← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

دقة من كل البيانات التي صدرت عن المصادر المختلفة - الإفرنسية الاستعمارية خاصة -. ٢ - أنه سجل أعمال اللصوصية والنهب التي قام بها الجنود الإفرنسيون. وصور أبشع الصور لتلك المنكرات التي فعلها الأدنياء دون حياء أو خجل، وبعث بوثيقة إفرنسية على يد محضر إفرنسي، أن الإفرنسيين كانوا يسرقون عظام موتى المسلمين من المقابر الإسلامية، ويرسلون بها ضمن عظام الحيوانات لمعامل تكرير السكر بمرسيليا. ٣ - بيانه عن الأملاك والأرزاق المصادرة، والمظالم التي ارتكبها الطغاة أثناء الاحتلال. لقد كان (حمدان عثمان خوجة) في طليعة المطالبين بتشكيل لجة تحقيق للنظر في المظالم التي أنزلها الإفرنسيون بالجزائريين، وعندما تشكلت (اللجنة الإفريقية) وجاءت إلى الجزائر، استدعت إليها (خوجة) في جلستها الرابعة عشرة، وظهر (خوجة) وكأنه متهما بقضية لا مدافعا عنها، حيث قال له رئيس اللجنة: (بأن اللجنة تعرف أمر الكتاب الذي وضعه عن الجزائر - المرآة - وأن الكتاب يحتوي على قضايا ليس من شأن اللجنة أن تتدخل فيها، وعلى شكاوى شخصية ستنال حقها من العدالة. وطلب منه الإجابة على الأمور العامة. وعلى ما أراد أن يطلع عليه الرأي العام. واتهمه بأن أكثر ما جاء في الكتاب خال من البراهين. ودعاه إلى تقديم البراهين إذا كانت لديه. وبناء على محضر الجلسة فإن خوجة قد أجاب بأنه ليس لديه لا حقائق ولا براهين غير أن رئيس اللجنة لم يلبث (أن طمأن (خوجة) على أن الأمور التي اشتكى منها ستنال نصيبها من الاهتمام والعناية. فالمساجد التي

стр. 527

احتلتها السلطات الإفرنسية ستعاد إلى ما كانت عليه، وستحترم الملكية في المستقبل، وستدفع الأجور، لأن هدف الحكومة الإفرنسية هو تطبيق نفس العدالة المطبقة في فرنسا على الجزائر). ثم سأل رئيس اللجنة وهو يستجوب (خوجة) عن رأيه: (في ما إذا كان يعتقد أن تطبيق مبدأ إعادة الأملاك سيحقق الازدهار للمناطق التي احتلتها فرنسا في الجزائر. كما سيؤدي إلى استمالة الجزائريين الذين عارضوا حتى الآن الوجود الإفرنسي، والذين هم بلا شك قد أقاموا معارضتهم نتيجة للشكاوى التي نشرها - خوجة - في كتابه، والتي بالغ فيها) وعلى الرغم من أن محضر اللجنة قد اختصر إجابة خوجة على هذا الموضوع، فإنه قد عبر عن اعتقاده بأن النتيجة التي توقعها رئيس اللجة لن تتحقق بسرعة، لأن نظام العدالة المشار إليه قد يفيد أهل المدن - على ما ذكره خوجة - غير أن لن يحقق إلا القليل من الفائدة لأبناء الريف. كان من رأي خوجة - والذي أدلى به أمام اللجنة الإفريقية (بأن فرنسا لن تجني شيئا من محاولتها إغراء الجزائريين بإحلال النظام الإفرنسي محل النظام التركي الإسلامي، أو التظاهر باحترام الدين والمعتقدات، وقد سأله رئيس اللجنة ما إذا كان يعتقد بأن احترام الدين وحماية السكان وعدل الحكومة الإفرنسية الصارم قد يوفر للمواطنين فرصا مغرية لم تكن متوافرة لهم زمن الأتراك) فكانت إجابة - خوجه - واضحة، إذ أنه عبر بهذه المناسبة وبمناسبات أخرى على أنه من المحال التعايش بين الجزائريين والإفرنسيين في كل شيء.

стр. 528

٢ - أحمد بوضربة: كان أحمد بضربة من حضر الجزائر أيضا، غير أن دوره لم يكن واضحا بقدر ما كان دور (حمدان عثمان خوجة). وقد عرف عنه أنه كان من التجار الميسورين في الجزائر، ومن الذين لم يكونوا على علاقة جيدة مع الحكام الأتراك، غير أنه كان راضيا بوضعه على الأقل، فأقام فترة من حياته بمدينة (مرسيليا) حيث مارس التجارة فيها، وتزوج من إفرنسية، ثم تورط هناك بقضية إفلاس مالي حملته على مغادرة مرسيليا والعودة إلى الجزائر، وخلال هذه الفترة تعلم اللغة الإفرنسية، وعرف عادات الإفرنسيين وتقاليدهم. حتى إذا ما غزت فرنسا الجزائر، ووصلت إلى العاصمة، ظهر (أحمد بوضربة) في مقر (الكونت دوبورمون) قائد الحملة بصحبة (حسن بن حمدان بن عثمان خوجة) ومعهما كاتب السلطان للمفاوضة على تسليم المدينة. مقتنعا بما أعلنه الإفرنسيون: (من أنهم جاؤووا محررين للجزائريين من الاضطهاد التركي). وتوطدت العلاقات منذ هذا اللقاء بين قائد الحملة و (بوضربة). فكان القائد الإفرنسي - دوبرمون - يستشيره في أمور الجزائر الداخلية ويثق به، حتى أنه ولاه رئاسة أول مجلس بلدي في (مدينة الجزائر) (١) غير

стр. 529

أن (بوضربة) أدرك بسرعة أهداف الإفرنسيين من احتلال الجزائر، ووقف على أساليبهم الخادعة، فأخذ في المكر لهم والإيقاع بهم، ومبادلتهم خداعا بخداع. مما حمل مؤرخا فرنسيا على وصفه بقوله: (كان بوضربة رجلا فطنا ومهذبا، واسع الدهاء، غير أنه يفتقر إلى المبادىء الأخلاقية، فكان يخلق المشاكل أكثر مما يسهم في إيجاد حل لها). ولم يلبث الإفرنسيون أن اتهموه بأنه كان يتزعم (لجنة المغاربة) التي كانت تعمل لصالح استعادة الحكم الإسلامي في الجزائر، والتي كانت على اتصال مستمر مع الداي السابق (الباشا حسين). ولم تلبث أسهم (بوضربة) أن تدهورت، شأنه في ذلك شأن جميع الحضريين أمثاله، الذين رأى فيهم الإفرنسيون مصدر خطر على الاحتلال الإفرنسي، فتم إبعاد بوضربة إلى باريس مع من تم إبعاده من (لجنة المغاربة) وهم الذين لفتوا إليهم الأنظار بمظهرهم الجزائري - الإفريقي، وباتصالاتهم مع رجال الصحافة والصالونات والبرلمانيين. على كل حال، فقد كان هناك ثمة اختلاف بين (بو ضربة) وبين (حمدان عثمان خوجة) ويعرض (بو ضربة) في مذكراته (بحمدان خوجة) ويصفه: (بأنه من الذين حملوا أقلامهم لاستعمالها في هجمات - شخصية) ويفخر بنفسه فيقول: (بأنه ليس من هذا النوع، وأنه ينظر إلى الأمور نظرة واقعية، وأنه يتحرى الحقيقة، وأنه يعمل لصالح مواطنيه ولفرنسا في نفس الوقت، وقد ظهر (بوضربة) أيضا أمام (اللجنة الإفريقية) في ٧ تموز - يوليو - ١٨٣٣ م. فكتب إليها مذكرة، وتبرز هذه المذكرة التناقض بين الرجلين (بو ضربة - وخوجة) فبينما كان (خوجة) ثائرا على الإفرنسيين، غير مؤمن بالتعاون معهم، يظهر (بوضربة) وهو ينتقد الأوضاع، غير أنه يقترح حلولا

