← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

في إقليم وهران نصت على ما يلي: أولا: أن تكون تلك القبائل تحت حماية فرنسا وأن تقف إلى جانبها. ثانيا: تخضع هذه القبائل لمن يولى منهم، بالموافقة مع القائد لولاية - إيالة - وهران. ثالثا: تدفع هذه القبائل ما كانت تدفعه قبل اليوم للحكومة الجزائرية أيام الحكم العثماني أو ما كانت تدفعه للأمير عبد القادر. رابعا: لا يسوغ لهذه القبائل أن تأتي أمرا إلا بعد الحصول على الإذن من حاكم وهران. وعلم الأمير عبد القادر بهذا الانحراف الثقيل، فجمع الناس وقام فيهم خطيبا فقال: (الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وأصحابه. أما بعد: فاعلموا أن الله تعالى قلدني هذا الأمر للمدافعة والدفاع عن الدين والوطن، وقد بلغكم خبر هذا الرجل - ابن إسماعيل المتنصر - فإن تركته وشأنه فإني أخاف على الوطن أن تغتاله غوائل الإفرنسيين على حين غفلة. وينشأ عن ذلك من المفاسد ما يعسر علينا إصلاحها) وبعد ذلك قرر الحاضرون على ضرورة محاربته، وكرروا له أنهم يؤيدونه. زعمت (الدوائر والزمالة) أنها خضعت لفرناس بسبب قربها من مواقعها، غير أن هذه الذريعة لم تقنع الأمير، إذ لا يمكن له القبول بذريعة (القسوة والمعاناة) أن تكون سببا للخيانة، لا سيما وأنه إذا قبل

стр. 667

الأخذ بهذه الذريعة، فإن كل مخططاته لحصار الأعداء وتحرير البلاد ستنهار من أسسها. وفي هذا الوقت، رفع حاكم وهران (تريزيل) المعاهدة التي وقعها مع (ود بن إسماعيل) إلى الحاكم العام (دو ميشال) الذي رد على ذلك بأن (هذا الود بن إسماعيل) أضعف من أن يقف في مواجهة الأمير، وأنه من الأفضل التعامل مع (الأمير مباشرة). ولكنه - أي دو ميشال - كان في حاجة للمناسبة التي تفتح له مجال الحوار مع الأمير، وجاءت هذه المناسبة مع نهاية تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٣٣ م. عندما توجه عربي (اسمه قدور) من قبيلة (البرجية) إلى مدينة أرزيو، وباع مواشيه إلى الإفرنسيين. وعند رحيله، طلب من القائد الإفرنسي أن يعين له قوة لمرافقته لأنه بات يخشى بطش جند الأمير عبد القادر. واستجاب القائد الإفرنسي لهذا الطلب، فكلف أربعة فرسان بموافقته، غير أن هؤلاء لم يبتعدوا عن المدينة أكثر من كيلومترات قليلة حتى انقضت عليهم قوة من المجاهدين فقتلت أحد الفرسان، واقتادت البقية أسرى إلى مدينة (معسكر). واستقبل (دو ميشيل) خبر هذا الحادث بالغبطة، إذ وجد الفرصة لكتابة رسالة للأمير عبد القادر جاء فيها ما يلي: (إنني لا أتردد مطلقا في أن أكون البادىء في اتخاذ هذه الخطوة، على الرغم من أن وضعي لا يسمح لي بذلك، ولكن شعوري الإنساني يحملني على الكتابة إليك، لذلك فإنني أطلب حرية أولئك الإفرنسيين الذين سقطوا في كمين بينما كانوا يحمون عربيا. وإنني لا أتوقع أن تجعل إطلاق سراحهم مرهونا بشروط معينة، ما دمت أنا قد أطلقت في الحال سراح بعض أفراد قبائل الزمالة وقبائل الغرابة، عندما سقطوا في يدي نتيجة الحرب وأطلقتهم من غير شروط، بل لقد عاملتهم أحسن معاملة، وبناء عليه آمل من سمو الأمير إذا كان يرغب في أن يأخذ من

стр. 668

التقدير قدرا عظيما، ألا يطيل المراجعات، وأن ينعم بإطلاق الأسرى). ولم يرغب الأمير من عدوه أن ينال ما وصفه (بالقدر العظيم من التقدير) فتجاهل الرد فكتب إليه (دي ميشيل) رسالة ثانية جاء فيها: (من الجنرال دي ميشيل إلى الأمير عبد القادر بن محيي الدين. لي أمل بأن تطلق الحرية للأسرى الأربعة التعيسي الحظ والمحبوسين في قلعة معسكر. وما كنت أتردد عن السعي لديكم فيما تمنعني وظيفتي الرسمية عنه، حيث تدفعني الإنسانية إليه. ولعلمي أن البشر الراقين إلى الدرجات العليا عليهم أن يمتازوا بأعمال كريمة دالة على التفاوت الذي وضعه الله بينهم، فأرجو الإفراج عن الإفرنسيين الذين وقعوا في شر مكيدة وهم في الدفاع عن بعض العرب لتخليصهم من انتقام أبناء جنسهم. ولا أظن أنكم تضعون في طريق ذلك العقبات، لأنكم إذا رغبتم أن تعدوا من كبار أهل الأرض لا تتأخروا عن إظهار أخلاقكم، وإذا أوقعت الحرب بين يدي بعض أتباعكم فأنا أعدكم بإرجاعهم دون تعريض - أو مبادلة). ومرة ثانية تجاهل الأمير عبد القادر رسالة (دي ميشيل) فجاءته الرسالة الثالثة وفيها: (إلى الأمير عبد القادر بن محيي الدين. بما أنني لم أتلق جوابا على رسالتي التي بعثتها إليكم منذ شهر، فأحب إلي القول بأنه لم تصلكم من أنكم لم تلتفتوا إلى قبول طلبي وعليه، جئت للمرة الثالثة أكرر طلب إطلاق سراح الأسرى الإفرنسيين المحتجزين لديكم، لأنهم لم يؤخذوا في ساحة الحرب، بل سقطوا في أقبح خدعة وأسوأ مكيدة، وعلي أن أذكركم أن فرنسا هي أقوى دولة في الدنيا، فليس من الحكمة أن تستمروا في مقاومتكم لها، وإذا كان

стр. 669

باستطاعتي اليوم أن أنتصر عليكم قبل وصول النجدات التي انتظرها فما تكون حالتكم إذا فرغ صبر فرنسا نحو العرب، وأرسلت ما تهيؤه لي، فعندها تهاجمكم قواتنا فتبعثركم كما يبعثر الهوى الرمال. فإذا رغبتم البقاء في مركزكم السامي، فما عليكم إلا الإجابة على دعوتي لعقد معاهدة بيننا، وتعود القبائل لزراعة حقولها الخصبة حتى تقدم ما يحتاجه الشعب العظيم). عند ذلك، لم يجد الأمير عبد القادر حرجا في الرد على هذه الرسالة المثيرة، فكتب رسالة جاء فيها ما يلي: (من الأمير عبد القادر بن محيي الدين - إلى الجنرال دو ميشيل، أما بعد: فقد وصلنا كتابكم المتضمن أفضل النصائح، فقدرناها قدرها، وعلمنا أنكم تحثونا في كتبكم الثلاثة على الإفراج عن الأسرى، وتندبون حظكم، مع أننا نعتني بشأنهم غاية الاعتناء، وليست عملية الإفراج عنهم ذات أهمية عندنا، غير أن الحالة التي نحن بها لا تسمح لنا أن نردهم دون فدية، فإذا رغبتم في الاتفاق قبل تسليم الأسرى إليكم عند المعاهدة بيننا، لأن ديننا يمنعنا من طلب الصلح ابتداء، ويسمح لنا بقبوله إذا عرض علينا. وأن الثقة التي منحتمونا إياها في تحاريركم حملتنا على أن نبادلكم المخابرة، وأن المفاوضة التي تطلبونها تقتضي أن تكون مبنية على شروط محترمة منا ومنكم، ولا يحصل الاتفاق إلا إذا عرفتوني شروطكم وما تطلبونه مني، وأنا أعرفكم بمثلها والله المعين. وكيف تفاخروني بقوة فرنسا، ولا تقدرون القوة الإسلامية، مع أن القرون الماضية أعدل شاهد على قوة الإسلام وانتصاراتهم على أعدائهم، ونحن وإن كنا ضعفاء على حد زعمكم،

стр. 670

فقوتنا بالله الذي لا إله إلا هو ولا شريك له. ولا ندعي بأن الظفر مكتوب لنا دائما. بل نعلم أن الحرب سجال يوم لنا ويوم علينا، غير أن الموت مسر لنا، وليس لنا ثقة إلا بالله وحده لا شريك له ... وأن دوي الرصاص وصهيل الخيل في الحرب لألذ لنا من الصوت الرخيم، فإذا صممتم على عقد صلات ودية بيننا وبينكم، فأفيدونا حتى نرسل إليكم رجلين من كبار قومنا، مأذونين بالمفاوضة معكم، وحينئذ تتم أمانيكم بمعونة الله. ولا تظنوا بأننا نأسف إذا اضطررنا إلى ترك البلاد، لأننا نعلم يقينا أن الأرض لله تعالى يورثها من يشاء من عباده. وإن سلمنا وراثتها، فحيث ما كنا نجد أمتنا. وقد ظهر لنا من مضمون كتبكم أنكم تحتقرون قوة العرب مع دوام استعدادهم للقتال، وسابقتهم للنزال في كل زمان ومكان، وإذا عدتم إلى كتب التاريخ، قرأتم ما أجروه في آسيا وجهات الشام من الجرأة والثبات والإقدام والفتوحات التي أظهرها الله على أيديهم). وجاء رد (دو ميشيل) في رسالة أكد فيها رغبة فرنسا بالتفاهم مع الأمير عبد القادر، ورأى الأمير الرد على مضمون الرسالة بما حملته رسالته التالية: (بعد التحية، وصلني كتابك الذي أظهرت فيه رغبتك في الحصول على إطلاق سراح الأسرى الذين أوقعتهم الأقدار الربانية بين أيديكم. وقد فهمت جميع ما تضمنته رسائلك وما اشتملت عليه من تكرار الطلب. ومن المعلوم عندكم أن جميع الأسرى الذين وقعوا في أيدي عساكركم في ميادين الحرب، لم أتعرض لكم ولا لمن قبلكم في إطلاقهم، ولا أتعب أفكاركم بمراسلة قط، لأن حكمهم عندي حكم الأموات، وموتهم أعتبره حياة لهم، غير أني كنت أتألم عليهم شفقة

