٢ - عشية ليل الاستعمار
اجتمع مجلس الوزراء الإفرسي يوم ٣٠ كانون الثاني (يناير) ١٨٣٠ وقرر بعد دراسة استمرت أربع ساعات القيام بحملة ضد الجزائر، وأقر الملك (شارل العاشر) (١) مشروع الحملة يوم (٧) شباط - فبراير - وأصدر مرسوما ملكيا بتعيين (الكونت دي
стр. 458
بورمون) (١) قائدا عاما للحملة والأميرال (دوبيري) قائدا للأسطول. وفي يوم (١٢) آذار - مارس - ١٨٣٠م، أخطرت الحكومة الإفرنسية السفراء الأجانب المعتمدين في باريس - بمذكرة رسمية - عزمها على توجيه حملة عسكرية ضد الجزائر، وذلك لحل الأزمة المتفاقمة والتي وصلت ذروتها بالحصار المفروض على الجزائر منذ يوم ١٦ حزيران - يونيو - ١٨٢٧ م. وكان العرش الإفرنسي في حاجة لانتصار عسكري يحمل هدفا كبيرا هو (الانتقام للمسيحية) أما الذريعة فكانت موجودة (بضربة مروحة الداي).
وفي يوم (١٤) حزيران - يونيو - تمكنت الحملة التي يقودها (دي بورمون) من إنزال قواتها في سيدي فريج. وكانت هذه الحملة مكونة من:
(٣٥) ألف جندي مشاة.
(٢٤) ألف بحار.
(٤٥١٢) حصان.
(٦٧٥) قطعة بحرية منها (١٠٣) قطع حربية ضخمة.
وبالمقابل كان جيش الجزائر يضم (٥٠) ألف مقاتل. غير أن هذا الرقم لا يمثل القوة الحقيقية التي حشدت لمجابهة الغزو
стр. 459
الإفرنسي للأسباب التالية: ١ - أن القدرة الحقيقية هي أكبر من هذا الرقم غير أن أخطاء حشد القوات أدت إلى زج قوات أصغر بكثير. ٢ - أنه لم تستخدم هذه القوات في معركة واحده فاستطاعت القوات الإفرنسية المجمعة تدمير القوات الجزائرية على التتابع. ٣ - أن إدارة الحرب في الطرفين لم تكن متكافئة مما أضعف من القدرة القتالية للقوات الجزائرية. وهو ما تبرزه مسيرة الأحداث على مسرح العمليات (١).
كان حاكم الجزائر (الوالي حسين باشا) يتابع تفاصيل الحملة قبل وقوعها. ولكن يظهر أنه لم يكن على علم بمكان نزولها. فقد كان يعتقد أنها لن تتعدى الضرب من البحر، شأنها شأن الحملات الأوروبية السابقة.
стр. 460
وما دام قد حصن الواجهة البحرية، فإنه لا خوف من عواقب الحملة. ومن جهة أخرى، كان لا يزال على الاعتقاد بأن الإفرنسيين لن يتخلوا عن فكرة التفاوض، على الرغم من استعداداتهم للحملة، وكان يساعده على اعتقاده هذا كثرة الرسل والبعثات التي جاءت طالبة التفاوض منذ إعلان الحصار. وكان الباشا يعتمد أيضا على مساعدات بريطانيا، التي كان قنصلها، بالإضافة إلى قنصل نابولي، يقوم بنشاط ملحوظ منذ عام ١٨٢٧ م وكانت مصالح بريطانيا تقتضي استمرار الإدارة الحالية في الجزائر، على نحو ما كانت تقتفيه مصالحها في المشرق. وحين كتب محمد علي ناصحا الباشا، رد عليه (بأن يبيع الفول للمسيحيين بدل إعطائه النصائح بدون جدوى). وكان حسين باشا قد بعث برسله للتجسس على أخبار الإفرنسيين في إيطاليا وإسبانيا ومرسيليا وطولون وباريس وجبل طارق ومالطا. وحين جاءته هذه الرسل تنذره بأن فرنسا تستعد للقيام بحملة ضده، اعتقد أن ذلك لن يتعدى غارة بحرية ستفشل لا محالة. وعين والي الجزائر (حسين باشا) صهره (الآغا إبراهيم) لقيادة جيش الجزائر، منذ ضرب السفينة الإفرنسية لابروفانس في ٣ آب - أغسطس - ١٨٢٩ م، وسلمت له عندئذ خطة الإفرنسيين للهجوم على الجزائر ومكان إنزال قواتهم وعدد جنودهم ومدافعهم. ومع ذلك لم يستعد لأي شيء وكان يدعي أن قبائل الجزائريين سترغم الإفرنسيين على الفرار منذ نزولهم إلى البر. ولكنه لم يصدر تعليماته أو أوامره لهؤلاء المقاتلين الجزائريين أن يأتوا من بواديهم لمواجهة العدوان. فكان كل جيشه مكونا من أهالي سهل متيجة الذين لا يعرفون سوى بيع الحليب. وكان إبراهيم يدعى أن لديه (٥) آلاف لص سيطلقهم ليلا للهجوم على معسكر العدو، وإشاعة
стр. 461
الفوضى والاضطراب حتى يقتل الإفرنسيون بعضهم بعضا. ولم يكتف (الآغا إبراهيم) بعدم القيام بأية استعدادات لمجابهة احتمالات العدوان، وإنما وقف لمعارضة اقتراحات زملائه (أمثال الحاج أحمد باي قسنطينة) والتي تقضي بالاعتماد على (استنزاف قدرات العدو) والاشتباك معه بمعارك صغرى (كمائن وإغارات) وهو النوع الذي يتقن الجزائريون استتخدامه بسبب سرعتهم وخفة
حركتهم ومعرفتهم الجيدة للأرض. وقرر (إبراهيم) في مخطط دفاعه على صدم قوات العدو بمعركة تصادمية في المواجهة، وكان إبراهيم يقول: (أنه الوحيد الذي كان يعرف مناورات العدو الحربية وطرائقه التعبوية - التكتيكية). وفي مرحلة الإعداد للمعركة، أعطى (إبراهيم) كل جندي عشر رصاصات فقط. وكانت هذه الرصاصات في نظره (كافية للإطاحة بنصف الجيش الإفرنسي، وبعد ذلك لن تكون هناك حاجة لتوزيع البارود).
عندما كان (الآغا إبراهيم) يجابه الموقف بمثل هذه الاستعدادات البدائية، وعندما كان الداي (حسين باشا) يعتمد على تقديراته المتفائلة - أكثر من اللازم، كان العالم كله يعرف أن حملة فرنسا قد باتت وشيكة (حتى أن القناصل المعتمدين في الجزائر اتخذوا كل التدابير الضرورية لحماية أنسفهم وممتلكاتهم من أعمال الفوضى والنهب التي قد يقوم بها الإنكشارية وقطاع الطرق من الجزائريين والانتقال إلى مركب القيادة الإفرسية عند بدء العدوان (١). غير أن أعمال النهب والفوضى جاءت من قبل جنود
стр. 462
جيش الغزو، كما أن القيادة الإفرنسية لم تسمح للقناصل بمرافقة الحملة بسبب صعوبات كثيرة على ما زعمته قيادة الحملة. المهم في الأمر هو أن هذه الحملة وصلت إلى الجزائر على موجات متتالية، تكونت الموجة الأولى من مائتي قطعة بحرية وصلت إلى مياه الجزائر منذ ١٣ حزيران - يونيو - ١٨٣٠ وألقت مراسيها في ميناء (سيدي فرج). وقامت السفن بإنزال القوات فورا واستولت على رأس (سيدي فرج) وعلى قلعة صغيرة غير بعيده عن الرأس المذكور، واستمر الإنزال بعد ذلك دونما توقف وبدون مقاومة تقريبا. وجاءت بعد ذلك الموجة الثانية وهي مكونة من (١١٠) قطع بحرية من أنواع مختلفة وأحجام متباينة، ألقت مراسيها يوم ١٦ حزيران - يونيو، وقامت بإنزال كل ما تحمله من الجنود والمواد التموينية والذخائر الحربية، وعادت بعد ذلك إلى فرنسا حتى تنقل حمولات جديدة.
وصلت بعد ذلك قطع حربية بحرية من كل الأنواع، وهي تغدو جيئة وذهابا بين طولون والجزائر لتنقل كل يوم المزيد من القوات مع تأمين متطلبات القوات التي بلغ عدد أفرادها (٣٠ ألف مقاتل) منهم (٢٥) ألفا من المشاة و (٥) آلاف من رجال المدفعية والمهندسين و (١٥٠٠) فارس مع خيولهم و (٣٥٠٠) من القناصة
стр. 463
والجوالة - عناصر الاستطلاع - وقوات الدرك ووحدات أخرى خقيفة.
وأقام القائد الإفرنسي (بورمون) مقر قيادته في زاوية المرابط (سيدي فرج) حيث كانت الزاوية تشرف على الخليج بكامله. وكانت تضم مسجدا صغيرا يحيط به جدار، وبه بعض الغرف. وحول الزاوية كانت مزارع الشعير والحنطة وأشجار التين والبرتقال والزيتون. وبداخل المسجد كان هناك صندوق ذخائر سيدي فرج الذي كان مرصعا بالفضة والمرجان. فاختار (بورمون) المسجد لإقامته ونومه، وانتشر القادة في الأنحاء الأخرى وقد اختار كل واحد المكان المناسب لإقامته.
