_________
السنة الهجرية ..... السنة الميلادية ..... وجيز الأحداث
стр. 597
الوجيز في أبرز الأحداث المعاصرة لحياة
الأمير عبد القادر
стр. 598
_________
السنة الهجرية ..... السنة الميلادية ..... وجيز الأحداث
стр. 599
قبر سيدي محيي الدين والد الأمير في سيدي قادة
стр. 600
(لو فرشت لي مسالك فرنسا وسهولها بالديباج والذهب ووضعت في كفة وحريتي في كفة لاخترت حريتي. وإنني لا أطلب عفوا ولا إحسانا، أطلب فقط احترام العهود التي قدمت لي. لقد طلبت وعدا فرنسيا، فأجابني إليه جنرال فرنسي. ثم أكده جنرال آخر وهو ابن الملك. وبذلك أصبحت فرنسا مرتبطة إزائي، كما هي مرتبطة بما قطعته على نفسها. ولن أتخلى عما وعدتموني به، وسأموت مع وعدي حتى أكشف عن نواياكم الحقيقية.
(الأمير عبد القادر في خطابه من سجنه في فرنسا إلى سجانيه)
•---------------------------------•
الفصل الأول
الأمير عبد القادر وبداية الرحلة الشاقة
١ - الأصالة وبناء القاعدة الصلبة.
٢ - بناء دولة الحرب.
آ - تنظيم الجيش.
ب - التسلح والصناعة الحربية.
ج - الحصون والتنظيم الدفاعي.
د - التنظيم الإداري والتموين.
٣ - بناء الدولة الإسلامية.
٤ - في أفق العمليات والتكتيك
стр. 601
١ - الأصالة وبناء القاعدة الصلبة
ولد مع ولادة ربيع الحياة، في يوم من أيام شهر أيار - مايو - سنة ١٨٠٧، وقد جاء إلى الدنيا ليكون رابع إخوته، ولم تكن قرية (قيطنة - أو غتنا) المغمورة تعرف وهي تستقبل المولود الجديد أنها ستكتسب شهرة ما بعدها شهرة، وستنال شرفا ما بعده شرف إذ هي ترحب بهذا القادم الوليد. لقد بقيت قرية (قيطنة) طويلا وهي نائمة بهدوء، على ضفة وادي الحمام في منطقة (اغريس) بالقرب من (معسكر) إلى الجنوب الشرقي من مدينة وهران. وقد آن لهذه القرية أن تهتز لتستيقط من غفوتها حتى تسير على صفحات التاريخ.
وإذا كانت (قيطنة) مغمورة، فإن قاطنيها لم يكونوا بالمغمورين، فقد سبقتهم شهرتهم فتجاوزت أفق الجزائر بفضل ما عرف عن كبيرها من التقى والورع والحكمة والكرم وأصالة المحتد، لقد كان شيخا كبيرا من شيوخ المرابطين المجاهدين، أولئك الذين اشتهرت بهم أيام الأندلس واشتهروا بها، حتى إذا زالت دولة الأندلس انتقلوا إلى ربوع الغرب العربي الإسلامي ليقيموا بين أهلهم وذويهم وليحملوا معهم راية الجهاد في سبيل الله، وزاد الشيخ شرفا على شرفه انتسابه إلى (الهاشميين) قرابة رسول الله (ص).
стр. 602
كان نبلاء المغرب العربي - الإسلامي خلال تلك الفترة ينتمون إلى فئتين متميزتين: فئة المرابطين وفئة الأجواد. وكانت الفئة الأولى تستمد هيبتها ونفوذها من زعامتها (الدينية) في حين كانت الفئة الثانية تعتمد في وجودها على (السيف). ولم تكن المنافسة معدومة بين الفئتين، فكان المرابطون يتهمون الأجواد بالعنف والتهور وحب النهب، في حين كان الأجواد يتهمون المرابطين بالطموح المقنع، وبالبحث عن النفوذ والسلطة والثروة من خلال العمل للدين وللدين فقط. ولم يكن في هذه الاتهامات ما يعيب الطرفين على كل حال إذ كانت هذه الفضائل بمجموعها قاسما مشتركا أكثر منها فارقا فاصلا، ولو أن الهدف النهائي كان مختلفا، فالمرابطون يعملون لآخرتهم بأكثر مما يعملون لدنياهم، والأجواد يعملون لدنياهم أكثر مما يعملون لأخرتهم.
فتح الوليد عينيه ليتعرف على الدنيا من حوله، فكان أول ما أدركه شدة حدب أبيه عليه وحنوه وهو يحتضنه إليه، وإيثاره على أخوته، ولم يكن في ذلك ما يثير الحياء اوالخوف، وعلى الرغم من ذلك فقد ظهر وهو (يخاف حتى من ظله). ولعل نعومة تكوينه كانت مصدر مخاوفه فقد خلق جذابا وسيما، يكاد جماله يقترب به إلى الجمال الأنثوي من الجمال الرجولي، له أنف متوسط يبرز من وجهه بشكل رائع لا هو بالأنف الإغريقي ولا هو بالروماني، وإنما هو وسط بينهما، وتحته شفتان منحوتتان بدقة ومضغوطتان قليلا تنمان عن التحفظ المهيب والثقة بالهدف. بينما تشع عيناه الصافيتان العسليتان تحت جبهة عريضة في بياض الرخام مع نعومة مكتومة وحزينة، أو تتالقان بأشعة العبقرية والذكاء.
كان ذلك هو عبد القادر بن محيي الدين - المشهور بالجزائري.
стр. 603
ـ[خريطة]ـ
стр. 604
وأخدت مواهب عبد القادر في التفتح مبكرا، فها هو قد أتقن القراءة والكتابة ولما يتجاوز الخامسة من عمره، وتمكن من قراءة القرآن وأصول الشريعة والحديث وهو في الثانية عشرة من العمر، وأصبح من حفظة القرآن وهو في الرابعة عشرة حيث أرسله والده إلى وهران للدراسة في مدرسة يسيرها (سيدي أحمد خوجمة) غير أن عبد القادر نفر من أسلوب الدراسة بقدر نفوره من حياة وهران فلم يستقر أكثر من سنة ليعود بعدها إلى (قيطنة) حيث كلف (سيدي احمد بن الطاهر قاضي آرزو) بتدريسه واطلاعه على العلوم الحديثة: علم الفلك والحساب والجغرافيا بالإضافة إلى اطلاعه على الشؤون الأوروبية. ولم يجد بعد ذلك ما هو أفضل من الانضمام إلى جماعة رجال الدين وطلاب المعرفة ممن كانوا يلتفون حول والده - محيي الدين - لدراسة العلوم القرآنية. حيث كانت تعطى - مجانا - دروس في الآداب والحقوق والتوحيد. ورافق هذا النضح الفكري نضج جسدي مبكر أيضا، فما كاد يبلغ السابعة عشرة من عمره، حتى اكتملت بنيته المتناسقة (فبلغ طوله خمسة أقدام وخمسة بوصات) وأصبح له صدر عريض ومنكبين قويين، في جسد لا يعرف التعب أو النصب، قادرا على احتمال أشد الصعاب. وبرز في مجال الفروسية، فكان فارسا مهيبا لا يدانيه أحد أو ينافسه، ولم يعد (يجاف من ظله) بعد أن أكد تفوقه المدهش في كل متطلبات الفروسية التي تحتاج العين الثابتة واليد القوية والرجولة الحقة. وها هو يصبح حديث الناس: إنه يلمس كتف فرسه بصدره، ويضع إحدى يديه على ظهر الفرس، ثم يقفز إلى الجانب الآخر، أو أنه يدفع الفرس إلى أكبر سرعة ممكنة، ثم ينزع قدميه من الركاب، ويقف على السرج ويطلق النار على هدفه بدقة عجيبة، وبلمسته الخفيفة الماهرة يثني الفرس العربي المدرب ركبتيه،
стр. 605
أو يمشي مسافات على قائمتيه الخلفيتين بينما تضرب قائمتاه الأماميتان في الهواء. أو يلوح ويقفز بهما كالغزال. أما في ميدان السباق فكان يركب جوادا فاحم السواد يتضاد في لونه مع بياض برنسه، ثم يتقدم إلى الحلبة ببرود ظاهر وضبط كامل للنفس، لينطلق فيسبق منافسيه بمسافات كبيرة تجعله يصل إلى الهدف وحده، وسط هتافات الإعجاب وزغاريد مئات النساء. وكان كساؤه بسيطا غاية البساطة، وليس سوى سلاحه يظهر الزينة. فقد كانت بندقيته التونسية الطويلة مرصعة بالفضة. أما مسدسه فقد كان مرصعا بالجواهر. وكان سيفه الدمشقي مغمدا في غمد من الفضة. وكانت متعته في ممارسة هوايته المفضلة (الصيد). وأتقن صيد الباز والغزال والنعامة والخنزير البري والنمر. ولم يكن في رحلة الصيد يميل إلى تلك التظاهرات الفخمة التي كان يتعمدها (الأجواد) فكان يكتفى بمرافقة خادمين أو ثلاثة ويتوغل في أعماق الغابة بحثا عن صيده المفضل (الخنزير البري) حتى إذا ما حقق هدفه، عاد من رحلته الرياضية ليعزل نفسه للدراسة بحيوية متجددة، وللتفرغ للعبادة. واشتهر بقدرته (على النوم خلال أسابيع والتعرض للصدام، وندرة أغماد سيفه - فكان عرشه قائما على سرج جواده) ولم يكن ذلك إلا نتيجة لتلك المواهب الفطرية التي صقلتها المكتسبات الفكرية والجسدية.
