذ اللغة العربية في ثانوية (سانت لويس الكبير) وكانت الدراسة مجانية على نفقة الحكومة وتشمل كافة الاختصاصات. وكان محمد علي ينتظر عودة المتخرجين الأوائل من أوروبا، ووصول اتباع سان سيمون الإفرنسيين لكي ينظم وزارة التعليم العام. وأقام مطبعة بولاق التي بقيت منشوراتها ذات شهرة في تكوين الثقافة العربية المعاصرة، والتي وضع أمامها الكاهن (دوم رافائيل) إلى جانب ترجمات لأفضل الكتب الإفرنسية والإنكليزية).
وفي مجال تنظيم الجيش، اعتمد محمد علي على ضابط فرنسي قديم اسمه (سيف - وعرف في التاريخ العربي باسم - سليمان باشا) (١) ثم أقام المدارس العسكرية لكافة الاختصاصات. وفي نهاية
стр. 420
سنة ١٨٢٣، انتهى محمد علي من مرحلة التنظيم، ووقف يستعرض قواته الجديدة وإلى جانبه قنصلا فرنسا وانكلترا.
(كانث الحكومة الإفرنسية تنظر دائما بعطف كبير، وتشجع باستمرار هذه النهضة المصرية. وقد أرسلت إلى محمد علي بعد ذلك بأسابيع قليلة بعثة عسكرية استقبلها محمد علي بترحيب كبير. وكانت الحكومة الإفرنسية تهدف من وراء ذلك إلى توجيه مجرى الأحداث لخدمة مصالحها، وقد وصلت البعثة إلى الإسكندرية بقيادة الجنرال (بوير) في ٢٤ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٢٤ م. وفي السنة التالية (أب - أغسطس - ١٨٢٥) كان عدد ضباط البعثة قد ارتفع إلى الضعف تقريبا. وكان الجنرال (بليارد) الذي تفاوض مع المراجع العليا بصدد هذه البعثة قد أعطى الجنرال - بوير - تعليمات ذات مغزى مستقاة من نصائح الوزارة الإفرنسية) (وكان على - بوير -أن يقنع محمد علي بعدة مبادىء وأن يجعله يتصرف بشكل يكسب فيه عطف أوروبا المسيحية. وهكذا فقد كان عليه أن يحمله على إعادة النظر بحملة المورة التي كانت تستنزف قوته العسكرية الناشئة بدون طائل، وتجعله على تعارض مع سياسة أوروبا المسيحية. فهو إذا ما حشد قواه من أجل إعادة البناء الداخلي عن طريق إصلاح البنى القائمة، فقد يجعله ذلك يحقق كسبا أكثر في نظر - العالم
стр. 421
المتمدن - أما إذا أراد أن ينطلق في سياسة توسع وطنية - فإن إفريقيا وسوريا تشكلان إمكانات عظيمة لا تحمل معها مجازفات ذات شأن).
(كانت الحكومة الإفرنسية تفكر في الواقع باستخدام محمد علي لتنفيذ ما عجز نابليون بونابرت عن تحقيقه وهو السيطرة على مصر لتهديد طريق الهند. وعبر القنصل الإفرنسي في القاهرة - دروفيني - عن هذه النوايا بصراحة تامة في رسالته إلى وزير الخارجية الإفرنسي (يوم ٧ آب - أغسطس - ١٨٢٦) حيث قال: (إن عملية البناء العسكري للقوات المصرية التي عهد بها إلى بعثة الجنرال الإفرنسي، تمهد للأحداث التي يجب أن تجعلنا يوما ما نمتلك هذا البلد) وقد حدث ذلك في الوقت الذي كانت فيه الحكومة الإفرنسية منصرفة لوضع مخطط أوسع شمولا يضم المغرب الواقع على البحر الأبيض المتوسط. وقد أثار - دروفيني - نفسه فيما بعد اهتمام الباشا بهذا المخطط، الذي انتهى باحتلال الجزائر، حيث غادر بوير وكبار معاونيه مصر بعد ذلك مباشرة.
