← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

سيفه، وسلمه إلى أحد المرافقين له. وبعد ساعة قضاها الأمير في الصلاة، خرج فتابع رحلته. ووصل في السادسة مساء إلى (جامع الغزوات) حيث اتخذه الدوق دومال مقرا له. وعندما تمت المقابلة بحضور القادة الإفرنسيين، قال الأمير للدوق (أن الجنرال - لامورسيير) قد أعطاني وعدا، وإني أثق به كل الثقة، ولست أخشى أن يخلفه ابن ملك عظيم مثل ملك الإفرنسيين) أقام (الدوق دومال) عرضا للقوات الإفرنسية في الجزائر، في اليوم التالي، ووقف الأمير إلى جانب الدوق، وعند انتهاء العرض، قدم الأمير للدوق جواده، وقال له: (إنني أقدم إليك هذا الجواد الذي هو آخر جواد امتطيته، لقد كان جوادي المفضل، ولكن يحب أن نفترق الآن) وأجابه الدوق: (إنني أقبله باعتباره إكراما لفرنسا، البلد الذي ستمتد حمايته إليك منذ الآن وعلامة على أن الماضي قد نسي). وركب الأمير وعائلته ومرافقيه وأتباعه (ومجموعهم ثمانية وثمانين شخصا) السفينة (إسمودس) يوم ٢٠ كانون الأول - ديسمبر - ١٨٤٧ م. واتجهت السفينة إلى طولون. وباعت فرنسا كل ممتلكات الأمير وحقائبه وخيامه وجياده وبغاله وإبله، بمبلغ (٦) آلاف فرنك، ولكن حتى هذا المبلغ التافه لم يقدم له إلا على شكل صدقة وبالتقسيط. وعمت فرسا أنباء استسلام الأمير، فاستقبل الإفرنسيون (شعبا وحكومة) ذلك بفرح طاغ وبهجة عارمة، لقد أصبحت الجزائر الآن (مستعمرة فرنسية). وأصبح باستطاعة فرنسا الآن سحب (مائة ألف جندي) لاستخدامهم حيث تتطلب الحاجة.

стр. 737

خرج السيف من غمده، وغادر الأمير أرض الأباء والأجداد، وودع السلاح، مستسلما لقدره بإيمان ثابت، وعزيمة صلبة ليجابه الصعاب على امتداد سنوات العمر. ـ[الحمد لله وحده .....]ـ رسالة بخط الأمير إلى العالم دي سيفري في ١٨٥٢

стр. 738

١٠ - وداعا يا جزائر الأحرار (١٨٤٨ - ١٨٥٢) الأمير في سجون فرنسا وداعا يا جزائر الأحرار! وداعا يا جزائر المسلمين المجاهدين الصابرين! ومضى الأمير، وما كاد يصل (طولون) حتى وجد نفسه وعائلته وحاشيته في القيود، لقد فرضت فرنسا عليهم الإقامة في قلعة (لامالق). واحتج الأمير، فعرضت عليه فرنسا اختيار البقاء في فرنسا ومنحه قصرا لإقامته وحاشيته، غير أن الأمير رفض كل العروض والإغراءات. لقد كان يفضل البقاء في ديار الإسلام عن كل كنوز أعدائه وثرواتهم. ولم تمض عليه فترة طويلة في سجنه حتى بلغته أخبار انهيار (ملكية لويس فيليب) في ٢٨ شباط - فبراير - ١٨٤٨ م. وعرف أن الضمانات التي قدمت له قد زالت بزوال الحكم الذي تعهده له بها، على الرغم من غدر هذا الحكم بما تعهد به. فكتب (الأمير من سجنه) إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية. منددا بما لحق به من غدر. فكان كل ما فعلته حكومة الجمهورية أن نقلته إلى قصر (هنري الرابع) في مدينة (بو) (١) والتي وصلها الأمير يوم ٢٠ نيسان - أبريل - ١٨٤٨م. وكان

стр. 739

يتردد على الأمير في هذه المرحلة بعض القادة الإفرنسيين والأساقفة، وقد أذهل الأمير جميع زواره بثباته، رغم ما نزل به من البلاء بفقد أعز الناس لديه (ابنه وابنته وابن أخيه) الذين قضوا حياتهم بين يديه، وكان الأمير يمضي وقته بالعبادة صابرا محتسبا متجلدا. صلبا كجبال الأوراس، غير أن هذه القوة كانت تنهار لدى تذكر أولئك - أخوان الجهاد الذين سقطوا فوق ثرى الجزائر الطهور، وهم يرفعون راية الجهاد في سبيل الله، فتترقرق عيون الأمير بالدمع لتذكرهم. وحاول الإفرنسيون فصل الأمير عن حاشيته واتباعه، غير أن هؤلاء هددوا بالموت إن هم أبعدوهم عن أميرهم. أصبح (لامورسيير) وزيرا للحربية الإفرنسية في (حزيران - يونيو - ١٨٤٨) وكتب له الأمير مذكرا بوعده الشخصي، علاوة على ما يجب أن يلتزم به من الشرف باعتباره ممثلا لفرنسا. وفي حالة من حالات اليأس، فكر أتباع الأمير بعملية انتحارية للموات من أجل إثارة قضية الأمير، وذلك بالتصدي للحرس المسلح، وخوض الصراع معه، وعلم وزير الحربية بذلك، فقرر نقل الأمير وحاشيته إلى (قصر امبواز) (١) وتم ذلك يوم ٢٢ تشرين الثانى - نوفمبر - ١٨٤٨ م. وصعد (لويس نابوليون) إلى عرش فرنسا، وبعد ٢٤ يوم من انتخابه، تم عقد مؤتمر لمناقشة قضية الأمير عبد القادر (يوم ١٤ كانون الثاني - يناير - ١٨٤٩) ووقف نابوليون الثالث إلى جانب طلب الأمير في الإفراج عنه، والسماح له بالتوجه إلى البلد الذي يريد، غير أن (الجنرالات) عارضوا ذلك. وأرسل (بيجو)

