← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 163

هدم المنارة لمن صحح أحاديث التوسل والزيارة

عمرو عبد المنعم سليم

Полный текст (366 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الحديث الرابع أخرجه يحيى بن الحسن بن جعفر في "أخبار المدينة": حدثنا محمد بن يعقوب، حدثنا عبد الله بن وهب، عن رجل، عن بكر بن عبد الله، عن النبي ﷺ ، قال: "من أتى المدينة زائرًا لي وجبت له شفاعتي يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بُعث آمنًا". كذا أورده المؤلف في كتابه (ص: ٣٢٧) نقلًا عن "شفاء السقام" للسبكي (ص: ٤٠)، وقال منافحًا عن سنده (ص: ٣٢٨): (الحديث ضعيف الإسناد فقط، فمن مجانبة قواعد الحديث قول ابن عبد الهادي في الصارم ص: ٢٤٣: وهو حديث باطل لا أصل له، وخبر معضل لا يُعتمد على مثله، وهو من أضعف المراسيل وأوهى المنقطعات ا. هـ. قلت: تزيَّد الرجل جدًّا، وبالغ، وتعنت، وتشدد كعادته، فإسناد الحديث ليس فيه إلا الرجل المبهم، وإمامه أحمد بن حنبل وغيره من أئمة الفقه والحديث يحتجون بالمرسل، ولم يذكر ابن عبد الهادي دليل مقولته لأن قواعد الحديث لا توافقه). قلت: وهذا تساهل، فإن هذا السند شديد الضعف.

стр. 282

وبكر بن عبد الله الوارد في السند كذا ورد في "شفاء السقام" مكبرًا، وورد في "الصارم المنكي" لابن عبد الهادي ﵀ مصغرًا: (بكير). فأما المؤلف، فقد رجح الأول، وقال (ص: ٣٢٨): (ووقع في الصارم المنكي ع: ٢٤٣ بكير بن عبد الله بالياء، وهو تصحيف من الناسخ، وإن لم يكن تصحيفًا - وهو بعيد - فإن عبد الله بن وهب يروي في جامعه عن بكير بن عبد الله الأشج المدني ثم المصري بواسطة واحدة، وبكير بن عبد الله الأشج من تابعي التابعين، والأرجح فيما سبق والله أعلم أن بكر بن عبد الله هو المزني التابعي الثقة، ومع الاحتمالات الثلاثة المذكورة فالحديث ضعيف الإسناد فقط). قلت: كون ابن وهب يروي عن بكير بواسطة يقوي الظن أن المذكور في هذا السند هنا هو بكير بن عبد الله، فإنما روى عنه ابن وهب بواسطة ذلك الرجل، بل هو الأليق والأقوى، لأنه لا يعلم لابن وهب رواية عن بكر بن عبد الله المزني لا بواسطة، ولا بغير واسطة، كما يظهر لمن تتبع جامعه، وترجمته التي في "تهذيب الكمال". والأشج هذا من طبقة بكر بن عبد الله المزني، وغالب روايتهما عن التابعين، بل المزني هذا قد تقدَّم الكلام على مرسلاته، وبيان أنها

стр. 283

معضلات، فكذلك هي رواية بكير بن الأشج، والمعضل شديد الضعف كما تقدَّم، لسقوط راويين منه على التوالي. ونكارة المتن إذا أضيف إليها الإعضال، والجهالة بالإبهام لم يكن مبالغًا في الحكم بها على الحديث بأنه باطل لا أصل له، كما فعل ابن عبد الهادي ﵀. وأما ادعاء المؤلف بأن المرسل حجة عند الإمام أحمد وأئمة الفقه والحديث، فليس بصحيح على إطلاقه. بل المنقول عن المتقدمين من أهل العلم من المحدثين والفقهاء بخلاف ذلك. قال الإمام مسلم ﵀ في مقدمة الصحيح (١/ ٣٠): "المرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة". وقال ابن أبي حازم الرازي ﵀ في "المراسيل" (ص: ٧): "سمعت أبي وأبي زرعة يقولون: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة". وقال ابن الصلاح في "علوم الحديث" (ص: ٥٣): "حكم المرسل حكم الحديث الضعيف"، وقال: "وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل، والحكم بضعفه هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، ونقاد الأثر،

стр. 284

وتداولوه في تصانيفهم". قلت: وهذا الذي نقله ابن الصلاح عن جماهير أهل العلم سبقه إليه ابن عبد البر، فقال في "التمهيد" (١/ ٥) بعد أن نقل مذهب مالك وأبي حنيفة في الاحتجاج بالمرسل: "وقال سائر أهل الفقه، وجماعة أصحاب الحديث في كل الأمصار فيما علمت: الانقطاع في الأثر يمنع من وجوب العمل به". قلت: قد ذهب الإمام الشافعي ﵀ إلى الاحتجاج بالمرسل بشروط ذكرها في كتابه "الرسالة" (ص: ٤٦١)، إلا أنه خص ذلك بمرسل كبار التابعين، ولم يطرده في غيرهم، فهذا المرسل لا يدخل ضمن ما احتج به الشافعي. وأما أحمد ﵀ فلا يصح عنه الاحتجاج بالمرسل، بل هو يقدم قول الصحابي على المرسل. ففي "مسائل إسحاق بن إبراهيم بن هانى النيسابوري" (١٩١٤): قلت لأبي عبد الله: حديث مرسل برجال ثبت أحب إليك، أو حديث عن الصحابة، أو عن التابعين متصل برجال ثبت؟ قاله أبو عبد الله: عن الصحابة أعجب إليَّ. ونقل ابن رجب في "شرح العلل" (ص: ١٨١) عن أبي داود السجستاني في "رسالته إلى أهل مكة" أنه قال: "وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان

стр. 285

الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيه، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره". فهذا كاف لنقض كلام المؤلف. وثمة نكتة هنا، وهي أن مذهب مالك كما أثبته أبو داود السجستاني وابن عبد البر الاحتجاج بالمرسل، فلو كان هذا المرسل عنده صحيح السند إلى مرسله، أو أنه قد تقوم به الحجة لأجاز شد الرحل للزيارة والقصد للقبر، والمنقول عنه بخلاف ذلك.

