← История

История · id 16373

سلسلة جهاد شعب الجزائر

بسام العسلي

Полный текст (3 139 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

مقدمة الكتاب احتفلت الجزائر، حكومة وشعبا، في يوم ٨ نيسان - أبريل - ١٩٧١ بالذكرى المئوية للثورة الكبرى التي تركت أثرها العميق ونتائجها الثقيلة على شعب الجزائر المجاهد. وفي الواقع، فإن هذه الثورة التي قمعتها السلطة الاستعمارية الإفرنسية بما عرف عنها من قسوة ووحشية، هي التي رسمت طريق المستقبل على امتداد قرن من عمر الزمن تقريبا، وأظهرت قوة الإسلام والمسلمين وما حققوه من نجاح في القضاء على فكرة (مستعمرة الجزائر). وهناك كثير ممن يجهلون، أو ينسون في كثير من الأحيان، بأن جزائر الإسلام والمسلمين قد ارتبطت مع فرنسا بمستقبلها السياسي. لا سيما عندما حاول نابليون الثالث بذل جهده لتطوير المسلمين على حساب تقليص ظل النفوذ الاستعماري. غير أن الجزائريين لم يلبثوا أن وجدوا أنفسهم بعد سقوط نابليون الثالث وهم يبتعدون عن فرسا أكثر فأكثر، واستمر ذلك طوال العشرين سنة التي تلت هزيمتهم العسكرية، فتعاظم لديهم الشعور بالظلم، وأنهم ضحية فرنسا ومصالحها الاستعمارية. أعلن الشيخ الحداد الجهاد المقدس ضد فرنسا يوم السبت في ٨

стр. 772

نيسان- أبريل- ١٨٧١ في صدوق. وتلقى (الأخوان المسلمون الرحمانيون) نداء شيخهم بحماسة، وأسرعوا لحمل السلاح. وتضمن بيان الشيخ الحداد (أنه ليس من الصعب على المجاهدين في سبيل الله طرد الإفرنسيين، إذا ما أيد الله المجاهدين بنصره) واندلع لهيب الثورة ليشمل كل القبائل الكبرى في التل وحتى الحدود الشرقية للجزائر، بحيث بلغ عدد المجاهدين زهاء (٦٠٠) ألف مقاتل. وارتفعت راية الجهاد فوق سماء الثورة الباسلة بداية من شهر كانون الثاني - يناير - ١٨٧١ غير أن ضرام الثورة ولهيبها تزايد عنفا في ١٤ آذار - مارس - بقيام الباثآغا المقراني بإعلان الثورة في (مجانة) حيث انضمت إليه ثلاثون قبيلة تقريبا. وعلى الرغم من أن نداء الثورة قد وجه إلى كافة مسلمي الجزائر، إلا أن (الإخوان الرحمانيين) هم الذين اضطلعوا بالعبء الأكبر للثورة، وعلى عاتقهم وقعت أعباؤهاء ونتائجها، وقد أمكن لهم في الواقع ضم ٢٠٠ قبيلة إلى الثورة، مما أعطى لهذه طابعها الوطني الشامل فوق كل التراب الجزائري، واشترك بالثورة ثلث عدد سكان الجزائر مما ساعد على انتشارها في قسنطينة ومنطقة القبائل الكبرى ووهران. وقد حاولت السلطات الاستعمارية الإفرنسية خنق لهيب الثورة، غير أن هذه استمرت في التأجج على موجات متتالية ما بين نيسان - أبريل - وتموز - يوليو ١٨٧١ ولتستمر بعد ذلك في تعثر حتى كانون الثاني - يناير - ١٨٧٢. تلك هي الملامح العامة لثورة ١٨٧١ في الجزائر، فهل كانت ثورة تحمل اسم الشيخ الحداد أم هي ثورة محمد المقراني، أم هي ثورة الإخوان الرحمانيين؟ ثم هل كانت هذه الثورة مستقلة في حد ذاتها؟

стр. 773

وهل كانت محصورة بتفاعلاتها وعملياتها ونتائجها بظروفها الزمانية والمكانية؟. لقد كان (للإخوان المسلمين الرحمانين، دورهم الأساسي والحاسم في كافة الأعمال القتالية لهذه الثورة الرائدة، فكانت بحق ثورة الإخوان الرحمانيين. وكان لعائلتي المقراني والحداد دورهما الأساسي في قيادة الثورة وتحمل أعمالها وتبعاتها. ومن الوفاء تجاوز كل المقولات والهنات في مجال تقويم جهاد أفرادهما. وكانت قبل ذلك وبعده ثورة الجزائر كلها، تحت راية الجهاد في سبيل الله، ومن هنا، وإذا كان لا بد للثورة من رمز تحمله، فقد يكون (محمد المقرني) هو رمز هذه الثورة، وإذا كان لا بد للثورة من إطار شامل يضمها، فيكفي وضعها في إطارها الزمني. أما بالنسبة لنسيج الثورة، فقد كان امتدادا لأعمال المقاومة التي بدأها الشعب المجاهد منذ الأيام الأولى للغزو الإستعماري الإفرنسي للجزائر المحروسة بقيادة الباي أحمد وعبد القادر، ومرورا بثورات لالافاطمة وابن خدومة والصبايحية وأولاد عيدون وأولاد خليفة. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن هذه الثورة لم تكن إلا بداية لثورات لاحقة، اتصل بعضها برقاب بعض، فبقيت أرض جزائر الأحرار، جزائر الإسلام والمسلمين، وهي تلتهب لتحرق أقدام الطغاة حتى جاءت الثورة الكبرى (الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - ١٩٥٤) لتصل بالجهاد إلى ذراه، ولتسير بالجزائر إلى مستقبلها الحتمي، وكان النصر تتويجا لكل الجهود والتضحيات. وبعد، لقد كانت ثورة الجزائر سنة ١٨٧١، غنية بمعطياتها،

стр. 774

بأحداثها ووقائعها، غريبة في ظروفها. وبنتيجة ذلك كله، فإنه من المحال الإحاطة بها وإعطاءها حقها. كما أنه من العسير أيضا تجاوزها أو الإقلال من دورها الريادي، ومن هنا ظهرت صعوبة البحث بين ما يتطلبه من الشمول، وبين ما يتضمنه من التفاصيل، وكان لا بد في النهاية من إهمال بعض الشمول على حساب بعض التفاصيل وإسقاط بعض هذه التفاصيل لحساب شمول البحث، والأمل كبير في أن يكون هذا البحث قد حقق بعض التوازن المطلوب. والله الموفق بسام العسلي

стр. 775

الوجيز في مسيرة الأحداث التي كان لها دورها في ثورة السبعين

стр. 776

ثورة (الأخوان الرحمانيين) في سطور انطلقت الثورة من مجانة يوم ١٦ - آذار - مارس - ١٨٧١ ; وامتدت لتشمل نصف البلاد تقريبا، من الجزائر العاصمة غربا إلى القل شرقا، ومن البحر شمالا إلى عين الطيبة في أعماق الصحراء جنوبا. وقد انتهت هذه الثورة باعتقال - البطل الثائر - بومزراق - يوم ٢٠ كانون الثاني - يناير - ١٨٧٢. وحدث خلال الثورة ثلاثمائة وأربعين معركة كبيرة، زيادة على المعارك الصغيرة. وارتفع عدد الثوار الجزائريين إلى مائتي ألف محارب، في حين بلغ مجموع أفراد القوات الإفرنسية التي اشتركت في قمع الثورة، ثمانمائة ألف رجل من الجيش الأفريقي والبحرية - والميليشيا من المستوطنين المهاجرين - والأعوان (العملاء). ... HISTOIRE DE L'INSURRECTION DE ١٨٧١. EN ALGERIE. (ALGER. IMP. JOURDAN. ١٨٩١) RINN LOUIS P.P ٦٣٤ - ٦٤٦ ET ٦٥٨ - ٦٥٩

стр. 777

﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. •---------------------------------• الفصل الأول الوضع السياسي العام ١ - الموقف على جبهة المشرق. ٢ - عودة إلى محمد علي باشا. ٣ - اللعب بورقة الأمير عبد القادر. ٤ - البدايات الأولى للصهيونية.

