← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

البنادق في (تاقدامت) ينتج ثماني بندقيات يوميا. وهو عمل من إنتاج صناع إفرنسيين جاء بهم من باريس بأجور حرة. وهناك وثيقة عن صناعة الذخائر - في المصانع الحربية الجزائرية - خلال تلك الفترة، جاء فيها ما يلي: (يعمل العرب قبل كل شيء على لف المقوى - الورق - حول قضيب معدني مجوف، ثم يدخلون الرصاصة في الأنبوب، حتى إذا ما صنعوا عددا منها جاؤوا بالبارود المحمول على جلد الخراف حيث يقوم عدد من الجنود بدهن الأنابيب (التي تحولت إلى خراطيش، أو ظروف) مع إملائها بالبارود مستخدمين في ذلك مقياسا صغيرا من القصب، في حين يعمل الآخرون على إحكام إغلاق الخرطوشة ووضعها في علب تتسع الواحدة منها إلى خمسة عشر خرطوشة - طلقة - ثم تغلف هذه بورق يكون عرضه مساويا تقريبا لطول الطلقات ويحزم الجميع) (١). ج - الحصون والتنظيم الدفاعي: اقتنع الأمير عبد القادر بنتيجة نجاح الإفرنسيين في احتلال (معسكر وتلمسان) دونما عناء كبير، بأنه من الضروري إقامة مراكز للاستيطان تكون بعيدة عن قبضة الإفرنسيين, وكان لا بد له في الوقت ذاته من اختيار مواقع هذه المراكز الاستيطانية - أو المدن - بحيث يمكن لها الإشراف على مناطق استيطان العرب لإبقائها تحت هيمنته، وإشعار القبائل الصحراوية المضطربة بالسلطة، وحمايتها من هجمات الإفرنسيين. وقد اختار خط التل في الجنوب لإقامة هذه

стр. 632

المدن، فأقام مدينة إلى جنوب كل مدينة كبرى سيطر عليها الإفرنسيين. وعلى الرغم مما كان يعانيه (الأمير عبد القادر) من ضعف الموارد، فقد انصرف بكليته لإقامة هذه التحصينات والمدن في المواقع الجيو - استراتيجية الحصينة، فكان منها (سيبدو) في الغرب، و (سعيدة) في الجنوب من تلمسان و (تاقدامت) إلى الجنوب من معسكر، و (بوغار) إلى الجنوب من مليانة، و (بلخورط) الواقعة جنوب - شرق مدينة الجزائر مقابلة المدية، وأخيرا (بسكرة) إلى الجنوب من قسنطينة. وكان الأمير عبد القادر وهو يقيم هذه المدن مقتنعا بأنه عند استئناف الحرب سيكون مضطرا لإخلاء كل المدن الواقعة على الخط الأوسط للأطلس، وبذلك سيكون من المحال على الإفرنسيين الوصول إلى الصحراء قبل مضي مدة طويلة على الأقل، لا سيما وأن الذيل الإداري الثقيل للقوات الإفرنسية سيعيق من تحركها السريع. وقد رغب في تدمير المدية ومليانة ومعسكر وتلمسان، حتى يحرم الإفرنسيين من التوغل بسرعة نحو الصحراء غير أن هذا المخطط الذي يعتمد على ما هو معروف باسم (الأرض المحروقة) قد لقي مقاومة بحجة أن الإفرنسيين يستطيعون بناء ما تهدم، كما أن عملية إعادة بناء هذه المدن عند الانتصار على الإفرنسيين سيكلف مبالغ طائلة (فظيعة). وكان من رأي الأمير أن هذه المدن التي يرغب في تدميرها هي (حجر المرتقى) التي سيصعده الإفرنسيون للوصول تدرمجيا إلى جوف الجزائر. ويعتبر بناء (تاقدامت) في طليعة منجزاته في هذا المجال، وقد كانت (تاقدامت) مدينة رومانية قديمة لم يبق منها إلا الأنقاض التي أراد (الأمير) الإفادة منها لإقامة عاصمة لإمارته. وكانت تقع على مسافة ستين ميلا إلى الجنوب الشرقي من وهران، ويبلغ محيطها العشرة أميال، وفيها معبدين كبيرين. وبقيت هذه المدينة خلال

стр. 633

عهد الازدهار الإسلامي مركزا للحكومة وفيها مدرسة ثانوية تخرج منها عدد من العلماء والشعراء. غير أن الصراع بين حكام القيروان و (فاس) في نهاية القرن العاشر الميلادي تسبب في تدميرها نهائيا، فجاء الأمير عبد القادر، وصمم على إعادة مجدها لها، مستفيدا من موقعها الجيو - استراتيجي الحصين، فوضع حجر الأساس لأول حجرة (غرفة) فيها - في شهر أيار (مايو) سنة ١٨٣٦، ووضع بنفسه خطة التحصينات التي يجب أن تحيط بها، ودفع جوائز إلى كل القبائل القريبة منها حتى ترسل له العمال للاسهام في بناء الحصون. وأحضر سكان (معسكر) ومعهم معاولهم ومجارفهم وسلالهم للعمل فيها. كما أرسلت (المدية ومليانة) الأجبان والفواكه المتنوعة، وقد كانت هذه المواد التموينية بالإضافة إلى الخبز الأبيض الجيد، وإلى وجبات اللحم والأجور، من العوامل التي أسهمت بإنجاز العمل، فسرعان ما شيدت المنازل وظهرت الشوارع، وتقاطر عليها المواطنون من مختلف الأجناس للاستقرار فيها واستيطانها، فكان هناك العرب والأندلسيون والكراغلة (أب تركي وأم عربية جزائرية) الذين قدموا مع عائلاتهم لكناها بالإضافة إلى بقية المواطنين القادمين من (معسكر ومازغران - مازغنان - ومستغانم). وقد تحدث الأمير عن هذا الإنجاز بقوله: (كانت - تاقدامت - ستصبح مدينة كبيرة، وهمزة وصل للتجارة بين التل والصحراء. وقد مر العرب بموقعها، وجاؤوا إليها في غبطة لأنها تمنحهم فرصا كبيرة للربح، وبالإضافة إلى ذلك، كانت تاقدامت شركة في عين القبائل الصحراوية المستقلة، فهم لا يستطيعون الهروب مني. وقد سيطرت عليهم بمجرد التحكم في حاجاتهم المادية. فما دامت الصحراء لا تنتج الحبوب فهم مضطرون أن يأتوا إلي للتموين، لقد بنيت - تاقدامت -

стр. 634

فوق رؤوسهم. وعندما شعروا بذلك سارعوا إلى عرض طاعتهم. والواقع أنه منذ هذا الوقت كان باستطاعتي دائما أن أفاجئهم بفرساني غير النظاميين (القوميين - أو القوم). وإذا لم أتمكن من حمل خيامهم معي فقد كنت على الأقل أسوق مواشيهم. وكانت العقوبات القاسية التي طبقتها على بعض القبائل النائية قد جعلت البقية تدرك بسرعة أنه لا أمل في الهروب مني. وهكذا انتهى الأمر بالجميع إلى الخضوع لسلطتي، ودفع العشور والزكاة بانتظام. بل لقد كان من عادتي أن أرسل من يحصي مواشيهم دون أن ينسبوا بكلمة واحدة). وكان الأمير عبد القادر يشرف على كل الأعمال برقابة شخصية مستمرة. وقد وصف السيد (دي فرانس) الذي كان أحد المساجين عندما كانت تلك الأعمال في أوج نشاطها، ما رآه فقال: (بعد زيارة الأنقاض جئنا إلى استحكام كان عبد القادر يقيمه على بعد حوالي مائتي خطوة من قلعة - تاقدامت - وقد اقتربنا من السلطان الذي كان متكئا، بصحبة كاتبه - ابن عبود ومولود بن عراش - على مرتفع من تراب ألقى به العمال حديثا من خندق كانوا يحفرونه باجتهاد. كان لباسه من البساطة بحيث لا يميزه المرء عن العمال إلا بصعوبة. وكان يضع على رأسه مظلة كبيرة مصنوعة من سعف النخيل، وكان محيط حافة المظلة التي كانت مخيطة بخيوط من الصرف ومزينة بالعذبات، يبلغ ثلاثة أقدام. أما المظلة نفسها فقد كان علوها قدما ونصفا على الأقل. وكانت تبدو كأنها نفق منته بهامة. وعندما مررت بالسلطان حيانى بجلال فريد، وبابتسامة عذبة، وأشار على بيده للجلوس. وقد بادءته بالحديث قائلا: إذا حكمنا من الأنقاض، فإن المدينة لا شك كانت فيما مضى واسعة ومزدهرة. فأجابني: نعم لقد كانت جميلة جدا وعظيمة جدا فسألت: هل تعتقد أنني سأكتشف أي حجر عليه كتابات قديمة؟

стр. 635

فأجابني: (إنك سوف لا تجد شيئا، لأن هذه المدينة لم تكن ذات يوم مسيحية. ولقد كانت إحدى أوائل المدن التي بناها العرب. وكان أجدادي السلاطين الذين كان مركزهم - تاقدامت - يحكمون من تونس حتى المغرب الأقصى) ثم سألني السلطان رأيي في بناء التحصينات. فأجبته بأنها تظهر لي جيدة في موقعها وفي هندستها. وكان من الواضح أنه استفاد في بناء تحصيناته من نظرة نقدية إلى تحصيناتنا الخشبية. ويبدو أنه قد سر كثيرا من جوابي. ثم استأنف حديثه معي قائلا بحيوية:. - (إنني ما زلت آمل أن أعيد إلى تاقدامت ماضيها المجيد. وإنني سوف أجمع القبائل فيها حيث سنكون في مأمن من هجمات الإفرنسيين. وعندما تكون كل قواتي قد اجتمعت فإنني سوف أنزل من هذه الصخرة الشماء، كما ينزل النسر من عشه، لكي أطهر مدن الجزائر وعنابة ووهران من المسيحيين. ولو أنكم راضون حقيقة بهذه المدن لتركتكم تعانون فيها، لأن البحر ليس من شأني، وليس لي سفن. ولكنكم تريدون أيضا الاستيلاء على سهولنا ومدننا الداخلية وجبالنا. بل إنكم طمعتم حتى في خيلنا وإبلنا وخيامنا ونسائنا. لقد تركتم بلادكم وأتيتم لتأخذوا الأرض التي وضع فيها محمد (ص) شعبه. ولكن سلطانكم ليس فارسا ولا مرابطا، وستتعثر خيولكم وتسقط عن جبالنا لأنها ليست ثابتة الأقدام كخيولنا، وسيموت جندكم مرضا، وحتى أولئك الذين سينجون من المرض سيسقطون برصاصنا). أراد الأمير عبد القادر جعل (تاقدامت) قاعدة صلبة للدولة المحاربة، لا مجرد قلعة حربية فقط، فوضع في اعتباره ضرورة إقامة مراكز علمية فيها، وإنشاء مدرسة ثانوية، وإقامه مكتبة عامة شرع في