بقيت القوات الإفرنسية في مراكزها حتى يوم ١٩ حزيران - يونيو - دونما أي محاولة للتحرك، حتى تقنع الجزائريين بضعف القوة الإفرنسية وتغريهم بمهاجمتها جبهيا. وفي الوقت ذاته للإفادة من هذا الوقت من أجل ضم القوات الجديدة التي تصلهم من فرنسا، وأثناء ذلك قام الجنود الإفرنسيون بحفر الخنادق المتتالية لحماية معسكرهم، واختاروا لمدفعيتهم المرابض المناسبة.
عرف (حسين باشا) بخطورة الموقف عندما نزل الجيش الإفرنسي فعلا في سيدي فرج، فتحرك بسرعة، وطلب إلى ولاة الأقاليم الثلاثة (قسطينة ووهران وتيطري) إرسال الدعم، كما أرسل إلى داخل البلاد المراسيل يدعون الناس للجهاد، فاستجاب لندائه الرسميون والأهالي على السواء.
وأرسل أيضا إلى باي وهران يأمره بتحصين الميناء، كما أرسل إلى باي قسنطينة يأمره بتحصين ميناء عنابة، وأمر الباشا بإجراء إحصاء لعمال مدينة الجزائر وإرسالهم إلى القلاع للدفاع عنها.
стр. 464
ورغم هذه الاستعدادات الظاهرية، والتي لم تكن كافية بقدر ما كانت متأخرة، فقد كشف الواقع عن بعض الأخطاء. فبدلا من أن يستعمل (الداي حسين باشا) هذه القوات لصد الهجوم الإفرنسي من سيدي فرج، فإنه احتفظ بها على مسافة عدة كيلومترات بعيدا عن العاصمة. وحين عبر له بعض الأجانب عن استغرابه لهذا الإجراء، أجابه حسين: (بأنه فعل ذلك ليسهل تحطيم العدو). وكان حسين ينظر بثقة إلى جنوده وتحصيناته، وكان يعتقد بأن القصبة لا تهزم وأنها تستطيع أن تقاوم عدة سنوات. ولم يدعم معسكراته سوى ببعض مئات من الجنود. ثم جمع (الداي حسين باشا) ديوانه العسكري. واستشار رجاله في الأمر، فقر رأيهم على أن يتركوا الإفرنسيين وشأنهم في سيدي فرج حتى يكملوا إنزال قواتهم واعتدتهم ووسائطهم القتالية، ثم ينقضوا عليهم بجموعهم - ما هو موجود الآن وما هو قادم من الداخل، فيقذفون بالإفرنسيين في البحر، فيتخلصوا بذلك منهم، ويغنموا أموالهم وذخائرهم، كما وقع مثل ذلك من قبل مع الإسبانيين (حملة شارلكان). وعندئذ تقرر إقامة معسكرين لحشد القوات في (مصطفى والي) و (اسطاوالي) وهما يبعدان (٥) كيلومترات عن جنوبي شبه جزيرة (سيدي فرج). وأقام قائد الجيش (إبراهيم آغا) في (اسطاوالي) ولكنه لم يحاول تنظيم القوات التي وردت إليه من سكان سهل متيجة وأهالي جرجرة. وكانت القوات تذهب كل يوم إلى معسكر الحراش الذي يبعد مسافة أربع ساعات من (اسطاوالي) وتعود كل صباح. وقد رفض (إبراهيم) مقترحات باي (قسنطينة) التي تقضي بتوزيع القوات الجزائرية - العثمانية، وجعل جزء منها غرب (سيدي فرج) لحماية العاصمة ومنع العدو من الوصول إليها. وانتقد (الباي أحمد)
стр. 465
خطة إبراهيم) وقال: (بأن وضع القوات على ما هي عليه سيكون - مرشدا للقوات الإفرنسية فى زحفها نحو العاصمة. وطالب بالعناية بالجيش، وأن يأخذ كل قائد مجموعة منه ويعدها إعدادا كافيا). كما طالب (الباي أحمد) بحفر الخنادق حول المعسكر. ولكن رد (الآغا إبراهيم) كان سلبيا ومثبطا. فقد أجاب الباي بأنه: (يجهل التكتيك الحربي الأوروبي الذي يخالف التكتيك الحربي العربي). فلم يبق أمام (الباي أحمد) سوى الصمت. وفي آخر لحظة، اقتنع (الآغا إبراهيم) بضرورة حفر الخندق الذي كان يرى (أنه سيكون معطلا لجيشه لا لجيش العدو) وقد أذاع الجيش: (بأن كل عربي بدون سلاح يستطيع الحضور إلى المعسكر لأخذه) وعندما حضروا للمعسكر ليلا أعطاهم الفؤوس بدلا من الأسلحة وأمرهم بحفر الخندق، فتم تنفيذ ذلك في ليلة واحدة. ولكن الخندق لم يكن مفيدا، إذ أنه لم يؤمن حماية المقاتلين الجزائريين ولم يؤخر تقدم العدو.
حدثت خلال هذه الفترة بعض الأحداث الصغرى التي تجدر الإشارة إليها، نظرا لأنها تعتبر بمثابة المؤشرات للحالة الخاصة والعامة أثناء عملية الغزو. ومن ذلك إقدام بعض الجزائريين على مهاجمة الجنود الأتراك في الليل ثم الهرب. وعندما اشتكى الجنود إلى الباشا، نصحهم (بغض النظر) وعدم تضخيم الأمر. وحاول (حسين باشا) على إثر ذلك التقرب من الأهالي، فأمر بإعدام سبعة من جند الإنكشارية بسبب اعتداءاتهم على الجزائريين، وأخذ يحقد على جنوده الأتراك، وازداد اعتماده على الجزائريين. ومن ذلك أيضا، رفض (الآغا إبراهيم) معاقبة جندي إنكشاري لأنه قتل جزائريا لكي يبيع رأسه في المدينة على أنه رأس جندي إفرنسي. وقد
стр. 466
أثار هذا الحادث حفيظة الجنود الجزائريين الذين كانوا في جيشه. ومن ذلك أيضا ما حدث أثناء هذه الساعات الحرجة، عندما ذهب جزائري (يدعى أحمد بن شنعان) إلى المعسكر الإفرنسي للتعرف على ما إذا كان الفرنسيون قد جاءووا مستعمرين أو محررين. وبعد قضاء ليلة واحدة، تركوه يعود من حيث أتى بعد أن زودوه بنسخ كثيرة من البيان الذي أعدوه ووجهوه إلى الجزائريين وأهالي المغرب العربي عامة. (انظر نص هذا البيان في قراءات - ٢ - آخر الكتاب).
وفي هذا الوقت ذاته توجه مترجم سوري كان في الجيش الإفرنسي، إلى المعسكر الجزائري محاولا إقناع القيادة بالتفاوض مع الإفرنسيين، ولكنه حمل من هناك إلى (حسين باشا) الذي أمر بقتله بعد أن ظن أنه يحاول التأثير عليه بوصفه للقوات الإفرنسية بالكثرة والضخامة. ومن ذلك، قيام بعض الجزائريين بإجراء اتصالات مع الإفرنسيين، والتظاهر بصداقة فرنسا، وإعطاء تقارير خاطئة عن حالة البلاد وحالة الجيش. ومن ذلك أيضا ما ذكر من أن (إبراهيم باشا) قد تسلم من الباشا حسين صالح) من المال لتوزيعها على المجاهدين لتشجيعهم، ولكنه لم يعط أحدا منهم شيئا. وكان (الباشا حسين) قد وعد الجزائريين بدفع مبلغ (٥٠٠) فرنك لكل من يحمل له رأسا للعدو. وكلف (الآغا إبراهيم) بدفع المبلغ في مكانه مقابل وصل استلام. غير أن (الآغا) لم يدفع شيئا. وكان يقول لمن يأتيه برأس العدو: (تعال خذ المبلغ بعد المعركة). وذكر كذلك: (أن الآغا إبراهيم) ترك معسكره دون حراسة قوية (بحيث كان يستطيع كل إنسان دخوله والخروج منه بدون أن يعترضه معترض). وعندما تقرر مهاجمة المعسكر الإفرنسي: (خرج إبراهيم وحاشيته من المعسكر إلى سيدي فرج تاركا المعسكر خاليا إلا من حوالي (٤٠) شخصا
стр. 467
لحراسة الأثاث، ولكنهم كانوا بدون سلاح). وهكذا - وكما وصف أحد مسؤولي الجزائر - الحاج حمدان خوجة - الموقف بقوله: (لقد ذهب الآغا إبراهيم لمحاربة الإفرنسيين، بدون جيش منظم، وبدون ذخيرة، وبدون مؤونة، وبدون شعير للخيل، وبدون المقدرة الضرورية على مواجهة الحرب) (١). فكانت (غلطة، من الوالي حسين باشا، لا تغتفر. لأنه عين الآغا إبراهيم لممارسة قيادة هو غير كفء لها في وقت هو من أخطر ما جابهته الجزائر).
مضى أسبوع تقريبا على إنزال القوات الإفرنسية في المنطقة المحصنة طبيعيا حيث كانت المرتفعات الأرضية تحمي ميمنتهم وقلبهم. وفي مساء ١٨ حزيران - يونيو - أقام والي الجزائر (حسين باشا) مأدبة عشاء أشبه ما تكون (بمؤتمر حرب) حضرها: (باي قسنطينة وخليفة باي وهران، وباي تيطري، وخوجة الخيل وقائد الجيش الآغا إبراهيم) وتقرر مهاجمة المعسكر في صبيحة اليوم التالي.