وتزوج عبد القادر وهو لا يزال يافعا، التزاما بالحديث الشريف (من استطاع منكم الباءة فليتزح فإنه أحصن للفرج) وكانت زوجته (لالة خيرة) بنت عمه سيدي على بوطالب. وكان على هذه الزوجة الفاصلة أن تحتمل مع زوجها مشاق الرحلة الطويلة - رحلة العمر في الجهاد.
بلغ محيي الدين والد عبد القادر الخمسين من عمره، فأراد أداء
стр. 606
فريضة الحج، واتخذت استعدادات كبيرة للحدث الهام، ورغب الكثيرون في مرافقة الشيخ المرابط للحج، وفي طليعتهم أبناؤه وحاشيته. وقرر (محيي الدين) الخروج وحده تخلصا من الموقف الحرج، غير أنه عاد فعدل عن قراره، وأعلن أن (عبد القادر) هو الوحيد الذي سيرافقه، ورضخ الجميع لهذه الإرادة وقلوبهم يغمرها الحزن. وغادر الأب والإبن قريتهما (قيطنة) في تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٢٣. وما أن انتشرت أخبار عزم (محيي الدين) على الحج حتى ترددت في كل أنحاء وهران صيحة (إلى الحج .. إلى الحج) وأقبل الآلاف من كل الجهات وهم يحملون خيامهم ومتاعهم، وتجمع الركب الكبير على ضفة نهر جديوية في (سهل شلف) وأرعبت هذه التظاهرة حاكم (وهران). فأرسل إلى (محيي الدين) يستدعيه لمقابلته. وامتثل (محيي الدين) فتوجه مع (ابنه عبد القادر) إلى وهران،
وكانت المقابلة ودية، غير أن حاكم وهران ألزم ضيفيه (محيي الدين وابنه) بالبقاء في وهران بما يشبه الإقامة الإجبارية، حتى إذا ما مضت سنتان، وعرف حاكم وهران أن مخاوفه لا تستند إلى أي أساس مقبول، علاوة على ما كانت تثيره عملية (الاحتجاز) من ردود الفعل السيئة التي وصلت إلى (ديوان الباشا) وحتى إلى (منزله) حيث وقفت أم الداي وزوجته ضد هذا الإجراء التعسفي، فقرر الداي السماح (للمحتجزين) باستئناف رحلة الحج. وعندها قرر (محيي الدين) عدم العودة إلى (قيطنة) مرة أخرى لوداع أسرته حتى لا تتكرر قصة (الحشد المرعب) فغادر وهران بسرعة في تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٢٥. ووصل ومعه عبد القادر إلى تونس مارين (بالمدية وقسنطينة) وهناك انضما إلى قافلة تضم ألفي حاج، ركبوا جميعا البحر إلى الإسكندرية. وكانت هذه الرحلة مثيرة جدا للشاب عبد القادر الذي أخذ في
стр. 607
التقسيم الإداري لإقليم الجزائر سنة ١٨٣٠م
стр. 608
الاطلاع على (عالم جديد) لا سيما عندما توجه من الإسكندرية إلى القاهرة، حيث رأى عبد القادر للمرة الأولى والأخيرة محمد علي باشا حاكم مصر الذي طبقت شهرته الآفاق، وأخذ يتأمل طويلا في هذا الجندي الناجح الذي عرف بكفاءته الإدارية التي كانت تنافس كفاءته العسكرية. وأكمل محيي الدين مع ابنه رحلة الحج، فكانت متعة روحية لا توصف وبعد أداء مناسك الحج في مكة المكرمة والمدينة المنورة، انفصلا عن الحجيج ويمما شطر دمشق، ليقضيا معظم وقتهما في التردد على الجامع الأموي الكبير، وليفيدا من هذه المناسبة لقراءة الحديث وتدارسه مع الشيخ عبد الرحمن الكزبري. وكان لا بد لهما وهما في دمشق من إكمال الرحلة بزيارة قبر الصالح (عبد القادر الجيلاني - حارس الجزائر) فتوجها إلى بغداد عن طريق تدمر ووصلاها بعد ثلاثين يوما. ولما كانا من عائلة شهيرة بالهدايا الثمينة التي تقدم بها كثير من أعضائها إلى قبر الصالح الجيلاني، فإنهما لقيا استقبالا حارا كريما من قاضي المدينة (السيد محمد الزكريا) الذي كان ينحدر بدوره أيضا من الولي الصالح الجيلاني، وقدم (محيي الدين) كيسا من الذهب، على ما جرت به عادة المرابطين تجاه إحياء ذكرى هذا الرجل الصالح الذي لا يشك أحد من المرابطين بكراماته (١). وبعد إقامة في بغداد لمدة ثلاثة أشهر، ارتحل محيي الدين وابنه عبد القادر في طريق
стр. 609
العودة، وقد نفذت مواردهما، فكان لا بد لهما من إكمال الرحلة على نفقة
إخوانهم المسلمين، الحجاج مثلهما والذين كانوا عائدين من أداء الفريضة، وانتهت الرحلة بالوصول إلى (قيطنة) بعد غياب استمر أكثر من سنتين وكان ذلك في بداية سنة ١٨٢٨ م. وعرفت (قيطنة) احتفالات وولائم لم تشهدها من قبل فقد توافد كل عرب وهران ووفود ثمثل القبائل الصحروية بزيارة (سيد بني هاشم) وتهنئته بالحج والعودة بالسلامة. ولم يعد الهدوء إلى (قطنة وادي الحمام) إلا بعد فترة طويلة.
كان لهذه الرحلة الروحية أثرها العميق في أعماق نفس (الشاب عبد القادر) الذي أخذ في الاعتزال عن الناس، والانصراف إلى العبادة، وقضاء الوقت في الرياضات العقلية التي تضمها مؤلفات القدماء أمثال أفلاطون وفيثاغورس وأرسطو، علاوة على مؤلفات كبار المشاهير من أعلام المسلمين والتي شملت علوم التاريخ الإسلامي والفلسفة واللغة والفلك والجغرافيا والطب فتكونت لديه خلال هذه الفترة مكتبة ضخمة كانت هي ثروته الدنيوية، وقد استمرات هذه الهواية في مرافقته طوال حياته.
اقتحمت جحافل الغزو الإفرنسي الاسعماري مدينة (الجزائر المحروسة) يوم ٥ تموز (يوليو) ١٨٣٠ واستقبل المجاهدون هذا الحدث بثبات، دون أن يداخل نفوسهم أي شعور بالخوف أو القلق، فقد ارتفعت رايات الغزاة الإسبانيين من قبل فوق معظم المدن الساحلية، غير أنها لم تلبث أن سقطت ممرغة بالوحل، وتعرضت مدن الجزائر لإغارات بحرية كثيرة، دحرت كلها وتراجعت، وظن رجال القبائل، وأبناء المدن الداخلية للوهلة الأولى أن القضية لن تكون أكثر من قضية غزو عابرة، أو
стр. 610
أنها في أسوأ الأحوال، لن تتجاوز حدود الصراع مع جهاز الحكم (التركي العثماني). غير أن النوايا الإفرنسية تكشفت بسرعة، عندما أخذت الإدارة الاستعمارية في التطلع إلى ما وراء المدن الساحلية، وزاد الأمر سوءا بما أقدمت عليه جحافل الغزو من (أعمال إبادة وحشية). وبدأت الغشاوة في السقوط عن أبصار أولئك الذين تعاونوا في بداية الأمر مع السلطات الاستعمارية أو حتى هادنوها. ولم تلبث قوات المرابطين وقياداتها أن رفعت (راية الجهاد في سبيل الله) وكان ذلك بداية تطوير الصراع المسلح.
رافق الغزو الإفرنسي انتشار موجة من الفوضى والاضطراب وانقطاع حبل الأمن، وتشردت جموع المسلمين الذين كانوا يسكنون المدن الساحلية وهربوا بدينم وعائلاتهم نحو الداخل وقد سيطر عليهم الذعر واليأس. وزاد من بؤسهم تعرضهم لقطاع الطرق الذين أخذوا في نهب هؤلاء المشردين والتعرض لهم دونما شفقة أو رحمة. ولم يكن باستطاعة شيخ المرابطين (محيي الدين) البقاء في عزلته وتجاهل المأساة التي نزلت بالمسلمين. فأرسل أولاده مع حامية قوية للتجول في السهل وحماية المشردين المنكوبين، وتقديم الدعم لهم، وحملهم إلى أماكن مأمونة لا تصل إليها عصابات اللصوص وقطاع الطرق. غير أن عملية الإنقاذ هذه كانت دون المستوى المطلوب في تلك الفترة الحرجة لا سيما وقد ظهرت الثارات المدفونة بين رجال القبائل، في المدن والقرى، فبات من الضروري إخضاع البلاد لسلطة قوية تحركها يد واحدة. وعقد المرابطون مشاورات طويلة لدراسة الموقف، فاتفقت كلمتهم على اللجوء إلى (محيي الدين) واستشارته في أنجح وسيلة لعلاج الأزمة. وعندما اجتمع المرابطون، خاطبهم محيي الدين ناصحا بالعبارات التالية: (منذ عدة شهور وأنا أحاول كما تعلمون جيدا،
стр. 611
المحافظة على درجة من النظام وسط الفوضى العامة التي تسود الآن.