стр. 778

١ - الموقف على جبهة المشرق كان احتلال فرنسا للجزائر بداية تفاعلات كثيرة تجاوزت حدود الجزائر، قدر تجاوزها لحدود فرنسا ذاتها، فقد كان من المحال على الإمبراطورية العثمانية (أو بالأحرى دار الخلافة) التسليم باقتطاع جزء من بلاد الاسلام ووضعه تحت سلطة دولة نصرانية. ولكن دار الخلافة في (استانبول) كانت عاجزة عن مجابهة القدرة الحربية الإفرنسية، لا سيما بعد أن تعاظم خطر والي مصر محمد علي باشا، وبات يتهدد عاصمة الدولة ذاتها باستيلائه على سوريا. وفي الوقت ذاته، أظهرت قدرة محمد علي باشا المتعاظمة مقدار ما وصلت إليه الخلافة العثمانية من الضعف والتمزق. فانطلقت الدول العظمى (الروسيا والنمسا وبريطانيا وفرنسا) للتحالف أحيانا والتناحر في أحيان أخرى من أجل فرض وصايتها على الخلافة العثمانية، والقيام بعمل متكامل لإضعاف دولة الإسلام من الداخل والخارج، وذلك عن طريق مراكز القوى غير الإسلامية في داخل الدولة، وعن طريق العدوان الخارجي الذي تزعمته روسيا القيصرية بقيادة نيقولا الأول (١). وأدى ذلك إلى بعث القومية العربية والقومية اليهودية في

стр. 779

وقت واحد. ومن الملاحظ أن هذه التفاعلات قد رسمت أبعادها بعمق على صفحة العالم العربي - الإسلامي. ويظهر ذلك حقيقة ثابتة وهي أن استعمار فرنسا للجزائر قد شكل رأس الحربة لتمزيق العالم الإسلامي، في إطار الهجوم الصليبي الشامل ضد العالم الإسلامي. ونظرا لأهمية تلك الأحداث في التأثير على الموقف الخاص بالجزائر من جهة، وتأثيره على العالم الإسلامي كله من جهة أخرى، فقد يكون من المناسب استقراء صفحة تلك الأحداث شيء من التفصيل والإسهاب. توالى على حكم الدولة العثمانية في تلك الفترة محمود الثاني (١٨٠٨ - ١٨٣٩) ثم عبد المجيد الأول (١٨٣٩ - ١٨٦١) ثم السلظان عبد العزيز (١٨٦١ - ١٨٧٦) وجاء بعد ذلك السلطان عبد الحميد الثاني (١٨٧٦ - ١٩٠٩). ومقابل ذلك، خضعت فرنسا للأنظمة التالية: النظام الملكي - شارل العاشر- (١٨٢٤ - ١٨٣٠) ثم النظام الملكي - لويس فيليب (١٨٣٠ - ١٨٤٨). ثم النظام الإمبراطوري - نابليون الثالث (١٨٤٨) حتى الأول من أيلول - سبتمبر - ١٨٧٠ (معركة سيدان مع بروسيا). كانت الدولة العثمانية مشغولة بحرب المورة ومجابهة محمد علي عندما أرسلت فرنسا قواتها لحصار الجزائر، وفي الوقت ذاته، كان

стр. 780

الباب العالي يعتقد أنه بالإمكان تسوية الخلاف الإفرنسي الجزائري بصورة سلمية، على نحو ما حدث في مرات كثيرة سابقة. وعندما أعلن عن اجتياح فرنسا للجزائر أخذت الدولة العثمانية في بذل الجهود - مع إنكلترا - لإقاع فرنسا بالانسحاب وأعلن الباب العالي من جهته: (حق الدولة العثمانية في الجزائر). كما أرسل مذكرات إلى فرنسا، من بينها المذكرة المرسلة في ذي الحجة ١٢٤٦ هـ الموافق ١٣ أيار - مايو - ١٨٣١ والتي (تبين حقوق الدولة العثمانية في الجزائر، إذ بموجب المواثيق والأحكام المرعية بين الدولة العلية والدول الصديقة منذ القديم فإن حقوق الدولة السنية بالجزائر ثابتة في جميع الأزمان. ولهذا يجب استرداد الجزائر، إذ لا إشكال في أنها ملك موروث للدولة العلية). وانطلق السفراء العثمانيون في محاولاتهم للتسوية السلمية بشأن الجزائر، وأخذوا في العمل مع (بالمرستون) (١) في إنكلترا و (مترنيخ) (٢) في النمسا. قدم السفير العثماني (نامق باشا) مذكرات كثيرة للحكومة البريطانية من أجل (تخليص الجزائر من الإحتلال الإفرنسي، وكان من بينها مذكرة باللغة الإفرنسية مؤرخة في ٢ آذار - مارس - ١٨٣٣، وكان رد (بالمرستون) ورجال الدولة الإنكليز: (بأنهم لن يستطيعوا

стр. 781

قول أي شيء للحكومة الإفرنسية بخصوص) الجزائر دون تصفية قضايا بلجيكا والبرتغال، وهكذا رفضوا من البداية تكليف الدولة العثمانية). أما النمسا، فكانت تتصرف بميوعة إزاء القضية الجزائرية، وعلى هذا كتب السفير العثماني إلى رئيس وزراء النمسا (مترنيخ) طالبا تدخله لدى الحكومة الإفرنسية (وكتب مترنيخ مذكرة سرية، أرسل الباب العالي نصها إلى السفير العثماني بباريس، وفيها يخمن أن الإفرنسيين لن يستطيعوا إدارة الجزائر مدة طويلة بعد فشلهم في قسنطينة، ويقترح على الباب العالي البقاء شاهدا - متفرجا - في الوقت الحاضر) (١). أدرك رجال الدولة العثمانيون، وبشكل قطعي، أن استرداد الجزائر من فرنسا بالمباحثات السياسية فقط، هو أمر غير ممكن. وكان على الدولة العثمانية أن تسلك طرقا أخرى للوصول إلى الهدف. وأرسلت أسطولها إلى طرابلس الغرب، واقتربت كثيرا من الحدود الجزائرية. غير أن الحكومة الإفرنسية لم تتأخر في إتخاذ التدابير اللازمة. وأعلن قائد الأسطول الإفرنسي (الأميرال روسين) يوم ٧ حزيران - يونيو ١٨٣٥: (بأن أسطولا فرنسيا أقلع لحماية المصالح التجارية والسياسية الإفرنسية في حوض البحر الأبيض وشواطىء إسيانيا). وأمام هذا الموقف، وجد الصدر الأعظم - رئيس الوزراء العثماني - أنه من غير المناسب حدوث صدام بين الأسطولين الإفرنسي والعثماني. فأمر بعودة الأسطول إلى استنبول. وأعلن: (أن الدولة

стр. 782

العثمانية تحتفظ لنفسها بحقها في تلك البلاد) ورد (الأميرال روسين) على ذلك يوم ٨ آب - أغسطس - ١٨٣٦: (أن فرنسا لن تعيد الجزائر). و (أن فرنسا لن تغض الطرف أبدا عن وجود وال معاد لها في تونس ويجب على وزارة الخارجية العثمانية عدم التدخل في شؤون قسنطينة) حيث كان أحمد باي يتابع صراعه من قسنطينة ضد الإفرنسيين. ومعروف أن أحمد باي، قد طلب من الدولة العثمانية مساعدته ودعمه، وأعلن الباب العالي: (أن من حقه مساعدة أي قسنطينة) فردت فرنسا على ذلك بقولها (أنها تعتبر نفسها في حالة حرب مع الدولة العثمانية إذا ما أقدمت هذه على دعم باي قسنطينة). غير أن الأسطول العثماني غادر المياه التركية. وروصل إلى طرابلس، فقابلت فرنسا ذلك بإرسال أسطولها إلى الميناء - نفسه، وفقا للقرار الذي اتخذته حكومتها يوم ٢٤ أيلول - سبتمبر - ١٨٣٧. وأعلنت الدولة العثمانية: (أن لها الحق في منع الإفرنسيين من القيام بحملة على القسنطينة). وتدخل السفير البريطاني، فأعلن (وجوب عدم تدخل العثمانيين في تونس والجزائر). وأخذ الأسطول العثماني في الانسحاب والأسطول الإفرنسي يطارده حتى مضيق الدردنيل. وانتهت بالفشل محاولة إلحاق تونس مباشرة بالإدارة العثمانية لتأمين إمكانية إنقاذ الجزائر من الاحتلال الإفرنسي. ومعروف بعد ذلك أن أحمد باي قاوم بضراوة الحملة الإفرنسية على قسنطينة حتى يوم ١٣ تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٣٧، حيث استطاعت القوات الإفرنسية اقتحام قسنطينة، وبسط سيطرتها على المنطقة الشرقية من الجزائر بكاملها. أرسل باي قسنطينة (الوالي) رسالة إلى الباب لعالي يوم ١٥

стр. 783

تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٣٧: (يعلم باسيلاء الإفرنسيين على المدينة، ويطلب المعونة، ... وإذا لم يتمكن من إيصالها إليه فإنه يسترحم السلطان إذنا بالانسحاب لديار المسلمين) ولم تجد أركان الباب العالي إمكانية لمساعدة أحمد باي، ولم يكن باستطاعة السلطان محمود الثاني - في الوقت ذاته التخلي عن الباي وخذله بعد أن برهن على ارتباطه الثابت بالدولة العثمانية. فأصدر أمره بالتحقيق في القضية من جديد. وفي مجلس الشورى التي عقد بالباب العالي وضم وزير البحرية، تقرر إرسال أمر لباي تونس من أجل مساعدة باي قسنطينة. ولم يكن لهذا القرار من نتيجة إيجابية، ذلك أن باي تونس كان مرغما على عدم استثارة الإفرنسيين الذين وصلوا إلى حدود بلاده. يذكر هنا أن الدولة العثمانية كانت تعتمد في مطالبتها بحقها في الجزائر، على المقاومة التي كان يقودها الأمير عبد القادر الجزائري من جهة وأحمد باي قسنطينة من جهة أخرى. وعندما أعلن عن اتفاق الأمير عبد القادر مع فرنسا، أرسل السفير العثماني في باريس رسالة بتاريخ ١١ حزيران - يونيو - ١٨٣٧، إلى وزير الخارجية الإفرسية، أظهر فيها (استغرابه وأسفه الكامل بسبب وضع شخص عادي تابع للسلطنة العلية، بشكل حاكم، وأن مصالحة دولة فرنسا مع الأمير عبد القادر هو أمر مخالف لأصول روابط الإخلاص والصفاء القائمة بين فرنسا والدولة العثمانية العلية) ورد وزير خارجية فرنسا على ذلك برسالة في ١٨ حزيران - يونيو - ١٨٣٧؛ جاء فيها (أن فرنسا توضح بصراحة أنها لم تعترف مطلقا بحق أية دولة أجنبية في التدخل بشؤون الجزائر). المهم في الأمر هو أن الباب العالي لم يعترف باتفاقية فرنسا مع الأمير عبد القادر (معاهدة تفنا ٣٠ أيار - مايو - ١٨٣٨). ولم تلبث