стр. 286

الحديث الخامس أخرجه الدارقطني في "السنن" (٢/ ٢٧٨): حدثنا أبو عبيد، والقاضي أبو عبد الله، وابن مخلد، قالوا: حدثنا محمد بن الوليد البسري، حدثنا وكيع، حدثنا خالد بن أبي خالد، وأبو عون، عن الشعبي، والأسود بن ميمون، عن هارون أبي قزعة، عن رجل من آل حاطب، عن حاطب، قال: قال رسول الله ﷺ : "من زارني بعد موتي، فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة". ومن طريق الدارقطني أخرجه البيهقي في "الشعب" (٤١٥١). وأخرجه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (١٣٠): حدثنا زكريا بن عبد الرحمن البصري، حدثنا محمد بن الوليد، حدثنا وكيع بن الجراح، عن خالد، وابن عون، عن الشعبي، والأسود بن ميمون، عن هارون بن أبي قزعة، عن مولى حاطب بن أبي بلتعة، عن حاطب به. قلت: وفي هذا السند هارون بن أبي قزعة - أو ابن قزعة - وهو ضعيف، بل منكر الحديث.

стр. 287

فقد ذكره العقيلي، والساجي، وابن الجارود في "الضعفاء"، وضعفه يعقوب بن شيبة. وقد تفرد برواية هذا الخبر المنكر، بل واضطرب فيه، فرواه على وجه آخر عن رجل من آل الخطاب، عن النبي ﷺ ، قال: "من زارني متعمدًا كان في جواري يوم القيامة، ومن سكن المدينة وصبر على بلائها كنت له شهيدًا وشفيعًا يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة". وهو الحديث الآتي، وسوف يأتي الكلام عليه قريبًا على حدة. ثم إن في السند ذلك المبهم، والمبهم حكمه حكم مجهول العين، كما تقدَّم بيانه. إلا أن المؤلف لم يرض بذلك، بل خالف القواعد العلمية، لأجل توثيق هارون هذا، فقال (ص: ٣٣٢): (والرجل قد ضعفه يعقوب بن شيبة، وذكره العقيلي، والساجي، وابن الجارود في الضعفاء، لكن ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٨٠). ويروي عنه عامر الشعبي، فيكون هارون بن أبي قزعة ثقة عنده. قال يحيى بن معين في "الشعبي": إذا حدث عن رجل فسماه فهو ثقة، ويُحتج به، فرواية الشعبي عن هارون بن أبي قزعة توثيق له كما قال ابن معين لأنه سماه، وهو توثيق أقل من النص عليه صراحة

стр. 288

لأنه توثيق ضمني أو إجمالي، فمع توثيق ابن حبان، ورواية الشعبي الموثقة لهارون بن أبي قزعة فالرجل ممن يعتبر بحديثه ويستشهد). قلت: ما نص عليه ابن معين ليس قاعدة مطردة، ولا اعتماده فيها على تصريح الشعبي بها، وإنما هو بالسبر والتتبع، فلا يجوز أن يقال من صرح باسمه الشعبي فهو ثقة عنده كما زعم المؤلف. بل قد روى الشعبي عن الحارث بن عبد الله الأعور، وصرح باسمه، وقال: كان كذَّابًا. ثم على فرض التسليم بأنه ثقة عند الشعبي، فقد جرحه عامة أهل العلم، ومنهم من جرحه جرحًا مفسرًا، وهو الإمام البخاري. فقد روى العقيلي عنه في "الضعفاء" (٤/ ٣٦٢) أنه قال في هارون: لا يتابع عليه. أي على هذا الحديث المنكر، وهذا كاف لجرحه، لا سيما وأنه لا يُعرف بغيره. وأما قول المؤلف (ص: ٣٣٢ - ٣٣٣): (وليكن الضعف في هذا الحديث غير شديد، بل ضعفه قريب، ويحتج الفقهاء بمثله في إثبات مشروعية أمر ما، ودونك كتب الفقه لتتحقق من صحة مقولتي، فكيف ولأحاديث الزيارة طرق بعضها من شرط الحسن). فساقط جملة وتفصيلًا، ذلك لأنه إن سلم له توثيق هارون -

стр. 289

ولا يسلم له حتى يلج الجمل في سم الخياط - فلا يسلم له عدالة البهم، ولا حتى معرفة عينه، وهذا وحده كاف في رد الحديث. وأما أن هذا الضعف فمما يحتج به الفقهاء، فإن كان بعضهم يقع لهم مثل ذلك في مصنفاتهم، فهو مما انتقد عليهم، لأنهم لا دراية لهم بصحة الأدلة وضعفها، ومن ثم يحتجون بما لا تقوم به حجة، بخلاف الأئمة المحققين من أهل العلم، فإنهم لا يحتجون إلا بالصحيح الثابت، وهذه هي سؤالات أحمد بن حنبل ومسائله، والأم للإمام الشافعي، وكتاب ابن المنذر النيسابوري من الأئمة المجتهدين المنسوبين إلى مذهب الشافعي، لا تراهم يحتجون بمثل هذه الواهيات، بل ولا يذهبون إليها بحال من الأحوال. ومن هنا وردت بعض البدع على الإسلام بتحسين بعض الفقهاء ما لا يحسن من المحدثات اغترارًا ببعض الأحاديث الضعيفة والواهية والموضوعة، وقد بينت ذلك في كتابي "السنن والمبتدعات في العبادات"، وكتابي "الدُربة على الملَكة". وأما أن أحاديث الزيارة منها ما هو على شرط الحسن، فكذب ومبالغة، وقد أثبتنا فيما تقدَّم زيفها ووهاءها. وأما نقل المؤلف عن الذهبي أنه قال: أجودها (أي أحاديث الزيارة) إسنادًا حديث حاطب، وأقره السخاوي في "المقاصد الحسنة"، والسيوطي في "الدرر المنتثرة" فلا يقتضي أنها جيدة أو حسنة،