ولكن أقصى الجهود التي بذلتها لم تفلح في إنقاذ أكثر من عدد قليل من الضعفاء والمشردين وحمايتهم من أيدي أناس قساة غلاط. إن طغيان الأتراك قد كبح طاقاتنا وأوهنها، ولكن إذا استمرت الأمور على ما هي عليه الآن، فإنها ستحطم كل طاقاتنا تحطيما. فأواصر المجتمع تنحل، ورفع كل فرد يده في وجه جار٥. وأرضى شعبنا العنان لغرائزه الرذيلة بعد أن أصبح يستهتر يوميا بقوانين الله والإنسان. وفي نفس الوقت، فإن النكبات التي تهددنا من الخارج لا تقل خطرا عن ذلك الذي ينهشنا من الداخل. فهل سنستنجد بالإفرنسيين؟ إن ذلك غير ممكن. وأن الاستسلام إليهم يعتبر خيانة لواجبنا نحو إلهنا ووطننا وعقيدتنا فما بالكم بالاستنجاد بهم؟. ولكن الإفرنسيين أمة محاربة، قوية العدد، واضحة الغنى، تشتعل حبا في الاحتلال، وماذا لدينا نحن من قوة نصدهم بها؟ إن القبائل على خلاف مع بعضها. وزعماء البلاد شرهون يتآمرون ضد بعضهم، ولا يصارعون إلا من أجل الثروة الشخصية. أما الدهماء التي رمت عنها كل قناع فبعضها قد أغنى نفسه بالنهب، وبعضها الآخر لا يكاد يجد قوت يومه. فالطرفان غير متعادلين. وأمام هذه الحالة، فحتى تصور نجاح المعركة مع الكفار يعتبر حماقة. أما محاولة المعركة نفسها فهو جنون.
لا، إن الملك الإفرنسي قويا، ولا يمكن أن يواجهه بفاعلية إلا ملك مثله، على رأس دولة محكمة النظام، يملك خزانة ضخمة، ويقود جيشا تام الانضباط. وليس هناك حاجة إلى أن نذهب بعيدا للبحث عن هذا الملك. إن سلطان المغرب قد عبر عن عاطفته نحونا، ويجب أن يعرف أن الخطر الخارجي الذي يهددنا نحن اليوم قد يهدده هو غدا. إن حضوره بيننا سيشجع ويدعم حالا الخير، ويصرف
стр. 612
الشر. وبفضل ذلك، سيقوى النظام. وإذا حاربنا تحت لوائه، فتقدم نحو انتصار مؤكد).
وتوجهت بعثة جزائرية نحو (فاس) وهي تضم عشرة أفراد من كبار شيوخ المرابطين وأكثرهم نفوذا وتأثيرا. ومضت ستة أشهر قبل أن يعلن سلطان فاس عن موافقته على ما طلبه إليه شيوخ المرابطين. ووجه جيشا بقيادة ابنه (علي) ومعه (٥) آلاف فارس ومدفعي ميدان وعسكر هذا الجيش في تلمسان (الواقعة في إقليم وهران). وأسرعت القبائل فأعلنت ولاءها لسلطان المغرب. وأخذت المقاومة في التعاظم، وأدركت الحكومة الإفرنسية ما يتهدد مشاريعها من خطر، فوجهت تهديدها إلى سلطان المغرب الذي أظهر خضوعه للتهديد فأمر (ابنه علي) بالانسحاب إلى ما وراء الحدود المغربية. واجتمع شيوخ المرابطين، وقرروا إسناد منصب السلطان على (محيي الدين) وتوجهوا في جماعة منهم إلى (قيطنة). غير أن (محيي الدين) رفض العرض بتواضع، وأوصى بتوجيه نداء جديد إلى المغرب. وفشلت هذه المحاولة بإقناع (سلطان المغرب) بتحمل مسؤوليته التاريخية. واتجهت الأنظار مرة أخرى نحر (محيي الدين) الذي لم يتمكن من رفض طلبات شيوخ العرب فقال لهم: (إنني لا أصلح أن أقوم بواجبات سلطان العرب. ولكنني سأقوم بما يحتمه علي الدين. وسأذهب معكم إلى الجهاد). وكان العرب قد بذلوا محاولات متعددة لاستعادة وهران التي احتلتها قوات الإفرنسيين. فقام محيي الدين بدخول المعركة تحت قيادة ابنه عبد القادر.
كانت قد مضت فترة على العرب وهم يحاصرون (وهران) ويركزون جهدهم بصورة خاصة على (قلعة فيليب) الواقعة إلى جنوب المدينة، غير أن هذه الإغارات لم تؤد إلى نتيجة تذكر، فقرر (عبد
стр. 613
القادر) تنفيذ عملية ضد هذه القلعة ووضع الخطة وأشرف على تنفيذها، فقاد قواته من المشاة والفرسان حتى وصل بها إلى أسفل القلعة ذاتها، وزج بجنود المشاة في الخنادق وكلفهم بمناوشة الحامية الإفرنسية المدافعة عن القلعة. ثم قاد قوة الفرسان ووضعها في موقع مناسب يتحكم بالطريق المؤدي إلى القلعة، وذلك لعزلها، ومنع أي تسلل قد يقوم به العدو. وكانت الكثافة النارية لأسلحة الإفرنسيين وقذائفهم كبيرة إلى درجة كافية لتمزيق أفضل الجيوش انضباطا وتدريبا. غير أن عبد القادر استطاع إثارة حماسة المجاهدين وهو يتجول بينهم، ويوجههم، وأمكن له بذلك التغلب على الصدمة النارية. وأثناء ذلك، نفدت ذخيرة المجاهدين في الخنادق - المشاة - وأحجم كل فرد عن التحرك لجلب الذخيرة. وشاهد ذلك (عبد القادر) فصاح بهم: (أيها الجبناء! أعطوني الخرطوش) ووضع الظروف في جناحي برنسه، وركب فرسه وعبر السهل كالسهم حتى وصل القلعة، فرمى بالخرطوش في الخندق. وحث رجاله على الثبات والاستمرار في الرمي. وعاد بدون أن يمسه أي أذى. وأحاطت (بعبد القادر) مناسبات كثيرة مليئة بالخطورة والمبادرة. استعمل فيها سيفه البكر للدفاع عن نفسه. وأدت شجاعته وفروسيته لا إلى الثناء عليه فقط، بل إلى الإعجاب المنقطع النظير به. وأخذ العرب ينظرون إليه بإكبار، ويحيطونه بهالة من التكريم، بعد أن أخذت شخصيته الوسيمة تندمج بشخصيته الشجاعة عندما كان يتقدم الصفوف دونما خوف من أذى، ليقتحم مواطن الخطر، فهو مرة يمر كالسهم من صفوف الرماة الأعداء. ومرة يطلق النار ويكتسح حربات البنادق بسيفه، وأخرى يقف بثبات عجيب والقنابل تتفجر من حوله وتحت قدميه. وأفادت العرب من هذه التجربة القتالية قدر إفادتها من تجاربها السابقة،
стр. 614
فعرفت أن هذا الهجوم المفكك ليس حربا. وأن كل جهودهم وتضحياتهم لن تكون مثمرة إلا إذا وجهتها إرادة واحدة تحت قيادة قائد مسؤول. وعقد مؤتمر كبير في مدينة (معسكر). ودعي (محيي الدين) الذي كان قد توجه إلى (قيطنة) لقضاء فترة قصيرة من الراحة، لحضور هذا الاجتماع. فلبى الدعوة وما كاد يصل ويترجل حتى تجمهر من حوله شيوخ المجاهدين وارتفعت الأصوات من كل مكان: (إلى متى يا محيي الدين ونحن بلا قائد؟ إلى متى وأنت واقف متفرج على حيرتنا؟ أنت يا من يكفي اسمه فقط أن يجمع كل القلوب لتشجيع القانط وردع الخبيث، وتدعيم وتماسك القضية المشتركة؟ لقد سقط أفضل فرساننا غما وفرقا؟ واستل شيوخ المرابطين سيوفهم ونادوه (اختر بين أن تكون سلطاننا أو أن تموت الآن ..).
