← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

المتمدن - أما إذا أراد أن ينطلق في سياسة توسع وطنية - فإن إفريقيا وسوريا تشكلان إمكانات عظيمة لا تحمل معها مجازفات ذات شأن). (كانت الحكومة الإفرنسية تفكر في الواقع باستخدام محمد علي لتنفيذ ما عجز نابليون بونابرت عن تحقيقه وهو السيطرة على مصر لتهديد طريق الهند. وعبر القنصل الإفرنسي في القاهرة - دروفيني - عن هذه النوايا بصراحة تامة في رسالته إلى وزير الخارجية الإفرنسي (يوم ٧ آب - أغسطس - ١٨٢٦) حيث قال: (إن عملية البناء العسكري للقوات المصرية التي عهد بها إلى بعثة الجنرال الإفرنسي، تمهد للأحداث التي يجب أن تجعلنا يوما ما نمتلك هذا البلد) وقد حدث ذلك في الوقت الذي كانت فيه الحكومة الإفرنسية منصرفة لوضع مخطط أوسع شمولا يضم المغرب الواقع على البحر الأبيض المتوسط. وقد أثار - دروفيني - نفسه فيما بعد اهتمام الباشا بهذا المخطط، الذي انتهى باحتلال الجزائر، حيث غادر بوير وكبار معاونيه مصر بعد ذلك مباشرة. لم تكن الدول الغربية - وبصورة خاصة فرنسا - تهتم بزيادة القدرة العسكرية المصرية طالما أنها تسيطر على توجيه هذه القدرة ضد الإمبراطورية العثمانية ذاتها من أجل إضعاف العالم الإسلامي من الداخل، ولم تكن هذه الدول تتردد في إعطاء محمد علي ظواهر الحضارة الغربية - عن طريق إقامة المصانع طالما أن هذه المصانع ترهق مصر أكثر مما تفيدها. وهذا ما أشار إليه القنصل الإفرنسي في مصر: (إن وضع محمد علي المالي يزداد خطورة شيئا فشيئا ... وأن تشبثه في إقامة المعامل التي لا تعود عليه بأي ربح قد استنزف

стр. 422

موارده. إن بناء وصيانة المصانع تقدر هذه السنة (١٨٢٦) بعشرين مليون فرنك. ورغم هذا فقد أقدم على حفر عدة أقنية إضافية، وأمر بتنفيذ أشغال أخرى من هذا النوع). خلال هذه الفترة كانت الثورة اليونانية تتطور باستمرار. وأراد الخليفة العثماني الإفادة من قدرة الجيش المصري، فطلب إلى محمد علي التدخل ووعده بمنحه (المورة) (١) ونفذ محمد علي ما طلبه السلطان. وكان ذلك مخالفا لمخططات الدول العظمى التي أرادت استخدام قوة محمد علي ضد العالم الإسلامي لا ضد الصليبية الأوروبية، فبدأت الدول - الأوروبية الغربية في التحرك المضاد. وتمخض هذا التحرك عن التقارب الإنكليزي - الروسي التي انضمت إليه فرنسا بعد فترة قصيرة، وبات هذا التقارب هو الذي يوجه الدبلوماسية الأوروبية نحو حل المسألة اليونانية. فبعد مفاوضات دقيقة تم التوقيع على بروتوكول (سان بطرسبورغ) في ١٣ آذار - مارس - سنة ١٨٢٥ م. وقبل الموقعون على هذا البروتوكول مبدأ التدخل الأوروبي في شؤون الإمبراطورية - الخلافة - العثمانية من أجل ما أسموه (وضع حد للحوادث التي كانت تثير الاضطراب في المشرق). وأصبح موضع العالم الإسلامي اعتبارا من هذا التاريخ تحت مبضع التشريح الذي تمسك به القبضة الأوروبية، غير أن أوروبا حاولت قبل اللجوء إلى التدخل المسلح،

стр. 423

إقناع محمد علي بالتخلي عن الخلافة العثمانية، لأنها لم تكن تريد له التدخل كطرف ثالث في الصراع الدائر بين الخلافة الإسلامية وأوروبا المسيحية، وأخدت الدول الكبرى تغري خياله الطموح بمناطق أخرى من الإمبراطورية العثمانية تكون (أكثر ربحا) من ولاية المورة التي منحها له السلطان العثماني، فكان البعض يغرونه بخيرات سوريا، والبعض الآخر يصورون له بمبالغة النفوذ الذي سيكسبه من فتح بلاد المغرب العربي - الإسلامي. وكانت الديبلوماسية الإنكليزية تريد له سوريا، فكتب وزير الخارجية الإنكليزي (ستراتفورد كانينغ) إلى قنصله في الإسكندرية (سالت) رسالة بتاريخ ١٠ حزيران - يونيو ١٨٢٦ جاء فيها: (إذا استطعنا أن نحمل محمد علي على فهم مصالحه الخاصة، إلى حد دفعه إلى تبني وجهات نظرنا، فلا شك في أن مساهمته ستساعد على نجاح مفاوضاتنا. وسيكون من الأفضل له التنازل عن جزء من الجزية التي سيدفعها اليونانيون مقابل احتفاط ابنه بولاية سوريا) وكان ستراتفورد كانيبغ قد أرسل مثل هذه التعليمات الدقيقة إلى سفيره في القسطنطينية (جورج كانينغ) في الرابع من حزيران - يونيو - ١٨٢٦ كالتالي: (إن إغراء محمد علي بسوريا كحل للأزمة اليونانية يدخل في نطاق بروتوكول سان بطرسبورغ، فهل من الممكن إقناع والي مصر، بالتجاوب مع الوساطة بصدد المسألة اليونانية وذلك عن طريق إعطائه الأمل في ولاية سوريا، وبوعده، إذا كان سلوكه حسنا بمساعدة معينة في مشاريعه لبناء السفن؟ إني أفهم تماما أن بروتوكول سان بطرسبورغ لا يعني اسخدام القوة، إلا أنه لا يقول بأي رفض لهذه الوسيلة ...).

стр. 424

كانت عروض القنصل الإفرنسي (دروفيني) (١) المبطنة ومساعدة البعثة العسكرية والبحرية تغذي أوهام محمد علي، وفي آب - أغسطس - ١٨٢٥، نزال الكولونيل ري ومعه عدد من التقنيين في الإسكندرية، ومعه عدة نماذج من المدافع الحربية قدمها (شارل العاشر) وكان ري مكلفا بإعادة تنظيم ترسانات ومعامل الأسلحة. وفي نيسان (أبريل) ١٨٢٧، وصلت أيضا، بناء على طلب والي مصر، بعثة بحرية إفرنسية أخرى. وبعد فترة قصيرة انضمت السفن الجديدة التي أوصى عليها في أوروبا إلى أسطوله البحري (بين حزيران وآب - يونيو وأغسطس - ١٨٢٧) أي قبل هزيمة نافاران مباشرة. عملت فرنسا بعد ذلك على تطوير علاقاتها مع مصر محمد علي باشا، وتوثيق عرى التعاون في كل المجالات. ففي ١٨ آب - أغسطس - ١٨٢٨، نزلت في الإسكندرية بعثة علمية تضم بين أعضائها الشاب (شامبوليون) والسيد (لونورمان) ورسامين وعالم طبيعي ومهندس معماري وكانت مهمة البعثة القيام بأبحاث تنقيب عن الآثار، وبفك رموز الكتابة الهيروغلوفية (المصرية القديمة). وفي الخامس والعشرين من الشهر ذاته، وصلت بعثة دبلوماسية أخرى مؤلفة من (الكونت دوسان يجي) ابن أخ المسيو (دوهيد دونوفيل) وزير البحرية. والمسيو كرو، من وزارة الخارجية، واجتمعت مطولا إلى محمد علي الذي كان يعيد بناء أسطوله ويرغب في توسيع ترسانته في الإسكندرية، وأن يقيم فيها ورشات لبناء السفن بمساعدة التقنيين

стр. 425

الإفرنسيين. وقد وقعت مهمة القيام بهذه العملية الصعبة على عاتق (لوفيبور دوسيريزي) الذي وصل في نيسان - أبريل من سنة ١٨٢٩م. وفي غضون عام ١٨٢٩ أيضا وصل إلى مصر (مسيو بوكي ديشان) والسيدة (إيد سانت إيلم) اللذان خلقا وضعا ظريفا ومسليا لإقامتهما، وكان الهدف البعيد لهذا الغزل الإفرنسي المصري الطويل هو احتلال المغرب العربي - الإسلامي - (أو الدويلات البربرية كما كانت تسميها فرنسا). وبعد هذه المكاسب الأولى التي حققها - دروفيني - حاولت بعثتا (هودر - و - لانفسدورف) دفع محمد علي إلى هذه المغامرة الإفريقية ضد مقاطعات شبه مستقلة. إلا أن رفض باشا مصر كان مهذبا. فقد كان هناك سببان رئيسيان لإيقافه عن سلوك هذه الطريق الخطرة والبعيدة: أولهما التحالف مع أمة مسيحية ضد المسلمين، وثانيها، إدراكه بأنه يستعمل أداة لهذا الاحتلال. ولقد صرح أمام دروفيني: بأن مثل هذا التحالف قد يكون قاضيا بالنسبة إليه، وأن العالم الإسلامي قد يتخلى عنه ساخطا. ثم أنه كان يعرف مدى معارضة إنكلترا لمثل هذا التوسع الإفرنسي وهو الذي كان يعير السياسة الإنكليزية - طوال حياته - حذرا حقيقيا) (١). وإذا كانت فرنسا لم تكسب إقحام قوة محمد علي في المغرب العربي الإسلامي، فيكفيها منه أنها عزلت المغرب العربي الإسلامي عن الإمبراطورية العثمانية، وضمنت حياد قوة مصر عند تدخلها ضد دول المغرب.