стр. 636

إحضار الكتب إليها من كل أنحاء المشرق العربي - الإسلامي (وقد كلفت المكتبة كثيرا من الوقت والجهد) على حد تعبير الأمير، وأقام في (تاقدامت) دارا لسك النقود الفضية والنحاسية (التي حمل أحد وجهيها عبارة - باسم الله - نعم المولى ونعم النصير - وحمل وجهها الآخر عبارة: ضرب في تاقدامت بأمر السلطان عبد القادر). كما أقيمت في (تاقدامت) مصانع النسيج التي أخذت في إنتاج الأقمشة ذات النوعية الممتازة. علاوة على مصانع الأسلحة والذخائر. ونظمت حماية المدينة، فكان هناك اثني عشر مدفعا وستة مدافع هاون منتشرة بين التحصينات القوية. د - التنظيم الإداري والتموين: كان على (الأمير عبد القادر) استثمار كافة الموارد لما يطلق عليه اسم (إقتصاد الحرب). فقد كان عليه، كما قال هو ذاته: (توفير المصاريف لادارتي. كان علي أن أصنع كل شيء من العدم، رغم أنني قيدت نفسي بالإنفاق على ما هو ضروري فقط. فكان لابد من فرض الضرائب الثقيلة) ومن أجل ذلك، أمر خلفائه في الأقاليم بمراقبة الموارد مراقبة شخصية، فكانوا يقومون بجولة مرتين في السنة، مرة في الربيع لجمع الزكاة، وأخرى أثناء الحصاد لجمع العشور. وكان عليهم خلال جولاتهم مراقبة إدارة الآغوات وتنظيمها، ورفع التقارير إلى الأمير عن أي شكوى ضدهم، كما كان عليهم الإشراف على الأعمال الأخرى التي تجري في أملاك الدولة. وكان يتبع - الخلفاء - في جولاتهم، عادة، فرقة نظامية وقوة من الفرسان غير النظاميين - الإحتياطيين - المعروفين باسم (الصبائحية). ذلك أنه كان من الصعب حمل الأعراب على دفع الضرائب طوعا، لا سيما عندما كان

стр. 637

يتعرض الأمير للهزيمة في مجابهته لقوات الإفرنسيين، فكان لسان حالهم كما وصفهم عبد القادر يردد في السر: (إن السلطان مشغول بالمسيحيين، فهو لا يستطيع فرض الضرائب علينا، دعنا لا ندبع إليه، بل دعنا نرى ما سيحدث) وما كان يحدث هو أنهم كانوا في النهاية يدفعون كل شيء، مع المتأخرات، ولكنهم لم يتعظوا أبدا فالعرب - على حد تعبير الأمير (لا ينظرون دائما إلا إلى اللحظة التي هم فيها). وكان الأمير عبد القادر يحاول وهو يطالب القبائل بدفع ما هو ضروري لدعم الدولة، أن يتوافق ذلك في الوقت ذاته مع مصالحهم الخاصة، بحيث يتم الجمع بين المصلحة العامة للدولة والمصالح الخاصة للمواطنين. ومن أجل ذلك طلب إلى خلفائه أن يقبلوا، بدل الضرائب والغرامات، المواد الاستهلاكية والبغال والإبل، وبالأخص الخيول. وكان يستفيد من ذلك كله، فيقدم الخيول لفرسانه، ويسخدم البغال والإبل في عمليات النقل والإمداد. أما المواد الاستهلاكية فكانت تقدم لتموين الجنود مع حفظ الفائض منها في مستودعات - مخازن - للطوارىء. ولقد تزايدت مصادر دخل (الأمير) عن طريق الغزوات التي كان يقوم بها كلما لجأت القبائل إلى السلاح لحل خلافاتها فيما بينها. فجعل من دولته المرجع الوحيد للاحتكام من أجل حل مثل هذه الخلافات، وأمكن له توسيع هذه القاعدة وتعميمها بحيث باتت لا تطلق رصاصة واحدة إلا بإذن الأمير وموافقته. وكان يعمل على توزيع الخيول والبغال والإبل التي تزيد عن حاجته بين القبائل للعناية بها ورعايتها لقاء أجور كافية. وقد برهنت هذه الطريقة على أهميتها وفاعليتها لمجابهة الظروف الصعبة الناجمة عن الحرب، حيث كانت خسائر الخيول في الفرقة النظامية كبيرة جدا،

стр. 638

حتى أنه ما من فارس لم يقتل تحته سبعة أو ثمانية من الخيول، وفي بعض الأحيان اثني عشر حتى ستة عشر فرسا. ويذكر الأمير عبد القادر هذا الموضوع بقوله: (وعلى سبيل المثال: فهناك ابن يحيى، ذلك الجندي الهمام الذي فضل موتا محققا على أن يعيش بعد هزيمتي، خلال معركتي الأخيرة مع المغاربة. (في كانون الأول - ديسمبر - ١٨٤٧) فقد ثمانية عشر حصانا قتلت كلها تحته. وقد بلغت المنافسة درجة كبيرة في هذا المجال حتى أن أي فارس يقضي سنة دون أن يكون له حصان جرح أو قتل تحته، كان ينظر إليه باحتقار .. وكان (الأمير) لا يكتفي بتوزيع الخيول على الفرق النظامية، بل إنه كان يقدم الخيول أيضا إلى الفرسان غير النظاميين (القوميين - أو القوم) ممن تقتل خيولهم في العركة حتى بلغ عدد الخيول التي قدمها لهؤلاء أكثر من (٦) آلاف حصان. ولم يكن باستطاعته دائما تأمين هذه الخيول، فكان يعمل في مثل هذه الحالات على تعويض الفارس الذي يقتل فرسه بجملين أو ثلاثين رأسا من الغنم يقوم الفارس ببيعها وشراء حصان بثمنها لركوبه. وقد تحدث (الأمير عبد القادر) عن بعض مصاعبه في مجال التنظيم الإداري والمالي، فقال: (لكي أعطي فكرة عن استهلاك الخيول، أقول إنني خلال سنة واحدة، أعطيت (٥٠٠) حصان لغرابة وهران، وحوالي نفس العدد (لحاجوط) في سهول مدينة الجزائر. وفي الوقت ذاته هناك كثيرون لم أحاول أبدا تعويضهم، إما لأن أصحابهم أغنياء، وإما لأنني لم أعد أملك الوسائل لتعويضهم. وكانت الأغنام والأبقار التي تدفع بعنوان الزكاة تعطى للقبائل تحت إشراف القادة. وكان واجب هؤلاء المسؤولين أن يحسبوها، وأن يعينوا لها رعاة لإطعامها والعناية بها. وكانت هذه الحيوانات، التي توجد في مقر حكم كل خليفة، تستخدم لسد تكاليف الضيوف،

стр. 639

ولمعونة الفقراء ومساعدة الطلبة ولتموين جيشي الذي كان يأكل اللحم مرتين في الأسبوع. وبهذه الطريقة استطعت أن أقيم نظاما كاملا لإدارة الضرائب في كل ولاية (خلافة). ولكن عندما استؤنفت الحرب، لم أستطع منع الغش، وقد اغتنم العرب في كل مكان فرصة انشغالي، ولم يستطع سوى خليفتين أن يحافظا على النظام الذي أقمته إلى آخر لحظة، وهما: البوحميدي وابن علال، وقد كان الناس يخشون كلا منهما لصرامته. ولم تكن الاحتياطات التي ذكرتها تكفي لتموين جيشي في كل المجالات التي دعاه واجب الحرب للعمل فيها. لذلك أمرت تفاديا لوضع عبء جديد على الأهالي وهو إقامة (مطامير) أو مخازن للحبوب تحت الأرض في كل ولاية (خلافة) وكانت هذه المخازن توضع تحت حماية قائد كل قبيلة وبحيث لا يمكن للعدو العثور عليها، وكانت هذه المطامير - أو المستودعات مخصصة للحبوب التي تدفع كعشور، أو من أراضي الدولة، والتي كانت تحرث وتزرع مقابل أجور يتم دفعها للمزارعين، وأحيانا بالقوة. وبهذه الطريقة، برهنت للعرب، الذين من طبيعتهم الشك أنني لم آخذ شيئا من الضرائب لمصلحتي الشخصية. لقد جعلتهم يدفعون للصالح العام فأجابوني. والواقع أن هذه المخازن هي التي أخرت سقوطي، فعندما جردت من مخازن تمويني، أصبحت مضطرا لفرض مطالب جديدة على القبائل. ولما شعرت هذه القبائل بالضغط الشديد من الجهتين، العدو والصديق، ارتخى حماسها للجهاد. أما بالنسبة لي، فما حاجتي إلى اللجوء للخزينة العامة لدفع مصاريفي الخاصة، فإلى اللحظة التي وضع فيها الإفرنسيون أيديهم على أملاكي القليلة، لم أمس قط أي شيء مما أعطاني العرب للمصاريف العامة. وعندئذ لم آخذ إلا ما كان ضروريا جدا. فملابسمي كانت تصنعها نساء بيتي،