كان الموقف مثيرا، غير أن شيخ المرابطين جابهه بثبات، فوقف يخاطب زعماء المرابطين بقوله: (تعرفون جميعكم أني رجل عبادة وتقوى. ويتطلب الحكم استخدام القوة والعنف وحتى سفك الدماء. ولكن ما دمتم تصرون على أن أكون سلطانكم فإني أقبل، ولكن أتنازل عن ذلك لصالح ابني عبد القادر). واستقبل الحضور هذا الحل المباغت بالموافقة. فقد كان عبد القادر معروفا لديهم. وتوجه فارس إلى (قيطنة) لإحضاره. وفي الصباح الباكر من اليوم التالي، الموافق ٢١ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٣٢ م. دخل عبد القادر مدينة (معسكر). وقد غصت كل الشوارع والطرق المؤدية إلى المدينة بجموع المسلمين. وكان الرجال والنساء والأطفال يتبادلون التهاني في مظاهرة ترحيب بهجة بسلطانهم الجديد. وبعد إدخاله إلى (الرحبة) حيث كان المجلس منعقدا، أعلم عبد القادر بكل ما حدث. وفي هدوء، ودونما زهو، أجاب عبد القادر: (أن من واجبي
стр. 615
إطاعة أوامر والدي - أنا لها، أنا لها) وانفجرت حماسة الناس وصاحوا بصوت واحد: (الحياة والنصر لسلطاننا عبد القادر). وجلس السلطان الشاب للناس يتقبل بيعتهم، وكان أبوه أول من بايعه ولقبه (بناصر الدين). وعندما أزفت صلاة الظهر قام بالناس إماما، ثم خطب فيهم، وشرح لهم الأخطار المحيطة بهم، وما كاد ينهي حديثه حتى ارتفعت صيحات (الجهاد - الجهاد) (لبيك عبد القادر، فكلنا رهن إشارتك).
ذهب عبد القادر في اليوم التالي (٢٢ تشرين الثاني - نوفمبر) إلى وادي خصيبية الذي يبعد مسافة عشر دقائق عن (معسكر). حيث كان في انتظاره عشرة آلاف فارس عربي لاستقباله والترحيب به. وكانوا قد اصطفوا على شكل هلال، بحسب قبائلهم، حول خيمة ضخمة أقيمت وسط السهل. وكان جميع أهالي معسكر قد تجمعوا أيضا في المنطقة. وفي اللحظة التي بدأت فيها أشعة الشمس المائلة تنبسط على جبل (مسمط)، ظهر مركب عبد القادر. تتقدمه كوكبة من الفرسان حاملي (راية الجهاد) ثم تبع ذلك رؤساء بني عامر وبني مجاهر وبني يعقوب وبني عباس على صهوات خيولهم المندفعة، وهم يحملون سيوفهم اللامعة. ثم ظهر عبد القادر وهو يغطي كتفيه ببرنسه الأحمر، وممتطيا جواده الأسود، وكان رؤساء بني هاشم (قبيلته) يسيرون في مؤخرة الموكب العظيم. وعندما وصل عبد القادر إلى (الخيمة) ترجل، واختفى عن الأنظار دقائق قليلة، ثم خرج وأبوه محيي الدين يمسك بيده ليقدمه إلى الشعب: (انظروا - هذا هو السلطان الذي أعلنته النبوءة! هذا هو ابن الزهراء! أطيعوه كما لو كنتم تطيعوني! فليحفظ الله السلطان) وردد الناس: حياتنا وأملاكنا وكل ما عندنا له، لن نطيع قانونا غير قانون سلطاننا عبد القادر وأجاب عبد القادر: وأنا
стр. 616
بدوري لن آخذ بقانون غير القرآن، لن يكون مرشدي غير تعاليم القرآن، والقرآن وحده. فلو أن أخي الشقيق قد أحل دمه بمخالفة القرآن لمات. وانطلق (عبد القادر) ليستعرض القوات، وليقف بين فترة وأخرى ليردد على مسامع الجميع أهداف العهد الجديد: (الجهاد الجهاد! لا حرية ولا استقلال إلا بالجهاد! الجنة تحت ظلال السيوف! هلموا جميعا إلى راية الجهاد).
عاد (عبد القادر) إلى (معسكر) بعد نهار شاق كان أشبه (بعرس المجد) وما كاد يستريح قليلا حتى استدعى (كتابه) وأملى عليهم أول بيان له، هو التالي:
(بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. إلى القبائل، وخصوصا نبلائها وشيوخها وأعيانها وعلمائها. هداكم الله وأرشدكم ووجهكم إلى سواء السبيل، وجعل النجاح حليف أعمالكم ومسعاكم. وبعد: إن أهالي معسكر، وأهالي شرق غريس وغربها، وجيرانهم وحلفاءهم بني شقران والبرجيين وبني عباس واليعقوبيين وبني عامر وبني مجاهر وغيرهم قد وافقوا بالإجماع على تعييني، وبناء عليه انتخبوني لإدارة حكومة بلادنا. وقد تعهدوا أن يطيعوني في السراء والضراء، وفي الرخاء والشدة، وأن يقدموا حياتهم
وحياة أبنائهم وأملاكهم فداء للقضية المقدسة. ومن أجل ذلك، إذن، تولينا هذه المسؤولية الصعبة - على كره شديد - آملين أن يكون ذلك وسيلة لتوحيد المسلمين، ومنع الفرقة بينهم، وتوفير الأمن العام إلى كل أهالي البلاد، ووقف كل الأعمال غير الشرعية التي يقوم بها الفوضويون ضد المسلمين. وصد العدو الذي اعتدى على بلادنا حتى يتم طرده، وحتى لا يتمكن من أن يغل
стр. 617
أعناقنا بقيوده. ولقبول هذه المسؤولية اشترطنا على كل أولئك الذين منحونا السلطات المطلقة، أن عليهم دائما واجب الطاعة. في كل أعمالهم، إلتزاما بنصوص كتاب الله وتعاليمه، وإلى الحكم بالعدل في مختلف مناطقهم، والأخذ بسنة النبي (ص) في المساواة بين القوي والضعيف، الفقير والغني دونما محاباة، وقد قبلوا بهذا الشرط.
لذلك! ندعوكم إلى المشاركة في هذا العهد والعقد، بيننا وبينكم، سارعوا لإعلان الولاء والطاعة. وجزاؤكم على الله في الدنيا والآخرة. إن هدفي الأساسي هو الإصلاح. وعمل الخير ما دمت حيا. إن ثقتي في الله، ومنه وحده أرجو التوفيق والنجاح).
بأمر من المدافع عن الدين، صاحب السيادة علينا، أمير المؤمنين عبد القادر محيي الدين - نصره الله - آمين.
حرر في مدينة معسكر ٢٢ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٥٢ م.
لقد تحققت النبوءة، وأصبح الحاج عبد القادر سلطانا بايعته الجزائر بسيوفها وقلوبها. وأغمض (عبد القادر) عينيه وتذكر زيارته لضريح (عبد القادر الجيلاني) في بغداد. ففي تلك الفترة، حلم (محيي الدين) بأن (ملاكا وضع مفتاحا في يده، وأخبره أن يسرع بالعودة إلى وهران. وعندما سأله عما يفعله بهذا المفتاح أجابه الملاك: أن الله سيوجهك) وفسر محيي الدين هذا الحلم بأنه كرامة من كرامات الصالح (عبد القادر الجيلاني) اختصه بها لتولي وهران وتكررت مثل هذه الشواهد الغامضة التي تشير إلى أن (عبد القادر بن محيي الدين) سيصبح ذا شأن في قومه. ولم تمض فترة حتى سرت نبوءة غربي البلاد بأن شابا عربيا سيصبح سلطانا ويقيم العدالة بين الناس.
стр. 618
وعرف عبد القادر أن ما وصل إليه اليوم إن هو إلا نتيجة ما توافر له من الأصالة التي لم ينكرها أو يتنكر لها، فحددها بقوله:
(إنني عبد القادر بن محيي الدين بن مصطفى بن محمد بن المختار ابن عبد القادر بن أحمد بن محمد بن عبد القوي بن يوسف بن أحمد بن شعبان بن محمد بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن فاطمة بنت محمد رسول الله وزوجة علي بن أبي طالب عم الرسول. كان أجدادنا يقطنون المدينة المنورة، وأول من هاجر إليها هو إدريس الأكبر الذي أصبح فيما بعد سلطانا على المغرب، وهو الذي بنى (فاس). وبعد أن كثر نسله، توزعت ذريته، ومنذ عهد جدي فقط، قدمت عائلتنا لتستقر في (اغريس) قريبا من (معسكر) وأجدادي مشهورون في الكتب والتاريخ بعلمهم واحترامهم وطاعتهم لله) (١).
ولكن، ومع معرفة (الأمير عبد القادر) لهذه الحقيقة التي يحق له أن يفتخر بها ويفاخر، فقد أدرك أن ما وصل إليه، يتطلب منه العمل والجهد، حتى يكون جديرا بشرف الأجداد، وها هو يقول:
(لا تسألوا ابدا ما هو أصل الإنسان وفصله، بل اسألوا حياته، وأعماله وشجاعته ومزاياه، وعندئذ تدركون من يكون).