стр. 784

فرنسا أن نقضت معاهدة تفنا، بعد أن فتحت قسنطينة. وعاد الأمير عبد القادر لحمل السلاح، كما استمرت الدولة العثمانية في تطوير الصراع السياسي، وأثناء ذلك، أخذت قضية تونس بالتدرج بعد قضية الجزائر، وحاولت الحكومة العثمانية فرض وجودها في تونس غير أن فرنسا أحبطت محاولاتها بالقوة. واستمر الموقف على ذلك حتى سنة ١٨٤٧ حيث استسلم الأمير عبد القادر للإفرنسيين، وفي السنة التالية، ترك أحمد باي المقاومة. وودعت الدولة الثانية حقها في المغرب العربي - الإسلامي. لقد برهنت هذه المرحلة من الصراع السياسي، أن الإمبراطورية العثمانية باتت تعتمد على التحالفات السياسية والتناقضات الدولية بأكثر من اعتمادها على قدرتها الذاتية. كما أن الصراع الداخلي الذي تزعمه والي مصر محمد علي باشا، قد أصبح المجال الواسع أمام الدول الأوروبية للمضي في سياستها من أجل استنزاف ما بقي لدى الدولة العثانية من القدرة. ولقد حاولت الدولة العثمانية إعادة بناء قدرتها الذاتية، والاعتماد على الخبرة العسكرية البروسية. غير أن الدول العظمى لم تترك لها الفرصة لذلك.

стр. 785

٢ - عودة إلى محمد علي باشا أوضح سفير متربيخ (فون أوستن) موقف بلاده من أحداث المشرق في ١٦ حزيران - يونيو - ١٨٣٣ بالتالي: (لم يعد هناك مفر من إقامة إمبراطورية عربية تحت لواء محمد على في القريب العاجل) وقد يظهر هذا المشروع غريبا، لكن شتى الدوافع قد أجمعت على تحقيقه فعلا. فمن جهة سيندفع باشا مصر بطموحه وتهوره إلى العمل على تخفيفه، ومن جهة أخرى تسهل ظروف الموقف السياسي والعسكري الجديد نفسها خلق مثل هذه الإمبراطورية. وإني أرى إلى جانب إمكانيات الباب العالي المعدومة، وهيبته المتداعية يوما عن يوم، جيشا عربيا مدربا أحسن تدريب، مزهوا بالنصر، وأسطولا جبارا، وموارد كافية لزيادة حجم هذا الأسطول وذلك الجيش إلى ثلاثة أضعافهما، وإدارة في غنى تام تقريبا عن الأتراك، وانبعاث الروح القومية عند العرب. وميلا واضحا لدى أوروبيين كثيرين إلى حكومة محمد علي، وأخيرا تقديرا متعاظما وواسعا يتمتع به هذا الأخير على امتداد البلاد الناطقة بالعربية) (١).

стр. 786

لقد كان هذا الخط السياسي مرتبطا باتفاق أباطرة روسيا والنمسا وبروسيا بعد اجتماعهم في ميونيخ من ٩ - ١٩ أيلول - ستمبر - ١٨٣٣ واتفاقهم على وضع أسس (الحلف المقدس) (١) المعقود سنة ١٨١٥ موضع التنفيذ. كان مهندس السياسة الأوروبية (مترنيخ) قد استدعى سفيره في القاهرة يوم ١٥ أيلول - سبتمبر - للاطلاع منه على مهمته المكلف بها وهي: (تقديم مذكرة عن القوات العسكرية المصرية الراهنة ومقارنتها بقوات الباب العالي). وقد خولته معلوماته المستقاة من مصادر موثوقة، وخبرته المباشرة، أن يمثل دورا مهما في تلك الظروف، خاصة وأن مترنيخ كان يرتاح إلى استلهام أرائه، الأمر الذي جعله يتبوأ مركزا قويا واضحا حتى في نظر الإمبراطور. وقد استمع يوما، وهو على مائدة الغداء، إلى المبعوث الروسي وهو يتحدث عن نهاية الإمبراطورية العثمانية الوشيكة، وهو رأي كان سائدا آنذاك في وسط البلاط الروسي. هذا وكرر له الإمبراطور بعد ذلك - في حديث خاص - الآراء نفسها، عن الإمبراطورية المحتضرة. أما ما كان يشغل الإمبراطور الروسيا بشكل خاص (نقولا الأول) فهو محمد علي الذي كان يعتبره الإمبراطور رجلا موهوبا جدا، لكنه طموح ولا يحلم إلا بتقويض الأسرة الملكية العثمانية الحاكمة واحتلال مركزها. غير أن السفير النمساوي في القاهرة أوضح للإمبراطور أن محمد علي لا يطمح مطلقا في الاستيلاء على آسيا الصغرى، وأنه لن يتخطى جبال طوروس إذا ما أعطي وعد شرف بأن تضمن له فتوحاته الحالية. وبدا أن نقولا الأول، أخذ بهذا التحليل الجديد للوضع). (١) الحلف المقدس: (LA SAINTE ALLIANCE).

стр. 787

ويظهر من خلال ذلك أن دول الحلف المقدس، كانت تعمل لإقامة الدولة العربية، ولكن مع إبقاء حدود هذه الدولة فيما وراء جبال طوروس، لا سيما وأن روسيا أفادت من الخلاف المصري - العثماني أكثر من سواها لتعزيز مكانتها ودعم نفوذها لدى الباب العالي. وأمام هذا الموقف اتخذت إنكلترا أسباب الحذر، ذلك لأنها لم تكن ترضى مطلقا بهيمنة روسيا على القسطنطينية. فقامت بمناورة ديبلوماسية، أشارت فيها: (إلى أن دخول محمد علي إلى العاصمة العثمانية، وتقويض حكم السلطان ببضع ساعات، سيساعده على إغلاق البوسفور فعلا في وجه القوات الروسية). على هذا الأساس أخذت إنكلترا في تطوير علاقتها مع محمد علي باشا، بهدف تصديع عرى العلاقات الروسية - العثمانية. وكان محمد علي بدوره يصبو في الوقت ذاته لإقامة تحالف مع إنكلترا، وسعى إليه بشتى الوسائل من إيماء وتنازلات وإقناع، وقد كتب السفير الإنكليزي في القاهرة لحكومته رسالة يوم ٢٧ تشرين الأول عام ١٨٣٣ - جاء فيها: (هناك فائدة أخرى قد نجنيها من احتلال محمد علي لمودكا واليمن بالنسبة لأي اتصال نود أن نقيمه في المستقبل مع الهند عبر البحر الأحمر. إن محمد علي بامتلاكه لمصر، يسيطر تقريبا على شاطىء البحر الأحمر الغربي كله، وبامتلاكه للحجاز وللجزيرة العربية يسيطر على الشاطىء الشرقي ما عدا المنطقة الصغيرة التي تحيط بموقة. فاحتلال هذه المنطقة يضع بالضرورة شاطىء البحر الأحمر تحت حكم واحد، ويسهل مواصلاتنا مع الهند، خاصة متى كان هذا الحكم حسن الطوية نحو بريطانيا كما هي حال محمد علي ...).

