دولته يبشرها بانتصاره، ويتبجح بما أحرزه من النصر في أول معركة له في بلاد الجزائر. ثم توجه إلى فرنسا لاستثمار هذا النصر، وإعداد نفسه لممارسة دور أكبر، مستفيدا من أخطاء خصمه (كلوزول)، ومعززا مكانته بقوله: (افسحوا المجال لعبقرية فرنسا). وبتأثير من (بيجو أرسلت وزارة الحرب الإفرنسية إلى (كلوزول) رسالة جاء فيها: (إنك لم تقم بواجبك، حيث أنك لم تتخذ الضمانات الكافية في وهران، وعلى أية حال، فإن الوضع بعد الانتصار الضئيل الذي أحرزه بيجو يهدد الوجود الإفرنسي في الجزائر بالخطر) وطلب (كلوزول) دعم حكومته لمجابهة الموقف المتدهور، وعندما استشير (بيجو في موضوع إرسال الإمدادات أجاب: (إن الوقت غير ملائم لذلك، ويجب أن يترك الأمر إلى الجنرال كلوزول حتى يجد الحل المناسب، فإذا ما عجز عن ذلك، فيجب إخراجه من الجزائر. ولم يجد كلوزول أمامه سوى التوجه إلى باريس في محاولة للحصول على الدعم. غير أنه لم يجد هناك من يستمع إليه، وعندما طلب إلى وزير الدفاع الخطة التي يقترحها، أجابه: (إننا هنا نجهل كل شيء عن الجزائر. ولك بصفتك قائدا عاما اختيار الخطة المناسبة وتنفيذها بما يتوافر لديك من القوات، فإن نجحت فذاك، وإن فشلت فللوزارة أن تفكر في الأمر) ورجع كلوزول خائبا، فقرر غزو (قسنطينة) في محاولة لإخضاع (الباي أحمد) على أمل إحراز نصر يدعم موقفه. وحشد كل القوات، وشرع في التحرك - في شهر تشرين الثاني - نوفمبر - سنة ١٨٣٦ م. فوصل إلى (عنابة - بونة) ثم انتقل إلى (قالما) حيث استراح وجنده لمدة ثلاثة أيام، سار بعدها إلى (قسنطينة) ولما وصلها اشتبك في معركة قاسية، أبلى فيها القائد (ابن عيسى) أفضل البلاء، وأمكن له في يوم واحد القضاء على كلوزول وقادة جيشه الذين جاؤوا معه.
стр. 702
وتركوا وراءهم القتل والعتاد، ولم ينج أي واحد منهم؛ وتمكن كلوزول من إنقاذ نفسه والنجاة من الموت بأعجوبة؛ ولكن بعد أن ترك ابنه قتيلا في هذه المعركة. وعزلت فرنسا (كلرزول) الذي غادر الجزائر حاملا معه قلب ابنه القتيل وتوجه إلى إسبانيا حيث قضى فيها بقية أيام حياته.
كان الأمير عبد القادر يتابع الموقف، ويحشد قواته، ويحكم الحصار على القوات الإفرنسية التي نجحت في إقامة بعض المراكز الداخلية، غير أنها لم تكن قادرة على الاتصال بها أو الوصول إليها، وكانت رسائلها تحجز، وتقطع رؤوس حامليها بدون تمييز، ولم تتمكن القبائل المتحالفة مع الإفرنسيين إمدادها بالمؤونة وسواء كان الإفرنسيون في وهران أو في تافنه، فإنهم كانوا لا يستطيعون التحرك إلا في فرق كبيرة. وكانوا في هذه الحالة يحتاجون إلى تموين ضخم، وحيوانات تحمل الأثقال ووسائل للنقل. وكان أهل الدوائر والزمالة، طلبا للأمن تحت حصون وهران، يعيشون على مؤونة مقترة يتصدق بها عليهم حماتهم من حين لآخر. أما في تلمسان فإن (كافينياك) كان يشتري القطط لمائدته بمبلغ أربعين فرنكا للقط الواحد. وعندما علم (الأمير عبد القادر) بنوايا (كلوزول) وبتحركه نحو (قسنطينة) امتنع عن اتخاذ أي إجراء قد يفسد التطور الكامل لتلك الخطة. ومنى نفسه بأنه سيكون هو المستفيد في النهاية سواء نجح الإفرنسيون في خطتهم أو فشلوا. ذلك أنه إذا ما انهزم أحمد باي قسنطينة فإنه سيتخلص من منافس خطير، دون جهد من جانبه، وستكون القبائل العربية في قسنطينة عندها حرة للانضمام إليه والعمل تحت لوائه. أما إذا انتصر الحاج أحمد باي قسنطينة، فإن الإفرنسيين قد يغادرون الجزائر بعد أن تكون قواتهم قد استنزفت، غير أن ذلك قد يفتح مجال الصراع الطويل
стр. 703
مع أحمد باي قسنطينة. ولكن توقف الأمير لم يستمر طويلا، وانتصر الحاج أحمد. وعندها عرف عبد القادر أن ساعة الحسم قد أقبلت. فأصدر أمره من مقر قيادته في المدية، للقيام بهجوم شامل ضد كل المراكز الإفرنسية بين الأطلس والساحل. وتدفقت آلاف العرب والقبائل من الجبال كالسيل الجارف، وانضمت إليها قوات تيطري، فعملت على تدمير المؤسسات الإفرنسية الاستعمارية وإحراقها، وأسرات المستوطنين الإفرنسيين، وبلمحة واحدة لم يبق للإفرنسيين وجود حقيقي في إقليم وهران. وأصبح سهل (متوجة - متيجة) تحت رحمة قوات الأمير الذي أصدر أمره إلى خليفيه (مصطفى بن التهامي وابن حميدي) بالتوجه إلى وهران والاستيلاء عليها، وعزلها عن كل اتصال بالسيطرة على محاور الطرق المؤدية إليها. وتم تنفيذ ذلك بنجاح. وفي الوقت ذاته كلف الأمير عبد القادر خليفته (محمد بن علال) بالتوجه إلى الجزائر، فأشعل نارا حامية على قيادة الجيش هناك، وضيق على القبائل المتنصرة، بل على الإفرنسيين أنفسهم، وسار حتى دخل مدينة الجزائر ذاتتها. وأصبحت القيادة الإفرنسية في الجزائر غير موجودة عمليا , توجه الأمير بعد ذلك إلى (تلمسان) ودخلها، وذهب لزيارة قبر الولي الصالح (سيدي
بومدين). وهناك كانت تنتظره مباغتة غير متوقعة. فقد كان القائد (ابن نونه) متعلقا بأستار الضريح، لائذا به، فأمنه الأمير بعدما اعترف على ملأ من الناس بأنه أتى نكرا واقترف ذنبا ولم يكتف الأمير بتأنيبه، بل إنه تجاوز عن أعماله، فأقره على طائفته، بعد أن أماط كل لثام، وجلا كل شك وشبهة عن عصيان هذا القائد.
أصبحت حالة الحاميات الإفرنسية مثيرة للشفقة، فقد أصبح
стр. 704
الرعب من المجاعة مسيطرا على جند هذه الحاميات. وهنا ظهر (اليهودي دوران) ليمارس دور الوساطة. فقد أقنع الأمير: (بأن الفوائد التي سيحصل عليها من إطعام الإفرنسيين ستفوق كثيرا - حتى من الوجهة العسكرية - قيمة أي نصر يمكن أن يحققه عن طريق تجويعهم). وفي الوقت ذاته، وبعد موافقة الأمير على هذا المبدأ، توجه (دوران) لمفاوضة (بروسارد) الذي أصبح قائدا على وهران ليفاوضه بقوله: (إن الإفرنسيين في حاجة إلى القمح واللحم، والسلطان من جهته في حاجة إلى الحديد والرصاص والكبريت. فليبتع كل طرف ما يحتاجه من الطرف الآخر، وسيكون الجميع راضين. ويجب أن لا يخشى أبدا بأن هذا الإجراء سيكون على حسابك ولصالح السلطان. فهو لن يظهر أبدا في القضية، إذ إنني أنا الذي سأبيعكم القمح واللحم. وأنتم ستبيعونني الحديد والكبريت، ولن يعرف السلطان سوى عن طريق غير مباشر بأن المواد الأولى لكم، والمواد الأخيرة له.
بل إن السلطان مستعد للسماح لكم باستئناف تموين تلمسان. ولكن ما دام هذا الامتياز بدون شك سيغضب ويثير سخط العرب الذين يحقدون على الوجود الإفرنسي في تلك المدينة، فإن السلطان لن يأخذ على عاتقه سوى كراهية ومسؤولية الترخيص به، على شرط أن يطلق الإفرسيون سراح جميع الأسرى الذين سجنوهم إثر معركة الزقاق وأن يعيدوهم إليها). وفي الحال، قبل (بروسارد) هذا الاقتراح وتم الأخذ به وتنفيذه. وكان ذلك بداية الطريق إلى معاهدة (تافنه) أو معاهدة (عبد القادر - بيجو).