فالعمل هو الذي يشهد على قيمة الرجل، وها هو رجل الموقف ينطلق للعمل.
стр. 619
٢ - بناء دولة الحرب
تلقى (عبد القادر) البيعة تحت شجرة الدردار (الدردرة) الضخمة، وهي الشجرة التي طالما اعتاد الأعيان على الالتقاء تحت ظلها، للشورى، كلما دهمهم خطب، أو بغتتهم نائبة، فيجمعهم (وادي مروحة - من قبيل غرس) ليخرجوا وقد استمدوا من ضعفهم قوة، وتجمعوا من بعد تفرق. غير أن تجمعهم في هذه المرة تمخض عن أمر جلل، لقد أسندوا قيادتهم إلى عبد القادر وحددوا له مهمته: (إننا في حاجة لمن يقود سفينتنا ويقف في وجه العدو في الداخل والخارج ليذيقه العذاب، ولهذا فقد اتفق العام والخاص على إسناد الإمارة لعبد القادر بن محيي الدين).
أراد المرابطون والمجاهدون أن يكون (عبد القادر بن محيي الدين) سلطانا عليهم، وبايعوه على ذلك، وتبعهم رجال القبائل على هذه البيعة، غير أن (عبد القادر) عزف عن (لقب السلطان) حتى يكسب صداقة سلطان مراكش (المغرب) واكتفى بلقب (أمير المؤمنين) وهو لقب ألصق بمفهومه للحكم، وأقرب إلى أصالته العربية - الإسلامية. ثم مضى إلى بناء (الدولة الحديثة) التي يمكن لها مشاركته
стр. 620
في حمل أعباء الحرب، ورفع راية الجهاد في سبيل الله، خلال تلك المرحلة التاريخية.
بدأ (الأمير عبد القادر) مرحلة التنظيم بتشكيل جهاز الحكم (الوزارة) والتي تكونت كالتالي:
١ - رئيس وزراء - ويقوم بهذه المهمة الأمير عبد القادر (ناصر الدين).
٢ - ناب رئيس.
٣ - وزير خارجية.
٤ - وزير خزانة المملكة.
٥ - وزير الخزينة الخاصة.
٦ - وزير الأوقاف.
٧ - وزير الأعشار والزكاة.
ثم يأتي بعد الوزراء الكتبة، وهم ثلاثة حسب الحاجة، ثم الحاجب، واتخذت هذه الوزارة من مدينة معسكر مقرا لها. واختار الأمير لشغل هذه المناصب أفضل الرجال ممن تتوافر لهم الكفاءة العلمية والخبرة الغنية والمهارة السياسية والقدرة القيادية إلى جانب الفضائل الخلقية والدينية قبل كل شيء، وبذلك استطاع الوزراء الاضطلاع بمسؤولياتهم على أفضل وجه ممكن، فلم تمض أكثر من فترة قصيرة حتى اشتهرت عن جدارة بأنها (من أفضل الوزارات التي عرفها القرن التاسع عشر). واختار الأمر لحاشيته الخاصة رجالا عرفوا بأنهم من أخلص قادة البلاد العسكريين، ومن العلماء والقضاة، فكون منهم
стр. 621
(مجلسا للشورى) بلغ عدد أفراده أحد عشر عضوا يمثلون المناطق المختلفة، وجعل على رأسهم (قاضي قضاة الجزائر). وما كاد يفرغ الأمير من تنظيم أجهزة الدولة، حتى أرسل إلى عمال الحكومة السابقة (في العهد التركي) والذين لا زالوا في مناطق لم يغتصبها الاستعمار الإفرنسي، طالبا إليهم الامتثال إلى (الطاعة والجماعة). حاثا إياهم على إعلان الولاء للحكومة الجديدة، والرجوع إليها في كل أمورهم. فاستجابت له الأغلبية الساحقة، وأعربت عن غبطتها بالخضوع لطاعته. أما الذين أبوا الدخول في طاعة الأمير الجديد، مغتنمين الذعر والفوضى التي انتشرت في البلاد على إثر احتلال العدو لبعض مناطقها فقد اختاروا الاستقلال بإدراتهم تدفعهم إلى ذلك شهوة التحكم والطمع، غير مبالين بما بحدق بالبلاد من خطر مدمر، وما يترتب على عصيانهم من تشتيت لوحدة الشعب، وتبديد لقوته، في الوقت الذي كان فيه العدو يجند كافة موارده ويحشد جميع قواته لاجتياح الوطن الجزائري. هؤلاء المارقون، سرعان ما أفحمهم الأمير بالمنطق أو أخضعهم بالقوة، مستدركا الخطر الذي ينتج عن عنادهم. وعين في مناصبهم رجالا توافرت لهم الكفاءة والقدرة والعدل والإخلاص .. وبذلك استقرت الأمور الجديدة، وبدأت تعمل جاهدة على إرساء قواعد الحكم النزيه على أسس متينة قوامها الدين الإسلامي وقواعده وأسسه الفاضلة. وكان أول عمل قامت به الحكومة هو الإعلان عن إلغاء المظالم. وإبطال القوانين التي كانت تفرض على المواطنين الجزائريين بين ضرائب ثقيلة ومغارم مرهقة. وأزال ما كان يعرف (بقبائل المخزن) فحقق المساواة بين كل المواطنين أمام القانون. وضبط نظاما بسيطا للحكم، وأنقص ما يمكن من الوسطاء، بهدف الوصول إلى أكبر، وتأمين السرعة في التنفيذ، ومنح أعضاء الحكومة سلطات
стр. 622
واسعة، وحرص في الوقت ذاته على مراقبة ممارساتهم. وحدد للموظفين رواتب كافية حتى لا تمتد أيديهم إلى الحرام (الاختلاس والابتزاز).
وكانوا مسؤولين أمام الأمير، كما كانت الرقابة الشعبية - بلغة العهود الحديثة - مطبقة بصورة شاملة، حيث كان منها ديه يرفع صوته بين القبائل وفي الأسواق، داعيا الناس لممارسة هذا الحق بقوله: (من كانت له شكوى على الخليفة أو الآغا أو القائد أو الشيخ، فليرفعها إلى الديوان الأميري من غير واسطة، فإن الأمير ينصفه من ظالمه ومن ظلم فلم يرفع ظلامته إلى الأمير فلا يلومن إلا نفسه) وقد أكد مفهومه في مشاركة الشعب في الحكم من خلال رسالته التي كتبها إلى ملك فرنسا - لويس فيليب - والتي قال له فيها: (عليك أن تعلم أن أي إجراء لن يكون صالحا إذا لم يحظ بمصادقة الشعب).
يمتد الوطن الجزائري على مساحة جغرافية واسعة، على ما هو معروف، ولم تكن وسائط الاتصالات متوافرة بمثل بمثل ما أصبحت عليه اليوم، ولهذا عمل الأمير عبد القادر على إعادة تقسيم البلاد إلى مقاطعات وهذه إلى دوائر، ووضع في كل منها آغا، وهذه الدوائر تشمل على القبائل النازلة فيها، وتشمل القبيلة على (بطون وعشائر). فجعل على كل قبيلة قائدا وعلى كل بطن وعشيرة شيخا. فكانت الأوامر الأميرية تصدر إلى العمال المعروفين (بالخلفاء) ومنهم إلى الأغوات، ومنهم إلى القواد ومنهم إلى المشايخ. ويقوم المشايخ برفع القضايا التي تحدث والمشكلات التي تقع إلى القواد، وهم يرفعونها إلى الأغوات ومنهم ترفع إلى الخلفاء، ثم تعرض على الحضرة الأميرية، وفي وقت الحرب يصبح هؤلاء الرؤساء قادة عسكريون، فيجمع كل منهم جماعة من عشيرته ويقودها إلى الحرب. وكان (الأمير عبد القادر) يحرص عند تجميعه للقبائل على ما بينها من روابط، وعلى
стр. 623
ما يربطها ببيئتها المقيمة فوقها من روابط جغرافية وتاريخية. فلم يكن يتردد في تحويل بعض القبائل خوفا عليها من الضعف تجاه ترغيب العدو وإرهابه، وكان وهو يمارس ذلك كله يدرك تماما أهمية التنظيم. وقد عبر عن ذلك بقوله:
(كانت أوامري تصل إلى الخلفاء، ومنهم تنزل في تسلسل مضبوط إلى المشايخ، ثم ترفع تقارير المشايخ بنفس التسلسل، إلى أن تصل إلي. لقد كان هدفي هو طرد المسيحيين من أرض آبائنا. وكنت دوما أتحاشى استعمال الجواده (الأجواد) وأستعين بالعلماء وأهل الدين في تسيير الحكم. وقد أثبت طول المعركة بأنني كنت على صواب ... كما أنني أبعدت بطريقة مطلقة ودون أي استثناء الممثلين السابقين
للحكومة التركية، لأنهم كانوا دنيئين، وكان بودي أن يقارن الناس بسرعة بين الذين يتملكهم العجب، وتغريهم زينة الحياة الدنيا. وبيني أنا الذي لم يكن لي إلا هدف واحد وهو انتصار المسلمين. وأدركت بأنني لن أوفق إلى منع القادة الذين عينتهم من أن يقرفوا اختلاسا أو أستطيع معاقبتهم - في حال ما إذا اقترفوا شيئا من ذلك - إلا إذا وفرت لهم مرتبا يكفيهم مؤونة العيش. ولذا خصصت للخليفة (١١٠) دورو، شهريا، وصاعا من القمح يوميا حتى يتمكنوا من النفقة على ضيوفهم الكثيرين والذين يتقبلونهم بحكم مركزهم ومسؤوليتهم. وخصصت للآغا (عشر) جميع ما يتقاضاه من ضرائب وذلك نقدا أو وعينا. وكان القائد يعامل أقل من الآغا بحكم مستوى دائرته ومسؤوليته بالنسبة للآغا. وهكذا فإن كل واحد كان يتقاضى ما يناسب مهمته. ولحماية الرعية مما قد يلحقهم من مظالم من طرف رؤسائهم. فقد أقسم (حلف) الخلفاء والآغوات على صحيح البخاري بأن لا يعدلوا عن الحق، وأن يكونوا صادقين في خدمة
стр. 624
مواطنيهم. وكنت أسهر بنفسي على جميع أعمالهما) (١).