بدأت المعركة الحاسمة مع بزوغ الشمس ليوم ١٩ حزيران - يونيو - والتقف القوتان في معركة جبهية أظهر فيها العرب والترك شجاعة نادرة وكفاءة عالية مما أوقع القوات الإفرنسية في مأزق حقيقي ووصل المجاهدون إلى تحصينات الإفرنسيين، ورفعوا علم الجزائر فوقها. ولاحت بواكير النصر لمصلحة المسلمين غير أن القوات الإفرنسية تلقت دعما قويا تعززه المدفعية في اللحظة الحرجة وتحول الموقف بسرعة. فأخذت (جيوش الباشا) بالتراجع والانسحاب، وهو التراجع الذي لم يلبث أن تحول إلى (هزيمة)
стр. 468
بسبب الضغط المتعاظم للقوات الإفرنسية التي أفادت من تفوقها فانطلقت كالسيل مجتاحة في طريقها معسكر (مصطفى والي) الذي تركه المقاتلون وهم يفرون في كل اتجاه ليقع جميعه غنيمة باردة في قبضة الإفرنسيين. وهرب (الآغا إبراهيم) من الميدان مخلفا وراءه جيشه وخيامه وأعلامه والفرقة الموسيقية. واختفى في دار ريفية مع بعض خدمه. وبدل أن يعزله (حسين باشا) فورا ويعين قائدا تتوافر له الكفاءة والقدرة لإعادة الروح المعنوية المنهارة، ومواجهة قوات العدو، أرسل إلى صهره (حمدان خوجة) الذي كان موضع ثقته ليحاول إقناعه بضرورة استلام القيادة من جديد، وقد وجده (خوجة) في حالة انهيار تام، فلم يتمكن من إقناعه لمتابعة تنفيذ مهمته إلا بعد جهد كبير. غير أن (الآغا إبراهيم) لم يتمكن من تنفيذ واجباته، فعندما تقدم الجيش الإفرنسي من (اسطاوالي) مارا (بسيدي خلف) اختفى إبراهيم من جديد.
وأمام ذلك، عزله (حسين باشا) ودعا المفتي (محمد العنابي) وأعطاه سيفا وأمره بجمع الشعب وإقناع الناس بالجهاد دفاعا عن البلاد. وكان المفتي رجلا فاضلا ولكنه كان صالحا للافتاء لا للقيادة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقط أحاط الناس - رجال الحضر - بالمفتي، وحاولوا إقناعه بعقم محاولات الدفاع عن موقف بات الأمل ضعيفا في إنقاذه. لا سيما وأن قوات الإفرنسيين قد أخدت في الاقتراب من (قلعة مولاي حسن - المعروفة باسم قلعة الإمبراطور) مما زاد الموقف اضطرابا وجعل الأمل بنجاح المقاومة أكثر بعدا. أما قيادة الجيش فقد تولاها (الباي مصطفى بومزراق). ولكن تغيير القيادة لم يعد مجديا أو مثمرا، هذا على الرغم مما تميز
стр. 469
به القائد الجديد من الخبرة القتالية والشجاعة. فكان كل ما عمله هو جمع الغنائم واختيار البنادق الطويلة لإطلاق الرصاص بنفسه على الإفرنسيين. وتحصين البساتين حول مدينة الجزائر. وفي هذا الوقت كانت القوات الإفرنسية قد توقفت لإعادة تنظيم قواتها وتحصين مواقعها التي وصلت إليها. وبعد مناوشات بسيطة خلال هذه الفترة تمكن الإفرنسيون من إفراغ بقية السفن، وأصبحوا على استعداد لمتابعة التقدم نحو الجزائر التي لم يبق بينهم وبينها أكثر من ستة كيلومترات. فهيؤوا هجوما منظما، وانقضوا على جنود الداي الذين خاضوا المعركة بشجاعة عالية، وأظهر الأتراك والعرب والبربر من العناد قدرا كبيرا حتى أن معظمهم لم يغادر مواقعه واستمر في المقاومة حتى أبادت نيران العدو القوات المدافعة عن مواقعها. واستطاع الإفرنسيون التقدم حتى أشرفوا على المدينة، واقتربوا من (برج مولاي الحسن) وهو مركز الدفاع الأكبر لإطلاق نيران مدافعهم عن القلعة.
أثناء ذلك كان وزير المالية (الخزنجي) المكلف بقيادة الحامية المدافعة عن (برج مولاي الحسن) والذي كان موضع ثقة الداي (حسين باشا) قد أخذ في التآمر مع الإفرنسيين على سيده الداي، مدفوعا إلى ذلك بما عرف عنه من الطموح - أو الطمع - الذي وصل به إلى درجة الحقد. والذي كان له دوره في القضاء على حياة قائد الجيش السابق (يحيى آغا) ثم أخذ في التقرب من الإنكشارية في محاولة لكسب تأييدهم له للاستيلاء على السلطة. وها هو الآن يحاول التفاوض مع الإفرنسيين ويعد مشروعا للتفاوض على شروط الصلح، في حين كانت الحامية تدافع ببطولة عن القلعة من يوم ١ تموز - يوليو - حتى يوم ٤ منه، وأثناء ذلك كانت المدفعية الإفرنسية قد
стр. 470
أحدثت ثغرات في الجدران ودمرت قواعد القلعة، وقتل القسم الأكبر من أفراد الحامية، ونفدت جميع المؤن والأسلحة، ولم يبق إلا ثلاثة مقاتلين خافوا أن تحتل القوات الإفرنسية قلعتهم وتستخدمها ضد المواطنين الجزائريين في المدينة والقصبة، فأوقدوا النار في مستودعات البارود، فدك البرج وتهادى على الأرض، وهلك خلق كثير. وأدى ذلك إلى مزيد من الهياج والاضطراب، إذ عرف الناس أنه لم يعد هناك ما يحميهم من اجتياح الإفرنسيين.
أخذت روح الهزيمة في الهيمنة بسرعة على الأاجهزة الإدارية والاجتماعية، وكان للبيان الذي وزعه الإفرنسيون دوره في الترويج للهزيمة بين أوساط من يطلقون على أنفسهم عادة اسم (المعتدلين) والذين اقتنعوا بأن الإفرنسيين قد جاؤوا حقا كمحررين للجزائريين من سيطرة الأتراك العثمانيين. وكانوا يعتقدون أن (فرنسا المتحضرة) لا يمكن أن تعد بشيء إلا إذا كانت مستعدة لتنفيذه. فأصبح هؤلاء من أنصار (الحل السلمي). ونجح البيان الإفرنسي بذلك من (شل القدرة القتالية) لدى بعض الجزائريين، على الرغم من أن هذا البيان قد صيغ بأسلوب غامض، وبطريقة دعائية (إعلامية). المهم في الأمر، هو أن هذه الروح الانهزامية دفعت مجموعة من ممثلي التجار وأصحاب الأموال للاجتماع في قلعة (باب البحرية) يوم ٢ تموز (يوليو). وقرروا أن ضياع المدينة أصبح أمرا محتما. وأنه إذا ما دخلها الإفرنسيون عنوة فإنهم سيستبيحونها، وسينهبون ثرواتها ويعتدون على النساء ويقتلون الأطفال، ورأوا تفاديا لذلك، عدم مقاومة الجيش الإفرنسي عند دخول المدينة، وأرسلوا وفدا عنهم إلى القصبة لمقابلة الباشا، واطلاعه على ما اتفقوا عليه. وأجابهم الباشا عند مقابلته لهم: (بأنني سأقاوم ما دمت
стр. 471
حيا، وإن أردتم التسليم فسأتلف القصبة وأموت فيها) ثم نهض ليوقد النار في خزينة البارود، وما استطاعوا صده عن ذلك إلا بجهد جهيد. غير أن هذا الحادث أضعف من إرادة (الباشا حسين). فأرسل (بومرزاق مصطفى) إلى القائد العام الإفرنسي بعد ظهر يوم ٤ تموز - يوليو - ليعرض عليه أمر الصلح، ويعد بإعطائه نفقات الحملة الحربية، ويؤكد له صداقة الباشا، وحرية التجارة الإفرنسية في البر والبحر. ولكن الجنرال (دوبرمون) القائد العام رفض هذه المقترحات، مدعيا أنها لا تساوي ثلم شرف فرنسا، ولا تعادل ثمن دماء الإفرنسيين وخسائرهم، فقد قتل منهم (٤٠٠) رجل، وجرح أكثر من ألفي شخص. وبعد ساعتين تقدم إلى القائد العام تاجران من أغنياء الجزائر، وقالا له: أنهما مندوبان عن أشراف المدينة ويطلبان الهدنة والصلح. ولما أقبل المساء ذهب (بومزراق) مع قنصل إنكلترا إلى المعسكر الإفرنسي. وأظهر مصطفى استعداده لخيانة سيده، وحمل رأسه إليه، وتنصيب (الخزنجي) مكانه، غير أن (بورمون) أجابه: (بأنه لم يأت لمساعدة المتآمرين ولكنه جاء حتى يحارب، وأنه يقبل اقتراح حسين باشا الذي ينص على الاستسلام). وعندها سأل (بومزراق) و (القنصل الإنكليزي) عن الشروط التي يريدها، فدخل (بورمون) وحررها وسلمها إلى (بومرزاق) الذي عاد بها إلى (حسين باشا) فوقعها هذا بعد أن قرأها على رجاله وحاشيته (١).