стр. 705
٦ - معاهدة (عبد القادر - بيجو)
٣١ - أيار - مايو (١٨٣٧ م)
صدمت الحكومة الإفرنسية لدى وصول أخبار هزائم قواتها في الجزائر. فأسرعت بعزل (كلوزول) وعينت (الجنرال بيجو مكانه. وحددت له مهمته بالتالي (إما أن يعقد الصلح مع عبد القادر وإما أن ينتصر عليه). ووصل بيجو إلى الجزائر، وبدأ على الفور اتصالاته بالأمير. وجرت مرحلة طويلة من المفاوصات، وتبادل الرسائل. غير أنه كان من المحال على الأمير الانفراد بأمر خطير بدون استشارة قادته وزعماء قومه. فدعا إلى مؤتمر عام يجتمع على ضفة نهر (هبرة) يوم ٢٥ أيار - مايو - ١٨٣٧. وفي الموعد المحدد، حضر شيوخ القبائل الكبار وزعماء الفرسان العسكريين، وشيوخ المرابطين وأعيان المجاهدين في إقليم وهران. وافتتح الأمير المؤتمر بقوله: (لا أريد أن أسمع أحدا منكم يتهمني بالرغبة في عقد السلام مع المسيحيين. إن قضية السلام والحرب هي قضية أنتم الذين تقررونها) ثم تابع حديثه فشرح طبيعة المراسلات التي تمت بينه وبين بيجو، والاقتراحات والعروض التي تقدم بها كل منهما للآخر - وتبع ذلك حوار طويل وعاصف. إذ وقف عدد من المخلصين لقضية الجهاد فعارضوا الاتفاق مع أعداء الدين وانضم إليهم الراغبون في مقاومة
стр. 706
الأمير. وكذلك الذين شعروا بأن الحرب توفر لهم المناخ الملائم للكسب والمساومة غير أن شيوخ المرابطين تصدوا للموقف وعالجوه بطريقة حكيمة تعتمد على التمييز بين السلام والاستسلام، بين سلام مقبول وسلام مطلوب وقالوا لهم بأن القرآن الكريم لم يقر أبدا إهدار الدم بدون جدوى، بعد أن استسلم الكفار، ونادوا بوضع السيف في غمده، إن الإفرنسيين قد استسلموا وطلبوا الصلح. وأن السلطان قد أملى شروطه عليهم. وتغلب هذا المنطق على المعارضة. وتم التوقيع على المعاهدة (التي عرفت بمعاهدة تافنة حيث تم تبادل الوثائق) (١). وما أن عاد (بيجو إلى الجزائر، حتى أصبح حر اليدين لتطوير العمل العسكري فزج قواته كلها ضد (أحمد باي قسنطينة) وأمكن له تحقيق انتصار حاسم ضده، ودخلت القوات الإفرنسية مدينة (قسنطينة).
أصبح باستطاعة الأمير عبد القادر التفرغ لبناء الدولة، وإعادة تنظيمها، وزيادة قدرتها، وهو يدرك تماما أنه لا بد وأن يتجدد الصراع ضد قوى الاستعمار الإفرنسي. واصطدمت عملية إعادة التنظيم الشامل بمجموعة من العقبات، لم يكن أقلها امتناع قبائل كثيرة عن دفع الضرائب، بحجة عدم الحاجة لمثل هذه الضرائب طالما أن الحرب قد توقفت. فاضطر في البداية لإخضاع تمرد المتحالفين من بني مختار وبني نائل وبني موسى وبني عبيد والزناخرة الذين كان يترأسهم محمد ابن عودة زعيم أولاد المختار (قرب فصر البخاري). وجهز من أجل ذلك جيشا يضم (١٢) ألف فارس (وألفي) راجل مع بعض المدافع. وأمكن له الانتصار على قوات التمرد. ثم قرر الانتقال بقواته إلى منطقة الأغواط (جنوبي الصحراء العظمى والواقعة على بعد مائتي ميل
стр. 707
جنوب وهران) وذلك لإخضاع بنو عراش (في عين ماضي) والذين كان يتزعمهم (التيجيني) ودارت معارك طويلة، استنزفت فيها قوات الطرفين المتصارعين، وانتهت بانتصار الأمير عبد القادر. أصبحت الجزائر الآن دولة مكتملة الأركان، ثابتة البنيان، وشعر الأمير عبد القادر أنه قد أنجز الواجب الذي حملته الأمة الجزائرية أعباءه. فقد هزم الإفرنسيين، ووقع معاهدة سلام مشرف، وكانت مملكته نموذجا للتنظيم الرائع، لقد لبى نداء واجبه الديني في ساعة العسرة، وأنقذ قومه في ساعة البلوى. غير أنه أضاع نفسه في أمته، لقد هجر أهل بيته، وفقد عزلته التي كان يجد فيها متعته العقلية، فمنذ اليوم الأول لمبايعته، وقف أمام زوجته ليقول لها:
(لقد وضع القوم أمانة في عنقي، ومن الواحب علي القيام بها، وأن ذلك لا يدع مجالا لي حتى أقوم بواجباتي الزوجية على أكمل وجه، ولك إن أردت البقاء معي من دون التفات إلى طلب حقوقك المقدسة، فإني أوافق الموافقة أزمة على ذلك. وأما إن كان قصدك ألا تفرطي فيها فأمرك بيدك، وذلك لأني قد تحملت ما يشغلني عنك) وأجابته الزوجة الصالحة - ابنة عمه - (لقد رضيت لنفسي ما ارتضيته لنفسك) وأخلص الزوجان لقضية الإسلام.
وبعد التوقيع على معاهدة تافنه، وبينما كان هو في سبيله لمحاربة الخارجين عن الطاعة والجماعة، مر الأمير عبد القادر بالقرب من (معسكر) وعلمت زوجته بذلك، وكانت قد مضت شهور عديدة لم تره خلالها، فبعثت إليه الرسل ترجوه أن يعرج نحوها، ولو يوما واحدا، غير أنه أجاب (بأنه مزفوف إلى بلاده). ولقد حدث مرة أن
стр. 708
مضت عليه فترة تزيد على السنتين لم يسمح لنفسه بوقت يذهب فيه لرؤية عائلته.
وها هو الآن يحاول استئناف حياته الخاصة، وإلقاء أعباء المسؤولية على عاتق سلطان المغرب، وتسليمه الأمانة، فيكتب له - بعد الديباجة - ما يلي:
(إن شعب الجزائر متحد الآن، وأن علم الجهاد قد طوي، فالطرق آمنة وعامرة، والعادات السيئة قد قضي عليها، وتستطيع المرأة أن تعبر البلاد وحدها، ليلا ونهارا، من الشرق إلى الغرب، دون خوف على نفسها. وقد يلتقي الرجل بقاتل أخيه، فلا يجرؤ على الانتقام منه، بل يحتكم إلى القضاء. وأن كتاب الله وسنة رسوله هما فقط أساس الأحكام. والمواد الضرورية لجيشنا كثيرة، إلى جانب الرجال الذين يملؤون صفوفه. كل ذلك بفضل الله وتأييده، وبفضل دعواتكم ورضاكم عنا. ولولا ذلك لكنت أضعف الناس عن إنجاز كل هذا ...
إنني لم أتقدم لتولي مسؤولية الحكومة بدافع الطموح، أو الرغبة في السلطة والجاه، أو حبا في ثروات الحياة الدنيا. ولكن - والله وحده يعلم أسرار القلوب - لأحارب في سبيل الله، ولأحقن الدماء بين المسلمين، ولأحمي أملاكهم، ولأمهد البلاد، كما تقتضي ذلك الغيرة على الدين والوطن. ومنذ تحملنا المسؤولية ونحن بالمرصاد ليلا ونهارا، متنقلين في طول البلاد وعرضها، في السهل والجبل، مرة نقود المعارك، وأخرى ننظم شؤون الدولة ونحن الآن نرجو من سموكم أن ترسلوا أحد أبنائكم أو أحفادكم أو خدامكم لتولي سلطان الحكم، لأن البلاد الآن موطدة وليس هناك معارضة من أية جهة.
стр. 709
وسأكون أول من يعمل تحت - قيادة - من ترسلونه، وأن أصخر كل إمكانياتي الضعيفة إلى أقصى حد لذلك، وأن أساعده بالرأي والنصيحة.
إنني أثق في ذلك الاعتبار والسماحة، التي تميزكم، من أنكم ستقبلون رجائي في إعفائي من الحمل الذي يثقل كاهلي. وإنني أرسل إلى مقامكم بعض الهدايا التي كان ملك الإفرنسيين قد أرسلها إلي، والتي لم أبق منها عندي سوى بندقيتين صغيرتين. كما أرسل إليكم بعضا من أفضل البغال في الجزائر. إن عددها، بالإضافة إلى عدد الأشياء الأخرى، يوجد مفصلا في مرفق داخل هذه الرسالة. وإننا نرجوكم أن تقبلوا عذرنا، ونأمل في رضاكم وسروركم - وسيحمل إليكم الهدايا المذكورة، أخي الذي وكلته عني ليتشرف بمقابلة سموكم، وليحمل إليكم تقدير وتأكيد إخلاص ابنكم وخادمكم).
عبد القادر بن محييى الدين
محرم ١٢٥٤ - تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٣٨
ورد السلطان (عبد الرحمن) برسالة حملت تقديره العالي للأمير، ورفضه حتى أن يسمع لحظة واحدة هذا التخلي عن الحكم من شخص أظهر كفاءة عظيمة في القيادة والتنظيم والتجديد وإنقاذ بلاده، ودعى الأمير عبد القادر، باسم الإسلام، أن يظل كما كان، بطلا للجهاد، وأن يكمل عمله الشريف، وأن يوسع وينجز واجبه، وأخيرا طلب إلى الأمير أن يرسل إليه قميصه كأثر يحتفظ به في مسجده الخاص.
لم يكن الأمير عبد القادر، وهو يتنازل عن قيادته العامة، يهرب من الواجب، ويتخلى عن المسؤولية وإنما أراد توسيع دائرة الجهاد،
стр. 710
فقد وعد سلطان المغرب (عبد الرحمن) بوضع سيفه وعقله تحت تصرف من يوليه السلطان أمر الجهاد ضد أعداء الدين. وكان يدرك يقينا أن ما هو مقبل من الأحداث سيكون أكثر خطرا مما مضى، وهذا ما يتطلب حشد كل القوى. ومن أجل ذلك كان لا بد له من الاعتماد على جناحين قويين في المغرب وتونس، وعلى دعم من كل العالم الإسلامي فكتب إلى السلطان العثماني رسائل عديدة، غير أن إبراهيم باشا - شغل الخلافة العثمانية بأمورها - وجاء تدخل روسيا في الشمال ليصرف دار الخلافة عن كل أمر يتجاوز حدود الخطر المباشر الذي بات يدق أبواب عاصمتها. ولم يبق على الأمير إلا زيادة الاعتماد على قدراته الذاتية، فالتفت إلى البلاد ينظمها وإلى القوى يحشدها. ولم تمض فترة حتى تأكدت مشاعر الأمير، وأصبح الظن يقينا. فقد أخذ الإفرنسيون في البحث عن الثغرات لنقض معاهدة (تافنة) من أجل تطوير استعمارهم للجزائر، لا سيما بعد أن زالت معظم المقاومات، ولم يبق فوق أرض الجزائر سوى قوة وحيدة متماسكة هي قوة الأمير عبد القادر. وقد تذرعت فرنسا بتفسيرها الخاص لنصوص البند الثاني من معاهدة (تافنة). فاعتبرت أن فقرة (تملك فرنسا في إقليم الجزائر، مدينة الجزائر والساحل متيجة ممتدا نحو الشرق إلى وادي القدرة وما وراءه) في حين كان النص العربي يتضمن كلمة (فوقه) مما يخضع للأمير عبد القادر. وكان هذا الهامش الجغرافي هو البداية لتجدد الصراع.