стр. 290

وإنما هي مقارنة بالأسانيد المتقدمة، التي هي ما بين موضوعة، ومنكرة وواهية، أجود ما فيها. وقد قال الذهبي في "نقده لبيان الوهم والإيهام" لابن القطان (ص: ٨٩): "قال البخاري: أحسن شيء فيه حديث رباح، فقول البخاري: أحسن؛ لا يقتضي تحسينه، فما هو إِلا ضعيف". ثم إني وقفت بعدُ على النقل عن الذهبي في "المقاصد الحسنة" (ص: ٦٤٨)، وعبارته هناك: "ومن أجودها إسنادًا حديث حاطب". فهذه العبارة لا تقتضي بحال أن هذه الرواية أجودها، بل هي من أجودها، ولا تقتضي الجودة، وإنما هي على المقارنة، فتنبه.

стр. 291

الحديث السادس أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (ص: ١٢ - ١٣): حدثنا سوار - وتصحفت عنده إلى نوار - بن ميمون أبو الجراح العبدي، قال: حدثني رجل من آل عمر، عن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من زار قبري - أو قال: من زارني - كنت له شفيعًا - أو شهيدًا - ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة". ومن طريقه أخرجه البيهقي في "الشعب" (٣/ ٤٨٨ - ٤٨٩). قلت: وهذا سند ظاهر العوار، فإن سوار بن ميمون هذا بشهادة المؤلف (ص: ٣٣٦): (لا ترجمة له في كتب الرجال). ثم إن شيخه فيه مبهم، فحكمه حكم مجهول العين، ومع نكارة السند، فلا يستبعد وضعه. ولكن ثمة علة في هذا السند، وهي: الاختلاف فيه على سوار بن ميمون. فقد أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٣٦٢)، والبيهقي في "الشعب" (٣/ ٤٨٨) من طريق: شعبة، عن سوار، عن هارون بن قزعة، عن رجل من آل

стр. 292

الخطاب، عن النبي ﷺ .. به. وأبو داود الطيالسي حافظ كبير، إلا أنه قد خولف فيه، والأولى عندي الحمل فيه على سوار بن ميمون هذا، بدلًا من إعلال رواية حافظ كبير كالطيالسي. ومع هذا فالذي يترجح عندي أن سوار بن ميمون هذا قد سمعه من هارون بن قزعة، كما ورد في رواية شعبة، لأنها يؤيدها رواية وكيع، التي في "التاريخ الكبير" للبخاري. وقد نقلها عنه البيهقي في "الشعب" عن البخاري: قال يوسف بن راشد، حدثنا وكيع، حدثنا ميمون بن سوار العبدي، عن هارون أبي قزعة، عن رجل من ولد حاطب، عن رسول الله ﷺ ... به. وقد نقل العقيلي عن البخاري أنه قال في هارون في هذا الحديث: "مديني، لا يتابع عليه". إلا أن هذه الترجمة لم ترد في مطبوعة "التاريخ الكبير". ومن ثم فإن وكيع وإن كان قد قلب اسم الراوي، إلا أنه قد نسبه كما نسبه الطيالسي، والظن عندي أن الوهم في هذا الحديث، والذي قبله من هارون بن قزعة، فإنه قد اضطرب في روايته، كما تقدَّم بيانه، ومن سوار بن ميمون، فإنه رواه مرة مرسلًا، ومرة بواسطة، بل مع جهالته، فتصريحه بالسماع في رواية الطيالسي من

стр. 293

رجل من آل عمر يدل بلا ريب على كذبه، فإنما يرويه عن هارون بن أبي قزعة - أو ابن قزعة - كما ورد في رواية شعبة، ووكيع. وقد ضرب المؤلف صفحًا عن اعتبار رواية وكيع هذه، بل ولم ينوه بها، أو حتى يشر إليها إشارة، لأنها قاضية بكذب سوار هذا، وبثبوت تلقيه لهذا الحديث من هارون بن قزعة. ثم إن قول المؤلف (ص: ٣٣٦): (والحاصل أن الحديث ضعيف بهذا الإسناد فقط، وليس بموضوع). عجيب جدًّا، ففيه من لم يقف له على ترجمة، وفيه ذلك المبهم، فهل يُقال في حديثهما: إنه ضعيف! ! فقط؟ ؟ ! !