стр. 671

ورحمة. وقولكم أن هؤلاء الأسرى الذين تطلبون إطلاق سراحهم ما كان خروجهم لأمر يتعلق بكم، بل كانوا يحمون عربيا من انتقام أبناء وطنه، فهذا لا أعتبره وسيلة لإطلاقهم، فإن المحافظ والحافظ عليه كلاهما أعداء لنا، وانتهاز الفرصة في الانتقام منهم غاية مقصودة، وسائر العرب الذين عندكم أوغاد وأرذال، يجهلون واجباتهم الدينية، هذا وإني رأيتك تفتخر بأنك أطلقت الأسرى من الغراية والزمالة، من غير شروط، مع أنك لو راجعت أفكارك لوجدت أن رحمتك إنما كانت لأناس استظلوا بظلكم، واحتموا بحماكم، وكانوا عيونا لكم على المسلمين، ويخدمونكم بكامل الصدق. ومع ذلك فإن عساكركم قد سلبوهم كل ما يملكونه. فلو كان هذا المعروف الذي تذرعتم به مع غير هؤلاء كالحشم وبني عامر مثلا، لكان يحق لكم الفخر، وكنتم تستحقون الشكر. وعلى كل حال، فمتى خرجتم من وهران على مسافة يوم أو يومين، يظهر للعيان من يستحق الفخر منا). عند هذه المرحلة توقفت المراسلات التمهيدية، واستمر الصراع. ووجدت القوات الإفرنسية أنها تجابه أكثر من جبهة، وأنها تتلقى الهزيمة تلو الهزيمة على كافة الجبهات، فقررت مهادنة بعض الجبهات للتفرغ للجبهات الأخرى، وكان يهمها إسكات الجبهة الأقوى - جبهة الأمير عبد القادر. والذي كان بدوره يحتاج لنوع من الهدنة حتى يتفرغ جزئيا لبناء دولته وتطوير قدراته. وعاد (دو ميشيل) للإمساك بالمبادأة، فأرسل رسالة جاء فيها: (إلى سمو الأمير عبد القادر: حيث لا تجدني أيها الأمير غافلا أبدا عن كل فعل حسن، فإذا

стр. 672

كان سموكم يريد ان نتباحث في أمر المعاهدة، فأنا مستعد لذلك، مع الأمل بأنه يمكن الحصول على معاهدة موفقة يتوقف بها سفك دماء أمتين اقتضت الإرادة الإلهية ألا تكون تحت سلطة واحدة). وفضل الأمير عبد القادر في هذه المرحلة، إظهار موقف اللامبالاة من العرض الإفرنسي، فلم يرد على الرسالة واستخدم في الوقت ذاته مندوبه في وهران (اليهودي مردخاي عمار) لتهدئة ثائرة (دي ميشيل) من عدم الرد، واختلاق المعاذير المناسبة. فاضطر (دو ميشيل) لكتابة رسالة جديدة يرد عليها الأمير بما يلي: (وصلتني رسالتك، وفهمت مضمونها، ويسري أن أجد عواطفك تتفق مع عواطفي. إنني أشعر بثقة نحو نواياك المخلصة، ويمكنك أن تثق بأن أي التزام يمكن أن نتوصل إليه سيكون محل احترام من جانبي، إنني أرسل إليك ضابطين من جيشي، وهما (موليود - مليود - بن عراش، وولد محمود) وسيجتمعان خارج وهران (بمردخاي عمار) وسيعلمانه بكل المقترحات فإذا قبلتها تستطيع أن ترسل إلي، وعندئذ سنكتب معاهدة تقضي على الغضاء والعداوة اللتين تفصلاننا الآن عن بعضنا، وتحل محلها صداقة لا انفصام لها. ويمكنك الاعتماد علي لأنني لم أتخل أبدا عن كلمتي). تمت المقابلة المقترحة يوم ٤ شباط - فبراير - ١٨٣٤ م حمل ابن عراش شروط دو ميشيل يوم ٢٥ شباط - فبراير - ١٨٣٤.وجاء فيها: ١ - تتوقف الحرب منذ اليوم بين العرب والإفرنسيين. ٢ - ستكون عادات المسلمين وشرائعهم الدينية موضع الاحترام.

стр. 673

٣ - يتم إطلاق سراح الأسرى الإفرنسيين. ٤ - تبقى الأسواق التجارية حرة. ٥ - يعيد العربة كل هارب إفرنسي. ٦ - يتنقل كل مسيحي داخل البلاد، على أن يحمل جواز سفر ممهور بخاتم قنصل عبد القادر وختم الجنرال دو ميشال. ووضع الأمير شروطه، ثم دمجت هذه الشروط في معاهدة واحدة حملت اسم (معاهدة الأمير عبد القادر - الجنرال دو ميشال) (١). الأمر الواضح هو أن الأمير عبد القادر قد أراد لهذه المعاهدة أن تكون أكثر من هدنة، أما الإدارة الإفرنسية فأرادتها أقل من ذلك. وظهر ذلك في المهمة التي حددتها الإدارة الإفرنسية لقنصلها لدى الأمير عبد القادر وهو (عبد الله ميسون) الذي كان من مماليك الأمراء المصريين ثم تطوع في الجيش الإفرنسي، وأخلص في خدمة فرنسا، فأرسلته إلى عاصمة الأمير وكلفته بالتالي: أولا: أن يكثر اتصالاته برجال ديوان الأمير والوزراء والمسؤولين في ولاية - إيالة - وهران وإغداق الأموال عليهم حتى يميل هؤلاء إلى القيادة الإفرنسية، وحتى يمكن له الحصول على أسرارهم، والاستعانة بهم إذا ما فكر الأمير بنقض المعاهدة. ثانيا: الاندماج بالشعب، مستفيدا من أصله العربي، لإبراز قوة فرنسا وإدخال الرعب في نفومس الجماهير حتى لا تتجاوب مع الأمير، وحتى تخذله في الوقت المناسب. ثالثا: تجنيد المتعلمين والمثقفين، لمراقبة الأمير من جهة، وجمع

стр. 674

المعلومات عن حالة البلاد بصورة دقيقة. وانطلق (عبد الله ميسون) لتنفيذ مهمته، واتبع كل أساليب الغدر والنفاق في محاولاته لاستثارة عواطف الجزائريين، فكان يجتمع بالمثقفين بالأندية، ويحاضرهم، ومن بين ما كان يردده على أسماعهم: أن الجزائر لا يمكن أن تستغني عن فرنسا. وأن الأمير بما عرف عنه من يقظة الضمير، والتعمق في الدين لا بد له وأن يتفق معها حتى يعيش الشعبان في رفاهية ورغد. وأن الأمير سيدرك أن الحضارة الإفرنسية قد أثرت الإنسانية وأغنتها. وكم كانت دهشة (عبد الله ميسون) عندما تصدى له أحد حضور ندواته من المواطنين، ليقول له: (لقد أعلن الإفرنسيون بألسنتهم وأقلامهم تحرير الإنسان، وإلغاء الرق، والمساواة أمام القانون، ثم راحوا يفرضون علينا رقا آخر، من نوع أقسى وأمر، رقا بغير قانون، وعبودية بقيود متطورة. إن ما تقوله الآن وتتشدق به هو ظلم وبهتان. وإن ما يريد الجيش الإفرنسي أن يفرضه من الرق اليوم على شعب الجزائر، إنما هو أسوأ مما حاول أن يفرضه الدخلاء الذين جاءوا إلى الجزائر بقصد التحكم في مصائرها. لئن سبق للدخلاء في الماضي السحيق استغلال حاجة الفقير إلى لقمة العيش، ويستغلوا ضعفه واضطراب الخائنين من بطش الطغيان وجبروت الحديد والنار، وقسوة الحكم الغاشم، واتخذوا الفقر والجهل والخوف مرافق استغلال في نفوس الضعفاء، فإن الوضع اليوم أصبح يختلف كل الاختلاف عما كانت عليه في الماضي. فبفضل سياسة (فرق تسد) التي جاء بها الدخيل، قد أصاب الشعب الجزائري عبء ثقيل من الرزايا أثر في بلده الأمين ووضع من قدره. ولكن لم يتمكن هؤلاء الأجانب من أن يقذفوا ببلائهم، ويرموا بسهامهم المسمومة، إلا بعد افتراقنا وتدابرنا أما الآن، فقد ظهر الحق من الباطل، ولا يأتي

стр. 675

لدو ميشيل أو من يعمل في ركابه من أن يلمح بسيف العدوان في وجوهنا). فسكت (عبد الله ميسون) واعتذر للحاضرين، وعرف أن مهمته ليست بالمهمة السهلة، لا سيما وقد أخذ الأمير الذي كان يقابله ببشاشة في تتبع خطواته، وكلف عددا من أبناء الجزائر بمراقبة كل تحركاته حتى لا يثير الشك في أذهان المواطنين. وبدأت العزلة تحيط به حتى وجد نفسه مرغما في النهاية على الكتابة للحكومة الإفرنسية معتذرا عن الاستمرار في تنفيذ مهمته، وشارحا لها الموقف القوي للأمير عبد القادر بقوله: (إن الأمير على صلة متينة بتونس والمغرب وليبيا ومصر ومكة. وأن أمير مكة الذي يعتبر خليفة للمسلمين قد أعانه كثيرا، وهو يتلقى منه كل تأييد وتشجيع. ولهذا لن تتمكن فرنسا من السيطرة على الأمير إلا إذا أوقفت هذه الإعانات المستمرة).