ولم تمض أكثر من سنوات قليلة (في سنة ١٨٣٧) حتى أصبحت الجزائر عبارة عن دولة اتحادية (فيدرالية) تضم ثماني مقاطعات، على رأس كل مقاطعة خليفة مهمته الرئيسية العمل على احترام الأجهزة الاجتماعية التقليدية، وتحقيق الوحدة الضرورية لمواصلة الحرب. فكان على رأس (تلمسان) السيد (محمد البوحميدي الولهاصي) وبها (١٣) ألف مقاتل. وعلى رأس (معسكر) صهر الأمير السيد الحاج (مصطفى بن أحمد التهامي) وبها (١٠) ألف مقاتل. ولما امتدت طاعته إلى ما وراء (وادي شلف) جعل (مليانة) مقاطعة ثالثة، وولى عليها السيد (محيي الدين بن علال القليعي) ولما مات ولي عليها السيد (محمد بن علال) من أقاربه، وكان معه (١٠،٤٤٠) مقاتل. ولكل من هذه المقاطعات الثلاث مرسى تخصها فلتلمسان مرفأ (رشقون - أو رشكون) ومرفأ معسكر هو (آرزيو).أما (شرشال) فقد بقي مرفأ لمقاطعة (مليانة) كما ولى أحد القادة العسكرين البارزين (وهو السيد محمد البركاني) على المدية، والسيد (ابن الطيب بن سالم) حاكما على (برج حمزة) ومعه (٤٣٥٠) جندي، وبإمكانه - بالإضافة إلى ذلك أن يعتمد على المتطوعين من بلاد القبائل. وولى السيد (طبال بن عبد السلام) خليفة على مجانة). أما الجنوب الصحراوي فكانت به مقاطعتان، إحداهما مقاطعة (الزيبان) وعلى رأسها السيد (بن عزوز) ومقاطعه الصحراء الغربية، وولى عليها السيد (قدور بن عبد الباقي) الذي كان تحت قيادته ما يزيد عن (٨) آلاف مجاهد. وفي المجموع كانت هناك (٨) مقاطعات تضم ما يزيد على (٥٩) ألف مقاتل، منهم قرابة (٦) آلاف جندي منظم. وهذا
стр. 625
ما يوضح لنا الدور العسكري الذي اضطلعت به الحكومة المنظمة لمقاومة الغزاة.
آ - تنظيم الجيش:
أخذ الأمير عبد القادر - منذ لحظة مبايعته بالإمارة - ببذل جهود جبارة لإعادة تنظيم الجيش. ووضعه في مصاف الجيوش المعاصرة له في الدول العظمى. فقسمه إلى ثلاث فرق - أو أسلحة - وهي (المشاة والخيالة والمدفعية) ووحد زيه - لباسه - وأصدر القوانين العسكرية التي يجب على الجندي التمسك بها، مع تحديد العقوبات الصارمة والرادعة على المخالفات والأخطاء المرتكبة. ووضع سلم التسلسل العسكري كالتالي:
جاويش (رقيب) لقيادة ١٢ جنديا.
رئيس الصف لقيادة ٢٠ جنديا.
السياف لقيادة ١٠٠ جندي.
الآغا لقيادة ١٠٠٠ جندي.
ويعاون الآغا والسياف في عمله (كاتب) مهمته تنظيم المحاسبة والرسائل والتقارير، ويشرف هذا الكاتب على أعمال توزيع الطعام
والرواتب الشهرية على الجند. ولكي يتميز الرئيس عن المرؤوس، منح الضباط بحسب رتبهم علامات فارقة من الذهب والفضة والجوخ الأحمر. ونقش على هذه العلامات آيات وعبارات تحمل جميعها طابع النظام والطاعة والجهاد. وتقرر منح الأوسمة لمستحقيها من شجعان الجنود: (فالجندي الذي ينقض على صفوف العدو فيغلب خصمه ويحرده من سلاحه، أو يدعو الجنود للصمود عندما يكونون على
стр. 626
وشك الهزيمة، ويمنع بمثاله وحضور عقله وقوع الفشل أو الهزيمة، سيعلق له السلطان شخصيا الوسام أمام الجيش كله، وتعلن بطولته بدق الطبول) ويختلف هذا الوسام في مظهره بحسب جدارة مستحقه، فهو يتكون من يد فضية، أو فضية مموهة بالذهب ممتدة الأصابع. وعدد الأصابع الممتدة يشير إلى عدد مواقف البطولة التي وقفها الجندي. وكل أصبع ممتد يجعل البطل مستحقا لراتب إضافي يبلغ شلنا واحدا شهريا. وفي وسط الوسام كتبت عبارة (ناصر الدين).وكان الوسام يلصق لا على الصدر ولكن على أحد جانبي رأس البرنس.
وكان الوسام يمنح أيضا للمدنيين الذين قاموا بخدمات إدارية عظيمة. كانت بدلة الجندي تتكون من سروال أزرق داكن مع حمرة ومن معطف بني له غطاء للرأس وطاقية وشاش صغيرين. وكان راتبه يبلغ تسعة فرنكات شهريا. وعلى الكم الأيمن لكل قائد خيطت العبارة التالية: (الصبر والمثابرة مفتاحا النصر) وعلى الكم الأيسر: (لا إله الا الله محمد رسول الله). وعلى الكتف الأيمن للآغا - وبدلا عن الشارة العسكرية لدى الأوروبيين - كتبت العبارة التالية: (لا شيء يفيد كالورع والشجاعة) وعلى الكتف الأيسر: (لا شيء يضر كالجدل والعصيان). وكان جميع ضباط الجيش يحملون عبارات مكتوبة على بدلاتهم مشابهة لهذه في مضمونها. فالصبائحية - أو الفرسان النظاميون - يلبسون بدلات بنية فقط، وكان قادتهم يحملون عبارة: (ثق في الله ورسوله - جاهد وانتصرا). وكان المدفعيون يحملون عبارة: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾.
لم يتجاوز عدد أفراد الجيش الإسلامي في عهد الأمير عبد القادر (١٦) ألف مقاتل، في صفوف الأسلحة الثلاثة، وكانت أعباء الجهاد
стр. 627
أكبر من حجم هذا الجيش النظامي. ولهذا فقد اعتمد الأمير عبد القادر على (مجاهدي القبائل) الذين بلغ عددهم في بعض الأحيان (١٥٠) ألف مجاهد.
وقسمت الوحدات الأساسية في الجيش النظامي إلى (كتائب) تضم الكتيبة منها (مائة جندي) أما الوحدة الأساسية في الفرسان فكانت السرية، وهي تضم (٥٠) رجلا. وبقي المدفع هو وحدة الرمي، ويبلغ عدد سدنة المدفع (١٢) جندا.
عندما بدأ (الأمير عبد القادر) في تكوين جيشه النظامي، وضع مجموعة من الأوامر التنظيمية العسكرية، تتضمن أدق التفاصيل المتعلقة بالانضباط والرواتب وملابس الجند. وكانت هذه الأوامر التنظيمية تقرأ مرتين في الشهر على مختلف الوحدات، وكانت تتخللها الوصايا والوعود للسلوك الطيب. ويكفي هنا التعرض لتوجيه يعتبر نموذجا لتلك الوصايا وفيه ما يلي: (من الضروري أن يكون القائد شخصيا شجاعا ومقداما، وأن يكون من أسرة محترمة، ليس محلا للانتقاد الأخلاقي، محافظا على دينه، صبورا، حليما، حذرا، حاضر البديهة، ذكيا في لحظة العسر والخطر، ذلك أن القائد بالنسبة لجنوده هو بمنزلة القلب من الجسد، فإذا كان القلب عليلا فلا فائدة من الجسد).