كان أول ما فعله الكونت (دوبورمون) هو حل منظمة الإنكشارية التي كان عدد أفرادها العزاب (٣٥٠٠) والمتزوجين
стр. 472
حوالي (الألف). وأفاد (اليهود) من هذا الموقف فانطلقوا في حملة انتقامية من أسيادهم وحماتهم سابقا، فنهبوا أموالهم ومنازلهم، واعتقلوا عددا من العثمانيين عندما تأكدوا من اقتراب الجيش الإفرنسي، وأخذوا يرقصون في الشوارع معلنين ولاءهم للسيد الإفرنسي الجديد. أما (دوبورمون) فاكتفى بترحيل الإنكشارية غير المتزوجين إلى آسيا الصغرى بعد تجريدهم من أسلحتهم. وبعد ذلك، تبادل حسين باشا - الذي كان قد بلغ الخامسة والستين من عمره - وبورمون - الزيارات، فزار الباشا أولا بورمون مصحوبا بحوالي خمسين شخصا من العرب والأتراك، وطالب باسترداد أثاثه وحاجاته التي منها كيس يحتوي على (٣٠) ألف قطعة ذهبية.
وكانت زيارة الباشا يوم ٧ تموز - يوليو - وفي اليوم التالي زاره بورمون وخيره في المكان الذي يريد الذهاب إليه، فاختار أولا مالطا، ولكن خوفا من بريطانيا خيره (بورمون) في مكان آخر، فاختار (نابولي) التي كان ملكها صديقا للباشا، فقبلت رغبته، وفي ٣١ من الشهر ذاته، وصل حسين باشا باي الجزائر السابق إلى (نابولي) على متن السفينة الإفرنسية (جان دارك) وكان برفقته (١١٠) أشخاص من بينهم (الآغا إبراهيم - صهر الباشا) ووزير المالية (الخزنجي) ومن بينهم أيضا (٥٧) امرأة من الحرائر والوصيفات.
لقد كانت الاتفاقية الموقعة بين الداي حسين باشا وقائد الحمله (دوبورمون) خاصة بمدينة الجزائر، في حين كان الداي (حسين) حاكما لكل الجزائر، وكان من المفروض أن ينتقل من ولاية إلى ولاية (من بايليك إلى بايليك) ومن مدينة إلى مدينة، وألا يستسلم بمجرد خسارته لأول معركة لم يتم الإعداد لها بصورة
стр. 473
مناسبة. فخان بذلك قضية الجزائر، وفرط بالأمانة وترك لشعب الجزائر مسؤولية تصحيح (الخطأ التاريخي) أو (الجريمة التاريحية).
دخلت القوات الإفرنسية إلى مدينة الجزائر مع شروق شمس (الخامس من تموز - يوليو - ١٨٣٠) وأصبح هذا اليوم نقطة تحول حاسمة في تاريخ الجزائر. إذ يعتبر الحد الفاصل بين نهاية الإسلام وبداية المقاومة المتصاعدة، وأخذت الأجيال تتناقل مع كل تطور ذكريات (عشية ليل الاستعمار) الذي بدأ في صباح ذلك اليوم.
وطئت أقدام الغزاة البرابرة أرض الجزائر الطاهرة. واقتحموا أسوار (المحروسة) فنزعوا الأعلام الجزائرية عن الحصون والأبراج ودور الحكومة، ورفعوا مكانها الأعلام الاستعمارية، واستولت القوات الإفرنسية على خزينة الدولة الجزائرية وأملاكها بعد احتلالها العاصمة. وانطلقت لنهب (الأملاك الأميرية) أو المؤسسات العامة، وأموال الحكومة وكنوزها وثرواتها وما تضمه مستودعاتها من المواد الغذائية والأعتدة الحربية، وتم تقويم هذه المسروقات بمبلغ (١٥٠) مليونا من الفرنكات الذهبية. (وقد سجل المؤرخون بأن ضباط الحملة الاستعمارية اختلسوا (١٠٠) مليون فرنك لأنفسهم، ولم يطلعوا الحكومة على أكثر من (٥٠) مليون فرنك ذهبي. مدعين أن هذا هو المبلغ الذي وجدوه في الخزانة الجزائرية.
كانت الغنائم التي حصل عليها الإفرنسيون - بالإضافة إلى محتويات الخزانة الجزائرية - تشمل ألفي مدفع، منها ثمانمائة مدفع
стр. 474
من البرونز الخالص، قيمتها على مقتضى ثمن وزن البرونز، (٤) ملايين فرنك ذهبي. وكان في مخازن الحكومة من الصرف والبضائع المختلفة ما قدر الفاتحون ثمنه بثلاثة ملايين فتكون جملة
الغنائم - بحسب تقويم الاستعماريين ذاتهم -:
نقدا: ٤٨،٨٦٤،٥٢٧ فرنكا.
مدافع برونز النحاس: ٤،٠٠٠،٠٠٠ فرنكا.
صوف وبضائع مختلفة: ٢،٠٠٠،٠٠٠ فرنكا.
المجموع: ٥٥،٨٦٤،٥٢٧ فرنكا.
حصلت فرنسا بذلك على أكثر من ضعف نفقات حملتها على الجزائر:
وحصلت فرنسا على ما تحتاجه من المواد الأولية المخزونة في الجزائر.
وابتلعت فرنسا ما كان للجزائر عليها من الديون المتراكمه. وكانت هذه هي الدفعة الأولى من عملية النهب الاستعماري، التي رافقت (ليل الاستعمار الإفرنسي في الجزائر) وانطلق جند الغزاة البرابرة، في ذروة نشوة النصر، لتطوير عملية النهب العامة بعمليات نهب خاصة لم تعرف لها شبيها إلا في غزوات التتار البرابرة. ولم يسلم منها حتى دور القناصل والتجار الغربيين الذين كانوا يقيمون في الجزائر.
وحملت الغنائم (والمدافع البرونزية) والكنوز والثروات إلى فرنسا لتزيين تاج (الحرية والإخاء والمساواة) بأول ثمرة من ثمار الثورة التي كانت تعيش حياة الملكية، والملكية التي كانت ترتدي ثياب الثورة.
стр. 475
٣ - بدايات المقاومة
ظهر تصميم الشعب الجزائري واضحا منذ البداية لمقاومة الهجمة الاستعمارية الإفرنسية، وتجلى ذلك في الأعمال القتالية التي خاضها الجزائريون مع الإفرنسيين منذ الاشتباكات الأولى، وهذا ما شهد به كل المراقبين الذين رافقوا الحملة، وكذلك أولئك الذين كتبوا (تاريخ الحملة) من الإفرنسيين وسواهم وقد يكون من المناسب التوقف قليلا عند أحد مؤرخي الحملة الإفرنسية وقادتها، وهو (كلوزول) (١) الذي يصف
стр. 476
معركة (اسطاوالي) بما يلي: (قامت القوات الجزائرية يوم ١٠ حزيران - يونيو - ١٨٣٠ بهجوم شامل على امتداد الجبهة - وكان لا بد من القتال للدفاع عن كل شبر من الأرض، وخوض الصراع خطوة فخطوة. حتى أمكن في النهاية صد العرب عن الوصول إلى الهدف الذي يريدونه.
لقد كانت الأرض مقطعة بالخنادق المتتالية، وكان لا بد من صدهم عند كل خندق. لقد أخفى العرب مدافعهم خلف السياج وبين الأنقاض والجدران المتهدمة والغياض الكثيفة. وأقاموا كمائنهم هنا بزمر صغيرة يتراوح عدد أفرادها بين ستة أو ثمانية من القناصة - مهرة الرماة - فكانوا يعيقون تقدم قواتنا بكفاءة. ولم يكن أمرا نادرا أن تجد النساء وحتى الأطفال عند بطاريات المدفعية وهم يعملون على تلقيم الأسلحة التي كان الرجال يستخدمونها للرمي بدقة عالية وبحذر كبير. وبذلك كانت تتضاعف قدرتهم القتالية). (واعتبارا من هذه اللحظة انطلق الجنود الإفرنسيين لعمليات انتقام وحشية. فعملوا على قتل الجرحى والإجهاز عليهم، وتشويه القتلى، وكان الجنود الجزائريون يفضلون الاشتباك بالسلاح الأبيض - الخناجر أو المدى - والموت بنتيجة ذلك عن الاستسلام للإفرنسيين). وعندما وصلت القوات الإفرنسية إلى ضواحي الجزائر، بدون مقاومة تذكر، انطلقت القوات الإفرنسية لأعمال التدمير المثيرة والإبادة الوحشية والتي وصفها (كلوزول) بقوله: (عند الوصول إلى المنازل الريفية، كانت قواتنا قد اجتاحتها ودمرتها وقتلت كل السكان الذين اختبؤوا فيها أو لجؤوا إلى الغياض المجاورة. وكان لا بد لمن يقع بصره على مشاهد الإبادة من أن يشيح بوجهه نفورا منها. ولم يحاول أحد إيقاف هذه الفوضى أو
стр. 477
الأعمال الفظيعة التي ارتكبت تقريبا تحت إشراف القادة الكبار. ولم تمض أكثر من ٢٤ ساعة على هذه الأعمال حتى استطاع
الجيش الإفرنسي إقامة معسكره فوق أرض مدينة هي من أجمل بلدان الدنيا).
وفي مجال الحديث عن المقاومة، ذكر (كلوزول) ما يلي: (لم تقتصر مقاومة الجزائريين عند الدفاع عن القصر، بل إنهم قاوموا بضراوة في القصبة وعند باب عزون. وتميزت المقاومة داخل القلعة بالعناد والتنظيم، فكان المقاتلون يحتلون فورا مكان من يقتل، ولم يتخل سدنة الأسلحة عن أسلحتهم ومدافعهم إلا بعد أن أصبحت هذه الأسلحة معدومة الفائدة - ومدمرة - وكان المقاتلون يحاولون سد الثغرات التي تحدثها المدافع بأكياس الصوف، كما كانوا يعملون على وضع مدافع جديدة في أمكنة المدافع المدمرة ويستأنفون رماياتهم. واستمروا في ذلك حتى أصبح من المحال متابعة المقاومة. غير أنه كان من الصعب عليهم التخلي عن مواقعهم وأسلحتهم قبل العمل على تدميرها بأنفسهم) (١).