стр. 294

الحديث السابع أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/ ٤٠٦)، والدارقطني (٢/ ٢٧٨)، والبيهقي في "السن الكبرى" (٥/ ٢٤٦)، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٧٩٠)، وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١٠٨٠) من طريق: حفص بن سليمان، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد بن جبر، عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حجَّ فزار قبري بعد موني كان كمن زارني في حياتي وصحبني". قلت: وهذا الحديث منكر المتن كما هو ظاهر من لفظه، تالف الإسناد. فإن فيه حفصًا بن سليمان القارئ، وهو متروك الحديث منسوب إلى الوضع والكذب. وليث بن أبي سليم ضعيف الحديث، مختلط، ولا أرى الآفة فيه من ليث، بل هو عندي على الأقرب موضوع عليه، وإنما هو من صنعة حفص. إلا أن تقي الدين السبكي نافح عن هذا السند، ومثله المؤلف

стр. 295

حتى يتسنى لهما تقويته بمجموع الطرق. قال المؤلف (ص: ٣٣٧): (حفص بن سليمان الكوفي القارئ ضعفه جماعة، وقال بعضهم: متروك، وبالغ فيه بعضهم فنسبه إلى الكذب، وقد أجاب على هذه المبالغة تقي الدين السبكي - رحمه الله تعالى -، فقال: وعندي أن هذا القول سرف، فإن هذا الرجل إمام قراءة، وكيف يعتقد أن يقدم على وضع الحديث والكذب، ويتفق الناس على الأخذ بقراءته، وإنما غايته أنه ليس من أهل الحديث، فلذلك وقعت المنكرات والغلط الكثير في روايته). قلت: إن تعجب فعجب من المؤلف أن يجعل وصف العلماء له بالكذب مبالغة، ومن السبكي أن يجعله سرف، وهو حكم صادر عن إمامين من أنمة أهل الشأن. الأول: هو ابن معين ﵀: قال: كان حفص بن أبي سليمان وأبو بكر بن عياش من أعلم الناس بقراءة عاصم، وكان حفص أقرأ من أبي بكر، وكان أبو بكر صدوقًا، وكان حفص كذَّابًا. والثاني: هو ابن خراش ﵀: قال: كذاب، متروك، يضع الحديث. ثم وجدت لهم ثالثًا وهو أبو حاتم الرازي ﵀ قال:

стр. 296

"ضعيف الحديث، لا يصدق، متروك الحديث". ويؤكد هذا الحكم قول شعبة ﵀ قال: "أخذ مني حفص بن سليمان كتابًا فلم يرده، وكان يأخذ كتب الناس فينسخها". قال ابن حبان: "كان يأخذ كتب الناس فينسخها ويرويها من غير سماع". قلت: فهذا كذب وسرقة ولا شك، وأما احتجاج الناس بقراءته، فلأنه قد تلقاها عن عاصم بن أبي النجود، وثبتت له القراءة عليه، فإنه كان ربيبه، وكان يسكن معه في بيته، ولم يتفرد بها، بخلاف الأحاديث التي رواها، وما ظهر من أمره من رواية ما لم يسمعه أو يُجاز به، ثم إن القراءة شيء، والرواية شيء آخر، فالقراءة مرسومة معلومة، ثابتة معروفة مشهورة، لا تبديل فيها ولا تغيير، وإن شذ فيها ظهرت عورته واكتُشف، لا سيما وقد شاركه غيره فيها، بخلاف الرواية، فالباب فيها واسع، وقد عُلم كذبه ووضعه فيها بالسبر والتتبع. وأما وصف من وصفه من العلماء بالترك: "بالقلة والبعض" فهو مخالف للحقيقة، بل الأكثر على وصفه بالترك، وأنا أسرد أسماء من ذكره بالترك من العلماء والجهابذة، فمنهم: أحمد بن حنبل، وابن المديني، والبخاري، ومسلم،

стр. 297

والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وابن خراش. فهؤلاء سبعة من أئمة الجرح والتعديل وأساطينه، قد اجتمعت كلمتهم على تركه. وقد وهاه غيرهم، فقال أبو أحمد الحاكم: "ذاهب الحديث"، وقال النسائي: "ليس بثقة"، وقال الساجي: "يحدث عن سماك، وعلقمة بن مرثد، وكذلك عن قيس بن مسلم، وعاصم بن بهدلة أحاديث بواطل". قلت: وللحديث متابعتان ساقطتان، فأما: • المتابعة الأولى: فأخرجها الطبراني في "الأوسط" (٢٨٧): حدثنا أحمد بن رَشدين، قال: حدثنا علي بن الحسن بن هارون الأنصاري، قال: حدثني الليث ابن ابنة الليث بن أبي سليم، قال: حدثتني عائشة ابنة يونس امرأة ليث بن أبي سليم، عن ليث بن أبي سليم ... به. قلت: أحمد بن رشدين موصوف بالكذب، ومن بينه وبين ليث بن أبي سليم لم أقف لهم على تراجم، وأما: • المتابعة الثانية: فأخرجه أبو بكر محمد بن السري بن عثمان التمار في "جزئه" - كما في "شفاء السقام" للسبكي (ص: ٢٧) - قال:

стр. 298

حدثنا نصر بن شعيب مولى العبديين، حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر به. قلت: وهذا السند تالف كسابقه، بل فيه وهم. أما آفة السند فهو محمد بن السري هذا، فقد ترجمه الذهبي في "الميزان"، وقال: "يروي المناكير والبلايا، ليس بشيء"، وقال في شيخه نصر بن شعيب: "ضُعف"، وليث بن أبي سليم ضعيف، إلا أنه لا يصح عنه أنه حدَّث به حتى يُعل به. وأما الوهم، فقد نقل السبكي عن ابن عساكر أنه قال: "هو وهم، وإنما هو حفص بن سليمان أبو عمر الأسدي الغاضري القاري". قلت: وهذا متاح. وعليه فلا يحسن بالمؤلف بعد بيان وهاء الحديث ومتابعاته، وسقوطها أن يقول (ص: ٣٤٠): (وعلى كل فالحديث ضعيف). فإن هذا ينصرف إلى الضعف المحتمل، والحديث موضوع لا يُشك في ذلك.