стр. 711
٧ - نقض المعاهدة واستئناف الحرب
(١٨٣٨ - ١٨٣٩ م)
تم تعيين الماريشال (فالي) (١) حاكما عاما على الجزائر في ٣٠ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٣٧. وقد طلب عند تعيينه تعليمات الوزارة الإرنسية، فجاءه الجواب بسيطا (التمسك بمبدأ امتلاك الجزائر - ويجب أن يكون المفهوم من عبارة - وادي القدرة وما وراءه - كل البلاد الواقعة في إقليم الجزائر والواقعة وراء وادي قدرة حتى إقليم قسنطينة، وأن وضوح الدليل مستقلا عن الاعتبارات السياسية، لا يسمح بأي تنازل عن هذه النقطة. وما دمنا أسياد إقليم قسنطينة فإننا لا نستطيع أن نبقى بدون طرق أرضية تصلنا به).
وأرسل (فالي) هذه التعليمات إلى الأمير عبد القادر، وأخذ في مفاوضته على شروط تنفيذها، ولكن الأمر اتخذ الإجراء المناسب والعملي بشأن المنطقة المتنازع عليها، أو بالأحرى تلك التي تريد فرنسا السيطرة عليها، ما بين الجزائر وقسنطينة - فركز جهده للسيطرة على كل المناطق جنوب (تيطري). وأمسك بقبضته القوية كل القبائل
стр. 712
الواقعة على حدود إقليم قسنطينة. وأرسل قواته فاحتلت كل الأراضي المتنازع عليها وراء (وادي القدرة). وبالإضافة إلى ذلك جعل هذه الأراضي مسرحا لنموذج من أعماله الصارمة التي لا تعرف المساومة نحو الذين خانوا الدين. فهناك مجموعة من الكراغلة كانت قد استوطنت هناك حديثا تحت حماية الإفرنسيين. وقد دعاهم عبد القادر إلى قطع علاقتهم الخائنة مع الإفرنسيين، ولكنهم رفضوا. وكان الإفرنسيون يمدونهم بالسلاح والذخيرة حتى يقاوموا عبد القادر، ولكن الأمير نزل عليهم وسحقهم وقطع رأس القائد العميل. وفي الحال، أعلنت كل قبائل مقاطعة (سباو) الواسعة خضوعها. وقد عين عبد القادر أحمد بن سالم ليكون خليفته عليهم. وأصبح عبد القادر الآن صاحب السيادة المطلقة على ثلثي الجزائر. وأن المناطق التي احتلها أخيرا والتي تقع في جنوبي - شرقي إقليم الجزائر كانت ذات فائدة كبيرة للإفرنسيين، لأن معسكرهم في (قسنطينة) كان يعتمد في مواده الغذائية عليها. فأخذوا يشعرون بعد ذلك الحادث أن عبد القادر يمكنه في أية لحظة أن يوقف التموين والإمداد عن الإفرنسيين، وقد عرف الأمير عبد القادر أن حركته الأخيرة ستستثير فرنسا، ووجد أنه من الضروري إجراء تحرك ديبلوماسي لتغطية تحركه العسكري، فكتب رسالة إلى ملك فرسا (لويس فيليب) يشكره على هديته التي كان قد أرسلها عشية التوقيع على معاهدة (تافنة) وحمل رسالته هذه إلى (ميلود أو - مولود بن عراش، واليهودي دوران) وأخذا معهما ستة أحصنة عربية مسومة. وكانت مهمة الوفد تتجاوز حدود المجاملة، فقد كان على الموفدين تهدئة المخاوف الإفرنسية من جهة. والتفاهم في موضوع بقاء المنطقة المتنازع عليها تحت سلطة الأمير. غير أن هذا الوفد عاد من مهمته فاشلا. وعلم الأمير وهو في (تاقدامت) يوم ١٠
стр. 713
كانون الثاني - يناير - ١٨٣٩م. عن طريق وفده بتصميم فرنسا على التوسع والاستيلاء، فكان رده: (أبدا - أبدأ - لن أصادق على معاهدة تمنح الإفرنسيين جسرا أرضيا بين قسنطينة ومدينة الجزائر، لأخسر بذلك كل الثمار التي جنيتها نتيجة قصر نظرهم بجعل الجزائر محاطة بحلقة مكونة من البحر والشفة وجبال الأطلس الصغرى الواقعة مباشرة فوق وادي القدرة). ولكن على الرغم من هذا الرد الحاسم. فقد استمر الأمير عبد القادر في بذل جهد المستطاع لتجنب اندلاع الحرب. وتابع اتصالاته بالمارشال (فالي) الذي رغب في بذل الجهود أيضا لتحقيق أهداف فرنسا بطريقة سلمية، فأرسل الضابط (دوسال) في شهر شباط - فبراير - ١٨٣٩ إلى (مليانة) حيث كان الأمير قد عقد مؤتمرا لكل القادة والشويخ لاستشارتهم. وتحدث (دوسال) إلى المؤتمرين، فكان جوابهم جميعا: (الحرب أولى من التنازل عن المناطق المتنازع عليها) وعزز الأمير جهوده السلمية بكتابة عدد من الرسائل إلى ملك فرنسا (لويس فيليب) وإلى وزير الحربية الإفرنسي، غير أن كل (١) هذه الجهود أحبطت بإرسال (دوق - دي أورليانز) ابن ملك فرنسا (لويس فيليب) والذي ما إن وصل إلى الجزائر حتى بدأ عمله بالإشراف على حملة تتحرك من ميلة في أقليم (قسنطينة) مارة بمضيق - باب الحديد - عابرة المنطقة المتنازع عليها، متقدمة منها إلى مدينة الجزائر. وأحيطت خطة العملية بنطاق محكم من الكتمان والسرية. وبدأت القوات الإفرنسية تحركها نحو (بجاية). فأسرعت القبائل
стр. 714
للدفاع عن بلادها ضد العدوان، وغادر المارشال (فالي) و (الدوق) مدينة ميلة يوم ١٨ - تشرين الثاني - أكتوبر - ١٨٣٩. ووصلا مدينة (سطيف) من اتجاهين متقابلين يوم ٢١ منه. وطلب شيوخ القبائل مقابلة المسؤولين الإفرنسيين، وعندما قابلهم كبار الضباط، أبرزوا لهم جوازات سفر تحمل خاتم الأمير عبد القادر تسمح للقوات الإفرنسية بالمرور، فرضي الشيوح بذلك، وكانت هذه الجوازات مزورة. كما كان ختم الأمير قد زور أيضا. وبدلا من دخول جبال القبائل، عادت القوة التي تحركت نحو بجاية القهقرى. ثم تقدمت نحو (باب الحديد) بعد أن انضمت إلى قوات (فالي). وقام شيوخ القبائل بوظيفة الإدلاء المرشدين عند التقدم عبر المنطقة الجبلية الصعبة، وكانوا مغتبطين بتسهيل تقدم أصدقاء الأمير وحلفائه. وبفضل هذه الخدعة، مرت القوة الإفرنسية المكونة من (٥) آلاف مقاتل تقريبا عبر المضيق الهائل لباب الحديد دون طلقة واحدة. ولو كان الأمير عبد القادر هناك بقوة لا تزيد على (٥٠٠) رجل لما كان بوسع الإفرنسيين دخول (باب الحديد) أو لما كان في استطاعتهم الخروج منه.
مر الإفرنسيون في اليوم التالي وسط قبيلة بني منصور التي بلغتتهم كما لو نزلت عليهم من السماء. ووصلت القوة الإفرنسية يوم ٣١ تشرين الثاني - أكتوبر - إلى (بني يني) وهناك تبادل العرب والإفرنسيون النار أخيرا. ولم يكن (لابن سالم) خليفة الأمير عبد القادر في تلك المنطقة الوقت الكافي للاستعداد من أجل مواجهة تقدم الإفرنسيين، لذلك اندهش عندما سمع بتقدمهم. وأخذ في الاستعداد متأخرا، إذ لم يلبث (الدوق) أن دخل الجزائر ومعه (فالي) يوم ١ تشرين الثاني - نوفمبر - دخول المنتصرين، واستقبلوا فيها استقبال الفاتحين. وقد دامت الاحتفالات بهذا الحادث أربعة أيام
стр. 715
كاملة. وأقيم احتفال ضخم في ساحة (باب الواد) تكريما لأبطال (باب الحديد). عندما علم الأمير وهو في (تاقدامت) بهذا الانتهاك الصارخ، ركب فرسه وسار ليلا ونهارا حتى وصل إلى مدينة المدية بعد (٤٨ ساعة). وأرسل إلى (فالي) برقية احتجاج شديدة اللهجة كما كتب لابن سالم، تعليمات جديدة لمجابهة الموقف الجديد جاء فيها: (إن خرق الاتفاق قد جاء من المسيحيين! إن العدو أمامكم. اجمعوا أمركم واستعدوا للمعركة. إن الدعوة إلى الجهاد قد وجهت إلى كل مكان. وأنت رجل هذه الجهات. وإنني أضعك هناك لتمنع دخول العدو ... احذروا البلبلة. اربطوا أحزمتكم وكونوا مستعدين لكل شيء. كونوا على مستوى الحوادث. وتعلموا الصبر فوق كل شيء. لا تدعوا للضعف الإنساني مجالا بينكم. إنها محن أرادها الله. وأن هذه المحن قد خالطت مصير كل مسلم صالح تعهد أن يموت من أجل دينه. وسيكون النصر إن شاء الله حليف خطاكم. والسلام من عبد القادر بن محيي الدين) وفي الوقت ذاته وجه إلى خلفائه الآخرين رسائل ذات مضمون واحد جاء فيها:
(إن الكافر قد جبهنا بالخيانة، ودليل خيانته واضح كالنهار، لقد عبر بلادي دون إذني، فاجمعوا شملكم، واربطوا أحزمتكم استعدادا للمعركة. إنها على الأبواب. وأن الخزينة العامة غير غنية. وأنتم أنفسكم لا تملكون النقود الكافية تحت أيديكم لتواجهوا الحرب. فأجيبوا إذن حالما تتلقون الأوامر بضريبة إضافية. كونوا عجلين في عملكم. وسارعوا إلى الانضمام إلي في المدية حيث أنتظركم). واجتمع الخلفاء والشيوخ والزعماء في المدية، واستمر النقاش طويلا، وطرحت قضية الحرب (فنادت الأصوات - باستثناء
стр. 716
صوت واحد - بالجهاد). فقال عبد القادر: (ليكن ذلك ما دامت هذه هي رغبتكم. ولكني أقبل المسؤولية بشرط واحد. أنكم ستعرضون للتعب والمشقة والمحن والخيبات. وقد تقنطون أو تتعبون من الحرب. فأقسوا لي إذن على القرآن الكريم أنكم لن تتخلوا عني أبدا ما دت أحمل راية الجهاد) فأقسم له جميع الشيوخ والخلفاء.