وفي معرض الحديث عن المقاومة تضمن تقرير القنصل السويدي (في ١٠ آب - أغسطس - ١٨٣٠) (٢) ما يلي: (قام الماريشال الكونت دوبورمون بجولة وصل بها حتى - بليدا - القرية الصغيرة الواقعة في سفوح جبال الأطلس وعلى بعد مسافة غير بعيدة عن
стр. 478
الجزائر. ولقد أراد بهذه الطريقة، وبما عرف عنه من أساليب رقيقة، اكتساب ثقة المواطنين العرب ومحبتهم، واعتقد أنه يستطيع بذلك إقامة علاقات مع العرب المقيمين في الجبال والسهول المحيطة بالمدينة. وانطلق الماريشال لهذه الزيارة ومعه هيئة أركانه وقوة (١٢٠٠) جندي من المشاة، ومئات الفرسان (الخيالة) ومدفعي ميدان. وكان سيندم حتما لو لم يصطحب معه هذه القوة لحراسته لمجابهة المبادرة التي استقبله بها سكان (بليدا) وما يجاورها. إذ تظاهر سكان (بليدا) باستقباله استقبالا حسنا، وعامله أهل القرى معاملة حسنة، لكنه ما أن بدأ رحلة العودة إلى الجزائر، حتى انقض عليه آلاف العرب ورجال القبائل، وأرغموه على التوقف وشق طريقه في ست مرات متتالية، والقتال قتالا تراجعيا طوال الرحلة. وفقد أثناء هذه الاشتباكات أحد معاونيه، وعددا من ضباطه والمئات من رجاله في هذه المحاولة العقيمة لكسب ثقة الرجال المعتصمين في صياصي جبالهم وأعاليها. والذين رفضوا عبر التاريخ الخضوع لأية أمة. مما يؤكد أنه من المحال إقامة علاقات بين المسلمين والمسيحيين؟ وقد يكون من الصعب الآن معرفة نوايا الإفرنسيين تجاه الجزائر بحسب ما يقع تحت أبصارنا ففي حين يظهر الإفرنسيون وهم في عجلة من أمرهم عند نقل الغنائم والكنوز والثروات والمدافع إلى فرنسا مما يشير إلى احتمال عودتهم سريعا إلى بلادهم، فإنهم يشقون الطرق العريضة والمستقيمة، وينظمون الساحات العامة والمسارح والملاهي الخ ... مما يحمل على الاعتقاد بأن إقامة الفاتحين ستستمر طويلا في هذه البلاد).
لم تكن هذه المقاومة إلا رد فعل أولي تجاه الأعمال الوحشية للغزاة البرابرة والتي وصفها مؤرخ فرنسي بقوله: (لم تعرف مدينة
стр. 479
في العالم ما عرفته الجزائر من الفوضى يوم اجتاحتها القوات الإفرنسية. فقد اختفت الحلق والسلاسل والعقود والصواري والأخشاب والسنانير من الميناء، واقتلعت الأبواب من المحلات العامة. ونهبت الأموال والأثاث والحلي من المنازل. وكثر الاعتداء على الأشخاص والأعراض) (١) هذا في حين كانت القوات الإفرنسية تنطلق في الشوارع لتوزيع المنشورات على المحلات العامة، ولتعلق على الجدران تلك الإعلانات: (لتؤكد للسكان احترام السلطات الإفرنسية للدين الإسلامي والنساء والممتلكات، وأن المسلمين هم الذين سيتولون باستمرار إدارة أمورهم) (٢) غير أنه لم يمض أكثر من شهرين على هذا التعهد، حتى أمر القائد العام بمصادرة ممتلكات الأتراك وأراضي الأوقاف، وأسرع القائد (روفيجو) (٣) فأمر بتحويل أجمل مسجد في مدينة الجزائر إلى كنيسة، وقام الجنود الإفرنسيين باقتحام المسجد على حين كان في داخله أربعة آلاف مسلم، وأعملوا فيهم القتل بالحراب وهم يؤدون الصلاة داخل المسجد الذي لم يلبث أن تحول إلى (كاتدرائية الجزائر). ولم يكن من الغريب أن يستقبل الجزائريون العزل قوات الغزاة البرابرة - بمزيج من مشاعر الغضب
стр. 480
والاحتقار. وهو الأمر الذي وصفه أحد المؤرخين بقوله: (دخلت الجيوش الإفرنسية مدينة الجزائر، فوجدتها صامتة يسودها سكون رهيب، وظهر لها إنها خالية من سكانها. وكانت ذهول الإفرنسيين لهذه المقابلة كبيرا ظهرت آثاره على وجوههم وتحركاتهم. ولم يحاول - الإفرنسيون - إخفاء دهشتهم لما تركته هذه المدينة الخرساء من انطباعات غريبة في نفوسهم، مع أن المدينة لم تكن خالية تماما، فهنا تشهد تاجرا يقع أمام دكانه المغلق، وهناك تلمح أشباح نساء فوق سطوح المنازل، وفي ملتقى الطرق، كانت جماعات قليلة من الجزائريين والأتراك تدخن في صمت ثقيل. ولئن كانت هذه المناظر كلها تمثل للفرنسيين مشاهد (للفرجة) فإن الجزائريين لم يعيروا الإفرنسيين أدنى اهتمام، وكأنهم لم ينتبهوا فعلا لوجودهم - وأن هذا الاحتقار الواضح، الذي قوبل به جنود الاحتلال الإفرنسي هو الذي جعل هؤلاء المنتصرين يستغربون من هذا الوضع ويتعجبون ...) (١).
هكذا استقبلت الجزائر المجاهدة قوات الغزو البربرية بمزيج من المقاومة السلبية والإيجابية، غير أن هذه المقاومة لم تكن إلا البدايات المبكرة، وكانت هذه البدايات المبكرة هي الأساس الثابت للتطورات المستمرة والمتعاظمة.
وفي الواقع، فقد يكون من الصعب فصل المقاومة السلبية عن المقاومة الإيجابية، فهما متداخلتان ومتشابكتان إلى حد كبير لأنهما تعبير عن (الرفض الكامل للإسعمار الإفرنسي) وإذا كان المجاهدون قد استطاعوا التعبير عن غضبهم ورفضهم بالرصاصة، فقد لجأ المجاهدون ممن لم يجدوا الرصاصة، أو لم يتمكنوا
стр. 481
لعوامل كثيرة من استخدامها فقد استخدموا أسلوب (الصمت القاتل) كتعبير ثابت عن الغضب والرفض لهذا الواقع الذي فرضته قوة الاستعمار البربرية (وكلمة البربرية هنا تعبير عن الوحشية ورد على الأسلوب الذي استخدمه غلاة الاستعمار ودهاقنته في وصف المقاومة العربية الإسلامية). وقد أخذت المقاومة منذ البداية، على ما هو واضح، اتجاهان متباينة، واتبعت أساليب مختلفة. فكان منها مقاومة التجار والعلماء وزعماء المدن، وكان منها مقاومة شعبية دينية قادها المرابطون. ورؤساء القبائل تحت راية (الجهاد في سبيل الله) والدفاع (عن الأعراض والمحرمات والأرض والشرف والوطن). وكان منها أيضا مقاومة تندرج تحت (راية الجهاد في سبيل الله) أيضا غير أنها تجد لها حوافزها (الخصوصية) وتمثلها فئة النزوع إلى العهد التركي الإسلامي. وقد حاولت السلطة الاستعمارية إضعاف المقاومة عن طريق مهاجمة (الوحدة الدينية للمسلمين) واتهام المسلمين بالتعصب في إطار دفعهم للاتجاه الذي تريده فرنسا الاستعمارية وترضى عنه على أنه (لا تعصب). وضمن هذا الإطار حاولت تفسير مقاومة معلمي الجزائر أحيانا بأنها نتيجة تعصب المسلمين ضد اليهود (سادة المجتمع الجزائري الجدد تحت حماية الاستعمار) وأحيانا أخرى بأنها (نزوع إلى عودة الحكم الإسلامي) ممثلا (بحكم الأتراك العثمانيين). ويمكن التوقف قليلا عند التفسير الإفرنسي لظاهرة المقاومة.
لقد انهارت المقاومة الرسمية في الجزائر خلال عشرين يوما اعتبارا من بداية العدوان، غير أن هذا الانهيار كان هو البداية لشكلين من أشكال المقاومة المسلحة. الشكل الأول هو الذي تولى قيادته الحكام الرسميون (ويمثلهم الحاج أحمد باي قسنطينة الذي
стр. 482
استمر في قيادة جهاد الناحية الشرقية حتى سنة ١٨٣٧) والشكل الثاني هو المقاومة الشعبية التي برزت بصورة خاصة في الناحيتين الوسطى والغربية من الجزائر. ويدحض ذلك مقولات التفسير الإفرنسية الخاطئة للمقاومة. أن سبب المقاومة الحقيقي هو في (رفض مبدأ الاستعمار ذاته) والذي جاءت الممارسات الاستعمارية ذاتها لتدعم فكرة الرفض والمقاومة للاستعمار.