стр. 740

رسالة إلى الأمير يقترح فيها على الأمير البقاء في فرنسا واعتبارها وطنا له. غير أن الأمير عاد فرفض هذا العرض مفضلا السجن على (الاستمتاع بمباهح فرنسا وطبيعتها الجميلة - وفقا لما اقترحه بيجو)، وظهر أن إقامة الأمير في سجن (أمبواز) ستكون طويلة، وأسلم الأمير أمره لربه، ومضى في عبادته وفق نظام دقيق اختطه لنفسه، وأثناء هذه الفترة أنجز مؤلفيه (وحدانية الله) و (ذكرى العاقل وتنبيه الغافل). ومضت الأيام متثاقلة. حتى إذا ما أقبل يوم ١٦ تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٠٢م وصلت إلى الأمير رسالة من نابوليون شعر منها الأمير بقرب الإفراج عنه. وتوجه الأمير إلى (باريس) في ٢٨ تشرين الثاني - أكتوبر حيث أجريت له اسقبالات شعبية ورسمية. وقام بزيارة عدد من الأماكن التاريخية والأثرية (الأوبرا، وكنيسة سانت كلود) وهناك قدمت إلى الأمير ورقة مكتوبة - يلتزم فيها الأمير بوعد خطي ألا يعود لحمل السلاح. وجاء فيها (الحمد لله وحده، أدام الله حفظه ورعيته على مولانا لويس نابليون، وهداه وأرشده في أحكامه وحكمه. إن الذي يقدم إليك نفسه هو عبد القادر بن محيي الدين، لقد جئت لسموك لأشكرك على أفضالك ولأمتع نفسي بالنظر في طلعتك. إنك في الحقيقة أعز علي من أي صديق آخر، لأنك غمرتني بفضل يتجاوز قوة الشكر لك عندي. ولكنه جدير بنبل شخصك وعظمة مكانتك. فرفع الله قدرك. إنك لست من أولئك الذين يقيمون اعتراضات بلا طائل، أو يخيبهم الرياء والنفاق. لقد وضعت ثقتك في، ولم تصغ إلى الذين لا يثقون بي. لقد منحتني الحرية، وأنجزت تعهدات كان الآخرون قد التزموا بها دون أن ينجزوها. بل إنك فعلت ذلك دون أن تأخذ مني أي وعد. إنني إذن جئت لأقسم لك بالله العظيم، وبكل الأنبياء والرسل، أن لا أفعل شيئا يتنافى مع الثقة التي وضعتها في،

стр. 741

وعلي أن ألتزم بهذا القسم التزاما دينيا بأن لا أعود أبدا إلى الجزائر. فعندما أمرني الله بالنهوض، نهضت، وقد استعملت البارود إلى أقصى حد مكنتني منه وسائلي وطاقتي. ولكن عندما أمرني بالتوقف توقفت، وعند ذلك فقط تخليت عن السلطة واستسلمت. إن ديني وشرفي يأمرانني بالاحتفاظ بقسمي، ويستنكران الحنث. إنني شريف، وليس هناك من سيتهمني بالخيانة. وكيف يمكن أن يقع ذلك مني بعد أن نلت أفضالا عظيمة على يديك. إن الإحسان سلسلة ذهبية تطوق عنق الإنسان النبيل. إنني أغامر بأن آمل أن ستتفضل بالتفكير في حتى عندما أكون بعيدا عنك، وإنك ستضعني في قائمة أصدقائك المقربين، لأنني وإن كنت قد لا أساويهم خدمة لك، فإنني على الأقل أساويهم في حبهم لك، ضاعف الله من حب أولئك الذين يحبونك، وصعق قلوب أعدائك). ورد لويس نابليون على ذلك بقوله: (يا عبد القادر، إنني لم أفقد فيك ثقتي أبدا، وليس لي حاجة إلى هذه الورقة المكتوبة التي تفضلت بتقديمها إلي بكل نبل، إنني لم أطلب منك أبدا، كما تعلم، وعدا أو قسما. ومع ذلك فقد اخترت أن تكب، وأن تقدم بين يدي هذه الوثيقة. إنني أقبلها. إن هذا الإقرار العاطفي منك وشعورك نحوي قد برهن لي على أنني كنت على حق عندما وضعت فيك ثقتي غير المحدودة). أمضى الأمير عبد القادر بعد ذلك أياما في زيارة معالم باريس (فرساي، كنيسة المادلين، الانفاليد) كما زار المستشفيات، وزاره الوزراء ورجال الدين المسيحي، وكبار القادة، والضباط الذين كانوا

стр. 742

أسرى لديه ثم أطلق سراحهم، (بصورة خاصة أولئك الذين تم إطلاق سراحهم في ٢١ أيار - مايو - سنة ١٨٤١ في (سيدي خليفة) وهو التبادل الشهير الذي تم بناء على وساطة أسقف الجزائر (دوبوش) وعندما جرى انتخاب لويس نابليون امبراطورا لفرنسا يوم ٢١ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٥٢ طلب الأمير إعطاءه حق الانتخاب، فأدلى بصوته، واشترك في احتفالات التنصيب (في التويلري) ثم جاء يوم ٢١ كانون الأول - ديسمبر - ١٨٥٢، وفيه صعد الأمير وحاشيته السفينة (لابرادور) التي أقلتهم إلى (صقليا) ومنها إلى اسطنبول، حيث وصلها يوم ٧ كانون الثاني - يناير - ١٨٥٣. وأقيمت احتفالات لاستقبال الأمير، وزاره وزراء الدولة ثم انتقل بعد ذلك إلى جزيرة (بروسة) فأقام فيها ثلاث سنوات، وحينما تعرضت للزلزال الشهير (سنة ١٨٥٥) أظهر الأمير رغبته في الانتقال إلى دمشق، حيث وصلها في نهاية تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٥٦. فتحت (دمشق) عاصمة المسلمين وقاعدة مجد الأمويين ذراعيها للأمير، واحتضنته كسيف من أشهر سيوف الإسلام. وكانت قد استقبلت أفواج المجاهدين المسلمين الدين رفضوا البقاء تحت حكم (الكفار) فوجدوا في دمشق غايتهم، وأقاموا في حي مستقل بهم عرف بحي المغاربة. وجمعت دمشق شمل السيوف، وضمت الأهل إلى الأهل. مضى الأمير لممارسة حياته العادية، واختار من مسجد بني أمية قاعدة له، فكان يمضي فيه معظم وقته في تدارس العلم مع العلماء وطلبة العلم، وأحب الأمير دمشق بقدر ما احبته وفتح لها قلبه بقدر ما فتحت له قلبها.