وفي يوم ٢٨ تشرين الثاني نوفمبر - ١٨٣٩. أعلن عبد القادر رسميا الحرب على الإفرنسيين وذلك ضمن رسالة وجهها إلى المارشال جاء فيها:
(من الحاج عبد القادر أمير المؤمنين، إلى المارشال فالي. السلام على من اتبع الهدى. لقد اتصلت بأول رسائلك وآخرها. وقد قرأناها وفهمنا محتواها. لقد سبق لي أن أخبرتكم بأن جميع العرب من ولهاصة حتى الكاف (من حدود المغرب حتى حدود تونس) مجمعون على الجهاد، وقد بذلت كل مجهرداتي لتهدئتهم لكن بدون جدوى. ويجب علي طبقا لشريعتنا الخضوع للإجماع. وإنني أعمل بوفاء لكم حين أخبركم بما يجري. فأرسلوا إلي قنصلي الذي هو في وهران. ويمكنه أن يعود إلى أسرته. وكونوا مستعدين. فالمسلمون جميعا قد أعلنوا الجهاد. ومهما حدث فإنكم لن تستطيعوا اتهامي بنقض العهود. إن قلبي صاف ولن تجدوني أعمل خلافا للعدل) كتب مساء الإثنين بالمدية في الحادي عشر من شهر محرم سنة ١٢٥٥ (١٨ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٣٩).
لقد لمع البرق وسط السحاب، وانفجرت العاصفة، ولم تمض ساعات على إعلان الحرب، حتى كان الأمير عبد القادر يقف فوق مرتفعات (بني صالح) ليتابع منظرا نادرا ما يحدث في التاريخ، لقد
стр. 717
تدفقت جموع العرب وقبائلهم فغطت سهول مدينة الجزائر، في حين كانت أفواج جديدة تنحدر من مختلف الجبال المجاورة لتنضم إلى ذلك الحشد الهائل. وغصت مضائق الأطلس وشعابه بالفرسان والمشاة، لقد انحدروا وكأنهم انهيارات ثلجية ضخمة حطت فوق سهول مدينة الجزائر.
كان خليفتا المدية ومليانة قد عبرا نهر الشلف يتقدمان جنودهما. وأحاط ابن سالم بجيشه من القبائل بالمراكز والمسعمرات الإفرنسية المنعزلة من الشرق. وجاء أهل (حاجوط) هائجين من الغرب. وفي الحال، هوجمت المستمرات وخربت المؤسسات الزراعية ودمرت المراكز الإفرنسية بهذا الطوفان، وغطى دخان القرى المحترقة الجو، فأظلم. وهرب الإفرنسيون إلى الجزائر (المدينة)، التي اجتاحتها موجة من الفزع وملأت الشائعات المرعبة المدينة. فجلى الناس عن منازلهم وقاد الأمير قواته لمهاجمة (قلعة بودور) وهنا ظهرت أول صدمة عنيفة حيث استطاعت نيران المدفعية الإفرنسية إيقاف موجة المقاتلين العرب بفضل كثافة نيرانها ودقتها. وتحركت قيادة (فالي) بسرعة. فدعمت حامياتها وبصورة خاصة في (البليدة وبوفاريك) على أقدام جبال الأطلس. وأعلنت الحكومة الإفرنسية في الوقت ذاته (أنها لن تقبل بعد اليوم مساومة أو تراجعا - وأن الجزائر قد أصبحت منذ الأن وإلى الأبد مقاطعة فرنسية). ووصلت التعزيزات العسكرية بسرعة إلى مدينة الجزائر. وارتفعت القوة الفعلية التي أصبحت تحت تصرف المارشال - فالي - إلى (٣٠) ألف محارب. ووضع (فالي) خطة جديدة للهجوم تختلف عن مخططات القادة السابقين الذين كانوا ينفذون عملياتهم بهجمات مباغتة تتبعها عمليات انسحاب مباغتة. وكانت خطة (فالي) تتلخص فيما يلي:
стр. 718
١ - الاستيلاء على المراكز التي أقامها عبد القادر وتخريها، بما في ذلك مخازن أسلحته ومستودعات تموينه ..
٢ - مهاجمة وتدمير قواته النظامية التي تعتبر العمود الفقري لجهاز الحرب الجزائري.
٣ - الاحتلال الدائم للمقاطعات الآهلة بالقبائل العربية الكبرى، حتى تقنعها بقدرة فرسنا على حمايتها والدفاع عنها، وبالتالي تدمير سلطة عبد القادر والقضاء على نفوذه وفي هذا الوقت ذاته، حاولت الإدارة الإفرنسية في الجزائر استثارة القبائل العربية ضد الأمير (قبائل بني شجران وبني غدو والحشم والشراقة والغرابة وبني شقران وسواهم). غير أن هؤلاء جميعا أجابوا - على لسان شيوخهم - برسالة واحدة أكدت رفضهم (لاقتراحات النصراني) والتزامهم بدعم (الأمير) حامل راية الجهاد في سبيل الله.
стр. 719
٨ - سنوات الصراع المرير
(١٨٤٠ - ١٨٤٤ م)
ركز المارشال (فالي) قواته في (البليدة) على أقدام جبال الأطلس الصغرى استعدادا للقيام بهجومه الأول بالتحرك نحو (المدية ومليانة). وعبرت قواته نهر الشفة يوم ٢٧ نيسان (أبريل) سنة ١٨٤٠م٠ وهناك ظهرت فرسان الأمير عبد القادر بأعداد كبيرة. وسار الجناح الأيمن للقوات الإفرنسية نحو (بحيرة) لكنه لم يصل إليها، فقد أسرع الأمير عبد القادر بقواته وعبر المساحة الوسطى واختفى، وبذلك أصبح سهل مدينة الجزائر معرضا لضرباته، وظهر احتمال تقدم الأمير كالسيل الجارف، ولكن تلك الحركة لم تكن سوى خدعة منه. فقد كان هدف عبد القادر إرغام (فالي) على إيقاف تقدمه في سهل (وادي الشلف) وإرغامه على الدخول في الجبال عن طريق مضائق المزاية. وقد نجح في ذلك.
كان الأمير عبد القادر قد عمل في الليل والنهار، وطوال شهور عديدة، لتصبح تلك المضائق الهائلة أكثر قدرة وأكثر منعة وأقوى تحصينا حتى يتحقق الهدف التالي: (أن يلاقي الجيش الإفرنسي حتفه هنا) ومن أجل ذلك حفرت الخنادق على كل مرتفع وهضبة. ونشر الأمير قواته النظامية من المشاة في هذه المواقع المحيطة بمدن (المدية
стр. 720
ومليانة ومعسكر وسباو وتاقدامت) وأفاد من الضباط الإفرنسيين الذين هربوا إليه، فعينهم لقيادة القوات في هذه المواقع. وتدفق العرب ورجال القبائل من كل جهة، فاحتلوا تلك المواقع والملاجىء مستعدين لإطلاق النار من عال، ضد القوات الإفرنسية عندما تدخل متثاقلة الممر الضيق المعلق وسط المنحدرات الجبلية.
قسم (فالي) قواته إلى ثلاثة مجموعات. وغادر جنود هذه المجموعات بقيادة قادتهم (دوفيفييه ولامورسيير ودوتبول) الطريق، وراحوا يقفزون في الوهاد، وتغلبوا على صعوبات الطبيعة الجغرافية للأرض (الأشجار والصخور والحفر العميقة). ووصلوا الخنادق ببطء لكن بثبات. وفجأة غطى المنظر ضباب كثيف. لقد انطلق البارود ولم يتوقف، ودارت رحى معارك طاحنة استخدمت فيها كل وسائط الصراع، وأظهر المجاهدون والجند النظاميون قدرا غير قليل من الشجاعة والبأس، غير أن الكثافة النارية والتفرق بالقوى على نقاط الهجوم مكن القوات الإفرنسية من انتزاع النصر، ونجحت هذه القوات في رفع علمها فوق ذرى الأطلس بين دقات الطبل وصيحات الحرب المنطلقة من كل مكان. وانسحب الأمير ببقايا قواته إلى مليانة، التي كانت في حالة من الهياج والاضطراب والتي أمكن للأمير تهدئتها بسرعة. غير أن المارشال (فالي) دخل مدينة (المدية) فوجدها مهجورة ونصف محروقة. واستخلص الأمير عبد القادر الدرس بسرعة، فأصدر أوامره إلى خلفائه (بتجنب الاشتباك مع القوات الإفرنسية بمعركة نظامية. وممارسة الأعمال القتالية في إطار (الإزعاج والإغارة على أجنحة القوات المعادية ومؤخراتها وقطع محاور تحركاتها والاستيلاء على معداتها ووسائط النقل لديها، ونصب الكمائن والهجمات المباغتة ثم الانسحاب دائما بسرعة) وكان النجاح رائعا في
стр. 721
تطبيق هذه الطرائق مما وضع القوات الإفرنسية في (المدية ومليانة) في حالة انهيار معنوي (وأوشك معسكر ومليانة في شهر تشرين الأول (أكتوبر) ١٨٤٠ على الاختفاء تحت تأثير مجموعة من العوامل، وأهمها الجوع والمرض والغربة فمات ٧٥٠ جنديا من أصل مجموع الحامية البالغ ١٥٠٠ جندي، ودخل المستشفى ٥٠٠ جندي لإاصابتهم بالحمى، أما البقية وعددهم ٢٥٠ جنديا فكانوا هياكل متحركة لا يكادون يمسكون ببنادقهم).