стр. 530

عملية لفائدة التعاون الإفرنسي - الجزائري. ومذكرة (بوضربة) مقسمة إلى سبعة فصول تضم عناوين مثل: (التنظيم البلدي وتطبيق القضاء والعدل، والتنظيمات الخاصة بالمناطق الداخلية، وإدارة المؤسسات الخيرية وغيرها). وقد اعتمدت (اللجنة الإفريقية) على أفكار بوضربة (لأنها - حسب تعبير رئيس اللجنة الإفرنسي - لم تكن كلها تمنيات مثالية - (يوتوبيا) بل إن الحكومة الإفرنسية قد طبقت بعضها، ولا سيما الأفكار الخاصة بالتنظيم القضائي والإدارة البلدية). وجه (بوضربة) نصائحه إلى فرنسا بأن تتبع في الجزائر سياسة العدل والحزم المقترن باللين والاعتدال عند التعامل مع الجزائر، لأن ذلك هو الوسيلة الوحيدة التي تؤدي إلى نتائج طيبة. ونصح كذلك بأن تتفادى فرنسا تطبيق نظام الأتراك في حكم الجزائريين، فتعتمد على البايات، باعتبار أن هذا التنظيم لا يتلاءم مع تنظيم الإدارة المتبع في فرنسا. ومن آرائه - الجدلية - في هذا الموضوع اقتراحه بأن تعين فرنسا (آغا فرنسيا) على القبائل الجزائرية وليس (آغا) عربيا. ودافع (بوضربة) عن اقتراحه بأن الجزائريين يشكون في الآغا الذي هو منهم، إذا دافع عنهم أمام الإفرنسيين بخلافه إذا كان فرنسيا، فإنهم لا يشكون في إخلاصه إذا دافع عنهم، فهم مثلا لن يتهموه بأنه كان عميلا لبلاده بخلاف العربي. وانتقد (بو ضربة) طريقة الاحتلال الإفرنسي وقال: (أن أسوأ ما تميز به هو عدم اتباعه لنظام ثابت) وأنه (لم يضمن الحماية لأحد - حتى الذين ساندوه أمثاله - فكانت النتيجة أن كل الذين كانوا مع الاحتلال قد تخلوا عنه. وأن الذين كانوا سيرحبون به لم تعد لديهم الجرأة للإعلان عن

стр. 531

شعورهم) وطالب بوضربة فرنسا: (بأن نعلن صراحة عن موقفها من القبائل التي خضعت لها، ومن تلك التي تريد الخضوع لها، ثم من تلك التي لا زالت تقاوم الاحتلال. فالتردد والغموض لا يزيدان الموقف إلا تعقيدا) وطلب من فرسا أيضا: (أن لا تعفي الأهالي من الضرائب ولكن تفرضها بعدل، وأن تعاقب المذنبين بحكمة). واقترح (بوضربة) أن تدمج العرب في البيئة الإفرنسية الجديدة: (عن طريق بناء القرى والمجمعات التي يستوطنها الإفرنسيون على أن يسمح للعرب بالاستقرار في هذه المستعمرات مما يسمح بالتعارف بين المجموعتين، وتضمن للعرب الاطلاع على حضارة الإفرنسيين، بالإضافة إلى أن هذه الطريقة تنهي شيئا فشيئا مقاومة العرب لفرنسا) واقترح أيضا: (إنشاء جريدة - صحيفة - لبث الأفكار وتنوير الرأي المحلي - لأن العربي في رأيه -فضولي بطبعه، وسوف يقرأ هذه الجريدة بشغف كبير. ولكنه نصح أن لا تحتوي الجريدة على مناقشة القضايا الدينية، لأن العرب عندئذ سينفرون منها. وبدلا من الدين، يجب أن تناقش الجريدة، وتقدم معلومات عن الصناعة والفلاحة والمواضيع العلمية. وقال بوضربة في هذا الصدد أن كل جزائري تقريبا يعرف القراءة والكتابة، لذلك فإن إنشاء هذه الجريدة سيفتح آفاقا جديدة أمام الجزائريين والإفرنسيين معا. وقال أيضا: أن في كل قرية جزائرية مدرستين، باستثناء منطقة جرجرة التي لاحظ أن التعليم فيها منحصر في طبقة خاصة، وهي طبقة الشيوخ والرؤساء). وكان (بوضربة) يظهر متفائلا حتى حدود الحماسة وهو ينادي (بإجراء تغييرات على النظام الإفرنسي القائم عندئذ في الجزائر) فقد طالب بإنهاء نظام العنف الذي كان قائما والذي دام ثلاث سنوات (واستبداله بنظام آخر قائم على اللين

стр. 532

وحماية حرية المواطنين وممتلكاتهم. وعندئذ - بناء على رأيه - سيرى الإفرنسيون أن النتائج ستكون مختلفة، إذ أنهم لن يجدوا سخطا أو مقاومة وإنما سيجدون تعاونا ورضى). وأعلن (بوضربة) أنه يقف في صالح عدة قضايا، من ذلك إقامة فرقة جزائرية (الزواف - أو الزواويين) للمشاركة في حماية البلاد، على شرط أن تؤدي الدور الإيجابي المنتظر منها، وأن تتوافر لها شروط العمل الضرورية. أما بخصوص دمح اليهود في حياة الجزائريين العامة، فإن (بوضربة) لم يمانع في ذلك، ولكنه ألح على ألا يتم هذا الدمج على حساب العرب. وقال بأن على فرنسا أن تعطي الضمانات الكافية على ألا تنال الطائفة اليهودية في الجزائر شيئا من مراكز النفوذ الكبيرة في البلاد. ويمكن الإعلان عن هذه الضمانات - بحسب رأيه - عن طريق إصدار بيان عام يوقع عليه علماء البلاد والمسؤولين عن الشؤون الدينية. أما عن القوات التي كانت لدى الجزائر في تلك الفترة، فقد حاول (بوضربة) تهدئة مخاوف الإفرنسيين من احتمال تجمع تلك القوات للقيام بالثورة. فقال لهم: (بأن هناك ١٦ ألف رجل مسلح في مركز اسطاوالي، و٤ آلاف من القبائل الراجلين - من أهالي جرجرة - غير أنه من المحال على هذه القوات أن تتجمع من جديد، وإذن فلا خوف على الإفرنسيين من اندلاع ثورة ضدهم). ويبدي (بوضربة) بعض الآراء الهامة حول أملاك الدولة في (سهل متوجة - متيجة) فهو يقول أن دار السلطان (مدينة الجزائر وضواحيها بما في ذلك سهل متيجة) كانت تملك بين ١٢ و١٣ مزرعة ر السهل المذكور، بعض هذه المزارع كان عن طريق الإيجار.

стр. 533

وكانت هناك وزارة خاصة تقوم بإدارة المزارع وتعهدها، وكانت كل مزرعة تحتوي ٦٠ - ٨٠ زوج البقر. وكانت حدود ملكية كل قبيلة في السهل منظمة تنظيما دقيقا وثابتا، ولذلك لم تكن هناك نزاعات بين القبال على الحدود. وقال (بوضربة) أن معظم سهل متيجة يعود إلى سكان مديمة الجزائر، ولا سيما طبقة الحضر منهم. أما الأراضي المشاعة فلا توجد إلا في داخل الوطن التي هي منطقة قبلية تخضع لإدارة الشيخ محليا وإدارة الدولة التي يمثلها القائد. وهناك آراء أخرى غريبة عبر عنها (بوضربة) حول الوجود الإفرنسي في الجزائر، فقد قال: (بأنهم أرادوا الاكتفاء باحتلال السواحل والمدن، فإنهم لن يحصلوا على نتيجة في الجزائر). - لذلك نصحهم - بأن يعزموا على البقاء الدائم في البلاد، وأن يكونوا لهم خلفاء من أهلها حتى تتوافر لهم شروط الإقامة. ونصحهم بأنهم إذا احتلوا قسنطينة (وكان حديثه سنة ١٨٣٤ أي قبل ثلاث سنوات من الاحتلال الفعلي لقسنطينة). فيجب عليهم تعيين حاكم إفرنسي عليها. وقال أن عدد سكان (قسنطينة) عندئذ يتراوح بين ٢٠ و٣٠ ألفا. وأن عادات هؤلاء وطبائعهم تختلف اختلافا واضحا عن عادات سكان الأرياف في الإقليم. ونصح الإفرسيين بأن يتعرفوا، قبل القيام بأي توسع، على إخلاص حلفائهم الجزائريين - وبذلك يتفادون تعريض جندهم للخطر المحقق. غير أنه أشار عليهم بضرورة إعادة المساجد التي استولى عليها الجيش الإفرنسي واستخدمها لأغراض خاصة.