стр. 743

أثناء ذلك كانت بلاد الشام تتمخض عن أحداث مثيرة (فقد كان الإنكليز يبسطون حمايتهم على الدروز بعد أن شملت فرنسا النصارى بحمايتها بينما أخذت روسيا على عاتقها حماية الكنيسة الأرثوذكسية) وأخذت هذه الدول في تسليح الطوائف التابعة لها وتحريضها على التمرد والثورة. الأمر الذي انتهى بما هو معروف شعبيا باسم (طوشة النصارى) التي انفجرت في أيار - مايو - ١٨٦٠. وإذ ذاك، دفع الأمير فرسانه المسلحين لحماية النصارى من الدروز، وأمكنه خلال أيام الفتنة العشرة حماية الآلاف منهم (بما في ذلك قناصل الدول الأجنبية). لقد أمنت فرنسا للأمير دخلا يكفيه له ولعائلته وأتباعه (أربعة آلاف جنيه استرليني سنويا). واستخدم الأمير فائض هذا المبلغ على المعوزين وفي سبيل العلم، حيث حرص على جمع أكبر قدر من المخطوطات القديمة التي حرصت دمشق دائما على اقتنائها وحفظها. وها هو الآن يحظى بتكريم كل الدول المسيحية التي اعترفت بجميله فأرسلت إليه أرفع الأوسمة لقاء ما قدمه من خدمات في حماية المسيحيين الذين كان يحاربهم بالأمس كمستعمرين وهو ينقذهم اليوم (كذميين) في حماية الإسلام (وبلغ عدد من أنقذهم الأمير - ١٥ - ألفا). غادر الأمير عبد القادر دمشق - بعد الحصول على تصريح من نابليون الثالث - في سنة ١٨٦٣ للقيام بالحج. واستقبله شريف مكة بما هو أهل له من التكريم وأقام حجتين مجاورا، ثم غادر الديار المقدسة عائدا إلى بلاد الشام. وتوقف بالإسكندرية في حزيران - يونيو - ١٨٦٤ م.

стр. 744

كانت الماسونية في تلك الفترة في أوج نشاطها، غير أنها لم تكن معروفة الأهداف، وكانت تسعى لضم كبار القوم حتى تكتسب زخما معنويا. وفي مساء يوم ١٨ حزيران - يونيو - أقامت الجمعية الماسونية في الإسكندرية حفلا كبيرا للترحيب بالعضو الجديد الشهير. ودعى المحفل الماسوني (المعروف بمحفل الأهرام) كبار أعضائه للاحتفال بهذه المناسبة، وأضيفت صفة , (مجاور النبي) إلى جوار عبارة (ماسوني حر ومقبول). وعاد إلى دمشق فوصلها في نهاية شهر تموز - يوليو - ١٨٦٤ بعد أن أنهى تسجيل أرض منحه إياها والي مصر. وصل الأمير عبد القادر إلى مبتغاه، جمع خير الدنيا والآخرة، فمضى يتابع رحلة العمر وقد أثقلت السنون كاهله، فتفرغ للعبادة والعلم، وأشرف على أهله وعشيرته، وقضى بقية حياته في مثافنة العلماء، وإسداء الخيرات، وكان كل يوم يقوم الفجر، ويصل الصبح في مسجد قريب من داره في حي (العمارة) لا يتخلف عن ذلك إلا لمرض، وكان يتهجد الليل. ويمارس في رمصان الرياضة على طريقة الصوفية. وما زال مثالا للبر والتقوى حتى توفي ﵀ في سنة ١٨٨٣، فدفن بمقام الشيخ محيي الدين بن العربي. وترك من الأمراء محمد باشا، ومحيي الدين باشا والهاشمي وإبراهيم وأحمد وعبد الله وعلي وعبد الرزاق وعبد المالك، فالأمير محمد ومحيي الدين انتقلا إلى الأستانة وجعلتهما الدولة في مجلس الأعيان إلى أن توفيا، وكان الثاني منهما (محيي الدين) شاعرا أديبا، عالي الهمة، وذهب سنة ١٨٧٠ بدون علم أبيه إلى الجزائر للاشتراك في ثورة المقراني والحداد (ثورة القبائل) فلما بلغ الخبر أباه أعلن سخطه عليه لأن الأمير بعدما أعطى عهده لفرنسا حافظ على قوله إلى الممات. وأما الهاشمي فمن ولده الأمير خالد الذي تزعم الحركة الوطنية في الجزائر سنة ١٨٢٠. وكذلك

стр. 745

الأمر بالنسبة لبقية الإخوة والأبناء الذين تابعوا طريق الجهاد على سيرة الأمير وخطاه. وأفاقت الجزائر على ثورة الفاتح من نوفمبر (١٩٥٤) وخاضت الصراع المرير حتى تم لها الاسقلال ووقفت تبحث عن كل تراث الأجداد الذين بذلوا وضحوا في سبيل الله وفي سبيل الوطن الجزائري. ولم تنس رائدها الأول، ومؤسس دولتها. فطلبت إلى دمشق إعادة (السيف إلى غمده). وحملت رفاة الأمير لتستقر إلى جوار المجاهدين الأبرار الذين مزقتهم سيوف الأعداء - فوحدتهم سيوف المجاهدين الأحفاد وأعادتهم إلى ميادين جهادهم.

стр. 746

قراءات ١ - معاهدة عبد القادر - دو ميشال (١٨٣٤ م). ٢ - معاهدة عبد القادر - بيجو (١٨٣٧ م). ٣ - من رسالة الأمير عبد القادر إلى ملك فرنسا لويس فيليب (١٨٣٩). ٤ - من رسالتين إلى المارشال (١٨٤٠). ٥ - لوحة حضارية نقلتها فرنسا إلى الجزائر (الأرتال الجهنمية).

