← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

المقاتلين بأنفسهم، وعززت إيمانهم بالنصر على قوات الغزو. وزادت قوة (ابن زعمون) بانضمام (الحاج سيدي السعدي) إليه، واضطلاعه بأعباء حشد المجاهدين ودعوته الناس لحمل السلاح والجهاد فى سبيل الله، وفي هذا الوقت ذاته، كان مصطفى بومرزاق ينظم المقاومة ويقودها للقتال في منطقة بوفريك، تاركا لابن زعمون وسيدي السعدي منطقة (الجانب الأيمن لوادي الحراش) حتى تنشر قواتها عن هذه المنطقة وتدافع عنها. وبذلك كانت القوتان تضمنان حماية (سهل المتوجة - متيجة). قام (ابن زعمون) بقيادة قوات المجاهدين في صيف سنة (١٨٣١ م) فهاجم بها المراكز الإفرنسية الأمامية، وأشعل النيران بالمزرعة النموذجية التي أقامها الإفرنسيون قرب (وادي الحراش) وهي المعروفة باسم (حوش حسن باشا) والتي كان الإفرنسيون يعدون العدة للاحتفال بأول حصاد لها. وتطورت الأعمال القتالية التي استمرت طوال أيام عديدة حتى باتت تهدد العاصمة (الجزائر) ذاتها. وعندئذ قرر الجنرال الإفرنسي (برتزين) مجابهة الموقف، فزح ست فرق عسكرية. بالإضافة إلى قوة الفرسان - الخيالة - بكاملها، وبعض المدفعية. وهاجم قوات (ابن زعمون) و (سيدي السعدي) عند مكان يسمى باسم (المرابط سيدي ارزين). غير أن قوات المجاهدين تجنبت الاصطدام بهذه القوة المتفوقة وانسحبت إلى الجبال المجاورة، تاركة لقوات الإفرنسيين حرية العمل في منطقة (الفراغ العسكري) ولم يجد (برتزين) أمامه إلا أن ينسحب بقواته إلى الجزائر معتقدا أنه قد نجح في وضع حد للثورة. غير أنه ما كاد يرجع حتى عادت قوات المجاهدين إلى مسرح عملياتها تحت قيادة قادتها (ابن زعمون وسيدي السعدي). قاد (ابن زعمون) بعد ذلك قواته في خريف ١٨٣١ م وخاض

стр. 492

معها معركة (بوفريك - أو بوفاريك) وأفادت القوات الإفرنسية من تفوقها بقدر ما استثمرت سوء تنظيم القوات المهاجمة فتمزقت قوات (ابن زعمون) تمزقا لم يتمكن معه قائدها من إعادة تنظيمها، مما أغضبه، فقرر الانسحاب والاعتزال في منزله (في فليسة) وامتنع بعد ذلك عن المشاركة بأي عمل. أما رفيق جهاده (سيدي السعدي) فقد انضم بعد ذلك إلى الأمير (عبد القادر). ج - سيدي السعدي والجهاد كان (سيدي السعدي) من أسرة كبيرة من المرابطين المقيمين في الجزائر. اشتهر بين قومه بالتقى والشجاعة، وأسهم بقدر غير قليل في إثارة القبائل ضد أعداء الدين، وفي التحريض على الجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله، وأمكن له تحقيق نجاح في مسعاه بفضل ما عرف عنه من الصدق والإخلاص. وقد خرج من الجزائر بمجرد دخول القوات الإفرنسية إليها، وأقام بين قومه المرابطين في (سهل المتوجه - المتيجة) داعيا للثورة. ووجد في (ابن زعمون) كفاءة قيادية جيدة، وإخلاصا في القتال. فمضى لدعمه وتأييده. وبفضل دعوته وتأثيره، هاجم (عرب متيجة) المنتشرين في الفحص (الضواحي) المزارعين الأوروبيين الذين أخذوا في احتلال السهل والاستقرار فيه. وقد قتلوا أعدادا كبيرة منهم، واضطروهم إلى الفرار واللجوء إلى العاصمة. وكان لهذه الأحداث أثر على الأوروبيين الذين تزايد خوفهم وقلقهم فغادروا مزارعهم. وانتقل الخوف إلى (مدينة الجزائر) فأغلق الأوربيون متاجرهم ومؤسساتهم، وأخذوا في التفكير بالعودة إلى أوروبا، حاملين معهم ما أمكن لهم الحصول عليه من الغنائم والثروات. وساد الاعتقاد بأنه من الصعب مقاومة

стр. 493

هذه الثورة الشاملة، وظهر لفترة بأن المستعمرة الوليدة - الجزائر - قد ولدت وهي ميتة. واستمر (الحاج سعدي) في تجواله بين القبائل داعيا إلى الثورة العامة وعلم القائد الإفرنسي بتحركات (السعدي) بين القبائل، وانضمام كل شيوخ القبال إلى الثورة بفضل تأثيره من جهة، وبفضل جرائم الاستعمار من جهة أخرى، إذ اتهم الإفرنسيون (قبيلة العوفية) بالاعتداء على وفد فرحات بن سعيد (الذي جاء يطلب التعاون مع الإفرنسيين) وقاموا بالهجوم على هذه القبيلة ليلا، في ٧ نيسان - أبريل - ١٨٣٢م وأبادوها عن آخرها. وحاكموا شيخها (الربيعة) وأعدموه، رغم براءة القبيلة من هذه الحادثة، وبالرغم من سلوك شيخ قبيلة العوفيه سلوكا سالما، وحمله هدية إلى القائد الإفرنسي (دورو فيغو) وزاد هذا الحادث من سخط القبال على الإفرنسيين، حتى أن (آغا العرب الحاج محيي الدين) (١) الذي عينه الإفرنسيون، لم يلبث أن انضم إلى الثوار، وترك لهم حرية الدعوة للجهاد في (القليعة) مقر أسرته. وقرر القائد العام الإفرنسي القضاء

стр. 494

على الثورة، فاتهم (آغا العرب) بالخيانة، وطلبه للمحاكمة، وخرج هو بالجيش الإفرنسي إلى (بئر خادم) ومن هناك وجه جزءا من الجيش إلى (القليعة) وإلى (سوق علي) قرب (بوفريك) التي كانت قاعدة الثوار. وقد اشترك في القتال الذي دار في بداية شهر تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٣٢ م، كل من الجيش الإفرنسي، وفرقة (صيادي إفريقية) وفرقة (الزواف) الخاصة، وانتهت المعركة بهزيمة المجاهدين الثوار وانسحابهم إلى الجبال والمدن المجاوره. (وفر الآغا محيي الدين مع الحاج سيدي السعدي والتحقا بالأمير عبد القادر، حيث أصبح الآغا محيي الدين خليفة للأمير عبد القادر على مدينة مليانة). د - ثورة الآغا محيي الدين بن المبارك لم يكن الآغا (محيي الدين بن المبارك) مغمورا في قومه، فقد كان قائدا مرابطا في (مدينة القليعة) عندما اقتحمت القوات الإفرنسية الجزائر. وقد حاول القائد الإفرنسي (برتزين) إخماد الثورة اللاهبة في سهل متيجة عن طريق تعيين (محيي الدين بن الصغير بن سيدي مبارك) في منصب (آغا العرب). غير أن محيي الدين لم يقبل المنصب إلا بعد أن تعهدت له فرنسا بدفع مبلغ (٧٠) ألف فرنك سنويا. وتعهد لها هو ببقاء العرب جيث هم، بشرط أن يبقى الإفرنسيون حيث هم أيضا. وبعبارة أخرى، كان هذا الشرط تجميدا للأوضاع، وأصبح الإفرنسيون محاصرين في مدينة الجزائر. والتزم الطرفان بتنفيذ هذه الشروط في سنة ١٨٣١م. وكان (الآغا) يوصي في جميع رسائله إلى القائد العام الإفرنسي، بعدم السماح لأي إفرنسي أن يتصل بالأهالي أو يذهب إليهم، وكان يصر

стр. 495

على أن يكون هو الصلة الوحيدة بين العرب والإفرنسيين. ويذكر بعض المؤرخين أن مراسلاته القليلة قد أصبحت هي وسيلة الإفرنسيين الوحيدة للتعرف على أحوال العرب. وقد مارس (الآغا محيي الدين) قيادته لقومه بحكمة وكفاءة، فأمكن له بذلك، وبفضل ما عرف عنه من التقى والورع، فرض سلطته ونظامه على العرب في المنطقة ووضع حدا لأعمال الفوضى. وقام بعزل بعض شيوخ القبائل وتعيين غيرهم، فعين الحاج (محمد المخفي) شيخا على قبائل الخشنة، خلفا لابن العمري الذي قتل أثناء الثورة. وأبقى (أحمد بن أورشيف) على قبائل (بني موسى)، و (مسعود بن عبد الواد) على قبيلة (السبت) وكان الرجلان قد شاركا في الثورة ضد فرنسا. وعين أيضا (العربي بن موسى) على قبائل (بني خليل) خلفا (لمحمد بن الشرقي). وقد جاءت هذه التعيينات فدعمت من قوة قادة الثورة، الأمر الذي أغضب الإفرنسيين إذ أنه عزلهم وجردهم من كل اتصال مع الأهالي. فعملت الإدارة الإفرنسية على اتهام الآغا بأنه يعمل لحسابه الخاص، وأنه كان يتصل بالقبائل لتشجيعها على الثورة ضد فرنسا، وأنه عندما قامت هذه الثورة العامة قد انضم إليها سرا. وأن تظاهره بالعجز هو من أجل دعم الثورة. وزاد موقفه حرجا بعدوان الإفرنسيين على (قبيلة العوفية) في (٧ نيسان - أبرل - ١٨٣٢ م). حيث لم يكن باستطاعة القبائل العربية إلا الانتصار بعضها لبعض، وكان لا بد (للآغا محيي الدين) من أن يتخذ موقفا واضحا ضد الإفرنسيين وممارساتهم، مما أغضب القائد العام الإفرنسي الذي - عزل الآغا - عن منصبه. وعين (حمدان بن عثمان خوجة) ليكون الواسطة بينه وبين الآغا. وخصص شرطة خاصة لمضايقة الآغا ومطاردته وتتبع أخباره ومراقبة تحركاته. كما أخذ في انتهاك الاتفاق