ونجح الأمير عبد القادر في إيقاف تقدم الإفرنسيين في جبال تيطري، ليس ذلك فحسب، بل إنه وضعهم دائما تحت رحمته، من حدود المغرب إلى حدود تونس، عائقا أو ملغيا عملياتهم بجهوده التي تكاد تكون فوق طاقة البشر. فهو دئما على صهوة جواده، يتحرك بصورة مباغتة وسرية، يحارب اليوم الإفرنسيين ليظهر في اليووم التالي وهو على بعد مسافة مائة ميل لجمع شمل قبيلة عربية ممزقة ولرفع روحها المعنوية، لذلك كان يبدو أنه - بنظامه الجديدي الصارم - قد تخلى عن الراحة والاستحمام. وكأنما قد أصبح جسمه شيئا روحانيا بالروح التي كانت تتقد فيه.
تولى الجنرال (بيجو) منصب الحاكم العام للجزائر يوم ٢٢ شباط (فبراير) ١٨٤١. وأخذ على عاتقه تنفيذ مخططات حكومته التي كانت قد درست قوة خصمها العنيد فوضعت تحت تصرف (بيجو) قوة تزيد على (٨٠) ألف محارب، مدعمين بأقوى وسائط القتال والأسلحة الحربية الحديثة.
ولكن الصعوبة الكبرى لم تكن في هزيمة عبد القادر بقدر ما كانت في اللحاق به. لقد كان الإفرنسيون أقوى منه ولكنه كان أسرع
стр. 722
منهم. فقد كانوا مرغمين على التحرك فوق الطرق الممهدة، بأرتال طويلة تثقلها المدافع ومركبات الإسعاف والأعتدة. أما هو فبعد أن يرى هدف هجوم عدوه، يتجنبه مؤقتا، ثم ينقض عليه عندما يكون في ورطة - مأزق - متخبطا في الشعاب، ضائعا في الوهاد. ونتيجة لذلك، أوقف (بيجو) العمل بأساليب أسلافه، ووزع قواته على أرتال متباعدة تعمل على محاور مختلفة، مما أرغم الأمير على توزيع قواته، وإبقاه في حالة من الريبة والشك في نوايا عدوه. وفي الوقت ذاته تخلت القوات الإفرنسية عن معداتها الثقيلة ومدافعها الضخمة، بل إنها تخلت حتى عن أرتال تموينها، وكان للعرب مزية أساسية تفوقت فيها على القوات الإفرنسية، ذلك أنهم كانوا يجدون المواد الغذائية أينما حلوا، داخل مخازن الحبوب المنتشرة تحت الأرض، في كل الجهات، بينما كانت القوات الإفرنسية ملزمة بحمل موادها التموينية. ولكن (لامورسيير) قد حل المشكلة حينما قال: (إن العرب لا يحملون تموينهم معهم. فلم نحن؟ ...) ولذلك فإنه منذئذ أصبح رجال (لامورسيير) يحملون معهم بعض المطاحن اليدوية الصغيرة، وعندما يصلون إلى مكان معين من البلاد ينتشرون هنا وهناك على مسافات تصل أحيانا بضعة كيلومترات. وأثناء تقدمهم كانوا ينقبون الأراضي أمامهم بسيوفهم وحربات بنادقهم فيضربون الصخور التي كانت تغطي مخازن الحبوب، والتي لم تكن مغطاة إلا بطبقة خفيفة من التراب. وهكذا اكتشفت مخازن الحبوب التي كان العرب يخفونها عن عدوهم، ومن جهة أخرى ضمنت الغارات الحصول على الغنم، وتحول القمح إلى دقيق بواسطة المطاحن اليدوية. وبهذه الطريقة أصبحت القوات الإفرنسية تمون نفسها في المكان الذي توجد فيه. ووضع (بيجو) مخططات عملياته العسكرية
стр. 723
على أساس تحقيق مبدأين (الصيانة والاعتداء). وحدد أهدافه الرئيسية بإعادة تموين حامياته التي لا تكاد تقوم بتأمين مواردها الحياتية إلا بجهد كبير وسط العرب المحيطين بهم من كل جانب. والاحتفاظ بالقبائل العربية التي نجح في إخضاعها تحت سلطته، وتنظيمها تنظيما محكما تحت إشراف الإفرنسيين، مع إرهاب القبائل الأخرى بواسطة إغارات مرعبة لإبادتبها وإحراق محاصيلها. وأخيرا، في ضرب قوة الأمير عبد القادر، دون هوادة ولا تردد، واحتلال مراكزه الحصينة، وتدمير مخازن أسلحته، أملا في إرغام الأمير على التراجع نحو الصحارى القاحلة.
افتتح (بيجو) حملة سنة ١٨٤١ م بمحاولة إعادة تموين مدينتي (المدية ومليانة). وكانت خسائر الإفرنسيين قبل تحقيق هذا الهدف، فادحة، ذلك أن عبد القادر قد نازعهم كل شبر أثناء تقدمهم. وكان (بيجو) قد ذهب إلى إقليم (وهران) ومن مستغانم قاد شخصيا حملة ضد (تاقدامت) وعند وصوله يوم ٢٥ أيار - مايو، وجدها مهجورة، بينما كانت أجزاء منها تحترق. ثم تلى ذلك تخريب (بوغار وسعيدة وتازة). وقرر الأمير عبد القادر، طبقا لتنظيمه الجديد، عدم إضاعة قواته أو تشتيتها للدفاع عن قلاعه، ولذلك تخلى عنها جميعا. وكان جيشه النظامي أكثر فائدة ونجاحا في استخدامه لعرقلة الإفرنسيين أثناء تقدمهم، أو في الاحتفاظ بولاء القبائل التي ظهر عليها التردد. وقد أصبحت المدن المحصنة بالنسبة لطرائق الحرب الجديدة التي دعي عبد القادر لمواجهتها، حملا، بل عبئا ثقيلا، كان يشعر بالغبطة للتحرر منه. ونجح الأمير عبد القادر في إعادة تنظيم القبائل، حتى باتت تتحرك بدافع واحد، تنبسط أو تنقبض تبعا لأوامر القيادة. وكانت تهاجم عند أقل خطر، وتختفي عندما تشعر بتتبع العدو لها.
стр. 724
وهذا هو المبدأ الحاسم الذي أصبح منذ الآن الأساس في عمليات الأمير. ومقابل ذلك، أصبح الهدف الأول للمارشال (بيجو) هو كسر حلقات هذه السلسلة المترابطة، وتحطيم السلطة التي تجعلها مجتمعة ومتماسكة، وذلك بإقامة مراكز عمل دائمة في وسط القبائل والمجمعات العربية، وإرسال حملات سريعة متتالية انطلاقا من هذه المراكز حتى يتيح لجيشه أن يثبت وجوده دائما بين العرب. واعتبر (إقليم وهران) هو المسرح الأساسي للعمليات باعتباره القاعدة التي يستمد منها الأمير قوته. فاحتل (لامورسيير) مدينة (معسكر) واحتفظ (بيدو) (١) بمدينة تلمسان. وكان (وشانقارنيي) (٢) يراقب الحدود الغربية لسهل مدينة الجزائر. وقد أرسلت ثلاثة أرتال للتحرك من وهران ومستغانم نحو القبائل الواقعة في المنطقة الواسعة الممتدة بين البحر والأطلس، بالإضافة إلى تلك التي تقع في اتجاه الصحراء. وكان الرتل الأول تحت قيادة (بيجو) شخصيا، وكان يتقدم محاذيا لسهل وادي الشلف، ثم التقى بالرتل الثاني الذي كان يتحرك تحت قيادة (شانقارنيي) منطلقا من البليدة. أما الرتل الثالث الذي كان يقوده (لامورسيير) فقد كان يهدف إلى رد عبد القادر ودفعه نحو الجنوب لعزله عن القبائل التي كان (بوجر وشانقارنيي) يهاجمانها. وهنا بدأت القصص المدهشة، والمثيرة في وقعها والسامية في عظمتها، تلك
стр. 725
القصص العجيبة التي تمتزج فيها الجرأة بالعبقرية والإيمان. والتي طبع بها عبد القادر صراعه المجيد الذي كان يقوده بشخصيته القوية.