стр. 299

الحديث الثامن أخرجه أبو الفتح الأزدي في الثامن من "فوائده" - كما في "لسان الميزان" (٢/ ٧ - ٨) -: حدثنا النعمان بن هارون، حدثنا أبو سهل بدر بن عبد الله المصِّيصي، حدثنا الحسن بن عثمان الزيادي، حدثنا عمار بن محمد، حدثنا خالي سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حجَّ حجة الإسلام، وزار قبري، وغزا غزوة، وصلى في بيت المقدس لم يسأله الله فيما افترض عليه". ومن طريق الأزدي أخرجه ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" (ص: ١٥٥). قلت: الأزدي متكلم فيه، إلا أنه لا يحتمل منه وضع الحديث، بل المتهم به بدر بن عبد الله المصيصي هذا، فإنه مجهول، لم يتكلم فيه أحد بجرح أو تعديل، وإنما أورده الذهبي في "الميزان" (١/ ٣٠٠)، وقال: "عن الحسن بن عثمان الزيادي بخبر باطل".

стр. 300

ونقل ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (١/ ١٧٥) عن الذهبي في "الميزان": "هذا باطل، وآفته بدر". وأما المؤلف فقد ذهب إلى الحمل فيه على الأزدي، فقال (ص: ٣٤٢): (الحمل في هذا الحديث على أبي الفتح الأزدي لا على المصيصي). قلت: إنما بنى قوله هذا على حكاية أخرجها الخطيب في "تاريخه" (٢/ ٢٤٤)، قال: حدثني أبو النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد الأموي، قال: رأيت أهل الموصل يوهنون أبا الفتح الأزدي جدًّا ولا يعدونه شيئًا، قال: وحدثني محمد بن صدقة الموصلي أن أبا الفتح قدم بغداد على الأمير - يعني: ابن بويه - فوضع له حديثًا: أن جبريل كان ينزل على النبي ﷺ في صورته، قال: فأجازه وأعطاه دراهم كثيرة. قلت: هذه الحكاية لا تصح، ومدارها على شيخ الخطيب، وقد ترجمه في "تاريخه" (١١/ ١١٧)، ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأورده الذهبي في "السير" (١٧/ ٤٤٧) وقال: "الحافظ الإمام الجوال". ولم يورد فيه توثيقًا لأحد، ووصفه بأنه حافظ لا يقتضي ضبطه وعدالته، فالأزدي نفسه وصفوه بأنه حافظ، ومع هذا وهَّنوا أمره.

стр. 301

وشيخه صاحب الحكاية محمد بن صدقة الموصلي لم أقف له على ترجمة. وهذه الحكاية لم يعتمدها الذهبي في ترجمة الأزدي في "السير" ولا في "تاريخ الإسلام"، ولا في "تذكرة الحفاظ"، بل قال في "التذكرة" (٣/ ٩٦٧): "وهَّاه جماعة بلا مستند طائل". وذكر ابن كثير هذه الحكاية في ترجمة الأزدي من "البداية والنهاية" (١١/ ٣٠٣)، واستغربها، وعرَّض بصحتها، فقال: "والعجب إن كان هذا صحيحًا، كيف راج على أحد ممن له أدنى فهم وعقل".

стр. 302

الحديث التاسع أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٤٨٠)، وابن حبان في "المجروحين" (٣/ ٧٣)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (١١٦٨) من طريق: محمد بن محمد - ووقع عند ابن حبان: محمود - بن النعمان بن شبل، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا: "من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني". وعزاه السخاوي في "المقاصد" (١١٧٨) إلى الدارقطني في "العلل"، و "غرائب مالك". قلت: وهو حديث موضوع ولا شك، والنكارة في السند والمتن ظاهرة. وقد حكم عليه الذهبي بالوضع في "الميزان" (٤/ ٢٦٥). وحمل فيه على النعمان بن شبل. فقد قال فيه ابن حبان: "يأتي عن الثقات بالطامات، وعن الأثبات بالمقلوبات"، وقال موسى بن هارون: "كان متهمًا". قلت: ومحمد بن محمد بن النعمان اتهمه الدارقطني،

стр. 303

وضعفه جدًّا. وقد نقل ابن الجوزي عن الدارقطني قوله: "الطعن في هذا الحديث من محمد بن محمد، لا من النعمان". والحديث لم يخالف المؤلف في الحكم بسقوطه ووضعه.

стр. 304

الحديث العاشر أخرجه البزار (كشف الأستار: ١١٩٨): حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الله بن إبراهيم، حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: "من زار قبري حلت له شفاعتي". قال البزار: "عبد الله بن إبراهيم لم يتابع على هذا". قلت: والحمل عليه في هذا الحديث، فإنه متروك، ونسبه ابن حبان إلى وضع الحديث، وقال الحاكم: "روى عن جماعة من الضعفاء أحاديث موضوعة لا يرويها غيره". وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف جدًّا. والحديث موضوع.

стр. 305

الحديث الحادي عشر أخرجه أبو الفتوح اليعقوبي في "جزء له" من طريق: خالد بن يزيد، حدثنا عبد الله بن عمر العمري، قال: سمعت سعيد المقبري، يقول: سمعت أبا هريرة ﵁ مرفوعًا: "من زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حي". وفيه خالد بن يزيد أبو الهيثم العمري، وقد كذبه أبو حازم، وابن معين، ووصفه ابن حجر في "اللسان" (٢/ ٤٧٧ - ٤٧٨) بالوضع. ولو صح هذا الحديث وما روي في معناه لم يكن فيه ثمة دليل على جواز الزيارة المقترنة بشد الرحال، وإنما تكون مخصوصة بمن زاره ﷺ من أهل المدينة، وهذه لم يمنع منها أحد، أو من زار المدينة وشد الرحال إليها إما لزيارة المسجد النبوي، فيقرن بها زيارة القبر النبوي الشريف، أو من شد إليها الرحال لطلب علم، أو لتجارة، أو لحاجة دنيوية، فله أن يزور القبر النبوي الشريف، ولم يمنع شيخ الإسلام من ذلك، ولا أحد من أهل العلم، كما تقدَّم بيانه.