стр. 426

٣ - معركة نافاران (١٨٢٧ م) (١) اندلعت نار الثورة اليونانية ضد الخلافة العثمانية بزعامة (ابسلانتي) في سنة ١٨٢١ م. وفي سنة ١٨٢٣ اعترفت إنكلترا باستقلال اليونان، وحذت روسيا حذوها حفظا لنفوذها في البلقان، وانضمت إليهما فرنسا. فتم تشكيل التحالف الثلاثي. وأرسلت مذكرة بذلك عن طريق إنكلترا، لإنذار الخليفة، غير أن السلطان محمد رفض الإنذار، وأنكر على دول أوروبا مجتمعة التعرض لشؤون السلطنة العثمانية، وعلى أثر ذلك بدأت دول الحلف في تنظيم قواتها للتدخل المسلح، واستثارة الرأي العام المسيحي كله تحضيرا لحرب الانفصال الأولى ضد العثمانيين، مدعمين في ذلك باندفاع رومانسي ألهب مشاعر أوروبا كلها ودفعها لحمل راية الصليبية. ومقابل ذلك طلب السلطان محمد مساعدة جيش محمد علي لسحق هذه الانتفاضة، وفي ١٦ كانون الثاني - يناير - سنة ١٨٢٤، صدر مرسوم (فرمان) يقضي بالتنازل عن ولاية المورة

стр. 427

لمحمد علي. فتم بذلك تكليفه بحكم هذه المنطقة الثائرة حكما فعليا. وفي العاشر من شهر تموز التالي، كان إبراهيم باشا - ابن محمد علي - يبحر من الإسكندرية بأسطول مؤلف من (٦٣) بارجة و (١٠٠) زورق نقل وبجيش قوامه (٦٠) ألف رجل. وكان يرافق إبراهيم باشا هيئة أركان نصفها أوروبي، ونصفها شرقي. وأمكن لهذا الجيش أن يقضي على الثوار اليونانيين، ويدمرهم مع مدربيهم ومعاونيهم وأنصارهم الأوروبيين - واهتمت أوروبا بهذا التطور الذي أحبط سياستها الرامية إلى تحرير اليونان، ودفعت الدول الصليبية الكبرى، للمرة الأولى منذ مائة عام، على التشاور والتحالف للقيام بهجوم مضاد. وكان إمبراطور روسيا - نيقولا - هو أول من استثمر هذا التحالف فوجه إنذارا مباغتا إلى الخليفة العثماني يوم ١٧ آذار - مارس - ١٨٢٦م طالبه فيه بجواب حاسم خلال ستة أسابيع، وإلا فسيقطع العلاقات الديبلوماسية ويحمله كل العواقب المترتبة على مثل هذا الإجراء. وفي يوم ٨ أيار - مايو - وجدت تركيا نفسها مرغمة على القبول بفقرات هذا الإنذار الذي كان يقضي بمنح مقاطعات مولدافيا وفالاشيا وصربيا البلقانية استقلالها الذاتي. وفي أثناء ذلك كان الاتفاق الروسي الإنكليزي قد رسم بالضبط حدود هذا الاستقلال الذاتي الذي فرض على الباب العالي، تحت طائلة تدخل مسلح تشترك فيه فرنسا أيضا، وكان يقصد من وراء ذلك إيقاف تقدم الجيش المصري الذي كان يستعد لمهاجمة أثينا بعد أن احتل (ميسولونجي). تابعت القوات العثمانية - المصرية القضاء على ثورة المورة، وأرسل السلطان دعما إلى (إبراهيم باشا) يتكون من (٤) آلاف

стр. 428

جندي من المشاة و (٥٠٠) من الفرسان. وألقى مراسيه إلى جانب الأسطول المصري في نافاران. وعلى أثر ذلك اجتمع مؤتمر لندن - الذي لم تشترك فيه النمسا - يوم ٦ تموز - يوليو - ١٨٢٧، وأسفر المؤتمر عن معاهدة لحل الأزمة التركية - اليونانية بالقوة - إذا ما تطلب الأمر. وأرسلت هذه الدول أساطيلها إلى الشرق لإنفاذ قرارها، وأرسلت الأميرالية البحرية الإنكليزيه إلى قائد أسطولها في البحر الأبيض المتوسط (الأميرال كاردنجتن) بتلقي الأوامر من سفير إنكلترا في القسطنطينية. فأقلع الأميرال الإنكليزي من (أزمير). ورافقه الأسطول الإفرنسي بقيادة (الأميرال ريني) وتوجها معا إلى (نافاران) في جنوبي - غربي المورة ولحق بهما الأسطول الروسي. وكتب الأميرال الإنكليزي إلى (إبراهيم باشا) يطلب إليه التوقف عن ضرب اليونان ريثما تنتهي المفاوضات بين السفراء والباب العالي. فوعدهم إبراهيم باشا وعدا شفهيا بأنه لن يحرك أية قوة ضد اليونان حتى ترد إليه أوامر جديدة من الباب العالي. واستمر أسطول الحلفاء في محاصرة (نافاران) والأسطول الإسلامي. ورأى قائد الأسطول أعمدة من الدخان تتصاعد في المورة، فكتب الأميرال الإنكليزي من جديد لإبراهيم باسم الحلفاء، أن يتوقف عن كل نشاط عسكري في المورة. فورد له جواب من أركان حرب إبراهيم باشا: (بأنه غاب منذ يومين ولا يعرفون له مقرا). ودخلت أساطيل الحلفاء على الفور مياه (نافاران) وحلت بين البوارج التركية والمصرية. ودارت معركة حاسمة تركز فيها الجهد على الأسطول التركي - العثماني، وفي ظرف (٦) ساعات غرقت قطع الأسطول العثماني بكاملها مع بعض القطع المصرية. ولم تشرق شمس يوم ٢٢ تشرين الأول -

стр. 429

أكتوبر - ١٨٢٧ حتى كان الحلفاء قد دمروا القدرة الحربية العثمانية، ونفذوا العمل الذي بدأته المحالفة المقدسة سنة ١٥٧١م. وكان ضياع هذه القدرة البحرية هو نقطة التحول الحاسمة في الصراع الإسلامي - الصليبي. إذ أنها فصلت ما بين المشرق الإسلامي - والمغرب الإسلامي والذي كان البحر وسيلة الاتصال الأساسية فيه. وخسر العثمانيون أكثر من مائة بارجة وسفينة لم يكن من السهل تعويضها. استجاب الباب العالي لهذا الهجوم الوحشي الذي تم في رابعة السلم، فاستولى على جميع القطع البحرية الأجنبية الراسية في القرن الذهبي. وبعد مفاوضات فاشلة، غادر ممثلو الحلف الثلاثي (إستانبول). غير أن الحرب على الباب العالي لم تعلن، وبدأتها روسيا في أيار - مايو - ١٨٢٨ م بعد استعدادات ضخمة. وعلى الرغم من ذلك فقد عجزت الجيوش الروسية في السنة الأولى عن إحراز أي نصر، سواء في البلقان، أو في القبق (القوقاز)، فلما كان ربيع سنة ١٨٢٩ تولى الأمير (ديبتش) قيادة الجيوش الروسية في أوروبا. فحاصر (شملا) التي أوقفت تقدمه من قبل، وتابع تقدمه حتى (أدرنة) حيث فرض شروط معاهدة الصلح على السلطان في ١٤ - أيلول - سبتمبر - ١٨٢٩ م. وتخلى العثمانيون بموجب هذه المعاهدة للروس عن جزر الطونة (الدانوب) والمقاطعات التركية الواقعة في (القبق - القوقاز) وأرغم السلطان أيضا على الاشتراك في معاهدة لندن، فأجبر بذلك على الاعتراف باستقلال اليونان. وصل خبر هزيمة الأسطول الإسلامي في (نافاران) إلى