لم تكن الدول الغربية - وبصورة خاصة فرنسا - تهتم بزيادة القدرة العسكرية المصرية طالما أنها تسيطر على توجيه هذه القدرة ضد الإمبراطورية العثمانية ذاتها من أجل إضعاف العالم الإسلامي من الداخل، ولم تكن هذه الدول تتردد في إعطاء محمد علي ظواهر الحضارة الغربية - عن طريق إقامة المصانع طالما أن هذه المصانع ترهق مصر أكثر مما تفيدها. وهذا ما أشار إليه القنصل الإفرنسي في مصر: (إن وضع محمد علي المالي يزداد خطورة شيئا فشيئا ... وأن تشبثه في إقامة المعامل التي لا تعود عليه بأي ربح قد استنزف
стр. 422
موارده. إن بناء وصيانة المصانع تقدر هذه السنة (١٨٢٦) بعشرين مليون فرنك. ورغم هذا فقد أقدم على حفر عدة أقنية إضافية، وأمر بتنفيذ أشغال أخرى من هذا النوع).
خلال هذه الفترة كانت الثورة اليونانية تتطور باستمرار. وأراد الخليفة العثماني الإفادة من قدرة الجيش المصري، فطلب إلى محمد علي التدخل ووعده بمنحه (المورة) (١) ونفذ محمد علي ما طلبه السلطان. وكان ذلك مخالفا لمخططات الدول العظمى التي أرادت استخدام قوة محمد علي ضد العالم الإسلامي لا ضد الصليبية الأوروبية، فبدأت الدول - الأوروبية الغربية في التحرك المضاد. وتمخض هذا التحرك عن التقارب الإنكليزي - الروسي التي انضمت إليه فرنسا بعد فترة قصيرة، وبات هذا التقارب هو الذي يوجه الدبلوماسية الأوروبية نحو حل المسألة اليونانية. فبعد مفاوضات دقيقة تم التوقيع على بروتوكول (سان بطرسبورغ) في ١٣ آذار - مارس - سنة ١٨٢٥ م. وقبل الموقعون على هذا البروتوكول مبدأ التدخل الأوروبي في شؤون الإمبراطورية - الخلافة - العثمانية من أجل ما أسموه (وضع حد للحوادث التي كانت تثير الاضطراب في المشرق). وأصبح موضع العالم الإسلامي اعتبارا من هذا التاريخ تحت مبضع التشريح الذي تمسك به القبضة الأوروبية، غير أن أوروبا حاولت قبل اللجوء إلى التدخل المسلح،
стр. 423
إقناع محمد علي بالتخلي عن الخلافة العثمانية، لأنها لم تكن تريد له التدخل كطرف ثالث في الصراع الدائر بين الخلافة الإسلامية وأوروبا المسيحية، وأخدت الدول الكبرى تغري خياله الطموح بمناطق أخرى من الإمبراطورية العثمانية تكون (أكثر ربحا) من ولاية المورة التي منحها له السلطان العثماني، فكان البعض يغرونه بخيرات سوريا، والبعض الآخر يصورون له بمبالغة النفوذ الذي سيكسبه من فتح بلاد المغرب العربي - الإسلامي. وكانت الديبلوماسية الإنكليزية تريد له سوريا، فكتب وزير الخارجية الإنكليزي (ستراتفورد كانينغ) إلى قنصله في الإسكندرية (سالت) رسالة بتاريخ ١٠ حزيران - يونيو ١٨٢٦ جاء فيها: (إذا استطعنا أن نحمل محمد علي على فهم مصالحه الخاصة، إلى حد دفعه إلى تبني وجهات نظرنا، فلا شك في أن مساهمته ستساعد على نجاح مفاوضاتنا. وسيكون من الأفضل له التنازل عن جزء من الجزية التي سيدفعها اليونانيون مقابل احتفاط ابنه بولاية سوريا) وكان ستراتفورد كانيبغ قد أرسل مثل هذه التعليمات الدقيقة إلى سفيره في القسطنطينية (جورج كانينغ) في الرابع من حزيران - يونيو - ١٨٢٦ كالتالي: (إن إغراء محمد علي بسوريا كحل للأزمة اليونانية يدخل في نطاق بروتوكول سان بطرسبورغ، فهل من الممكن إقناع والي مصر، بالتجاوب مع الوساطة بصدد المسألة اليونانية وذلك عن طريق إعطائه الأمل في ولاية سوريا، وبوعده، إذا كان سلوكه حسنا بمساعدة معينة في مشاريعه لبناء السفن؟ إني أفهم تماما أن بروتوكول سان بطرسبورغ لا يعني اسخدام القوة، إلا أنه لا يقول بأي رفض لهذه الوسيلة ...).