стр. 747

جندي من المشاة النظاميين التابعين لعبد القادر

стр. 748

(١) معاهدة الأمير عبد القادر - دو ميشال (٢٦ شباط فبراير - ١٨٣٤ م) إن الجنرال دوميشال قائد القوات الإفرنسية في إقليم وهران، وأمير المؤمنين سيدي الحاج عبد القادر بن محيي الدين قررا العمل بالشروط التالية: المادة الأولى: يتوقف النزاع بين الإفرنسيين والعرب ابتداء من اليوم، ويبذل القائد العام للقوات الإفرنسية وأمير المؤمنين جهدهما، كل من جهته، لإحلال الود والإخلاص بين شعبين حكم الله عليهما أن يعيشا تحت نفس السلطة. ولهذا الغرض، سيرسل أمير المؤمنين ثلاثة قناصل من جهته، أحدهم إلى وهران، وثانيهم إلى أرزيو، وثالثهم إلى مستغانم. وسيرسل الجنرال من جهته أيضا قناصل إلى معسكر لمنع النزاع بين الإفرنسيين والعرب. المادة الثانية: ستكون عادات المسلمين وديانتهم دائما موضع الاحترام والحماية. المادة الثالثة: يتم إطلاق سراح المساجين الإفرنسيين فورا، وكذلك المساجين العرب. المادة الرابعة: ستكون السوق حرة ولن يعترض أي من الطرفين فيها طريق الآخر.

стр. 749

المادة الخامسة: يجب على العرب إعادة كل العسكريين الذين يفرون من عند الإفرنسيين وتسليمهم إلى السلطات الإفرنسية. ومقابل ذلك يقوم الإفرنسيون بتسليم العرب الذين يلجؤون إليهم فرارا من العقوبة عن مخالفة ارتكبوها، ويتم تسليم هؤلاء فورا - في عين المكان - إلى قنصل الأمير في وهران أو في أرزيو أو في مستغانم. المادة السادسة: يحمل كل أوروبي يريد التنقل داخل البلاد جواز سفر عليه ختم قنصل الأمير وختم القائد العام للإقليم، حتى يكون حامل هذا الجواز محل احترام وحماية أينما حل في البلاد (١). (كتبت هذه الشروط في أعمدة متوازية بالعربية والإفرنسية ووقعها وختمها أمير المؤمنين عبد القادر والقائد الإفرنسي دوميشال - في ٢٦ شباط - فبراير - ١٨٣٤ م).

стр. 750

(٢) معاهدة الأمير عبد القادر - بيجو (معاهدة تافنة) ٢٣ صفر ١٢٣ هـ = ٢٠ أيار - مايو ١٨٣٧م إن اليوتنان جنرال بيجو قائد الجيوش الإفرنسية في إقليم وهران، والأمير عبد القادر، قد اتفقا فيما بينهما على الشروط التالية: المادة الأولى: يعترف الأمير عبد القادر بالسلطة الإفرسية في أفريقية (في الجزائر). المادة الثانية: تحتفظ فرنسا لنفسها في وطن بلاد وهران ومستغانم ومازغران ونواحيها (المحيطة) بوهران وأرزيو، ومنطقة أخرى محددة كما يلي: من الشرق بنهر المقطع والسباخ التي يجري فيها ومن الجنوب بخط يبدأ من السباخ المذكورة مارا بالضفة الجنوبية للبحيرة وممتدا إلى وادي المالح في اتجاه سيدي سعيد، ومن هذا النهر إلى البحر سيكون تابعا للإفرنسيين. أما في إقليم الجزائر فتعتبر منطقة إفرنسية: مدينة الجزائر والساحل وسهل متيجه (متوجة) محدودا من الشرق بوادي القدرة (أو الخضرة) إلى قدام وقبله لحد رأس أول جبل حتى وادي شفة، وداخل في ذلك البليدة وسائر نواحيها، وغربا من شفة إلى المد المقابل لوادي مزغران (مازغنان) ومن هناك خط مساوي لحد البحر، ومتضمن في هذا الحد القليعة وكامل نواحيها.

стр. 751

المادة الثالثة: يحكم الأمير إقليم وهران وإقليم تيطري (المدية) والجزء الذي لم يقع النص عليه من الشرق في الحدود المذكورة في المادة الثانية من إقليم مدينة الجزائر. وليس له حق الدخول في أي جزء آخر من الولاية. المادة الرابعة: ليس للأمير أي سلطة على المسلمين الذين يرغبون في الإقامة في المنطقة التابعة لفرنسا. ولكن لهؤلاء حرية الانتقال منها والإقامة في المنطقة التابعة للأمير. وفي نفس الوقت يمكن للسكان المقيمين في المناطق التابعة للأمير أن ينتقلوا منها ويقيموا في المناطق الإفرنسية. المادة الخامسة: يتمتع العرب المقيمون في المنطقة الإفرنسية بحرياتهم الدينية، ويمكنهم إقامة المساجد، وممارسة شعائرهم الدينية في كل خصوصياتها، تحت سلطة قضائهم ورجال دينهم. المادة السادسة: يقدم الأمير للجيش الإفرنسي (٣٠) ألف مكيال من القمح و (٣٠) ألف مكيال من الشعير و (٥) آلاف رأس من البقر. ويتم تسليم هذه المواد في وهران على ثلاث مرات أولها في ١٥ أيلول - سبتمبر - ١٨٣٧م. أما الباقي فبعد كل شهرين متتاليين. المادة السابعة: يستطيع الأمير أن يشتري من فرنسا البارود والكبريت والأسلحة التي يحتاجها. المادة الثامنة: للكراغلة الذين يرغبون البقاء في تلمسان أو في غيرها، حرية التمتع بأملاكهم هناك. وسيعاملون كمواطين. أما أولئك الذين يرغبون في الانتقال إلى المنطقة الإفرنسية، فلهم أن يبيعوا أو يؤجروا أملاكهم بحرية.