стр. 676

٣ - معركة المقطع (٢٦ حزيران - يونيو - ١٨٣٥ م) لم يقبل كل المسؤولين الإستعماريين في فرنسا - والجزائر - بمعاهدة (عبد القادر - دو ميشال) ولا قبل بها كل المسؤولين من عرب الجزائر المسلمين، وكانت حوافز الرفض للمعاهدة متباينة لدى الطرفين، ومختلفة في كل طرف من الطرفين أيضا، وكان لا بد للأمير عبد القادر من خوض صراع مرير ضد المناوئين والخصوم الذين ظهروا بغتة ليشكلوا جبهة واحدة ضد الأمير. وكان من أكثر ما أزعج الأمير وآلمه هو وقوف (بنو عامر) ضده وامتناعهم عن دفع الضرائب نظرا لتوقف الحرب - من وجمهة نظرهم وقد كان هؤلاء هم أكثر أتباعه غيرة وحماسة، وبفضلهم أمكن له تحقيق معظم انتصاراته. وأمام هذا الموقف لجأ الأمير إلى عدوه القديم وحليفه الحالي (مصطفى ود بن إسماعيل) وكلفه بإعداد قبائل (الدوائر والزمالة) في تلمسان لتأديب بني عامر وإخضاعهم. واغتنم الزعيم (ابن إسماعيل) الذي كان على رأس (المخزن التركي) هذه الفرصة السانحة للانتقام من أعدائه القدامى وقاهريه، وفرح بما تضمنه له هذه الفرصة من غنائم وفيرة، بقدر فرحته في تدعيم هيبته على القبائل التابعة له نتيجة اعتماد الأمير عليه في تنفيذ مهمة من أخطر المهام. غير أن حدثا تدخل بصورة طارئة

стр. 677

ليحول من مسيرة الأحداث، فبينما كان الأمير عبد القادر يلقي خطبة صلاة الجمعة كعادته في مسجد معسكر، وقع بصره على بعض شيوخ بني عامر، فتوجه إليهم على الفور بحديثه: (وأنتم يابنو عامر، ألستم أول من دعاني إلى المركز الذي أتولاه الآن؟ ألستم أول من رجاني أن أقيم حكومة منتظمة توحي إلى الأخيار بالثقة وإلى الأشرار بالخوف؟ ألم تتعهدوا بشرفكم بأن تضعوا حياتكم وأموالكم وكل ما هو عزيز ومقدس لديكم لدعمي ومساعدتي في مهمتي الشاقة؟ فهل ستكونون أول من يتخل عن القضية المشتركة، وأول من يؤيد ويشجع، بإعطاء المثل، المؤتمرات ضد نفس الحكومة التي أقمتموها؟ كيف يمكن لأية حكومة الاضطلاع بواجبها بدون ضرائب، وكيف يمكن أن تبقى بدون اتحاد وتأييد الجميع؟ هل تظنون أن أصغر قطعة نقدية في الضريبة التي أطلبها ستستخدم في مصارفي الشخصبة أو العائلية؟ إنكم جميعا تعلمون أن أملاك والدي تكفي لحاجاتي الشخصية. إن ما أطلبه هو ما فرضه قانون الرسول (ص) كمسلمين حقيقيين. وإنني أقسم بالله العظيم أن ما يدخل يدي سأحتفظ به كأمانة مقدسة من أجل انتصار الإسلام). تأثر شيوخ بني عامر لهذا النداء الصادر من القلب والذي يخاطب العقل، فتنادوا إلى الاجتماع وجددوا بيعتهم وولاءهم، وتعهدوا بدفع الضرائب التي يطلبها الأمير. وأرسل الأمير عبد القادر على الفور رسولا إلى (مصطفى بن إسماعيل) يطلب إليه وقف مسيرته ضد بني عامر. ولكن ما أن مضت أيام ثلاثة حتى أقبل فارس يسابق الريح ليعلم الأمير بأن (مصطفى بن إسماعيل) قد بدأ هجومه على الرغم من الأمر الصادر إليه. وسرعان ما جمع (عبد القادر) قوة

стр. 678

من الفرسان وسار بهم حتى إذا ما اقترب من قوات (ابن إسماعيل) أرسل إليه طلبا بالانسحاب. وحين رفض هذا تنفيذ الطلب، هاجمه بفرسانه، ولما كان عددهم قليلا، فقد تمكن (بن إسماعيل) من تمزيقهم حتى لم يبق مع الأمير إلا قلة من الرجال الذين أحاطوا به، وحاربوا معه حتى قتل معظمهم، ولم ينسحب الأمير إلا بعد أن خاض معركته اليائسة بما يشبه المعجزة. فقد اخترق برنسه عدد كبير من الرصاص، وأصيب حصانه بجراحات كثيرة. وأمكن له في النهاية اختراق قوات العدو المحيطة به، والمرور من بينها كالسهم ليعود وحده إلى (معسكر) في أعقاب الليل. ما كادت أخبار هزيمة عبد القادر تنتشر، حتى استيقظت روح التمرد، فهذا (سيدي العريبي) يرفع لواء الثورة. وهذا الغماري وبنو نجاد يتبعونه ويستعدون للانضمام إلى حاكم تلمسان (سيدي حمادي) الذي كان على صلة (بمصطفى بن إسماعيل). ولم تزعج هذه الأخبار الأمير أو تضعف من إرادته وها هو يجمع (١٥) ألف فارس من بني هاشم القرابة وبني مجاهر وبني عباس وبني عامر، ويتولى قيادتهم للمعركة، وانسحب ابن إسماعيل بقبائل الدوائر والزمالة إلى مكان حملاتهم القديم قرب وهران، على أمل تلقي دعم الإفرنسيين. غير أن هؤلاء خذلوه. وتقابل الأمير مع ابن إسماعيل في سهول (محرز) يوم ١٣ تموز - يوليو - ١٨٣٤ ودارت رحى معركة طاحنة لم تصل إلى الحسم بقدر ما استنزفت قوات الطرفين ووجد الطرفان أن مصلحتهما تفرض عليهما (المصالحة) فتم الاتفاق على ذلك. ومضى عبد القادر, حتى أخضع كل خصومه. وتخلص من أخطر خصمين له هما (سيدي العريبي) الذي مات في السجن و (الغماري - رئيس بني أنجاد) الذي

стр. 679

حوكم وحكم عليه بالإعدام ونفذ الحكم. عاد الأمير إلى (معسكر) منتصرا. وأثناء ذلك استبدلت إدارة الجزائر الإفرنسية، فتم تعيين (ديرلون) حاكما عاما على الجزائر (١) خلفا للجنرال (دي ميشيل) وكتب الأمير إلى الحاكم الجديد مهنئا، ومعلما إياه بنصوص معاهدته، فأظهر (ديرلون) استغرابه من هذه المعاهدة التي يجهل عنها كل شيء. كما أعلم الأمير بأنه ليس من حق (دي ميشيل) توقيع معاهدة تتجاوز حدود الولاية التي يحكمها (وهي وهران) وتضمن رده أيضا ما يلي: (إن رأيي الخاص هو أن لا تجتاز الشلف الأسفل في اتجاه الشرق. فإذا حكمت الإقليم الذي هو الآن تحت يديك طبقا للقوانين الإسلامية، وبعدل صارم، فسنكون أصدقاء ولكننا لن نسمح لك بدخول إقليم تيطري. فما يجري في هذا الإقليم هو من شأني. وإني لست في حالة حرب مع سكانه. وليس لي حاضرا مشاريع لإقامة منشآت في البليدة أو بوفاريك. ولكن إذا رأيت ذلك في المستقبل من أجل مصلحة فرنسا، فإني لن أسمح لأحد باعتراض سبيلي). كان ذلك يعني إلغاء المعاهدة، وكان لا بد للأمير من التعويض عن ذلك بعمل عسكري فانصرف للقضاء على أعمال التمرد التي قادها (أولاد سيدي العريبي) في (وادي شلف) وما أن فرغ منا، حتى

стр. 680

التفت لقمع حركة (الحاج موسى بن حسن الملقب بأبي حمار) وهو من أشراف الصحراء، دخل المدية، ونشر فيها الطريقة الثاذلية، وأمكن له جمع القوى حوله. وكان لا بد للأمير من تجاهل تحذير (ديرلون) فاجتاز نهر الشلف وخاض معركة حاسمة انتصر فيها على (الحاج موسى)، واستولى الأمير على إقليم تيطري، وأعاد تنظيمه. وعندئذ وجد (ديرلون) أنه من الأفضل الالتزام بالسياسة الإفرنسية التي كانت ترى في ملك الفترة ضرورة مهادنة الأمير الذي اعتقدت فيه وسيلتها للصعود إلى أعالي الأطلس. فأرسل مسودة معاهدة جديدة للأمير عبد القادر الذي أرسل بدوره مسودة ضمنها شروطه. وكان ذلك ضد رغبة (تريزيل) الذي كان يريد التصدي للأمير ومجابهته بالقوة , وفي تلك الفترة عادت قبائل (الدوائر والزمالة) إلى سابق عهدها في التعاون مع فرنسا وإمداد قوتها بمتطلباتها وتجاوزت ذلك عندما وقعث مع فرنسا معاهدة وضعت فيها نفسها تحت الحماية الإفرنسية. الأمر الذي يعتبر تحديا صارخا للأمير الذي لم يقف صامتا، فأرسل احتجاجا جاء فيه: (إن الدوائر والزمالة هم رعيتي، وبناء على قانوننا فإن لي الحق في أن أفعل بهم ما أشاء. فإذا سحبت منهم حمايتك وتركتهم يطيعوني كما كانوا، فذلك ما أريد. وإذا كان موقفك عكس ذلك، فأصررت على التنكر لالتزاماتك، فاستدع في الحال قنصلك من مدينة - معسكر- لأنني لن أرفع يدي عن قبائل الدوائر والزمالة، حتى ولو دخلوا وراء حصون وهران، إلا بعد أن يندموا ويتوبوا وبالإضافة إلى ذلك، فإن ديني يمنعي من السماح لمسلم أن يكون تحت سلطة مسيحي، فاختر ما يحلو لك، أو أن إله الحرب سيحكم بيننا). ولم يبق أمام (تريزيل) حاكم وهران إلا الاستعداد للحرب. وكانت الاشتباكات قد بدأت بالفعل قبل ذلك بوقت قصير، إذ كان الأمير عبد القادر قد أرسل