стр. 788

ويظهر من خلال ذلك، أن إنكلترا، ومعها فرنسا، قد اتفقتا في الهدف مع دول الحلف المقدس (روسيا والنمسا وبروسيا) في دعم محمد علي باشا لإقامة دولة عربية قوية تستطيع منافسة الباب العالي، ولكنها لا تستطيع القضاء على الدولة العثمانية. وهذا ما أشار إليه تقرير القنصل البريطاني بتاريخ ٢٩ أيار - مايو - ١٨٣٤ وفيه: (إذا انتظمت الأقاليم التي يحكمها حاليا محمد علي في مملكة، فإن هذه المملكة، بحكم موقعها، ستحمل طابعا أوروبيا وآسيويا في آن واحد. وستتدخل كلما قويت داخليا في شؤون إحدى القارتين. فإذا لم توجه في وجه إحداهما، فلن تكون هناك أية فائدة سياسية من إقامتها. أن إقامة هذه المملكة - بحد ذاته - يعطي الباشا بغداد والبصرة، عبر شمال سورية، وتجعله يسيطر على سلسلة طوروس الشرقية، باسطا نفوذه، حتى حدود بلاد فارس، وستمتد سلطته المتزايدة إلى قلب آسيا، من شراز إلى مسقط وحتى البحر الأحمر، مرورا بالجزيرة العربية). لقد فتح الصراع بين محمد علي والباب العالي المجال الواسع أمام الدول الكبرى للحصول على المغانم، على حساب الطرفين المتصارعين، وبالتالي على حساب الأمة الإسلامية. وهذا ما أشار إليه القنصل الإنكليزي في مصر والذي كتب في ٧ شباط - فبراير - ١٨٣٨ ما يلي: (قبل تعييني، لم يكن يصل أي مركب أو أية بضاعة إلى مرفأ بيروت من إنكلترا مباشرة. ولم يكن في سوريا كلها أي مركز تجاري إنكليزي. وكانت موارد سوريا وإمكانياتها ومنتجاتها مجهولة في إنكلترا، ومنذ تعييني - سنة ١٨٣٠ - بدأت تصل مباشرة من الوطن مراكب إنكليزية حمولة كل منها من ١٢٠ إلى ١٥٠ طنا، حاملة منتجات إنكليزية من إنكلترا أو مستعمراتها وقد تم افتتاح مراكز

стр. 789

تجارية إنكليزية جديدة في مدن البلاد الكبرى، وخاصة في دمشق وحلب وبغداد على أمل أن يتسع نفوذها ليشمل البلدان المجاورة). خلال هذه الفترة، كانت هناك قناعة ثابتة تتشكل في البلاط البريطاني، وتتلخص هذه القناعة بأن التحالف مع السلطان هو وحده السبيل القادر على إنقاذ العثمانيين من وصاية روسيا. وقد أعطى بالمرستون تعليماته بهذا الشأن لسفيره لدى الباب العالي - وأضاف بالمرستون إلى تعليماته أن هذا التحالف على كل حال يثبت السلطة العثمانية، ويكبح المطامع المصرية. وإلى هذا كان يميل سفير فرنسا في القسطنطينية، والذي كان يعتقد بأنه يجب مساندة السلطان ضد مرؤوسه، لأن تشجيع هذا الأخير - يدفع من جديد بالباب العالي إلى أحضان روسيا، ويسبب ذلك حربا لا مفر منها. لم تكن قصة (الحاجة إلى السلام) بالقصة الجديدة، فقد كان الباب العالي يستعد لشن الحرب ضد قوات إبراهيم باشا في سوريا. فقام سفراء الدول الغربية بإقناع السلطان بعدم شن الحرب (لأن المحافظة على السلام في الشرق أمر ضروري جدا لمصلحة أوروبا كلها)، وفي الوقت ذاته أعلن قادة البحر الإفرنسيين والإنكليز - الأميرالات - بأنهم تلقوا تعليمات من حكوماتهم (أن يتدخلوا بين الأسطولين العثماني - المصري إذا ما تطلب الأمر لمنع أي اشتباك بينهما (١). ووجد محمد علي في ذلك تراجعا عن التزامات أوروبا - وخاصة فرنسا - تجاهه، فقرر الإمساك بالمبادأة، وقام يوم ٣ أيلول سبتمبر -

стр. 790

١٨٣٤ بتسليم مذكرة سرية إلى قنصلي فرنسا وبريطانيا (طالبا مساعدة الحكومتين البريطانية والإفرنسية على إعلان استقلاله، وفي ١٢ تشرين الأول - أكتوبر - من السنة ذاتها، أبلغ بلاط فيينا نفس الطلب. وكانت الحكومة الروسية هي وحدها التي لم تعلم بالأمر. وأكد محمد علي في هذه المذكرة: (بأن حربه ضد الباب العالي إنما تهدف إلى إيقاظ طاقة الأمة الإسلامية الراكدة، وإلى إقامة الإمبراطورية العثمانية على أسس جديدة، وفي سبيل هذا يعلن محمد علي استقلاله قبل أن يقوم بحملة صليبية جديدة ضد الباب العالي وروسيا). لقد ظن محمد علي باشا أنه يستطيع أن يلهب بورقة العداء ضد روسيا القيصرية ليمارس دوره في إقامة المملكة العربية التي كانت تدعمها الدولتان العظميان، وجهل أو تجاهل بأن الدول العظمى لا تريد من هذا المشروع إلا خلق تناقض داخل الإمبراطورية العثمانية - لا أكثر - وإنما تريده كل هذه الدول بقاء هذا التناقض لتفجيره في الوقت المناسب. وتجاهل محمد علي، أو جهل، حقيقتين أساسيتين وهما: ١ - أن فرنسا التي كان يعتمد عليها في مشاريعه، لم تعد في حاجة إليه بعد أن احتلت الجزائر وجعلتها قاعدة لها، وأنها باتت في حاجة التعاون مع الباب العالي لحل مشكلات الاحتلال أكثر من حاجتها لمحمد علي الذي منحها كل شيء، ولم يبق لديه ما يمنحه. ٢ - أن التنافس بين الدول العظمى هو قبل كل شيء ضد العالم الإسلامي كله، وأن هذا الخط يشكل القاسم المشترك بين سياسات الدول الأجنبية كلها - وعلى هذا فإن روسيا تبقى أقرب إلى النمسا وحتى إنكلترا وفرنسا، منها إلى مصر محمد علي. وهذا ما عبر عنه البلاط القيصري الروسي في رسالة تحمل تاريخ ٣١ كانون الأول - ديسمبر -

стр. 791

١٨٣٤ وجاء فيها: (لقد أوقع محمد علي نفسه في ورطة خطيرة من جراء جهله المطبق لعلاقات الثقة الحميمة التي تربط بلاطي فيينا وبيترسبورغ، فجاءت نتيجة مسعاه وبالا عليه: وأنه بمحاولته إثارة الخوف والحسد لدى الحكومات الأوروبية ضد روسيا، فإنه حكم على آماله كلها بالفشل الذريع) ويمكن من خلال الموقف المشترك للدول الأوروبية استخلاص نتيجتين: أولاهما، اتفاق الدول الكبرى مبدئيا على تجنب خطر اشتباك عام في الشرق، بالرغم من اختلاف وجهات النظر. وثانيها: رفض القوتين البحريتين، لفرنسا وإنكلترا، مشاريع باشا مصر بالاستقلال، على الرغم مما هما عليه من تنافس ضد روسيا. ولهذا فيجب على باشا مصر أن يتخلى نهائيا عن أية محاولة لإثارة بعض الدول الأوروبية ضد بعضها الآخر، وعلى كل حال، فنشاطه مراقب عن كثب بحيث أنه لا يستطيع أن يفلت من أنظار الدول ليحيك الدسائس ضد روسيا. وهكذا اتفقت أوروبا كلها على تجميد الوضع، والإبقاء على (الحالة الراهنة). وظهر بوضوح: (أن فرنسا وإنكترا اللتين دللتا محمد علي طوال سنين كثيرة، وتعهدتا نوعا ما بتعزيز قوته، ولم تتراجعا أمام أي أمر في سبيل تأجج طموحه، تتركانه اليوم وحيدا، وتتلذذ إنكلترا خاصة بجرح عنفوانه وذلك بعدم اكتراثها به، هذا على أخف تعبير) (١) ومقابل ذلك، نصحت روسيا الباب العالي بما يل: (... أن النصيحة الوحيدة التي رأت حكومة الإمبراطور أن توجهها لكم في السابق، والتي ترى من واجب الصداقة أن تكررها لكم الآن هي الإفادة من عامل الزمن. إن حكومة الإمبراطور، وقد

стр. 792

تملكتها هذه الحقيقة لا تستطيع إلا أن تكرر النصيحة التي غالبا ما وجهتها للباب العالي باتباع سياسة التريث بانتظام، وهي التي تبدو أكثر ملاءمة لمصالح تركيا الحقيقية، وللحفاظ على استقرار الشرق عامة). لقد سمحت سياسة الاستقرار في الأزمة الشرقية للباب العالي وللدول الأوروبية أن تنفذ سياساتها الاستراتيجية بهدوء، فكانت الفترة ما بين ١٨٣٤ و١٨٣٨ فترة هدوء نسبي لم يعرف الشرق مثلها منذ أعوام طويلة. وأفاد محمد علي من ذلك لتدعيم قواته والقيام بجولات تنظيمية في مصر وحتى في جزيرة كريت التابعة لسلطته. وأفاد الإفرسيون من ذلك لتطوير عملية (فرنسة مصر) عن طريق توظيف أكبر عدد ممكن من مواطنيهم في خدمة الوالي، وفي شتى فروع الإدارة. مبعدين من هذه الميادين سائر الأجانب. وفرضت إنكلترا نفسها فأصبح جانبها مرهوبا في الإسكندرية كما في القسطنطينية. ووضعت النمسا تحت تصرف والي مصر هيئة من الخبراء في الجيولوجيا لتجوب لبنان ومصر بحثا عن الثروات المعدنية. في حين بقيت روسيا واقفة تراقب مسيرة الأحداث وهي سعيدة بانقسام الإمبراطورية العثمانية وضعفها. وكانت بروسيا تدخل مسرح الأحداث، فتضع تحت تصرف الباب العالي أول بعثة عسكرية مهمتها إعادة تنظيم الجيش العثماني. ونتيجة لذلك، ظهرت حتمية تجدد الصراع بين الباب العالي والوالي محمد علي، وقد ظهر ذلك واضحا في رسالة القنصل الروسي في ٢٣ أيار - مايو - ١٨٣٦ وفيها: (... يظهر بوضوح أنه ستطرأ عما قليل تطورات خطيرة على الأوضاع في المشرق، فالبحث يجري في