стр. 640

ودخل القليل كان يكفي لحاجات أسرتي. بل حتى الفائض القليل الذي ترك لي كنت أصرفه في مساعدة الفقراء والمسافرين، وبالأخص المحتاجين من أصحابي في السلاح الذين كانوا قد جرحوا أثناء الجهاد. وبذلك كان في استطاعني باستمرار أن أنادي العرب للتضحيات الكبيرة، لأنني أريتهم أن الزكاة والعشور والغرامات والمساعدات، وكل مواردي في الحقيقة، كانت مخصصة لخدمة الصالح العام فقط. وعندما اضطررت لدعوة العرب من أجل تقديم قرض كبير، كانت استجابتهم بطيئة فبعت فورا كل مجوهرات عائلتي بالمزاد العلني في أسواق معسكر، وأعلنت على الملأ أن ثمنها سيرسل إلى الخزانة العامة، فجاء القرض حينئد بسرعة، حتى ظهرت مشكلة من يدفع أولا). لقد كان على (الأمير عبد القادر) الاهتام بكل المتطلبات، صغيرها وكبيرها، ومن ذلك أنه عين لدى حكومة كل خليفة من خلفائه خياطين وصانعي الدروع والسروج لكي يصنعوا ملابس الجنود ويصلحوا أسلحتهم ويحافظوا على عدة خيولهم. كما وزع مثل هؤلاء على القبائل حتى يكون رجالها على استعداد دائم للحرب، وحتى يمكن لهم الاستجابة لنداء القتال فورا. ولم يكن باستطاعة الأمير عبد القادر إنجاز مخططاته وتحقيق أهدافه لو لم يسهر بنفسه على تنفيذها بهمة لا تعرف الكلل، وكان دائم الحركة يفتش جنوده، ويزور مخازنه الحربية، ويتفقد مدارسه، ويدير القضاء. تدفعه إلى ذلك غيرة متقدة لتحقيق مهمته العظيمة على أكمل وجه ولهذا فهو لم يضع ساعة واحدة من ليل أو نهار بدون أن يصرفها في التخطيط والترتيب وتنفيذ مشاريع جديدة للتقدم والإصلاح.

стр. 641

٣ - بناء الدولة الإسلامية كان الهدف الأسمى والأشمل لعبد القادر هو جعل عرب الجزائر شعبا واحدا، ودعوتهم للمحافظة التامة على دينهم، وبعث روح الوطنية فيهم، وإيقاظ كل قدراتهم الكامنة، لبناء مجتمع الحرب والسلم، ولدعم اقتصاد الحرب بزيادة الإنتاج في مجالات الزراعة والصناعة والتجارة. ولم يكن الطريق ممهدا، واصطدم بعقبات كثيرة، غير أنه تابع بذل جهوده بدون كلل أو ملل لإيقاظ الشعور الديني للعرب وتوحيدهم وتوجيههم نحو الهدف الأسمى (الجهاد في سبيل الله ضد الغزاة - أعداء الدين والوطن). ومن أجل ذلك فقد عمل منذ البداية على تنظيم التعليم العام ونشره بين القبائل. وقد تحدث عن ذلك بقوله: (كان من واجبي كحاكم مسلم أن أدعم علوم الدين وأن أبعثها. لذلك فتحت المدارس في المدن وبين القبائل. فكان الأطفال في هذه المدارس يتعلمون بدون مقابل العبادات والصلاة وحفظ تعاليم القرآن وفروضه ومعرفة القراءة والكتابة والحساب بصورة جيدة) وكان الذين يريدون مواصلة تعليمهم بعد ذلك يرسلون إلى الزوايا والمساجد لتعلم التاريخ وعلوم الدين. وخصصت للطلبة رواتب على حسب معارفهم ودرجاتهم. وظهر لي أن العلم هام جدا،

стр. 642

فعملت على تشجيعه، حتى إنني عفوت أكثر من مرة عن أناس مجرمين محكوم عليهم بالموت لمجرد أنهم طلبة ومعروف أن المرء في بلادنا يحتاج إلى وقت طويل حتى يصل إلى مرتبة عالية من التحصيل في العلم. لذلك لم تكن لدي الشجاعة لإضاعة ثمار احتاجت إلى سنوات من الجهد في يوم واحد. إن الساكن في كوخ قد يقطع نخلة لا تريحه، ولكن كم سنة يجب عليه أن ينتظر قبل أن يصبح بإمكانه تذوق ثمار نخلة أخرى يغرسها. ولكي أساعد الطلبة على دراستهم بذلت أقصر جهد ممكن للمحافظة على الكتب والمخطوطات من الضياع. وكان هناك أكثر من سبب يدفعني إلى بذل هذه الجهود، ذلك أنه بالنسبة إلينا يلزم المرء عدة شهور لكتابة نسخة واحدة. ومن أجل ذلك أعطيت أوامري المشددة في جميع المدن والقبائل لبذل أقصى عناية ممكمة من أجل المحافظة على المخطوطات. واشتملت أوامري على فرض عقوبات شديدة لمعاقبة كل من يتلف أو يفسد مخطوطا. ولما كان جنودي يعرفون مدى اهتمامي بهذا الموضوع فقد كانوا يحرصون على إحضار كل ما تقع عليه أيديهم من مخطوطات أثناء الغزوات. وكانوا يقومون بذلك بعناية فائقة. ولكي أشجع غيرتهم وحماستهم في هذا المجال كنت دائما أعطيهم جوائز كبيرة على ذلك. وشيئا فشيئا جمعت مجموعة ضخمة من هذه المخطوطات ووضعتها في أماكن أمينة في الزوايا والمساجد وأوكلتها إلى الطلبة الذين كانوا موضع ثقني. وبنفس الهمة التي وضعت بها نظام التعليم العام أسست نظام القضاء. فقد خصصت للقضاة رواتب شهرية، بالإضافة إلى علاوات يتقاضونها لقاء قيامهم ببعض الواجبات الأخرى، كان النطام الذي أريده يقوم على أن ممثلي القضاء يجب أن يظهروا في كل مكان، بل أن يتبعوا جيشي في مسيرته. ولم أكن أسمح بأي تنفيد

стр. 643

للإعدام إلا بعد حكم مطابق لشريعة الله التي لم أكن سوى منفذ لها. ولذلك كان يرافق جيشي أينما ذهب، قاض ومساعدين، أحدهما رئيس الشرطة (الذي كان ينفذ الأحكام). ولم يكن الناس ينظرون إليه باشمئزاز على فعله ذلك، ما دام ليس هو في الواقع المنفذ للقتل بل القانون. ولا شك أن كثيرا قد عانوا من نظامي هذا، ولكن لم يعان أحد بدون حكم شرعي. وجميعهم قد ارتكبوا نوعا ما من الجرائم أو خانوا دينهم. إن شريعتنا صريحة، في أن كل من أعان العدو ببضائعه فقد أحل بضائعه، وكل من أعانه بسلاحه فقد أحل حياته. ولقد أصبحت الطرق آمنة تماما، بفضل يقظة خلفائي وأعواني وقادتي، وبفضل المسؤولية التي حملتها القبائل عن كل الجرائم والسرقات التي تقع في مناطقها. وكانت يقظة الشرطة قد جعلت الناس آمنين مطمئنين، وبعبارة أخرى، فرغم وجودي بين شعب يعيش تحت الخيام، وكان لذلك من الصعب أن يدار وأن يوجه لاتساع المساحة التي كان منتشرا فيها، فقد استطعت أن أصل إلى عهد أصبحت فيه سرقة الخيول بالليل غير معروفة، وأصبحت المرأة تستطيع الخروج وحدها دون أن تخاف المهانة. وعندما يعلق الناس على هذه النتيجة الكبيرة ويطلبون السبب، كان العرب يجيبون: (إن مصائد السلطان منصوبة وليس هناك حاجة لنصب مصائدنا الخاصة). وفي الوقت ذاته أدت إصلاحاتي إلى الارتفاع بالروح العامة. فالعهر قد حورب بشدة. ولو شاء الله لانتهيت بإعادة العربب إلى طريق القرآن الذي ابتعدوا عنه كثيرا. لقد منعت منعا باتا استعمال الذهب والفضة في ثياب الرجال، لأنني كنت أكره التبذير والتحلل الذي يؤدي إليه، ولم أتسامح إلا بتزيين الأسلحة والسروج. أليس من واجبنا أن نعز وأن نكبر ما ساهم كثيرا في

стр. 644

سلامتنا؟ أما النساء فإن الحظر لم يشملهن. إن الجنس الضعيف يحتاج إلى تعويض، لأن الرجل في إمكانه التمتع بجميع أنواع اللذائذ التي يرغب فيها، الحرب والصيد والأشغال الفكرية والحكومة والدين والعلوم. لقد كنت أول من ضرب المثل بلبس ثياب بسيطة بساطة ثياب أكثر خدمي تواضعا. وما فعلت ذلك خوفا من تمييز نفسي أمام ضربات قنابل العدو. ولكنني فعلته لأنني كنت أرغب أن لا أفرض على العرب إلا ما أفرضه على نفسي، وأن أظهر لهم أنه من الأفضل أمام الله أن نشتري سلاحا وذخيرة وخيلا للحرب من اأن تكون ثيابنا مزينة وغالية ولكن غير مفيدة. أما الخمر والميسر فقد منعتهما تماما، كما منعت التدخين. وليس معنى ذلك أن ديننا يمنع التدخين ولكن جنودي كانوا فقراء، ولذلك كنت حريصا على أن أبعدهم عن عادة معروفة بزيادة الفقير فقرا حتى أنها أوصلت بعض الناس إلى ترك عائلاتهم في فقر مدقع، وحتى بيع ثيابهم من أجل إشباع نهمهم في التدخين. حقا لقد بقي بعض الناس يدخنون، ولكن ذلك كان في مناسبات فقط وفي سرية أيضا. وكانت هذه الخطوة كسبا كبيرا. أما المرابطون والطلبة وكل من له علاقة بالحكومة فقد أبطلوا عادة التدخين تماما. وعلى أية حال فإن هذا يظهر إلى أي مدى نجحت في كسب الطاعة). أمكن للأمير عبد القادر توحيد الوطن الجزائري، وإقامة دولة (الحرب) واتبع في ذلك وسائل مختلفة، وأساليب متنوعة. وقد تحدث هو عن ذلك بقوله: (لم يعد في الصحراء سوى أربعة مراكز لم تصلها بعد سلطتي، وهي ميزاب ووارقلة وتقرت ووادي سوف. أما أولاد