كان (لامورسيير) ينفذ بحماسة التعليمات المعطاة إليه لمطاردة الأمير عبد القادر والقبض عليه، وسمع فجأة أن الأمير كان أمام (معسكر). وعندما أعد خطته للوصول بسرعة إلى ذلك المكان، عرف أن عبد القادر قد مر قريبا من مؤخرة قواته، وأنه كان يقوم بغزوة ضد قبائل البرجية. وعادت المطاردة، ولكن عبد القادر عبر من جديد (نهر الشلف) بمناورة جريئة وسريعة، تاركا خصمه وراءه في حيرة وذهول، ومر بين قوات (بيجو) والبحر وسرعان ما استرجع مكانته بين القبائل التي فرت منه في ذلك الاتجاه، وقام بغزوة أخرى سريعة في جنوب (مليانة). ثم أسرع نحو الصحراء، حيث ظهر بكامل قوته. في نفس الوقت الذي كان الفرنسيون قد رجعوا إلى قواعدهم يائسين من العثور عليه. أثناء ذلك، كان الجنرال (بيدو) قد نجح في فرض سيطرته على عدد من القبائل المنتشرة على الحدود (المغربية - الجزائرية) ومن أبرزها قبيلة (ندرومة) مما هدد مؤخرة الأمير وطرق تموينه الرئيسية. فقاد الأمير عبد القادر قواته وأسرع نحو الحدود المغربية، وبمجرد وصوله انضمت إليه (قبائل ندرومة وبنو سناسن) ودعموا قوته بثلاثة آلاف فارس وخمسة آلاف راجل. فمضى بهم إلى القتال. وأصبحت هضاب ووديان جبال ترارة وندرومة وضفاف تافنة والزقاق مسرح اشتباكات طاحنة بين الأمير و (بيدو) طوال شهري آذار ونيسان (١٨٤٢) - مارس وأبريل - وأفاد (لامورسيير) من غياب الأمير ليبسط سيطرته على (مدينة معسكر) وليوسع عملياته في اتجاه الصحراء، بعد أن نجح في إخضاع الكثير من القبائل - بمن فيهم قبائل بنو هاشم - قبيلة الأمير نفسه - فانتقل الأمير بسرعة، وعالج الموقف بمزيج من القسوة المتناهية والتسامح غير
стр. 726
المحدود تبعا لمعرفته لمن خضع كرها أو خيانة للإفرنسيين، فأمكن له بذلك استعادة السيطرة على الموقف. وهكذا استمر الصراع المرير على كافة الجبهات والذي أخذ شكل اشتباكات دموية عنيفة في بعض الأحيان. ونظرا لما كانت تتعرض له القبائل العربية - وخاصة النساء والأطفال - فقد اضطر الأمير لتطوير (الزمالة) حتى أصبحت عاصمة ضخمة متنقلة تتبع حركة الأمير في تقدمه وتراجعه. ولم تلبث هذه الزمالة أن تحولت لإداة فعالة في قبضة الأمير لمنع القبائل من التأرجح بين الخضوع للإفرنسيين، وبين الولاء للأمير. فعندما كان الإفرنسيون يقدمون الإغراءات لرجال القبائل بقولهم: (هلموا إلينا فإننا سنحميكم) كان هناك صوت خفي يهمس في آذانهم قائلا: (إن لدي نساءكم وأطفالكم وقطعانكم فاحذروا). وأصبحت (الزمالة) نتيجة ذلك هي الهدف الأول للإفرنسيين. حيث تركزت هجمات الربيع لسنة ١٨٤٣ من أجل مطاردة الزمالة. وقد استطاع الأمير إحباط هجومين قام بهما (لامورسيير) غير أن (دومال) نجح في الإغارة على (الزمالة) يوم ١٦ أيار - مايو - ١٨٤٣ بمساعدة خائن (هو عمر العيادي ابن فراح). وكانت غنائم الإفرنسيين كبيرة. بقدر ما كان وقع الكارثة مفزعا للعرب. وعندما بلغ الأمير الخبر (وهو في غابة سرسو) أظهر تجلده للنكبة، رغم أنه فقد فيها كل ثروته المالية ومجوهراته ومكتبته التي جهد في جمعها، فقال لأولئك الذين كانوا ينتظرون كلمته: (الحمد لله - إن كل تلك الأشياء التي كنت أقدرها حق قدرها والتي كانت عزيزة على قلبي، والتي شغلت عقلي كثيرا، لم تزد على أن أعاقت حركتي وحولتني عن الطريق الصحيح. أما في المستقبل، فسأكون حرا في محاربة الكفار) وكتب إلى خلفائه: (قام الإفرنسيون بالإغارة على الزمالة. ولكن علينا أن لا نفقد الشجاعة وسنكون منذ
стр. 727
الآن أخف حملا وأفضل استعدادا للحرب.)
كانت صدمة (الزمالة) قوية الوقع على الأمير، وصفها بقوله: (كنت قرب (تاقدامت) أراقب الحامية الإفرنسية القريبة مني (بوهران)، عندما قام الإفرنسيون بهجومهم المباغت على (الزمالة). كان معي (١٥٠٠) فارس، وكان (ابن خروب) مع فليته، وابن علال في الونشريس، ومصطفى بن التهامي بين بني ورغة، ولم أكن أبدا أتوقع نكبة كالتي حدثت من جهة (المدية) ولم يكن أحد من خلفائي يراقب تحركات ابن الملك (دوفال). ولكن رغم ذلك كله، لم نكن لنباغت بالحادث لو أن الله لم يطمس عيون شعبنا. فقد اعتقد أهل الزمالة، عندما رأوا جنود - الصبائحية - متقدمين ببرانسهم الحمراء، أن هؤلاء هم جنودي غير النظامين عائدين، بل إن النساء قد رفعن أصواتهن بالزغاريد ترحيبا واحتفاء بهم، ولم يشعرن بخيبة الأمل إلا بعد إطلاق النار، ثم تلا ذلك اضطراب لا يوصف شل جميع جهود الذين حاولوا الدفاع عن أنفسهم. ولو كنت حاضرا لكان علينا أن نحارب من أجل نسائنا وأطفالنا، ولعاش الإفرنسيون يوما لن ينسوه، ولكن الله أراد غير ذلك، ولم أسمع بالنكبة إلا بعد ثلاثة أيام من حدوثها، وكانت الفرصة عندئذ قد ضاعت).
كانت قوة الإفرنسيين التي قامت بالإغارة قليلة، لهذا لم تتمكن من اقتياد أكثر من (٣) آلاف أسير، كان من بينهم عدد من عائلات كبار الضباط والقادة في جيش الأمير، ولم تكن (نكبة الزمالة) أكثر من بداية بصراع مرير وقاس على كل الجبهات، وأصبح إقليم وهران مسرحا للاشتباكات الدموية المستمرة، ولم تتوقف القوات الإفرنسية من مطاردة الأمير، وتمكنت في يوم ٢٢ أيلول -
стр. 728
سبتمبر - ١٨٤٣ من مباغتته عندما كان معسكرا بالقرب من زاوية المرابط (سيدي يوسف) وقد صحا الأمير على صرخات (الإفرنسيين - الإفرنسيين). وكان لا يجد الوقت حتى لامتطاء فرسه، غير أنه لم يفقد رباطة جأشه وهو في أشد ساعات الضيق. فأخذ في إطلاق النار وأسرع جنده إلى أسلحتهم، وأخذوا في التجمع حوله تقودهم صيحاته الحادة، وأمكن له تمزيق الإفرنسيين والخروج بجنده وأهله. ومضى (بزمالته) التي لم تعد تضم أكثر من ألف نسمة، ليجوب بها الأرض في شقاء ويأس. وتبع ذلك قتال مرير، وكانت النسوة تحمس المحاربين بالزغاريد والأهازيج. وكان عبد القادر ورجاله يحاربون على مرأى ومسمع من زوجاتهم وأطفالهم، فأبدوا شجاعة لا توصف. وأمكن للأمير بذلك قيادة الزمالة الصغير بأمان إلى (بوك شبكة) على حدود المغرب الأقصى. أما (بيجو) فقد كتب إلى حكومته: (بعد حملة الربيع ١٨٤٣، كان باستطاعتي أن أعلن بأن احتلال الجزائر وإخضاعها قد انتهى. غير أنني فضلت أن أذكر ما هو أدنى من الحقيقة، ولكني الآن، وبعد معركة ١١ - تشرين الأول - أكتوبر - والتي قضي فيها على بقية مشاة الأمير وقتل فيها أول وأشهر خليفة له (ابن علال) فإني أعلن على الملأ وبكل جرأة، أن كل قتال جدي قد انتهى، حقا إن عبد القادر قد يقوم بحفنة الفرسان الذين ما يزالون معه، ببعض الحركات المباغتة المعزولة على الحدود، ولكنه لن يحاول أبدا القيام بأية حركة هامة من جديد).
стр. 729
٩ - على حدود المغرب
(١٨٤٥ م)
اتخذ الأمير عبد القادر من حدود المغرب قاعدة لغزواته في الجزائر لفترة من الوقت، ثم ينسحب إلى الأرض المغربية مما دفع القوات الإفرنسية لزج فرقة عسكرية ضخمة بقيادة (لامورسيير) لاحتلال الجزء الذي ينطلق منه الأمير عبد القادر، ولم يكن خط الحدود الجزائرية - المغربية محددا بدقة. واختار (لامورسيير - وبيدو) مقرا لهما في زاوية حملت اسم (لاللامغنية) وهي امرأة مرابطة اشتهرت بورعها وتقواها. (ولا يزال هناك ضريح أقيم لها رسميا في المكان ذاته) وفي (لاللامغنية) حفر الإفرنسيون خنادقهم، وعلقوا معداتهم وغنوا أغانيهم، وأهرقوا خمورهم، وعربدوا عربدتهم، فكان في ذلك تدنيس لحرمة المكان المحترم، وانتهاك مثير ووحشي لمشاعر المسلمين. وانطلقت صرخة الغضب فترددت لها أصداء قوية في كل المغرب الإسلامي. مما دفع سلطان المغرب (سيدي عبد الرحمن) لتوجيه جيش بقيادة القائد (القناوي) الذي كان شريفيا متعصبا مرتبطا بالدم مع عائلة السلطان. وطلب القناوي من الإفرنسيين الجلاء عن (لاللامغنية) يوم ٢٢ أيار - مايو - ١٨٤٤. غير أن الإفرنسيين سخروا من هذا الطلب وفي يوم ٣٠ أيار (مايو) تقدم الجيش المغربي، واشتبك
стр. 730
مع الإفرنسيين في معركة قصيرة وحاسمة وأرغمهم على الانسحاب. وعاد (بيجو يوم ١١ حزيران - يونيو - في محاولة للتفاهم مع (القناوي) غير أن هذه المحاولة فشلت، وبعدئذ وجه (بيجو) إنذارا خطيا إلى (القناوي) جاء فيه: (نرغب أن تكون لنا نفس الحدود التي كانت للأتراك ثم لعبد القادر، إننا لا نريد أن نأخذ منكم شيئا. ولكن يجب أن نصر على عدم إيواء عبد القادر بعد اليوم، وأن لا تمنحوه المساعدة أو التأييد، وأن لا تدعموه بعد أن أوشك على الهلاك ثم تطلقوه ضدنا من جديد. إن عملا كهذا ليس من الصداقة في شيء، إننا نخوض حربا، وإنكم كنتم تقومون بالحرب ضدنا على هذا المنوال منذ سنتين. إننا نطلب منكم أن تحصروا دائرة عبد القادر وكبار مساعديه في غرب الدولة، وأن تقرقوا جيشه النظامي، المشاة منه والفرسان، ونطلب منكم أيضا أن ترفضوا منذ الآن السماح بهجرة قبائلنا إلى مناطقكم، وأن تعيدوا إلينا حالا أولئك الذين لجؤوا إليكم. وإننا نلزم أنفسنا بالمعاملة بالمثل تجاهكم فيما إذا حدث مثل ذلك بالنسبة إلينا. وهذا ما يمكن تسميته حقا التطبيق العملي لمبدأ الصداقة الحقيقية بين أمتين. وبهذه الشروط سنكون أصدقاءكم، وسنشجع تجارتكم، وسنكون إلى جانب حكومة مولاي عبد الرحمن بقدر ما نستطيع أما إذا تصرفتم غير ذلك فسنكون أعداء لكم. فأجب في الحال وبدون تملص لأنني لا أفمه).