стр. 430

الشرق في مطلع تشرين الثاني - نوفمبر - وإذ توقع حكام مصر وسوريا هياج الجماهير، أصدروا الأوامر المشددة لحماية القناصل وجاليات التجار الأوروبيين. وقد نقل القنصل الروسي في الإسكندرية هذه الوقائع إلى حكومته بتاريخ ١٣ كانون الأول - ديسمبر - ١٨٢٧. وأضاف أن خبر الهزيمة لم يحدث النتيجة المرجوة: أي أن يرضخ السلطان لمطالب الحلفاء. وكانت ردة الفعل الأولى لمحمد علي عند قراءته هذه الأخبار أن هتف قائلا: (الأقوياء دائما على حق). وبعد هذا بقليل - أي في يوم ٢٧ كانون الأول ديسمبر - كان القنصل الروسي - بزوني - ينقل إلى الأميرال - هايدن - الذي كان في - مالطا - الحالة النفسية لمحمد علي بقوله: (... إن حدث نافاران لم يوثر على نفسية محمد علي، وأنه أفاد من هذه الفرصة ليكرر بأنه، بصفته طائعا لإرادة السلطان، لا يأسف لفقدان سفنه، وأن الخليفة سيجده دائما مستعدا لبذل كل الجهود الممكنة لمساعدته إذا ما قرر استئناف الحرب، أما بالنسبة للنكبة التي حلت بأسطوله في نافاران فأشار الباشا بكل برود إلى أنه كان يتوقع هذا) وعندما اطلع القنصل محمد علي على ما نشرته الصحف عن قضية نافاران، وعن العدوان الذي قام به الأتراك، أعلن هذا الأخير (بأن هذا العدوان لم يصدر عن هؤلاء، ولكن الأقوياء يريدون دائما أن يكونوا على حق) لم يفصح محمد علي للقنصل، وهو الدبلوماسي المحنك، بكل ما كان يفكر به، بالرغم من أن هذا الأخير كان مكلفا من قبل الأميرال الروسي - هايدن - بتاريخ ١٧ كانون الأول - ديسمبر - بالتأكيد له بأن الدول الكبرى لم تكن تريد شيئا بشكل مباشر من مصر، ولا من الإمبراطورية العثمانية، ولكنها كانت ترمي فقط إلى منح الاستقلال الذاتي لليونان، لذلك

стр. 431

فقد نصح محمد علي بالبقاء على الحياد في هذا الصراع: (ليس عندي في الوقت الحاضر أية تعليمات أريد أن أبلغك إياها سوى أن في استطاعتك أن تقول لباشا مصر أن روسا ليس لها أي مطمع لا في مصر ولا في تركيا، وأن رغبتها الوحيدة هي أن ترى السلام وقد عاد عن طريق وضع حد للآلام التي تحاصر اليونان. وأن الوسيلة الوحيدة التي تراها الدول الكبرى الثلاث هي في الاعتراف لليونان بكيان سياسي يضمن لها العيش بهدوء. وأن باشا مصر، يحسن صنعا لخيره وخير الإنسانية بالوقوف على الحياد في هذا القتال إذا ما قدر له أن يستأنف). تجدر الإشارة إلى تلك الحاشية التي أضافها الأميرال الروسي - هايدن - في رسالته إلى قنصل بلاده في الإسكندرية - والتي جاء فيها: (أن حوالي عشرين سفينة مصرية تركت عمدا، بمنأى عن نيران الحلفاء وذلك لكي يثبتوا لمحمد علي أن نواياهم لم تكن عدائية لمصر عندما دخلوا الميناء) وفي مطلع عام ١٨٢٨ أبلغ الأميرال الروسي (هايدن) حاكم مصر محمد علي، بعزم الحكومة الروسية الأكيد على إقامة علاقات طيبة معه، كما كان الحال قبل الأزمة - لكونه هو شخصيا مستعد للقيام بأي شيء للحفاظ على (حسن التفاهم) ورغم ذلك فقد كان وضع محمد علي يزداد صعوبة، إذ كان عليه التوفيق بين مقتضيات الطاعة للسلطان، وبين مقتضيات مصالحه الخاصة. وكانت إنكلترا قد أوفدت إليه العقيد (الكولونيل كرادوك) ليقنعه بسحب جيوشه من المورة نهائيا. كما كان هو نفسه يؤكد أنه سيكتب إلى السلطان بهذا الموضوع، وأنه سيستعمل التعابير الحازمة للحصول على نتيجة مرضية. وكانت فرنسا تريد بدورها إزالة أثار (هزيمة نافاران)،

стр. 432

والاستمرار في تشجيع مصر على المضي بسياستها الاستقلالية. فعينت (دوفيتي) صديق الباشا القديم قنصلا عاما في الإسكندرية. ووصل (دوفيتي) إلى الإسكندرية في ٦ كانون الثاني - يناير - ١٨٢٨. وهو محمل بالهدايا الملكية من قبل حكومته , ومنذ ذلك الحين، أصبح يتتبع محمد علي في كل تنقلاته وذلك بهدف استمالته وإدخاله ضمن المخططات التي كان يراد منه أن ينفذها. وكانت المسألة تتعلق بتشجيع الباشا على الاستقلال وعلى القيام بتشجيع من فرنسا، بحملات يمكن أن تبعث من جديد لصالحه، نفوذ وحقيقة الإمبراطورية العربية، القومية. لقد أراد الحلفاء تحطيم مقاومة السلطان العثماني من خلال التدمير المتعمد والمنتظم للأسطول العثماني في (نافاران) غير أن هذه الهزيمة جعلت السلطان أكثر تصلبا في موقفه. فأخذت الدول الأوروبية التي فشلت بإقناع السلطان (بفضائل السلم) بالتوجه إلى محمد علي للإفادة منه كأداة لإقناع السلطان. وأخذ محمد علي في كتابة رسائل إلى السلطان وإلى أصدقائه بالديوان، بضرورة الجنوح إلى السلم (بحجة بناء القدرة الذاتية) وفي رسالة له جاء ما يلي: (لقد سبق وكتبت إليك بأن مصيرنا مرتبط بخيط واه، وقصدت بهذا بالضبط أن أعالج العواقب الخطيرة التي تتهدد وجود الأمة ووجود الدين الإسلامي. أما بالنسبة للكرامة التي تذكرها فإنها لا تعطى بل تؤخذ بالأفعال التي تجهد النفس، إذا صح التعبير، وهي تقضي بالعمل على تقوية الدولة وتنمية مواردها وقوتها بمجهود كبير لا يعيقه شيء ... وفي مثل هذه الظروف فإن القبول بالسلام يبرز كواجب يأمرنا به مثل محمد ذاته (ص) في حروبه مع أعدائه. إن السلام يصبح أمرا ضروريا في حالة

стр. 433

الانحطاط الراهنة التي تحل بالإمبراطورية العثمانية، والتهرب من هذا عن طريق اللجوء إلى المشاعر الأنانية، أو الاندفاع الزائد لا يفيد شيئا، إلا أن لا شيء يحملنا لأن نيأس ونقنط من قضيتنا نفسها، وأن نرمي بذلك الدولة والدين في كارثة نكون المسؤولين عنها أمام الله والتاريخ). لقد بقي موقف السلطان صلبا، وهو ما عبر عنه مبعوث النمسا في رسالة كتبها إلى فيينا من القسطنطينية، يوم ١٥ آذار - مارس - ١٨٢٨ وجاء فيها: (لا شيء استطاع أن يحمل السلطان على تغيير موقفه، وسواء كان هذا الموقف صادرا عن خوف من خطر قد يتهدده إذا تراجع أمام مقترحات الدول الكبرى، أم أنه كان ناجما عن حرج ديني مبالغ فيه، أم عن تجاهل لواقع لا علاج له، فإن الواقع هو أن مقاومته ازدادت ولم تضعف). غير أنه لم يمض أكثر من شهرين حتى استطاع محمد علي وبطريقة مذهلة إقناع السلطان بالموافقة على سحب جيوشه من المورة، وكذلك استطاع إقناع ابنه إبراهيم الذي كان السلطان يريد أن يستبقيه في المورة. وكان - محمد علي - يعود مفاوضيه شيئا فشيئا على تقبل هذا الحدث. إلا أن الاتفاق النهائي بين الجانب المصري والأميرال الإنكليزي (إدوارد كودرينغتون) لم يوقع إلا في الخامس من آب - أغسطس - ١٨٢٨ م. وكان القنصل الإفرنسي دروفيني قد ساهم بقسط كبير في إزالة الصعوبات من الجانب المصري. وانسحبت مصر من المورة وأخذت في الاستعداد للتحولات الجديدة. كان من أول هذه التحولات التوقف عن دعم الإمبراطورية