стр. 645

(سيدي الشيخ) (١) فقد اعترفوا جميعا بسلطتي. حقا لقد منحتهم بعض الامتيازات، وسمحت لهم بدفع ضرائب منخفضة، ولكنهم كانوا قبيلة من المرابطين، ومن واجبي أن أعاملهم بدرجة خاصة من الإكرام. وأما أهل القصور - والذين يستوطنون مجموعة من القرى الصحراوية - فهم لا يدفعون إلا القليل، ولا يهمني أن أكون متصلبا معهم، وهم ينظرون إلى موقفي هذا منهم على أنه رفق بهم لفقرهم). ولقد فرض الأمير سيطرته على إقليمي وهران وتيطري بالقوة - على نحو ما سيأتي شرحه - غير أنه اتبع أساليب أخرى في فرض هذه السيطرة على القبائل الكبرى، المنتشرة في تلك القطعة الساحرة من جبال (جرجرة) والممتدة من مدينة الجزائر ثرقا حتى بجاية. وذلك نظرا لما تميزت به هذه القبائل من النزوع الشديد للاستغلال، والولع المتطرف بالحرية، مما مكنهم من الاستعصاء على كل المحاولات لإخضاعهم، وساعدهم على الاحتفاظ بشرائعهم وعاداتهم وتقاليدهم، وسط حكومات متقلبة قامت وسقطت من حولهم. وكان من الواضح أن هذا المربض للجنود سيعطي عبد القادر، إذا ما كسبه إلى جانبه، عنصر دعم ثابت لا يتراجع وسيكون له عونا للزحف على أعدائه إذا ما تطلب الأمر، ولهذا قرر عبد القادو، أن يحقق وحده باللين والإغراء ما عجز الآخرون عن تحقيقه بقوة السلاح، وهكذا ظهر فجأة في أيلول (سبتمبر) ١٨٣٩ في (برج حمزة) متبوعا بخمسين فارسا فقط، وكان إلى جانبه خليفته المخلص (ابن سالم). وقد سأله

стр. 646

بعضهم عما يريد عمله فأجابهم (أريد أن أكسب تأييد جرجرة). وقطع الركب المرتفعات الأولى بسرعة. وكان منظر هذه الكوكبة الصغيرة من الفرسان، منحدرة إلى أعماق الوديان والشعاب أو صاعدة مرتفعات تكاد تكون عمودية، قد أثار العجب والاستغراب بين الجبليين الذين كانوا ينظرون من أكواخهم إلى هذا المنظر المثير. وانتشر الخبر بسرعة عن تقدم (الأمير عبد القادر) فتداعى الناس من كل جانب لتحية ضيفهم الشهير. وزاد العدد الذي تجمع حول خيمته على الآلاف. وغص مدخل الخيمة بالشيوخ والمرابطين واشتد الزحام حول الخيمة، وأخذ بعضهم في التسلل بخشونة لرفع أطراف الخيمة وإشباع فضوله بالتعرف على (الأمير) غير أن المرافقين ردوهم عنه قائلين لهم: (عودوا إلى الوراء، إنكم ستدوسون سيدنا). وعندما رأى عبد القادر خيبة الأمل وهي ترتسم على وجوههم، قال لمرافقيه: (دعوهم يقتربوا، دعوهم يقتربوا - إنهم أشداء صلاب مثل جبالهم، اعذروهم فأنتم لا تستطيعون تغيير طباعهم في يوم واحد). وعندما طلب عبد القادر مقابلة زعماء الأهالي، كان الجواب: (إننا نطيع أمناءنا ومرابطينا) وعندئذ تقدم الأمناء للترحيب وتقديم الولاء. وسألهم عبد القادر عمن يمثل الجميع، فأجابوه: (ليس عندنا زعيم واحد نمنحه كل الصلاحيات. إن أمناءنا الذين اختيروا بالانتخاب الشعبي هم الذين يعبرون عن إرادتنا العامة). فكان حقا جواب قوم يحرصون على حريتهم وهنا أمر عبد القادر بإفساح المجال، وطلب إلى الجمهور المتراص أن يجلس، فتكونت بذلك دائرة كبيرة ووقف هو في الوسط. والسبحة في يده. وبدأ حديثه إليهم حديثا يمر بالعقل ليصل إلى القلب، وطالبهم الإنضواء تحت لوائه لدعم قضية الحق التي يدافع عنها، قضية الله ورسوله. ومما قاله لهم: (أنه تمكن من هزم

стр. 647

الكفار الذين جاءوا لاحتلال أرضهم، أكثر من مرة، وكان جهاده ضدهم مجيدا من أجل الإسلام. وأن كل غرب الجزائر قد أطاع أوامره، وإذا شاء فإنه من السهل عليه أن يخضع شرق البلاد بغربها، وأن يقلب بساط غربها على شرقها، تماما كما يقلب البساط الذي يقف عليه) واستمر عبد القادر في مخاطبته لهم قائلا: (وإذا قلتم لي أن الشرق أقوى من الغرب، فإن جوابي هو أن الله قد أيدني بنصره لوضوح الأهداف التي تقودني وتوجهني .. وتأكدوا أنني لو لم أقف في وجه الإفرنسيين المعتدين، ولو لم أظهر لهم صعفهم وعدم قدرتهم، لانقضوا عليكم انقضاض البحر الهائج. ولرأيتم عندئذ ما لم يخطر على قلب بشر لا في الماضي أو في الحاضر. إن الإفرنسيين قد تركوا بلادهم، ولم يأتوا إلا لاحتلال أرضنا واسترقاق أهلها، غير أنني سأكون لهم الشوكة التي وضعها الله في أعينهم وإذا ساعدتموني فأرميهم في البحر. أما إذا لم تساعدوني فإنهم سيسترقونكم ويدوسون حرماتكم فاشكروا الله على أنني أنا عدوهم الألد. استيقظوا يا أهل جرجرة، وانتبهوا من غفلتكم. وثقوا أن ليس في قلبي سوى الرغبة في سعادة وصلاح ورفاهية جميع المسلمين. وأن كل ما أطلبه منكم اليوم هو الطاعة والوفاق والمحافظة التامة على شرائع ديننا المقدس حتى ننتصر على الكفار، ولا أطلب منكم لتعضيد جيشنا سوى ما فرضه الله العلي القدير. إنني لا أرغب في تعيير تقاليدكم، ولا في إبطال قوانينكم وأعرافكم، ولكن القيام بالعمليات الحربية تتطلب مسؤولا. إنني أدعوكم إلى الجهاد في سبيل الله، فاختاروا رئيسا عليكم. وإنني أقترح عليكم اختيار (ابن سالم) فإذا ما اخزتموه فيكون لكم الدليل والموجه في ساعة الخطر والعسرة، والله شاهد على ما أقول. أما إذا لم يلامس قولي هذا مكانا في قلوبكم، فسيأتي يوم

стр. 648

تندمون فيه، ولات ساعة مندم. إنني أحاول إقناعكم بالتي هي أحسن لا بالقوة. وإنني أدعو الله أن يهديكم إلى سواء السبيل). وعندما انتهى عبد القادر من حديثه، إنطلقت صيحة عامة تقول: (اعطنا ابن سالم! اعطنا ابن سالم. وخذ منا الزكاة، وخذ منا العشور، وقدنا ضد الكافرين, إننا أبناؤك وجندك وخدمك). وبعد أن ولى (ابن سالم) خليفة للأمير على (جرجرة) وسط الأفراح والمهرجانات، تابع الأمير عبد القادر مسيهرته السلمية عبر قرى الأرض الطيبة. وكانت مسيرته مجموعة من الأفراح والأعياد التي استمرت ثلاثين يوما. إذ ما كان السكان يعرفون في كل مرة مكان توقفه، حتى كانوا يسرعون إليه ببساطتهم العفوية وحماستهم المثيرة وهم يحملون معهم (ضيفتهم) التي كانت عبارة عن قصاع كبيرة من الأرز المغطى بقطع اللحم. وكان كل واحد يضع قصعته أمام خيمة الأمير، ويصر على أن يتناول الأمير منها قائلا له: (كل - إنها ضيفتي) ولكي يتفادى عبد القادر جرح العواطف، فقد كان مضطرا أن يذوق من كل قصعة على حدة. وبذلك تعرف أهل (جرجرة) على أميرهم، وتعرف هو عليهم، وكانت هذه المعرفة هي طريق الحب المتبادل، والولاء المطلق الذي استمر حتى آخر أيام الأمير فوق أرض الجهاد.

стр. 649

٤ - في أفق العمليات والتكتيك كان لا بد للأمير عبد القادر بعد ذلك من تحديد المبادىء العامة لأعماله القتالية والتي تتناسب مع الطبيعة الجيو استراتيجية للإقليم، وحجم القوى، والتي لخصتها المقولة التالية: (إن العرب لا ينكرون قوة فرنسا وقدرتها، غير أننا لا نحاربكم محاربة نظام وترتيب، ولكن محاربة هجوم وإقدام. وإن خرجت كتائبكم وقواكم نتقهقر أمامها متوغلين في الصحاري بأهلنا وأثقالنا، ولا نترك مجالا للقتال حتى ترجعوا، ثم نبقى على هذه الحال حتى تضعف شوكتكم وتلين قوتكم) وكانت هذه المقوله التي خاطب نائب الأمير فيها القائد الإفرنسي (دي ميشيل) إيجازا لأسس (حرب الحركة). وقد سبقت الإشارة إلى ما اتخذه الأمير من إجراءات إدارية للتخفيف من حركة القوات، وعدم إرهاقها بالأعباء التموينية (إقامة المطامير) وتأمين الخيول ووسائط النقل. غير أن عبقرية الأمير في مجال تطوير حرب الحركة أسفرت عما عرف باسم (الزمالة). وهي عبارة عن جزء من تنظيم (المدينة المتنقلة الضاربة في عرض الصحراء) وكانت هذه المدينة المتحركة تتكون من ثلاثة أقسام: أولها: (الزمالة) فيها مقام الأمير وآل بيته وحاشيته.