стр. 496

بين الآغا وبينه (على البقاء كل من العرب والإفرنسين في مواقعهم، وامتناع الإفرنسيين عن الاتصال بالأهالي إلا عن طريقه). وأخذ في الاتصال بالعرب مباشرة، متجاوزا الآغا ومتجاهلا له. وتطور الصراع بين الرجلين، فأرسل القائد العام (دورو فيغو) حملة قوية (بقيادة الجنرال بروسارد) بمهمة مهاجمة القليعة، وتدمير قوى الثورة، وإلقاء القبض على (الآغا محيي الدين) وحمله إلى مدينة الجزائر تمهيدا لمحاكمته. غير أن (الآغا) عرف نوايا خصمه، فلجأ إلى قبيلة (بني مناد). وعندما لم يجد (بروسارد) الآغا، ذهب إلى أسرته واعتقل اثنين منها (وهما سيدي علال وسيدي محمد) ابنا عم الآغا، وكلاهما من المرابطين، وحملهما إلى الجزائر، وألقى بهما في السجن، لمدة زادت على السبعة أشهر. وعندما أرسل الآغا مساعده (حميدو) بمهمة نقل رسالة من قبله إلى القائد (الجنرال فوارول) قام هذا بتحويل الأمر إلى (الجنرال دورو فيغو) الذي كان يحقد على الآغا، فقام باعتقال (حميدو) وقرر محاكمته، ولم يحتمل (حميدو) الصدمة فمات في سجنه. وعلى الرغم من هذا الحادث، فقد استمر (الآغا) في محاولاته، فكرر الكتابة إلى القائد العام الإفرنسي للتأكيد على براءته مما هو منسوب إليه من اتهامات. وعندما يئس (الآغا محيي الدين) من الوصول إلى نتيجة إيجابية، كتب مباشرة إلى ملك فرنسا - لويس فيليب - وإلى وزير حربيته، موكدأ إخلاصه. ومنها الرسالة التي وجهها يوم ٢٤ حزيران - يونيو - ١٨٣٢ إلى الملك الإفرنسي يخاطبه فيها باسم العرب الذين تجمعوا حوله (بني مناد) ويطالبه بوضع حد لحكم (دوروفيغو) المتعسف، وإحلال العدل الذي وعدت به فرنسا الجزائريين. وكذلك رسالته إلى وزير الحربية بتاريخ ٢١ تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٣٢م - والتي

стр. 497

اشتكى فيها من القائد العام واتهمه بارتكاب الأخطاء، والإصغاء إلى أنصار عودة الحكم التركي إلى الجزائر، والعمل ضد كل ما يكتبه إليه من نصائح وآراء تخص العلاقات مع العرب. وأدى ذلك إلى زيادة تطرف القائد العام (دورو فيغو) وإمعانه في اسخدام أساليب القهر ضد عرب الجزائر، فحاول القضاء على الآغا محيي الدين بالاغتيال السياسي، وكلف أحد المترجمين بالبحث عن قاتل لاغتيال الآغا غير أن هذه الوسيلة فشلت. فقرر معاقبة مدينتي (البليدة والقليعة) على دعمهما للثوره وفرض عليهما غرامة قدرها (مليون ومائة ألف فرنك). وكان عدد سكان القليعة لا يتجاوز (١٥٠٠) نسمة وهم في حالة من الفقر لا تسمح لهم بدفع الغرامة المفروضة عليهم، فقامت أسرة (المبارك) الذي كان زعيمها في سجن الإفرنسين بالجزائر، بدفع مبلغ عشرة آلاف فرنك. في حين قام (حاكم القليعة) بدفع مبلغ (١٤٠٠ فرنك) فقط بالنيابة عن سكان القليعة. وأخذ القائد العام (الدوق دوروفيغو) بعد ذلك في ممارسة سلطاته للاتصال مباشرة بشيوخ القبائل وفرض الهيمنة الإفرنسية عليهم. فحاول في بداية الأمر تعيين (أحمد بن شنعان) من قبيلة (بني جاد) والذي ذكر الإفرنسيون أنه اتصل بهم عشية معركة (اسطاوالي) في ١٩ حزيران - يونيو - ١٨٣٠ ليحل محل (الآغا محيي الدين). ولكن أهل المنطقة رفضوه وقاوموه. وعندما حاول القائد العام فرضه على (أهل البليدة) بالقوة، رفض هؤلاء بدورهم قبول هذا التعيين ووجهوا تهديدهم إلى (أحمد بن شنعان) بالقتل. فلجأ إلى العاصمة بعد أن أقام فترة قصيرة في البليدة. وعدل الدوق عن تعيينه، غير أنه قرر القيام بحملة ضد (البليدة) فهرب أهلها منها والتجؤوا إلى الجبال المجاورة. ودخلها الجيش الإفرنسي، فعاث

стр. 498

فيها فسادا ثم رجع إلى العاصمة (مكللا بالعار لا بالغار - كما يقول الإفرفسيون ذاتهم). كما قرر الدوق تعيين رؤساء جدد (شيوخ) على القبائل غير موالين للآغا (محيي الدين). فعين (ابن رباح) على قبائل بني موسى. وعين (سي حمود) على قبائل (بني خليل) وأبقى (الحاج المخفي) على قبائل الخشنة. وتجاوز (الدوق دورو فيغو) بعد ذلك هذه المرحلة فأخذ في الإعداد لتصفية قادة المقاومة، وأولهم (العربي بن موسى) قائد (بني خليل، و (مسعود بن عبد الواد) قائد (السبت). و (الآغا محيي الدين) على اعتبار أن هؤلاء القاده أظهروا باستمرار استعدادهم لتحريض العرب ضد فرنسا. وأراد استدراجهم إلى الجزائر، فكتب بتاريخ ٦ تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٣٢ إلى أهل البليدة، طالبا منهم إرسال وفد إلى الجزائر يضم هؤلاء القادة. فشعر الآغا (محيي الدين) بالخطر، وامتنع عن الذهاب وانضم إلى (الأمير عبد القادر الجزائري) على نحو ما سبقت الإشارة إليه. أما القائدان الآخران فقد راودتهما الشكوك، وشعرا بالمكيدة، فترددا بالذهاب واشترطا الأمان. وأرسل إليهما الدوق الأمان عن طريق صديقهما (الحاج المخفي) الذي لا يشكان في نيته. وجاء معهما المخفي إلى الجزائر. فتم اعتقالهما بمجرد وصولهما الجزائر، وألقي بهما في السجن. واحتج صديقهما (الحاج المخفي) كما أرسلت عرائض الاحتجاج من القبائل، غير أن الدوق جاء بقضاة حاكموهما ونفذ الإفرنسيون حكم الإعدام فيهما. وكان لاستشهاد (العربي بن موسى ومسعود بن عبد الواد) على هذه الصورة الغادرة دوره في زيادة غضب القبائل العربية. ونفذ حكم الإعدام في شباط (فبراير) عام ١٨٣٣ م - قبل شهرين من عودة (دوروفيغو) إلى باريس ثم موته في حزيران - يونيو - من السنة ذاتها.

стр. 499

هـ - بومزراق - باي تيطري: ما ان استقرت السلطة الإفرنسية في الجزائر العاصمة، حتى أخذت في البحث عن الوسائل والطرائق التي يمكن لها استخدامها للسيطرة على البلاد، وحاولت في البداية أن تعتمد على الأقليات، اليهود بصورة خاصة، وكذلك الفئات غير التركية (حضر الجزائر). ويذكر أن (كلوزول) قائد الجيش الإفرنسي بعد (دوبورمون) قد طلب من أعيان مدينة الجزائر قائمة بأسماء العائلات الكبيرة في المدينة ليعين منها (بايا) على إقليم (تيطري). وحاول الإفرنسيون الاستمرار في تقليد العثمانيين عند إسناد منصب (الباي) إلى من يرغبون، فكانوا يخلعون على الشخص الذي يسمونه (بايا) القفطان المميز للباي ويسلمونه سيفا، غير أن الفرنسيين لم يلبثوا أن ألغوا بسرعة منصب الباي. المهم في الأمر هو أن (كلوزول) اختار مصطفى بن الحاج عمر (أو مصطفى بن عمار) ليكون بايا على تيطري خلفا للباي (مصطفى بومزراق) الذي كان قد اتفق مع الإفرنسيين ثم ثار ضدهم فخلعوه. وكان على (مصطفى بن عمار) مواجهة ثورة (الباي السابق) ومواجهة ثورة (ابن بومزراق) وأن يقمع اضطرابات الإقليم الثائر، وتنفيذ ما يطلبه الإفرنسيون من إخضاع للإقليم. وزاد من صعوبة الموقف أن الإفرنسيين اشترطو عليه الإبقاء على الإدارة السابقة، وعدم إجراء أي تغيير يدعم من سلطته .. فمضى (مصطفى بن عمار) إلى ممارسة الحد الأدنى من واجباته (القضاء والمخالفات ونحوها) والاقتصار في نشاطاته على حدود مدينة المدية (١) ولكن إذا

