Полный текст (291 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قال ابن دريد: وإنما سميت شوصة لأنها ريح ترفع القلب عن موضعه وتزعزعه، يقال شاص فاه بالسواك يشوصه، إذا استاك من سفل إلى علو. ويقال: السعال أيضا، إذا كثر، كما يقال: به بوال لمن كثر منه البول، وعطاش لمن كثر منه العطش، وكثير ما تأتي الأدواء على فعال نحو الزكام والدوار وشبه ذلك.
ويقولون: لضرب من العقاقير: صبر.
والصواب: صبر على وزن فخذ ونمر. قال الشاعر:
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
ويقولون لبعض الأمراض: سل بالفتح، والصواب: سل بالكسر.
ويقولون: الذبول، بفتح الذال. والصواب: الذبول بضم الذال.
ويقولون: بختِيشوع. والصواب: بحتيشوع بفتح التاء.
ويقولون: إذا أرادوا تعظيم عالم بالطب: قال فلان المتطبب. يتوهمون أنه أبلغ من طبيب.
وليس كذلك؛ لأن المتفعل هو الذي يدخل نفسه في الشيء، ليضاف إليه، ويصير من أهله، ألا ترى أنك تقول: ما فلان بشجاع، وإنما هو متشجع؟ ولا هو جليد، وإنما هو متجلد؟ قال حاتم طيء:
تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما
وقال آخر:
وقيس عيلان ومن تقيسا
يريد من أدخل نفسه معهم وليس منهم.
وفي الحديث: " اغد عالما أو متعلما، ولا تكن الثالث فتهلك".
стр. 212
ويروى: " ولا تكن إمعة، والإمعة: الذي يتبع كل أحد على رأيه، فيقول: أنا معك، أنا معك".
ففرق ما بين طبيب، ومتطبب، كفرق ما بين حليم ومتحلم، وجليد ومتجلد.
стр. 213
٤٠ - باب غلط أهل السماع
أول ما يغلطون فيه، اسم صناعتهم، فيقولون: نغنى باللقاع.
والصواب: بالإيقاع، مصدر أوقع يوقع.
ومن أملح ما مدح به الإيقاع ما أنشدنيه الشيخ أبو بكر أيده الله لبعض البغداديين.
غني وللإيقاع قبل ... بيان منطقه بيان
وكأنما يده فم ... وقضيبه فيها لسان
ومن غلطهم في أبيات الغناء قول قيس بن الخطيم:
أتعرف رسما كاطراد المذاهب ... لعمرة وحشا غير موقف راكب
يجعلون مكان عمرة: عزة. وذلك غلط.
إنما هي عمرة أخت عبد الله بن رواحة.
وقول الآخر:
ولما نزلت منزلا طلة الندى ... أنيقا وبستانا من النور حاليا
يجعلون مكان طلة: حفة الندى: والصواب: طلة.
وقول آخر:
أيا جبلي نعمان بالله خليا ... طريق الصبا يخلص إلي نسيمها
يقولون: نسيم الصبا.
стр. 214
والصواب: طريق الصبا. قال الشيخ أبو بكر: هكذا رواية أبي يعقوب بن خرزاذ، ورويناه عنه.
ومن ذلك قول ابن الرومي.
أضحى ينغصني النسيم سميه ... أفلا يهنئني النسيم نسيم
يبدلونه تبديلا قبيحًا، ولا يصح معه معنى.
وقول آخر:
لو عرفت الهوى عذرت ولكن ... هان لما خفي عليك عليك
يجعلونه مكان عليك الأولى: هواي، وهو غلط.
وقول آخر:
ولها في الفؤاد صدع مقيم ... مثل صدع الزجاج ليس يريم
يقولون: ولها في الفؤاد حب مقيم وذلك غلط. إنما هو صدع.
ومن ذلك قول ذي الرمة:
أقامت بها حتى ذوي العود والثرى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر
يقولون: وقفت بها حتى ذوي العود في الثرى. وليس كذلك.
إنما الرواية: أقامت بها يعني أن هذه المرأة أقامت بهذه الدار، زمن الربيع، للرعي، فلما كان وقت طلوع الثريا وجفوف الثرى، وانقطاع المرعى، رحلت عنها ورجعت إلى مكانها. وكذلك كانت العرب تتجع المراعي في الربيع، وتقيم بالأماكن الخصيبة، فإذا أقبل الحر وصوح النبت رجع كل قوم إلى مكانها، واجتمعوا على مياهم.
стр. 215
ومن ذلك قول سحيم عبد بني الحسحاس:
وأقبلن من أرض العراق يزرنني ... أوانس لم يقصدن خلقا سوائيا
يقولون: سوائيا بكسر السين.
والصواب: فتحها، تقول: ما رأيت سوى زيد وما رأيت سواء زيد إذا قصرت كسرت، وإذا مددت فتحت.