стр. 534

خلاصة القول: كان (بوضربة) نموذجا للمتعاونين المقاومين، المتعاونين مع السلطة الاستعمارية والمقاومين للمشاريع الاستعمارية. فأفادت منهم فرنسا خلال المرحلة الأولى ثم نبذتهم مرة واحدة وإلى الأبد. حتى أنه بات من الصعب معرفة المصير الذي انتهى إليه منذ سنة ١٨٣٤ أي بعد أربعة سنوات من عمر الاستعمار الإفرنسي للجزائر. ٣ - المفتي الحنفي سيدي محمد بن العنابي: عرف المفتي الحنفي العنابي بأنه شخصية فاضلة ومحترمة من معاصريه، وقد هاله ما كان يجري في البلاد من ممارسات وأعمال تتنافى مع شروط التسليم، وتتناقض مع مبادىء الثورة الإفرنسية. لذلك كتب سلسلة من الرسائل إلى الجنرال (كلوزول) يذكره فيها بنصوص الاتفاق الجزائري - الإفرنسي، وينبهه إلى العواقب المدمرة التي قد تجر إليها السياسة المتبعة آنذاك. وقد أرادت السلطات الإفرنسية إبعاده من الجزائر، فاختلقت له سببا، وهو أنه كان يتآمر ضد الدولة بالاتصال مع العرب، وأنه كان يعمل لصالح عودة الحكم الإسلامي إلى الجزائر. وعلى أية حال فقد ألقى (كلوزول) عليه القبض وسجنه بعض الوقت ثم نفاه. - ويذكر خوجة أن اعتداء شنيعا قد وقع على عائلة العنابي أيضا -. وحاول خوجة أن يفهم التهمة الموجهة إلى صديقه العنابي فكان يذهب مرة إليه ومرة إلى كلوزول - وقد أخبره هذا بأن المفتي كان على اتصال بالعرب وأنه كان يحاول إثارتهم ضد الإفرنسيين لذلك ألقى عليه القبض. وعندما ذهب إلى المفتي، نفى التهمة نفيا قاطعا. وأخيرا عرف خوجة السبب - الذرائعي - وقصه بشيء من العاطفة. فقد زار

стр. 535

أحد مترجمي الجيش الإفرنسي المفتي العنابي، وأعلن له أن (كلوزول) سيجلو عن الجزائر، وأنه ينوي تسليم مقاليد الحكومة إليك، فهل باستطاعتك أن تنظم جيشا وأن تعد قوة تهدىء البلاد وتدافع عنها؟. فأجابه العنابي: (بأنه سيبذل جهده في التنظيم عندما يحين الوقت) ثم سأله المترجم: (وهل ستصلك الجنود من داخل البلاد، أو أنك ستعتمد على قواتك في مدينة الجزائر وحدها؟) فأجابه العنابي: (سأجند عندما يحين الوقت من المدن ومن جميع أنحاء البلاد، وسيكون في استطاعتي أن أجند ثلاثين ألف رجل) ويؤكد خوجة أن المترجم المذكور قد أخفى شخصين ليشهدا على هذه المحادثة. وبهذه الوسيلة أوقع الإفرنسيون بالمفتي العنابي في الفخ - على حد زعمهم - ووجدوا له حجة من أجل إقصائه عن البلاد. وقد حضر خوجة وطلب من كلوزول أن يمهل المفتي بعض الوقت حتى يبيع أملاكه وينهي التزاماته. ولم يحصل له على عشرين يوما إلا بشق النفس وبتقديم ظمانات شخصية. وخلال هذه الفترة استطاع أن يبيع عقاراته وأثاثه ويقضي حوائجه ليغادر الجزائر بعدها إلى الإسكندرية. وقد كان اتخاذ مثل هذا الإجراء سببا لإسكارت السلطات التشريعية في البلاد كالقضاة ورجال الإفتاء، لأنهم لم يعودوا إلى الاحتجاج على خرق شروط التسليم خوفا من مصير كمصير المفتي العنابي.

стр. 536

٤ - الإدارة الإفرنسية وتكوين وحدات خاصة تلك هي بعض النماذج للمقاومة في الجزائر، وقد كانت هذه النماذج، على ضعفها، وعلى عيوبها مصدر قلق للإدارة الإفرنسية فعملت على إبعادها ونفيها. وقد أصبح هذا الأسلوب من الأساليب الثابتة التي طبقتها الإدارة الإفرنسية في كافة العهود المتتاليه (من كلوزول إلى دوروفيغو وحتى بيجو). وذلك بهدف السماح للأجهزة الإفرنسية بممارسة عملها في إجراء كل التغييرات بعيدا عن كل شغب أو اضطراب يعود لأسباب اجتماعية أو سياسية بين المواطنين. وإلى جانب ذلك، حاولت فرنسا تجنب دفع النفقات الباهظة التي يتطلبها الاحتلال، وبقاء قوات إفرنسية ضخمة، فعملت على إنشاء وحدات وطنية - جزائرية - تتكفل الإدارة الإفرنسه بتأمين طعامها وإقامتها ورواتبها. وقد اصطدم تشكيل هذه الوحدات في البداية بالكثير من المقاومة، غير أن القيادة الإفرنسية لم تيأس، فاستمرت في محاولاتها، متبعة في ذلك ذات الأساليب التي كان يستخدمها الأتراك في تنظيم الوحدات الجزائرية. وبدأ (دوبورمون) بتطويع الجنود من المتطوعين من قبائل (زواوة) (١) حيث

стр. 537

أكبر تجمع لقبائل جرجورة - ومن هنا ظهر أو اشتق اسم (الزواف) (١) وتم تشكيل الفوجين الأولين بناء على أمر (كلوزول) الصادر في الأول من تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٣٠. غير أن أعمال الفرار من هذين الفوجين قد أخذت في التعاظم، فكان الجنود يهربون بأسلحتهم وأعدتهم، وبلغ عدد الهاربين من الفوج الأول بتاريخ ١٥ شباط - فبراير - ١٨٣١ أكثر من ٢٢٠ رجلا من أصل (٥٢٩) رجلا. أما الفوج الثاني والذي لم يكن عدد أفراده قد تجاوز (٨٥) رجلا فقد بلغ عدد الهاربين منه (٦٤ رجلا) في التاريخ ذاته. ونتيجة لذلك تقرر دمج قوات الفوجين في فوج واحد (٢) غير أن أفراد هذا الفوح قد أظهروا باستمرار تعلقهم بقضيتهم الوطنية، ولم تتمكن القيادة الإفرنسية من قهر تطلعاتهم أو إبعادهم عن تقاليدهم الاجتماعية أو إضعاف عاطفتهم الدينية. وتطورت ظاهرة الفرار، بحيث أن عدد المتطوعين بلغ في سنة ١٨٣٣ - بعد ثلاث سنوات وعندما وصلت اللجنة الإفريقية إلى الجزائر - ما قوته (١١٤٤) شخصا لم يبق منهم في الخدمة الفعلية أكثر من (٣٦٣) جزائريا. لقد أرادت فرنسا توفير الدم الإفرنسي، وخوض الحرب بمقاتلين يعرفون طبيعة الإقليم، ويقاتلون قومهم بدون أن تتكفل فرنسا بأكثر من نفقات زهيدة، فعملت بعد ذلك على تشكيل سريتين من الفرسان (السباهيين)، ثم طورت ذلك إلى تشكيل فرق تضم المقاتلين المغامرين المرتزقة من كل الجنسيات والقوميات وأطلقت عليهم اسم (اللفيف الأجنبي - أو الفرقة الأجنبية - ليجيون ايترانجيه).

стр. 538

٥ - الإدارة الإفرنسية (من التردد إلى التصميم) اجتاحت القوات الإفرنسية الجزائر، وظهرت نوايا الإفرنسيين منذ البداية، فقد أخذت الأعمال العدوانية تمتد من المدن إلى القرى، ومن الساحل إلى الداخل، ورافق ذلك جهد لإبادة الشعب الجزائري بالجملة، ولم تقتصر عمليات الإبادة على إقليم معين، أو فئة من المواطنين، وكانت هناك خطة عسكرية واضحة ينفذها جيش الغزو بشن حرب متطرفة ذات طابع وحشي شاذ. ولم يعد الأمر مقتصرا على أعمال عسكرية في أيام محدودة، وإنما أصبحت الجزائر كلها مسرحا غارقا بالدماء تشتعل فيه النيران باستمرار. ولم تميز قوات الغزو بين الأشخاص والممتلكات، فالحرائق والسرقات والتخريب تختلط بالقتل والتعذيب. وليس ثمة تمييز بين الرجال والنساء والأطفال والشيوخ. وأدى ذلك إلى بروز الهوة السحيقة التي فصلت منذ البداية بين المواطنين والمستعمرين. ولم يعد باستطاعة الإفرنسيين معرفة المرتكز الذي يستطيعون الاعتماد عليه في إدارتهم للبلاد. فقد غادر معظم الأتراك البلاد، ولم يكن باستطاعتهم الاعتماد على العرب (المقيمين منهم أو الرحل). كما لم يكن باستطاعتهم الاعتماد على القبائل الجبلية الطموحة لحريتها، والتي

стр. 539

لا يمكن لها الخضوع للأجنبي. فكانت تلك أول عقبة جابهت الاسعمار. خلال تلك الفترة الحرجة، اندلعت نيران ثورة تموز - يوليو ١٨٣٠، فأطاحت بحكم ملك فرنسا (شارل العاشر) وحملت إلى الحكم (لويس فيليب). وظهر خلال ذلك احتمال استدعاء جيش الغزو إلى فرنسا، وترك البلاد التي فتحوها إلى أهلها وساكنيها. وتم بالفعل إرجاع (الكونت دوبورمون) وبعض الضباط القادة من هيئة أركانه، بالإضافة إلى إعادة بعض القوات. ولم يبق في الجزائر إلا قوات قليلة في عددها وعدتها، ضعيفة في قيادتها. وفي الوقت ذاته، أخذت أوروبا في متابعة أحداث فرنسا بقلق، خوفا من عودة أيام الثورة الكبرى إلى فرنسا، وندمت على أنها لم تتدخل ضد فرنسا عندما قامت بغزو الجزائر، حتى لا تمتلك المقدرة والموارد المالية والمواد الأولية التي تضمن لها المزيد من القدرة القتالية إذا ما تجددت حروب على نمط (الحروب النابوليونية).وشعر سفير فرنسا في لندن (تاليران) (١) بمخاوف رجال السياسة الأوروبيين، فحاول طمأنتهم، ونصح حكومته بأن تقوم بأعمالها في الجزائر بمنتهى الحذر والحرص والكتمان، وأن