стр. 500

نجح الإفرنسيون في إلقاء القبض على (بومزراق) وسمحوا له بالذهاب إلى الإسكندرية فإن ابنه (سي احمد) قد بقي على مسرح الأحداث ينتظر الفرصة المناسبة. (ويقال أن كلوزول قد اعترف بأنه ارتكب خطأ عندما لم يعتقل سي احمد عندما اعتقل والده). وأقام (سي احمد) في المدية مقر حكم والده، وقاد الثائرين ضد (مصطفى بن عمار) واحتل دار الباي الريفية، وكان يدخل المدينة ويغادرها دون أن يحاول الباي ابن عمار اعتقاله. وعندما تفاقم الأمر طلب ابن عمار النجدة من القائد الإفرنسي العام في الجزائر. فجاء (برتزين) بنفسه، وعندها انسحب (سي احمد بن مصطفى بن بومزراق) إلى الجبال المحيطة. وعاد (برتزين) إلى الجزائر مصطحبا معه (مصطفى بن عمار). استثمر (سي احمد بومزراق) انتصاره على الإفرنسيين، فطاردهم أثناء انسحابهم من المدية. واشتبك معهم عند مضائق جبل (موازية) وانتصر عليهم، وقتل منهم عددا كبيرا، واستولى على كميات كبيرة من الأسلحة والمواد التموينية. وأقام بومزراق في (المدية). وأثناء ذلك. كان الأمير (عبد القادر بن محيي الدين الجزائري -) ينظم دولة الجزائر، ويحشد القوى ضد الإفرنسيين، والتف حوله الشعب الجزائري من إيالة (تيطري) و (وهران). فما كان من (سي احمد بن مصطفى بومزراق) إلا أن أسلم القيادة

стр. 501

(للأمير عبد القادر) وانضم إلى قواته، ومما حفظه له التاريخ قوله: (لقد غرر الإفرنسيون بأبي، وأرغموه على أن يكون عميلهم ضد الشعب، غير أنه أدرك بعد فوات الأوان، أن من واجب كل جزائري ألا يرضى بالاستعمار، ولقد استسلم لهم بعد أن أعطوه كلمة الشرف بأنه لن يمس بأذى، ولن يخرج من بلاده، وبعد ذلك رأوا أنه لا بد لهم من إخراجه من الجزائر، فاستولوا على أمواله، وشردوا أسرته، وعلى كل حال، فإن ما قامت به فرنسا من التنكر لباي تيطري ليس بالأمر المستغرب، لأن فرنسا اعتادمت على إعطاء كلمة الشرف ثم العمل على سحبها وفقا لما تقتضيه الظروف. ويعرف العالم أجمع حقيقة أن فرنسا لا ذمة لها ولا مروءة ولا شرف. وأن المعاهدات التي تبرمها مع هذا أو ذاك هي معاهدات قصيرة العمر جدا). لقد كان غدر الاستعمار الإفرنسي بالجزائريين عاملا أساسيا في جملة العوامل التي أسهمت في توسيع الهوة الفاصلة بين الأجهزة الاسعمارية والأجهزة الوطنية الجزائرية، وظهر ذلك بصورة خاصة في (وهران) حيث لم يترك المواطنون الوهرانيون وسيلة إلا استخدموها للدفاع عن مقدساتهم وحرياتهم وكرامتهم، وبذلوا جهد المستطاع لحشد كل القدرات والقوى المتوافرة للجهاد ضد أعداء الدين والوطن، وكان في جملة جهودهم المبذولة إرسال وفد منهم إلى (العلامة محيي الدين) ومطالبته بتولي القيادة ورفع راية الجهاد. غير أنه اعتذر عن ذلك بسبب سوء حالته الصحية، وكبر سنه. فما كان منهم إلا أن توجهوا إلى سلطان المغرب - نظرا لاتصال التراب الوهراني بالمغربي وقرب وهران من المغرب - فقبل ملك المغرب ما طلبه منه أهل وهران، وأرسل جيشا بقيادة أحد الأمراء ليكون قائدا عاما على وهران. وقد اتخذ الأمير

стр. 502

المغربي من (وهران) قاعدة له، وانطلق بالمجاهدين حتى وصل إلى (مليانة) وبقي هناك لمدة ستة أشهر، وخافت فرنسا من بأسه، كما خافت من تعاظم قوة (أحمد باي قسنطينة) وظهر احتمال تعاون القوات المغربية والجزائرية ضد فرنسا، لإخراجها من الجزائر، فأرسلت القيادة العامة في الجزائر تقريرا مطولا إلى وزارة الدفاع الإفرنسية طالبة استخدام كل جهد مستطاع لحمل المغرب على سحب قواته التي كان يقودها ابن عم الملك في (وهران). واستجابت وزارة الدفاع لهذا النداء. فوجهت إنذارا إلى سلطان المغرب: (بأنه إذا لم يأمر قواته بالانسحاب من الجزائر خلال فترة ثمانية وأربعين ساعة، فإنها ستضطر إلى إعلان الحرب على المغرب لتدخله السافر في قضاياها). استقبل أهل (وهران) الإنذار الإفرنسي بالهزء - وحتى بالسخرية ظنا منهم أن (سلطان المغرب) سيكون أكثر حزما في مواجهة الإنذار الإفرنسي. غير أن أملهم قد خاب عندما استجاب سلطان المغرب للإنذار، وأمر قواته بالانسحاب الفوري تاركا أهل وهران وحدهم لمجابهة العاصفة الإفرنسية. وعلى أثر ذلك، اجتمع العلماء والأعيان. وقرروا التوجه من جديد إلى (العالم محيي الدين) في محاولة لحشد القوى، لا سيما وأن العالم محيي الدين كان من أكثر القاده المؤهلين لرفع راية الجهاد بسبب ما عرف عنه من الصلاح والتقوى والوطنية. وذهب وفد وهراني قابل (العالم محيي الدين) وأعلموه صراحة بأن مصير الجزائر أصبح أمانة في يديه، وأنه الوحيد الذي يستطيع حمل هذه (الأمانة) وأنه إذا ما رفعض الاضطلاع بالمسؤولية خلال تلك المرحلة الخطيرة. فإنه سيحمل وحده نتائج هذا الرفض - أمام الله والتاريخ -. ولم يعد باستطاعة

стр. 503

(محيي الدين) تجنب مجابهة الموقف، فقبل تولي قيادة الجيش، تاركا للشعب الجزائري حرية تعيين الأمير الذي يختارونه لإدارة الحكم في الجزائر. وذكر للوفود أنه سيعتمد كل الاعتماد على (عبد القادر بن زيان) وعلى ولده (عبد القادر الجزائري) لما يعهده فيهما من الكفاءة والبطولة. فشكرته الوفود على ذلك، وعاهدته على أن تقدم لدعمه كل ما تستطيع. وكان ذلك نقطة التحول الحاسمة التي أدت إلى إعادة تنظيم الجزائر تحت قيادة (الأمير عبد القادر). كان ذلك هو الوضع العام الذي جابه قوات الغزو الاستعماري للجزائر، فالمقاومة تتعاظم في كل مكان، وتحوك الانتصارات السهلة التي أحرزتها قوات الغزو في بداية الأمر إلى عبء ثقيل يرهق القوات الإفرنسية في الجزائر بقدر ما يقلق رجال الدولة الإفرنسية ذاتها، وزاد الأمر سوءا ببقاء الوضع المضطرب في ولاية هي من أكبر ولايات الجزائر، هي (ولاية قسنطينة) والتي تولى قيادة المقاومة فيها رجل أمكن له الصمود في وجه فرنسا وقواتها طوال ثمانية عشر عاما، على الرغم من مجموعة الظروف الصعبة التي كانت تحيط به، وتنتصب في مواجهته، خلال كل عمل من أعماله. و- الحاج أحمد (باي قسنطينة): تولى (الحاج أحمد) إمارة (بايليك قسنطينة) في سنة ١٨٢٧ من قبل (حسن باشا)، حاكم الجزائر. وكان (الحاج أحمد) مرتبطا بإقليم قسنطينة بالمصاهرة، فكان كرغليا (أي من أب تركي وأم جزائرية) وكان أخواله من عائلة (ابن غانة) التي كانت لها مكانة وسلطة على عرب الصحراء في نواحي بسكرة والزاب: كان جده هو (أحمد القلي) الذي كان (بايا على قسنطينة) أيضا، أما والده فقد

стр. 504

الحاج أحمد باي ولد شريف Hadj Ahmed Bey, Fils de Ahmed Cherif

стр. 505

كان خليفة لحسين باشا. وقد تصاهر أحمد مع عدد من الأسر والقبائل العربية في المنطقة هادفا إلى نيل تأييدهم. فتصاهر مع (ابن غانة) و (المقراني) وقسم من قبيلتي (فرجاوة وزواوة). ولكن أعداءه كانوا أولاد فرحات الذين يتنازعون منصب (شيخ العرب) مع أولاد ابن غانة. وقد واجه الحاج أحمد عدوا لدودا في شخص (فرحات بن سعيد) عندما عزله الحاج أحمد من منصب شيخ العرب وإعطاه إلى خاله (بوعزيز بن غانة) كما واجه الحاج أحمد خصوصا في بقية فرجاوة وزواوة، وفي الحزب الذي ظهر ضده في عاصمة إقليمية. وقف (الحاج أحمد) إلى جانب (الداي حسين باشا) عندما وقع الغزو الإفرنسي، واشترك في معركة (اسطاوالي) وعندما ظهرت النتيجة، وتقررت معركة الجزائر - عسكريا - انسحب (الحاج أحمد) إلى (وادي القلعة) ثم إلى (عين الرباط - مصطفى باشا الآن) شرقي العاصمة، ثم تابع طريقه شرقا في اتجاه قسنطينة، بينما انضم إليه أكثر من ألف وستمائة مقاتل من الفارين من وجه الجيش الإفرنسي ومعهم بعض النساء. وعندما وصل إلى (أولاد زيتون) استلم رسالة من (دوبرمون) قائد الجيش الإفرنسي يطلب فيها من (الحاج أحمد) دفع اللازمة (الجزية) على نحو ما كان يدفعها إلى الباشا بعد أن تم توقيع معاهدة التسليم من قبل (الباشا حسين). ووعد (دوبرمون) بالإبقاء على (الحاج أحمد) والاعتراف به كما كان من قبل. غير أن (الحاج أحمد) رد على ذلك بقوله: (إن مثل هذا الأمر يتطلب موافقة أهل الإقليم الذي يحكمه) ثم واصل سيره نحو (قسنطينة) التي وصل ضاحيتها (الحامة) بعد اثنين وعشرين يوما. وتوقف (الحاج