стр. 681

بعض قواته لإزعاج قبائل (الدوائر والزمالة) وأمكن أسر بعض شيوخهم والاستيلاء على مواشيهم. فأرسل حاكم وهران (تريزيل) قوة عسكرية لحماية مخيماتهم قرب (مسرغين) وفي ١٦ حزيران - يونيو - ١٨٣٥ م. وقعت الزمالة والدوائر معاهدة الحماية مع (تريزيل).ولم يلبث حاكم وهران هذا (تريزيل) أن أرسل قوة من الفرسان للإغارة على مزارع بني هاشم الغرابة بحجة الحصول ما تحتاجه القوات الإفرنسية من الشعير، وما أن علم الأمير عبد القادر بالعدوان على قبيلته الخاصة حتى أرسل (ألفي) فارس و (٨٠٠) راجل إلى نهر (سيق). وقرر (تريزل) مهاجمة هذه القوة قبل أن يتم دعمها بقوات أكبر. لذلك قاد يوم ٢٦ حزيران (يونيو) ١٨٣٥، تضم (٥) آلاف من جند المشاة، وفرقة من قناصي أفريقيا وأربع قطع مدفعية وعشرين عربة إمداد وتموين ومستشفى ميدان عادي. ووصلته هذه القوق (غابة مولاي إسماعيل) وأخذت في اقتحام الغابة، وشرعت في إطلاق النار على ما ظنته كتيبة عربية ضالة (شاردة) ولكن النار أعيدت بعنف وقوة. وسرعان ما ظهر الفرسان لقد كانوا طلائع عبد القادر قادمين من جهة نهر السيق ولم تمض أكثر من دقائق قليلة على هذا الاشتباك الأولي، حتى هوجمت القوات الإفرنسية بهجمات عنيفة على جبهتها ومجنباتها، وكان ذلك مباغتا إلى حد مذهل للقوات الإفرنسية، وزاد من تأثير المفاجأة كثافة الغابة، وطبيعة الأرض المتموجة التي كانت تخفي العدد الحقيقي للمجاهدين المسلمين. هذا بالإضافة إلى صيحات الحرب (الله أكبر) والتي كانت تثير فزع الجند الإفرنسي، وتحمله على الاعتقاد بتقدير قوة المسلمين أضعاف ما كانوا عليه في الحقيقة. وأدى ذلك إلى تمزيق التنظيم القتالي - نظام الصف - للقوات الإفرنسية. التي حاولت

стр. 682

إجراء بعض التغييرات لإصلاح التشكيل القتالي، غير أن هذه المحاولات فشلت. وأثناء ذلك صدر الأمر إلى الفرق الخلفية الإفرنسية بالتقارب لتشكيل سد، كما صدر أمر مماثل إلى الوسط للتلاحم، مع إبعاد قوة الفرسان. وفي وقت قصير، دبت الفوضى في كامل الجيش الإفرنسي. فدخل الفرسان في الميدان، ولم يكن المشاة والمدفعية قادرين سوى على إطلاق النار بدون هدف. وبعد فترة قصيرة بدأت حدة الهجوم العربي في التباطؤ، وأخذ الإفرنسيون في المرور عبر صفوفهم، وكانت عربات المؤونة قد احتجزت وأفرغت، كما حطمت براميل الخمر. وكان الجميع يأكلون ويشربون بشراهة. وبذل الضباط الإفرنسيون جهودا جبارة في محاولة للسيطرة على الموقف، وأمكن لهم في الواقع استئناف التحرك نحو الأمام، ووصل الجيش الإفرنسي عند الغروب إلى (نهر سيق) وهناك نصبوا معسكرهم في مربع ثابت. ولحسن حظ الإفرنسيين كان جيش عبد القادر الرئيسي، الذي انطلق في تقدمه السريع من (تلمسان) قد اضطر للتوقف خلال فترة قصيرة على بعد فرسخين من ذلك النهر، لذلك استطاع الإفرنسيون الحصول على بعض الراحة في الليل. وعند الفجر، بدأ (تريزيل) بالانسحاب ولكن الأمير عبد القادر كان يتحرك بسرعة أكبر، فقد عمل خلال الليل على قيادة بعض قواته، ووضعها على محاور الاتصال مع وهران. ولم يكن باستطاعة (تريزيل) تجديد الاشتباك مع قوات الأمير، لذلك قرر السير إلى مدينة (أرزيو) عن طريق الساحل. ولكنه كان يعرف مدى الصعوبات التي تجابهه إذا ما تحرك مباشرة في ذلك الاتجاه (حيث كانت هناك أجزاء من الأرض غير صالحة لسير العربات أو حاملات المدافع) فقرر أن يتحول إلى (جبال حميان) وأن يظهر على سهل أرزيو عن طريق مضيق نهر الهبرة، حيث

стр. 683

يغير نهر الهبرة اسمه ليحمل اسم (نهر المقطع). وحين رأى الأمير عبد القادر حركة القوات الإفرنسية، عرف هدفها على الفور، فإذا استطاع أن يستولي على مضيق نهر الهبرة، قبل أن يصلوا إليه فإنه يعلم أنهم سيكونون تحت رحمته. ولكن المسافة كانت بعيدة جدا على المشاة لتحقيق ذلك الهدف خلال الفترة الزمنية المتوافرة له. فاختار (عبد القادر) ألف فارس، وأمر كل راكب أن يردف معه جنديا من المشاة، وأن يسرعوا إلى المكان المعين. وأمكن تحقيق العملية بنجاح كامل. فالفرنسيون، بعد أن عانوا مشقة كبرى، استطاعوا عبور سهل سيراط، وبعد مطاردة الفرسان العرب لهم طوال الطريق، دخلوا مضيق (الهبرة) حوالي منتصف النهار. وقد ذهلوا عندما وجدوا منحدري المضيق مدججين بالسلاح. وحين تقدموا رميت عليهم قطع كبيرة من الصخور وبينما كان الجند الإفرنسيون مشغولين بالمناوشات خلال ساعتين، أمكن لهم فتح الطريق ببطء وبتضحيات كبيرة. وأثناء ذلك، كان عبد القادر وجيشه كله قد سد عليهم الطريق من الخلف. وقد خشيت مؤخرة الإفرنسيين من عزلها عن بقية الجيش. فاندفعت إلى الأمام وهي في حالة من الفوضى المريعة، فقد تحول جزء من مستشفى الميدان والمدفعية إلى اليمين وغرق في المستنقع. أما رجال المدفعية فقد فصلوا المدافع عن حاملاتها، وهربوا. واختلطت القوات بعضها ببعض، وأسرعت الكتائب أو أجزاء منها، هنا وهناك، باحثة عن مخبأ أو مفر. وأفسح لهم العرب مجال المرور من بينهم، لمعرفتهم إنهم لن يذهبوا بعيدا. وجرف التيار كل الجنود الذين حاولوا الفرار سباحة، وغرقوا في مياه النهر. ثم حل الليل، وسارت فلول القوات الممزقة نحو مدينة (أرزيو) وهي تحمل كل مرارة الفشل. انطلقت قوات المجاهدين طوال الليل للبحث عن فلول

стр. 684

القوات، وكانت صيحات البهجة وأصوات التهليل والتكبير تمزق سكون الليل في حين كانت المشاعل تضيء ظلمته. وكانت كومة رؤوس جنود الأعداء تتحول تدريجيا لتأخذ شكل تل كبير، أما المهندسون فكانوا يعملون على ضوء المشاعل لإصلاح الممرات والطرق. وتوجه الأمير مع منتصف الليل إلى المضيق، فصدمه مشهد (تل جاجم الجند الإفرنسيين) وصيحات جنوده وهم يرددون (مزيدا من الرؤوس) ووقف لحظة في صمته المهيب، لقد أرهقته متاعب الأيام الماضية، غير أن صوتا داخليا كان يحفزه للمزيد من العمل، فلوى رأس حصانه الأسود. ومضى في ظلمة الليل. اهتزت فرنسا كلها عندما وصلتها أخبار (معركة المقطع). وارتفعت صيحات (التحقيق والعقوبة والانتقام) في جوقة واحده. وهكذا استدعي (ديرلون) وحل الجنرال (دارلانج) محل تريزيل. كما عين (كلوزول) من جديد ليفتح عهدا جديدا فيما كان يسمى عندئذ (المستعمرة الإفريقية لفرنسا). وفي جلسة من جلسات البرلمان الإفرنسي، في سنة ١٨٣٥، وقف النائب (تيير) (١) لينتقد بقوة النظام الإفرنسي الذي كان مطبقا في الجزائر، وليطالب بدعمه وتطويره حيث قال: (إنه ليس استعمارا، إنه ليس احتلالا على مدى واسع، وليس

стр. 685

احتلالا على مدى ضيق، إنه ليس سلاما، وليس حربا ولكنه حرب سيئة الإدارة). وتحركت الحكومة الإفرنسية للعمل بقوة، فزادرت من عدد الجيش في الجزائر. وأمرت بإدارة قوية للحرب مع عبد القادر، وأصدرت قرارا باحتلال مدينة (معسكر). وكان الاعتقاد السائد هو أن الاستيلاء على عاصمته سيجبر السلطان على الاستسلام. ووصل (كلوزول) إلى مدينة الجزائر يوم ١٠ آب - أغسطس - ١٨٣٥م. وقام باستعراض الجيش، وحاول رفع روحه المعنوية المتدهورة، فخطب في جنوده قائلا: (لقد عزمنا على الانتقام من الأمير، لأنه انتصر على تريزيل في المقطع، وكبده من الخسائر ما لا يعلمه إلا الله، ولن نرتاح حتى نكيل له خسائر فادحة، ونقصيه عن دار ملكه - معسكر - وبذلك يدرك الجزائريون أن وضع الأمير مزعزع، وأن إمكاناته قد انهارت) وصفق الحاضرون وقد أخذتهم الحماسة، وباتوا ينتظرون ترمجة هذه الوعود إلى حقيقة.