стр. 793

أمور كثيرة، كالتقارب بين إنكلترا والباب العالي، ثم إرادة السلطان في حصر قوة محمد علي مهما بلغ الثمن في إطار ضيق هو إطار مرؤوس عادي، وذلك بإرغامه على تقليص قوة أسطوله وجيشه، وأخيرا الموافقة التي يلقاها هذا المشروع من جميع الدول الكبرى. والمفاوضات عاجزة بمفردها عن بلوغ هذه النتيجة. لذا سوف يلجأ إلى قوة السلاح وستنشب الحرب) (١). كانت قوات محمد علي قد بسطت نفوذها على الجزيرة العربية، ووصلت إلى منطقة الخليج، ووجدت بريطانيا في ذلك مناسبة للتدخل، وفي ١٥ حزيران - يونيو - ١٨٣٨ صرح وزير الخارجية البريطاني: (بأن وجود مصر في الخليح العربي لا يمكن احتماله. وهذا ما جعل الاشتباك بين القوتين أمرا يصعب تجنبه، إذ أن النفوذ المصري سيمتد بسرعة من البصرة الى بغداد). واجتمع محمد علي بالسفير الروسي، وشكا إليه صغف بريطانيا، ونقل السفير ذلك برسالة في ٦ أيلول - سبتمبر - ١٨٣٨ جاء فيها ما يلي: (ذكر محمد علي التحذير الذي تلقاه مؤخرا، والذي جاء فيه من أن بريطانيا تعتبر أي اعتداء تقوم به القوات المصرية على عدن يعتبر بمثابة إعلان للحرب، ويذكر أن الحكومة البريطانية اشترت عدن مؤخرا من أمير محلي بمبلغ (١٥٠٠) جنيه. واحتج بشدة ضد هذه الادعاءات بقوله: علي هذه المرة أيضا أن أخضع لقانون الأقوياء كما هي الحال في قضيتنا. إن الدول الكبرى تصدر إلي الأوامر لأنها أقوى مني ... ولا بد لي وأنا أنهي تقريري من أن استرعي انتباه فخامتكم جديا إلى أمر يبدو تافها في الظاهر، ولكنه قد يتسبب في المستقبل بنتائج خطيرة: لقد قامت شركة الهند الشرقية

стр. 794

باحتلال مدينة عدن الصغيرة ومرفأها في شبه الجزيرة العربية احتلالا عسكريا، حيث أنزلت فيه ٣٠ عسكريا وكلهم مسلحون، بقيادة ملازم إنكليزي يساعده ضابط هندي). لم تقف إنكلترا عند حدود العدوان السافر لغرض سيطرتها على عدن، ومن ثم على منطقة الخليج، بل إنها مضت لتحريض الدروز على الثورة، وحذت حذوها بقية الدول العظمى، فأخذت روسيا في تسليح الأرثوذكس، في حين اعتمدت فرنسا على الموارنة والكاثوليك، ونشط القناصل الأجانب نشاطا مثيرا، ودفع ذلك إبراهيم باشا إلى اتخاذ إجراءات بالغة العنف تجاه القناصل الأجانب في سوريا، وخاصة قناصل بيروت وحلب ودمشق. وقد صرح إبراهيم باشا للقنصل النمساوي في الإسكندرية بما يلي: (هؤلاء القوم مصدر عذاب لي، إذ يعرقلون في كل لحظة سير شؤون حكومتي. وليس السلطان والباب العالي بشيء إذا ما قورنا بحضرات القناصل. فمع السلطان والباب العالي نستطيع تدبير أمورنا، ونلزم جانب الحذر، أما القناصل فهم مصدر عذابي، ولا أستطيع عمل أي شيء حيالهم، إنهم كارثة على البلاد). وأوضح القصنل الروسي الموقف بقوله: (يتمادى القناصل في سوريا بأكثر مما يفعلونه في سائر المشرق. ولقد استطاعوا أن يخرجوا أكثر من نصف سكان المدن عن طاعة السلطة المحلية بحمايتهم تحت اسم (ترجمان - وقواص - وخازن - وخادم الخ ...). ويكفي للبرهان على دور القناصل في التحريض على الثورة، والإمداد بالأسلحة، إن إبراهيم باشا جمع (٢١) ألف بارودة، عقب نجاحه في قمع ثورة الدروز. وأن القنصل الروسي كتب إلى وزيره في بيترسبورغ بعد

стр. 795

ذلك بسنة - أي في سنة ١٨٣٦ - (بأنه نزع من أهالي سوريا ١٢٨ ألف بارودة ما عدا المسدسات والسلاح الأبيض منذ القضاء على الثورة في السنة الماضية). وخلال تلك الفترة، عكفت مراكز البحوث في الدول الكبرى على إجراء دراسات مستفيضة عن وضع الأقليات لاستخدامها في الترويج للقضية القومية - المناهضة بالضرورة للإسلام - ومن ذلك (مجلة ألمانية) (١) (اعتبرت من أفضل المجلات الدينية في تلك الآونة وخصت الموارنة والدروز والإسماعيليين والعلويين بدراسات وافية تناولت وضعهم الديني والسياسي والاجتماعي في أدق تفاصيله، فانعكست الأحداث المعاصرة على لوحة خلفية تضم مختلف هذه الجماعات). قد يكون من غير المهم بعد ذلك الدخول في تفاصيل مسيرة الأحداث. فقد وقعت معركة نصيبين يوم ٢٤ حزيران - يونيو - ١٨٣٩ وانتصر فيها إبراهيم باشا على العثمانيين انتصارا حاسما خلال ساعتين فقط. وتدخلت الدول الأوروبية المتحالفة بعد ذلك، فأرغمت محمد علي باشا على الانسحاب من سوريا، وجرت مفاوضات انتهت بتوقيع معاهدة ١٥ تموز - يوليو - ١٨٤١، وعادت مصر محمد علي إلى حجمها الطبيعي. وعاد محمد علي تابعا للسلطان، ولكن بعد أن حققت الدول العظمى، وخاصة بريطانيا وفرنسا والنمسا كل أهدافها في العالم الإسلامي.

стр. 796

٣ - اللعب بورقة الأمير عبد القادر كان خروج قوات محمد علي باشا من سوريا هو البداية لمجموعتين من الأحداث المتتالية، أولاهما: مشكلة الأقليات في بلاد الشام، والثانية: المشكلة اليهودية. وارتبطت المشكلتان ارتباطا وثيقا بالأمن الذي باتت أعباء تحقيقه في سوريا ملقاة بكل ثقلها على الحكومة العثمانية. ومن المعروف أن معظم هذه الأقليات (الدروز والموارنة خاصة) كانت قد استقرت في جبال لبنان منذ أجيال وظهرت منها عائلات مارست دورا قياديا من أمثال المعنيين والتنوخيين والشهابيين. وظنت الحكومة العثمانية أن بوسعها كسر شوكة زعامة هذه العائلات بمثل الطريقة التي سبق للسلطان محمود اتباعها في آسية الصغرى، من أجل إخضاع لبنان مباشرة لسلطة الوالي العثماني. وكان الأمير بشير الشهابي، الذي أسلم البلاد يوما إلى إبراهيم باشا قد فر إلى مالطا في تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٤٠ على متن سفينة حربية بريطانية. وكان ابنه الأكبر ضعيف العقل، في حين كان ابنه الأصغر غير كفء لخلافته. ولكن فرنسا التي انتحلت لفسها حق حماية نصارى الشرق - والموارنة منهم بصورة خاصة، كانت غير مستعدة للموافقة على اضمحلال الإمارة المسيحية من غير أن تحرك ساكنا. ونزولا عند

стр. 797

ضغط الدول، عين الباب العالي أحد المتقدمين في السن من أبناء أخي الأمير بشير حاكما. ولكنه حرك الدروز في الوقت نفسه للثورة، مما اقتضى احتلال لبنان كله إحتلالا عسكريا. حتى إذا رفع النصارى صوتهم بالشكوى، عين الباب العالي لجنة أنهت أعمالها برفع شكوى إلى الباب العالي تلتمس فيها إقامة إدارة تركية في البلاد. واتخذت الدولة العثمانية قرارها في آب - أغسطس - سنة ١٨٤٢ بتقسيم لبنان إلى منطقتين إداريتين، يحكم إحداهما زعيم من الزعماء الدروز، في حين يحكم الأخرى زعيم من زعماء الموارنة، يحمل كل منهما لقب، (قائم مقام) أما في المناطق المختلطة، مثل منطقة المتن الهامة الواقعة على طريق دمشق، حيث كانت أكثرية مارونية تعيش في ظل المشايخ الدروز، فقد توجب على كل قائم مقام تعيين نائب عنه. وحيث أن الدول العظمى كانت تلح على أن يدفع الدروز التعويضات عن الخسائر الناجمة عن ثورة ١٨٤٢، فقد اندلعت نار الحرب الأهلية، من جديد، في نوار - مايو - سنة ١٨٤٠. عندئذ عمد الباب العالي إلى نزع السلاح من الفريقين، وأقام إلى جانب كل قائم مقام مجلسا يتمتع بصلاحيات إدارية وقضائية، ويتألف من ممثلين عن مختلف طبقات الشعب. مات محمد علي باشا سنة ١٨٤٨، وكان ابنه إبراهيم باشا قد توفي قبله بثمانية أشهر. وخلفه ابنه عباس باشا، وكان مسلما حقا يزدري التربية الأوروبية ازدراء بعيدا. ولم يكد يرتقي العرش حتى وضع المشروع القاضي بشق قناة السويس لوصل البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط. وإذ كان أصحاب رؤوس الأموال من الإفرنسيين يبدون اهتماما بهذا المشروع فقد عارضه البريطانيون، وروجوا لمشروع مضاد يقضي بمد خط حديدي عبر برزخ السويس، وقد