стр. 506

أحمد) في الحامة لأنه عرف أن خصومه الأتراك قد قاموا بانقلاب ضده، وعينوا بايا جديدا مكانه يدعى (حمود بن شاكر). ولكن أنصاره تحركوا عندما علموا بعودته تحت قيادة خليفته (ابن عيسى) وبعض العلماء، وعندما تأكد خصومه من عدم تأييد أهل البلاد لهم قتلوا زعيمهم وأعلنوا توبتهم وولاءهم. وتظاهر (الحاج أحمد) بالعفو عنهم؛ ولم يلبث أن (حاكم قادة المنشقين) وأمر بقتلهم وجعلهم مثالا لغيرهم. وحصل منذئذ كره شديد ضد الأتراك وأصبح لا يثق بهم. واعتمد على تأييد العنصر العربي - الجزائري -الذي أخذ في تكوين جيشه من رجاله. وكان (الحاج علي) يتعرض لضغوط ديبلوماسية قوية، فكان أول عمل له جمع ديوانه واستشارته في موضوع رسالة القائد الإفرنسي (كلوزول) التي تتضمن (تعيين الحاج أحمد بايا على قسنطينة باسم الملك الإفرنسي، شريطة أن يدفع له اللازمة - الجزية -) غير أن الديوان رفض بشكل قاطع الاقتراح الإفرنسي باعتبار أن الحاج أحمد يستمد سلطته الشرعية من الشعب ومن السلطان العثماني - المسلم - لا من ملك فرنسا. وأرسل (الحاج أحمد) رسالة إلى السلطان محمود يشرح له الموقف. وأثناء ذلك، أصدر (كلوزول) قراره بعزل (الحاج أحمد) واتخذ في الوقت ذاته إجراء (خبيثا) لإضعاف موقف (الحاج أحمد) حيث وقع (كلوزول) معاهدة مع تونس يصبح بمقتضاها (سي مصطفى) أخو باي تونس في تلك الفترة (بايا على قسنطينة) خلفا (للحاج أحمد) (١). ولم توافق فرنسا على هذه المعاهدة، غير أن هدف

стр. 507

المعاهدة قد تحقق بتصعيد الصراع بين (قسنطينة) و (تونس). إذ عمل (باي تونس) بعد توقيع المعاهدة على إرسال الرسائل إلى إقليم (قسنطينة) داعيا الناس إلى الثورة ضد (الحاج أحمد) متهمة إياه بالاستبداد والطغيان والخروج على طاعة السلطان، ومعلنة انضمام قسنطينة إلى تونس. وتجنبت هذه الرسائل ولو مجرد الإشارة إلى الاتفاق مع فرنسا (كلوزول). وأصبح على الحاج أحمد أن يخوض الصراع على عدة جبهات: جبهة ضد فرنسا، وأخرى ضد تونس، وثالثة ضد إبراهيم الذي أعلن نفسه بايا على عنابة، وطالب بعودته إلى (قسنطينة) ورابعه ضد باي (تيطري) الذي أعلن نفسه (باشا الجزائر) خلفا (لحسين باشا) وطالب الحاج أحمد الاعتراف به. وخامسة ضد (فرحات بن سعيد شيخ العرب) الذي عزله (الحاج أحمد) وعين بدلا منه خاله (بوعزيز بن غانه) هذا بالإضافة إلى المؤامرات التي حيكت ضده داخل عاصمته. ولم يقف (الحاج أحمد) مكتوف اليدين، فجمع ديوانه، وعرض عليهم دعوى (باي تونس) فقرر الديوان إرسال رسالة إلى باي تونس يعلمه فيها: (أنه لا حق له بالمطالبة بقسنطينة. وأن السلطان محمود هو المرجع، فكما أن باي تونس يستمد سلطاته منه، فكذلك باي قسنطينة، وأن أهل قسنطينة راضون بحكم الحاج أحمد). اتخذ (الحاج أحمد) خطوة حاسمة بعد ذلك، إذ حمل لقب (باشا) وأمر بضرب السكة (النقود) باسمه وباسم السلطان العثماني. فانتزع المبادرة من (باي تيطري) (١) وأحبط مخطط (باي

стр. 508

تونس) ثم عين وزيرا للمالية (هو مساعده بن عيسى) باسم خزنجي - وأعلن أن هذه الإجراءات الإدارية تخوله ممارسة السيادة على الرأي العام. غير أن المعركة بينه وبين باي تونس لم تتوقف وإنما انتقلت إلى بلاط السلطان العدناني، فقد علم (الحاج أحمد) أن باي تونس قد بعث برسائل إلى السلطان يصف فيها باي قسنطينة بظلم الرعية والخروج عن الطاعة. فلجأ الحاج أحمد إلى إرسال وفد برئاسة (سي علي بن عجوز) أحد أعيان قسنطينة ومعه أحد ثقاته وهو (الحاج مصطفى) إلى استانبول، حيث ظل أربعة شهور. وقد حمل الوفد إلى السلطان موقف الإرادة العامة التي استندت على توقيعات رؤساء القبائل وأعيان البلاد وجميعها تؤيد حكمه وتنفي عنه الاستبداد والظلم. وبعد السيطرة على الموقف في قسنطينة، التفت (الحاج أحمد) إلى خصومه الذين تخلص من بعضهم بمساعدة الظروف، ولكن بعضهم ظل كالشوكة في حلقه. فقد خرج لمحاربة إبراهيم وفرحات بن سعيد. فهرب الأول إلى عنابة عن طريق تونس، والثاني إلى أولاد جلال في أعماق الصحراء، حيث ظل يحارب بدون هوادة، وكان (إبراهيم) في عنابة قد تواطأ مع الإفرنسيين أولا، ثم أعلن الحرب عليهم، وأخرجهم من المدينة، ولكن ابن عيسى، مساعد الحاج أحمد، حاربه واضطره للهروب، ثم تحولت المعركة على عنابة بين ابن عيسى والإفرنسيين. وعندما أيقن (ابن عيسى) من تغلب الإفرنسيين عليه، خرج منها هو وسكانها، ودخلها الإفرنسيون من جديد، واستقروا بها بعد سنتين

стр. 509

من احتلال الجزائر. وقد كان احتلالهم لعنابة، أهم موانىء إقليم قسنطينة، سببا في توتر مستمر بين فرنسا والحاج أحمد. وقد عين الإفرسيون على عنابة (يوسف المملوك) (١). أما إبراهيم، فقد احتمى بالجيال، وواصل مقاومته للحاج أحمد إلى سنة ١٨٣٤ م. وكان في الوقت ذاته يحارب الإفرنسيين، ثم التجأ إلى (مدينة المدية) حيث مات، ويقال أنه اغتيل من عملاء الحاج أحمد. وإذا كان الإفرنسيون قد خلصوا (الحاج أحمد) من خصمه (بومزراق) حين أبعدوه إلى الإسكندرية (خريف ١٨٣٠م) كان ابنه (سي أحمد) قد انضم إلى الحاج أحمد وأصبح خليفة له ورشحه أن يكون صهرا له. غير أن (سي أحمد) لم يلبث أن فر من عنده، والتجأ إلى الأمير عبد القادر (الخصم الآخر للحاج أحمد) (٢). بذل (الحاج أحمد) جهودا كبيرة للحصول على دعم عاجل من (السلطان محمود) غيرأن جهوده لم تنجح في تأمين المساعدات خلال الفترة التي كانت فيها (قسنطينة) أحوج ما تكون لهذه المساعدات. وعاد الوفد الذي أرسله (الحاج أحمد) لهذه الغاية وهو يحمل ردا غامضا من السلطان (يحمل توقيع رؤوف باشا).

стр. 510

وكان هذا الرد يذكر: (بأن السلطان في حالة سلم مع الدول المسيحية، وأنه لا يستطيع إعلان الحرب على فرنسا بسبب قضية الجزائر، أو بالأحرى قضية قسنطينة، ولكنه طلب من الحاج أحمد متابعة جهاده ضد الإفرنسيين، وألا يوقع صلحا معهم إلا بعد استشارته). غير أن الحاج أحمد لم ييأس. فأرسل وفدا آخر إلى السلطان (برئاسة السيد بلهوان) الذي كان يحمل رسالة إلى الصدر الأعظم - رئيس الوزراء - (رؤوف باشا). وألح الحاج أحمد في رسالته على طلب المساعدة المادية، وأعلن أنه مستعد للتضحية من أجل الدين، وأن الإفرنسيين يقتربون منه يوما بعد يوم. ولكن (رؤوف) هذا استقبل بلهوان استقبالا فاترا، ووعده بإرسال مندوب عنه إلى قسنطينة لتقصي حقائق الموقف، فكان هذا المندوب هو (كامل بك). ولكن، وقبل وصول (كامل بك) كانت هناك الاتصالات قد استؤنفت بين الحاج أحمد وبين القائد العام الإفرنسي في الجزائر (الدوق دو روفيغو) للتفاوض، حيث قام (حمدان بن عثمان خوجة) بنقل رسالة من الدوق إلى الحاج (في صيف سنة ١٨٣٢ م) تتضمن إعلان (الحاج أحمد) استلام بلاده لفرنسا، ودفع ثلاثة ملايين فرنك ضريبة حرب، ودفع اللازمة السوية - الجزية - وذلك مقابل اعتراف فرنسا بالحاج أحمد (بايا) على إقليم (قسنطينة). وجمع (الحاج أحمد) أعيان المدينة، بحضور خوجة، وأطلعهم على رسالة الدوق، وبعد المناقشة استقر رأيهم على دفع اللازمة، بشرط أن تعيد فرنسا الأراضي التي احتلتها من الإقليم، ولا سيما ميناء عنابة، وإقامة قنصل فرنسي في عنابة، وإعلام القائد العام الإفرنسي بعدم قدرة الإقليم على دفع ضريبة الحرب، وإبقاء ذلك كله مرهونا بموافقة السلطان وإرادته حيث