стр. 434

العثمانية في صراعها ضد روسيا وذلك استجابة لتحذير قائد الأسطول الروسي الأميرال (هايدن) الذي حمله القنصل بيزوني إلى حاكم مصر. وكان في التحذير: (فليبق محمد علي هادئا ولا يتدخل في حربنا، هذا ما نستطيع أن ننصحه به. وسيجد نفسه مرتاحا في نهاية المشهد. وإلا فإنه سيخسر أسطوله ومصر .. إن الدول الكبرى الثلاث لا تتحرش به، ولن تتحرش به وذلك من أجله ولصالحه. إننا لا نخشاه، لا بل على العكس، فسنكون مسرورين لو تمكنا من الاستيلاء على بعض سفنه الجميلة لكي نزين بها أسطولنا ولكننا وفرناه. وخاصة أنا ...). أما التحول الثاني فهو الاستقلال بمصر والاستيلاء على سوريا بالتعاون مع روسيا وبدعم من فرنسا. وبحياد من إنكلترا. وكان ذلك هو الموقف الذي توافق في الزمن مع الهجوم الإفرنسي على الجزائر. والذي يمكن تلخيصه بعزل الجزائر برا وبحرا عن كل إمكانات للدعم من قبل الخلافة العثمانية.

стр. 435

مدينة الجزائر ومرساها في القرن الثامن عشر

стр. 436

﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ (سورة الأنفال الآية ٤٥). الفصل الثاني ١ - ذريعة الاستعمار (البراغماتية). ٢ - عشية ليل الاستعمار. ٣ - بدايات المقاومة: آ - فئات من المجاهدين. ب - ثورة ابن زعمون. ج - سيدي السعدي والجهاد. د - ثورة الآغا محيي الدين المبارك. هـ - بومزراق - باي تيطري -. و- الحاج أحمد باي قسنطينة. ز - حمدان خوجة والصراع السياسي. ٤ - الإدارة الإفرنسية (وتكوين وحدات خاصة). ٥ - الإدارة الإفرنسية (من التردد إلى التصميم)

стр. 437

١ - ذريعة الاستعمار (البراغماتية) خرجت فرنسا من مجموعة الحروب الأوروبية (وأبرزها حرب السبع سنوات وحرب الوراثة الإسبانية) (١) وهي مجردة من مناطق نفوذها في أوروبا ومن مستعمراتها فيما وراء البحار .. في حين أصبحت إنكلترا وقد امتلكت قدرة بحرية صخمة جعلتها سيدة البحار في العالم، وانتزعت من فرنسا مناطق تجارتها وجردتها من مستعمراتها. وظهر بوضوح أن تفوق القوات الإفرنسية في البر قد عجز عن منافسة القوات الإنكليزية في البحر. غير أن انفجار الثورة الإفرنسية قد ضمن لفرنسا تأمين موارد بشرية ضخمة عبرت عنها الحروب النابوليونية أفضل تعبير. وقد حاولت فرنسا الانتقام من إنكلترا عبر دعمها لحرب الاستقلال الأمريكية (التي انتهت سنة ١٧٨٣) غير أن هذه الحرب لم تفد فرنسا شيئا من الناحية الاقتصادية. كما حاولت فرنسا الثورة قطع طريق الهند باحتلال نابليون لمصر (١٧٩٨) غير أن

стр. 438

الاحتلال الإفرنسي فشل وعاد نابليون لفرنسا ليتابع الصراع من أجل (عظمة فرنسا) وانتصرت الأحلاف التي نظمتها إنكلترا على نابليون في واترلو (١٨١٥) وأعيدت الملكية إلى فرنسا في شخص لويس الثامن عشر، الذي توفي سنة (١٨٢٤) ليترك لخلفه (شارل العاشر) أعباء التركة الثقيلة. ولم تفلح فرنسا في كل حروبها حتى الآن في اقتحام الحصار الاقتصادي الذي فرضته عليها إنكلترا، فاستمرت في البحث عن أسواق لتجارتها وعن موارد المواد الأولية لصناعتها. كانت علاقة فرنسا بالخلافة العثمانية جيدة طوال هذه الفترة، فقد وقفت إستانبول إلى جانب باريس أثناء صراعها ضد الإسبانيين في حروبها المتتالية (منذ أيام شارلكان أو شارل الخامس) ومنحتها (امتيازات قنصلية) للتجارة مع أقاليم العالم الإسلامي. ووقفت الجزائر إلى جانب فرنسا في أصعب الظروف وأقساها. وقدمت لها الدعم والعون كلما احتاجت لهذا الدعم. وكانت فرنسا قد أقامت لها من قبل أسواقا تجارية (مؤسسات) في عنابة والقالة ورأس بونة والقل. وكانت هذه المؤسسات تدفع ضريبة سنوية متفقا عليها إلى دار الخلافة العثمانية من جهة، وإلى باي قسنطينة من جهة أخرى نظرا لقيام هذه المؤسسات على أرض ولايته. وكانت فرنسا مقابل ذلك تتمتع بحق صيد المرجان وتصدير الحبوب إلى أوروبا (١). وقد تطورت هذه العلاقات لمصلحة فرنسا في فترة الثورة الإفرنسية، حيث اعترفت الجزائر بالجمهوية الإفرنسية الجديدة في وقت كانت فيه تحت الحصار الأوروبي المحكم. وتكونت بين الدولتين علاقات ودية خاصة باستثناء فترة الحملة الإفرنسية على مصر (١٧٩٨ - ١٨٠٢) حين طلب

стр. 439

السلطان من الجزائر إعلان الحرب على فرنسا. وكانت الجزائر قد قدمت إلى فرنسا الثورة قرضا في سنة ١٧٩٦ بقيمة مليون فرنك - بدون فائدة - على أن تستعمل فرنسا هذا المبلغ في شراء الحبوب من الجزائر. وفي سنة (١٧٩٤) أذنت الجزائر للحكومة الإفرنسية أن تتمول في موانىء الجزائر يوم كانت كل الموانىء والأسواق الأوروبية مغلقة في وجه التجارة الإفرنسية. غير أن العلاقات الودية تغيرت في عهد (نابليون بونابرت) بسبب (غزو مصر). ولكن السلام عاد من جديد في سنة (١٨٠١) وأعادت الجزائر إلى فرنسا امتيازاتها (صيد المرجان والتجارة). وعندما وصل قنصل نابليون إلى الجزائر، لم يحمل معه الهدية التي اعتاد القناصل تقديمها - رمزا للخضوع - وحين طلبها الباشا مصطفى رسميا من القنصل (ديبوا تانفيل) على أساس أنها شيء واجب، رد عليه نابليون برسالة ساخطة هدد فيها بتحطيم الأسطول الجزائري. وأنذر بأن فرنسا على عهده ليست هي فرنسا التي كانت في عهد (آل بوربون). فتوترت العلاقات من جديد، وقامت الجزائر باحتجاز سفينتين فرنسيتين وضربت أخرى في ميناء تونس. فكتب نابليون إلى الباشا مصطفى يطالبه بدفع تعويض عن الخسائر، ومعاقبة الوزراء المسؤولين عن هذه الحوادث. وكان نابليون يحلم بجعل البحر الأبيض المتوسط بحيرة إفرنسية لذلك فقد كان يخطط لحملة كبيرة ضد دول المغرب العربي - الإسلامي، وإقامة مستعمرات عسكرية إفرنسية هناك، وضم المنطقة إلى إمبراطوريته في البحر المذكور. وتنفيذا لذلك، طلب من الإفرنسيين الذين كانوا أسرى في الجزائر أو الذين عاشوا فيها، معلومات عن سكانها وتحصيناتها، فأوصى قنصل فرنسي سابق في الجزائر (هو جون بون سان - أندري) بضرب الجزائر ضربة