стр. 686

٤ - الانتقام الإفرنسي واحتلال (معسكر) (٦ كانون الأول - ديسمبر - ١٨٣٥) مضى (كلوزيل) في الإعداد لغزوته الكبرى، ووضع خارطة تظهر المستعمرة (الجزائر) وقد قسمت إلى عدد من المناطق (البايليكات) مع وضع أسماء البايات المحليين المعينين لحكمها. ولم يكن الأمير عبد القادر غافلا عما يعمل له (كلوزول - أو كلوزيل). فقد كانت عيونه (جواسيسه) تعمل بنشاط لتنقل له الأخبار فورا وبصورة دقيقة، وعندما علم بما يعتزم خصمه (قائد وهران كلرزول) تنفيذه، صمم على أخذ المبادأة، واستنفر القبائل، ودفعها نحو العاصمة (الجزائر) تحت قيادة خليفته (في مليانة). وقد أفاد هذا الخليفة من الدعم الذي وصله (وهو خمسة آلاف مقاتل) فانطلق من قاعدته (مليانة) واجتاح سهل (متوجة أو متيجه) فهزم القبائل المتنصرة، وقتل منهم أعدادا كبيرة وأسر منهم أعدادا أكبر. ومضى في تقدمه حتى وصل أبواب (الجزائر). وعندما كثرت المغانم، وتزايدت أعداد الأسرى، أوعز خليفة الأمير في مليانة إلى نائبه باصطحاب فئة من الجند لحراسة المؤن والأسرى وتسليمها لإرادة الأمير. وفي الوقت الذي كان خليفة (مليانة) يحقق انتصاراته الرائعة على القبائل المتنصرة وعلى الحاميات الإفرنسية، كان خليفة الأمير (بتلمسان) يقاوم

стр. 687

الإفرنسيين وينتصر عليهم في ولاية - إيالة - (وهران) وأخيرا. تمكن هذا الخليفة من محاصرة وهران، وعزلها، والسيطرة على طرق مواصلاتها، وفصل القيادة الإفرنسية بوهران عن القبائل المتنصرة، وقد كانت المعارك التي خاضها أمير تلمسان (خليفة الأمير عبد القادر) ضد قائد وهران (كلوزول) قوية إلى درجة وصفها أحد المؤرخين بقوله: (لقد نفذ البوحميدي جميع ما طلب الأمير تنفيذه، وصار الإفرنسيون داخل وهران في أشد الضيق، إلا أنهم أحسن حالا من أسرى الحرب. وكاد الأمير يحقق وعيده بأن لا يسمح للطير أن يحلق من غير إذنه فوق المدن التي استولى عليها الإفرنسيون الذين أصبحوا مشلولين تماما، يطلبون الخلاص من قيودهم، ويحدون صعوبة في تنفس الهواء، وتتفتت أكبادهم غيظا. وأقاموا يترقبون وصول الدعم مع أوامر الهجوم يندفعوا على ذلك الأمير الذي رماهم بسهام ذكائه المدهش). ذهب (كلوزول) إلى وهران يوم ٢١ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٣٥ لإنهاء استعداداته، وحدد واجب العمليات بقوله: (إن أول ما نبدأ به هو الزحف بجيوشنا على عاصمة الأمير، فإذا ما ساعدنا الوقت في الاستيلاء عليها، فسنثأر لأنفسنا من العرب، ثم نعقد مع الأمير صلحا لكل نزاع). وحشد (كلوزول) لمعركته جيشا من (١٢) ألف مقاتل؛ في حين كانت قوات الأمير تضم (٨) آلاف فارس، و (ألفي) جندي من المشاة (الراجلين)، بالإضافة إلى (٤) مدافع. وغادر (كلوزول) وهران يوم ٢٧ تشرين الثاني (نوفمبر) للاستيلاء على (معسكر). ونظرا لأن هذه المدينة لم تكن مجهزة للدفاع. كما أن قوات الأمير منظمة على أساس حرب الحركة وليس على أساس واجبات الحصار، بالإضافة إلى أن اسراتيجية الأمير كانت قائمة على أساس

стр. 688

تجنب الصدام مع قوات متفوقة في معارك جبهية فقد أصدر الأمير عبد القادر أوامره إلى سكان معسكر بالخروج منها. اجتاز (كلوزول) بقواته غابة (مولاي إسماعيل) وخاض نهر (سيق) دونما مقاومة تذكر. ولكن عندما اقترب الجيش الإفرنسي من نهر (هبرة) ظهر له العرب وهم يتحركون في اتجاه متواز مع خط تحركه، وعلى امتداد المرتفعات المجاورة. كان الأمير عبد القادر يراقب تحرك أعدائه وينتظر الفرصة المناسبة التي يقع فيها خلل في الصفوف الأمامية الإفرنسية ليعطيه نقطة ضعف صالحة للهجوم. غير أن (كلوزول) شعر بنوايا الأمير، فتوقف لفترة ريثما أعاد تنظيم صفوفه فسد الثغرات وتحصن بالأرض، ثم أطلق قواته في وحدات صغرى للإغاره على العرب. ولكن عبد القادر رفض الدخول في المعركة. فقد ترك خصمه يتمتع بالثمار الضحلة لتغيير خط هجومه، واندفع هو بسرعة لوضع نفسه على محور التقدم الرئيسي الذي يقود إلى مدينة (معسكر)، ونشر جناحه الأيسر على مرتفع اختار فيه المرابض المناسبة لمدافعه، أما يمينه فكان محميا بصورة طبيعية، وكان اختياره لهذا الموقع مناسبا جدا من وجهة النظر (الجيو استراتيجية). ودفع بعد ذلك طلائع قواته للاستيلاء على أربعة أماكن للعبادة موقوفة على (سيدي مبارك). ولكن الإفرنسيين أمكن لهم معاودة الاستيلاء عليها بعد قتال مرير. وأطلق الفرسان العرب نيرانهم في جهات مختلفة، غير أن قنابل الإفرنسيين وقذائفهم استطاعت تدمير المقاومات العربية. وتولى الأمير عبد القادر توجيه نيران مدافعه بنفسه، واستطاعت بعض القذائف الموجهة بدقة إحداث الفوضى في إحدى الكتائب الإفرنسية فقاد الأمير على الفور مشاته ضدها. واندفعت القوات العربية بحماسة للاشتباك

стр. 689

مع العدو. غير أن كثافة نيران المشاة الإفرنسيين تمكنت من إيقافهم وتكبيدهم خسائر فادحة. واستمر الصراع بقسوة، ولكن ظهر بسرعة أن الهجوم بات عقيما بعد أن تمزقت القوات العربية، فاضطرت للانسحاب. ومضت ساعات على هذا الصراع المرير، الذي انتهى باستيلاء الإفرسيين على غابة (بغيلة) الواقعة على يمين المواقع العربية. بينما تقدمت مدفعيتهم إلى الأمام على محور الطريق الرئيسي. وتخلى العرب عن جميع النقاط في ميدان المعركة. وحاول الأمير عبد القادر المحافظة على بعض النظام أثناء تنفيذ الانسحاب. غير أن جهوده لم تفلح في إصلاح الخلل. وخلال نفس الليلة، انحلت فرق مشاته النظامية، أما فرسان القبائل، فإن بعضهم عاد إلى منازله، في حين توجه بعضهم الآخر إلى مدينة معسكر، ليمارس فيها أعمال النهب قبل أن ينهبها الإفرنسيون. وأما الأمير عبد القادر نفسه، فقد انسحب إلى (كاشرو - أو قرية كاشن) التي كانت ملكا لأسرته، وهي تبعد حوالي فرسخين عن معسكر. لقد ذاب جيش الأمير عبد القادر كما تذوب قطعة الثلج تحت وهج حرارة حارقة. وظهر بوضوح أن الطريق إلى (معسكر) قد بات مفتوحا. وقد سقط (تلمسان) في أيديهم بعد فترة قصيرة. ومن الممكن بنتيجة ذلك أن تستسلم القبائل بأجمعها طلبا للأمن، بل إن بعض الرؤساء الذين كان عبد القادر يعتمد عليهم أكثر من غيرهم قد تخلوا عنه. وهكذا كانت حالته تبدو يائسة. لقد كان يشعر بالألم والضيق. وكان الغضب يتملكه بنتيجة الإهانة التي لحقت بسمعته ونتيجة ضعف بعض أنصاره وخيانة بعضهم الآخر. غير أنه بالرغم من ذلك استطاع كبح جماح عواطفه فالتزم الصمت، ولم ينبس ببنت

стр. 690

شفة. ولقد حاول بعض الذين بقوا مع عبد القادر معرفة نواياه وسبر أغوار نفسه. فأظهر لهم التجلد، وحاول التخفيف عن المنزعجين، ورفع الروح المعنوية للمنهارين. وعندما تقدمت منه أمه بحنان الأمومة وعطفها لتبث في أذنه همسات الصبر والعزاء، أجابها بهدوء وهو يمسك يدها بكلتي يديه: (إن النساء يا أماه هن الحريات بالشفقة، وليس الرجال). دخل (كلوزول) مدينة معسكر يوم ٦ كانون الأول - ديسمبر - ١٨٣٥، ولم يبق بها سوى نفر من اليهود. لقد خرجوا من كهوفهم ليركعوا عند أقدام المنتصرين الإفرنسيين واشمأز المسلمون من السماح لهم بمصاحبتهم عند رحيلهم من المدينة. وفي اليوم التالي، اشتعلت النيران في أجزاء مختلفة من المدينة، ولكنها سرعان ما أخمدت. وبدأت القوات الإفرنسية بالاستراحة من الجهد المبذول، والاستعداد للإقامة في المدينة. فكان ذهولهم كبيرا عندما صدرت الأوامر إليهم بالاستعداد للرحيل، وهكذا جلوا عن مدينة معسكر في الثامن من الشهر. ورجع كلوزول إلى وهران تاركا بها القبائل المتنصرة التي أرادت أن تنتقم من الأمير. قرر الأمير عبد القادر العودة إلى دار الإمارة في (معسكر) ولما يمض على احتلالها أكثر من ثلاثة أيام. وانتشرت أخبار حضوره بسرعة. فجاءت القبائل تعتذر عن تفريطها. وعملت القبائل التي استولت على الذخائر بردها إلى الأمير طالبة منه العفو، فلم ير بدا من العفو عنها وتجاوز أخطائها. وكان (الهواري - آغا بني هاشم) بين هؤلاء، وهو الذي كان قد نهب مظلة السلطان أثناء الحرب فجاء بها الآن فقال له عبد القادر في ابتسامة ساخرة؛ (احتفظ بها لنفسك،

стр. 691

فلعلك تصبح سلطانا في يوم من الأيام). وعندما تقدم النهار، جاء بعض الرؤساء الذين كانوا قد فروا. فنظر إليهم عبد القادر باحتقار - وأخيرا تشجع أحدهم، وسأله، ما إذا كان عنده أوامر جديدة لهم فتعجب قائلا: (أوامري! نعم، إن أوامري هي أن تعفونى في الحال من ذلك العبء الذي ألقيتم به على عاتقي، والذي ساعدني ديني وإيماني على حمله حتى هذه الساعة. دعوا القبائل تختار خلفا لي وتعلم الحاج الجيلالي بالنتيجة، أما أنا فإنني ذاهب مع عائلي إلى المغرب الأقصى). وفي حركة واحدة جثموا، رؤساء واتباع، أمامه والتمسوا منه برجاء حار العفو عن الماشي. ووعدوه بإخلاص على متابعة الجهاد معه، وتقديم الدعم له. وأشرق وجه الأمير بنور أضاء أعماق نفسه وقال لهم: (فليفعل الله ما يشاء! ولكن تذكروا أنني أقسم أن لا أدخل مدينة معسكر باستثناء الجامع - حتى تثأروا لهزيمتكم النكراء. لقد كان الأحرى بكم أن تواظبوا على الجهاد حتى تنقذوا بلادكم من براثن العدو وتعيشوا أحرارا، أو تموتوا عن آخركم فتحرزوا الشهادة) واستعاد الأمير سلطته، فأرسل في الليلة ذاتها مجموعة من الرسل إلى كافة القبائل تدعوهم إلى الجهاد مجددا. وفي الغد، انبرى عبد القادر على رأس قوة من (٦) آلاف فارس. وهدفه الوصول إلى (تلمسان) لحمايتها ومنع الإفرنسيين من الوصول إليها، غير أنه كان لا بد له في الوقت ذاته من خوض مجمرعة من المعارك ضد تلك القوى التي ارتضت لنفسها الاستظلال بحماية الإفرنسيين والخضوع لحمايتهم.