стр. 511

المدفعية الإسلامية في الدفاع عن قسنطينة Raffet. Batterie Couverte Servie Par les Musulmans Lors De La Resistance De Constantine

стр. 512

يجب على الإفرنسيين الاتصال به مباشرة. وحمل (خوجة) رأي أعيان قسنطينة إلى الدوق، ثم رجع برسالة أخرى تحمل الشروط التالية: (دفع (٥٠) ألف دورو، واللازمة السنوية، وتعهدت فرنسا بالحصول على القفطان للحاج أحمد من استانبول، ولكنها تبقي حامية عسكرية في كل من عنابة وقسنطينة، ويظل ميناء عنابة في قبضتها) ولكن الحاج أحمد لم يقبل هذه الشروط، وأحال الإفرنسيين على السلطان العثماني. وصل موفد استانبول (كمال بك) إلى قسنطينة عند هذه المرحلة، واستقبله الحاج أحمد استقبالا حارا. وفي اجتماع عام لأعيان المدينة ورؤساء القبائل والمسؤولين، خطب كمال بك، وقال بأن: (السلطان لم ينسهم، وأن عليهم بالصبر والإيمان، وقال أن السلطان يعمل على إبقاء إقليم قسنطينة تحت طاعته، وأن عليهم أن لا يقبلوا أي شرط بدون موافقه). وقد تأكد (كمال بك) على تعلق البلاد بالحاج أحمد، وعرف أن الرسائل التي ترد إلى استانبول من باي تونس لا تستند على الواقع، وعاد كمال إلى استانبول، وكتب إلى الحاج أحمد يعلمه أنه أطلع السلطان على الوضع، وأنه يعمل للوصول إلى حل لصالح الباي، ولكنه لم ينجح، وطلب منه أن يراسل السلطان عن طريق (سي الطاهر باشا) الذي أصبح حاكما لطرابلس. علم الحاج أحمد بعد ذلك أن القيادة الإفرنسية قد حشدت قواتها في عنابة للقيام بحملة كبيرة ضد (قسنطينة) مستفيدة من فصل الشتاء (سنة ١٨٣٦ م). فخرج الحاج أحمد بقواته من عاصمة الإقليم وسار بها مسافة نصف يوم، وأقام معسكره عند مكان يدعى

стр. 513

(وادي الكلاب). وكانت قواته تضم (٥) آلاف فارس و (١٥٠٠) من الرماة المشاة. وقد التقى الجيشان في مكان يسمى (عقبة العشاري). فتظاهر (الحاج أحمد) بالتراجع إذ شهد التفوق الكبير لقوات عدوه، غير أنه لم يتوقف عن الاشتباك بهم واستنزاف قدرتهم وتكبيدهم الخسائر حتى دخل (قسنطينة). ونصب الإفرنسيون مدافعهم على جبل المنصورة وسيدي مبروك الذي يشرف على المدينة وبدأوا في قصفها. كان الجيش الإفرنسي بقيادة كلوزول. وكان الثلج والمطر يهطلان بغزارة. وحاول الإفرنسيون إرغام المدينة الباسلة على الاستسلام، غير أنهم فشلوا في محاولتهم، واضطروا إلى التراجع عنها وانطلق الحاج احمد على رأس جيشه فطارد الإفرنسيين حتى (قالمة). وفي طريق عودته إلى قسنطينة، وجد عربات محملة بالمواد التموينية التي خلفها الإفرنسيون وراءهم. وقد كان لهذا الانتصار وقع كبير في رفع الروح المعنوية للمجاهدين ومواطني قسنطينة، كما أدى إلى عزل كلوزول واستدعائه إلى فرنسا. ورجع الحاج أحمد إلى المدينة بعد انتصاره الكبير، وبدأ على الفور بإعادة تحصينها والاستعداد للجولة التالية، إذ كان على ثقة بأنه لا بد للسلطات الإفرنسية من إعادة المحاولة والانتقام لهزيمتها السابقة. وعلم (الحاج أحمد) بوجود فئة كانت ترغب في تسليم المدينة إلى الإفرنسيين أثناء عملية القصف، فحكم على بعضهم بالإعدام. ثم أرسل إلى السلطان يعلمه بانتصار المسلمين ويطلب دعمه. وفي الوقت ذاته، أبرزت هذه الأعمال القتالية كفاءة اثنين - بصورة خاصة - من قادة الحاج أحمد، وأكدت قدرتهما وإخلاصهما وهما (ابن عيسى) الذي أصبح رمزا للمقاومة البطولية و (البجاوي) الذي أصبح خليفة (للحاج

стр. 514

أحمد). وكان مما زاد المقاومة ضراوة وعنادا، إعلان الإفرسيين عن إرادتهم بتعيين (يوسف المملوك) بايا على قسنطينة، بينما كان أهل قسنطينة يعرفون أن (يوسف) هذا لم يكن مملوكا فقط، وإنما كان أيضا يهوديا مرتدا. علم (الحاج أحمد) عن طريق مبعوث من استانبول بإرسال مساعدات لدعمه، وقد حمل إليه هذا المبعوث (صراف افندي) معلومات عن إرسال حاكم طرابلس (سي الطاهر باشا) اعلاما إلى السلطان يخبره عن انتصار قوات قسنطينة على الإفرنسيين، مما دفع السلطان إلى إرسال دعم سريع - في ربيع سنة ١٨٣٧م، عن طريق تونس، ولم يمض على انتصار (الحاج أحمد) أكثر من أشهر قليلة، فارتفعت الروح المعنوية في صفوف المقاومة. ووصلت أربع سفن عثمانية إلى ميناء تونس وهي محملة بالجنود الأتراك مع اثني عشر مدفعا ومائة وخمسين مدفعيا. غير أن (باي تونس) الذي كان مهددا بالضرب من الأسطول الإفرنسي إذا نزل الجنود العثمانيون فوق أرضه، أرسل إلى القبطان العثماني، يأذن له بإنزال المدافع فقط، أما الجنود فقد اعتذر لهم عن إنزالهم. وأرسل (باي تونس) إلى الحاج أحمد يعتذر له عن موقفه ويعلمه أنه يرغب في إقامة علاقات ودية مع الإفرنسيين. وهكذا عاد الجنود الأتراك بسفنهم إلى قواعدهم في تركيا، واستخدم (باي تونس) المدافع التي كانت مرسلة إلى حامية قسنطينة، وبقي (الحاج أحمد) محروما من الدعم في وقت كان هو أحوج ما يكون إليه. حاول الإفرنسيون استئناف المفاوضات مع (الحاج أحمد) في حين كانوا يكملون استعداداتهم لغزوه في عاصمة إقليمه.

стр. 515

فاتصلوا أولا باليهودي (ابن باجو) الذي كان يعمل في دار الحاج أحمد والذي كان يتاجر في (تونس). وكان القائد العام الإفرنسي عندئذ هو (دامر يمون) بعنابة قادما من الجزائر استعدادا للحملة المرتقبة. ورفض الحاج أحمد اقتراحات الإفرنسيين، وخرج لقتالهم في مكان يدعى (بلاد عمر). وهناك أرسل إليه (دامر يمون) يهوديا آخر هو (بوجناح) الذي كان يعمل في زي إفرنسي، عارضا عليه دبف مليونين من الفرنكات (ضريبة حرب) وإقامة حامية إفرنسية في قصية قسنطينة، وذلك مقابل أن تعترف به فرنسا (بايا) على الإقليم فيما وراء (مجاز عمار) أي باستثناء الأجزاء التي كانت فرنسا قد نجحت في احتلالها. غير أن علماء قسنطينة وأعيانها ورؤساء القبائل فيها رفضوا الشروط الإفرنسية. وأرسل الحاج أحمد رفضه إلى (دامر يمون) عن طريق (بوجناح). ولم يلبث هذا أن عاد وهو يحمل شروطا أخرى، ولكن الحاج رفضها، وأرسل رفضه في هذه المرة مع كاتبه لأنه لم يعد يثق باليهودي (بوجناح). كانت الإدارة الإفرنسية في الجزائر قد عقدت في تلك السنة معاهدة مع الأمير عبد القادر - الجزائري - وأصبح باستطاعتها تركيز ثقل قواتها للعمل ضد (الباي الحاج أحمد). وعندما فشلت مفاوضاتها معه، عرف أن المعركة مع الإفرنسيين قد باتت وشيكة الوقوع، فأخذ في الاستعداد للقتال، وجمع شيوخ القبائل والقادة، وحشد (٥) آلاف فارس و (ألفين) من المشاة الرماة من المجاهدين بالإضافة إلى جيشه النظامي الذي كان يعمل تحت قيادته الشخصية، وترك في عاصمة الإقليم (قسنطينة) حامية صغيرة مكونة من (١٥٠٠) مقاتل وانطلق ببقية القوات لمحاربة الإفرنسيين. فهاجهم مدة ثلاثة أيام متواصلة في معسكرهم الواقع في (مجاز عمار).