стр. 440

قوية وسريعة وإنهاء الحرب في ثمانية أيام. واقترح فرنسي آخر بنزول حملة إفرنسية قرب (تنس) والهجوم على مدينة الجزائر برا. ولكن نابليون تخلى عن مشروع الحملة لانشغاله بالحروب على ساحة أوروبا. ولكنه أرسل إلى الجزائر قطعة من أسطوله (بقيادة الأميرال ليسيغ) حاملا رسالة إلى الباشا (سنة ١٨٠٢) يطالبه فيها بدفع التعويضات، ويعلمه برفضه تسديد المبلغ الذي يطالب به وهو (٢٠٠) ألف فرنك. وكان (القبطان بيرج) الذي جمع عندئذ معلومات هامة عن الجزائر، من بين الذين رافقوا هذه البعثة، وهو الذي سيكون من أعضاء الحملة البارزين في سنة (١٨٣٠). جاء (جيروم نابوليون) إلى الجزائر في سنة ١٨٠٥، على رأس قطعة بحرية للمطالبة بإطلاق سراح (٢٣١) أسيرا إيطاليا: ولكن الباشا أحمد (الذي خلف مصطفى) لم يطلق سراحهم إلا بعد أن دفع جيروم مبلغ (٨٠) ألف فرنك. ومن جهة أخرى أدت هزيمة الأسطول الإفرنسي في معركة (الطرف الأغر) (١) إلى أن سحبت الجزائر الامتيازات التي كانت قد منحتها لفرنسا، وأعطتها لإنكلترا (وذلك في سنة ١٨٠٧). ولكن نابوليون ما عتم أن وقع (معاهدة تبليست) (٢) مع روسيا، فعاد إلى مشروع الحملة ضد الجزائر، وأمر قنصله في

стр. 441

الجزائر بمغادرة مدينة الجزائر، وإعلام الباشا بأنه سيواجه الحرب إذا لم يطلق سراح الأسرى الجنويين والكورسيكيين والإيطاليين. كما أمر وزيره للبحرية بوضع مخططات الحملة ضد الجزائر سواء كانت برية أو بحرية، والقيام بجمع المعلومات الضرورية عن وسائل التموين وطبيعة الأرض، وتحديد مكان الحملة وزمانها، واقترح التمويه على العدو حتى يظن أن الحملة موجهة إلى صقليا. وطلب أن لا يزيد عدد أفراد الجيش عن (٢٠) ألف رجل، وأمر أن تأتيه المعلومات في ظرف شهر واحد. وطلب من الوزير إرسال أحد جنوده الذين يمتازون بالروح العسكرية العالية والخبرة الهندسية إلى الجزائر بصورة سرية للتجسس وإعداد تقرير مفصل وخطة واضحة، فوقع الاختيار على ضابط يسمى (بوتان). الذي وصل إلى مدينة الجزائر في ٢٤ أيار (مايو ١٨٠٨م على متن سفينة تحمل اسم (لودكان). وقد ظل هناك متجسسا على الحصون دارسا خطة النزول بدقة، متنقلا من برج البحري (كاب ماتيفو) إلى سيدي فرج. وبعد أن كتب ملاحظاته، ورسم خطته، قفل راجعا في ١٧ تموز (يويو) من العام نفسه. غير أن الإنكليز ألقوا عليه القبض في عرض البحر وقادوه إلى مالطا. وأثناء ذلك أعدم الخطة ولكنه أبقى على ملاحظاته التي سيعتمد عليها في إعادة رسم الخطة من جديد وفي كتابة تقريره. وأمكن له بعد ذلك الفرار من مالطا متنكرا. وعاد إلى فرنسا في تشرين الأول - أكتوبر - عن طريق أزمير وإستانبول. وضمن تقريره معلومات دقيقة عن تحصينات الجزائر وطبيعة أرضها، وعدد قواتها، وزمن الحملة المقترحة والمدة التي تستغرقها، وعدد الجيش الضروري للحملة. واقترح (بوتان) أن يكون عدد الرجال من (٣٥ - ٤٠) ألف محارب معظمهم من المشاة، مع بعض المدافع، وقد أظهر الأخطار التي تتعرض لها الحملة من

стр. 442

منظر مدينة الجزائر على البحر في القرن السابع عشر

стр. 443

البحر، ونصح بدلا من ذلك أن تكون الحملة برية، والاستيلاء قبل كل شيء على قلعة (مولاي حسن) المعروفة بقلعة (الإمبراطور) لأنها تشرف على المدينة. واقترح بأن يتم الإنزال في (سيدي فرج) لخلوه من المدافع والجنود. وكان من رأيه بأن أفضل وقت لتنفيذ الحملة هو في الفترة ما بين أيار وحزيران (مايو ويونيو) وألا تتجاوز مدة الحملة الشهر الواحد. ولكن انشغال نابليون في قمع (الثورة الإسبانية) ثم بالحملة على روسيا، وضعف الأسطول الإفرنسي، ثم سقوط نابوليون، كل ذلك أعاق تنفيذ الحملة. عينت فرنسا قنصلا جديدا لها في الجزائر، وهو بيير دوفال، وذلك في ٢٨ آب - أغسطس - ١٨١٥ وقد حمل إلى الباشا هدايا تقدر بمبلغ (١١٢,٩٢٤) فرنك، تضم مجوهرات وساعات وأقمشة وأسلحة. ومقابل ذلك، أعاد الباشا إلى فرنسا الامتيازات التي فقدتها، وكان ذلك في ١٧ آذار - مارس - ١٨١٧ (إثر حملة اللورد اكسموث على الجزائر) (١) وتساهلت الجزائر فخفضت مقدار الضريبة السنوية المقررة على فرنسا من (٣٠٠) ألف فرنك إلى (١١٨) ألف فرنك. وكان القنصل الإفرنسي الجديد (دوفال) ابنا

стр. 444

لمترجم إفرنسي كان يعمل في السفارة الإفرنسية في إستانبول. وكان من قبل قد تولى جميع مهامه القنصلية الإفرسية بآسيا الصغرى حتى أصبح يتقن اللغتين العربية والتركية، وعلى الرغم من أنه قد اصطدم ببعض الصعوبات في بداية عمله في الجزائر، إلا أنه أمكن له تجاوز الصعوبات بفضل ما عرف عنه من اتباعه لأساليب الرشاوي والتوريط وخلف الوعد (فكان شخصا مشبوها). وأدت أساليبه المشبوهة إلى إثارة غضب الداي الذي عمل على (ضربه بالمروحة - وهي الحادثة المشهورة في التاريخ) (١) والتي ردت عليها فرنسا بإرسال قطعة من أسطولها إلى الجزائر بقيادة القبطان (كولي). وقد وصلت هذه القطعة التي حملت اسم (لابروفانس) إلى مياه الجزائر يوم ١٢ حزيران - يونيو ١٨٢٧ م حيث طلب قائدها من الباشا القدوم شخصيا إلى السفينة للاعتذار للقنصل، ولما كان معروفا مسبقا أن الباشا لن يرضى بذلك، فقد تضمنت تعليمات (كولي) على اقتراحات تبادلية وهي: ١ - أن يستقبل الباشا القبطان ورئيس أركانه والقنصل بحضور الديوان والقناصل الأجانب ويعتذر أمامهم إلى القنصل دوفال. ٢ - أن يرسل وفدا برئاسة وزير الحربية (وكيل الحرج) إلى قطعة الأسطول الإفرنسي ليعتذر باسم الباشا إلى القنصل. ٣ - وفي كل الحالات، رفع العلم الإفرنسي على جميع القلاع الجزائرية، بما في ذلك قلعة القصبة، وإطلاق مائة طلقة مدفعية تحية له , وكانت تعليمات (كولي) تقضي بأنه في حالة قبول الباشا لأحد