стр. 752

المادة التاسعة: تتخلى فرنسا للأمير عن (راشقون - أورشقرن) و (تلمسان وقلعتها) وكل المدافع التي كانت فيها قديما. ويتعهد الأمير بنقل كل الأمتعة إلى وهران. بالإضافة إلى العتاد الحربي التابع للحامية الإفرنسية في تلمسان. المادة العاشرة: تبقى المبادلات التجارية بين العرب والإفرنسيين حرة، ويمكن لكل طرف أن يقيم مبادلة في منطقة الآخر. المادة الحادية عشرة: سيكون الإفرنسيون محل احترام بين العرب، وكذلك العرب بين الإفرنسيين. وتكون الأسلحة والأملاك التي اقتناها الإفرنسيون، أو التي يمكن لهم أن يقتنوها في المنطقة العربية مضمونة لهم. ويستطيعون التصرف بما يقتنونه - يمتلكونه - بحرية، ويتعهد الأمير بتعويضهم عن أي خسارة قد سببها العرب لهم. المادة الثانية عشرة: يتعهد الأمير بعدم تسليم أي جزء من الساحل إلى أية دولة أجنبية مهما كانت بدون إذن فرنسا. المادة الثالثة عشرة: يعاد الجحرمون في كلتا المنطقتين مبادلة. المادة الرابعة عشرة: لا تجوز المعاملات التجارية للولاية إلا في الموانىء الإفرنسية. المادة الخاسة عشرة: تبقى فرنسا على ممثلين لها لدى الأمير، وفي المدن الخاضعة لسلطته حتى يعملوا كوسطاء لصالح الرعايا الإفرنسيين. وللنظر في كل الخصومات التجارية التي قد تنجم بينهم وبين العرب. ويتمتع الأمير بنفس الامتياز في المدن والموانىء الإفرنسية. كتب (برشقون) في ٢٦ سفر عام ١٢٥٣ هـ. التافنة - في ٣١ أيار - مايو - ١٨٣٧ م.

стр. 753

ختم الأمير عبد القادر تحت النص العربي. ختم الجنرال بيجو تحت النص الإفرنسي (١). وأقيم نصب تذكاري، في موضع تبادل وثائق معاهدة تافنا (تافنة) كتب فيه ما يلي: (في السادس والعشرين من شهر صفر سنة ١٢٠٣ الموافق لفاتح يوليو سنة ١٨٣٧ م وعلى الساعة الثالثة مساء غداة التوقيع على معاهدة تافنة التي اعترفت فرنسا بمقتضاها بالدولة الجزائرية الحرة السيدة تقبل الأمير عبد القادر بهذا المكان ووسط جيوشا آيات التكريم والإجلال من الجنرال بيجو قائد الجيوش الفرنسية النازلة بمنطقة وهران).

стр. 754

(٣) من رسالة الأمير عبد القادر إلى ملك فرنسا (لويس فيليب) وجه الأمير عبد القادر في سنة ١٨٣٩ مجموعة من الرسائل إلى القادة الإفرنسيين يحضهم على الالتزام بنصوص معاهدة (تافنة). وعندما شعر بنواياهم السيئة، كتب إلى ملك فرنسا رسالة جاء فيها: (الحمد لله وحده. من عبد الله الحاج عبد القادر بن محيي الدين أمير المؤمنين - إلى سعادة لويس فيليب - ملك الإفرنسيين، أطال الله حكمه، وجعله سعيدا ومجيدا. أما بعد. فإنه منذ ظهور الإسلام كان المسلمون والمسيحيون في حرب. وقد كان هذا يعتبر واجبا مقدسا لدى الطرفيين. ولكن المسيحيين، بعد أن نسوا دينهم ومبادئه، أصبحوا ينظرون إلى الحرب مجرد وسيلة للتوسع الدنيوي أما بالنسبة إلى المسلمين الحقيقيين فهم على النقيض من ذلك، ينظرون إلى الحرب ضد المسيحيين على أنها مجرد التزام ديني. وهل هناك أهم من هذا الالتزام حينما جاء المسيحيون للاعتداء على أرض إسلامية! وبناء على هذا المبدأ فقد حدت عن القواعد التي نص عليها كتابنا المقدس، عندما وقعت معكم أنتم ملك المسيحيين،

стр. 755

منذ سنتين، معاهدة سلام، وبالأخص عندما بذلت كل جهودي لتدعيم هذا السلام بكل الوسائل التي كانت لدي. إنكم تعلمون الواجبات التي يفرضها القرآن الكريم على كل حاكم مسلم. إذن، الواجب عليكم شكري على ما قمت به شخصيا لتخفيف صرامة أحكامه نحوكم. إنك تطلب مني تضحية تتنافى وديني، وهي الخضوع. وأراك أعدل من أن تكلفني مثل هذا. إنك تطلب مني أن أتخلى عن قبائل - هم إخواني في الدين - تلقيت منهم الوفاء والطاعة، وجاءوا بأنفسهم راضين يدفعون إلي ما فرضه القرآن من جزية، وتضرعوا إلي وما زالوا بأن أكون عليهم أميرا. وقد جلت بنفسي عبر مناطقهم - والتي هي خارجة عن الحدود التي خصصتها المعاهدة لفرنسا - وتريدون مني اليوم أن أطلب من هذه القبائل أن تخضع لهيمنة المسيحيين. أبدا. وإذا كان الإفرنسيون أصدقائي، فليس لهم أن يطلبوا مني شيئا يحط من قيمتي لدى شعبي) ...

стр. 756

(٤) رسالتين من أمير المؤمنين عبد القادر إلى الماريشال بيجو أصيبت القوات الإفرنسية بمجموعة من الهزائم التي باتت تتهدد عملية (الغزو) بكاملها بالفشل، فعملت الحكومة الإفرنسية على إجراء تغيير شامل في أجهزتها القيادية العسكرية، وعينت الماريشال بيجو قائدا عاما في بداية سنة ١٨٤٠ م. ودعمت قواتها بالجزائر، ووصل بيجو (الأسد العجوز) كما لقبوه، وشرع على الفور بإعادة دراسة الخطط العسكرية والاستعداد لتطوير عملية الغزو الاستعماري بهدف إخضاع (الأمير عبد القادر) الذي كان يتابع عن طريق جواسيسه ما يحدث في العاصمة - الجزائر - فكتب إلى الماريشال (بيجو) رسالتين، جاء فيهما: ١ - (السلام على من اتبع الهدى واجتنب الردى. أما بعد: لقد بلغي أنكم جئتم من فرنسا إلى الجزائر لقتالنا بما يزيد على ثمانين ألف جندي، زيادة على جنودكم السابقة فيها، فاعلموا أني بعون الله تعالى وقوته لا أخشى كثرتكم، ولا أهتم بقوتكم، لعلمي أنكم لا تضروني بشيء إلا أن يشاء الله. ولا يلحقني منكم إلا ما قدره الله علي، وإنني منذ أقامني الله في هذا الأمر وجعلني خصما لكم، ما