стр. 306

الحديث الثاني عشر أخرجه ابن النجار في "الدرة الثمينة في فضائل المدينة" (١) من طريق: محمد بن مقاتل، عن جعفر بن هارون، عن سمعان بن المهدي، عن أنس مرفوعًا: "من زارني ميتًا فكأنما زارني حيًّا، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من أمتي له سعة لم يزرني فليس له عذر". قلت: هذا حديث منكر المتن، لوائح الوضع ظاهرة عليه، وقد ورد بسلسلة مشهورة بالسقوط والوهاء، رويت بها نسخة موضوعة. فأما سمعان بن مهدي، فقال الذهبي: "لا يكاد يُعرف، أُلصقت به نسخة مكذوبة رأيتها، قبَّح الله من وضعها". وتمَّمَ الحافظ في "اللسان" (٣/ ١٣٥) فقال: "وهي من رواية محمد بن مقاتل الرازي، عن جعفر بن هارون الواسطي، عن سمعان، فذكر النسخة، وهي أكثر من ثلاث

стр. 307

مائة حديث، أكثر متونها موضوعة ... ". وأما جعفر بن هارون، فقال الذهبي: "أتى بخبر موضوع". وأما محمد بن مقاتل، فقال عنه البخاري: "لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إليَّ من أن أروي عن محمد بن مقاتل". وجملة القول أن الحديث موضوع. ولم يخالف المؤلف في ذلك.

стр. 308

الحديث الثالث عشر ولفظه: "رحم الله من زارني وزمام ناقته بيده". قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (٥١٤): "قال شيخنا: إنه لا أصل له بهذا اللفظ". وأورده ابن عراق في "تنزيه الشريعة" (٢/ ١٧٦) فتوى الحافظ فيه. ومثله في "كشف الخفا" للعجلوني (١/ ٥١٤).

стр. 309

الحديث الرابع عشر ولفظه: "من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له الجنة". قال النووي ﵀ في "المجموع" (٨/ ٢٦١): "هذا باطل، ليس هو مرويًّا عن النبي ﷺ ، ولا يُعرف في كتاب صحيح ولا ضعيف، بل وضعه بعض الفجرة". وقد حكم عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بالوضع في "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣). وقال بدر الدين الزركشي في "التذكرة" (ص: ١٧٢): "قال بعض الحفاظ: هو موضوع، ولم يروه أحد من أهل العلم بالحديث".

стр. 310

الحديث الخامس عشر أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ١٣٧)، والبيهقي في "حياة الأنبياء" (١٩)، وفي "الشعب" (٢/ ٢١٨)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٣/ ٢٩١)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٥٦٢) من طريق: محمد بن مروان السُّدي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلَّى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلَّى عليّ نائيًا أُبلغته". قال العقيلي: "لا أصل له من حديث الأعمش، وليس بمحفوظ، ولا يتابعه إلا من هو دونه". وروى الخطيب بسنده إلى عبد الله بن قتيبة، قال: سألت ابن نمير عن هذا الحديث؟ فقال: "دع ذا محمد بن مروان ليس بشيء". وقال ابن الجوزي: "لا يصح، محمد بن مروان هو السُّدي الصغير، كذاب". قلت: كذبه جرير بن حازم، وروى الخطيب بسنده إلى صالح

стр. 311

ابن محمد الحافظ أنه قال: كان ضعيفًا، وكان يضع الحديث أيضًا. وأما المؤلف فقد هوَّن من ضعف السُّدي هذا، فقال (ص: ٣٥٣): (محمد بن مروان السدي متروك الحديث، وكُذِّب). وهذا مشعر أن الرجل وان كان ضعيف الحال جدًّا إلا أنه لا يتهم بوضع، لا سيما وقد مرَّض المؤلف تكذيبه بقوله: (كُذِّب)، وهي صيغة تدل على ضعف القول، ومن ثم التشكيك في هذا التكذيب، مع أن تكذيبه قد ورد عن إمام حافظ كبير، وكذلك فقد غضَّ الطرف عن نسبته إلى الوضع، وقد ورد هذا عن إمام آخر مقدَّم في الرجال والحديث، وهو صالح بن محمد ﵀. وقد توبع السُّدي هذا على هذه الرواية. فقد أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في "الثواب" كما في "اللآلئ" (١/ ٢٨٣): حدثنا عبد الرحمن بن أحمد الأعرج، حدثنا الحسن بن الصباح، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به مرفوعًا. قلت: عبد الرحمن بن أحمد الأعرج هذا هو ابن أبي يحيى الزهري، ترجمه أبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" (٤/ ٢٢٧)، ولم يورد فيه جرحًا، ولا تعديلًا، وتابعه على ذلك الحافظ الذهبي في "تاريخ الإسلام" وفيات سنة (٣٠٠) هـ.