ومن ذلك قول كثير:
ولما وقفنا والقلوب على الغضا ... وللدمع سح والفرائص ترعد
يقولون: ترعد، بفتح التاء وضم العين. والصواب: ترعد على ما لم يسم فاعله.
وقول جرير:
متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام
يفتحون الخاء من الخيام وكذلك أينما وقعت في الشعر، يقولون:
أما الخيام فإنهن خيامها
والصواب: كسر الخاء.
وكذلك يضمون الباء من بثنة حيثما وقعت في شعر جميل كقوله:
يا بثن إنك إن ملكت فأسجحي ... وخذي بحظك من كريم واصل
وكقوله:
وقالوا يا جميل أتى أخوها ... فقلت: أتى الحبيب أخو الحبيب
بقلبي أن نزلت جبال حسمى ... وأن ناسبت بثنة من قريب
والصواب: فتحها. وإنما تضم إذا جاءت مصغرة. تقول: بثينة، وإن
стр. 216
جئت بها مكبرة رددتها إلى أصلها فقلت: بثنة كما تقول: عميرة وعمرة.
والبثنة: الزبدة، وهي أيضا الرملة السهلة.
قال لي حسن بن رشيق، ﵀: إذا وقع في شعر جميل حسمي فهو بالميم وكسر الحاء. وإذا وقع في شعر كثير فهو حسني بالنون وضم الحاء. وهو موضع أيضا. ومن ذلك قول البحتري:
عرج على حلب فرو محلة ... مأنوسة فيها لعلوة منزل
وقوله:
تناءت دار علوة بعد قرب ... فهل طفيف يبلغها السلاما
يضمون العين من علوة أيضا. وهو خطأ.
وقول آخر:
أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا
يفتحون الدال من الثدي. والصواب: كسرها، لأنها جمع ثدي لا تصغيره.
وقال آخر:
فلم أبرح أجول به ... على بصري ومحجره
يقولون: ومحجره. وذلك غلط. إنما هو محجر على وزن مسجد، وقال أبو الفتح ابن جني: قرأت على أبي الطيب:
وقد صارت الأجفان قرحى من البكا ... وصار بهارا في الخدود الشقائق
فقال لي: قرحا، أما ترى بعدها بهارا؟ فالرواية: قرحًا بالتنوين.
وقول الشريف الضي:
стр. 217
لو أن قومك نصلوا أرماحهم ... بعيون سربك ما أبل طعين
يقولون: أنصلوا فينقلب المعنى، لأن معنى أنصلت الرمح: نزعت نصله، ومنه قيل لرجب: منصل الأسنة، لأنهم كانوا ينزعون في الأسنة فلا يغزون ولا يتحاربون.
ومعنى نصلته: ركبت نصله. فأراد: لو أن قومك ركبوا عيون سربك على أرماحهم ما أبل طعين، أي ما أفاق مطعون بها. والسرب: جماعة النساء.
ومما يصحفونه قول جميل:
راحت بثينة في الخليط الرائع ... فانهل دمعك مثل غرب الماتح
يقولون: المايح بالياء. والصواب: بالتاء المعجمة من فوق.
وقول آخر:
وهل رفت عليك قرون ليلى ... رفيف الأقحوانة في نداها
يقولون: وهل زفت عليك. زفيف الأقحوانة، بالزاي.
والصواب: بالراء، ومعنى رفت ها هنا: اهتزت، وقول النميري:
مررن بفخ ثم رحن إلى منى ... يلبين للرحمن مؤتجرات
يقولون: مررن بفج بالجيم. وليس كذلك. إنام هو بالخاء. وفخ: موضع معروف ببعض نواحي الحرم. ويروى: متجرات بتاء واحدة مشددة، والمعنى واحد.
وقول أبي نواس:
ولو شئت دارت راحتي تحت قرقر ... من اللمس إلا من يدي حصان
стр. 218
يقولون: إلا من ثدي حصان.
والصواب: بالياء. وتقدير البيت: ولو شئت دارت راحتى تحت قرقر حصان من اللمس إلا من يدي. والقرقر والقرقل: القميص الذي لاكمي له.
وقد تقدم ذكره في مكانه.
ويقال للمرأة: حصان بفتح الحاء، وللفرس: حصان بكسرها.
وقول آخر:
رب فارحمهما كما رحماني ... وأقلا عند الوداع الحداجا
يقولون: الخداجا. والصواب: بالحاء غير معجمة. والحداج: إدامة النظر، ومنه حديث ابن مسعود ﵁: حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم، أي ما أقبلوا عليك ورمقوك، فإذا غضوا عليك، أو نظروا يمينا وشمالا، فدعهم من حديثك، فإنهم قد ملوا.