стр. 757

قاتلتكم بجنود يزيد عددهم على ثلث عدد جنودكم التي تحاربوني بها، ومدة ملكي لا يخفى ثماني سنين، ومدة ملككم يتعدى مئات من السنين، وآلاتكم الحربية قوية، ومع هذا البون الشاسع الذي بيني وبينكم، فإني أعرض عليكم أمرين فاختاروا واحدا منهما: إما أن تعطوني ما أحتاج إليه من أدوات الحرب بالشراء. ثم أنظم جنودي، وإما أن تبقوا في مواضعكم التي تغلبتم عليها، وأبقى أنا في بلادي التي تحت حكمي ثم لا يقرب أحدنا من الآخر مدة اثني عشر سنة، فيبلغ عمر ملكي عشرين سنة. وحينئذ أقاتلكم، فإن غلبتم فلا عار عليكم، إذ يقال غلبكم رجل له قوة عشرين سنة، وإن انتصرتم تكونوا قد انتصرتم على رجل له قوة فيحصل لكم الفخر، وأما اليوم، فانتصاري عليكم يعد فضيحة لكم عند الدول، وانتصاركم علي لا يعد فخرا حيث أنكم غلبتم رجلا عمر ملكه ثماني سنين، ولا قوة عنده يقابلكم بها). وجمع بيجو هيئة أركانه، وعرض عليهم الرسالة، فتقرر بعد مناقشة حادة عدم الرد عليها وتجاهلها، فأعقبها برسالة ثانية: ٢ - (من الأمير عبد القادر إلى الماريشال بيجو: إن كانت دولة فرنسا ليس عندها من الأرض ما يكفي رعاياها، وأرسلتكم لتغتصبوا أراضينا، وتبذلوا في ذلكم أنفسكم وأموالكم، فنحن نتخلى لها عما هو في أيديهما الآن من السواحل، ونبقى معها في حال جيران ينتفع بعضهم ببعض، وإن أبت إلا أن تستولي على جميع وطننا، فنحن سنبذل ما في وسعنا في مدافعتها وحماية أرضنا منها إلى أن يقضي الله بيننا وبينها بما شاء، فإن البلاد بلاده، والعبيد عبيده، ولا يخفى عليكم أيها الحاكم أن غزوكم لبلادنا سبب قتل الكثير من جنودكم وإتلاف ذخائركم، وكذلك نحن، وهذا شيء لا يرضى به

стр. 758

عاقل فضلا عن فاضل. ودولتكم تدعي أنها أول دولة في العالم تحب الإنصاف وتفضله وتحافظ على ميزان العدل وتحكم به، ففعلها هذا يكذب دعواها ويبطل ادعاءها. وأنتم ومعظم رجالها نراكم دائما تساعدونها على الاعتداء والاغتصاب، وتبذلون أنفسكم في ذلك ابتغاء مرضاتها، ولو كان عندكم أدنى نظر سديد، ما وافقتموها على موت جنودها في الحرب، ومواسم الأمراض المختلفة التي لا تبقي ولا تذر. فيا ترى بأي شيء تعوضون ما تخسره بلادكم من الرجال والأموال والكراع. فإن كان يرضيها منكم أن تحملوا لها ما تقدرون على حمله من حجارة مدينة معسكر، أو من تراب الأراضي التي اغتصبتموها فافعلوا. وإني أراك أيها الحاكم تبذل جهدك في تعطيل مواسمنا لتقل الحبوب عندنا، ظنا منكم أن ذلك أقوى سبب لخضوع أهل البلاد لكم، والحال أن هذا ليس بشيء عندهم، فإن هممهم ليست متعلقة بلذائذ الأطعمة والأشربة مثلكم، بل يكفيهم ما يمسكون به رمقهم ويقيم أودهم كيفما كان على أن عندهم من صنوف الحبوب المحفوظة في المطامير المعدة لها ما يكفيهم سبع سنين آتية وما تأخذونه أنتم من ذلك فهو جزء من جملة الأجزاء، ولا أراكم في هذا الأمر إلا كمن ملأ قدمه من البحر معتقدا أنه ينقصه. وبالجملة، فنحن لا نترك قتالكم ما دمتم في طغيانكم تعمهون، وفي سبيل اعتدائكم تمشون، والحروب قد تربينا عليها وتغذينا بلبانها، فنحن أهلها من المهد إلى اللحد، وحروبنا كما علمتم لا نرجع فيها إلى قانون يحصرها. بل نحن فيها مخيرون مطلقون، نصرفها كيفما شئنا. وأما أنتم، فقد بذلتم أموالكم، وأفنيتم قوى شبابكم في تعلم طرقها، ولا أخالكم تجهلون أنه جاء في كتب التواريخ القديمة أن العرب يبتهجون في معامل القتال، فلا يخطر في بالكم أنهم يضجرون

стр. 759

منها، أو يتركونها من ذات أنفسهم، ما دامت الأقدار الإلهية مساعدة لهم، فإن حكمت عليهم بغير ذلك، فمن المعلوم أن الأرض لله من بعدهم يورثها من يشاء من عباده. فلا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه والسلام على من اتبع الهدى واتقى سبيل الردى).