стр. 312

ومثله لا يَحتمل منه مثل هذا الحديث على ما فيه من نكارة المتن ونظافة السند، وليس له متابع عليه يعضده، أو ينفي النكارة عنه. وأما المؤلف، فقال (ص: ٣٥١): (قال الحافظ السخاوي في القول البديع: وسنده جيد كما أفاده شيخنا، أي الحافظ ابن حجر. وقد أصاب الحافظ في حكمه، فإسناد الحديث رجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ أبي الشيخ فغاية ما في الرجل إنه مستور، وهو على شرط ابن حبان، لكن لم أجده في ثقاته. ومثل هذا الصنف من الرواة يقبل الجمهور حديثه ما لم يخالف كما صرح الذهبي بذلك في ترجمة مالك بن الخير الزيادي. وقال الذهبي في ترجمة زياد بن مليك: شيخ مستور، ما وُثق ولا ضُعِّف، فهو جائز الحديث. وقال في ترجمة الربيع بن زياد الهمداني: ما رأيت فيه تضعيفًا، فهو جائز الحديث ..... الحاصل أن رواية من كان هذا شأنه مقبولة، ما لم يخالف، أو يأت بمتن منكر، ولا تجد هنا مخالفة، ومتن الحديث ليس فيه نكارة). قلت: أما قول المؤلف: "ومثل هذا الصنف من الرواة يقبل الجمهور حديثه ما لم يخالف"، فغير مقبول، لأنه معكوس مغلوط.

стр. 313

وقد بين الحافظ ابن حجر ما وقع في هذه المسألة من الخلاف، والراجح فيها، فقال في "نزهة النظر" (ص: ٤٦): "مجهول الحال، وهو المستور، وقد قبل روايته جماعة بغير قيد، وردها الجمهور. والتحقيق: أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يطلق القول بردها ولا بقبولها، بل هي موقوفة إلى استبانة حاله كما جزم به إمام الحرمين". قلت: وهذا هو الراجح، ويؤيده صنيع الشيخين، فإنهما أخرجا حديث بعض هذا النوع من الرواة، وهذا محمول على أنهما قد تخيرا من حديثهم ما وافقهم فيه الثقات، لا أنهما يذهبان إلى قبول حديث هذا النوع بغير قيد. وأما ما استدل به المؤلف من صنيع الذهبي، فلا يلزم منه أن يُجعل قاعدة، لا سيما وقد خالف بهذه الجزئية مذهب الجمهور، فإن قيل: هو مذهب الذهبي، فقريب. ولكن كان يلزم المؤلف كما استدل بمذهب الذهبي في هذه المسألة أن يلتزم بباقي مذهبه، وهو مذهب الجمهور فيما تفرد به الراوي. قال الذهبي ﵀ في "الموقظة" (ص: ٧٧ - ٧٨): "فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارة على ما

стр. 314

انفرد به مثل عثمان بن أبي شيبة، وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: هذا منكر. فإن روى أحاديث من الأفراد المنكرة، غمزوه وليَّنوا حديثه، وتوقفوا في توثيقه". قلت: فهذا حكم أهل العلم فيما تفرد به الثقات من طبقة مشيخة الأئمة، فكيف بتفرد من لم يُجرح ولم يوثق، وكان أنزل من مشيخة الأئمة في الرواية؟ ! . ولو قال قائل - فيما تقدَّم ذكره عن الذهبي -: إن هذا الحكم فيما لو توبع الراوي من الثقات لكان قريبًا. وأما هذه الرواية فكما ترى قد تفرد بها هذا المستور، ولم يتابع عليها، والسند فيه نكارة من جهة تفرد هذا المستور بهذا السند المروي عن أئمة حفاظ. وقول العقيلي الذي نقلناه يدل على أن الحديث لا يُحفظ أصلًا من حديث الأعمش، ليس من طريق السدي فقط، بل وغير السدي، ويدل على ذلك أنه قال: "لا أصل له من حديث الأعمش، .... ، ولا يتابعه -[أي السدي]- إلا من هو دونه". وأما قول المؤلف في أخر كلامه المتقدِّم: "الحاصل أن رواية من كان هذا شأنه مقبولة، ما لم يخالف، أو

стр. 315

يأت بمتن منكر، ولا تجد هنا مخالفة". فيه نظر، فالتفرد في نفسه نوع مخالفة، من جهة أن هذا الراوي قد تفرد برواية ما لا يُحتمل منه، ولم يتابعه أحد ممن يجوز الاعتبار بهم أو الاحتجاج بحديثهم. ومن ثمَّ فإن هذا الحديث منكر من هذا الطريق الثاني، وإن تساهلنا تساهل المؤلف! ! فغايته أن يكون ضعيفًا جريًا على قول الجمهور في رد رواية المستور، وليس ثمة ما يؤيده. هذا من جهة الصناعة الحديثية. وأما من جهة الاستدلال فليس فيه ما يدل على جواز شد الرحال للزيارة، وإنما فيه فضل الصلاة عليه ﷺ عند قبره، ولم يمنع أحد الزيارة للقبر النبوي الشريف، وإنما منع شيخ الإسلام ومن تقدَّمه من العلماء شد الرحل لأجل الزيارة، لا ذات الزيارة للمقيم في المدينة، أو للقادم إليها في تجارة أو طلب أو منفعة دنيوية أو لالتماس الأجر بشد الرحل إلى المسجد النبوي الشريف، فهذا الحديث محمول على فضل ذلك لمثل هؤلاء. ومن ثم فالاحتجاج بهذا الحديث ساقط جملة وتفصيلًا.