стр. 650

ثانيها: (الدوائر) وفيها المدنيون من شعبه والنساء والأطفال والباعة والصناع. ثالثها: (المحلة) وهي معسكر الجند المحارب ومضارب صنع السلاح، ومستودعات الذخائر والمؤن وبها مكان فسيح لاجتماع المجلس العام. واتخذ (الأمير عبد القادر) فيها مسجدا ونظم مضارب الباعة وأهل السوق، تضرب بعيدا عن الزمالة والدائرة والمحلة. فكانت تستحضر إليها الذخائر وما يلزم الإنسان من صنوف البضائع، وما تدعو الضرورة إليه لجميع الحرف. وبالجملة فقد كانت الزمالة ومتعلقاتها على أتم ما يكون من الانتظام والالتئام المدني، وكان لها منظر جميل ترى منازلها من بعيد كأنها مدينة حافلة ذات قصور مشيدة وأبنية جليلة. وتعتبر (الزمالة) مركزا حربيا، ومقرا مدنيا، بها مائتا ألف نفس، وكان الأمير يبث من هذه المدينة المتحركة عيونه (جواسيسه) ويرسل منها بعوثه، وفيها يستعد للحرب. ولم تزل تزداد قوة وتتسع حتى أصبحت ملجأ عظيما وحصنا منيعا. وقد عين لحراستها وحماية حوزها أربع قبائل من العرب وفرقة من الجند النظامي. ولقد طارت شهرة هذه المدينة المتحركة (الزمالة) التي كانت تملأ النجود والأغوار وهي تتردد بين الحل والترحال، بين الإقامة والانتقال. وقد حرص الأمير على جعل نظام التعسكر محترما من الجميع، ومنظما تنظيما دقيقا. وفي ذلك يقول: (عندما أضرب خيمتي يعرف كل أحد المكان الذي يشغله. لقد كان معي ثلاثمائة أو أربعمائة جندي نظامي، إلى جانب الفرسان غير النظاميين من بني هاشم - الاغريسيين - الذين كانوا مخلصين لي إخلاصا شديدا. ولم يكن من السهل الوصول إلي.

стр. 651

ولم أفعل ذلك حرصا على أمني الشخصي. ولكني شعرت بضرورة تأمين متطلبات الجهاد في سبيل الله. وقد وضعت فيه ثقتي لحماية الذراع الذي يحمل لواءه). وكانت الزمالة بحجمها الكبير، تحتاج لموارد مائية ضخمة، لا سميا في المناطق الصحراوية، فحيثما حلت، تجف الآبار ومياه الجداول. ولهذا أقام الأمير قوة خاصة من الشرطة لمنع تلويث المياه أو تبذيرها من قطعان الماشية. أما المواد التموينية (الحبوب والقمح والشعير) فكانت تجلب إلى الزمالة، أو تقوم قبائل الشمال بتقديمها عندما يطلب إليها ذلك.

стр. 652

(هل تعرفون أين تكمن قوة عبد القادر؟ إنها في عدم إمكان العثور عليه، إنها في فسحة الأرض، إنها في حرارة شمس إفريقيا؛ إنها في انعدام الماء، إنها في حياة الترحل بين العرب، هنا تكمن قوته. ولا بد من إخضاعه، يجب القضاء عليه. وبدون هذا فإنكم لن تحصلوا على طائل). (الماريشال بيجو، ألد أعداء الأمير) •---------------------------------• الفصل الثاني الأمير عبد القادر وإدارة الحرب ١ - أعداء الداخل والخارج (١٨٣٣م). ٢ - معاهدة (عبد القادر - دو ميشال) ١٨٣٤م. ٣ - معركة المقطع (٢٦ - حزيران - يونيو - ١٨٣٥م). ٤ - الانتقام الإفرنسي، واحتلال (معسكر) ٦ كانون الأول - ديسمبر (١٨٣٠م). ٥ - الصراع المرير على تلمسان (١٨٣٦م). ٦ - معاهدة (عبد القادر - بيجو) ٣١ - أيار - مايو (١٨٣٧م). ٧ - نقض المعاهدة - واستئناف الحرب (١٨٣٨ - ١٨٣٩م). ٨ - سنوات الصراع المرير (١٨٤٠ - ١٨٤٤م). ٩ - على حدود المغرب (١٨٤٥ - ١٨٤٧م). ١٠ - وداعا يا جزائر الأحرار (١٨٤٨ - ١٨٥٢).

стр. 653

كان الأمير عبد القدر دوما على رأس وحداته وجنوده

стр. 654

١ - أعداء الداخل والخارج (١٨٣٣) بويع الأمير عبد القادر (أميرا على الجزائر) في مدينة (معسكر) بتاريخ ٢٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٨٣٢ م. غير أن هذه البيعة كانت محدودة، إذ لم يكن الذين بايعوا الأمير يمثلون الجزائر كلها. وقد عرف الأمير منذ البداية، أن وحدة القيادة لبناء دولة الحرب هي العامل الأساسي للنجاح. فمضى لتحقيق هذه الوحدة، وعندما حاول بعض الزعماء المحليين الخروج على الطاعة والجماعة، استفتى العلماء والفقهاء فقرروا بالإجاع مقاتلة المرتدين، حتى لو قصروا في تنفيذ شرط واحد مثل أداء الضرائب ودفع الزكاة، وأرسل الأمير عبد القادر بهذه الفتوى إلى علماء مراكش يستثيرهم في شرعيتها، فأفتوا بصحتها وعلق عليها سلطان مراكش بما يلي: (إن هذه الفتوى موافقة للسنة والقياس والإجماع وأن من عرض لتنفيذها، أو أولها تأويلا آخر، فإنه يعتبر من الظالمين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). وأصبح باستطاعة الأمير، الاستناد إلى هذه الفتوى، لمحاربة أعداء الدين، أعداء الداخل، والذين كان بعضهم قد أخذ في توطيد صلاته بفرنسا، وبعضهم لا زال يحاربها غير أنه لا يرغب في الخضوع لسلطان هذا الشاب الذي لا يعتبر من وجهة نظرهم أكثر من

стр. 655

منافس لهم. وكان في طليعة هؤلاء (سيدي العريبي) وهو قائد قوي وله تأثير مطلق على قبيلة (فليته) في سهل الشلف - ناحية وهران - وكذلك (الغماري) قائد بني انجاد الذي رفض إطاعة الأمير. وشعر (محمد بن نونة) الذي كان يحب أن يقول أنه يحكم تلمسان باسم سلطان المغرب، أنه من السفالة الاعتراف بالولاء للأمير عبد القادر. أما (مصطفى بن اسماعيل) الذي كان محاربا قديما ومجربا والذي ابيض شعر رأسه في خدمة الأتراك (كزعيم للمخزن) (١) فإنه قد عبر عن تقززه من تقبيل يد (ولد ما يزال أمرد) حسب تعبيره. ومضت أشهر ثلاثة فقط على (البيعة) يوم وجه الأمير عبد القادر دعوة لاجتماع عام في مدينة معسكر تحضره جميع القوى يوم ١٨ أيار - مايو - ١٨٣٣م. واستجابت القبائل الكبرى في التل والصحراء لهذه الدعوة الخيرة، ورحبت بها، أما قبائل المخزن، وهي التي طالما كانت آلة في يد الأتراك، فقد تملص بعضها واتخذ موقفا سلبيا، في حين رد بعضها الآخر على الدعوة ردا مهينا، وكان من الصعب على مثل هؤلاء التخلص من الفوضى التي ألفوها في هذه الفترة. وأثناء ذلك، كان (بنو هاشم - الغرابة) وهم قبيلة الأمير، قد انطلقوا نحو وهران، وأخذوا في الاشتباك مع القوات الإفرنسية وإزعاجها. واجتمعت القبائل في اليوم المحدد، (يوم ١٨ - أيار - مايو) واصطفت للعرض المهيب، فكان هناك (٨) آلاف فارس و (ألف) راجل. ونشر الأمير علمه الخاص في سهل (خصيبية) - وهو علم كبير أبيض تتوسطه يد مفتوحة - وقد رفع أمام الجمهور الغفير في ابتهاج واحتفال كبير. وبعد ان استعرض الصفوف على فرسه. وخاطب الجمهور ببعض العبارات

стр. 656

القصيرة الصارمة، والتي كانت كافية لإثارة الحماسة وتفجير الغضب ضد أعداء الدين، قادهم في اتجاه وهران، ووصل الأمير وقواته في الوقت المناسب لدعم قبيلته (بنو هاشم) والتي كانت تتعرض في ذلك اليوم لهجوم قوي شنه ضدها القائد الإفرنسي (دو ميشيل). فكان أول ما فعله هو أن قسم قوته إلى قسمين، وجه القسم الأول منها لمهاجمة الجناح الأيسر للقوات الإفرنسية، بينما قاد هو القسم الثاني للهجوم على حصن أقامه الجنرال الإفرنسي في مكان يدعى (الكرمة). وكانت هناك حامية تدافع عن هذا الحصن تضم فرقة مشاة - ألف جندي تقريبا - قطعتين من المدفعية بالإصافة إلى فصيلة من قناصي إفريقية. وقد حاول الأمير وفرسانه تسلق الأسوار، غير أن حامية الحصن نجحت في إحباط المحاولة، وعندها قاد الأمير عبد القادر قواته ودعم القسم الأول الذي كان يشتبك مع الإفرنسيين في السهل. وقد بذلت القوات الإفرنسية جهدا كبيرا للصمود أمام الهجمات الكثيفة والضربات المباغتة للمجاهدين، غير أن هؤلاء استطاعوا سحق الصنوف المنظمة للمشاة ودمروا التشكيلات المقاتلة، واستمرت المعركة القاسية طوال النهار، حتى إذا ما هبط الليل قرر (دي ميشيل) سحب قواته الممزقة تحت حماية مدفعيته، وتحت ستار الظلام. توقفت الاشتباكات في الأيام التالية، ولم يقبل الأمير عبد القادر الخضوع لهذا الجمود، فنظم قوة من مائة فارس، وقادها بنفسه لنصب كمين في أجمة قريبة من وهران، كانت القوات الإفرنسية قد اعتادت على دفع فصائل من فرسانها إليها للعمل كمراكز مراقبة متقدمة. وظهرت سرية من القناصة الإفرنسيين في الموعد المعتاد. وعندما