стр. 424
كانت عروض القنصل الإفرنسي (دروفيني) (١) المبطنة ومساعدة البعثة العسكرية والبحرية تغذي أوهام محمد علي، وفي آب - أغسطس - ١٨٢٥، نزال الكولونيل ري ومعه عدد من التقنيين في الإسكندرية، ومعه عدة نماذج من المدافع الحربية قدمها (شارل العاشر) وكان ري مكلفا بإعادة تنظيم ترسانات ومعامل الأسلحة. وفي نيسان (أبريل) ١٨٢٧، وصلت أيضا، بناء على طلب والي مصر، بعثة بحرية إفرنسية أخرى. وبعد فترة قصيرة انضمت السفن الجديدة التي أوصى عليها في أوروبا إلى أسطوله البحري (بين حزيران وآب - يونيو وأغسطس - ١٨٢٧) أي قبل هزيمة نافاران مباشرة.
عملت فرنسا بعد ذلك على تطوير علاقاتها مع مصر محمد علي باشا، وتوثيق عرى التعاون في كل المجالات. ففي ١٨ آب - أغسطس - ١٨٢٨، نزلت في الإسكندرية بعثة علمية تضم بين أعضائها الشاب (شامبوليون) والسيد (لونورمان) ورسامين وعالم طبيعي ومهندس معماري وكانت مهمة البعثة القيام بأبحاث تنقيب عن الآثار، وبفك رموز الكتابة الهيروغلوفية (المصرية القديمة). وفي الخامس والعشرين من الشهر ذاته، وصلت بعثة دبلوماسية أخرى مؤلفة من (الكونت دوسان يجي) ابن أخ المسيو (دوهيد دونوفيل) وزير البحرية. والمسيو كرو، من وزارة الخارجية، واجتمعت مطولا إلى محمد علي الذي كان يعيد بناء أسطوله ويرغب في توسيع ترسانته في الإسكندرية، وأن يقيم فيها ورشات لبناء السفن بمساعدة التقنيين
стр. 425
الإفرنسيين. وقد وقعت مهمة القيام بهذه العملية الصعبة على عاتق (لوفيبور دوسيريزي) الذي وصل في نيسان - أبريل من سنة ١٨٢٩م. وفي غضون عام ١٨٢٩ أيضا وصل إلى مصر (مسيو بوكي ديشان) والسيدة (إيد سانت إيلم) اللذان خلقا وضعا ظريفا ومسليا لإقامتهما، وكان الهدف البعيد لهذا الغزل الإفرنسي المصري الطويل هو احتلال المغرب العربي - الإسلامي - (أو الدويلات البربرية كما كانت تسميها فرنسا). وبعد هذه المكاسب الأولى التي حققها - دروفيني - حاولت بعثتا (هودر - و - لانفسدورف) دفع محمد علي إلى هذه المغامرة الإفريقية ضد مقاطعات شبه مستقلة. إلا أن رفض باشا مصر كان مهذبا. فقد كان هناك سببان رئيسيان لإيقافه عن سلوك هذه الطريق الخطرة والبعيدة: أولهما التحالف مع أمة مسيحية ضد المسلمين، وثانيها، إدراكه بأنه يستعمل أداة لهذا الاحتلال. ولقد صرح أمام دروفيني: بأن مثل هذا التحالف قد يكون قاضيا بالنسبة إليه، وأن العالم الإسلامي قد يتخلى عنه ساخطا. ثم أنه كان يعرف مدى معارضة إنكلترا لمثل هذا التوسع الإفرنسي وهو الذي كان يعير السياسة الإنكليزية - طوال حياته - حذرا حقيقيا) (١).
وإذا كانت فرنسا لم تكسب إقحام قوة محمد علي في المغرب العربي الإسلامي، فيكفيها منه أنها عزلت المغرب العربي الإسلامي عن الإمبراطورية العثمانية، وضمنت حياد قوة مصر عند تدخلها ضد دول المغرب.