لم يأت هذا الإنذار بنتيجة تذكر، وتراجع الجيش المغربي إلى داخل البلاد، واحتل (بيجو) مدينة (وجدة) بصورة مؤقتة، وتطور الصراع على الحدود. فأرسلت الحكومة الإفرنسية قطعة من أسطولها
стр. 731
إلى الساحل الغربي بقيادة (دوجوانفيل) (١) في شهر حزيران (يونيو) ١٨٤٤ لتدعيم مطالبها الرسمية. وتلقى المارشال (بيجو) في الوقت ذاته تعليمات للبدء بعملياته الهجومية البرية واضطر السلطان (عبد الرحمن) للرضوخ لمطالب الإفرنسيين بعد قصف طنجة وموقادور بقنابل الأسطول، وبعد معركة (ايلسلي) (٢) وفرضت معاهدة الصلح على السلطان فرضا، وتضمن البند الرابع منها. (يعتبر عبد القادر خارجا على القانون في جميع أنحاء الدولة المغربية وفي الجزائر. ونتيجة لذلك، ستطارده القوات الإفرنسية من الجزائر والقوات المغربية من المغرب، إلى أن يطرد من هناك، أو يقع في قبضة قوات إحدى الدولتين. ففي حالة وقوع عبد القادر في أيدي القوات الإفرنسية، تتعهد حكومة جلالة ملك فرنسا أن تعامله باحترام وكرم. وفي حال وقوعه في أيدي القوات المغربية يتعهد جلالة سلطان المغرب بإجباره على الإقامة، مستقبلا، في إحدى مدن الساحل الغربي لدولته، إلى أن تتوصل الحكومتان إلى اتخاذ إجراء يمنعه من استئناف القتال، وتعكير الهدوء في الجزائر والمغرب).
انسحب الأمير عبد القادر بعيدا في جوف الصحراء، غير أن المعاهدة المفروضة استثارت غضب المسلمين في المغرب كله، ووصلت إلى الأمير رسائل من كل المستويات تطالبه بقيادتها للإطاحة بالسلطان، غير أن الأمير رفض استثمار هذا الموقف الذي يضعف
стр. 732
المغرب بدلا من تقويته، ومضى يستثير حماسة القبائل في الجزائر، متنقلا باستمرار، من (تيارات) في أقاليم التل حتى الحدود المغربية. وكانت مطاردة الإفرسسين له لم تتوقف. وفي لحظة اليأس وصلته رسالة من خليفته (ابن سالم) يعلمه بقدومه إليه عندما تتوافر له ظروف مناسبة. وأثناء ذلك عقد خلفاء الأمير الثلاثة في الشرق الجزائري. وقرروا المضي في جهادهم، ومما قاله (ابن علال) لإخوته في الجهاد وهو يعانقهم ويقبلهم مودعا: (ليجمعنا الله في الآخرة، لأنني ضعيف الأمل باجتماعنا من جديد في هذه الدنيا) فأجابه ابن علال: (قد يكون ذلك صحيحا إذا استسلمنا للمسيحيين، وهو أمر حرمه الله علينا).
يصور ذلك الوضع الذي كانت عليه الجزائر، في الوقت الذي مضت فيه السلطة الاستعمارية بالمطاردة الأمر الذي زاد على قدرة احتمال القبائل، فانفجر الموقف في آذار (مارس) ١٨٤٥ بقيادة محمد ابن عبد الله - الملقب بومعزة - من مشايخ (الدرقاوه). ورفع (بومعزة) لواء الجهاد في منطقة الظهرة وسهل الشلف. وعلى الرغم من أن قوة - بومعزة - لم تتجاوز المئات فقد كانت شرارته هى التي أحرقت السهل، إذ اندلعت المقاومة في كل مكان (باسم بو معزة). وأفاد الأمير من هذا الموقف، فقاد قواته التي بقيت مخلصة له إلى سهل (تافنة) فدمر الحامية الإفرنسية في (سيدي مخلصة). واستسلمت له كتيبة كاملة (من ستمائة جندي) في (تموشنت). وشعرت فرنسا بالخطر المتعاظم. فأعادت (بيجو) إلى الجزائر، ودعمته بقوات جديدة حتى بلغ عدد القوات الإفرنسية في الجزائر (١٢٠) ألفا ووصل بيجو إلى مسرح العمليات يوم ١٥ تشرين الأول (أكتوبر) ١٨٤٥ وتولى قيادة (١٤) فرقة. وطبق أسلوب (الطابور الجهنمي) الذي يعتمد على الإبادة
стр. 733
للسكان وإحراق الأرض والزرع والقرى. وخاض الأمير عبد القادر صراعا مريرا ضد أرتال القوات الإفرنسية، ونجح في إحراز عدد من الانتصارات كاد في بعضها أن يسحق رتلا كاملا من أرتال القوات الإفرنسية في كانون الأول - ديسبر - ١٨٤٥ م.
وأصبح لزاما على الأمير عبد القادر أن يخوض صراعا مريرا على ثلاث جبهات: الجبهة الداخلية المتداعية تحت ضربات الإفرنسيين المدمرة، وعلى جبهة الصراع ضد الإفرنسيين، وعلى جبهة المغرب، وكان هذا الصراع يتطلب إمكانات صخمة، في حين انقطعت عنه كل الموارد بعد أن نجحت فرنسا في عزل الجزائر عن جناحيها (تونس والمغرب). وباتت الحلقات تضيق حول الأمير حتى كاد يسقط في قبضة أعدائه عدة مرات (منها ما حدث له يوم ٧ شباط - فبراير - ١٨٤٦ عندما بوغت في منتصف الليل بقوات الإفرنسين وهي تحيط به، ولم تنقذه إلا شجاعته من هذا المأزق).
استمر عبد القادر بقيادة هذا الصراع المرير على امتداد عامين، وفي شهر كانون الأول (ديسمبر) ١٨٤٧ وقف مع القوات المتبقية لديه (٥) آلاف مقاتل في (اقدين) دائرة معسكره على الضفة اليسرى لنهر (ملوية) وأعاد تقدير موقفه، كان شاردا عن كل ما حوله يسير على رأس قوته تتبعه (الزمالة) التي أوهنها الحل والترحال، وزاد من إرهاقها غضب الطبيعة التي أرسلت أمطارها كالسيول، ووقف الأمير فجأة، وطلب إلى رجاله الاقتراب منه. لقد اتخذ قراره، وها هو يترجمه على رجاله الذين أخذتهم مهابته: (هل تذكرون القسم الذي أقسمتموه قبل ثمانية أعوام في المدية عند استئناف الحرب ... إنني دائما كنت أعتبر ذلك القسم ملزم لي نحوكم، كما هو ملزم لكم تجاهي. إن هذا
стр. 734
الشعور وحده هو الذي جعلني أتابع حمل راية الجهاد في سبيل الله حتى اليوم .. فإذا كنتم تعتقدون أنه ما زال بوسعي أن أقوم الآن بأي شيء فأخبروني. وإن كنتم لا تعتقدون ذلك فإني أسألكم أن تعفوني من القسم الذي التزمت به تجاهكم) وأجابه الجميع بصوت واحد، (إننا جميعا نشهد أمام الله أنكم فعلتم كل ما في وسعكم لإعلاء كلمته، وسيجزيكم الله بعدله يوم القيامة) وقاد الأمير الحديث من جديد: (وإذا كان هذا هو رأيكم، فأمامنا ثلاثة احتمالات: إما العودة إلى الدائرة حيث نكون مستعدين لمواجهة أية عقبة، وإما محاولة إيجاد طريق إلى الصحراء. وفي هذه الحالة لا يستطيع النساء والأطفال والجرحى أن يتبعونا، وسيسقطون لا محالة في أيدي العدو، وإما الاستسلام) فأجابوه: (ليهلك النساء والأطفال، أهلنا وأهلك، ما دمت أنت سالما وقادرا على متابعة الجهاد في سبيل الله. إنك قائدنا وأميرنا، فحارب واستسلم كما تشاء، إننا سائرون وراءك إلى حيث تقودنا) ودار نقاش في معالجة هذا الوضع اليائس، وانتهى عندما أخرج الأمير قطعة من الورق، ووضع عليها خاتمه، لقد كان المطر الغزير يعيقه عن الكتابة، فترك للفارسين المكلفين بنقل الرسالة إلى القائد الإفرنسي كتابة الشروط.
استقبل الجنرال (لامورسيير) في ليل ٢١ كانون الأول - ديسمبر - فارسين أبلغاه رغبة الأمير في الاستسلام. فوافق على الفور غير أنه لم يكن قادرا بدوره على الكتابة للسبب ذاته، فالأمطار الغزيرة أعاقته عن الإجابة خطيا فأعطى سيفه، وخاتم الضابط (بازين) (١) إلى المبعوثين
стр. 735
لتقديمها إلى عبد القادر علامة على قبول شروطه.