لقد تحدث (الأمير عبد القادر) عن الصعوبات التي جابهته منذ البداية، وعن الطرائق التي اتبعها للتغلب على تلك الصعوبات بما
يلي: (إن تجنيد جيش نظامي من شعب لم يعرف التجنيد الإجباري حتى أيام الحكم التركي، هو تجربة خطيرة تحتاج إلى حنكة وحذر كبير، لا سيما مع ما عرف عن هذا الشعب من الاستعداد للثورة بمجرد طرح فكرة التجنيد الإجباري ولهذا كان من المحال الإعلان عن خطة
стр. 628
من هذا النوع صراحة، فتم توجيه الدعوة الودية بشكل اقتراح وتلميح، ووزعت على كل المدن والدوائر، وهي:
(على كل من يرغب في أن يلبس لباسا أنيقا وأن يصبح ابنا للسلطان، عليه أن يأتي ويلتزم بذلك، فإنه يحصل على راتب محترم، وسيعفى من كل شيء) وقد استجاب بعض الشبان لما تضمنه النداء. وقدموا أنفسهم للتجنيد. وبذلك أمكن البدء بتشكيل الجيش النظامي بدون أن يشعر أحد بذلك تقريبا. وقد وصف الأمير عبد القادر تنظيمه العسكري بالتالي: (أصبح لدي جيشا نظاميا مكونا من (٨) آلاف جندي وألفي فارس - أو صبائحي - و (٢٤٠) مدفعا. وكان عندي (٢٠) مدفع ميدان بالإضافة إلى مخزون كبير من المدافع الحديدية والنحاسية مما خلفه الأتراك، والتي كان عدد كبير منها غير صالح للاسعمال عمليا. وإلى جانب ذلك، كانت هناك القوات التي ترسلها إلي القبائل الخاضعة لي وقوات خلفائي، والتي كانت تشكل قوة احتياطية ضخمة، رغم أنها مؤقتة، ما دمت لا أستطيع أن أحتفظ بالجنود لمدة طويلة بعيدا عن قبائلهم. ومن هنا كان لا بد من زيادة الاعتماد على الجيش النظامي - فكان باستطاعتي إمداد كل خليفة من خلفائي بألف جندي و (٢٠٠) فارسا، ومدفعين أو ثلاثة. وكان جنودي المشاة يجندون من المتطوعين فقط، ولكنهم كانوا أكفاء إذا أخذنا في الاعتبار وسائل المالية والأسلحة التي كانت تحت يدي ... وكان مدربو جيشي النظامي من المشاة هم جنود (النظام) من تونس وطرابلس، بالإضافة إلى الفارين من الجيش الإفرنسي. وقد ازداد عدد هؤلاء حتى تم تشكيل كتيبة خاصة منهم، وقد حاربوا ضد مواطنيهم بكل شجاعة وإقدام، ولقد وزعتهم على خلفائي. أما النظاميون من فرساني، فقد
стр. 629
رفضوا الخضوع لتدريب المدربين. إنهم كانوا في أسلوبهم الحربي تقودهم شهامة مستقلة تمنعهم من الاعتراف بسيد يحضعون له. وكانوا يعرفون بأنهم لا يساوون شيئا عند قتال الصدمة، غير أنهم كانوا يعتقدون أن ما من أحد ينافسهم في الاشتباك الفردي وفي الكمين وفي المباغتة وفي المناوشات الخفيفة. ولم يكن الهروب في نظرهم يحط من قدرهم حتى أمام قوة أصغر منهم، لأن هروبهم لم يكن في الغالب سوى خدعة. وكان المبدأ الذي علمتهم إياه هو أن يلحقوا الأضرار بالعدو قدر استطاعتهم بدون أن يتعرضوا هم لأي ضرر).
ب - التسلح والصناعة الحربية:
أمكن للأمير عبد القادر تلسيح جند جيشه النظامي كلهم بالبواريد الإفرنسية أو الإنكليزية. وحصل على هذه البواريد إما عن طريق الغنائم التي اكتسبها نتيجة معاركه الظافرة، أو من الجنود الإفرنسيين الفارين، أو بالشراء من المغرب الأقصى (مراكش). وكان على كل عربي يمتلك بارودة إفرنسية أن يبيعها إلى الدولة بمبلغ جنيهين إنكليزيين، ثم إن هذا العربي يحصل لنفسه على بندقية محلية الصنع، أو بطرقه الخاصة من الأسواق، أو من قبائل الصحراء التي تأتي إلى التل، فتغرق البلاد بأسلحة تحملها معها من تونس، ومن تقرت، ومن ميزاب، ومن أولاد سيدي الشيخ. وأدرك الأمير عبد القادر ضرورة الاعتماد في تسلحه على القدرة الذاتية للبلاد، فأقام مصانعه التي كان يديرها أوروبيون، والتي أخذت تنتح بكفاءة وإتقان ما يحتاجه الجيش من مصانعها في أهم المدن الخاضعة للأمير.
ففي (تلمسان) أقيم مصنع لصهر المدافع، كان ينتج يوميا إثنا
стр. 630
عشر، وستة مدكات مدافع - تحت إشراف هارب إسباني قدم إلى المغرب. وكان أحد الإفرنفسيين الإختصاصيين في علم المعادن (يدعى السيد دوكاس) قد أنشأ في مدينة مليانة مصنعا للبنادق وآخر لإنتاج البارود، وكان الحديد يحضر من منجم بالقرب من مليانة. وكانت مناجم ملح البارود والكبريت والحديد والنحاس محل عمل متواصل. وقد تركزت صناعة البارود في تلمسان ومعسكر ومليانة والمدية وتاقدات. وبالإضافة إلى ذلك، فقد اشترى (الأمير عبد القادر) كمية كبرى من البارود - من المغرب الأقصى - واشترى أيضا أحجار الصوان نظرا لعدم توافره في المغرب الأوسط - الجزائر - وتم استيراد الكبريت من فرنسا، أما ملح البارود فكان متوافرا في كل مكان. وكانت المدن الإفرنسية الساحلية تقدم للأمير ما يحتاجه من الرصاص - خلال فترات السلم - بالإضافة إلى الكميات الهائلة التي قدمها له المغرب الأقصى. وأمكن بعد ذلك فتح منجم للرصاص في جبل (الونشريس) غير أن تكاليف استخراج الرصاص هنا كانت باهظة جدا، ولهذا السبب، حرص الأمير على الاحتفاظ بالذخائر في مخازن الدولة، وعدم التوزيع على الأعراب إلا بكميات محدودة نظرا لأنهم كانوا يبذرون في اسخدامه خلال احتفالاتهم ومهرجاناتهم. ولم يخرج عن هذه القاعدة إلا عندما كان يتطلب الأمر إمداد الجند الذين يحاصرون الإفرنسيين، أو في ميادين القتال، حيث كان يتم الإمداد بالذخائر في مواقع القتال ذاتها. وعندما أخذ الأمير في بناء قاعدة (تاقدامت) - اعتبارا من سنة ١٨٣٦ م - عمل على تحويل السراديب الرومانية القديمة إلى مخازن للذخيرة والكبريت وملح البارود والنحاس والرصاص والحديد. ولكل الآلات والأدوات التي اشتراها (مولود بن عراش) من فرنسا بمبلغ أربعة آلاف جنيه استرليني. وكان مصنع
стр. 631
البنادق في (تاقدامت) ينتج ثماني بندقيات يوميا. وهو عمل من إنتاج صناع إفرنسيين جاء بهم من باريس بأجور حرة. وهناك وثيقة عن صناعة الذخائر - في المصانع الحربية الجزائرية - خلال تلك الفترة، جاء فيها ما يلي:
(يعمل العرب قبل كل شيء على لف المقوى - الورق - حول قضيب معدني مجوف، ثم يدخلون الرصاصة في الأنبوب، حتى إذا ما صنعوا عددا منها جاؤوا بالبارود المحمول على جلد الخراف حيث يقوم عدد من الجنود بدهن الأنابيب
(التي تحولت إلى خراطيش، أو ظروف) مع إملائها بالبارود مستخدمين في ذلك مقياسا صغيرا من القصب، في حين يعمل الآخرون على إحكام إغلاق الخرطوشة ووضعها في علب تتسع الواحدة منها إلى خمسة عشر خرطوشة - طلقة - ثم تغلف هذه بورق يكون عرضه مساويا تقريبا لطول الطلقات ويحزم الجميع) (١).