стр. 540

تتجنب آثارة الرأي العام الأوروبي ضدها. ومن أشهر برقياته في هذا الصدد: (يجب أن لا تتكلموا أبدا عن الجزائر). حاول القادة الإفرنسيون أثناء ذلك القضاء على المقاومة الجزائرية بالقوة، على نحو ما سبق ذكره في حملات الإفرنسيين على (المدية) غير أنهم فشلوا في ذلك وقادهم هذا الفشل إلى استخلاص نتيجتين: الأولى: تجنب الإقدام على مغامرات غير محسوبة بدقة خشية تكرر الفشل. والثانية: أن المقاومة في الجزائر لم تضعف بالقضاء على حكم الداي العثماني. وأن السكان مصممون على الاستمرار في المقاومة (وهم أقوياء وشجعان ولديهم خبرات قتالية عالية). ونتيجة لذلك، وأمام الظروف الدولية، تقرر اللجوء إلى اتباع أساليب تبادلية تعتمد على المراوغة وكسب الوقت إلى أن تتوافر ظروف أفضل. مع القيام بإصلاحات إدارية تساعد على تحسين موقف الإفرنسيين. غير أنه كان من المحال تحقيق النجاح في هذه الإصلاحات، ذلك لأن فرنسا كانت ترسل إلى مستعمرتها فيما وراء البحار المغامرين من ضباطها وجنودها، وكانت تنظر إلى هذه الممتلكات الجديدة نظرة الجشع، فكانت تريد استثمار الجزائر بأعنف الطرف وأقل المصاريف، ومعاملة الجزائريين بالعنف والقسوة. وأدى ذلك إلى زيادة المقاومة، مما حمل الساسة الإفرنسيين على التردد، وطرح التساؤلات التي كان من أبرزها: هل يجب البقاء في الجزائر أم لا؟ وإذا كان لا بد من الاحتفاظ بها فما هي أفضل طريقة لإدارتها؟ وقد أجاب البارون. - منتلبير - على هذين

стр. 541

السؤالين في قصر اللوكسمبورغ - في آذار - مارس - سنة ١٨٣١ بقوله: (أن احتلال الجزائر هام جدا إلى درجة ان الوزير الذي يجرؤ على توقيع صك الجلاء يستحق أن يحاكم بتهمة الخيانة العظمى) وفي اليوم التالي أعلن مارشال فرنسا (في ١٠ آذار - مارس) أثناء مناقشة الميزانية الحربية: (أن الأمر الحقيقي هو أن نحتل الجزائر، ولا يوجد أي مجال لأي اعتراض بأن الحكومة تفكر في الجلاء عنها). وفي ١٩ شباط (فبراير) ١٩٣٢ - أعلن وزير الخارجيه الإفرنسية - الدوق دو بروغلي - (١) (لقد ظهر بعض القلق والحذر عما يشاع من وجود اتفاقات سياسية تمنع الحكومة من ممارسة ما تريده في الجزائر، وأنا أوكد لأعضاء مجلس النواب، بأنه لا يوجد أي تعهد مع أية دولة أخرى تجاه هذا الموضوع. وأن فرنسا هي مطلقة الحرية بالتصرف في الجزائر بما يتناسب مع شرفها (؟) ومصالحها). غير أنه كان من الصعب على الحكومة الإفرنسية تجاهل مجموعة العوامل التي باتت تجابه الموقف. وظهرت فكرة إرسال لجنة تحقيق واجبها دراسة الموقف على الطبيعة، وإعداد تقرير يتضمن اقتراحات واضحة حول مستقبل البلاد. وكانت العوامل التي أدت إلى تشكيل هذه اللجنة التي حملت اسم (اللجنة الإفريقية) هي: ١ - المناقشة الحادة التي جرت في البرلمان حول تخصيص ميزانية لمواصلة الحرب في الجزائر. ٢ - الحملة التي قام بها بعض

стр. 542

الجزائريين المنفيين - وبصورة خاصه حمدان خوجة - ضد تصرفات الإدارة الإفرنسية في الجزائر. ٣ - تهدئة ثورة الرأي العام الأوروبي المضاد لفرنسا وكسب الوقت. ٤ - تحديد موقف رسمي من قضية الاحتفاظ بالجزائر أو التخلي عنها. ٥ - دراسة الأساليب الممكنة والطرائق الناجعة لإدارة الجزائر. وقد أصدر المارشال (سولت) تصريحا أعلن فيه رسميا: (أن الهدف من تشكيل اللجنة هو جمع المعلومات التي تساعد الحكومة على معرفة الموقف العام للجزائر في حاضرها ومستقبلها). وافق ملك فرنسا (لويس فيليب) (١) على تشكيل هذه اللجنة في ٧ تموز - يوليو - ١٨٣٣ كما قرر الملك في الوقت ذاته أن تنضم هذه اللجنة بعد عودتها من الجزائر، إلى لجنة أخرى (أكثر اتساعا)

стр. 543

لاتخاذ القرارات المناسبة. وقد وصلت هذه اللجنة إلى الجزائر يوم ٢ - أيلول - سبتمبر - من السنة ذاتها. وبدأت عملها على الفور لتنفيذ تعليمات الحكومة التي حددت لأعضاء اللجنة مجموعة من التعليمات والنقاط التي ترغب الحكومة في معرفتها، والتي تتطلب منها إيجاد حلول للمشاكل الهامة التي كانت تواجهها الجزائر. كما أعطت الحكومة إلى (اللجنة الإفريقية) برنامج عمل مفصل تسير على ضوئه. وتبرز النقاط التي احتواها برنامج العمل المذكور أن الحكومة الإفرنسية قررت مسبقا ما ستفعله بالجزائر - الإبقاء على الاحتلال. وأن إرسال اللجنة المذكورة ما هو إلا محاولة لإعطاء موقفها صورة شرعية عادلة يكسبها شعبية واسعة ودعما جماهيريا (في فرنسا لا في الجزائر). وعلى هذا الأساس استقبلت اللجنة في اليوم التالي لوصولها أرض الجزائر ممثلي السلطات العسكرية والمدنيه في الجزائر، وأعضاء الغرفة التجارية، ولجنة استعمار الأراضي، ووفود المستوطنين الإفرنسيين - الكولون - ووفد التجار الأوروبيين، ووفد أعيان العرب الحضريين - المور - بالإضافة إلى وفد عن يهود الجزائر. قسمت اللجنة الإفريقية عملها على أفرادها بحسب اختصاصاتهم، فاختص رئيسها (الجنرال بوني) (١) بالمسائل العسكرية، والجنرال (مونفور) (٢) بالطرق والقناطر، والسيد (دوفال داي) (٣) بالبحرية. والسيد (لورانس) (٤) بالإدارة والتشريع والقضاء. والسيد (د. أوبرسار) (٥) بالمالية والضرائب والعقارات.

стр. 544

والسيد (وينار) (١) بالتحارة والصناعة والجمارك، والسيد (دي لا بينسونيير) (٢) بالزراعة واستثمار الأراضي. وبقي نائب البرلمان (بيسكاترري) (٣) كاتبا للجنة. كانت (التعليمات) التي سلمتها الحكومة إلى اللجنة تحتوي على ٢٤ صفحة وفيها أسئلة كان على اللجنة أن تجيب عليها، ومنها: هل تحتفظ فرنسا بالجزائر أو تتخلى عنها؟ وفي الحالتين: ما هي فائدة فرنسا؟ ثم ما هي طريقة العمل المناسبة إذا كان الاحتفاظ بالجزائر هو الحل المقترح؟ وما الوسائل التي يجب على الحكومة استخدامها لتنفيذ الاقتراح؟ وكانت التعليمات أيضا تقضي بأن تشرح اللجنة جميع أوجه الحالة الراهنة في الجزائر. مع وصف حالة السكان الجزائريين، وطبقاتهم الاجتماعية وحالة الأراضي. والأمر الواضح هو أن مهمة اللجنة قد حددت بالبحث عن الرسائل للاحتفاظ بالجزائر على ضوء تجربة السنوات السابقة وليس الإجابة على ما إذا كان الاحتفاظ بالجزائر جائزا أو ممكنا. عقدت (الجنة الإفرقية) أول جلسة عمل لها يوم ٦ أيلول (سبتمر) ١٨٣٣، ثم انطلقت بعد ذلك للقيام بجولة في مدينة الجزائر وضواحيها، فزارت المؤسسات العامة، وسهل متيجة متنقلة من (الحميز) إلى (البليدة) وأثناء ذلك زارت المراكز العسكرية، وتنقلت في الطرق الجديدة باحثة عن المنشآت الصناعية التي قيل لها أنها قد أقيمت فوق أرض الجزائر. وفي ١٤ من أيلول - سبتمبر -