стр. 657

وصلت إلى موقع الكمين فتح الأمير عبد القادر ورجاله النار عليها فمزقوها على الفور. وسقط عدد من قتلى الأعداء كما وقع (٣٠) أسيرا في قبضة المجاهدين واكتفى الأمير بما حققه من نصر محدود في هذه المعركة التي أراد فيها اختبار رجاله وبعث الثقة في نفوسهم. وعاد إلى (معسكر) ليقطف ثمار عمليته التي انعكست على الصفحة الداخلية للبلاد. إذ أسرع إليه عدد كبير من الرؤساء والشيوخ الذين رفضوا الخضوع لسلطته حتى الآن، ليقدموا له دعمهم وولاءهم. وكان في طليعة هؤلاء (الحاج ابن قيسى) الذي كان مرابطا شهيرا، والذي جاء ومعه وحده نوابا يمثلون عشرين قبيلة صحراوية. أصبح بالإمكان توجيه الصراع ضد أعداء الداخل، حيث كان (سيدي العريبي) زعيم قبيلة (فليتة) التي تضم بطون كثيرة وعشائر عديدة، يحشد قواته، ويعلن صراحة أنه (سيوجهها ضد ابن محيي الدين الطموح). وقد باغته الأمير عبد القادر بقوة تضم (٥) آلاف فارس انطلقت للهجوم وهي تطلق نيرانها بكثافة، وتصرخ بصيحات الجهاد، مما شل قدرة (سيدي العريبي) وحرمه من كل إمكانات الدفاع، فمضت قوات الأمير وهي، تقتلع الخيام، وتجمع الأسرى، وتقود الماشية، ولم يحصل (سيدي العريبي) على العفو عن جرائم الماضي وقبول التزامه بالمحافظة على الأمن - في المستقبل - إلا بعد أن أرسل تعهدا مكتوبا بالطاعة، وتقديم ابنه رهينة لدى الأمير. وضمن بذلك خضوع أقوى المنافسين، كما ضمن زوال تلك الأعمال الشائنة من سلب للأموال وقطع للطرق وتهديد للنفوس، ولكن، وقبل أن يغادر الأمير عبد القادر البطحاء (المعروفة الآن بهبزة) بلغه انتفاض قبائل عكرمة وبني مديان، فسار إليهم وحثهم على الرجوع عن غيهم، فأظهروا تصميمهم على الخلاف والتمرد. فأغار عليهم،

стр. 658

واستولى على ممتلكاتهم، غير أنهم لم يلبثوا أن أظهروا الندم، فرد إليهم أموالهم، وضمن لهم أمنهم، وطلب إليهم الالتفاف حوله لمحاربة الأعداء. فاستجابوا لطلبه. وعملوا على دعم الوطن ورفع راية الجهاد بدلا من راية العصيان. وبيما كان الأمير في سبيله لإخماد الفتن والقضاء على الثورات المضادة، حاول عمه وأخوه مصطفى استثارة القبائل ضده، واتفق عمه وأخوه مع زاوية الدرقاوة، وكذلك مع المرابطين في (الونشريس) وشكلوا كتلة تضم (٦٠٠) مقاتل، وحاول الأمير استمالتهم، غير أنهم رفضوا الإذعان لرغبته، وصمموا عل مجابهته، فاضطر لمحاربتهم، وقد تغلب عليهم وفروا هاربين، أما عمه وأخوه، فقد وجدا لهم ملجأ في الجبال، ثم طلبا العفو، فعفا عنهما، وفرض على المهزومين مائة حصان وألف بندقية وخمسائة سلطاني فضة كضريبة. ومضى الأمير عبد القادر وقواته في سهل (الشلف) الواسع والمناطق المجاورة له، حيث انضم إليه عدد من القبائل الهامة، وخاصة القبائل الساكنة في بلدة (مليانة) والتي كانت خاضعة في ذلك الوقت للشيخ (ولد السائح) فخطبت وده، ووضعت جميع إمكاناتها تحت تصرفه. كما انضم إليه رؤساء قبائل (جحوط، ومرايا صومال وابن مناد وابن مناصر). وعندما وصل إلى (مليانة) اتصل بأسرة الوالي الصالح (سيدي أحمد بن يوسف) الذين يتمتعون بصيت كبير، فقدم أعضاء هذه الأسرة خدمات جليلة، وتقدم علاوة على هؤلاء مشايخ (جندل) وجميع الجنود الذي كانوا تحت قيادتهم. وقابلوا الأمير بحفاوة تامة وتوقف الأمير فترة في (مليانة) ريثما تمكن من إعادة تنظيم أمورها وعين عليها (خليفة) من أنصاره. جاء الآن دور مدينة (أرزيو) وحاكمها القاضي (سيدي أحمد بن الطاهر) الذي كان قد خالف تعليمات الأمير بعدم إجراء أي اتصال

стр. 659

مع الإفرنسيين، فأقدم بصورة علنية على إمداد الإفرنسيين بالماشية والعلف، وحتى الخيول التي كان يعتبر بيعها للإفرنسيين جريمة نكراء لا تغتفر. وقد حاول الأمير إيقافه عن الاسترسال في غيه، فكتب إليه محذرا من سوء تصرفاته، ومنذرا له من العقاب الشديد إن هو صمم على الاستمرار في سلوكه، غير أن (القاضي الطاهر) لم يتمكن من مقاومة إغراء الأرباح الضخمه التي كانت تؤمنها له تجارته، فاستمر في تعامله مع الإفرنسيين معتمدا على دعمهم له ووعودهم بحمايته. ودخل الأمير عبد القادر (مدينة أرزيو بصورة مباغتة وألقى القبض على القاضي، واقتاده مثقلا بالقيود إلى سجن (معسكر)، حيث أصدر تعليماته الصارمة بعدم اتخاذ أي إجراء ضده في الوقت الحاضر. وركب في اتجاه (بني عامر) لمعالجة بعض القضايا التي اضطرته للبقاء هناك عدة أيام. وكان في نية عبد القادر إعطاء الفرصة للقاضي حتى يفتدي نفسه (التي كان قد أحلها) بمبلغ (٥) آلاف فرنك. ولكنه حين عاد إلى معسكر وجد أن القاضي قد قتل، وقد أذهله هذا الأمر، وعلم أن والده (محيي الدين) هو الذي أمر بمحاكمته، وأصدرت المحكمة ضده حكما بالعقاب الصارم. ونفذ فيه الحكم على الفور، وقد فقئت عيناه (وقطعت يداه ورجلاه ووضع في ساحة الصراية حتى مات بعد ثلاثة أيام بحسب ما تذكره بعض المصادر (١) وكان لا بد للأمير عبد القادر من تحمل تبعات هذا العمل، على الرغم من براءته منه. أراد الأمير عبد القادر دعم قدرته بالاستيلاء على تلمسان (التي تبعد مسافة ستين ميلا تقريبا إلى الجنوب - الغربي من وهران) وهي

стр. 660

تقع على نجد في سفح جبال منحدرة عالية، وهي مشهورة بكثافة وقوة أسوارها التي طالما أعيت أعمال الحصار. وكانت قوة عبد القادر الرئيسية في هذه الفترة تتمثل في (بني عامر وبني هاشم). وبعد أن أخذ معه وحدات قوية من هذه القبائل اقترب من (تلمسان) وكان أهاليها منقسمين إلى حزبين: الأتراك والكراغلة. وكان الكراغلة يحتلون القلعة ويدافعون عنها، في حين كان العرب يعملون تحت قيادة (نونة) المتمرد والذي سبقت الإشارة إليه. وقد طلب عبد القادر من (نونة) الاستسلام، ولكنه رفضه. غير أن المقاومة التي حاولها سرعان ما انهارت، لأنه بينما كان عبد القادر يهاجه من جهة فتح عليه الكراغلة النار من القلعة. وبعد انتصاره في تلمسان عامل عبد القادر أهلها بكل احترام. لقد كان يأمل أن يعترف الكراغلة بسيادته. غير أنهم رفضوا كل العروض التي تقدم إليهم بها لأنهم شعروا بالأمان في تحصيناتهم، كما رفضوا البقاء معه على صلات طيبة. وما دام هو لا يملك المدفعية التي يخضعهم بها فقد قبل المساومة، وأقام أحد مساعديه حاكما على المدينة ثم عاد إلى (معسكر). وفي الطريق سمع بنعي أبيه. وقد شعر الابن الشجاع بفداحة الخطب الذي تركه فقدان الوالد الذي خلع عليه منذ طفولته كل حب وود، والذي كان يعامله دائما كصديق مقرب وزميل، والذي يدين له في الحقيقة بالمكانة التي وصل إليها. ولما كان لا يجد الوقت للدخول في عزلة مؤقتة يقتضيها المصاب الأليم، فإنه لم يستطع سوى أن يتبع جثمان والده إلى مثواه الأخير. كان القائد الإفرنسي (دي ميشيل) قد استولى على (أرزيو ومستغانم) ولم يكن باستطاعة (عبد القادر) إضاعة لحظة واحدة - لقد كان واجبا عليه أن يبذل قصارى جهده لإيقاف هذا التوسع الإفرنسي