ج - الحصون والتنظيم الدفاعي:
اقتنع الأمير عبد القادر بنتيجة نجاح الإفرنسيين في احتلال (معسكر وتلمسان) دونما عناء كبير، بأنه من الضروري إقامة مراكز للاستيطان تكون بعيدة عن قبضة الإفرنسيين, وكان لا بد له في الوقت ذاته من اختيار مواقع هذه المراكز الاستيطانية - أو المدن - بحيث يمكن لها الإشراف على مناطق استيطان العرب لإبقائها تحت هيمنته، وإشعار القبائل الصحراوية المضطربة بالسلطة، وحمايتها من هجمات الإفرنسيين. وقد اختار خط التل في الجنوب لإقامة هذه
стр. 632
المدن، فأقام مدينة إلى جنوب كل مدينة كبرى سيطر عليها الإفرنسيين. وعلى الرغم مما كان يعانيه (الأمير عبد القادر) من ضعف الموارد، فقد انصرف بكليته لإقامة هذه التحصينات والمدن في المواقع الجيو - استراتيجية الحصينة، فكان منها (سيبدو) في الغرب، و (سعيدة) في الجنوب من تلمسان و (تاقدامت) إلى الجنوب من معسكر، و (بوغار) إلى الجنوب من مليانة، و (بلخورط) الواقعة جنوب - شرق مدينة الجزائر مقابلة المدية، وأخيرا (بسكرة) إلى الجنوب من قسنطينة. وكان الأمير عبد القادر وهو يقيم هذه المدن مقتنعا بأنه عند استئناف الحرب سيكون مضطرا لإخلاء كل المدن الواقعة على الخط الأوسط للأطلس، وبذلك سيكون من المحال على الإفرنسيين الوصول إلى الصحراء قبل مضي مدة طويلة على الأقل، لا سيما وأن الذيل الإداري الثقيل للقوات الإفرنسية سيعيق من تحركها السريع. وقد رغب في تدمير المدية ومليانة ومعسكر وتلمسان، حتى يحرم الإفرنسيين من التوغل بسرعة نحو الصحراء غير أن هذا المخطط الذي يعتمد على ما هو معروف باسم (الأرض المحروقة) قد لقي مقاومة بحجة أن الإفرنسيين يستطيعون بناء ما تهدم، كما أن عملية إعادة بناء هذه المدن عند الانتصار على الإفرنسيين سيكلف مبالغ طائلة (فظيعة). وكان من رأي الأمير أن هذه المدن التي يرغب في تدميرها هي (حجر المرتقى) التي سيصعده الإفرنسيون للوصول تدرمجيا إلى جوف الجزائر. ويعتبر بناء (تاقدامت) في طليعة منجزاته في هذا المجال، وقد كانت (تاقدامت) مدينة رومانية قديمة لم يبق منها إلا الأنقاض التي أراد (الأمير) الإفادة منها لإقامة عاصمة لإمارته. وكانت تقع على مسافة ستين ميلا إلى الجنوب الشرقي من وهران، ويبلغ محيطها العشرة أميال، وفيها معبدين كبيرين. وبقيت هذه المدينة خلال
стр. 633
عهد الازدهار الإسلامي مركزا للحكومة وفيها مدرسة ثانوية تخرج منها عدد من العلماء والشعراء. غير أن الصراع بين حكام القيروان و (فاس) في نهاية القرن العاشر الميلادي تسبب في تدميرها نهائيا، فجاء الأمير عبد القادر، وصمم على إعادة مجدها لها، مستفيدا من موقعها الجيو - استراتيجي الحصين، فوضع حجر الأساس لأول حجرة (غرفة) فيها - في شهر أيار (مايو) سنة ١٨٣٦، ووضع بنفسه خطة التحصينات التي يجب أن تحيط بها، ودفع جوائز إلى كل القبائل القريبة منها حتى ترسل له العمال للاسهام في بناء الحصون. وأحضر سكان (معسكر) ومعهم معاولهم ومجارفهم وسلالهم للعمل فيها. كما أرسلت (المدية ومليانة) الأجبان والفواكه المتنوعة، وقد كانت هذه المواد التموينية بالإضافة إلى الخبز الأبيض الجيد، وإلى وجبات اللحم والأجور، من العوامل التي أسهمت بإنجاز العمل، فسرعان ما شيدت المنازل وظهرت الشوارع، وتقاطر عليها المواطنون من مختلف الأجناس للاستقرار فيها واستيطانها، فكان هناك العرب والأندلسيون والكراغلة (أب تركي وأم عربية جزائرية) الذين قدموا مع عائلاتهم لكناها بالإضافة إلى بقية المواطنين القادمين من (معسكر ومازغران - مازغنان - ومستغانم). وقد تحدث الأمير عن هذا الإنجاز بقوله: (كانت - تاقدامت - ستصبح مدينة كبيرة، وهمزة وصل للتجارة بين التل والصحراء. وقد مر العرب بموقعها، وجاؤوا إليها في غبطة لأنها تمنحهم فرصا كبيرة للربح، وبالإضافة إلى ذلك، كانت تاقدامت شركة في عين القبائل الصحراوية المستقلة، فهم لا يستطيعون الهروب مني. وقد سيطرت عليهم بمجرد التحكم في حاجاتهم المادية. فما دامت الصحراء لا تنتج الحبوب فهم مضطرون أن يأتوا إلي للتموين، لقد بنيت - تاقدامت -
стр. 634
فوق رؤوسهم. وعندما شعروا بذلك سارعوا إلى عرض طاعتهم. والواقع أنه منذ هذا الوقت كان باستطاعتي دائما أن أفاجئهم بفرساني غير النظاميين (القوميين - أو القوم). وإذا لم أتمكن من حمل خيامهم معي فقد كنت على الأقل أسوق مواشيهم. وكانت العقوبات القاسية التي طبقتها على بعض القبائل النائية قد جعلت البقية تدرك بسرعة أنه لا أمل في الهروب مني. وهكذا انتهى الأمر بالجميع إلى الخضوع لسلطتي، ودفع العشور والزكاة بانتظام. بل لقد كان من عادتي أن أرسل من يحصي مواشيهم دون أن ينسبوا بكلمة واحدة). وكان الأمير عبد القادر يشرف على كل الأعمال برقابة شخصية مستمرة. وقد وصف السيد (دي فرانس) الذي كان أحد المساجين عندما كانت تلك الأعمال في أوج نشاطها، ما رآه فقال: (بعد زيارة الأنقاض جئنا إلى استحكام كان عبد القادر يقيمه على بعد حوالي مائتي خطوة من قلعة - تاقدامت - وقد اقتربنا من السلطان الذي كان متكئا، بصحبة كاتبه - ابن عبود ومولود بن عراش - على مرتفع من تراب ألقى به العمال حديثا من خندق كانوا يحفرونه باجتهاد. كان لباسه من البساطة بحيث لا يميزه المرء عن العمال إلا بصعوبة. وكان يضع على رأسه مظلة كبيرة مصنوعة من سعف النخيل، وكان محيط حافة المظلة التي كانت مخيطة بخيوط من الصرف ومزينة بالعذبات، يبلغ ثلاثة أقدام. أما المظلة نفسها فقد كان علوها قدما ونصفا على الأقل. وكانت تبدو كأنها نفق منته بهامة. وعندما مررت بالسلطان حيانى بجلال فريد، وبابتسامة عذبة، وأشار على بيده للجلوس. وقد بادءته بالحديث قائلا: إذا حكمنا من الأنقاض، فإن المدينة لا شك كانت فيما مضى واسعة ومزدهرة. فأجابني: نعم لقد كانت جميلة جدا وعظيمة جدا فسألت: هل تعتقد أنني سأكتشف أي حجر عليه كتابات قديمة؟
стр. 635
فأجابني: (إنك سوف لا تجد شيئا، لأن هذه المدينة لم تكن ذات يوم مسيحية. ولقد كانت إحدى أوائل المدن التي بناها العرب. وكان أجدادي السلاطين الذين كان مركزهم - تاقدامت - يحكمون من تونس حتى المغرب الأقصى) ثم سألني السلطان رأيي في بناء التحصينات. فأجبته بأنها تظهر لي جيدة في موقعها وفي هندستها. وكان من الواضح أنه استفاد في بناء تحصيناته من نظرة نقدية إلى تحصيناتنا الخشبية. ويبدو أنه قد سر كثيرا من جوابي. ثم استأنف حديثه معي قائلا بحيوية:. - (إنني ما زلت آمل أن أعيد إلى تاقدامت ماضيها المجيد. وإنني سوف أجمع القبائل فيها حيث سنكون في مأمن من هجمات الإفرنسيين. وعندما تكون كل قواتي قد اجتمعت فإنني سوف أنزل من هذه الصخرة الشماء، كما ينزل النسر من عشه، لكي أطهر مدن الجزائر وعنابة ووهران من المسيحيين. ولو أنكم راضون حقيقة بهذه المدن لتركتكم تعانون فيها، لأن البحر ليس من شأني، وليس لي سفن. ولكنكم تريدون أيضا الاستيلاء على سهولنا ومدننا الداخلية وجبالنا. بل إنكم طمعتم حتى في خيلنا وإبلنا وخيامنا ونسائنا. لقد تركتم بلادكم وأتيتم لتأخذوا الأرض التي وضع فيها محمد (ص) شعبه. ولكن سلطانكم ليس فارسا ولا مرابطا، وستتعثر خيولكم وتسقط عن جبالنا لأنها ليست ثابتة الأقدام كخيولنا، وسيموت جندكم مرضا، وحتى أولئك الذين سينجون من المرض سيسقطون برصاصنا).
أراد الأمير عبد القادر جعل (تاقدامت) قاعدة صلبة للدولة المحاربة، لا مجرد قلعة حربية فقط، فوضع في اعتباره ضرورة إقامة مراكز علمية فيها، وإنشاء مدرسة ثانوية، وإقامه مكتبة عامة شرع في