стр. 760

(٥) لوحة حضارية نقلتها فرنسا إلى الجزائر (الأرتال الجهنمية) أعلنت فرنسا منذ وطئت جحافلها أرض الجزائر أنها تقوم بعملها (لتمدين المتوحشين) وتعريفهم (بالحضارة الغربية) فاتبعت في ذلك أساليبها الحضارية التي رافقت (ليل الاستعماري للجزائر) بطوله. وقد يكون من المناسب التوقف قليلا عند الملامح الحضارية الأولى، والتي تطورت باستمرار مع التطور الحضاري لفرنسا. جاء في أحد التقارير الرسمية - الإفرنسية -. (بناء على تعليمات القيادة الإفرنسية، خرجت قوة من الجنود - في مدينة الجزائر - وانقضت قبل الفجر على أفراد القبيلة، وهم نيام تحت خيامهم، فذبحتهم جميعا دون أن يستطيع أحد الدفاع عن نفسه، وقد لقي الجميع حتفهم دونما تمييز بين رجل أو امرأة، وعاد الإفرنسيون من هذه الحملة وهم يحملون رؤوس القتلى على أسنة الرماح) .. وجاء في تقرير فرسي آخر: (بيعت كل الماشية إلى قنصل الدانمارك. وعرضت بقية الغنائم للبيع في سوق باب عزون في عاصمة الجزائر ذاتها، ووزع ثمنها على

стр. 761

ذابحي أصحابها. وفي ليل ذلك اليوم أصدرت الشرطة - البوليس - أمرها إلى أهل المدينة بإضاءة الأنوار في حوانيتهم علامة على الابتهاج). وجاء في تقرير أحد اللجان الرسمية الإفرنسية: (لقد ذبحنا أناسا كانوا يحملون إجازات بالتنقل، كما قضينا على مناطق بأكملها اتضح فيما بعد أن ضحايانا فيها أبرياء. رجال عرفوا بالقداسة بين عشيرتهم، وآخرون لا تنقصهم صفة الاحترام بين ذوي قرابتهم لمجرد أنهم مثلوا أمامنا سائلين الرحمة بزملائهم. وقد وجدنا قضاة ليحكموا عليهم ورجالا متمرنين لشنقهم). وكتب الماريشال سانت أرنو - إلى أهله: (إن بلاد بني منصر بديعة، وهي من أجمل ما رأيت في أفريقيا، فقراها متقاربة وأهلها متحابون. لقد أحرقنا فيها كل شيء ودمرنا كل شيء ... إني أفكر فيكم جميعا، وأكتب إليكم ويحيط بي أفق من النيران والدخان. لقد ذهبت إلى أفراد قبيلة (البراز) فأحرقتهم جميعا، ونشرت حولهم الخراب، وأنا الآن عند (السنجاد) أعيد فيهم الشيء نفسه ولكن على نطاق أوسع). وكتب موتيناك في كتاب له أسماه - رسائل جندي - ما يلي: (لقد كانت مذبحة شنيعة حقا، كانت المساكن والخيام في الميادين والشوارع والأفنية التي انتشرت عليها الجثث في كل مكان. وقد أحصيناهم في جو هادىء بعد الاستيلاء على المدينة، فكان عدد القتلى من النساء والأطفال ألفين وثلاثمائة. أما عدد الجرحى فلا يكاد يذكر، لسبب بسيط، وهو أننا لم نكن نترك جرحاهم على قيد الحياة).

стр. 762

وكتب القائد الإفرنسي - الكونت هيربسيون - ما يلي: (فظائع لا مثيل لها، أوامر بالشنق تصدر عن نفوس كالصخر، يقوم بتنفيذها جلادون قلوبهم كالحجر، بالرمي بالرصاص أحيانا، وباستعمال السيف في أحيان أخرى، في أناس مساكين كل ذنبهم أنهم لا يستطيعون إرشادنا إلى ما نطلب منهم أن يرشدونا إليه. ومع ذلك فإن الميل إلى سفك الدماء، وحب التعذيب بإزهاق الأرواح جملة، وبإبادة القرى والقبائل، وإحراق البيوت والتمثيل بالموتى والإجهاز على لجرحى، والفتك بالأطفال والشيوخ والنساء، والاتجار بأعضائهم المبتورة، وحليهم ومتاعهم الغارق في دمائهم. هذا الميل لم يجد في كل الذي رويت لك طرفا منه - ما يشبعه أو يرضيه، فأخذ الإفرنسيون يتفنون في ابتكار وسائل أخرى لم يعرفها تاريخ البشرية على كثرة ما حفل به هذا التاريخ من الفظائع والآثام، فهدتهم غريزة التدمر والتخريب النامية عندهم إلى طريقة أسموها أنفسهم (بجهنم) وخلاصة هذه الطريقة، أن يسد الجنود الإفرسيون باب الكهف أو المغارة التي يلجأ إليها الجزائريون بنسائهم وأطفالهم ومواشيهم فرارا من الموت والقتل والإحراق، ثم يشعلوا في بابها نارا حامية، فيختنق القطيع البشري داخل المغارة مع قطعان الماشية التي صاحبته إلى جوفها، فإذا انبلح الفجر، ذهب الإفرنسيون لمشاهدة هياكل الثيران والحمير والخرفان ويظهر أنها اندفعت بغريزتها نحو مخرج الكهف بحثا عن الهواء الذي انعدم في الداخل فتكدست بعضها فوق بعض، وتكومت جثث الرجال والنساء والأطفال بين هذه الحيوانات ومن تحتها. وشوهد رجل ميت وهو جاث على ركبتيه وقد أمسكت يداه قرن ثور محترق وبجواره امرأة ميتة تحتضن بين ذراعيها طفلها الميت، مما

стр. 763

يدل على أن هذا الرجل قد اختنق وهو يدافع عن امرأته وطفله اللذين اختنقا أيضا إثر هجوم الثور عليهما) (١)

стр. 764

المراجع الرئيسية للبحث

стр. 765

الفهرس

стр. 766

_________ الموضوع ............................................................................... الصفحة

стр. 767

محمد المقراني وثورة ١٨٧١ الجزائرية

стр. 768

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 769

محمد المقراني وثورة ١٨٧١ الجزائرية بسام العسلي دار النفائس

стр. 770

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى: ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م الطبعة الثانية: ١٤١١هـ - ١٩٩٠م