стр. 692

٥ - الصراع المرير على تلمسان (١٨٣٦) كبرت الهزيمة على (كلوزول) إذ رأى أن هجومه على (معسكر) ما زاد الأمير إلا قوة وعنادا. ففكر في وسيلة تخرجه من المأزق الذي يجابهه، فكلف (بوشناق) الذي أصبح قائدا لفرنسا على (مستغانم) بالتوجه إلى دار الإمارة (بمعسكر) ليشاغل الأمير. وخرج هذا العميل إلى المكان الذي يعرف باسم (البطحة) ووقعت بينه وبين جيوش المسلمين وقائع عديدة. ولو لم يتنبه (بوشناق) في الوقت المناسب إلى فتح أفواه نهر (هبرة) لفصل قواته عن جيوش المسلمين، لكانت هذه الجيوش قد دمرت قواته تدميرا كاملا. وعادت هذه القوات بفلول ممزقة لتضيف إلى هزيمة (كلوزول) هزيمة جديدة. وتابع الأمير عبد القادر بعد ذلك تقدمه للالتقاء مع عدوه (كلوزول) وكان أول ما قام به الأمير هو الهجوم على (قوة الزمالة) التي باتت متحالفة مع الإفرنسيين، فقتل قائد هذه القوة، وتمزق أفرادها، ولم ينج من الإبادة إلا الذين فروا في الشعاب تاركين أموالهم وراءهم بحيث أن الأمير كلف فرقة كاملة من جنده لحمل الغنائم وتسليمها إلى دار الإمارة. وبينما هو سائر إلى تلمسان بلغه أن قبيلة (أنجاد، أو أنكاد) تحاول إرسال دعم إلى مصطفى بن إسماعيل قرب تلمسان، وفي الوقت ذاته، خرج هذا

стр. 693

المتمرد (ابن إسماعيل) من تلمسان ومعه أنصاره للقاء الأمير. غير أنهم لم يصمدوا لضربات للأمير، الذي أمكن له من أن ينتصر أولا على (مصطفى بن إسماعيل) الذي تمزقت قواته، ورجعت بفلولها إلى تلمسان تاركة فوق أرض المعركة مئات القتلى وآلاف الجرحى. أما قبيلة (أنجاد) فلم تتمكن من مجابهة الأمير، بل فرت منذ بداية النهار، تاركة وراءها كل ما تملك حتى أنها سلمت في حريمها وأولادها، وجرح قائد قبيلة أنجاد المعروف باسم (عبد الله غماري). تبين للجنرال (كلوزول) أن كل آماله قد تدهورت، غير أنه حاول التكتم على هزائمه فأرسل تقريرا إلى حكومته (أشاد فيه ببطولة جيشه التي حققت له النصر على الأمير، والاستيلاء على دار الإمارة بعد معارك طويلة) إلا أن الحكومة تلقت تقارير مناقضة من عناصر استخباراتها تفيد: (بأن القوات الإفرنسية قد دخلت دار الإمارة، دون أن يكون الأمير فيها، أو يجدوا من يقاومهم، وفي اعتقادهم أن عدم مجابهة الأمير للإفرنسيين كانت خطة عسكرية والدليل على ذلك، أن الأمير اتخذ من استيلاء الإفرنسيين على معسكر حجة للفتك بالقوات الإفرنسية وتدمير القبائل المؤيدة لها - وعلى كل حال، فإن كلوزول ليس بالرجل الذي يمكن له أن يكون كفوءا للأمير، وأن ما يرسمه كلوزول من الخطط لم ولن يحدي نفعا). وكتبت وزارة الدفاع الإفرنسية إلى كلوزول رسالة جاء فيها: (بان هناك شائعات تقول بخلاف ما تدعيه أنت في تقاريرك، وعليك أن تكون صريحا مع وزارة الدفاع حتى تتمكن من معالجة المشكلات بحسب ما تقتضيه المصلحة العامة في الجزائر). وأمام هذا الموقف، أعاد (كلوزول) تقدير موقفه، فوجد نفسه أمام مأزق لا يخرجه منه إلا استيلاؤه على تلمسان، فنظم قوة من (٨) آلاف جندي، وتوجه بها

стр. 694

إلى هدفه وبلغ الأمير ذلك، فاتخذ نفس الخطة التي نفذها في (معسكر) وأمر السكان بمغادرة المدينة. وجاء الإفرنسيون، وعندما علم (مصطفى بن إسماعيل) باقترابهم خرج هو وأنصاره، وفتحوا لهم أبواب القلعة، ولم يدخل الإفرنسيون إلا بعد دفاع مستميت، حيث وقف جند الأمير سدا في وجوههم. ولما لم تسفر المعركة عن نتيجة، توقفت قوات (كلوزول) غير أن القبائل التي خرجت من تلمسان استجابة لأمر الأمير، عادت الآن فانضمت إلى الإفرنسيين. ولم يبق أمام الأمير إلا الانسحاب بقواته إلى مدينة وجدة (على الحدود المغربية) ودخل كلوزول تلمسان يوم ١٣ كانون الثاني (يناير) ١٨٣٦ م. وقد تقدم ابن إسماعيل والكراغلة، متبوعين بجميع اليهود لاستقبال الحاكم العام، ومجلس قيادته، رافعين إليه أسمى آيات الولاء والإسلام، داعين إياه (بمنقذهم، وولي أمرهم). أما كلوزول، فقد طلب منهم (١٠٠) ألف فرنك كعربون على إخلاصهم. وحاول أولئك المنخدعون المندهشون أن يقنعوه بعجزهم عن جمع مثل هذا المبلغ، ولكن بدون جدوى، لأن كلوزول كان لا يرحم، واستخدم الضغط الشديد والتهديد بل وحتى الضرب، وأدى ذلك إلى أن يبيع الرجل لباسه وفراشه حتى يؤدي ما افترض عليه، وأن تبيع المرأة ثيابها ومصوغها حتى تجمع المبلغ، جزء منه نقدا والجزء الآخر من الماس والجواهر وقد أدى ذلك إلى ظهور نقمة عارمة، مما أدى إلى انتشار مقولات مختلفة على الألسنة منها المقولة الساخرة التالية: (ما أعظم قادتنا، إنهم يطالبون القبائل الجزائرية بالانضمام إليهم، حتى إذا ما استجابت هذه القبائل لهم، فرضوا عليها الغرامات القاسية لتمويل خزينتهم) أما الأمير عبد القادر فقال: (إذا كانت تلك هي معاملة الإفرنسيين لأصدقائهم، فماذا عسى أن يتوقع منهم أعداؤهم).

стр. 695

وشاع خارج المدينة، وذاع، أن يهوديا قد ترأس محكمة حاكمت (الكراغلة المسلمين) وعاقبتهم، فزادت نقمة العرب بذلك، أن هذا الانتهاك لحرمات المسلمين لم يسمع به أبدا من قبل. وكان من نتيجته أن عاد (الأنجاد) للاتصال بالأمير عبد القادر. كما أرسل إليه (الكراغلة) بصورة سرية من يعلمه بأنهم ينتظرون بفارغ الصبر رحيل الإفرنسيين لتسليمه القلعة. غير أن (كلوزول) لم يكن يرغب بالرحيل عن المدينة، وكان هدفه هو إقامة اتصال مباشر بين تلمسان، والساحل. وكان فم (تافنة) هو أقرب نقطة صالحة لهذا الغرض. غير أن المسافة الواقعة في الوسط هي منطقة جبلية. وقرر أن يحقق هدفه يوم ٢٣ كانون الثاني - يناير - فوجد نفسه وجها لوجه أمام عبد القادر الذي كان يقود جيشه. وبدأت على الفور المعركة التي استمرت عشرة أيام أظهر فيها العرب شوقهم للموت انتقاما لهزيمتهم السابقة، وقاتلوا بعناد وتصميم لا يمكن وصغهما. وكان الأمير عبد القادر طوال هذه الاشتباكات يتجنب الدخول في معركة تصادمية - جبهية - مع قوات الإفرنسيين، مكتفيا بالسيطرة على النقاط ذات الأهمية الاستراتيجية. فنشر قواته على الهضاب وفي الوهاد وعند الأنهار. واصطدمت القوات الإفرنسية بعقبتين: أولاهما عدم قدرتها على مجابهة هذا النوع من أساليب (الحروب الثوروية) وثانيتهما: عدم معرفتها للأرض على مسرح العمليات. ونتج عن ذلك أن انهزم كلوزول، وتقهقر إلى تلمسان، مخلفا وراءه خسائر فادحة. ثم لم يلبث أن ترك حامية في قلعة تلمسان بقيادة نائبه (كافينياك) ومضى في رحلة مثيرة في اتجاه (وهران) حيث كانت قوات الأمير عبد القادر تطارده حتى أبوابها، وقد وصفت المصادر الإفرنسية هذه الرحلة المثيرة بما يلي: (خرج الماريشال كلوزول بجنوده من تلمسان، راجعا إلى وهران،