لقد كان الحكم الإسلامي، عبر تاريخه الطويل، مناقضا للتعصب، ولم يثر التعصب الإسلامي إلا نتيجة (التعصب الصليبي) وكان المسلمون هم حماة اليهود منذ فتح الشام وحتى خروجهم من الأندلس، وخلال هذه المرحلة التاريخية المتطاولة شارك اليهود المسلمين انتصاراتهم بقدر ما استثمروا قدراتهم، وتعرضوا أيضا لما يتعرض له المسلمون عند مجابهة (مأساة انهيار الأندلس الإسلامية). غير أن اصطناع الإفرنسيين لليهود في الجزائر، واندفاع اليهود لدعم الصليبية المسيحية ضد المسلمين هي التي شملت (اليهودية والاستعمار الإفرنسي الصليبي) بشعور واحد مبعثه الغضب ضد هذا الواقع المفروض بقوة السلاح.
لقد أظهرت الطائفة اليهودية في الجزائر ميلا واضحا إلى الإفرنسيين، كما أظهر هؤلاء لليهود عطفا أوضح، واعتمدوا عليهم في إدارة العهد الجديد نظرا لمعرفته بالبلاد. وقد مارس اليهودي (ديني) وكيل التموين دورا بارزا في حمل القائد العام الإفرنسي على حماية اليهود ودعمهم واستخدامهم. فعينت الإدارة الإفرنسية منذ اليوم التالي للاحتلال اليهودي (سرور) رئيسا للمترجمين غير الإفرنسيين. وقد أصبح (بكري) صاحب نفوذ كبير حتى أن الجيش
стр. 483
كان لا يفعل شيئا إلا باستشارته. وبذلك حصل على امتيازات كبيرة له ولطائفته. وهكذا أبرز الإفرنسيون الجالية اليهودية ودعموها على حساب العرب المسلمين، على الرغم من إقرار الإدارة الإفرنسية بغدر هذه الطائفة وتنكرها للجميل. إذ أكدوا في مرات كثيرة استعدادهم لبيع الجيش الإفرنسي في سبيل مصالحهم، وأصبحوا مرابين ومورطين غير أوفياء بالعهود - كعادتهم -. ويذكر أن اليهود اتهموا امرأة أحد الأتراك بإخفاء السلاح في بيتها، حتى إذا ما تبين للإفرنسيين كذب هذا الاتهام، عاد اليهود إليها وطلبوا منها دفع (٦٠٠) قطعة ذهبية حتى لا تتعرض للمعاملة السيئة، فأعطتهم ما يريدون وشكت أمرها إلى الإفرنسيين فتم اعتقال اليهود وسجنوا.
وفي اليوم الأول من الاحتلال اتصل (بكري) بالأتراك، وحذرهم من الخطر الذي يتهددهم، ووعدهم بالحماية مقابل أن يدفعوا له مبالغ حددها لهم. كما اتصل بقومه ووعدهم أن الإفرنسيين لن يفعلوا شيئا بدون موافقته. وكان يطمح إلى أن يكون رئيس الطائفة اليهودية - كما كان زمن الإدارة العثمانية -. واتصل أيضا بمحافظي الشرطة وطلب منهم تسليم كل القضايا الخاصة باليهود إليه، وقد فعل ذلك بدون علم الهيئة المركزية (المجلس البلدي) ورئيس الشرطة. وقد أفاد اليهود من دعم الإفرنسيين لهم، فعملوا على تهجير كثير من أغنياء العرب من المدينة، وقد تدخل أعضاء الهيئة المركزية لدى رئيس الشرطة لمنع هجرة العائلات الغنية من المدينة.
وهناك من يذهب إلى أن ثورة العرب ضد الإفرنسيين - حتى في الأرياف - كانت تعود إلى النفوذ الذي أصبح عليه اليهود في الإدارة الجديدة. غير أن الأمثولات السابقة ذاتها، ومسيرة الأحداث التالية، تؤكدان أن الغضب على اليهود، وتسلطهم، إنما يعود لمبدأ
стр. 484
الاحتلال ذاته والذي أخل بتكوين المجتمع العربي الإسلامي وذلك باعتماده على أقلية عميلة (أوليغاركية) اسهمت بتنفيذ المخطط الاستعماري الذي كان من أعماله، انتزاع التجارة من قبضة أبناء البلاد واحتلال المنازل والمساجد والأملاك الخاصة والاعتداء على الأعراض وغير ذلك من انتهاك للمحرمات التي دفعت حتى تلك الفئة من (المعتدلين) والتي اعتقدت في البداية أنه بالمستطاع التعايش مع المستعمرين في بعض الحدود، دفعت تلك الفئة للتنكر للاستعمار والانضمام إلى صفوف المقاومة ومنظماتها.
أما بالنسبة لعلاقة الجزائر بالأتراك العثمانيين (من حيث مزاعم الإفرنسيين بعمل الجزائر لإعادة الحكم الإسلامي) فما هي إلا محاولة عرفها الجزائريون قبل سواهم من كل شعوب العالم العربي - الإسلامي. وهدفها دفع الجزائر للتهرب من (الحكم الإسلامي) على اعتبار أن كل ما ينزل بالجزائر هو بسبب تمسكها بالحكم الإسلامي، ولم تكن عملية الهجوم الشامل على الدين الإسلامي فكرا، وعبادة، ومقدسات أكثر من أداة لتحطيم مواقع الصمود الجزائرية. فكان رد الفعل الطبيعي هو المزيد من الإصرار العنيد على التمسك بالإسلام والالتزام بشريعته. أما بالنسبة لطبيعة العلاقة مع الإمبراطورية التركية - العثمانية، فلا مجال للحديث عنها هنا، غير أنه بالمستطاع القول أن هذه العلاقة ما كانت في يوم من الأيام أكثر من (تحالف مقدس) ضد (تحالف صليبي) حيث جمع الجهاد بين مسلمي الجزائر ومسلمي الأتراك. وقد كان في الجزائر، يوم وقع العدوان وفقا لما سبق ذكره، ستة آلاف تركي، قتل منهم ألف وخمسمائة وبقي (٣٥٠٠) من العزاب وألف من المتزوجين (آباء الكراغلة). وهذا العدد لا يشكل في كل الأحوال قوة احتلال
стр. 485
للجزائر إذا ما ذكر أن عدد المقاتلين الذين حشدوا في الجزائر هو (بين ٥٠ و٧٠) ألفا. من أبناء الجزائر، وعلاوة على ذلك، فقد كان حكام الجزائر يلتمسون تجنيد المقاتلين من الأناصول لدعم قدراتهم القتالية في حروبهم التي لم تكن تتوقف، وعلاوة على ذلك كله، فكثيرا ما كان أهل الجزائر يثورون على حاكمهم التركي عندما كان هذا الحاكم يجأر بالظلم، أو يسلك سلوكا يتنافى مع قواعد الشرع. ويظهر من خلال ذلك، أو من خلال الشواهد الكثيرة أنه لا مجال للمقارنة أبدا بين الحكم التركي العثماني في الجزائر والذي كان يعمل لمصلحة العرب المسلمين، وبين هذا الحكم الأجنبي (الصليبي) الذي جعل من أهدافه محاربة المسلمين. ويكون من الطبيعي أن يشعر الإفرنسيون بوضععهم الغريب عند مقارنة حكمهم بحكم الأتراك المسلمين فيوجهون الاتهام إلى الإسلام كعامل أساسي في التحريض ضد الاستعمار الإفرنسي الصليبي. ومن الطبيعي بعد ذلك كله، أن تكون العلاقات بين الأتراك المسلمين والجزائر الإسلامية علاقة وطيدة صهرتها في سداها ولحمتها دماء الشهداء من الطرفين وهم يسقطون معا تحت راية (الجهاد في سبيل الله) على امتداد أكثر من ثلاثة قرون ..
على كل حال، لم تكن (طائفة اليهود) سوى فئة مستخدمة لتنفيذ المخطط الاستعماري، ولم تكن (فئة الأتراك - الكراغلة) أكثر من فئة أيضا حاول المخطط الاستعماري الإفادة منها واستثمارها ٠ وكذلك الأمر بالنسبة (لما أطلق عليه اسم حضر الجزائر، وهم الفئة المنحدرة من العرب الأندلسيين) حيث حاولت السلطات الاستعمارية استخدامهم مرحليا لتمزيق الجزائر إلى (ملوك الطوائف) يضرب
стр. 486
بعضهم بعضا. غير أن سياسة (فرق تسد) كانت تصطدم في كل مرة (بوحدة المسلمين تحت راية الجهاد في سبيل الله). ولم يتمكن (الخوارج) أبدا من كل الفئات الإسلامية، ومن كافة طبقات المجتمع الجزائري الإسلامي، البقاء في صف أعداء قومهم. وكان للسياسة الاستعمارية فضل لا ينكر في ذلك، إذ أن العدالة في توزيع الظلم قد مارس دوره الأساسي باستمرار في توحيد الجهد (تحت راية الجهاد).