أفاد الأمير من توقف المطر قليلا، فكتب رسالة إلى (لامورسيير) ضمنها شروطه، وعاد فأرسلها مع مبعوثيه. وأثناء ذلك كان (لامورسيير) قد نقل الخبر إلى (الدوق دومال) الذي أصبح حاكما عاما للجزائر. وكتب لامورسيير إلى الدوق ما يلى: (كنت مضطرا أن ألتزم بتعهدات، إنني فعلت ذلك وأنا على يقين أن سموك والحكومة ستوافقون على تعهداتي، إذا قبل الأمير كلمتي. إنني الآن ممتط جوادي في طريقي إلى الدائرة، وليس لدي الوقت لإرسل لكم نسخة عن الرسالة التي وصلتني من الأمير أو نسخة من جوابي عليها. ويكفيني أن أذكر بأنني وعدت ووافقت على أن يؤخذ الأمير وعائلته إلى عكا أو الإسكندرية، ولم أذكر سوى هذين المكانين، وهما اللذان ذكرهما في مطلبه واللذان قبلتهما).
غادر الأمير قرية (تريرات) صباح يوم ٢٣ كانون الأول - ديسمبر - تتبعه مجموعة من قادته وأتباعه الذين ارتضوا لأنفسهم مشاركته رحلة العمر الشاقة، حتى إذا ما وصل إلى زاوية المرابط (سيدي إبراهيم) استقبله العقيد (مونتوبان) على رأس قوة من (٥٠٠) فارس، وأدى له المراسم كرئيس دولة. وبعد استعراض حرس الشرف، طلب الأمير السماح له بأداء الصلاة في الزاوية واستجاب القائد الإفرنسي لطلبه، فترجل عن فرسه - وبوسوله إلى الزاوية نزع
стр. 736
سيفه، وسلمه إلى أحد المرافقين له. وبعد ساعة قضاها الأمير في الصلاة، خرج فتابع رحلته. ووصل في السادسة مساء إلى (جامع الغزوات) حيث اتخذه الدوق دومال مقرا له. وعندما تمت المقابلة بحضور القادة الإفرنسيين، قال الأمير للدوق (أن الجنرال - لامورسيير) قد أعطاني وعدا، وإني أثق به كل الثقة، ولست أخشى أن يخلفه ابن ملك عظيم مثل ملك الإفرنسيين) أقام (الدوق دومال) عرضا للقوات الإفرنسية في الجزائر، في اليوم التالي، ووقف الأمير إلى جانب الدوق، وعند انتهاء العرض، قدم الأمير للدوق جواده، وقال له: (إنني أقدم إليك هذا الجواد الذي هو آخر جواد امتطيته، لقد كان جوادي المفضل، ولكن يحب أن نفترق الآن) وأجابه الدوق: (إنني أقبله باعتباره إكراما لفرنسا، البلد الذي ستمتد حمايته إليك منذ الآن وعلامة على أن الماضي قد نسي).
وركب الأمير وعائلته ومرافقيه وأتباعه (ومجموعهم ثمانية وثمانين شخصا) السفينة (إسمودس) يوم ٢٠ كانون الأول - ديسمبر - ١٨٤٧ م. واتجهت السفينة إلى طولون. وباعت فرنسا كل ممتلكات الأمير وحقائبه وخيامه وجياده وبغاله وإبله، بمبلغ (٦) آلاف فرنك، ولكن حتى هذا المبلغ التافه لم يقدم له إلا على شكل صدقة وبالتقسيط.
وعمت فرسا أنباء استسلام الأمير، فاستقبل الإفرنسيون (شعبا وحكومة) ذلك بفرح طاغ وبهجة عارمة، لقد أصبحت الجزائر الآن (مستعمرة فرنسية). وأصبح باستطاعة فرنسا الآن سحب (مائة ألف جندي) لاستخدامهم حيث تتطلب الحاجة.
стр. 737
خرج السيف من غمده، وغادر الأمير أرض الأباء والأجداد، وودع السلاح، مستسلما لقدره بإيمان ثابت، وعزيمة صلبة ليجابه الصعاب على امتداد سنوات العمر.
ـ[الحمد لله وحده .....]ـ
رسالة بخط الأمير إلى العالم دي سيفري في ١٨٥٢
стр. 738
١٠ - وداعا يا جزائر الأحرار
(١٨٤٨ - ١٨٥٢)
الأمير في سجون فرنسا
وداعا يا جزائر الأحرار! وداعا يا جزائر المسلمين المجاهدين الصابرين!
ومضى الأمير، وما كاد يصل (طولون) حتى وجد نفسه وعائلته وحاشيته في القيود، لقد فرضت فرنسا عليهم الإقامة في قلعة (لامالق). واحتج الأمير، فعرضت عليه فرنسا اختيار البقاء في فرنسا ومنحه قصرا لإقامته وحاشيته، غير أن الأمير رفض كل العروض والإغراءات. لقد كان يفضل البقاء في ديار الإسلام عن كل كنوز أعدائه وثرواتهم. ولم تمض عليه فترة طويلة في سجنه حتى بلغته أخبار انهيار (ملكية لويس فيليب) في ٢٨ شباط - فبراير - ١٨٤٨ م. وعرف أن الضمانات التي قدمت له قد زالت بزوال الحكم الذي تعهده له بها، على الرغم من غدر هذا الحكم بما تعهد به. فكتب (الأمير من سجنه) إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية. منددا بما لحق به من غدر. فكان كل ما فعلته حكومة الجمهورية أن نقلته إلى قصر (هنري الرابع) في مدينة (بو) (١) والتي وصلها الأمير يوم ٢٠ نيسان - أبريل - ١٨٤٨م. وكان
стр. 739
يتردد على الأمير في هذه المرحلة بعض القادة الإفرنسيين والأساقفة، وقد أذهل الأمير جميع زواره بثباته، رغم ما نزل به من البلاء بفقد أعز الناس لديه (ابنه وابنته وابن أخيه) الذين قضوا حياتهم بين يديه، وكان الأمير يمضي وقته بالعبادة صابرا محتسبا متجلدا. صلبا كجبال الأوراس، غير أن هذه القوة كانت تنهار لدى تذكر أولئك - أخوان الجهاد الذين سقطوا فوق ثرى الجزائر الطهور، وهم يرفعون راية الجهاد في سبيل الله، فتترقرق عيون الأمير بالدمع لتذكرهم. وحاول الإفرنسيون فصل الأمير عن حاشيته واتباعه، غير أن هؤلاء هددوا بالموت إن هم أبعدوهم عن أميرهم. أصبح (لامورسيير) وزيرا للحربية الإفرنسية في (حزيران - يونيو - ١٨٤٨) وكتب له الأمير مذكرا بوعده الشخصي، علاوة على ما يجب أن يلتزم به من الشرف باعتباره ممثلا لفرنسا. وفي حالة من حالات اليأس، فكر أتباع الأمير بعملية انتحارية للموات من أجل إثارة قضية الأمير، وذلك بالتصدي للحرس المسلح، وخوض الصراع معه، وعلم وزير الحربية بذلك، فقرر نقل الأمير وحاشيته إلى (قصر امبواز) (١) وتم ذلك يوم ٢٢ تشرين الثانى - نوفمبر - ١٨٤٨ م. وصعد (لويس نابوليون) إلى عرش فرنسا، وبعد ٢٤ يوم من انتخابه، تم عقد مؤتمر لمناقشة قضية الأمير عبد القادر (يوم ١٤ كانون الثاني - يناير - ١٨٤٩) ووقف نابوليون الثالث إلى جانب طلب الأمير في الإفراج عنه، والسماح له بالتوجه إلى البلد الذي يريد، غير أن (الجنرالات) عارضوا ذلك. وأرسل (بيجو)
стр. 740
رسالة إلى الأمير يقترح فيها على الأمير البقاء في فرنسا واعتبارها وطنا له. غير أن الأمير عاد فرفض هذا العرض مفضلا السجن على (الاستمتاع بمباهح فرنسا وطبيعتها الجميلة - وفقا لما اقترحه بيجو)، وظهر أن إقامة الأمير في سجن (أمبواز) ستكون طويلة، وأسلم الأمير أمره لربه، ومضى في عبادته وفق نظام دقيق اختطه لنفسه، وأثناء هذه الفترة أنجز مؤلفيه (وحدانية الله) و (ذكرى العاقل وتنبيه الغافل). ومضت الأيام متثاقلة. حتى إذا ما أقبل يوم ١٦ تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٠٢م وصلت إلى الأمير رسالة من نابوليون شعر منها الأمير بقرب الإفراج عنه. وتوجه الأمير إلى (باريس) في ٢٨ تشرين الثاني - أكتوبر
حيث أجريت له اسقبالات شعبية ورسمية. وقام بزيارة عدد من الأماكن التاريخية والأثرية (الأوبرا، وكنيسة سانت كلود) وهناك قدمت إلى الأمير ورقة مكتوبة - يلتزم فيها الأمير بوعد خطي ألا يعود لحمل السلاح. وجاء فيها (الحمد لله وحده، أدام الله حفظه ورعيته على مولانا لويس نابليون، وهداه وأرشده في أحكامه وحكمه. إن الذي يقدم إليك نفسه هو عبد القادر بن محيي الدين، لقد جئت لسموك لأشكرك على أفضالك ولأمتع نفسي بالنظر في طلعتك. إنك في الحقيقة أعز علي من أي صديق آخر، لأنك غمرتني بفضل يتجاوز قوة الشكر لك عندي. ولكنه جدير بنبل شخصك وعظمة مكانتك. فرفع الله قدرك. إنك لست من أولئك الذين يقيمون اعتراضات بلا طائل، أو يخيبهم الرياء والنفاق. لقد وضعت ثقتك في، ولم تصغ إلى الذين لا يثقون بي. لقد منحتني الحرية، وأنجزت تعهدات كان الآخرون قد التزموا بها دون أن ينجزوها. بل إنك فعلت ذلك دون أن تأخذ مني أي وعد. إنني إذن جئت لأقسم لك بالله العظيم، وبكل الأنبياء والرسل، أن لا أفعل شيئا يتنافى مع الثقة التي وضعتها في،