стр. 798

بدىء بإنشائه فعليا سنة ١٨٥١. ومهما يكن من شيء فالحق أن مسألة المواصلات هذه، التي انتهت فيما بعد إلى أن تكون ذات أهمية عظمى بالنسبة إلى العالم كله، لم تكن هي التي قررت مصير الشرق في السنوات التالية. وإنما الذي قرر مصيره مسألة أخرى كان الباب العالي يعتبرها تافهة، ولكنها قدمت إلى الدول الأوروبية ذريعة لفرض سيطرتها على الشرق، ألا وهي مسألة الأماكن المقدسة الشهيرة. كان الفرنج منذ أيام الحروب الصليبية القديمة يتخذون من قضية الأماكن المقدسة في فلسطين حجة للتدخل بشؤون المشرق الإسلامي، كلما أنسوا من أنفسهم قوة ومن العالم الإسلامي ضعفا، وذلك بزعمهم ان لمنطقة القدس وما يحيط بها مكانة دينية خاصة لهم، لما تحفل به من ذكريات عن حياة يسوع. وقد استقرت في هذه المنطقة جمع يمثل ست طوائف نصرانية هي: اللاتين - أتباع الكنيسة الرومانية - والروم الأرثوذكس، والأرمن والسريان والأقباط والأحباش وكانت الكنائس الثلاث الأخيرة قد دخلت بسبب من ضعفها تحت حماية الأرمن الذين لم يكن للباب العالي غنى عنهم، بسبب إخلاصهم للدولة، وبسبب دورهم الاقتصادي في العالم الإسلامي. ومهما كان عليه الأمر، فقد بقيت الكنيسة الأرثوذكسية أسمى هذه الكنائس رتبة بوصفها ممثلة لعشرة ملايين من رعايا السلطان الأرثوذكسيين، وبسبب حماية الروسيا لها أيضا. وكان رجال الأكليروس اللاتيني، ومعظمهم من أصل إسباني وإيطالي، يتمتعون بامتيازات أجنبية وبحماية وزارة الخارجية الإفرنسية. والواقع أن هذه الطوائف المختلفة كانت بحكم العادة، لا بحكم القوانين والأنظمة المكتوبة، تتمتع بحقوق متعارف عليها. ولم تكن هذه الحقوق على كل

стр. 799

حال محددة بعضها بالنسبة إلى بعضها الآخر، تحديدا واضحا، ومن هنا فكثيرا ما احتكمت الطوائف النصرانية إلى السلطات الإسلامية لحل خلافاتها. وفي كنيسة القيامة ببيت المقدس، وكانت ملكا مشتركا بين جميع الطوائف، لم يكن من النادر أن تنشب أعمال العنف والاقتتال بين رجال الدين، الذين تميز عددهم بالوفرة بقدر ما تميزت مهامهم بالضآلة، حتى لقد كان الحرس التركي هو المسؤول عن الأمن والنظام في القبر المقدس طوال أيام عيد الفصح. حدث في صيف سنة (١٨٤٧) أن فقدت في كنيسة المهد في بيت لحم نجمة مزخرفة بالنقوش الفضية، كانت معلقة فوق مسقط رأس المخلص، فاتهم الأرثوذكس بنزعها. ولكن السلطات التي كلفت بالتحقيق لم تقطع برأي جازم في هذا الحادث. وفي سنة ١٨٤٩، وعندما تسرب النفوذ الأكليركي كرة أخرى إلى الحكومة الإفرنسية، اتخذت هذه الحكومة من ذلك الحادث ذريعة لمقاومة النفوذ الروسي في الشرق. وهكذا، أمرت سفيرها في إستانبول بأن يطالب، استنادا إلى إمتياز ممنوح منذ سنة ١٧٤٠، بتوسيع حقوق اللاتين التقليدية توسيعا كبيرا. ولكن الروسيا تهددت الباب العالي بقطع العلاقات الديبلوماسية إذا ما أدخل أي تعديل على الوضع الراهن في الأماكن المقدسة. وبعد مفاوضات واجتماعات لجان تطاولت نحوا من سنتين، قرر السلطان إبقاء القديم على قدمه في القدس. على أن يعطي اللاتين المفاتيح الثلاثة الخاصة بالأبواب الرئيسة للكنيسة العذراء، وبالسراديب القائمه تحت كنيسة المهد، في بيت لحم. ورغم كل شيء، فقد ظل مفتاح المدخل الرئيسي إلى كنيسة المهد من جهة الغرب في غير حوزة اللاتين، ومع ذلك، فقد اضطر السفير الإفرنسي

стр. 800

إلى أن يعلن ارتياحه لهذا الإمتياز السخيف، وهو الذي أقام الدنيا وأقعدها قبل ذلك، منذرا بالويل والثبور وعظائم الأمور، لأن كرامة إمبراطوره قد امتهنت. ولكن الروسيا وطنت العزم على استغلال هذه الفرصة للقضاء على نفوذ عدوتها السياسي في الشرق. فاحتالت لحمل الباب العالي على أن يوعز لمتصرف القدس بأن يوضع للاتين في القدس لدن تسليمهم المفاتيح، أن هذا الإجراء لا يفيد أن لهم الحق في الدخول من الأبواب. ليس هذا فحسب، بل لقد أصدر السلطان أمره أيضا بتدوين جميع حقوق الأرثوذكس في الأماكن المقدسة، في سجلات محاكم المدينة، واعتبار كل مطلب آخر من مطالب اللاتين باطلا. حتى إذا مرت فرنسا بهذا التحدي أيضا مرا هادئا، طالب القنصل الروسي العام في فلسطين بأن يتلى فرمان الباب العالي. الجديد، في القدس، علانية. ولقد احتج السفير الإفرنسي على هذا، وتهدد الدولة بإلقاء الحصار على الدردنيل إذا ما نزلت بعد اليوم عند إرادة الروسيا. حتى إذا تجاهلت الدولة هذا الإنذار، وأذعنت لمطالب الروسيا، لم تجرو فرنسا هذه المرة أيضا، على أن تصنع شيئا. لم تقنع روسيا بما أحرزته من نصر، فتمادت في طلباتها، وأرسلت سفيرا فوق العادة إلى إستانبول، طالب الباب العالي بتسوية مسألة الأماكن المقدسة عن طريق معاهدة خاصة مع الروسيا، وبأن يعترف بالبطريرك الأرثوذكسي رئيسا روحيا مستقلا. ورفض الباب العالي هذه المطالب التعسفية الجائرة، فغادر السفير (منشيكوف) إستانبول. وفي ٢٦ حزيران - يونيو - ١٨٥٢، وجه القيصر نيقولا الأول، رسالة إلى شعبه أعلن فيها: (أن الروسيا تضطلع منذ القدم بواجب الدفاع عن الأرثوذكسية. وإن هذا الواجب قد ألزمه، بعد أن

стр. 801

تدخل الباب العالي في حقوق الكنائس الشرقية، بأن يبعث بجيوشه إلى إمارات الدانوب، لا لكي تشهر حربا، ولكن لكي تحصل على ضمانة لإعادة هذه الحقوق السليبة) وبعد أسبوع عبرت الجيوش الروسية نهر البروات. وبدأت (حرب القرم) التي وقفت فيها إنكلترا وفرنسا إلى جانب تركيا، واستمرت الحروب حتى ٢٨ تشرين الثاني - نوفمبر - ١٨٥٥. كانت نتائج حرب القرم كثيرة، لعل من أبرزها إفادة الدول الغربية من هذه الفرصة أيضا للمزيد من التدخل في شؤون الدولة الإسلامية. ففرضت على السلطان إصدار (منشور إصلاحي) عرف باسم (خط همايون) وذلك في شهر شباط (فبراير) ١٨٥٦ وأكد السلطان فيه الحقوق التي سبق له أن منحها لرعايا الدولة في الخط الشريف المعروف باسم (كلخانة). وبموجب هذه الوثيقة، لم تبق المسائل المدنية الخاصة بالرعايا النصارى منوطة برجال الدين دون غيرهم، شأنها من قبل، بل عهد في إدارتها إلى مجلس مختلط من المدنيين والأكليركيين ينتخبه الشعب بنفسه. وأزيلت نعوت (التحقير) التي كانت تتردد حتى ذلك الحين على لسان الخطباء في يوم الجمعة ضد النصارى والكفار. ليس هذا فحسب، بل لم يعد بالإمكان إكراه المسلمين الذين يعتنقون النصرانية على الارتداد، كما كان عليه الموقف من قبل. وفتحت أبواب الإنتساب إلى معاهد التعليم الرسمية (الخاضعة لتوجيه المبشرين). وبالتالي إلى وظائف الدولة المدنية، في وجه النصارى، وفرضت عليهم الخدمة العسكرية أيضا. وكانت من قبل امتيازا خاصا بالمسلمين باعتبار الجهاد في سبيل الله فرضا من فروض الإسلام، ولكن النصارى منحوا حرية دفع البدل العسكري. ووعدوا بأن يمثلوا ثمثيلا أكثر فاعلية من قبل في