стр. 516

ولكنه فشل في هذه المرة في صد زحفهم على المدينة. فقد تمكنوا من نصب الحصار عليها ثم دخلوها بينما كان المواطنون يحاربونهم من دار إلى دار وم شارع إلى شارع. وأثناء هذه الجولة قتل (دامر يمون) القائد العام للجيش الإفرنسي فتولى مكانه الجنرال (فالي) (١) - كما قل (البجاوي) خليفة الحاج أحمد في (قسنطينة) وتكبد الحاج أحمد خسائر كبيرة وفقد أفضل جنده ومقاتليه. وغنم الإفرنسيون بعد استيلائهم على المدينة، مغانم كثيرة وأموالا ضخمة، ذلك لأن الحاج أحمد كان قد رفض إخلاء المدينة، كما رفض إخراج الثروات والكنوز الثمينة. عندما طلب ذلك منه أعيان المدينة حتى لا يؤثر ذلك على الروح المعنوية، وتأكيدا على التصميم في القتال حتى النهاية، وهو ما حدث فعلا. وخسر الإفرنسيون بالمقابل أعتدتهم وقسما كبيرا من قواتهم هذا بالإضافة إلى تموينهم. وجاءت الضربة الحاسمة التي زادت من متاعب (الحاج أحمد) عندما تخلى عنه صديقه (ابن عيسى) وساعده الايمن وعرض خدماته على الإفرنسيين. ولكن، وعلى الرغم من الهزيمة التي نزلت بقوات (الحاج أحمد) وعلى الرغم أيضا من ضياع ملكه وعاصمته، فقد صمم على متابعة الصراع المسلح، وعرضت عليه فرنسا الأمان، وتعهدت له بنقله إلى بلاد إسلامية. فرفض العرض الإفرنسي، ومضى يحمل السلاح وقد وضع مخططا جديدا لمقاومة الإفرنسيين يعتمد على تهديد خطوط مواصلات الإفرنسيين بين عنابة وقسنطينة، وعزلهم. غير أن صهره (ابن غانة)

стр. 517

اعترض على هذا المخطط، وأراده أن يحارب (فرحات بن سعيد) أولا، ثم الإفرنسيين ثانيا. وهي الخطة التي عبر عنها الحاج أحمد بقوله: ((الخطة التي فيها هلاكي) غير أنه لم يكن يستطيع مقاومة اعتراضات صهره (ابن غانة) بعد أن تضافرت جميع العوامل ضده: (موت أو تخلي قادته عنه، وخلافه مع صهره بوعزيز الذي التحق بالإفرنسيين فعينوه في منصب (شيخ العرب). وكذلك محاولة الأمير عبد القادر بسط نفوذه على إقليم قسنطينة، بتوجيه نداء إلى أعيانه، وتعيين خلفاء له فيه أمثال: حسن بن عزوز، وفرحات بن سعيد الذي لم ينس عزله له حتى بعد سقوطه على أيدي الإفرنسيين، هذا بالإضافة إلى جهود (باي تونس) المضادة له بسبب غيرته من (الحاج أحمد) والكيد له في وسط القبائل المجاورة ولدى السلطان، ثم فرنسا التي كانت ترى في وجوده بين العرب علامة خطر، فكانت تؤلب عليه القبائل، وتخلق له الصعوبات أينما حل وحيثما ارتحل. ويمكن أن يضاف إلى ذلك سلبية السلطان العثماني الذي كان (الحاج أحمد) يعتمد عليه حتى بعد سقوطه) وظل (الحاج أحمد) يقاوم كل هذه العوامل من سقوط قسنطينة (سنة ١٨٣٧) وحتى استسلامه (سنة ١٨٤٨) حيث كان ينتقل طوال هذه الفترة من قرية إلى قرية، ومن الجبل إلى السهل. وبينما كان في (جبل أحمر خدو) اتصلت به السلطات الإفرنسية في (باتنة) و (بسكرة) وعرضت عليه الاستسلام، وإعادة كل أشيائه إليه وأخذه ليعيش في بلاد إسلامية. فقبل العرض بعد أن كبرت سنه ووهنت قواه. وذهب من بسكرة إلى باتنة في ٥ حزيران - يونيو - ١٨٤٨ م، ومنها إلى قسنطينة عاصمة ملكه القديم، التي عاد إليها مجردا من سلاحه، واستقبله أعيانها عند مدخلها، ودخل إليها وسطهم في كوكبة من الخيل.

стр. 518

وأقام فيها ثلاثة أيام كان فيها محل رعاية خاصة. فكان أهلها يأتون إليه كل يوم بالأطعمة والألبسة وبعض مصنوعاتهم. ولكن السلطات الإفرنسية خشيت العاقبة، فمنعت الأعيان من زيارته وقدمتهم إلى المحاكم العسكرية. ثم نقلت (الحاج أحمد) إلى العاصمة عن طريق (سكيكدة). وهناك عينت له أحد المترجمين لمرافقته (وهو الضابط دي روزي) وعينت له ولأهله دارا لإقامته، وخصصت له مبلغ (١٢) ألف فرنك فرنسي سنويا لتغطية نفقاته. غير أنها لم تنفذ وعدها بإطلاق حريته، فبقي سجينا - تحت الإقامة الإجبارية حتى وافته منيته في الجزائر (سنة ١٨٥٠ م) ويوجد قبره الآن في زاوية (سيدي عبد الرحمن الثعالبي) وسط مدينة الجزائر، ولعل موته لم يكن طبيعيا. ... حاول (الحاج أحمد) إقامة دولة تعتمد على تأييد السلطان العثماني، وتأييد الأرستقراطية المحلية فحافظ على النظام العثماني، وطلب مساعدة السلطان حتى يعطي لحكمه الهيبة والشرعية. وحاول بعد احتلال الجزائر توسيع قاعدة حكمه بتأييد الجماهير له، فكان لا يقرر شيئا هاما إلا بالرجوع إلى العلماء والأعيان وشيوخ القبائل وقادة الجيش، وإذا كان قد اعتمد في بداية أمره على الجند العثماني، فإنه لم يلبث بعد الاحتلال أن غير رأيه وتخلص من هذا الجند، معتمدا على العرب الذين أراد أن يشكل لهم دولة يكونون هم سادتها. ولم يحاول (الحاج أحمد) أن يوسع سلطانه حتى يشمل الجزائر كلها، فبقي مكتفيا، سواء في مفاوضاته مع الإفرنسيين أو في مراسلاته مع السلطان العثماني بحدود إقليمه (قسنطينة) خلافا لما كان يعمل له (الأمير عبد القادر) أو حتى

стр. 519

(مصطفى بومزراق - باي تيطري) الذي أخذ لقب (الباشا) وطالب الاعتراف به سيدا على الجزائر كلها. لم يتمكن (الحاج أحمد) من الاتفاق مع (الأمير عبد القادر) لأنه كان يرى فيه (دعيا أو منتحلا للسلطة). وزاد من شك الحاج أحمد في الأمير أن هذا قد وقع اتفاقات مع الإفرنسين (معاهدة ري ميشان - ١٨٣٤ - ومعاهدة تافنة ١٨٣٧م). وبعد اتصال الأمير بقبائل (قسنطينة) أثر المعاهدة الأخيرة وإخطارهم أنه متفق مع الإفرنسيين أحس الحاج أحمد بالشك فيه والخوف منه. لا سيما وقد هدده الأمير عبد القادر بأنه سيهاجم قسنطينة مع الإفرنسين إذا لم يستسلم له (الحاج أحمد). وزاد من اتساع شقة الخلاف بينهما أن الإفرنسيين كانوا يعملون على إثارة الرجلين ضد بعضهما البعض. والواقع أن (معاهدة تافنة) التي جاءت بعد فشل المحاولة الأولى لاحتلال قسنطينة سنة ١٨٣٦، كانت مساعدة على نجاح الإفرنسين في المحاولة الثانية، فقد أطلقت أيديهم في شرق البلاد. وتذكر بعض المصادر، أن الأمير عبد القادر كان على علم بخطة الإفرنسيين نحو قسنطينة، غير أنه لم يتدخل لأنه كان يعتقد أن نجاحها سيزيل عنه منافسا خطيرا. وكان للحاج أحمد رأي في اليهود الجزائريين، فقد قال عنهم: (إنهم هم الذين عكروا دائما الشؤون السياسية التي تدخلوا فيها، فهم لا يحاربون، ولكن مصلحتهم هي دائما في رؤية الآخرين ممزقين. إنهم كالذئاب التي تأتي لتأكل ما خلفته الأسود). ودافع عن نفسه في التفاوض مع اليهودي القسنطيني (ابن باجو) لأن الإفرنسيين هم الذين أرسلوه إليه. أما (بوجناح) الذي جاءه في (زي

стр. 520

إفرنسي) مبعوثا من القائد العام (دامر يمون) فقد قال عنه أنه: (لم يكن ينتظر منه الخير، وأن القائد العام لم يحسن الاختيار، لأن بوجناح قد شكر الحاج أحمد على رفض الشروط الإفرنسية، وأخذ في ذمهم أمامه لأنهم: يريدون التوسع بكل الإمكانيات فاليوم يطالبونك بهذا، وغدا سيطابونك بشيء آخر) وقد طلب (بوجناح) النقود من الحاج أحمد ليذهب إلى باريس، ويتفاوض باسمه مباشرة مع الحكومة الإفرنسية. وكاد الحاج أحمد يضربه (لولا أنه مبعوث القائد الإفرنسي) وذلك عندما اقترح عليه ضرب كبار رجاله إذا لم يرضوا بشروط فرنسا. وقد علم (الحاج أحمد) أن اليهود قد نهبوا الأشياء الثمينة التي (يعرفون أماكنها السرية) عند دخول الجيش الإفرنسي إلى مدينة قسنطينة. وقد سبقت الإشارة إلى موقفه من (يوسف المملوك الذي كان مرتدا والذي حاول الإفرنسيون تعيينه بايا على قسنطينة خليفة (للحاج أحمد). لقد خاض (الحاج أحمد) صراعه في ظروف صعبه للغاية، وقد علق آماله على السلطة العثمانية التي كانت تتعرض بدورها للمحن والهجمات والضغوط الثقيلة، وقد حفظت الوثائق التاريخية رسائل (الحاج أحمد) أو (بعض رسائله) والتي تبرز طبيعته الصراع الذي خاصه خلال تلك (المرحلة التاريخية) (١). ز - حمدان خوجة والصراع السياسي: ظهرت خلال فترة احتلال فرنسا للجزائر مجموعة من الشخصيات البارزة التي مارست أدوارها بصورة إفرادية، بفضل ما