стр. 445

المقترحات، فإنه يتقدم إليه بعد ذلك بعدة مطالب إفرنسية تتضمن دفع التعويضات، ومعاقبة الجزائريين المسؤولين عن الأضرار التي لحقت بالمنشآت الإفرنسية، وحق تسليح هذه المنشآت في المستقبل، وإعلان الجزائر أنه لا حق لها في دين (بكري). كما تتضمن التعليمات أنه في حالة عدم استجابة الباشا لواحد من الاقتراحات المذكورة، فإن عليه إعلان الحصار رسميا على الجزائر. نفذ (كولي) مهمته. فأرسل الاقتراح الثالث بواسطة قنصل سردينيا في الجزائر (الكونت د. اتيلي) الذي أصبح يرعى المصالح الإفرنسية بعد انسحاب (دوفال) وذلك يوم ١٥ حزيران - يونيو - وحدد (كولي) فترة (٢٤) ساعة كمهلة إنذارية لتلقي الإجابة. وكان رد (الباشا) على (د. اتيلي) أنه لا يفهم سبب هذا الإجراء، فبدلا من أن ترسل فرنسا بقنصل جديد، وتكتب إليه مباشرة، لجأت إلى إرسال الإنذار المضحك مع ضابط بحرية. وعندما انقضى أجل الإنذار بدون رد، أعلن (كولي) الحصار في ١٦ حزيران - يونيو - ١٨٢٧. وفي نفس الشهر الذي أعلن فيه الحصار، كلف الجنرال (الوفيردو) بإعداد مشروع (يتضمن المعلومات التاريخية والجغرافية والإحصائية والعسكرية عن الجزائر. تمهيدا لتوجيه حملة ضدها) أنهى الجنرال عمله خلال ثلاثة أشهر. ولكن الحكومة الإفرنسية لم تقرر الحملة على ضوئه، واكتفت بالحصار نظرا لحوادث اليونان، وبسبب فراغ المخازن من الأسلحة، ووجود الأسطول الإفرنسي في اليونان. فتراجعت فرنسا عن مطالبها - مرحليا -. واكتفت بالإصرار على تقديم باشا الجزائر الاعتذار لقنصلها عما ارتكبه نحوه. وأثناء ذلك كانت مشاريع إعداد الحملة تنضج على نار هادئة. فقد تم تكليف الضابط (دوبتي ثوار) بإعداد مشروع لمهاجمة

стр. 446

الجزائر من البحر، ولكن الحكومة الإفرسية لم تأخذ به أيضا. ثم تولى مشروع آخر وزير الحربية عندئذ (كليرمونت تونير) واعتمد فيه على مشروع (بوتان). ورأى (تونير) أن حملة إفرنسية ضد الجزائر هي أمر (ضروري وممكن). ووصف الحملة بانها: (حرب صليبية هيأتها العناية الإلهية لينفذها الملك الإفرنسي الذي اختاره الله للثأر من أعداء الدين والإنسانية. ولغسل الإهانة التي لحقت بالشرف الإفرنسي). وأضاف (تونير) مخاطبا الملك - شارل العاشر - بقوله: (لعل الوقت سيجعل من حظنا نحن الإفرنسيين تمدين الجزائريين بجعلهم مسيحيين). وتضمن تقرير (تونير) إغراءات لأصحاب رأس المال والمراكز الصناعية وذلك بوصف الحالة الاقتصادية للجزائر، وما تحتويه خزانتها في (القصبة) من كنوز متراكمه تزيد على ما قيمته (١٥٠) مليون فرنك. بالإضافة لما يتوافر للجزائر من الموانىء الكثيرة، والسهول الخصيبة، والغابات التي تؤمن الأخشاب لبناء السفن علاوة على مناجم الحديد والرصاص وجبال الملح والمواد الكيميائية الأخرى. وأثار في الوقت ذاته خيالات العسكريين ومطامعهم وذلك بالتوصية لإقامة مستعمرات عسكرية إفرنسية في الجزائر. وتضمن المشروع أيضا طريقة تنفيذ الغزو بهجوم بري، يتم فيه إنزال القوات عند جزيرة (سيدي فرج) وذلك في الفترة ما بين (نيسان وحزيران - أبريل ويونيو). وتوقع المشروع أن يتم تنفيذ العملية خلال فترة سنة أسابيع. وحددت تكاليف الحملة بمبلغ (٥٠) مليون فرنك، وتضم (٣٣) ألف رجل بالإضافة إلى فرقة من الفرسان - الخيالة - وعدد من فرق المدفعية. واقترح هذا (المشروع) احتلال الجزائر كلها احتلالا (طويل المدى). واقترح الوزير الإفرنسي أن تكون سنة ١٨٢٨ هي الموعد

стр. 447

لتنفيذ الحملة، باعتبار أن أوروبا كانت تعيش فترة من السلم، ولأن الرأي العام الإفرنسي كان متهيئا لها. وقد ناقش مجلس الوزراء (مشروع توفير) في جلسة يوم ١١ تشرين الأول - أكتوبر -. ولكن المجلس قرر في النهاية عدم األآخذ به في تلك الفترة. ظهر بعد ذلك (مشروع جديد) تقدم به أحد نواب البرلمان، تضمن إقامة مستعمرات عسكرية شبيهة بما فعله الرومان، ودعوة الأوروبيين للهجرة إلى الجزائر بدلا من الهجرة إلى أمريكا. وقال صاحب هذا المشروع أن احتلال الجزائر سيعوض فرنسا عما فقدته في منطقة الراين، ويغنيها عن شراء بعض البضائع مثل التبغ والحرير والسكر والزيت والقطن. ولكن الحكومة الإفرنسية لم تقتنع بالمشروع نظرا لأن حملة الانتخابات كانت على الأبواب، ولأن نتائج الحملة المقترحة ستأتي بعد الانتخابات وبالتالي فإنها لن تؤثر في الرأي العام الإفرنسي لصالح الحكومة. وهكذا استمر الحصار على الجزائر، وكان الإفرنسيون يهدفون من ورائه إلى قطع التموين عن الجزائر، فكان أسطولهم المحاصر يتكون من (١٢) سفينة واجبها مراقبة الموانىء الجزائرية. وإيقاف بعض السفن المشبوهة، واحتجاز بعض السفن الأخرى. ولكن هذا الحصار لم يتمكن من إيقاف أعمال القرصنة، ووقعت مجموعة من الاشتباكات كان من أبرزها معركة يوم ٣ تشرين الأول - أكتوبر - حيث انطلقت مجموعة من (١٢) سفينة جزائرية و (٣٢٠٠) مجاهد و (٢٥٢) مدفع واشتبكت مع القوة البحرية الإفرنسية في معركة استمرت أربع ساعات تقريبا، ولم تسفر هذه المعركة عن نتيجة إيجابية لأي طرف من الطرفين المتصارعين.

стр. 448

بلغت تكاليف الحصار الإفرنسي للجزائر سبعة ملايين فرنكا في السنة، وظهر احتمال قيام إنكلترا وإسبانيا بالحرب ضد فرنسا إن هي تحولت عن الحصار فقامت بحملة عسكرية، كما تغيرت الحكومة الإفرنسية يوم ٤ كانون الثاني - يناير - ١٨٢٨ م. وتضافرت هذه العوامل فأقنعت الحكومة الإفرنسية بمتابعة الجهد الهادىء والمماطلة في الأمر عن طريق فتح باب المفاوصات مع الجزائر لرفع الحصار بطريقة مشرفة. وذهبت بعثة إلى الجزائر يوم (٢٩) نيسان - أبريل - ١٨٢٨ م، برئاسة الضابط (بيزار) لاستئناف المفاوضات. غير أن البعثة فشلت في مهمتها بسبب إصرارها على إرغام الباشا بدفع تعويضات لفرنسا. ولكن فرنسا عادت فأرسلت بعثة أخرى برئاسة (بيزار) ذاته، وتكرر الفشل بسبب رفض الباشا لأحد الشروط الإفرنسية الأساسية والتي تقضي بإرسال وزير من حكومته إلى باريس للاعتذار، واشترط الباشا أن يفعل ذلك بعد توقيع معاهدة الصلح مع فرنسا. أما الإفرنسيون فقد وضعوا مسؤولية الفشل على عاتق القنصل السرديني في الجزائر والذي كان يرعى المصالح الإفرنسية، وزعموا أن (طيبته) و (سلامة نيته) هما سبب هذا الفشل، كما حاولوا الحاق السبب أيضا إلى نشاط القنصل الإنكليزي المضاد لفرنسا، ولم ينسو إلحاق نسبة من الفشل بالمترجم اليهودي (دوران) الذي اتهموه بعدم نقل الحقيقة. عاد الإفرنسيون إلى متابعة دراسة (مشروع الحملة ضد الجزائر) بعد أن فشلت المفاوضات. وقام وزير الحربية الجديد (دوكو) بتكليف لجنة خماسية (بدراسة المسائل المتعلقة بحملة ضد الجزائر، وتقديم خطة كاملة للعمل، وتعيين الوسائل الضرورية