стр. 696

فصادف في طريقه أهوالا جمة، وتعرض لمصائب شديدة، منها هزائم جنده، وتشتيت شملهم بوادي عشبة) (وقد عدل كلوزول عن طريقه الذي جاء منه، وسلك طريق الساحل إلى مرسى (رشقون) فوصله على أسوأ حال، ذلك أن الأمير أخذ بمخنقه وحاصره مدة شهرين كاملين، لا يخلو يوم منها دون قتال، ثم لما أعياه الأمر، وضاقت به الحيلة، بعث صريخه إلى نائبه في وهران، الذي أرسل إليه المراكب، فركبها بجيوشه، وحمل ما أمكنه من ذخائر ولحق بوهران). وفي وهران، توقف كلوزول فترة قصيرة، عين فيها الجنرال (دارلنح) قائدا على وهران، والجنرال (بهاراجوا) على الجند ومضى هو إلى الجزائر. وعندما وصلها، حاول التستر من جديد على (مغامراته الفاشلة)، فأصدر بيانا أعلن فيه (أن الحرب ستنتهي، وأن عبد القادر قد ضرب ضربات قاصية، وأنه دحر، وأنه فر إلى الصحراء). ثم سافر الماريشال كلوزول إلى فرنسا في شهر (نيسان - أبريل) تاركا وراءه تعليمات إلى (دارلنج) في وهران، بإقامة معسكر حصين على نهر (تافنة) استعدادا لفتح خط الاتصال مع تلمسان من هناك. خلال هذه الفترة تسرب (كافينياك) (١) إلى (بريغو) (٢) حيث القبائل النازلة في وادي الشلف. والمعروف أن هذه القبائل قد

стр. 697

استمرت بتأثير من رؤسائها أبناء (سيدي العريبي) في التأرجح بين الولاء للأمير عبد القادر، وبين العمل ضده، وذلك على الرغم من العقوبات التي نزلت بها، وها هي الآن تمتنع عن دفع الضرائب، بعد أن رفضت تقديم فرسانها لدعم جيش الأمير، ثم هي تجاوزت ذلك في حلف جديد مع الإفرنسيين بحجة تعرضها لضغط القوات الإفرنسية المستمر. وكان الأمير عبد القادر مشغولا جدا في الوقت الحاضر بحصار تلمسان، وبإجراءات (دار لانح) على (تافنة) وليس بإمكانه التوجه إلى (بريغو. غير أن العرب الذين نكثوا بعهدهم، ورحبوا بالجنرال الإفرنسي، سرعان ما شعروا بغضب السلطان، إذ لم يكد الإفرنسيون ينسحبون حتى نزل عليهم عبد القادر كالصاعقة. ففرض الضرائب الثقيلة على ثمانية عشر قبيلة منهم، واقتيدت مواشيهم، وقد أخذت قبيلة (البرجية) كمثال مريع، فهلك منها عدد كبير، وشرد الباقي ليجد المآوى حيث يستطيع. ووصل (دار لانح) بصعوبة كبيرة إلى (تافنة) يوم ١٦ نيسان - أبريل - ١٨٣٦م ومعه (٣) آلاف جندي من المشاة وثماني قطع مدفعية. وبعد أن أكمل إقامة المعسكر الحصين على ضفة النهر، تقدم في ٢١ من الشهر لفتح الطريق إلى تلمسان تنفيذا لتعليمات (كلوزول). وعلم الأمير بالأمر فسار إلى (ندرومة) حيث يمكنه متابعة تحركات العدو من كل جهة في المكان الذي تتشعب منه الطريق من (تافنة) إلى تلمسان. فقطع جبال القبائل الممتدة حول تافنة، ومضى محرضا القبائل على الجهاد، ثم توجه بجيشه، واعترض العدو في وادي (تافنة) والتحم القتال بينهما نهارا كاملا. ثم ضرب الجنرال معسكره في الوادي ورتب صفوفه على هيئة قلعة، ونزل الأمير بجنوده وضرب حصارا محكنا حوله. وفي يوم ٢٤ نيسان (أبريل) تهيأ

стр. 698

الجنرال للانتقال من مكانه، فجاءه المجاهدون من كل مكان وزحفوا إليه دفعة واحدة، غير مبالين بنيران المشاة أو قذائف المدفعية حتى وصلوا إلى مرابض المدافع واستولوا عليها. وأخذ الجنرال بالانسحاب، واستمرت قوات المجاهدين في مطاردته حتى أعجزته عن التحرك فقرر التوقف من جديد، وأعاد تنظيم معسكره الدفاعي. وعندما قرر استئناف المسير، انقض عليه جند الأمير، واستولوا على عتاده، وقتلوا من جنده أعدادا كبيرة. ثم توجه الجنرال إلى (تافنة) يجر معه فلوله الممزقة، فأعاد تنظيمهم، غير أن قوات المجاهدين لم تترك له فرصة للراحة، وعادت فأحكمت الحصار حوله، ومنعته من التحرك، ولم يبق أمامه إلا أن يشق طريقه بين صفوف المسلمين، حيث تعرضت بقية قواته للمزيد من التدمير، وعندما وصل إلى (وهران) أرسل إلى حكومته يعلمها بما نزل بقواته من الخسائر، ويطلب إليها الدعم لإيقاف الموقف المتدهور. تابعت الحكومة الإفرنسية إرسال الإمدادات لقواتها في الجزائر، بعد ان أجمعت كافة التقارير على تصعيد المقاومة بصورة لم تكن متوقعة. ووصل الجنرال (بيجو) (١) على رأس ثلاثة فرق عسكرية إلى (تافنة) يوم ٦ حزيران - يونيو - ١٨٣٦، وفي الحال شرع الإفرنسيون في تجديد محاولتهم لفتح الطريق إلى (تلمسان) بالقوة،

стр. 699

وأخيرا نجحوا في هدفهم، فقد حارب عبد القادر معركة طويلة يائسة ضد القوات المغيرة على ضفاف (الزقاق - أو سكاك) ولكنه تعرض في هذه المرة لهزيمة كاملة. أدرك الأمير أن سبب هزيمته إنما يعود إلى تخلي جنوده عنه وهو في أوج انتصاره، وكانت هذه هي المرة الثالثة التي تتكرر فيها مثل هذه الظاهرة: كانت المرة الأولى، عند استيلاء الإفرنسيين على عاصمته (معسكر). وكانت المرة الثانية، بعد غزوة تلمسان. وها هي المرة الثالثة في معركة الزقاق. وكل حادثة من هذه الحوادث كافية لأن تكون سببا قويا لسقوط قوة أعظم سلطان راسخ القدم. ومع ذلك، فإنها لم توثر في الأمير، ولم تحصل دولة فرنسا منه على طائل مما دفع أحد الكتاب للقول: (إن تلك الوقائع تسحق عقل القوي وتضعف عزمه، ولو كان كالصخر، إلا أن الأمير، كان لا يبالي بذلك لأنه كان يعرف أنه إذا ما ابتسم له الحظ، فإن باستطاعته التغلب على العصاة المتمردين بحد سيفه البتار). وهذا بدقة ما فعله وهو في ذروة المأزق، إذ ما كاد يبلغه أن (سيدي إبراهيم) قد اختار هذه الساعة الحرجة ليعلن ثورته ضده، ولينتحل لقب سلطان، حتى جرد سيفه من غمده، وعلقه في سرجه، وأقسم أن لا يغمده، وأن لا ينزل عن فرسه حتى يقطع رأس ذلك الخائن. وأسرع بمفرده تقريبا إلى قبيلة (بني عامر) حيث كان يعلم أن الخائن بينهم وطلب تسليمه في الحال. وبعد أن أفاقت هذه القبيلة من دهشتها وتأثرها من هذا القرار الصارم، سلمت الثائر (سيدي إبراهم) إلى عبد القادر، خائفة من أن يؤدي الرفض إلى الاتهام

стр. 700

بالتآمر معه. وقطع رأس الخائن فورا. وكالعادة، رجع جند الأمير من ديارهم نادمين على ما فعلوه، طالبين من الأمير العفو، فقال لهم: (لقد عفوت عنكم كثيرا، وأن هفواتكم كثيرة، وأن العدو لنا بالمرصاد، وأخاف أن يجد ثغرة في صفوفنا فيجرنا حتما إلى النهاية - ويؤسفني أشد الأسف أن ينتصر جنودنا على بيجو، وأن تهزمه هزيمة ساحقة، ثم تتقاعس في نفس اليوم الذي انتصرت عليه، وتخرج من المعركة لتسمح له بأن يتعقبها، وأن يقتل منها ذلك العدد الكبير ... لقد جاءت التقارير بأن بيجو كاد ينتحر في منتصف النهار عندما رأى جندنا يتقدمون ويفتكون بقواته دونما هوادة ويستولون على الغنائم، ويبيدون ضباطه بالعشرات، حتى أن الكثيرين من جنوده سلموا أنفسهم وعتادهم. وبدلا من أن تتابع جيوشنا الجهاد حتى نهايته، اكتفت بما حققته، ورجعت إلى ديارها تاركة وراءها عددا قليلا من المجاهدين، ففتك بهم بيجو واعتبر هذا الانتصار التافه، انتصارا لا نظير له. أيها الإخوة! إن الجزال بيجو إذ يعتبر انتصاره في هذه المعركة انتصارا، فإنه على حق، لأن المعارك التي خاضها قادة فرنسا قبله كان نصيبهم منها الخذلان. وعليه فأقول لكم إني تأثرت بواقعة الزقاق التي هي في الحقيقة لا تقدم ولا تؤخر، وإنما غرور بيجو قد خلق منها معركة كبرى حتى يشق لنفسه الطريق إلى السلطة، حيث أن الحكومة بعثته على سبيل الاختيار، فإن هو نجح، فسترسله للجزائر، وإن فشل فستبقيه في فرنسا. ولقد علم هو بهذا السر فأجهد نفسه حتى انتصر بسبب نقصان عدد جنودنا). رجع (بيجو) بعد معركة (الزقاق) إلى وهران، وطير الخبر إلى