стр. 661

في إقليم وهران. وفي يوم (٢ أب - أغسطس ١٨٣٣) كان الأمير عبد القادر. قد وصل بقواته إلى أسوار مستعانم التي هاجمها على الفور. وبعد أن ترك (دو ميشيل) معسكره ليدافع عن نفسه، عاد توا إلى وهران. لقد كان يأمل في الإفادة من وجود الأمير عبد القادر أمام مستغانم للقيام بحركة تسلل ناجحة طالما فكر فيها. وفي يوم (٥ - آب - أغسطس) وهو اليوم التالي لوصوله إلى وهران، أرسل (دو ميشيل) قوة من (٣) آلاف فارس وراجل مع ثلاث مدافع ميدان لمهاجمة (الدوائر والزمالة) وهما القبيلتان اللتان تسببتا في خسائر فادحة للإفرنسيين عند قيامهما بتنفيذ الحصار الذي أمر به عبد القادر. وفي فجر يوم ٦ آب - أغسطس - حل الجيش الإفرنسي بمضارب الخيام العربية. وفتحت المدفعية نيرانها على الفور، وتقدم المشاة في صفين وأطلق الفرسان النار. ولم يقم العرب الذين أخذوا على غرة فأذهلتهم المباغتة بأي رد فعل مناسب، فرفعوا خيامهم، وتركوا وراءهم مواشيهم وكثيرا من النساء والأطفال في يد العدو وفجأة بدأت حركة فرارهم تتوقف، بينما كان الإفرنسيون في حالة من الذهول، لقد أخذت قوات العرب بالتجمع، وأخذت أعدادهم في التزايد بسرعة، وتحول انسحابهم إلى دفاع، ثم تحول هذا الدفاع إلى هجوم، وحدث ذلك كله كما لو كانت عصا سحرية قد صنعته .. لقد وصل الأمير عبد القادر ... كان الأمير قد شعر بنوايا العدو عند مغادرته (مستغانم) فتخلى عن إدارة الحصار في مستغانم وسارع إلى النقطة التي, كان يتهددها خطر أكبر، وأمكن له الوصول في اللحظة المناسة تماما. ولم يكلفه تحويل المعركة كثيرا من الجهد، فقد أسرع المشاة الإفرنسيون

стр. 662

بالتراجع، ونجح بعضهم في تشكيل تربيعات مقاتلة بسرعة، غير أن ذلك جعل صفوفهم غير كاملة. أما الفرسان فقد أطلقوا العنان لخيولهم، ولم يبق غير المدافع التي قامت بدورها بصورة جيدة. وتخلى الجنود الإفرنسيون عن غنائمهم التي اكتسبوها بسهولة. وداهمتهم عضة الجوع والظمأ علاوة على لهيب الشمس الحارقة فوق رؤوسهم، وفي الحال، أحاط بهم العرب من كل جانب. وهنا صاح عبد القادر بقومه (احرقوا السهل) وسرعان ما ركض مئات الفرسان بعيدا، وأشعلوا النار في الأعشاب الجافة والأجمات الممتدة وراء خطوط الإفرنسيين. وقد كان على الجنود المنكوبين الذين تأخروا في تقدمهم بسبب الجرحى الذين أبى عليهم الشرف تركهم، أن يمشوا فوق الجمر، وأن يخوضوا معركة التقدم عبر أمواج اللهيب. غير أن هذه المقاومة لم تلبث أن انهارت عندما تجاوزت المصاعب قدرة احتمال الطاقة البشرية. فألقى كثيرون منهم بأسلحتهم، واختنق بعضهم بالدخان، وقذف آخرون بأنفسهم فوق الأرض وهم في حالة من اليأس. ومكثوا يتعجلون الموت المحيط بهم، وعلم (دي ميشيل) بالنكبة التي نزلت بالحملة - عن طريق بعض الجند الفارين - فأمر على الفور بتحرك كل القوى الإفرنسية في معسكر وهران لنجدة رفاقهم، غير أن هؤلاء وصلوا متأخرين ولم يتمكنوا من القيام بأي عمل بعد أن أبيدت قوات الحملة السابقة إبادة تامة. لم يتوقف الأمير عبد القادر فوق ميدان المعركة، إلا بقدر ما تحتاجه عملية مطاردة القوات الإفرنسية وتدمير فلولها، ثم قاد قواته وراج إلى (مستغانم) لتشديد الحصار عليها وكان مشاته قد توغلوا في الضواحي، وأخذوا في مهاجمة إحدى القلاع القريبة من البحر. وعندما ظهرت سفينة شراعية فرنسية وأطلقت النار عليهم، خلع

стр. 663

العرب ملابسهم، وسبحوا في اتجاهها وهم يحملون بنادقهم فوق رؤوسهم، وحاولوا الصمود إلى السفينة، غير أن بحارة السفينة استطاعوا دحرهم وإبعادهم. بدأ الأمير عبد القادر بحفر الملاغم لتدمير الأسوار في محاولة منه للتعويض عن غياب المدفعية، ووصلت عملية التلغيم حتى أسفل السور، فأحدثت فيه ثغرة محدودة، وصدرت الأوامر بالهجوم العام واندفع العرب بحماسة غير أن قوات الإفرنسيين التي اصطفت فوق جانبي أعلى السور، أمكن لهم إيقاف حدة الهجوم، وركزوا نيرانهم الكثيفة على الثغرات، مما اضطر العرب للتوقف، ثم البدء بالتراجع في حالة من الفوضى بعد صراع مرير يائس. ووجد الأمير أن موارده المعدة للحملة قد نضبت، فرفع الحصار وعاد إلى قاعدته معسكر. كان لهذه المعركة نتائجها البعيدة على إقليم (وهران) والقبائل المنتشرة فيه، إذ شعرت هذه القبائل شدة وطأة الإفرنسيين وثباتهم -رغم الهزيمة التي نزلت بهم. وفي الوقت ذاته كانت معركة (المدية) قد تركت نتائج مضادة، إذ أنها دفعت قائد القوات الإفرنسية (دو ميشيل) إلى البحث عن طرائق أخرى لضرب العرب بعضهم ببعض واستنزاف قدرتهم، وإضعافهم جميعا، مما يسمح بإخضاعهم بحد أدنى من الجهد.

стр. 664

٢ - معاهدة عبد القادر - دو ميشال (١٨٣٤م) تقع مدينة (المدية) إلى جوار مدينة (مليانة)، ونظرا لأهمية موقعها، فقد حاول الإفرنسيون الاستيلاء عليها، وفي الوقت ذاته كان (باي قسنطينة) يفكر باحتلالها نظرا لأنها تقع على مفترق الطرق، ولأنها همزة الوصل مع المغرب، ولذلك قرر الأمير عبد القادر احتلالها ليتخذها ذريعة للهجوم على (باي قسنطينة). غير أن أصدقاء الأمير القدامى (الحاج موسى) وهو من أسرة شريفة قد أصبح من أعدائه، وأخذ في استثارة جميع القبائل العربية، نظرا لمناهضته للباي حاكم قسنطينة الذي كان يخوض صراعا مريرا وجهادا مشرفا ضد الكفار. ونادى (الحاج موسى) جهارا، فطالب الناس بالجهاد، ورفع رايته، وجاءته جموع المجاهدين من (باي قسنطينة) و (باي تونس) فأمكن له بذلك حشد قوة من (١٢٠٠) فارس. وقادهم إلى باب (المدية) وطلب من حراسها أن يفتحوا له باب الحصن، فامتنعوا، ودارت بين الطرفين مجموعة من المعارك استمرت أسبوعين انتهت بنجاح (الحاج موسى) في فرض إرادته على (المدية) التي فتحت له أبوابها، واتفقت معه على دعمه بالمؤن لمهاجمة الإفرنسيين. غير أن الحاج موسى طلب إلى الأمير عبد القادر قبل قيامه بالهجوم أن ينضم إليه ليجاهدوا معا في سبيل الله.

стр. 665

وكان الأمير عبد القادر في هذه الفترة قد بدأ اتصالاته مع الإفرنسيين لتوقيع (هدنة) فأجاب (الحاج موسى) بأنه اتفق مع الإفرنسيين. وأن دينه يأمره بتنفيذ الاتفاق، وأنه يمنع (الحاج موسى) منعا باتا من أن يمر على أراضيه عند تقدمه لمهاجمة الإفرنسيين. ومضت ثلاثة أيام ظهر للحاج موسى بعدها أن يهاجم الأمير، فخاض ضده معركة قصيرة وحاسمة، انتهت بمصرع (٦٠) مقاتلا من رجال الحاج موسى ووقوع (٩٥) أسيرا في قبضة الأمير عبد القادر. الذي أسرت قواته أيضا (٢٦٠) امرأة وولدا، واضطر (الحاج موسى) للانسحاب تاركا وراءه الغنائم والمواشي لخصمه الأمير عبد القادر الذي استثمر الموقف فأسرع بالاستيلاء على (المدية) ودمر جميع الذين أيدوا الحاج موسى ووقفوا إلى جانبه، وبصورة خاصة منهم الكراغلة. كان الجنرال (تريزيل) (١) قائد وهران يتابع الموقف، وفي اعتقاد أن القبائل ستنتصر على الأمير عبد القادر وعندئذ يمكنه قيادة قواته ضدها لتدميرها، وبذلك يكون قد شارك في هزيمة الأمير، وفي كسب مناطق شاسعة يضمها للحكم الإفرنسي. ومن أجل ذلك نظم شبكة من الجاسوسية لزيادة تدهور الموقف، ودفع لجواسيسه مبالغ طائلة، كما وجه رسائل إلى زعماء القبائل تحمل وعودا وأمنيات مغرية. غير أن الأخبار وصلته بسرعة وهي تشير إلى انتصار الأمير على منافسيه، ليس ذلك فحسب، بل إن بعض القبائل انضوى تحت راية الأمير. وعندئذ أسرع (تريزيل) فوقع معاهدة مع (ود بن إسماعيل) زعيم (الدوائر والزمالة)