стр. 802

مجالس الولايات والمجالس المحلية. وسمح للأجانب بامتلاك الأراضي على شروط معينة. وأخيرا وضع السلطان نظاما للضرائب، وميزانية سنوية، مع اتخاذ التدابير لقطع دابر الرشوة. لم تتقبل الرعية إعلان (خط همايون) بمثل الحماسة التي تقبلت بها الخط الشريف الكلخاني في الماضى. إذ وجد المسلمون فيه انتهاكا صارخا لحقوق المسلمين في ديارهم وأوطانهم. وأما النصارى فلم يتوقعوا الحصول على فوائد عملية من القوانين الجديدة. وزادت الشكوك بقيمة هذا المنشور وفائدته عند المسلمين والنصارى على السواء. لأن فرض مضمونه من قبل الدول الأوروبية لم يكن خافيا على أحد. عقد بعد ذلك موتمر باريس في آذار - مارس - ١٨٥٦ لتسوية المشكلات الناجمة عن حرب القرم. وظهر أن الشرق سيعيش فترة من الهدوء والاستقرار. غير أنه لم تمض أكثر من أربع سنوات حتى وجدت الدول الأوروبية فرصة جديدة للتدخل في شؤون الإمبراطورية العثمانية - الداخلية - وذلك بأن نظام الحكم الثنائي الذي أنشىء في لبنان، ساعد على قيام حالة من الصراع المستمر بين الدروز والموارنة. وانفجرت نار الحرب الأهلية كرة أخرى في نوار - مايو - ١٨٦٠. وطغت على البلاد موجة من التقتيل والنهب دامت حتى شهر تموز - يوليو - وانتقلت الحرب الأهلية في لبنان من الجبل إلى السهل حتى وصلت دمشق. وانبرى الأمير عبد القادر الجزائري لبسط حمايته على النصارى، يساعده في ذلك إخوانه من المهاجرين الجزائريين. وترددت أصداء هذه الحرب في فرنسا بصورة خاصة. ووجه الباب العالي حاكما مزودا بسلطات واسعة (اسمه فؤاد باشا). كما أرسلت

стр. 803

فرنسا حملة إلى سوريا تضم ستة آلاف جندي. وأصدر القضاء أحكاما قاسية جدا على زعماء الثورة في لبنان ودمشق. ومهما يكن من شيء، فقد وجد الدروز تأييدا عند الإنكليز الذين كانوا في حاجة إليهم كقوة يلقونها في الكفة الأخرى من ميزان التنافس الدولي في لبنان، بعد أن شملت فرنسا النصارى بحمايتها. والواقع، فإن الاحتجاج البريطاني حال دون مواصلة حملة الإعدام التي كانت قد شنت على زعماء الدروز. وأبعد (٢٤٩١) درزيا إلى طرابلس، ولكنهم ما لبثوا أن منحوا بعد خمس سنوات حرية العودة إلى بلادهم. وجدت فرنسا في الحرب الأهلية في سوريا (طوشة النصارى ١٨٦٠) فرصة لتحقيق هدف مزدوج أولهما: إحياء فكرة القومية العربية بالترويج لإقامة دولة عربية في بلاد الشام بعد أن فشل محمد علي باشا في تحقيقها. وثانيهما: دعم وجودها بالجزائر عن طريق دعم الأمير عبد القادر الجزائري وعن طريق تطوير نفوذها في المشرق الإسلامي. وهكذا، وعلى أثر طوشة النصارى، وطوال الفترة ما بين سنة ١٨٦٠ - ١٨٦٥، اجتاحت فرنسا حملة سياسية صورتها المقولات التالية: (عبد القادر ملك مملكة عربية في المشرق) و (عبد القادر حاكم سوريا ونائبا عن الملك). ولقد كانت مثل هذه المقولات مرتبطة في أذهان رجال الصحافة والإعلام من الإفرنسيين بمبدأ (إقامة إمبراطورية عربية) أو التأكيد على فكرة (الحقوق الوطنية العربية). التي أخذت بالترويج لها - خاصة - صحيفة (بيرغس باريس) (١) غير أن

стр. 804

هذه الصحيفة وما تحمله من أفكار لم تلق استجابة مناسبة في بلاد الشام، وهذا ما تؤكده رسالة الأمير عبد القادر للصحيفة المذكورة، والتي تم نشرها في عدد ١٠ حزيران (يونيو) وفيها: (لقد قدمتم نصائحكم الغالية، وعليكم سماع الرد: لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي والتقطت صحيفة (لوكورييه دوهافر) هذه النقطة لتنطلق منها في حملتها الإعلامية لمصلحة الأمير عبد القادر. وذلك بعد أن عملت على نشر رده السابق في عددها الصادر يوم ١٣ تموز - يوليو - ١٨٦٠. وهنا يمكن التسائل عما إذا كانت فكرة القومية العربية والدولة العربية التي ظهرت في هذه الفترة إنما هي نكوص للفكرة النابوليونية - البونابرتية - والتي وجدت لها طريقا في سياسة نابليون الثالث؟ كان نابليون بونابرت هو أول رئيس دولة في العالم الغربي فكر بإمكانية بعث

стр. 805

إمبراطورية عربية ودولة يهودية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية. ولعل نابليون الثالث اعتقد أن من واجبه، ومن مصلحة فرنسا أيضا، المساعدة على بعث الإمبراطورية العربية. وإذا كان نابليون بونابرت قد عجز عن التعاون مع شخصية إسلامية مناسبة، للقيام بأعباء هذه الدولة تحت هيمنته. فإن باستطاعة نابليون الثالث (على ما يعتقد في نفسه) الاعتماد على عبد القادر حتى يصبح بطل هذه القضية. ولا بد من القول قبل كل شيء بأن تدخل الحكومة الإفرنسية في سوريا سنة ١٨٦٠ (أثناء طوشة النصارى) قد اشتمل على مخطط (لإقامة مملكة عربية تحت حكم عبد القادر) أو (بعيينه قائدا لها ببساطة). وقد وضع نابليون الثالث باعتباره ما قام به الأمير عبد القادر أثناء الحرب الأهلية سنة (١٨٦٠). ولقد ظهرت تناقضات كثيرة في تفسير علاقات الأمير عبد القادر بفرنسا، وزاد الأمر غموضا واضطرابا بسبب الترجمة الإفرنسية السيئة والمتعمدة لأعمال الأمير وأقواله ونواياه. المهم في الأمر؛ هو أن مذابح سنة (١٨٦٠) في سوريا ولبنان قد أسقطت (٢١،٩٠٠) قتيلا وفقا لما تذكره المصادر الكاثوليكية، أو (١١،٥٠٠) قتيلا بحسب ما تذكره المصادر العثمانية. وقد برز من خلال هذه المذابح اسم الأمير عبد القادر الذي استطاع إنقاذ (٥ - ١٠) آلاف مسيحي في دمشق. وكان تدخله الشجاع سببا في حقن دماء الآلاف من المسيحيين ولم يزد عدد الجزائريين العاملين تحت قيادة الأمير عبد القادر على (٨٠٠) رجل مسلح، بعضهم من الفرسان. واستطاع هؤلاء بسط حمايتهم على ثمانية آلاف مسيحي، أرسل إلى بيروت منهم كل من رفض البقاء في مدينة دمشق. ومعروف أن وزير الحربية الإفرنسية آنذاك، سمح بتجنيد الجزائريين وإرسالهم كقوة جديدة

стр. 806

واجبها دعم الأمير في سوريا. هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد أمنت السلطات المحلية (العثمانية) للمهاجرين الجزائريين كل التسهيلات الممكنة للوصول إلى سوريا. وبالإضافة إلى ذلك، فقد قدم القنصل الإفرنسي في دمشق إلى الأمير عبد القادر ما يكفيه من الأموال والبواريد لتسليح ألف جزائري. وعلى كل حال، فإن الأمير عبد القادر لم يكن يرمي إلى خدمة فرنسا أو خيانة المسلمين، وهو ما تؤكده رسالته التي كتبها في ١٥ آب - أغطس - ١٨٦٠ وفيها: (إن ما قمنا به تجاه المسسحيين هو أمر يفرضه الدين وتفرضه الإنسانية) وكذلك قوله للمسلين الثائرين في دمشق: (حذركم مما تفعلون. إنكم تلطخون شرف الإسلام وستضيعون أنفسكم ومدينتكم معكم، إذ أن أوروبا لن تقف غير مبالية تجاه ما يرتكب هنا من الجرائم ضد المسيحيين. فكروا قليلا، ولا تسمحوا للفرصة حتى يأتي قسيس ليقيم في مسجدنا الكبير الذي كان كنيسة من قبل) (١). غير أن فرنسا لم تكن تنظر لأعمال الأمير عبد القادر وأقواله، إلا من خلال أهدافها وسياساتها الخاصة. وهكذا أخذت الصحافة الإفرنسية في قرع الأجراس منذ يوم ٩ تموز - يوليو - ١٨٦٠ مطالبة بالتدخل العسكري في سوريا. وفي يوم ١٧ تموز - كتبت الصحافة الإفرنسية: (بأن التدخل الإفرنسي في سوريا إنما يعتمد على الأمير عبد القادر) وفي صحيفة: (لوكورييه دو هافر) (٢) عدد يوم ١٣ تموز - يوليو - ١٨٦٠ جاء ما يلي: (تقضي الظروف الراهنة، ويتطلب تحقيق العدالة (؟) العمل بسرعة لتسمية الأمير عبد القادر نائبا لملك فرنسا -