стр. 545

قامت اللجنة بزيارة (عنابة) وتجولت في بعض مناطقها التي أصبحت خاضعة للإفرنسيين. وفي ٤ تشرين الأول - أكتوبر - ذهبت إلى مدينة (وهران) وتجولت في ضواحيها. وزارت خليج (أرزيو في ١٥ تشرين الأول - أكتوبر -. وحاولت زيارة (مستغانم) غير أنها لم تتمكن من ذلك. وفي ١٦ من الشهر المذكور، زار بعض أعضاء اللجنة مدينة (بجاية) التي كان الإفرنسيون قد استولوا عليها حديثا. وأخيرا عادت اللجنة إلى مدينة الجزائر في ٢٣ تشرين الأول - أكتوبر -، لتبدأ في اليوم التالي جلساتها التي بلغ عددها (٣٠) جلسة. تمت خلالها مناقشة الموقف من كل النواحي. وكانت العلاقات مع العرب هي أساس البحث فطرحت مناقشة الموقف من ثلاث زوايا: ١ - اتباع سياسة المهادنة - اللين - مع العرب حتى يمكن دمجهم في المجتمع الأوروبي الجديد. ٢ - مواصلة الحرب ضدهم دونما أي هوادة حتى تتم إبادتهم أو دحرهم وإبعادهم عن المناطق التي احتلتها القوات الإفرنسية أو التي ستقوم باحتلالها. ٣ - إحلال التشريعات الإفرنسية محل التشريعات المحلية بهدف إبعاد العرب تدريجيا عن المناطق التي تدخل تحت السيطرة الإفرنسية. تلخصت أفكار اللجنة الإفريقية ووجهات نظرها بالتالي: ١ - أن السلطة الإفرنسية بالجزائر غير ملزمة بالاتفاقات التي يتم عقدها مع الوطنيين الجزائريين باعتبار أن هذه الاتفاقات والمعاهدات تدخل في إطار (استراتيجية الحرب وليست سلاما دائما). ٢ - من المحال أن تطبق فرنسا النظام الذي كانت تتبعه الإدارة العثمانية، لأن الأتراك كانوا على دين العرب ولهم نفس العادات

стр. 546

والتقاليد العربية. ولذا يجب على فرنسا تطبيق النظام والتقاليد الإفرنسية. ٣ - إحلال جاليات غربية محل السكان الأصليين، وإفساح المجال لغير الإفرنسيين للهجرة والاستيطان في الجزائر على أن تعطى الأفضلية للإفرنسيين. ٤ - تركيز جميع السلطات في الجزائر - المدنية منها والعسكرية - في قبضة سلطة عليا، هي سلطة الحاكم العام الذي اقترحت اللجنه إيجاد منصبه. مع تحديد صلة كل وزارة إفرنسية بهذا (الحاكم العام) مع تشكيل مجلس بلدي يساعده في عمله، وتكوين هيئة إدارية تشابه في تكوينها النظام المتبع في فرنسا (الوطن الأم.) ٥ - الاحتفاظ بالجزائر تحت اسم (الممتلكات الإفرنسية في إفريقيا). ٦ - تشكيل المجلس البلدي من عناصر مختلطه فيها ممثلين عن العرب واليهود على ألا يزيد عدد العرب عن عدد الإفرنسيين، ومهمة المجلس النظر في أمور الإدارة المحلية. عادت هذه اللجنة بعد ذلك إلى فرنسا، فشكلت لجنة أكبر، عقدت أول جلساتها في ٢٢ كانون الأول - ديسمبر ١٨٣٣ ثم استمرت هذه الجلسات التي زادت على ٥١ جلسة انتهت في شباط - فبراير - ١٨٣٤. وأقرت اللجنة معظم مقترحات (اللجنة الإفريقية). وكان من أبرز النقاط في قرار (اللجنة الموسعة) ما يلي: ١ - الاحتفاظ بالمؤسسات الدينية الخيرية، حرصا من اللجنة

стр. 547

على تأمين الموارد الاقتصادية للخزينة الإفرنسية، حيث قدر الدخل السنوي لأملاك (مكة والمدينة) بمبلغ (٤٠٠) ألف فرنك فيما إذا تمت إدارة هذه الأملاك بصورة جيدة (١). ٢ - أوصت اللجنة بجعل الجزائر كلها أملاكا إفرنسية - دائمة وثابتة - وأنه يجب على فرنسا ألا تبقى في المدن الساحلية فقط، بل يجب عليها جعل تلك المدن مراكز أمامية لإمداد الجيش بضرورة حملات عسكرية توسعية في داخل البلاد لإخضاع كامل البلاد للسيطرة الإفرنسية. ٣ - مقاومة كل فكرة للتخلي عن الجزائر: (إذ أن التخلي عنها هو إهانة جديدة لشرف فرسا (؟) علاوة على أنه يشكل صدمة لذاتية الأمة الإفرنسية الشرعية مما يؤدي أيضا إلى التضحية بالتجارة وبالتوسع السياسي لفرنسا وإلى تحطيم الآمال) وهكذا فحين جرى التصويت في البرلمان الإفرنسي جاءت النتيجة ١٧ صوتا لصالح الاحتفاظ بالجزائر مقابل صوتين لصالح التخلي عنها. وظهر للجزائريين قبل كل شيء، وللعالم كله، أن القضية ليست قضية تأديب (للداي حسن باشا) أو إخراج للأتراك من الجزائر يتبعها انسحاب إفرنسي، وإنما القضية قضية (احتلال واستعمار استيطاني). وأسفرت فرنسا عن وجهها بعد تردد، وأظهرت تصميمها على متابعة الطريق على الرغم من بعض الاحتجاجات في فرنسا ذاتها. مثل النائب الذي رفع صوته عند

стр. 548

مناقشة قضية الجزائر في البرلمان الإفرنسي ليقول: (أن احتلال الجزائر ليس إلا محاولة جنونية، وهو هوة سحيقة تستنزف جميع خيرات البلاد الإفرنسية) أو قول مقرر الميزانية الحربية عند مناقشة موازنة سنة ١٨٤٣: (إنني أفضل أن استبدل الجزائر يأجمعها بكوخ صغير من أراضي الراين). خلال تلك الفترة من سنة ١٨٣٤، لم تكن فرنسا قد سيطرت عسكريا إلا على المنطقة الساحلية، فقد احتلت وهران (سنة ١٨٣٠) في الغرب وتبعتها مستغانم وأرزيو (سنة ١٨٣٣). وكانت مدينة الجزائر وأطرافها بأيديهم في الوسط. أما في الشرق، فقد خضعت عنابة (بونه) لحكم متناوبا للسلطات الوطنية والإفرسمة، إذ احتلها الإفرنسيون مرات متعاقبة وأخلوها بعد أن مني الإفرنسيون بخسائر جسيمة، وصلت أحيانا إلى حد ذبح الحامية الإفرنسية بكاملها. أما بين عنابة والجزائر، وفي موقع متوسط بينهما، فقد كان هناك خليج بحري تقوم بجنوبه (بوجي) التي احتلتها في سنة ١٨٣٣ حملة إفرنسية جاءت إليها من فرنسا مباشرة. غير أن قوات هذه الحملة بقيت محاصرة داخل المدينة، حيث كان رجال القبائل المنتشرين على مقربة منها يهاجمون القوات الإفرنسية باستمرار. ولم يكن من السهل إخضاع هذه القبائل أو مخالفتهم. أو اجتياز الطرق عبر أراضيهم، فبقيتا القوات الإفرنسية محاصرة فوق أرض الساحل. ولقد حاول الإفرنسيون التوسع نحو الداخل، غير أن تقدمهم كان بطيئا جدا بسبب المقاومة المتصاعدة. ولم تكن سهول متيجة (متوجة) في جنوب مدينة الجزائر هادئة أو خاضعة خضوعا تاما للإفرنسيين وذلك بسبب سيطرة القبائل العربية العديدة على أرض هذا السهل.

стр. 549

﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (*) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (سورة الأنفال الآية ٢٦ و ٢٧). الفصل الثالث ١ - في النظرية الاستعمارية. ٢ - في الجهاد - والمقاومة.