стр. 521

توافر لها من الخبرة والثقافة والمكانة الاجتماعية. وهذه المجموعة هي من النوع الذي يمكن وصفه (بالمعتدلين) أو (الواقعيين) والذين حاولوا التحرك في إطار الظروف الزمنية والمكانية ضمن مفهوم (انقاذ ما يمكن انقاذه). وظهر بعضهم وهو يحاول إقامة علاقات مع فرنسا لمصلحة الإسلام ولمصلحة الجزائر المجاهدة. غير أن هؤلاء لم يلبثوا أن سقطوا تباعا، ذلك أن أرضيتهم الدينية والقومية والوطنية تجعلهم بصورة حتمية يقفون في النهاية في الصف - أو في الخندق - المعادي للاسعمار. وقد يكون من المناسب، إكمال صورة الموقف باستقراء الملامح العامة لبعض هذه الشخصيات وجهادها خلال مرحلة التحول الحاسم في حياة الجزائر. ١ - حمدان عثمان خوجة: كان حمدان عثمان خوجة، منسوبا إلى حضر الجزائر، تاجرا كبيرا، ومالكا غنيا من أثرياء مدينة الجزائر وكانت له أراضي في سهل (متوجة - متيجة) وله أملاك في المدينة. وقد ولد في أواخر القرن الثامن عشر من أسرة لها مكانتها البارزة في الدولة. فكان عمه أمين السكة (أي مسؤول المالية) وكان والده أستاذا للقانون، ثم كاتبا من الدرجة الأولى للدولة. وقد مكنه ذلك من الحصول على ثقافة عميقة ومعرفة شاملة بشؤون الدوله والبلاد عامة، كما مكنه من السفر إلى المشرق وإلى أوروبا للتعرف على أحوال العالم القديم (الشرق) والجديد (أوروبا) وكان ذلك في وقت دقيق يشهد تغيرات جذرية في السياسة الدولية (مؤتمر فيينا) وفي التفكير الإنساني نتيجة الثورة الصناعية.

стр. 522

طلائع المجاهدين بقسنطينة يراقبون الفرنسيين

стр. 523

كان حمدان عثمان خوجة في مدينة الجزائر عندما وقع الغزو الاستعماري الإفرنسي، ويظهر أنه مارس دورا خفيا في الدعوة إلى اجتماع الحضر الذين طلبوا إلى الداي الاستسلام. وكان محل ثقة الباشا (الداي حسين) الذي أرسله إلى صهره (الآغا إبراهيم) ليقنعه باستئناف القتال بعد هزيمته في معركة (اسطاوالي)، وكان ابنه حسن هو التي صحب بوحزبة، وكاتب الباشا للتفاوض مع (دوبورمون) على شروط التسليم. ويظهر أن (خوجة) أصبح موضع ثقة (دوبورمون) الذي ولاه عضوية المجلس البلدي لمدينة الجزائر. واحتفظ خوجة بمكانته في عهد (كلوزول) الذي عينه في لجنة تقدير تعويضات الأملاك المصادرة، وأسند إليه دراسة مطالب اليهود من فرنسا لدفع تعويضات عن القروض التي كانوا قد دفعوها إلى (الكراغلة) كما أصبح (خوجة) متوليا شؤون المراسلة بين (باي تيطري بو مرزاق) وبين السلطات الإفرنسية. غير أن أسهمه لم تلبث أن تدهورت، حيث تآمر اليهود ضده ووقف في وجهه المسيحيون (بسبب موقفه غير المتسامح من احتلال المساجد) مما جعله في أعين الإفرنسين من الحاقدين عليهم. وكان ذلك سببا في عزله من الوظائف التي أسندت إليه والتي قال عنها بأنه قبلها لأنه لم يكن له الخيار. حاول (الدوق دوروفيغو) إنصاف (خوجة) فأعاد إليه داره التي كان قد استقر فيها أحد الضباط الإفرنسيين. وأرسله للتفاوض مع (الآغا محيي الدين بن مبارك - مرابط القليعه) وكلفه بمهمة سرية لدى الحاج أحمد باي قسنطينه، فذهب مرتين إلى قسنطينة (آب - أغسطس وتشرين الأول - أكتوبر) ١٨٣٢ م. ودامت رحلته حتى

стр. 524

كانون الأول - ديسمبر - من السنة ذاتها محاولا إقناع الباي باقتراح الدوق، وهو الاعتراف بالسيادة الإفرنسية، ودفع جزية سنوية لفرنسا. ثم توترت العلاقات بين (خوجة) وبين (الدوق) فنفاه من الجزائر. كما عمل اليهودي (بكري) على إغراق (خوجة) بقضايا ماليه شائكة جعلته يتابعها لدى مجلس الدولة في فرنسا. اجتمعت فئة (المنفيين الجزائريين) في العاصمة الإفرنسية في أيار (مايو) ١٨٣٣ م حيث تولى (خوجة) قضية الدفاع عن الجزائر وشرحها للرأي العام الإفرنسي والعالمي. وكان للضغط الذي قامت به فئة المثقفين الجزائريين المنفيين في باريس الفضل في تحرك البرلمان الإفرنسي وتشكيل اللجنة الإفريقية. وفي الشهر ذاته أرسل (خوجة) مذكرة إلى مجلس الدولة الإفرنسي عن حالة الجزائر. وفي ٣ حزيران - يونيو - أرسل مع إبراهيم بن مصطفى باشا مذكرة طويلة إلى المارشال (سولت) وزير الحربية، واقترح فيها بعض مطالب الجزائريين. وتشكيل لجنة تحقيق، وفي ٩ تموز - يوليو - أرسل خلاصة للمذكرة إلى الحكومة الإفرنسية، وفي ١٠ منه أرسل نسخة من المذكرة ورسالة إلى الملك الإفرنسي، وناشده التدخل في الجزائر. وبعد أن تكونت اللجنة أصبح (خوجة) صوت الجزائريين الذين فوضوه ليتحدث باسمهم. ولذلك رفع في ٦ أيلول - سبتمبر - رغبات الجزائريين إلى الملك الإفرنسي، وقد ألح فيها على شيئين: الحرية والاستقلال والتمتع بالحقوق التي يتمنع بها الأوروبيون. ثم كتب كتابه (المرآة) لتنوير الرأي العام. وكان الكتاب جاهزا تقريبا منذ تموز - يوليو - ١٨٣٣. غير أن خوجة لم ينشره انتظارا لتحسن الأوضاع وظهور نتائج اللجنة الإريقية، غير أنه قرر نشره في تشرين

стр. 525

الأول - أكتوبر - وأرسل منه نسخة مع رسالة إلى أعضاء اللجة المذكوره. وينص المؤلف أن (المرآة) سيكون جزئين يتناول في الأول الجزائر في العهد العثماني وإدارة بورمون وكلوزول، ويتناول في الثاني إدارة برتزين وبيشون، ولكن لم يظهر منه سوى الجزء الأول. لقد خاب أمل (خوجة) في (اللجنة الإفريقية) التي لم تحقق ما كان يريد. وقد عرضته آراؤه في (المرآة) إلى المحاكمات بدعوى التشهير بالغير. ولم يقبل أي طلب استئناف حتى الذي تقدم به أمام مجلس الدولة. ومن جهة أخرى عاد كلوزول الذي كان ساخطا عليه، حاكما عاما على الجزائر سنة ١٨٣٥. وقد أصدر (كلوزول) قرارا في ٢٦ أيلول (سبتمبر) ١٨٣٦ بطرد (حسن بن حمدان خوجة) من الجزائر بدعوى أنه كان من المتآمرين على فرنسا. أما ابنه الآخر (علي) الذي كان قد صحبه إلى فرنسا، فقد عاد إلى الجزائر في شهر آذار - مارس - ١٨٣٩. وأما (خوجة) نفسه فقد ذهب إلى (إستانبول) حيث ظل على اتصال (بالحاج أحمد باي قسنطينة) يترجم له رسائله إلى التركية، ويطلع السلطان على أحوال الجزائر. لقد كان كتاب خوجه (المرآة) وثيقة من أغرب وأغنى وثائق التاريخ الجزائري الحديث. وبرزت فيه مجموعة من النقاط أبرزها: ١ - إثباته أن عدد سكان القطر الجزائري كان عند الاحتلال عشرة ملايين، وكان السيد حمدان هو المدير الثاني لمصلحة الضرائب في الحكومة الوطنية الجزائرية، ولهذا فإن معلوماته أكثر