стр. 771

مقدمة الكتاب احتفلت الجزائر، حكومة وشعبا، في يوم ٨ نيسان - أبريل - ١٩٧١ بالذكرى المئوية للثورة الكبرى التي تركت أثرها العميق ونتائجها الثقيلة على شعب الجزائر المجاهد. وفي الواقع، فإن هذه الثورة التي قمعتها السلطة الاستعمارية الإفرنسية بما عرف عنها من قسوة ووحشية، هي التي رسمت طريق المستقبل على امتداد قرن من عمر الزمن تقريبا، وأظهرت قوة الإسلام والمسلمين وما حققوه من نجاح في القضاء على فكرة (مستعمرة الجزائر). وهناك كثير ممن يجهلون، أو ينسون في كثير من الأحيان، بأن جزائر الإسلام والمسلمين قد ارتبطت مع فرنسا بمستقبلها السياسي. لا سيما عندما حاول نابليون الثالث بذل جهده لتطوير المسلمين على حساب تقليص ظل النفوذ الاستعماري. غير أن الجزائريين لم يلبثوا أن وجدوا أنفسهم بعد سقوط نابليون الثالث وهم يبتعدون عن فرسا أكثر فأكثر، واستمر ذلك طوال العشرين سنة التي تلت هزيمتهم العسكرية، فتعاظم لديهم الشعور بالظلم، وأنهم ضحية فرنسا ومصالحها الاستعمارية. أعلن الشيخ الحداد الجهاد المقدس ضد فرنسا يوم السبت في ٨

стр. 772

نيسان- أبريل- ١٨٧١ في صدوق. وتلقى (الأخوان المسلمون الرحمانيون) نداء شيخهم بحماسة، وأسرعوا لحمل السلاح. وتضمن بيان الشيخ الحداد (أنه ليس من الصعب على المجاهدين في سبيل الله طرد الإفرنسيين، إذا ما أيد الله المجاهدين بنصره) واندلع لهيب الثورة ليشمل كل القبائل الكبرى في التل وحتى الحدود الشرقية للجزائر، بحيث بلغ عدد المجاهدين زهاء (٦٠٠) ألف مقاتل. وارتفعت راية الجهاد فوق سماء الثورة الباسلة بداية من شهر كانون الثاني - يناير - ١٨٧١ غير أن ضرام الثورة ولهيبها تزايد عنفا في ١٤ آذار - مارس - بقيام الباثآغا المقراني بإعلان الثورة في (مجانة) حيث انضمت إليه ثلاثون قبيلة تقريبا. وعلى الرغم من أن نداء الثورة قد وجه إلى كافة مسلمي الجزائر، إلا أن (الإخوان الرحمانيين) هم الذين اضطلعوا بالعبء الأكبر للثورة، وعلى عاتقهم وقعت أعباؤهاء ونتائجها، وقد أمكن لهم في الواقع ضم ٢٠٠ قبيلة إلى الثورة، مما أعطى لهذه طابعها الوطني الشامل فوق كل التراب الجزائري، واشترك بالثورة ثلث عدد سكان الجزائر مما ساعد على انتشارها في قسنطينة ومنطقة القبائل الكبرى ووهران. وقد حاولت السلطات الاستعمارية الإفرنسية خنق لهيب الثورة، غير أن هذه استمرت في التأجج على موجات متتالية ما بين نيسان - أبريل - وتموز - يوليو ١٨٧١ ولتستمر بعد ذلك في تعثر حتى كانون الثاني - يناير - ١٨٧٢. تلك هي الملامح العامة لثورة ١٨٧١ في الجزائر، فهل كانت ثورة تحمل اسم الشيخ الحداد أم هي ثورة محمد المقراني، أم هي ثورة الإخوان الرحمانيين؟ ثم هل كانت هذه الثورة مستقلة في حد ذاتها؟

стр. 773

وهل كانت محصورة بتفاعلاتها وعملياتها ونتائجها بظروفها الزمانية والمكانية؟. لقد كان (للإخوان المسلمين الرحمانين، دورهم الأساسي والحاسم في كافة الأعمال القتالية لهذه الثورة الرائدة، فكانت بحق ثورة الإخوان الرحمانيين. وكان لعائلتي المقراني والحداد دورهما الأساسي في قيادة الثورة وتحمل أعمالها وتبعاتها. ومن الوفاء تجاوز كل المقولات والهنات في مجال تقويم جهاد أفرادهما. وكانت قبل ذلك وبعده ثورة الجزائر كلها، تحت راية الجهاد في سبيل الله، ومن هنا، وإذا كان لا بد للثورة من رمز تحمله، فقد يكون (محمد المقرني) هو رمز هذه الثورة، وإذا كان لا بد للثورة من إطار شامل يضمها، فيكفي وضعها في إطارها الزمني. أما بالنسبة لنسيج الثورة، فقد كان امتدادا لأعمال المقاومة التي بدأها الشعب المجاهد منذ الأيام الأولى للغزو الإستعماري الإفرنسي للجزائر المحروسة بقيادة الباي أحمد وعبد القادر، ومرورا بثورات لالافاطمة وابن خدومة والصبايحية وأولاد عيدون وأولاد خليفة. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن هذه الثورة لم تكن إلا بداية لثورات لاحقة، اتصل بعضها برقاب بعض، فبقيت أرض جزائر الأحرار، جزائر الإسلام والمسلمين، وهي تلتهب لتحرق أقدام الطغاة حتى جاءت الثورة الكبرى (الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤) لتصل بالجهاد إلى ذراه، ولتسير بالجزائر إلى مستقبلها الحتمي، وكان النصر تتويجا لكل الجهود والتضحيات. وبعد، لقد كانت ثورة الجزائر سنة ١٨٧١، غنية بمعطياتها،

стр. 774

بأحداثها ووقائعها، غريبة في ظروفها. وبنتيجة ذلك كله، فإنه من المحال الإحاطة بها وإعطاءها حقها. كما أنه من العسير أيضا تجاوزها أو الإقلال من دورها الريادي، ومن هنا ظهرت صعوبة البحث بين ما يتطلبه من الشمول، وبين ما يتضمنه من التفاصيل، وكان لا بد في النهاية من إهمال بعض الشمول على حساب بعض التفاصيل وإسقاط بعض هذه التفاصيل لحساب شمول البحث، والأمل كبير في أن يكون هذا البحث قد حقق بعض التوازن المطلوب. والله الموفق بسام العسلي

стр. 775

الوجيز في مسيرة الأحداث التي كان لها دورها في ثورة السبعين
следующие страницы →