стр. 550

١ - في النظرية الاستعمارية تبرز عملية احتلال فرنسا للجزائر النموذج المتكامل للحروب الاستعمارية والتي تضم ذماذج متنوعة من الأعمال القتالية التي تؤدي بطبيعتها لاندلاع (الحروب الثوروية). وتعتبر عملية غزو الجزائر بسيطة في خطوطها العامة، حيث قام (فيلق الغزو) بتركيز ثقل هجمته على نقطة معينة من أرض الساحل، ثم نظم قاعدته للقيام بهجوم حاسم ضد كتلة القوات الرئيسية، ووقعت قيادة هذه القوات بالخطيئة القاتلة، حيث بالغت كثيرا في تقويم قدراتها الذاتية وتجاربها القتالية، مما أدى بها إلى الاستهانة بقوات الغزو التي لم تقدم على تنفيذ كل خطوة من خطواتها إلا بعد دراسة دقيقة للموقف وإلا بعد جمع معلومات كافية لطبيعة مسرح العمليات وقدرات الوطنيين وإمكاناتهم القتالية وأساليبهم الخ ... وهكذا، ومقابل استهانة (الداي حسين) بقوات الخصم، كان قائد قوات الغزو (دوبورمون) يعرف مراحل عملياته بدقة، فكانت المعركة الرئيسية في (اسطاوالي) اختبارا قاسيا لحوار الإرادات المتصارعة ولحوار الأسلحة المتفوقة في الوقت ذاته، وقد أفادت قوات الغزو من تفوق وسائلها النارية وكثافة قواتها لمجابهة قوات تفتقر إلى

стр. 551

التنظيم الصحيح وإلى وسائل القتال المناسبة. وفي الواقع، فقد كانت الإمكانات القتالية فوق أرض الجزائر متوافرة، غير أنه لم يتم حشدها بكاملها فاستطاعت القوات الإفرنسية أن تلتهم القوات التي كان يتم تقديمها على مراحل متتالية. أخذت قوات الغزو بعد ذلك في التوسع (على طريقة بقعة الزيت) أو (الخرشوفة). وقد أصيبت خلال هذه المرحلة بمجموعة من الانتكاسات والهزائم الناجمة عن تعاظم المقاومة، وعندئذ لجأت السلطات الاستعمارية إلى أساليب تبادلية تمزج بين (الصراع السياسي) الصراع العسكري) وذلك عن طريق تهدئة بعض الجبهات لتركيز الجهد على جبهة واحدة، يتم تدمير المقاومة فيها، ثم يتم الانتقال إلى منطقة أخرى، وهكذا. لقد عملت فرنسا في تنفيذ (نظرية الاستعمار) بعزل الجزائر أولا عن العالم الخارجي (وسبقت الإشارة إلى أن (أحمد باي قسنطينة) كان يجد صعوبة حتى في إرسال رسائله إلى دار الخلافة - في إستانبول - بسبب هذا الحصار - كما عزلت الجزائر عن جوارها (تونس والمغرب) وبذلك أمكن لها تركيز كل ثقلها العسكري ضد الجزائر. وتم تطوير هذه النظرية فوق أرض الجزائر ذاتها، فكانت الإدارة الإفرنسية تقود عملياتها ضد كل أقليم، أو حتى كل مدينة، بمعزل عن بقية مراكز المقاومة، وساعد في نجاح هذه الخطة ما كان بين قادة مراكز المقاومة من تناقضات استثمرتها الإدارة الاستعمارية إلى أبعد الحدود، حتى أنها استطاعت تدمير المراكز الثوروية عن طريق ضرب بعضها ببعض مما أدى إلى إضعافها جميعا. انصرفت الإدارة الاستعمارية بعد ذلك لتأمين (هدف

стр. 552

الاستعمار) وتحقيق (النهب الاستعماري) وهو ما عبر عنه سفير السويد بقوله: (كان من ينظر إلى نقل المغانم إلى فرنسا يظن أن فرنسا على وشك الجلاء، في حين كان من ينظر إلى إقامة الحاميات وشق الطرق وتدعيم التحصينات يعرف أن فرنسا باقية في البلاد) ولقد استمرت هذه الظاهرة في الواقع، مرافقة للعهد الاستعماري طوال فترة الاستعمار. وقد حاولت فرنسا منذ البداية تنظيم إدارتها على الأسس التالية: ١ - الاعتماد على فئات الأقليات في البلاد - أو تلك القوى الوطنية والمراكز الدينية - التي يمكن لها تقديم الدعم للإدارة الاستعمارية، ولو بصورة مرحلية، من أجل إدارة البلاد مع إبقاء هذه الفئات أو العناصر المتعاونة مع الإدارة الاستعمارية تحت المراقبة الشديدة. ٢ - تشكيل قوات عسكرية من أبناء البلاد، للتخفيف من أعباء النفقات الاستعمارية من جهة، ولتوفير القدرة البشرية الاستعمارية. مع محاولة اقتلاع هذه القوات من بيئتها وعزلها حتى تصبح أكثر طواعية لتنفيذ الإرادة الأجنبية المضاده بطبيعتها للإرادة الوطنيه (الزواف - واللفيف الأجنبي .. الخ ...). ٣ - عدم السماح بتشكيل مراكز القوى، ومحاولة التدمير المستمر لهذه المراكز (سياسيا وعسكريا) بكل الأساليب المتوافرة للإستعمار من نهب وتشريد وتوجيه اتهامات ملفقه ومزورة. ٤ - تدمير مواقع الصمود المعنوية، ومن هنا فقد جاء الهجوم على المساجد وأماكن العبادة والحملة الصليبية على الإسلام كوسيلة وغاية في وقت واحد، وسيلة لإضعاف المقاومة الجزائرية

стр. 553

من جهة، وغاية (في إطار الحروب الصليبية الشاملة) التي تضمن تأمين عملية النهب الاستعماري. ٥ - تطوير عملية (الهجرة والاستيطان) في محاولة لإيجاد مراكز قوى يمكن الاعتماد عليها بصورة ثابتة لتحقيق هدف مزدوج (تأمين النهب الاستعماري والتوسع فيه) و (تخفيف نفقات النهب الاستعماري) بتحميل هؤلاء المستوطنين قسما من أعباء الدفاع. ٦ - الإفادة من الانتصارات التي تحرزها القوات العسكرية لدعم مبدأ الاستعمار (تفوق الرجل الأوروبي - الأبيض) وتعزيز (الهيبة الاستعمارية للقوة التي لا تقهر). وإعادة ذلك إلى (تفوق الديانة المسيحية) وفضائلها وكذلك التقدم الحضاري للغرب والذي يقابله التخلف الحضاري والوحشية للعرب والمسلمين بصرف النظر عن المضامين الحقيقية لهذه الشعارات، وينخدع المواطنون - بعضهم بداهة - فيصدقون المزاعم الاستعمارية، وينتقلون بصورة طبيعية إلى المعسكر المضاد للتطلعات الوطنية والقومية ويصبحون - ولو إلى حين - في الخندق المعادي لأمتهم. المثير في الأمر هو تبدل الإدارات الإفرنسية بسرعة مذهلة خلال مرحلة الغزو الاستعماري للجزائر، فقد سقط شارل العاشر مع بداية مرحلة الهجمة الاستعمارية، وتغيرت أنظمة متتالية، وفي الوقت ذاته تبدلت الأجهزة القيادية العسكرية تبدلا سريعا سواء بنتيجة التحولات السياسية في فرسا، أو بسبب الفشل الذي كان يلاحق عمليات الغزو. وعلى الرغم من ذلك، وعلى الرغم أيضا من ظواهر التخبط، فقد بقي هناك محرض ثابت يكمن وراء الغزو والتوسع: أولها: وجود محرض عسكري خلفته الثورة الإفرنسية للتوسع

стр. 554

فيما وراء البحار، فقد كونت الثورة وما أعقبها من حروب (الحروب النابوليونية) أجهزة عسكرية ضخمة تطمح لإثبات وجودها من جهة وللتعويض عما فقدته فرنسا في عهود الملكية من مستعمرات فيما وراء البحار (انتزعتها من قبضتها بريطانيا بفضل قدرتها العسكرية المتعاظمة في البحر). ومن الملاحظ أن معظم القادة (الجنرالات) كانوا من الذين خاضوا الحروب تحت راية نابليون بونابرت. ثانيها: وجود محرض اقتصادي أبرزته القدرة الصناعية المتعاظمة والحاجة للأسواق الخارجية وظهر ذلك بوضوح تام منذ أن وطئت أقدام الغزاة أرض الجزائر. ثالثها: وجود محرض ديني يشكل حافزا قويا لتغطية عملية الاستعمار القذرة بغطاء ديني (إيديولوجي) فاصل، واستخدام هذا الحافز لتحريض المقاتلين على تنفيذ عملياتهم بوحشية وقسوة (وهذا ما يترجم أو يفسر عملية الإبادة الوحشية للمسلمين والإعتداء على مقدساتهم ومساجدهم وأوقافهم). وعلى الرغم من أن هذا المحرض قد يحتل المرتبة الثالثة بعد العاملين السابقين، إلا أنه احتل المرتبة الأولى عند التطبيق العملي والممارسة الواقعية، وذلك لأن النجاح في تحقيق أهداف المحرضين أو العاملين السابقين إنما يرتبط بالقدرة على تدمير المقاومة الجزائرية. وتدمير هذه المقاومة يرتبط بدوره بحرمانها من قاعدتها الدينية الصليبية وإضعاف هذه القاعدة بإحلال قيم جديدة تحمل ظواهر (حضارية) خادعة. وعندما يتساوى الطرفان المتصارعان - أو يلتقيان - على القاعدة المعنوية الجديدة، يبقى التفوق المادي في قبضة الإرادة الاستعمارية التي يمكن لها حسم الصراع النهائي لمصلحتها.