стр. 807

في سوريا) وتحت عنوان (صرخة الدم) في العدد ذاته جاء ما يلي: (سلموا الأمير عبد القادر قضية تهدئة سوريا بصورة فورية، وسينفذ ذلك بصورة ناجحة، وبأقل حد ممكن من العنف. إنه رجل مؤمن وعالم ومحارب، وإذن، فهو الرجل الذي يمكن للمسلمين الخضوع له. والذي يستطيع أن يفرض عليهم متطلبات العصر والحضارة). تلقت الصحافة الباريسية هذا الموضوع، وأخذت في الترويج له، فطالب بعضها (بإقامة حكومة قوية ومتحضرة للعمل مع الأمير عبد القادر) في حين طالب بعضها الآخر: (بتنصيب الأمير عبد القادر نائبا لملك فرنسا على أن يبقى تابعا للسلطان). وكتبت صحيفة (بيرغس باريس) في عددها الصادر في نهاية شهر تموز - يوليو - ما يلي: (ليس هناك من هو أجدر من الأمير عبد القادر برئاسة حكومة دمشق، إذ أنه يمتلك جميع الفضائل المناسبة للسلطة. إنه شجاع وحازم وعالم وسياسي وذكي وليس هناك من هو أفضل منه لتحقيق السلام في سوريا). ولقد عكست الصحافة الجزائرية أصداء هذه الدعاية الإفرنسية، فكان مما كتبته: (إن إقامة إمبراطورية جديدة في المشرق يكون الأمير رئيسا لها هو الحل للمسألة الشرقية التي تسببت في حدوث صراعات كثيرة، أهرقت فيها دماء غزيرة). وأخذت فكرة الدعاية: (لإقامة إمبراطورية عربية بقيادة الأمير عبد القادر) تنتشر في كل مكان. وظهر مشروع فرنسي أعلنته صحيفة فرنسية يقضي: (بقيام فرنسا ببذل الجهد لإقامة إمبراطورية عربية تضم من ١٠ - ١٢ مليون عربي، على أن تكون هذه الإمبراطورية معزولة عن مصر، وتحت قيادة الأميرعبد القادر، ويكون من واجبها ضمان الحقوق المدنية والسياسية لكل أفراد الشعب، للمسلمين كما لغيرهم، وفقا للنموذج الإفرنسي الذي وضعه نابليون بونابرت، ويكون لهذه الإمبراطورية عاصمتان،

стр. 808

إحداهما سياسية في بغداد والأخرى دينية في مكة .. على هذا الأساس، وانطلاقا من هذه الفكرة، توجهت الحملة الإفرنسية إلى لبنان بقيادة الجنرال (بوفورت دوتبول) (١) بعد أن قابل قائد الحملة الإمبراطور نابليون الثالث وتلقى تعليماته يوم ٢ أب - أغسطس - ١٨٦٠. ولم تعرف هذه التعليمات، غير أن الأمر المعروف هو أن الحملة وصلت إلى بيروت يوم ٢٠ آب - أغسطس -. ولما كان من الصعب على قائدها التوجه إلى دمشق لمقابلة الأمير عبد القادر. فقد أوفد إليه المقدم (شانزي) (٢) يحمل رسالة إلى الأمير (يؤكد فيها رغبته بتوثيق عرى الصداقة معه). ترى هل كان لدى فرنسا فكرة واضحة عن (الإمبراطورية العربية التي تزعم أنها تريد إقامتها؟) هذا ما تبرزه رسالة وزير الحربية الإفرنسية إلى (الجنرال بوفورت) بوم ٢٢ أيلول - سبتمبر - والتي جاء فيها: (هل تعتقد إنه باستطاعة الأمير عبد القادر تشكيل حكومة في سوريا؟ وهل تعتقد أن مراكز القوى الممثلة في بيروت تريد - أو توافق على مثل هذا التعيين؟. إنني لا أبحث عن وسيلة لتحقيق تطلعاتنا في المستقبل، وهي التطلعات المرتبطة بامتلاكنا لأفريقيا. إنني لا أريد إلا وسيلة تضمن في الوقت الراهن الوصول إلى تسوية سلمية ودائمة في سوريا. ويخيل إلي انطلاقا من هذه الفكرة أن عبد القادر هو أفضل من يمكن اعتماده بسبب الشهرة التي اكتسبها في الجزائر، وبسبب دوره الشجاع في الظروف الأخيرة) (٣) ويتابع الجنرال (بوفورت)

стр. 809

تقويمه للموقف فيقول: (إني لا أعتقد بأن الدول الكبرى توافق عل إقامة حكومة برئاسة الأمير عبد القادر تشمل سلطتها سوريا كلها. كما أن الحكومة التركية لا توافق على ذلك أبدا. وقد يكون بالمستطاع تعيينه حاكما على (دمشق) وأن تمتد سلطته لتشمل عكا والجليل. غير أنه ما من وسيلة لإقناع أوروبا المسيحية بتسليم القدس لحكومة مستقلة. ويمكن للدولة العربية برئاسة عبد القادر أن تبسط نفوذها بعد ذلك على مدينة حلب وجزء من شمال سوريا، لتشكل نواة الإمبراطورية العربية التي تمتد بصورة تدريجية حتى بغداد والبصرة) أما بالنسبة للبنان: (فإنه يجب إقامة لبنان الكبير والمستقل، والذي تحكمه حكومة مسيحية برئاسة الأمير مجيد شهاب) ويذكر هنا أن أرملة بشير عمر شهاب كانت قد قدمت إلى الحكومة الإفرنسية قصرها وكذلك قصر (بيت الدين). وكتب بوفورت رساله في ٦ تشرين الأول - أكتوبر - ١٨٦٠ جاء فيها: (يجب ألا ننسى أن الأمير عبد القادر هو إنسان مسلم قبل كل شيء). ولقد أرادت فرنسا على ما هو واضح إسخدام الأمير عبد القادر كعميل لها، غير أن الأمير قاوم المحاولات الإفرنسية باستمرار. وهكذا فعندما استشير في أمر حضور قوة فرنسية إلى دمشق لإجراء عرض فيها، كان رد الأمير: (إن حضور قوات فرنسية إلى دمشق هو أمر خطير جدا، لأنه يستثير مشاعر المسلمين). غير أن فرنسا قد نجحت في الواقع - جزبيا - بتحطيم هالة البطولة والشرف التي أحاطت به، ففي الجزائر، أخذ الجزائريون من رجال القبائل يرددون: (إذا كان باستطاعة الأمير حماية المسيحيين في الشام، فلماذا لا يعمل على حماية الملمين في الجزائر). أما في دمشق، فقد قال المسلمون للأمير عبد القادر: (هل تريد تسليم بلدنا إلى الإفرنسيين

стр. 810

كما سلمت لهم بلادك الجزائر؟) (١) ولكن مقابل ذلك، فإن تعاظم قدرة الأمير حملت إلى القبائل الجزائرية، أو بعضها، الأمل في عودة عبد القادر للعمل مع إخوانه في قيادة الصراع ضد الإفرنسيين. وهنا يظهر سؤال وهو: إذا كانت فرنسا تريد إقامة إمبراطورية عربية، فلماذا لا تنفذ ذلك في الجزائر التي أصبحت تحت حكمها؟ لقد طرحت هذه الفكرة في الواقع، عندما قام الأمير عبد القادر بزيارة لفرنسا سنة ١٨٦٥. وظهر بوضوح عندها أن كل ما طرحته حكومة نابليون الثالث في هذا المجال، إنما كان: (للإفادة من الأمير عبد القادر لدعم قضية فرنسا) وإن هدف الإمبراطور هو: (إقامة حكم عربي على أنقاض الحكم التركي - المسلم) أو (قيادة ثورة ضد تركيا). وقد اصطدمت كل هذه المخططات برفض الأمير عبد القادر الذي حدد بنفسه ما يريده وذلك بقوله: (لقد حاربت فرنسا طوال خمسة عشر عاما، لأنني كنت أؤمن بأنها إرادة الله لضمان إستقلال وطني وحماية ديني. وعندما وجدت أن قواتي قد استنزفت، وإن القبائل الجزائرية قد امتنعت عن دعمي وتأييدي، وأن المغرب تريد تسليمي لفرنسا، عرفت أن دوري قد انتهى. وأنها إرادة الله هي التي تفرض علي إلقاء السلاح. وقد فعلت ذلك راضيا ومصمما على التفرغ للعبادة وإقامة الصلاة والاستمرار في دراساتي الدينية طوال ما تبقى لي من أيام على هذه الأرض).
следующие страницы →