стр. 449

للتنفيذ) وكانت هذه اللجنة تضم الجنرال (بيرج) الذي كان قد أرسل سنة (١٨٠٢ م) للتجسس على تحصينات الجزائر، وكان رئيسها هو الجنرال (لوفيردو). شرعت اللجنة في عملها فور تلقيها الأمر - في صيف سنة ١٨٢٨ - وجمعت المعلومات من كتب الرحالة ومعلومات الأسرى الأوروبيين والمذكرات التي كتبت عن الحملات السابقة ضد الجزائر من العام ١٦٢٨ وحتى العام ١٧٥٨. وخلصت إلى نتيجة تتوافق مع رأي (بوتان وتونير) اللذين سبقت الإشارة إليهما، سواء فيما يتعلق بتحديد مكان الإنزال أو فيما يتعلق بحجم القوى والوسائط، واقترحت اللجنة أن تغادر الحملة ميناء طولون في منتصف شهر نيسان - أبريل - حتى تتمكن من إنجاز مهمتها والعودة في نهاية شهر آب - أغسطس - وقدرت تكاليف الحملة بمبلغ (٢٥) مليون فرنك. وتضمن تقرير اللجنة بعض التفاصيل، مثل جدول الهجوم على المراكز الرئيسية (منها قلعة مولاي حسن والقصبة) وتوقعت أن تشتبك القوات الإفرسية مع قوات بايات الجزائر الثلاثة مجتمعة - في معركة حاسمة - بعد عشرين يوما من بدء الإنزال. ولكن ظهور المعارضة القوية في البرلمان الإفرنسي لمشروع الحملة، وكذلك الخسارة الاقتصادية التي نجمت عن الحصار، والظروف الدولية التي لا زالت في غير مصلحة فرنسا، كل ذلك دفع فرنسا من جديد لسلوك درب المفاوصات، فأرسلت القبطان (دي نيرسيا) في سنة ١٨٢٩ إلى الجزائر بمهمة مقابلة (الباشا حسين). وفتح الطريق أمام قائد الحصار الجديد (بريتونيير) - الذي خلف كولي - لتسهيل مهمته. وصدرت التعليمات بأن يصحب قائد الحصار عندما يأتي دوره في المفاوضات، مترجم إفرنسي بدلا من اليهودي (دوران).

стр. 450

وتم الاتفاق على خطة اجتماع الباشا وقائد الحصار بنجاح. غير أن نتيجة الاجتماع كانت سلبية، فقد طلب قائد الحصار من الباشا إرسال وفد على مستوى عال إلى باريس للاعتذار والتفاوض. ولكن الباشا استغرب هذا الطلب، وأصر على عقد الصلح في الجزائر أولا قبل إرسال الوفد إلى باريس. وأثناء عودة الوفد الإفرنسي خائبا، أطلقت المدافع من التحصينات الجزائرية نيرانها على سفينة قائد الحصار (لابروفانس). وقال الجزائريون أن السفينة اقتربت كثيرا من التحصينات، ولم ينكر الإفرنسيون ذلك غير أنهم زعموا بأن شدة الريح هي التي دفعتهم نحو التحصينات الجزائرية. المهم في الأمر هو أن السفينة لم تصب أضرار فادحة، ونجح قائدها في إبعادها. والعودة بها بسلام. وتبرأ الباشا من هذه الحادثة التي وقعت يوم ٣ آب - أغسطس - سنة ١٨٢٩، وعبر عن أسفه، وعاقب وزير البحرية وقائد الميناء بالطرد من منصبيهما. واستثمرت فرنسا هذا الحادث لزيادة التوتر في العلاقات الجزائرية - الإفرنسية. وزاد الأمر سوءا بتولي (دي بولينياك) رئاسة مجلس الوزراء الإفرنسي في نهاية سنة ١٨٢٩ م. وهو الذي عرف بوفرة مشاريعه الاستعمارية لا بالنسبة للجزائر وحدها وإنما بالنسبة للشرق كله وحتى لأوروبا. ورافق ذلك أيضا تغيير وزير البحرية، حيث أسندت هذه الوزارة إلى (البارون دو هوسيه) الذي كان من الأنصار المتحمسين لفكرة غزو الجزائر في فترة لا تتجاوز ربيع سنة (١٨٣٠ م). وكان (بولينياك) قد استقبل في أيلول - سبتمبر - عام ١٨٢٩ - عندما كان وزيرا للخارجية قبل أن يصبح رئيسا للوزراء، وفدا من مصر يضم القنصل الإفرنسي في الإسكندرية والمغامر الإفرنسي المركيز (دوليفرون) الذي أصبح ممثلا لمصالح محمد علي في فرنسا، وذلك لعرض مقترحات

стр. 451

قصر (الجنينة) مقر الإدارة المركزية العثمانية قبل أن يحرقه الفرنسيون

стр. 452

عرفت فيما بعد باسم (مشروع محمد علي) لحل قضية الجزائر). ويتضمن هذا المشروع قيام فرنسا بدعم محمد علي ليصبح حاكما على طرابلس وتونس والجزائر، وأن يتم ذلك بتوجيه الجيوش المصرية على امتداد الطريق الساحلي المتاخم لدول المغرب العربي الإسلامي، في حين تقوم قطع الأسطول البحري الإفرنسي بدعم هذا التحرك وحمايته. واقترح - محمد علي - لتنفيذ ذلك أن تمده فرنسا مسبقا بأربع قطع بحرية (سفن) و (٢٨) مليون فرنك. وكان يرى أن السلطان العثماني لن يعارض هذا المشروع، الذي يحقق لفرنسا في الوقت ذاته مصالحها (التخلص من مشكلة الجزائر) وسيرضي أوروبا (بتنفيذ رغبتها في إيقاف أعمال القرصنة). وقال محمد علي للقنصل الإفرنسي في القاهرة، أنه قادر على إنهاء (المشكلة الجزائرية) بتجنيد (٦٨) ألف رجل و (٢٣) سفينة. وتوفير (١٠٠) مليون فرنك لتغطية نفقات الحملة. واقتنع (بولينياك) بما أطلق عليه اسم (مشروع محمد علي) وهو في حقيقته مشروع إفرنسي، لا سيما وأن (بولينياك) كان يرى منذ سنة (١٨١٤م) بضرورة الربط بين قضية مصر وقضية المغرب العربي - الإسلامي. حتى أنه تحادث مع زملائه عندما كان سفيرا لبلاده في لندن (سنة ١٨٢٨) عن فوائد فرنسا وفوائد أوروبا أيضا من قيام حملة ضد الجزائر. وحين وصل إلى الحكم بدأ في البحث عن الوسيلة التي يمكن استخدامها لتنفيذ هدفه. في تلك المرحلة التي لم تكن فيها فرنسا بعد مستعدة لتنفيذ الحملة وحدها وبطريقة مباشرة، لذلك تبنى مقترحات (محمد علي) وأرسل الضابط (هودير) إلى مصر للتفاوض. كما أرسل تعليماته إلى سفير فرنسا في إستانبول لمعرفة

стр. 453

رأي السلطان في المشروع. ويقال أن التعليمات قد تضمنت إقناع السلطان بأن الحملة التي يمكن لمحمد علي القيام بها ستحقق للسلطان: ١ - جزية هامة من الولايات الثلاث المتمردة عليه (تونس والجزائر والمغرب - مراكش). ٢ - عدم إرسال الجنود الإفرنسيين إلى الجزائر. وتذكر بعض المصادر أن الديوان العثماني (مجلس الوزراء) لم يعارض المشروع في البداية، غير أنه لم يلبث أن تحول عن موقفه، وحاول العثمانيون إقناع السفير الإفرنسي بأن تأييد هذا المخطط (يخالف الدين الإسلامي) وأن محمد علي لن يقدر على تنفيذ هذا المخطط. وبدلا من التأييد الذي كان يريده الإفرنسيون، وافق الديوان على إرسال شخصية هامة للتعرف على موقف باشا الجزائر، والتوسط في إيجاد حل سلمي بين الجزائر وفرنسا. وكان (السيد خليل أفندي) هو الشخصية التي وقع عليها الاختيار للقيام بالوساطة نظرا للصداقة التي تربطه بالوالي (باشا الجزائر) ونظرا لما عرف عنه من كفاءة ديبلوماسية عالية. وقد وصل (خليل أفندي) إلى الجزائر في شهر كانون الأول - ديسمبر (١٨٢٨). ولكن خليل أفندي فشل في مهمته بسبب عناد فرنسا وتصميمها على إعادة حق صيد المرجان وإقامة منشآت مسلحة وغيرها من الشروط التعجيزية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد اصطدم المشروع عندما عرض على مجلس الوزراء الإفرنسي بمعارضة وزير البحرية (دي بورمون) ووزير البحرية (دي هوسي) حيث اعتبر مشروع التعاون مع محمد علي إهانة للشرف الإفرنسي، إذ كان حاكم مصر في نظرهما لا