стр. 555

غير أن الوصول إلى هذا الهدف، يتطلب وجود تفوق حقيقي - لا وهمي - وقد كانت فرنسا تتفوق على الجزائر تفوقا وهميا (في حجم القوى وفي القدرة القتالية وفي المستوى العلمي والاجتماعي) ومن هنا كان من الصعب على فرنسا إقناع الجزائر بقصورها وتخلفها أو بضعف قاعدتها الدينية فكان لابد - بالتالي - من استخدام وسيلة الإكراه بالقمع والقوة لتكوين هذه القناعات الجديدة، مع إيجاد الوسائل الكفيلة بدحر الجزائر في هذه المجالات. وهذا ما يفسر أساليب الإدارات الإفرنسية المتتالية لتعميم الجهل ولإفقار الشعب الجزائري (وتجويعه) حتى يستكين للإدارة الاستعمارية. ومن الملاحظ أن الأسس والعوامل هذه والتي رافقت الاستعمار منذ بدايته قد استمرت وتطورت بصورة منهجية وثابتة طوال عهود الاستعمار، على الرغم مما كان بين هذه العهود من متناقصات ومفارقات مثيرة.

стр. 556

٢ - في الجهاد والمقاومة لم تكن الجزائر المجاهدة (المحروسة) يوم اجتاحتها جحافل الغزاة البرابرة بالبلد الفارغ من القدرة (فقد كان سكانه في حدود العشرة ملايين). ولم يكن أفراد شعبه بالجهلة، (فقد كان معظم أبنائه من المتعلمين الذين يجيد أكثرهم القراءة والكتابة) وإذا كانت بعض التخصصات العلمية مفقودة، فقد كان هناك ما يملأ هذا الفراغ من الخبرات الطبية المتوارثة والتي عادت اليوم للظهور رغم كل تطور علمي وتقني (التداوي بالأعشاب والطرائق الطبيعية الخ ..) ولم يكن الشعب الجزائري فقيرا، أو بائسا، فقد كانت موارده وفيرة وتجارته مزدهرة بحسب كل الشواهد المتوافرة. ولم يكن أفراد هذا الشعب يجهلون استخدام السلاح، إذ كانت لهم خبراتهم القتالية بسبب ممارساتهم المستمرة للجهاد في البر والبحر. من هنا ظهرت الصعوبة الأولى التي جابهت الإرادة الاستعمارية والتي أصيبت بالإحباط إذ أنها لم تتمكن بعد انتصارها الأولي من الحصول على انتصارات سهلة ورخيصة. ولكن على الرغم من ذلك، فلا بد من الإشارة إلى الثغرات التي ظهرت في

стр. 557

أوساط المقاومة وأضعفتها، مما ساعد الإرادة الإفرنسية على تنفيذ مخططاتها الاستعمارية: ١ - خاضت قوات المقاومة معاركها بصورة متنافرة، ومتضادة في معظم الأحيان، وكان كل مركز من مراكز القوى هذه يعتقد في نفسه القدرة على مجابهة (جيش الغزو). وقد استطاعت بعض المعارك الظافرة من تعزيز هذا الشعور بالقوة الوهمية. وتجاهلت قيادات مراكز هذه القوى الإرادة الواحدة الموجهة للقوى الاستعمارية والتي يمكن لها باستمرار تأمين تفوق بالقوى وبوسائط القتال لإحراز نصر عسكري حاسم. ٢ - لم تفد مراكز القوى المقاومة من تجاربها القتالية السابقة، فقد أمكن لها تحقيق الانتصارات في معاركها باستمرار عن طريق استنزاف قدرة العدو قبل الانتقال للمعركة الحاسمة. في حين خاضت فرنسا معاركها في هذه المرة بطريقة الجزائر ذاتها، حيث عملت على استنزاف القدرة الجزائرية في معارك متتالية قبل الوصول إلى الحسم. وكانت موارد فرنسا تسمح لها بالتعويض عما تفقده في حروب الاستنزاف فى حين كانت وسائل المجاهدين محدودة في التعويض عن خسائرهم، وهذا ما يفسر انهيار قيادات المقاومة بعد خسارة كل معركة حاسمة. ٣ - خاضت الجزائر معاركها السياسية بمعزل عن معاركها العسكرية، ولقد تولى (حضر الجزائر) قيادة الصراع السياسي مع السلطات الاستعمارية بصورة إفرادية، وبصورة منعزلة تقريبا عن القيادات العسكرية في الأقاليم. ومن هنا كان الطابع العام للصراع السياسي فرديا. وقد أسهمت الإدارة الاستعمارية بتعزيز هذه الفردية

стр. 558

لإضعاف كل تكتل سياسي، فكان الجزائريون يقولون ما يريدون وتفعل الإدارة الاستعمارية ما تريد. ٤ - لقد رافق عزل الجزائر عسكريا ضرب نطاق مماثل من العزلة السياسية. فأمكن بذلك إضعاف المقاومة معنويا، الأمر الذي انعكس على القدرة القتالية للمجاهدين. ٥ - ساعد هذا المناخ على ظهور المغامرين والطامعين والانتهازيين الذين أسهموا في إضعاف قدرة الجزائر على الصمود والمقاومة. وشكلوا طابورا خامسا لمصلحة أعداء البلاد. وعلى الرغم من (صحوة كثير من هؤلاء) غير أن عودة الوعي جاءت متأخرة فانتهى الأمر بهم إلى نهايات مأساوية إذ أصبحوا منبوذين داخليا ومنبوذين من الإدارة الاستعمارية بعد أن استنزفت غايات وجودهم. ٦ - مارست الأقلية اليهودية دورا كبيرا في تثبيت دعائم الاستعمار الإفرنسي في الجزائر بفضل تحالفها معه، وعلى الرغم من أن (فكرة الصهيونية) لم تكن قد ظهرت بعد، إلا أن تجربة يهود الجزائر قد أفسحت المجال أمام (المخططات الاستعمارية) للإفادة من هذه التجربة وتطويرها خلال مرحلة المد الاستعماري عبر العالم العربي - الإسلامي. ٧ - لم تحاول المقاومة الجزائرية، ولو مجرد محاولة، مهادنة الاستعمار الصليبي، فقد عرفت بفضل خبراتها المتوارثة، وبفضل عقيدتها الإسلامية الصلبة، ما يراد لها عبر الهجمة الصليبيه الشرسة، فانسحب من وجه الاستعمار، وتقوقعت في عزلتها، محتفظة بأصالتها الثوروية، متمسكة بقواعد ثباتها وصمودها،

стр. 559

مجاهدة بكل قدراتها على إحباط مخططات أعداء الدين - مختارة في كل مناسبة الطرائق المناسبة، فإذا كانت قد عجزت عن إيقاف الزحف الصليبي على الجزائر المحروسة إلا أنها لم تعجز عن ازدراء هؤلاء الصليبيين (بالسلبية والصمت). ٨ - وكما كان شعب الجزائر المجاهد هو المحرض على الجهاد، وهو الذي يوجه التيار أمام القادة في عهود النصر (أيام الأتراك العثمانيين ضد الإسبانيين، وخلال أعمال الجهاد في البحر). فقد بقي هذا الشعب هو المحرض على الجهاد أيام الانتكاسات والهزائم؛ إذ انه كان يتحرك خلف القيادات الأكثر إخلاصا والأكثر إلتزاما بحمل أعباء الجهاد في سبيل الله. وهذا ما يفسر على سبيل المثال قدرة (باي قسنطينة) على الصمود طويلا، رغم كل الظروف الصعبة التي كانت تحيط به. وعلى الرغم من كل المؤامرات الداخلية والخارجية. قد يكون من المثير بعد ذلك ملاحظة هذه العوامل، ومراقبة تطوراتها عبر الصراع الطويل الذي خاضته الجزائر المجاهدة طوال ليل الاستعمار. لقد انتصرت فرنسا في الجولة الأولى، وأسقطت (الداي حسين باشا) غير أنها لم تتمكن من الانتصار على شعب الجزائر. وتمكنت من تمزيق القيادات الجزائرية، غير أنها لم تتمكن من تمزيق الشعب الجزائري. ونجحت في تكوين فئة من العملاء، غير أنها لم تتمكن من تحطيم ما يملكه الشعب من أنفة وكبرياء ودمرت المساجد الإسلامية غير أنها لم تتمكن من إضعاف المسلمين ونهبت ثروات الجزائر

стр. 560

وما فوق أرضها، غير أنها لم تتمكن من سحب الأرضية الصلبة من تحت أقدام المجاهدين في سبيل الله. لقد أصيبوا بهزيمة، ونزلت بهم نازلة، غير أن القاعدة الإسلاميه أقوى من كل هزيمة وأكبر من كل نازلة، فكان لا بد من الاستمرار في حوار الإرادات عبر صراع مرير لم تعرف له البشرية مثيلا في ضراوته وعنفه وقسوته. وكان من المحال على شعب الجزائر الاستمرار في الصمود والمقاومة لولا التزامه (بحروب الإيمان).