أ - فئات من المجاهدين
كان (حضر الجزائر) أحفاد العرب الأندلسيين يشكلون فئة تمتلك بعض الثراء، وكانوا في العهد التركي يحتلون سياسيا المرتبة الثالثة بعد الأتراك والكراغلة (من أب تركي وأم جزائرية) وكانوا يملكون الأراضي في سهل متوجه (متيجة) وبعض الممتلكات في مدينة الجزائر ذاتها حيث يمارسون أعمال التجارة، وكانوا غالبا راضين بوضعهم ولا يطمحون للمناصب السياسية، ولو أن بعضهم تقلد مناصب القضاء والإفتاء والكتابة ونحوها من الأعمال التي تتطلب ثقافة عالية. وعندما بدأ الإفرنسيون في (فرز) عناصر المجتمع الجزائري تمهيدا لتمزيقه، صنفوا طبقة (حضر الجزائر) على أنها منافسة وساخطة على الأتراك. وهكذا وجهوا أنظارهم إلى هذه الطبقة التي لم تعارض مبدأ التعاون المشروط مع الإفرنسيين الذين عملوا بمجرد الاستيلاء على مدينة الجزائر، على تنحية الأتراك وإسناد بعض مناصبهم لهؤلاء الحضر، فتولى بعضهم مركز (آغا العرب) مثل حمدان بن أمين السكة، وأصبح بعضهم بايا على التيطري (مصطفى بن عمر) وتم تعيين (أحمد بوضربة) رئيسا لأول مجلس بلدي لمدينة الجزائر. ولكن فئة (حضر الجزائر.) اكتشفت
стр. 487
بسرعة أنها كانت مخطئة في اعتقادها بأن فرنسا ستعوض حكم الأتراك بحكم محلي تكون طبقة الحضر في موقع قيادته. وعرف أفراد هذه الفئة أن فرنسا قد جاءت لتبقى، وأن أموالهم وأراضيهم قد صودرت لمصلحة الإدارة الإفرنسية، وأن مساجدهم وزواياهم ومساكنهم قد احتلت من الجيش الإفرنسي، أو دمرت من أجل إقامة الساحات العامة والمسارح والمستشفيات العسكرية أو تحولت إلى كنائس. حتى أن أملاك (مكة والمدينة) التي كانت مؤسسات خيرية للفقراء وطلبة العلم قد استولى عليها الإفرنسيون، وأصبح ريعها يذهب مباشرة إلى خزينة الإدارة الإفرنسية. وأثناء ذلك كان أعيان هؤلاء (الحضر) يعملون لصالح فكرة (الحكم الإسلامي) سواء لدى السلطات الإفرنسية، أو في اتصالاتهم مع الباشا حسين (داي الجزائر السابق) أو مع باي قسنطينة (الحاج أحمد). وعند ذلك كشفت السلطات الإفرنسية عن أهدافها، فعملت على عزل أو طرد أو نفي أولئك الذين قبلوا التعاون معها بحجة (عدم قيامهم بواجبهم تجاه الدولة) أو (التآمر لاستعادة الحكم الإسلامي) أو (الانضمام إلى فئة الثوار). وزاد نفور (حضر الجزائر) بما أقدمت عليه السلطات الإفرنسية من (غدر بعهود الأمان) ومن (ذبح للقبائل المسلمة والمسالمة بكاملها، مثل قبيلة العوفية) ومن (أسر للمرابطين كرهائن - على نحو ما فعلته مع مرابطي القليعة) ومن (مطالبة بخمسين شابا من كبار العائلات في المدينة لحملهم كرهائن إلى باريس). وأمام هذه الوقاقع، التجأ (حضر الجزائر) إلى طرائق متنوعة للتعبير عن غضبهم، وكان أبرز دور لهم هو إثارة ضجيج عالمي لفضح أساليب الاستعمار الإفرنسي في الخارج، والتحريض على الجهاد وإثارة النقمة في الداخل - وكانت حياة (حمدان خوجة)
стр. 488
هي النموذج الأمثل لهذا الجهاد، إذ أخذ على عاتقه الدفاع عن قضية (الجزائر) وقضية (الإسلام) خلال تلك الفترة من (بدايات المقاومة).
ولكن إذا لم يكن باستطاعة (حضر الجزائر) تجاوز هذه الحدود في المقاومة، وهي حدود مثمرة ومفيدة على كل حال إذ أنها أسهمت بوضع حجر الأساس للصراع السياسي اللاحق، فقد كان هناك فوق الثرى الجزائري من لا يزال يمتلك القدرة لحمل السلاح. وكان (المرابطون) هم الطليعة الأولى، حيث كانوا يجمعون بين مضمون (الجهاد) وبين الهدف (السياسي). وكان هؤلاء المرابطون يضمون أصالة الجزائر الإسلامية ويمثلونها أصدق تمثيل. فكان فيهم عرب الصحراء - البادية - والفلاحين وشيوخ القبائل ورجال الدين، وكلهم متفقون على الاستمرار في المقاومة وحصار الجيش الإفرنسي في حدود (مدينة الجزائر، وعدم السماح له بتجاوز حدودها. فكان من الطبيعي أن يكون سكان سهل المتوجة - (متيجة) (١) هم أول من يصطدم بقوات الإفرنسيين.
стр. 489
وكانت هناك حوالي اثنتي عشرة قبيلة منتشرة في سهل متيجة، لكل قبيلة منها مشيختها أو زعامتها، ولكل قبيلة منطقتها - أو وطنها - وعلى كل وطن قائد، فكان هناك على سبيل المثال وطن (بني خليل) وعلى رأسه الشرقي، وكان هناك وطن (بني موسى) وعلى رأسه (أوشفون) وكان هناك وطن (الخشنة) وعلى رأسه (العمري)، وكذلك وطن (الست) وعلى رأسه (عبد الوادي) وكذلك أيضا (شرشال) التي اعترفت بالبركاني شيخ بني مناصر زعيما لها. وكذلك (القليعة) التي كانت تخضع لعائلة (ابن المبارك) وهو مرابط له سمعة واسعة. وكانت مدينة (البليدة) هي عاصمة (سهل المتوجة) أو (المتيجة). وعندما شعرت هذه القبائل، والمدن المجاورة بالخطر، تحالفت، وقررت المقاومة، ومن ثم ابتدأت سلسلة من الاصطدامات مع العدو، وتحولت شيئا فشيئا إلى ثورة عامة. وظهر خلال هذه الثورات زعماء مارسوا دورا أساسيا وبارزا خلال السنوات الأولى (من ليل الاستعمار الطويل). وقد يكون من الصعب الإحاطة بكافة الظواهر الثوروية خلال تلك الحقبة الحافلة بكل ظواهر الاضطراب، غير أنه ليس من العسير استقراء بعض تلك الظواهر.
ب - ثورة ابن زعمون:
كان (ابن زعمون) من قبيلة فليسة، وقد تولى قيادة قبيلته عندما احتل الإفرنسيون الجزائر، وأظهر تصميمه على منع تقدم الجيش الإفرنسي نحو (البليدة) فانضمت إليه قوات العرب في المنطقة، وعرض عليهم القضية بما في ذلك
стр. 490
مشروع الدفاع عن حريتهم ووجودهم ودينهم مع الاعتراف بالسلطة الإفرنسية في الجزائر، وكان ذلك في الشهر الأول من الاحتلال حين علم أن قائد الحملة (دوبورمون) يريد الزحف على (البليدة). ولذلك كتب إلى (دوبرمون) يطلب منه عدم التقدم إلا بعد توقيع معاهدة مع العرب تنظم العلاقة مع الإفرنسيين. ولكن (دوبورمون) قرر الذهاب إلى البليدة في يوم ٢٥ تموز (يوليو) عام ١٨٣٠ على رأس جيش من ألفي جندي مشاة وبعض مئات من الخيالة - الفرسان - ومدفعين (وقد سبقت الإشارة إلى ما نزل بهذه الحملة من الدمار). وعلى أثر ذلك أصبح (ابن زعمون) صاحب نفوذ كبير في إقليم الجزائر. بسبب كفاءته القيادية العالية التي أظهرها في قيادة قواته ضد الإفرنسيين، وبسبب ما أظهره من البطولة لإيقاف تقدم العدو، وأخذت قوته في التعاظم يوما بعد يوم. حتى إذا ما أقبل يوم ٢٦ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٣٠ م، هاجم ابن زعمون مدينة البليدة بقوات ضخمة، واقتحم المدينة، ودارت معركة قاسية انتقل فيها الصراع من شارع إلى شارع ومن منزل إلى منزل، وأبيد خلالها عدد كبير من الحامية الإفرنسية (التي كانت تعمل تحت قيادة العقيد رولير) وسقط عدد من سكان المدينة (أهاليها). وعندما وصل (كلوزول) في اليوم التالي قادما من حملته الفاشلة على مدينة المدية (عاصمة إقليم تيطري) وجد المدينة (بليدة) وقد غطتها الجثث التي كان من بينها (٥٠) جنديا إفرنسيا من جنود المدفعية، ممن قتلتهم قوات (ابن زعمون). وأصيب (كلوزول) بصدمة قاسية قرر على أثرها سحب القوات الإفرنسية الباقية من (البليدة). وعاد بفلول جيشه إلى مدينة (الجزائر).
دعمت انتصارات المجاهدين في (البليدة والمدية) من ثقة
стр. 491
المقاتلين بأنفسهم، وعززت إيمانهم بالنصر على قوات الغزو. وزادت قوة (ابن زعمون) بانضمام (الحاج سيدي السعدي) إليه، واضطلاعه بأعباء حشد المجاهدين ودعوته الناس لحمل السلاح والجهاد فى سبيل الله، وفي هذا الوقت ذاته، كان مصطفى بومرزاق ينظم المقاومة ويقودها للقتال في منطقة بوفريك، تاركا لابن زعمون وسيدي السعدي منطقة (الجانب الأيمن لوادي الحراش) حتى تنشر قواتها عن هذه المنطقة وتدافع عنها. وبذلك كانت القوتان تضمنان حماية (سهل المتوجة - متيجة).