стр. 454

يختلف عن حاكم الجزائر (حسين باشا): كلاهما (بربري - مسلم) وهدد (هوسي) بالاستقالة إذا منحت فرنسا الأربع سفن إلى محمد علي. ولذلك اضطر (بولينياك) إلى تعديل المشروع بتخفيض المعونة، وتقديم السفن كإعارة فقط. واشترط أن تشترك فرنسا في الحملة بأسطول ضخم يحمي جيش محمد علي من البحر، مع الاشتراك أيضا بقوة برية ضخمة من الجنود والمهندسين للمشاركة في أعمال الحصار والهجوم. وفي ١٢ تشرين الأول (كتوبر) ١٨٢٩ وافق الملك الإفرنسي (شارل العاشر) على المشروع المعدل. فأرسل (بولينياك) على الفور بعثة إلى محمد علي لحقت (بهودير) الذي كان لا يزال في (طولون) ينتظر سفينة تحمله إلى مصر. وقد وصل إلى الإسكندرية في ١٦ تشرين الثاني - نوفمبر -. غير أن مجلس الوزراء الإفرنسي قرر خلال جلسة عقدها يوم ١٩ كانون الأول - ديسمبر - ١٨٢٩، أن تقوم فرنسا وحدها بالحملة ضد الجزائر. وفي اليوم التالي وافق الملك مبدئيا على قرار مجلس وزرائه، وعاد (هودير) في هذا اليوم ذاته وهو يحمل رفض (محمد علي) للمشروع المعدل. ومع ذلك لم ييأس (بولينياك) من التعاون مع محمد علي فاقترح في جلسة مجلس الوزراء الإفرنسي يوم ٣ كانون الثاني - يناير - سنة (١٨٣٠ م) إجراء تعديل جديد على المشروع، وتقرر دفع (٢٠) مليونا - كما اشترطها محمد علي، يتم دفع نصفها عند تحرك الجيش المصري، ونصنها الباقي بعضه عند الوصول إلى طرابلس، وبعضه الآخر عند الوصول إلى تونس. وتقرر أيضا دفع مبلغ (٨) مليون فرنك كتعويض على (محمد علي) مقابل السفن الأربع التي رفضت فرنسا إعطاءها أو إعارتها. وقرر مجلس الوزراء الإفرنسي أيضا إرسال الأسطول الإفرنسي لحماية

стр. 455

الحملة ومرافقتها ابتداء من الإسكندرية. وحمل (هودير) المقترحات الجديدة - المعدلة - إلى محمد علي، ووصل إلى الإسكندرية في ٢٠ كانون الثاني - يناير - ووافق محمد علي على المشروع المعدل. غير أن حملة إعلامية - صحافية - واسعة ثارت في وجه الحكومة، وأرغمتها على تعديل موقفها. فقد وصفت بعض الصحف مشروع (محمد علي - بولينياك) بأنه مشروع غير عملي (غير ممكن - فظيع - غير مجد لفرنسا لأنها تستخدم مسلما ضد مسلم) كما اعترضت روسيا وإنكلترا على المشروع. وهكذا أرسلت الحكومة الإفرنسية رسولا آخر إلى (محمد علي) في ٦ شباط - فبراير - عام (١٨٣٠م) يعرض عليه ثمانية ملايين فرنك إذا اكتفى بطرابلس وتونس، أما الجزائر فقد رأت أن تتولاها فرنسا بنفسها. عندها يئس (محمد علي) وقطع المفاوضارت مع الإفرنسيين قائلا: (إنهم لن يصلوا أبدا إلى الجزائر، وإذا وصلوا فلن يجرؤوا على البقاء فيها لمعارضة بريطانيا لهم؟).

стр. 456

تواريخ احتلال فرنسا لمختلف مدن الجزائر

стр. 457

٢ - عشية ليل الاستعمار اجتمع مجلس الوزراء الإفرسي يوم ٣٠ كانون الثاني (يناير) ١٨٣٠ وقرر بعد دراسة استمرت أربع ساعات القيام بحملة ضد الجزائر، وأقر الملك (شارل العاشر) (١) مشروع الحملة يوم (٧) شباط - فبراير - وأصدر مرسوما ملكيا بتعيين (الكونت دي

стр. 458

بورمون) (١) قائدا عاما للحملة والأميرال (دوبيري) قائدا للأسطول. وفي يوم (١٢) آذار - مارس - ١٨٣٠م، أخطرت الحكومة الإفرنسية السفراء الأجانب المعتمدين في باريس - بمذكرة رسمية - عزمها على توجيه حملة عسكرية ضد الجزائر، وذلك لحل الأزمة المتفاقمة والتي وصلت ذروتها بالحصار المفروض على الجزائر منذ يوم ١٦ حزيران - يونيو - ١٨٢٧ م. وكان العرش الإفرنسي في حاجة لانتصار عسكري يحمل هدفا كبيرا هو (الانتقام للمسيحية) أما الذريعة فكانت موجودة (بضربة مروحة الداي). وفي يوم (١٤) حزيران - يونيو - تمكنت الحملة التي يقودها (دي بورمون) من إنزال قواتها في سيدي فريج. وكانت هذه الحملة مكونة من: (٣٥) ألف جندي مشاة. (٢٤) ألف بحار. (٤٥١٢) حصان. (٦٧٥) قطعة بحرية منها (١٠٣) قطع حربية ضخمة. وبالمقابل كان جيش الجزائر يضم (٥٠) ألف مقاتل. غير أن هذا الرقم لا يمثل القوة الحقيقية التي حشدت لمجابهة الغزو

стр. 459

الإفرنسي للأسباب التالية: ١ - أن القدرة الحقيقية هي أكبر من هذا الرقم غير أن أخطاء حشد القوات أدت إلى زج قوات أصغر بكثير. ٢ - أنه لم تستخدم هذه القوات في معركة واحده فاستطاعت القوات الإفرنسية المجمعة تدمير القوات الجزائرية على التتابع. ٣ - أن إدارة الحرب في الطرفين لم تكن متكافئة مما أضعف من القدرة القتالية للقوات الجزائرية. وهو ما تبرزه مسيرة الأحداث على مسرح العمليات (١). كان حاكم الجزائر (الوالي حسين باشا) يتابع تفاصيل الحملة قبل وقوعها. ولكن يظهر أنه لم يكن على علم بمكان نزولها. فقد كان يعتقد أنها لن تتعدى الضرب من البحر، شأنها شأن الحملات الأوروبية السابقة.

стр. 460

وما دام قد حصن الواجهة البحرية، فإنه لا خوف من عواقب الحملة. ومن جهة أخرى، كان لا يزال على الاعتقاد بأن الإفرنسيين لن يتخلوا عن فكرة التفاوض، على الرغم من استعداداتهم للحملة، وكان يساعده على اعتقاده هذا كثرة الرسل والبعثات التي جاءت طالبة التفاوض منذ إعلان الحصار. وكان الباشا يعتمد أيضا على مساعدات بريطانيا، التي كان قنصلها، بالإضافة إلى قنصل نابولي، يقوم بنشاط ملحوظ منذ عام ١٨٢٧ م وكانت مصالح بريطانيا تقتضي استمرار الإدارة الحالية في الجزائر، على نحو ما كانت تقتفيه مصالحها في المشرق. وحين كتب محمد علي ناصحا الباشا، رد عليه (بأن يبيع الفول للمسيحيين بدل إعطائه النصائح بدون جدوى). وكان حسين باشا قد بعث برسله للتجسس على أخبار الإفرنسيين في إيطاليا وإسبانيا ومرسيليا وطولون وباريس وجبل طارق ومالطا. وحين جاءته هذه الرسل تنذره بأن فرنسا تستعد للقيام بحملة ضده، اعتقد أن ذلك لن يتعدى غارة بحرية ستفشل لا محالة. وعين والي الجزائر (حسين باشا) صهره (الآغا إبراهيم) لقيادة جيش الجزائر، منذ ضرب السفينة الإفرنسية لابروفانس في ٣ آب - أغسطس - ١٨٢٩ م، وسلمت له عندئذ خطة الإفرنسيين للهجوم على الجزائر ومكان إنزال قواتهم وعدد جنودهم ومدافعهم. ومع ذلك لم يستعد لأي شيء وكان يدعي أن قبائل الجزائريين سترغم الإفرنسيين على الفرار منذ نزولهم إلى البر. ولكنه لم يصدر تعليماته أو أوامره لهؤلاء المقاتلين الجزائريين أن يأتوا من بواديهم لمواجهة العدوان. فكان كل جيشه مكونا من أهالي سهل متيجة الذين لا يعرفون سوى بيع الحليب. وكان إبراهيم يدعى أن لديه (٥) آلاف لص سيطلقهم ليلا للهجوم على معسكر العدو، وإشاعة
следующие страницы →