стр. 561

﴿﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (*) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة الصف الآية ٧ و٨). قرءات ١ - قمة اليهودي ومروحة (دوفال) ٢ - نداء (دوبرمون) إلى أهالي الجزائر عشية الغزوة الصليبية الإفرنسية. ٣ - معاهدة الإستسلام التي وقعها الداي (حسين باشا) يوم ٤ تموز (يوليو) ١٨٣٠ م. ٤ - من تقرير (اللجنة الإفريقية سنة ١٨٣٣). ٥ - رسائل وثائقية (للحاج أحمد باي قسنطينة).

стр. 562

- ١ - قصة اليهودي ومروحة دوفال كانت الحكومة الإفرنسيه تشتري ما تحتاجه من المواد الغذائية من الموانىء الجزائرية بطريقة مباشرة. وتولت ذلك (الشركة الملكية الإفرنسية) ثم (الوكالة الوطنية الإفرنسية) (١) التي كانت تدفع ثمن ما تشتريه إلى الحكومة الجزائرية. ثم غيرت فرنسا طريقة الدفع - أثناء حكومة المؤتمر - فلجأت إلى التاجرين اليهوديين - بكري وبوشناق - ليقوما بالدفع إلى الحكومة الجزائرية نيابة عن الحكومة الإفرنسية. كان (ميشيل كوهين بكري - المعروف باسمه المستعرب ابن زاهوت) قد أقام تجارة له في أوروبا قبل أن يفتح له مركزا في الجزائر سنة (١٧٧٠م). وكان هذا المركز متواضعا في البداية، غير أنه لم يلبث أن ازدهر بسرعة عندما انضم إليه الإخوة اليهود الثلاثة لبكري - ابن زاهوت - وابنه داوود، وصهره نافتالي بوشناق (المعروف باسمه

стр. 563

المستعرب أيضا - بوجناح - والذي كان بدوره من أسرة لها علاقات تجارية في الخارج وجاءت إلى مدينة الجزائر سنة ١٧٢٣ تقريبا). اعتمد (بوجناح) الأسلوب الذي أتقنه اليهود في جمع الثروة واكتنازها، ووجد ضالته في تلك البيئة المتحللة من القيم الدينية والاجتماعية، وهي متوافرة في كل مجتمع وكل زمان، وقد مثلها في تلك الفترة طبقة من حكام الجزائر، وقد حفظ تاريخ الجزائر نماذج - عينات - من تلك الفئة. منهم على سبيل المثال (مصطفى بن عصانجي) (باي التيطري بين ١٧٧٥ - ١٧٩٥) الذي كان يخشى غضب الباشا عليه بسبب رحلاته الرتيبة إلى مدينة الجرائر في كل ثلاث سنوات، مما حمله على اعتزال الناس حتى لم تعد له الجرأة على مقابلة أحد. وهنا قام (بوجناح) بالوساطة وشجعه ومنحه ما يحتاجه من المال وتوسط له عند الباشا حتى تم تعيينه بايا (حاكما) على قسنطينة. وحفظ (مصطفى بن عصانجي) في نفسه هذا الجميل وقدره، فجعل من (بوجناح) موقع ثقته ورجل أعماله، مما مكن (بوجناح) من استثمار نفوذه وسلطته للحصول على الثروة. ويذكر هنا أن (الباي مصطفى) أراد أن يتقدم بهدية ثمينة إلى امرأة الباشا فطلب من (بوجناح) أن يأتيه بهدية ثمينة تعرف في الجزائر باسم (الصريمة) فجاءه بها وثمنها (٣٠) ألف فرنك. ولم يدفع له الباي ثمنها، وإنما أعطاه بالمقابل (٧٥) ألف كيلة قمح بسعر الكيلة الواحده أربع فرنكات. وحمل (بوجناح) القمح وباعه في فرنسا - وكان محتكرا لتجارة الحبوب - فبلغ ربحه من هذه الصفقه (٣,٤٥٠،٠٠٠) فرنك فرنسي. وبذلك ازدهرت تجارة (بكري) و (بوجناح - بوشناق) تحت حماية بعض الباشوات (مثل حسن ومصطفى) وأصبح نفوذ اليهوديان

стр. 564

(بوجناح) و (ابن زاهوت) قويا في كل المجالات الحيوية في دولة الجزائر. وكانا على علم بأحوال البلاد الداخلية، وكانا يتجسسان على المواطنين الجزائريين لصالح الحكام. وإذا كان (ابن زاهوت) قد حدد فعالياته في مجال التجارة، فإن (بوجناح) قد تجاوز ذلك إلى حدود نشاط الدولة، فكان يرفع الموظفين والبايات ممن يخضعون له ويدمر من يقاومه أو يعترض سبيله، مما جعل الجزائريين يطلقون عليه اسم (ملك الجزائر). وبلغ من نفوذه أنه كان يستقبل هو وزملاءه - باسم الباشا - القناصل الأجانب، كما فعل مع قنصل الدانمارك والسويد وهولاندا (سنة ١٨٠١ م) كما قام هو وشركاءه اليهود بالمفاوضات من الجزائر والبرتغال. وفي سنة (١٨٠٤ م) استقبل مبعوث السلطان إلى الجزائر. وتجاوز نشاط اليهوديين الحزائر، وتطور ليشمل البحر الأبيض المتوسط، فأصبحت لهما مراكزهما التجارية في مرسيليا وجنوا ونابولي وأزمير والإسكندرية وتونس وليفورنيا وقرطاجنة (الإسبانية) ومنطقة الراين وبلجيكا. وأصبح لهما بالتالي نفوذهما الواسع لدى الدول الكبيرة أو الصغيرة نظرا لما كانا يقدمانه من قروض - وعمولات - للمتعاونين معهما. وكان هذين اليهوديين مدينين للدولة الجزائرية في حين كانت فرنسا مدينة لليهوديين بمبلغ تم تقديره في سنة ١٧٩٥ م بمبلغ مليونين من الفرنكات. أما دين اليهوديين للجزائر فقدر بمبلغ (٣٠٠) ألف فرنك. وعين اليهوديان ممثلا لهما في مرسيليا هو (يعقوب البكري) الذي لم يلبث أن نقل نشاطه إلى باريس. وقد ثار الرأي العام الإفرنسي ضد نفوذ اليهود الجزائريين في فرنسا، ولكن الوزير الإفرنسي (تاليران) الذي كسبه اليهود، تدخل لمصلحتهم، وحمل الحكومة الإفرنسية على التراجع عن تنفيذ الإجراءات التي كانت

стр. 565

تعتزم اتخاذها ضدهم. كان من نتيجة ذلك، أن تورطت الحكومة الجزائرية في قضية الدين الإفرنسي المتوجب دفعه لليهود، إذ كتب (حاكم الجزائر مصطفى باشا) إلى (تاليران) يطلب إليه أن تقوم الحكومة الإفرنسية بدفع الدين الذي عليها إلى رعاياه اليهود، وأصبحت قضية الدين مطروحة على المستوى الحكومي. وأصبح (سيمون أبوقية) بعد فترة، هو ممثل تجارة يهود الجزائر في باريس، وتقدم بمذكرة إلى فرنسا عن القرض الذي بلغ (٣،٣٧٧،٤٤٥) فرنك. وفي سنة ١٨٠٢، ارتفع هذا الدين حتى بلغ (٨،١٥١،٠٠٠) فرنك. وكان (باشا الجزائر) لا يفتأ يطالب الحكومة الإفرنسية بالدين الذي يجب عليها دفعه لرعاياه اليهود. ولكن بدون جدوى، ومما يذكر أن الحكومة الإفرنسية قد سجنت ممثلي يهود الجزائر في بلادها إثر إعلان الحرب بين الدولتين (١٧٩٨ م) على أساس أنهم رعايا جزائريون، ثم أطلقت سراحهم بعد انتهاء الحرب (١٨٠١ م). وفي الجزائر، كان اليهود عامة، وابن زاهوت وبوجناح خاصة، يتعرضون للاضطهاد بسبب نشاطاتهم غير النظيفة، وكانت حماية (الباشا) لهم حماية موقتة لهدف معين (على نحو ما كان عليه الباشا مصطفى). وأدى تدخل اليهود السافر - والفاضح - في شؤون الدولة إلى كراهيتهم، وكان ذلك هو السبب الذي دفع أحد الإنكشارية إلى قتل (بوجناح الملقب بملك الجزائر) في صيف سنة ١٨٠٥، وتبع ذلك رد فعل عنيف ضد اليهود، وفي السنة ذاتها اغتيل (مصطفى باشا) الذي كان يعمل على حمايتهم. وعندما تولى (أحمد باشا) الحكم في الجزائر، صادر أملاك (بوجناح) واضطهد الأفراد البارزين من أسة (بكري - ابن زاهوت) وقد مارس (داوود دوران) منافس (ابن زاهوت) و (بوجناح) دورا هاما
следующие страницы →