стр. 526

دقة من كل البيانات التي صدرت عن المصادر المختلفة - الإفرنسية الاستعمارية خاصة -. ٢ - أنه سجل أعمال اللصوصية والنهب التي قام بها الجنود الإفرنسيون. وصور أبشع الصور لتلك المنكرات التي فعلها الأدنياء دون حياء أو خجل، وبعث بوثيقة إفرنسية على يد محضر إفرنسي، أن الإفرنسيين كانوا يسرقون عظام موتى المسلمين من المقابر الإسلامية، ويرسلون بها ضمن عظام الحيوانات لمعامل تكرير السكر بمرسيليا. ٣ - بيانه عن الأملاك والأرزاق المصادرة، والمظالم التي ارتكبها الطغاة أثناء الاحتلال. لقد كان (حمدان عثمان خوجة) في طليعة المطالبين بتشكيل لجة تحقيق للنظر في المظالم التي أنزلها الإفرنسيون بالجزائريين، وعندما تشكلت (اللجنة الإفريقية) وجاءت إلى الجزائر، استدعت إليها (خوجة) في جلستها الرابعة عشرة، وظهر (خوجة) وكأنه متهما بقضية لا مدافعا عنها، حيث قال له رئيس اللجنة: (بأن اللجنة تعرف أمر الكتاب الذي وضعه عن الجزائر - المرآة - وأن الكتاب يحتوي على قضايا ليس من شأن اللجنة أن تتدخل فيها، وعلى شكاوى شخصية ستنال حقها من العدالة. وطلب منه الإجابة على الأمور العامة. وعلى ما أراد أن يطلع عليه الرأي العام. واتهمه بأن أكثر ما جاء في الكتاب خال من البراهين. ودعاه إلى تقديم البراهين إذا كانت لديه. وبناء على محضر الجلسة فإن خوجة قد أجاب بأنه ليس لديه لا حقائق ولا براهين غير أن رئيس اللجنة لم يلبث (أن طمأن (خوجة) على أن الأمور التي اشتكى منها ستنال نصيبها من الاهتمام والعناية. فالمساجد التي

стр. 527

احتلتها السلطات الإفرنسية ستعاد إلى ما كانت عليه، وستحترم الملكية في المستقبل، وستدفع الأجور، لأن هدف الحكومة الإفرنسية هو تطبيق نفس العدالة المطبقة في فرنسا على الجزائر). ثم سأل رئيس اللجنة وهو يستجوب (خوجة) عن رأيه: (في ما إذا كان يعتقد أن تطبيق مبدأ إعادة الأملاك سيحقق الازدهار للمناطق التي احتلتها فرنسا في الجزائر. كما سيؤدي إلى استمالة الجزائريين الذين عارضوا حتى الآن الوجود الإفرنسي، والذين هم بلا شك قد أقاموا معارضتهم نتيجة للشكاوى التي نشرها - خوجة - في كتابه، والتي بالغ فيها) وعلى الرغم من أن محضر اللجنة قد اختصر إجابة خوجة على هذا الموضوع، فإنه قد عبر عن اعتقاده بأن النتيجة التي توقعها رئيس اللجة لن تتحقق بسرعة، لأن نظام العدالة المشار إليه قد يفيد أهل المدن - على ما ذكره خوجة - غير أن لن يحقق إلا القليل من الفائدة لأبناء الريف. كان من رأي خوجة - والذي أدلى به أمام اللجنة الإفريقية (بأن فرنسا لن تجني شيئا من محاولتها إغراء الجزائريين بإحلال النظام الإفرنسي محل النظام التركي الإسلامي، أو التظاهر باحترام الدين والمعتقدات، وقد سأله رئيس اللجنة ما إذا كان يعتقد بأن احترام الدين وحماية السكان وعدل الحكومة الإفرنسية الصارم قد يوفر للمواطنين فرصا مغرية لم تكن متوافرة لهم زمن الأتراك) فكانت إجابة - خوجه - واضحة، إذ أنه عبر بهذه المناسبة وبمناسبات أخرى على أنه من المحال التعايش بين الجزائريين والإفرنسيين في كل شيء.

стр. 528

٢ - أحمد بوضربة: كان أحمد بضربة من حضر الجزائر أيضا، غير أن دوره لم يكن واضحا بقدر ما كان دور (حمدان عثمان خوجة). وقد عرف عنه أنه كان من التجار الميسورين في الجزائر، ومن الذين لم يكونوا على علاقة جيدة مع الحكام الأتراك، غير أنه كان راضيا بوضعه على الأقل، فأقام فترة من حياته بمدينة (مرسيليا) حيث مارس التجارة فيها، وتزوج من إفرنسية، ثم تورط هناك بقضية إفلاس مالي حملته على مغادرة مرسيليا والعودة إلى الجزائر، وخلال هذه الفترة تعلم اللغة الإفرنسية، وعرف عادات الإفرنسيين وتقاليدهم. حتى إذا ما غزت فرنسا الجزائر، ووصلت إلى العاصمة، ظهر (أحمد بوضربة) في مقر (الكونت دوبورمون) قائد الحملة بصحبة (حسن بن حمدان بن عثمان خوجة) ومعهما كاتب السلطان للمفاوضة على تسليم المدينة. مقتنعا بما أعلنه الإفرنسيون: (من أنهم جاؤووا محررين للجزائريين من الاضطهاد التركي). وتوطدت العلاقات منذ هذا اللقاء بين قائد الحملة و (بوضربة). فكان القائد الإفرنسي - دوبرمون - يستشيره في أمور الجزائر الداخلية ويثق به، حتى أنه ولاه رئاسة أول مجلس بلدي في (مدينة الجزائر) (١) غير

стр. 529

أن (بوضربة) أدرك بسرعة أهداف الإفرنسيين من احتلال الجزائر، ووقف على أساليبهم الخادعة، فأخذ في المكر لهم والإيقاع بهم، ومبادلتهم خداعا بخداع. مما حمل مؤرخا فرنسيا على وصفه بقوله: (كان بوضربة رجلا فطنا ومهذبا، واسع الدهاء، غير أنه يفتقر إلى المبادىء الأخلاقية، فكان يخلق المشاكل أكثر مما يسهم في إيجاد حل لها). ولم يلبث الإفرنسيون أن اتهموه بأنه كان يتزعم (لجنة المغاربة) التي كانت تعمل لصالح استعادة الحكم الإسلامي في الجزائر، والتي كانت على اتصال مستمر مع الداي السابق (الباشا حسين). ولم تلبث أسهم (بوضربة) أن تدهورت، شأنه في ذلك شأن جميع الحضريين أمثاله، الذين رأى فيهم الإفرنسيون مصدر خطر على الاحتلال الإفرنسي، فتم إبعاد بوضربة إلى باريس مع من تم إبعاده من (لجنة المغاربة) وهم الذين لفتوا إليهم الأنظار بمظهرهم الجزائري - الإفريقي، وباتصالاتهم مع رجال الصحافة والصالونات والبرلمانيين. على كل حال، فقد كان هناك ثمة اختلاف بين (بو ضربة) وبين (حمدان عثمان خوجة) ويعرض (بو ضربة) في مذكراته (بحمدان خوجة) ويصفه: (بأنه من الذين حملوا أقلامهم لاستعمالها في هجمات - شخصية) ويفخر بنفسه فيقول: (بأنه ليس من هذا النوع، وأنه ينظر إلى الأمور نظرة واقعية، وأنه يتحرى الحقيقة، وأنه يعمل لصالح مواطنيه ولفرنسا في نفس الوقت، وقد ظهر (بوضربة) أيضا أمام (اللجنة الإفريقية) في ٧ تموز - يوليو - ١٨٣٣ م. فكتب إليها مذكرة، وتبرز هذه المذكرة التناقض بين الرجلين (بو ضربة - وخوجة) فبينما كان (خوجة) ثائرا على الإفرنسيين، غير مؤمن بالتعاون معهم، يظهر (بوضربة) وهو ينتقد الأوضاع، غير أنه يقترح حلولا

стр. 530

عملية لفائدة التعاون الإفرنسي - الجزائري. ومذكرة (بوضربة) مقسمة إلى سبعة فصول تضم عناوين مثل: (التنظيم البلدي وتطبيق القضاء والعدل، والتنظيمات الخاصة بالمناطق الداخلية، وإدارة المؤسسات الخيرية وغيرها). وقد اعتمدت (اللجنة الإفريقية) على أفكار بوضربة (لأنها - حسب تعبير رئيس اللجنة الإفرنسي - لم تكن كلها تمنيات مثالية - (يوتوبيا) بل إن الحكومة الإفرنسية قد طبقت بعضها، ولا سيما الأفكار الخاصة بالتنظيم القضائي والإدارة البلدية). وجه (بوضربة) نصائحه إلى فرنسا بأن تتبع في الجزائر سياسة العدل والحزم المقترن باللين والاعتدال عند التعامل مع الجزائر، لأن ذلك هو الوسيلة الوحيدة التي تؤدي إلى نتائج طيبة. ونصح كذلك بأن تتفادى فرنسا تطبيق نظام الأتراك في حكم الجزائريين، فتعتمد على البايات، باعتبار أن هذا التنظيم لا يتلاءم مع تنظيم الإدارة المتبع في فرنسا. ومن آرائه - الجدلية - في هذا الموضوع اقتراحه بأن تعين فرنسا (آغا فرنسيا) على القبائل الجزائرية وليس (آغا) عربيا. ودافع (بوضربة) عن اقتراحه بأن الجزائريين يشكون في الآغا الذي هو منهم، إذا دافع عنهم أمام الإفرنسيين بخلافه إذا كان فرنسيا، فإنهم لا يشكون في إخلاصه إذا دافع عنهم، فهم مثلا لن يتهموه بأنه كان عميلا لبلاده بخلاف العربي. وانتقد (بو ضربة) طريقة الاحتلال الإفرنسي وقال: (أن أسوأ ما تميز به هو عدم اتباعه لنظام ثابت) وأنه (لم يضمن الحماية لأحد - حتى الذين ساندوه أمثاله - فكانت النتيجة أن كل الذين كانوا مع الاحتلال قد تخلوا عنه. وأن الذين كانوا سيرحبون به لم تعد لديهم الجرأة للإعلان عن
следующие страницы →