قام (ابن زعمون) بقيادة قوات المجاهدين في صيف سنة (١٨٣١ م) فهاجم بها المراكز الإفرنسية الأمامية، وأشعل النيران بالمزرعة النموذجية التي أقامها الإفرنسيون قرب (وادي الحراش) وهي المعروفة باسم (حوش حسن باشا) والتي كان الإفرنسيون يعدون العدة للاحتفال بأول حصاد لها. وتطورت الأعمال القتالية التي استمرت طوال أيام عديدة حتى باتت تهدد العاصمة (الجزائر) ذاتها.
وعندئذ قرر الجنرال الإفرنسي (برتزين) مجابهة الموقف، فزح ست فرق عسكرية. بالإضافة إلى قوة الفرسان - الخيالة - بكاملها، وبعض المدفعية. وهاجم قوات (ابن زعمون) و (سيدي السعدي) عند مكان يسمى باسم (المرابط سيدي ارزين). غير أن قوات المجاهدين تجنبت الاصطدام بهذه القوة المتفوقة وانسحبت إلى الجبال المجاورة، تاركة لقوات الإفرنسيين حرية العمل في منطقة (الفراغ العسكري) ولم يجد (برتزين) أمامه إلا أن ينسحب بقواته إلى الجزائر معتقدا أنه قد نجح في وضع حد للثورة. غير أنه ما كاد يرجع حتى عادت قوات المجاهدين إلى مسرح عملياتها تحت قيادة قادتها (ابن زعمون وسيدي السعدي).
قاد (ابن زعمون) بعد ذلك قواته في خريف ١٨٣١ م وخاض
стр. 492
معها معركة (بوفريك - أو بوفاريك) وأفادت القوات الإفرنسية من تفوقها بقدر ما استثمرت سوء تنظيم القوات المهاجمة فتمزقت قوات (ابن زعمون) تمزقا لم يتمكن معه قائدها من إعادة تنظيمها، مما أغضبه، فقرر الانسحاب والاعتزال في منزله (في فليسة) وامتنع بعد ذلك عن المشاركة بأي عمل. أما رفيق جهاده (سيدي السعدي) فقد انضم بعد ذلك إلى الأمير (عبد القادر).
ج - سيدي السعدي والجهاد
كان (سيدي السعدي) من أسرة كبيرة من المرابطين المقيمين في الجزائر. اشتهر بين قومه بالتقى والشجاعة، وأسهم بقدر غير قليل في إثارة القبائل ضد أعداء الدين، وفي التحريض على الجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله، وأمكن له تحقيق نجاح في مسعاه بفضل ما عرف عنه من الصدق والإخلاص. وقد خرج من الجزائر بمجرد دخول القوات الإفرنسية إليها، وأقام بين قومه المرابطين في (سهل المتوجه - المتيجة) داعيا للثورة. ووجد في (ابن زعمون) كفاءة قيادية جيدة، وإخلاصا في القتال. فمضى لدعمه وتأييده. وبفضل دعوته وتأثيره، هاجم (عرب متيجة) المنتشرين في الفحص (الضواحي) المزارعين الأوروبيين الذين أخذوا في احتلال السهل والاستقرار فيه. وقد قتلوا أعدادا كبيرة منهم، واضطروهم إلى الفرار واللجوء إلى العاصمة. وكان لهذه الأحداث أثر على الأوروبيين الذين تزايد خوفهم وقلقهم فغادروا مزارعهم. وانتقل الخوف إلى (مدينة الجزائر) فأغلق الأوربيون متاجرهم ومؤسساتهم، وأخذوا في التفكير بالعودة إلى أوروبا، حاملين معهم ما أمكن لهم الحصول عليه من الغنائم والثروات. وساد الاعتقاد بأنه من الصعب مقاومة
стр. 493
هذه الثورة الشاملة، وظهر لفترة بأن المستعمرة الوليدة - الجزائر - قد ولدت وهي ميتة. واستمر (الحاج سعدي) في تجواله بين القبائل داعيا إلى الثورة العامة وعلم القائد الإفرنسي بتحركات (السعدي) بين القبائل، وانضمام كل شيوخ القبال إلى الثورة بفضل تأثيره من جهة، وبفضل جرائم الاستعمار من جهة أخرى، إذ اتهم الإفرنسيون (قبيلة العوفية) بالاعتداء على وفد فرحات بن سعيد (الذي جاء يطلب التعاون مع الإفرنسيين) وقاموا بالهجوم على هذه القبيلة ليلا، في ٧ نيسان - أبريل - ١٨٣٢م وأبادوها عن آخرها. وحاكموا شيخها (الربيعة) وأعدموه، رغم براءة القبيلة من هذه الحادثة، وبالرغم من سلوك شيخ قبيلة العوفيه سلوكا سالما، وحمله هدية إلى القائد الإفرنسي (دورو فيغو) وزاد هذا الحادث من سخط القبال على الإفرنسيين، حتى أن (آغا العرب الحاج محيي الدين) (١) الذي عينه الإفرنسيون، لم يلبث أن انضم إلى الثوار، وترك لهم حرية الدعوة للجهاد في (القليعة) مقر أسرته. وقرر القائد العام الإفرنسي القضاء
стр. 494
على الثورة، فاتهم (آغا العرب) بالخيانة، وطلبه للمحاكمة، وخرج هو بالجيش الإفرنسي إلى (بئر خادم) ومن هناك وجه جزءا من الجيش إلى (القليعة) وإلى (سوق علي) قرب (بوفريك) التي كانت قاعدة الثوار. وقد اشترك في القتال الذي دار في بداية شهر تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٣٢ م، كل من الجيش الإفرنسي، وفرقة (صيادي إفريقية) وفرقة (الزواف) الخاصة، وانتهت المعركة بهزيمة المجاهدين الثوار وانسحابهم إلى الجبال والمدن المجاوره. (وفر الآغا محيي الدين مع الحاج سيدي السعدي والتحقا بالأمير عبد القادر، حيث أصبح الآغا محيي الدين خليفة للأمير عبد القادر على مدينة مليانة).
د - ثورة الآغا محيي الدين بن المبارك
لم يكن الآغا (محيي الدين بن المبارك) مغمورا في قومه، فقد كان قائدا مرابطا في (مدينة القليعة) عندما اقتحمت القوات الإفرنسية الجزائر. وقد حاول القائد الإفرنسي (برتزين) إخماد الثورة اللاهبة في سهل متيجة عن طريق تعيين (محيي الدين بن الصغير بن سيدي مبارك) في منصب (آغا العرب). غير أن محيي الدين لم يقبل المنصب إلا بعد أن تعهدت له فرنسا بدفع مبلغ (٧٠) ألف فرنك سنويا. وتعهد لها هو ببقاء العرب جيث هم، بشرط أن يبقى الإفرنسيون حيث هم أيضا. وبعبارة أخرى، كان هذا الشرط تجميدا للأوضاع، وأصبح الإفرنسيون محاصرين في مدينة الجزائر. والتزم الطرفان بتنفيذ هذه الشروط في سنة ١٨٣١م. وكان (الآغا) يوصي في جميع رسائله إلى القائد العام الإفرنسي، بعدم السماح لأي إفرنسي أن يتصل بالأهالي أو يذهب إليهم، وكان يصر
стр. 495
على أن يكون هو الصلة الوحيدة بين العرب والإفرنسيين. ويذكر بعض المؤرخين أن مراسلاته القليلة قد أصبحت هي وسيلة الإفرنسيين الوحيدة للتعرف على أحوال العرب. وقد مارس (الآغا محيي الدين) قيادته لقومه بحكمة وكفاءة، فأمكن له بذلك، وبفضل ما عرف عنه من التقى والورع، فرض سلطته ونظامه على العرب في المنطقة ووضع حدا لأعمال الفوضى. وقام بعزل بعض شيوخ القبائل وتعيين غيرهم، فعين الحاج (محمد المخفي) شيخا على قبائل الخشنة، خلفا لابن العمري الذي قتل أثناء الثورة. وأبقى (أحمد بن أورشيف) على قبائل (بني موسى)، و (مسعود بن عبد الواد) على قبيلة (السبت) وكان الرجلان قد شاركا في الثورة ضد فرنسا. وعين أيضا (العربي بن موسى) على قبائل (بني خليل) خلفا (لمحمد بن الشرقي). وقد جاءت هذه التعيينات فدعمت من قوة قادة الثورة، الأمر الذي أغضب الإفرنسيين إذ أنه عزلهم وجردهم من كل اتصال مع الأهالي. فعملت الإدارة الإفرنسية على اتهام الآغا بأنه يعمل لحسابه الخاص، وأنه كان يتصل بالقبائل لتشجيعها على الثورة ضد فرنسا، وأنه عندما قامت هذه الثورة العامة قد انضم إليها سرا. وأن تظاهره بالعجز هو من أجل دعم الثورة. وزاد موقفه حرجا بعدوان الإفرنسيين على (قبيلة العوفية) في (٧ نيسان - أبرل - ١٨٣٢ م). حيث لم يكن باستطاعة القبائل العربية إلا الانتصار بعضها لبعض، وكان لا بد (للآغا محيي الدين) من أن يتخذ موقفا واضحا ضد الإفرنسيين وممارساتهم، مما أغضب القائد العام الإفرنسي الذي - عزل الآغا - عن منصبه. وعين (حمدان بن عثمان خوجة) ليكون الواسطة بينه وبين الآغا. وخصص شرطة خاصة لمضايقة الآغا ومطاردته وتتبع أخباره ومراقبة تحركاته. كما أخذ في انتهاك الاتفاق