стр. 701

دولته يبشرها بانتصاره، ويتبجح بما أحرزه من النصر في أول معركة له في بلاد الجزائر. ثم توجه إلى فرنسا لاستثمار هذا النصر، وإعداد نفسه لممارسة دور أكبر، مستفيدا من أخطاء خصمه (كلوزول)، ومعززا مكانته بقوله: (افسحوا المجال لعبقرية فرنسا). وبتأثير من (بيجو أرسلت وزارة الحرب الإفرنسية إلى (كلوزول) رسالة جاء فيها: (إنك لم تقم بواجبك، حيث أنك لم تتخذ الضمانات الكافية في وهران، وعلى أية حال، فإن الوضع بعد الانتصار الضئيل الذي أحرزه بيجو يهدد الوجود الإفرنسي في الجزائر بالخطر) وطلب (كلوزول) دعم حكومته لمجابهة الموقف المتدهور، وعندما استشير (بيجو في موضوع إرسال الإمدادات أجاب: (إن الوقت غير ملائم لذلك، ويجب أن يترك الأمر إلى الجنرال كلوزول حتى يجد الحل المناسب، فإذا ما عجز عن ذلك، فيجب إخراجه من الجزائر. ولم يجد كلوزول أمامه سوى التوجه إلى باريس في محاولة للحصول على الدعم. غير أنه لم يجد هناك من يستمع إليه، وعندما طلب إلى وزير الدفاع الخطة التي يقترحها، أجابه: (إننا هنا نجهل كل شيء عن الجزائر. ولك بصفتك قائدا عاما اختيار الخطة المناسبة وتنفيذها بما يتوافر لديك من القوات، فإن نجحت فذاك، وإن فشلت فللوزارة أن تفكر في الأمر) ورجع كلوزول خائبا، فقرر غزو (قسنطينة) في محاولة لإخضاع (الباي أحمد) على أمل إحراز نصر يدعم موقفه. وحشد كل القوات، وشرع في التحرك - في شهر تشرين الثاني - نوفمبر - سنة ١٨٣٦ م. فوصل إلى (عنابة - بونة) ثم انتقل إلى (قالما) حيث استراح وجنده لمدة ثلاثة أيام، سار بعدها إلى (قسنطينة) ولما وصلها اشتبك في معركة قاسية، أبلى فيها القائد (ابن عيسى) أفضل البلاء، وأمكن له في يوم واحد القضاء على كلوزول وقادة جيشه الذين جاؤوا معه.

стр. 702

وتركوا وراءهم القتل والعتاد، ولم ينج أي واحد منهم؛ وتمكن كلوزول من إنقاذ نفسه والنجاة من الموت بأعجوبة؛ ولكن بعد أن ترك ابنه قتيلا في هذه المعركة. وعزلت فرنسا (كلرزول) الذي غادر الجزائر حاملا معه قلب ابنه القتيل وتوجه إلى إسبانيا حيث قضى فيها بقية أيام حياته. كان الأمير عبد القادر يتابع الموقف، ويحشد قواته، ويحكم الحصار على القوات الإفرنسية التي نجحت في إقامة بعض المراكز الداخلية، غير أنها لم تكن قادرة على الاتصال بها أو الوصول إليها، وكانت رسائلها تحجز، وتقطع رؤوس حامليها بدون تمييز، ولم تتمكن القبائل المتحالفة مع الإفرنسيين إمدادها بالمؤونة وسواء كان الإفرنسيون في وهران أو في تافنه، فإنهم كانوا لا يستطيعون التحرك إلا في فرق كبيرة. وكانوا في هذه الحالة يحتاجون إلى تموين ضخم، وحيوانات تحمل الأثقال ووسائل للنقل. وكان أهل الدوائر والزمالة، طلبا للأمن تحت حصون وهران، يعيشون على مؤونة مقترة يتصدق بها عليهم حماتهم من حين لآخر. أما في تلمسان فإن (كافينياك) كان يشتري القطط لمائدته بمبلغ أربعين فرنكا للقط الواحد. وعندما علم (الأمير عبد القادر) بنوايا (كلوزول) وبتحركه نحو (قسنطينة) امتنع عن اتخاذ أي إجراء قد يفسد التطور الكامل لتلك الخطة. ومنى نفسه بأنه سيكون هو المستفيد في النهاية سواء نجح الإفرنسيون في خطتهم أو فشلوا. ذلك أنه إذا ما انهزم أحمد باي قسنطينة فإنه سيتخلص من منافس خطير، دون جهد من جانبه، وستكون القبائل العربية في قسنطينة عندها حرة للانضمام إليه والعمل تحت لوائه. أما إذا انتصر الحاج أحمد باي قسنطينة، فإن الإفرنسيين قد يغادرون الجزائر بعد أن تكون قواتهم قد استنزفت، غير أن ذلك قد يفتح مجال الصراع الطويل

стр. 703

مع أحمد باي قسنطينة. ولكن توقف الأمير لم يستمر طويلا، وانتصر الحاج أحمد. وعندها عرف عبد القادر أن ساعة الحسم قد أقبلت. فأصدر أمره من مقر قيادته في المدية، للقيام بهجوم شامل ضد كل المراكز الإفرنسية بين الأطلس والساحل. وتدفقت آلاف العرب والقبائل من الجبال كالسيل الجارف، وانضمت إليها قوات تيطري، فعملت على تدمير المؤسسات الإفرنسية الاستعمارية وإحراقها، وأسرات المستوطنين الإفرنسيين، وبلمحة واحدة لم يبق للإفرنسيين وجود حقيقي في إقليم وهران. وأصبح سهل (متوجة - متيجة) تحت رحمة قوات الأمير الذي أصدر أمره إلى خليفيه (مصطفى بن التهامي وابن حميدي) بالتوجه إلى وهران والاستيلاء عليها، وعزلها عن كل اتصال بالسيطرة على محاور الطرق المؤدية إليها. وتم تنفيذ ذلك بنجاح. وفي الوقت ذاته كلف الأمير عبد القادر خليفته (محمد بن علال) بالتوجه إلى الجزائر، فأشعل نارا حامية على قيادة الجيش هناك، وضيق على القبائل المتنصرة، بل على الإفرنسيين أنفسهم، وسار حتى دخل مدينة الجزائر ذاتتها. وأصبحت القيادة الإفرنسية في الجزائر غير موجودة عمليا , توجه الأمير بعد ذلك إلى (تلمسان) ودخلها، وذهب لزيارة قبر الولي الصالح (سيدي بومدين). وهناك كانت تنتظره مباغتة غير متوقعة. فقد كان القائد (ابن نونه) متعلقا بأستار الضريح، لائذا به، فأمنه الأمير بعدما اعترف على ملأ من الناس بأنه أتى نكرا واقترف ذنبا ولم يكتف الأمير بتأنيبه، بل إنه تجاوز عن أعماله، فأقره على طائفته، بعد أن أماط كل لثام، وجلا كل شك وشبهة عن عصيان هذا القائد. أصبحت حالة الحاميات الإفرنسية مثيرة للشفقة، فقد أصبح

стр. 704

الرعب من المجاعة مسيطرا على جند هذه الحاميات. وهنا ظهر (اليهودي دوران) ليمارس دور الوساطة. فقد أقنع الأمير: (بأن الفوائد التي سيحصل عليها من إطعام الإفرنسيين ستفوق كثيرا - حتى من الوجهة العسكرية - قيمة أي نصر يمكن أن يحققه عن طريق تجويعهم). وفي الوقت ذاته، وبعد موافقة الأمير على هذا المبدأ، توجه (دوران) لمفاوضة (بروسارد) الذي أصبح قائدا على وهران ليفاوضه بقوله: (إن الإفرنسيين في حاجة إلى القمح واللحم، والسلطان من جهته في حاجة إلى الحديد والرصاص والكبريت. فليبتع كل طرف ما يحتاجه من الطرف الآخر، وسيكون الجميع راضين. ويجب أن لا يخشى أبدا بأن هذا الإجراء سيكون على حسابك ولصالح السلطان. فهو لن يظهر أبدا في القضية، إذ إنني أنا الذي سأبيعكم القمح واللحم. وأنتم ستبيعونني الحديد والكبريت، ولن يعرف السلطان سوى عن طريق غير مباشر بأن المواد الأولى لكم، والمواد الأخيرة له. بل إن السلطان مستعد للسماح لكم باستئناف تموين تلمسان. ولكن ما دام هذا الامتياز بدون شك سيغضب ويثير سخط العرب الذين يحقدون على الوجود الإفرنسي في تلك المدينة، فإن السلطان لن يأخذ على عاتقه سوى كراهية ومسؤولية الترخيص به، على شرط أن يطلق الإفرسيون سراح جميع الأسرى الذين سجنوهم إثر معركة الزقاق وأن يعيدوهم إليها). وفي الحال، قبل (بروسارد) هذا الاقتراح وتم الأخذ به وتنفيذه. وكان ذلك بداية الطريق إلى معاهدة (تافنه) أو معاهدة (عبد القادر - بيجو).

стр. 705

٦ - معاهدة (عبد القادر - بيجو) ٣١ - أيار - مايو (١٨٣٧ م) صدمت الحكومة الإفرنسية لدى وصول أخبار هزائم قواتها في الجزائر. فأسرعت بعزل (كلوزول) وعينت (الجنرال بيجو مكانه. وحددت له مهمته بالتالي (إما أن يعقد الصلح مع عبد القادر وإما أن ينتصر عليه). ووصل بيجو إلى الجزائر، وبدأ على الفور اتصالاته بالأمير. وجرت مرحلة طويلة من المفاوصات، وتبادل الرسائل. غير أنه كان من المحال على الأمير الانفراد بأمر خطير بدون استشارة قادته وزعماء قومه. فدعا إلى مؤتمر عام يجتمع على ضفة نهر (هبرة) يوم ٢٥ أيار - مايو - ١٨٣٧. وفي الموعد المحدد، حضر شيوخ القبائل الكبار وزعماء الفرسان العسكريين، وشيوخ المرابطين وأعيان المجاهدين في إقليم وهران. وافتتح الأمير المؤتمر بقوله: (لا أريد أن أسمع أحدا منكم يتهمني بالرغبة في عقد السلام مع المسيحيين. إن قضية السلام والحرب هي قضية أنتم الذين تقررونها) ثم تابع حديثه فشرح طبيعة المراسلات التي تمت بينه وبين بيجو، والاقتراحات والعروض التي تقدم بها كل منهما للآخر - وتبع ذلك حوار طويل وعاصف. إذ وقف عدد من المخلصين لقضية الجهاد فعارضوا الاتفاق مع أعداء الدين وانضم إليهم الراغبون في مقاومة
следующие страницы →