стр. 666

في إقليم وهران نصت على ما يلي: أولا: أن تكون تلك القبائل تحت حماية فرنسا وأن تقف إلى جانبها. ثانيا: تخضع هذه القبائل لمن يولى منهم، بالموافقة مع القائد لولاية - إيالة - وهران. ثالثا: تدفع هذه القبائل ما كانت تدفعه قبل اليوم للحكومة الجزائرية أيام الحكم العثماني أو ما كانت تدفعه للأمير عبد القادر. رابعا: لا يسوغ لهذه القبائل أن تأتي أمرا إلا بعد الحصول على الإذن من حاكم وهران. وعلم الأمير عبد القادر بهذا الانحراف الثقيل، فجمع الناس وقام فيهم خطيبا فقال: (الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وأصحابه. أما بعد: فاعلموا أن الله تعالى قلدني هذا الأمر للمدافعة والدفاع عن الدين والوطن، وقد بلغكم خبر هذا الرجل - ابن إسماعيل المتنصر - فإن تركته وشأنه فإني أخاف على الوطن أن تغتاله غوائل الإفرنسيين على حين غفلة. وينشأ عن ذلك من المفاسد ما يعسر علينا إصلاحها) وبعد ذلك قرر الحاضرون على ضرورة محاربته، وكرروا له أنهم يؤيدونه. زعمت (الدوائر والزمالة) أنها خضعت لفرناس بسبب قربها من مواقعها، غير أن هذه الذريعة لم تقنع الأمير، إذ لا يمكن له القبول بذريعة (القسوة والمعاناة) أن تكون سببا للخيانة، لا سيما وأنه إذا قبل

стр. 667

الأخذ بهذه الذريعة، فإن كل مخططاته لحصار الأعداء وتحرير البلاد ستنهار من أسسها. وفي هذا الوقت، رفع حاكم وهران (تريزيل) المعاهدة التي وقعها مع (ود بن إسماعيل) إلى الحاكم العام (دو ميشال) الذي رد على ذلك بأن (هذا الود بن إسماعيل) أضعف من أن يقف في مواجهة الأمير، وأنه من الأفضل التعامل مع (الأمير مباشرة). ولكنه - أي دو ميشال - كان في حاجة للمناسبة التي تفتح له مجال الحوار مع الأمير، وجاءت هذه المناسبة مع نهاية تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٣٣ م. عندما توجه عربي (اسمه قدور) من قبيلة (البرجية) إلى مدينة أرزيو، وباع مواشيه إلى الإفرنسيين. وعند رحيله، طلب من القائد الإفرنسي أن يعين له قوة لمرافقته لأنه بات يخشى بطش جند الأمير عبد القادر. واستجاب القائد الإفرنسي لهذا الطلب، فكلف أربعة فرسان بموافقته، غير أن هؤلاء لم يبتعدوا عن المدينة أكثر من كيلومترات قليلة حتى انقضت عليهم قوة من المجاهدين فقتلت أحد الفرسان، واقتادت البقية أسرى إلى مدينة (معسكر). واستقبل (دو ميشيل) خبر هذا الحادث بالغبطة، إذ وجد الفرصة لكتابة رسالة للأمير عبد القادر جاء فيها ما يلي: (إنني لا أتردد مطلقا في أن أكون البادىء في اتخاذ هذه الخطوة، على الرغم من أن وضعي لا يسمح لي بذلك، ولكن شعوري الإنساني يحملني على الكتابة إليك، لذلك فإنني أطلب حرية أولئك الإفرنسيين الذين سقطوا في كمين بينما كانوا يحمون عربيا. وإنني لا أتوقع أن تجعل إطلاق سراحهم مرهونا بشروط معينة، ما دمت أنا قد أطلقت في الحال سراح بعض أفراد قبائل الزمالة وقبائل الغرابة، عندما سقطوا في يدي نتيجة الحرب وأطلقتهم من غير شروط، بل لقد عاملتهم أحسن معاملة، وبناء عليه آمل من سمو الأمير إذا كان يرغب في أن يأخذ من

стр. 668

التقدير قدرا عظيما، ألا يطيل المراجعات، وأن ينعم بإطلاق الأسرى). ولم يرغب الأمير من عدوه أن ينال ما وصفه (بالقدر العظيم من التقدير) فتجاهل الرد فكتب إليه (دي ميشيل) رسالة ثانية جاء فيها: (من الجنرال دي ميشيل إلى الأمير عبد القادر بن محيي الدين. لي أمل بأن تطلق الحرية للأسرى الأربعة التعيسي الحظ والمحبوسين في قلعة معسكر. وما كنت أتردد عن السعي لديكم فيما تمنعني وظيفتي الرسمية عنه، حيث تدفعني الإنسانية إليه. ولعلمي أن البشر الراقين إلى الدرجات العليا عليهم أن يمتازوا بأعمال كريمة دالة على التفاوت الذي وضعه الله بينهم، فأرجو الإفراج عن الإفرنسيين الذين وقعوا في شر مكيدة وهم في الدفاع عن بعض العرب لتخليصهم من انتقام أبناء جنسهم. ولا أظن أنكم تضعون في طريق ذلك العقبات، لأنكم إذا رغبتم أن تعدوا من كبار أهل الأرض لا تتأخروا عن إظهار أخلاقكم، وإذا أوقعت الحرب بين يدي بعض أتباعكم فأنا أعدكم بإرجاعهم دون تعريض - أو مبادلة). ومرة ثانية تجاهل الأمير عبد القادر رسالة (دي ميشيل) فجاءته الرسالة الثالثة وفيها: (إلى الأمير عبد القادر بن محيي الدين. بما أنني لم أتلق جوابا على رسالتي التي بعثتها إليكم منذ شهر، فأحب إلي القول بأنه لم تصلكم من أنكم لم تلتفتوا إلى قبول طلبي وعليه، جئت للمرة الثالثة أكرر طلب إطلاق سراح الأسرى الإفرنسيين المحتجزين لديكم، لأنهم لم يؤخذوا في ساحة الحرب، بل سقطوا في أقبح خدعة وأسوأ مكيدة، وعلي أن أذكركم أن فرنسا هي أقوى دولة في الدنيا، فليس من الحكمة أن تستمروا في مقاومتكم لها، وإذا كان

стр. 669

باستطاعتي اليوم أن أنتصر عليكم قبل وصول النجدات التي انتظرها فما تكون حالتكم إذا فرغ صبر فرنسا نحو العرب، وأرسلت ما تهيؤه لي، فعندها تهاجمكم قواتنا فتبعثركم كما يبعثر الهوى الرمال. فإذا رغبتم البقاء في مركزكم السامي، فما عليكم إلا الإجابة على دعوتي لعقد معاهدة بيننا، وتعود القبائل لزراعة حقولها الخصبة حتى تقدم ما يحتاجه الشعب العظيم). عند ذلك، لم يجد الأمير عبد القادر حرجا في الرد على هذه الرسالة المثيرة، فكتب رسالة جاء فيها ما يلي: (من الأمير عبد القادر بن محيي الدين - إلى الجنرال دو ميشيل، أما بعد: فقد وصلنا كتابكم المتضمن أفضل النصائح، فقدرناها قدرها، وعلمنا أنكم تحثونا في كتبكم الثلاثة على الإفراج عن الأسرى، وتندبون حظكم، مع أننا نعتني بشأنهم غاية الاعتناء، وليست عملية الإفراج عنهم ذات أهمية عندنا، غير أن الحالة التي نحن بها لا تسمح لنا أن نردهم دون فدية، فإذا رغبتم في الاتفاق قبل تسليم الأسرى إليكم عند المعاهدة بيننا، لأن ديننا يمنعنا من طلب الصلح ابتداء، ويسمح لنا بقبوله إذا عرض علينا. وأن الثقة التي منحتمونا إياها في تحاريركم حملتنا على أن نبادلكم المخابرة، وأن المفاوضة التي تطلبونها تقتضي أن تكون مبنية على شروط محترمة منا ومنكم، ولا يحصل الاتفاق إلا إذا عرفتوني شروطكم وما تطلبونه مني، وأنا أعرفكم بمثلها والله المعين. وكيف تفاخروني بقوة فرنسا، ولا تقدرون القوة الإسلامية، مع أن القرون الماضية أعدل شاهد على قوة الإسلام وانتصاراتهم على أعدائهم، ونحن وإن كنا ضعفاء على حد زعمكم،

стр. 670

فقوتنا بالله الذي لا إله إلا هو ولا شريك له. ولا ندعي بأن الظفر مكتوب لنا دائما. بل نعلم أن الحرب سجال يوم لنا ويوم علينا، غير أن الموت مسر لنا، وليس لنا ثقة إلا بالله وحده لا شريك له ... وأن دوي الرصاص وصهيل الخيل في الحرب لألذ لنا من الصوت الرخيم، فإذا صممتم على عقد صلات ودية بيننا وبينكم، فأفيدونا حتى نرسل إليكم رجلين من كبار قومنا، مأذونين بالمفاوضة معكم، وحينئذ تتم أمانيكم بمعونة الله. ولا تظنوا بأننا نأسف إذا اضطررنا إلى ترك البلاد، لأننا نعلم يقينا أن الأرض لله تعالى يورثها من يشاء من عباده. وإن سلمنا وراثتها، فحيث ما كنا نجد أمتنا. وقد ظهر لنا من مضمون كتبكم أنكم تحتقرون قوة العرب مع دوام استعدادهم للقتال، وسابقتهم للنزال في كل زمان ومكان، وإذا عدتم إلى كتب التاريخ، قرأتم ما أجروه في آسيا وجهات الشام من الجرأة والثبات والإقدام والفتوحات التي أظهرها الله على أيديهم). وجاء رد (دو ميشيل) في رسالة أكد فيها رغبة فرنسا بالتفاهم مع الأمير عبد القادر، ورأى الأمير الرد على مضمون الرسالة بما حملته رسالته التالية: (بعد التحية، وصلني كتابك الذي أظهرت فيه رغبتك في الحصول على إطلاق سراح الأسرى الذين أوقعتهم الأقدار الربانية بين أيديكم. وقد فهمت جميع ما تضمنته رسائلك وما اشتملت عليه من تكرار الطلب. ومن المعلوم عندكم أن جميع الأسرى الذين وقعوا في أيدي عساكركم في ميادين الحرب، لم أتعرض لكم ولا لمن قبلكم في إطلاقهم، ولا أتعب أفكاركم بمراسلة قط، لأن حكمهم عندي حكم الأموات، وموتهم أعتبره حياة لهم، غير أني كنت أتألم عليهم شفقة
следующие страницы →