стр. 316

الحديث السادس عشر أخرجه أحمد (٢/ ٥٢٧)، وأبو داود (٢٠٤١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٥/ ٢٤٥)، وفي "الشعب" (٢/ ٢١٧)، وفي "حياة الأنبياء" (١٦) من طريق: حيوة بن شريح، عن أبي صخر، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما من أحد يُسلم عليّ، إلا ردَّ الله عليّ روحي حتى أرد عليه". قلت: وهذا سند حسن، فإن أبي صخر وهو حميد بن زياد، ويزيد بن عبد الله بن قسيط فيهما كلام يسير، لا ينزل بحديثهما عن درجة الحسن. ولكن وجدت الإمام ابن القيم ﵀ يعل هذا الحديث في "جلاء الأفهام" (ص: ٣٥)، فقال: "وسألت شيخنا عن سماع يزيد بن عبد الله بن قسيط، من أبي هريرة؟ فقال: ما كان أدركه، وهو ضعيف، ففي سماعه منه نظر". ولم أتبين من هو المسؤول، هل هو شيخ الإسلام ابن تيمية،

стр. 317

أو الحافظ المزي - رحمهما الله -، فكلاهما من مشايخ ابن القيم، والأقرب عندي الثاني، لأنه أشهر من ابن تيمية في معرفة الرجال وأحوالهم، وسماعاتهم، إلا أنه لم يصرح بذلك في ترجمة يزيد من "التهذيب"، ولا ألمح إليه. والظاهر عندي أن السماع محتمل جدًّا فضلًا عن الإدراك باعتبار وفاة أبي هريرة، ووفاة يزيد بن عبد الله بن قسيط، وعُمره. ثم وجدت بعد ذلك الإمام البخاري ﵀ يذكر سماعه من أبي هريرة في "التاريخ الكبير" (٢/ ٤/ ٣٤٤). والحديث وإن كان حسنًا، إلا أنه أيضًا لا يُثبت القول بجواز شد الرحل لأجل الزيارة لا من قريب أو بعيد، لا سيما وأن الحديث عام، فيستوي فيه القريب، والنائي البعيد.

стр. 318

الحديث السابع عشر أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٩٥) من طريق: يعلى بن عبيد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عطاء مولى أم صُبيَّة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "ليهبطن عيسى بن مريم حكمًا عدلًا، وإمامًا مُقسطًا، وليسلكن فجًّا حاجًّا أو معتمرًا أو ثنتيهما، وليأتين قبري حتى يُسَلِّم عليّ ولأردنَّ عليه". قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة". قلت: لم يخرجاه لأنه معلول بهذا الإسناد، وبهذه الزيادة. آفته محمد بن إسحاق، وهو صدوق، إلا أنه أفسد حديثه بالتدليس، فما لم يصرح فيه بالسماع فهو مردود، وهذا الخبر عنعنه كما ترى، وعطاء مولى أم صُبيَّة هذا في حيز الجهالة، تفرد بالرواية عنه سعيد بن أبي سعيد المقبري، وأورده ابن أبي حازم في "الجرح والتعديل" (١/ ٣/ ٣٣٩)، ولم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلًا، وقال

стр. 319

الذهبي: "لا يعرف، تفرد عنه المقبري". والحديث قد رُوي من وجوه أخرى صحيحة دون هذه الزيادة عند البخاري (٢/ ٤٩٠)، ومسلم (١/ ١٣٥ - ١٣٧). بل أخرج مسلم (٢/ ٩١٥) من طريق: الزهري، عن حنظلة الأسلمي، قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يحدِّث عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، ليهلن ابن مريم بفجِّ الروحاء حاجًّا أو معتمرًا، أو ليثنيهما". وليس فيه ذكر تلك الزيادة المنكرة، التي تفرد بها ذلك المجهول. وأما المؤلف، فقد تعصب لتصحيح هذا الحديث، فقال عقب نقل حكم الحاكم على الحديث بالصحة (ص: ٣٥٧): (وسلَّمه الذهبي). وهذا خطأ بيِّن، فإنما الذهبي ملخِّص للمستدرك، وإنما يختصر طرقه، ومثلها عبارة الحاكم، وقد ينشط فيتعقب بعض الأحاديث بالتعليل، وقد لا ينشط، وإنما لخص قول الحاكم المتقدِّم، فقال: "صحيح"، ولا يُستفاد من ذلك أنه قد أقرَّه على هذا الحكم، لا سيما وقد حكم على راويه بالجهالة. ثم قال المؤلف في سبيل توثيق هذا المجهول (ص: ٣١٥):

стр. 320

(وعطاء مولى أم حبيبة، تابعي روى عنه إمام ثقة حافظ هو سعيد بن أبي سعيد المقبري، فإذا ضممت له ذكر ابن حبان له في "الثقات" (٥/ ٢٠١)، وتصحيح الحاكم له، ورواية النسائي له (٤/ ١٦٤) فهو كاف لقبول حديثه، إذ إنه لم يأت بما يُنكر عليه. وتذكَّر كلمة الذهبي في "الموقظة" (ص: ٨١): ومن الثقات الذين لم يخرَّج لهم في الصحيحين خلق، منهم: من صحح له الترمذي، وابن خزيمة، ثم من روى لهم النسائي ... ). قلت: أما رواية سعيد المقبري عنه، فلا تثبت، فقد تفرد بها محمد بن إسحاق بالعنعنة. إلا أن المؤلف قال: (ولا يضر هنا عدم تصريح محمد بن إسحاق بالسماع لأنه توبع، فللحديث طرق متعددة). قلت: وهذه مغالطة واضحة، وتدليس بيِّن، فتلك الطرق التي يشير إليها المؤلف هي على ثلاثة أنواع: الأول: الطرق التي اختلف فيها على محمد بن إسحاق التي ذكرها ابن أبي حاتم في "العلل" (٢٧٤٧) عن أبي زرعة الرازي، وعنه نقل المؤلف في كتابه (ص: ٣٥٧)، فكلها من رواية ابن إسحاق بالعنعنة. الثاني: الطرق التي وردت في الصحيحين ومسند أحمد وغيرها
следующие страницы →