قال أبو عبيد: هذا شبيه بالحديث المرفوع، أنه كان ﷺ يتخولنا بالموعظة، مخافة السآمة علينا.
ومن ذلك قول البحتري:
أعيدي في نظرة مستثيب ... توخي الأجر أو كره الأثاما
يقولون: مستتيب بتاءين. والصواب: بتاء وثاء.
وقول آخر:
أوميض برق أم تألق يارق ... أم ريع قلبك للخيال الطارق.
يقولون: أم تألق بارق بنقطة واحدة. والصواب: بالياء بنقطتين.
واليارق: الحلي، يقال فيه: يارق ويارق، بفتح الراء وكسرها والفتح أفصح، إلا أن الاختيار في هذا الباب الكسر، كراهة السناد وقد يترك الأحسن
стр. 219
لما هو أحسن منه، كما قال عبد المحسن الصوري حين قريء عليه من شعره:
يا حار إن الركب قد حاروا ... فاذهب تحسس لمن النار
بكسر الراء من يا حار: إني لأعلم أن كسر الراء أحسن، ولكن لا يقرأ على شعري إلا باختياري، فإني لا أختار في هذا الموضع إلا يا حار بضم الراء.
وإنما اختار عبد المحسن ذلك ليجانس أول القسيم آخره.
стр. 220
٤١ - باب ما يجري في ألفاظ الناس ولا يعرفون تأويله
من ذلك قولهم: ما يعرف كوعه من بوعه.
الكوع: رأس الزند الذي يلي الإبهام. والبوع: ما يلى طرفي يدي الإنسان إذا مدهما يمينا وشمالا. يقال باع وبوع. وقد بعت الحبل بوعا، إذا قسته بباعك.
ويقولون: قرطس على الشيء إذا أصاب قدره، أو عرف عدده بالحدس والتخمين.
أصل ذلك من إصابة القرطاس الذي ينصب غرضا للرماة، يقال: قرطس السهم إذا أصاب الغرض.
وقولهم: ما يدري ما طحاها.
إنما يريدون قول الله : ﴿والأرض وما طحاها﴾ ومعنى طحاها: بسطها ووسعها. وقال الأصمعي: طحاها: مدها. ويقال: طحا قلبه في كذا وكذا، إذا تطاول وتمادى. ومنه قول علقمة:
طحا بك قلب في الحسبان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
أي تطاول وتمادى في ذلك.
стр. 221
وقولهم: ما يعرف قبيلا من دبير.
القبيل: ما أقبلت به المرأة إلى صدرها من غزلها حين تفتله. والدبير: ما أدبرت به.
وقولهم: أخذت الشيء بحذافيره أي بجملته.
وحذافير الشيء: أطرافه، الواحد حذفور وحذفار، مثل: شمروخ وشمراخ.
وقولهم: خبيث مخبث.
المخبث: الذي له أصحاب وأهل خبثاء.
وقولهم: ما بقي له سد ولا لبد.
السبد: الشعر والوبر، يعني الإبل والمعز. واللبد: الصوف، يعني: الغنم.
وقولهم: سمج لمج.
وقال الليث: لمجت الدابة الحشيش تلمجه لمجا: تناولته، واللماج: الذواق، يقال إنه لسمج لمج.
وقولهم: فلان ضخم الجزارة. والجزارة: اليدان والرجلان.
وقولهم: فلان لا للعير ولا للنفير. والمثل: لا في العير ولا في النفير.
وأصل ذلك إنما أريد به. لا في عير أبي سفيان بن حرب، ولا في عسكر المشركين يوم بدر.
وجرى بين خالد بن يزيد بن معاوية، وبين الوليد بن عبد الملك، كلام، فقال الوليد لخالد: ما أنت في العير ولا في النفير. فقال له خالد: ألي تقول هذا وجدي أبو سفيان صاحب العير، وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير؟
وقولهم: لله درك.
قال الأصمعي وغيره: أصل ذلك أنه حمد فعل الرجل وما يجيء به، قيل له: لله درك أي ما يجيء منك بمنزلة در الناقة والشاة، ثم كثر في كلامهم
стр. 222
حتى جعلوه لكل ما يتعجب منه. وقيل: بل معناه: لله لبان أمك، الذي غذاك وأرضعك. قال الفراء: وقد تتكلم العرب بها بغير الله فيقال: در درك، عند الشيء يمدح به. وأنشد:
در در الشباب والشعر المسود ... والضامرات تحت الرحال.
وقولهم: فلنا يخبط عشواء.
والتقدير: يخبط خبط عشواء، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
والعشواء: الناقة التي لا تبصر بالليل. فهي تطأ كل شيء.
والمثل المستعمل قديما: أخبط من عشواء.
وقولهم: إنما لي من المدي فولة.
لا يذكرون المدي في شيء من كلامهم إلا في هذا المثل وحده، ولا يعرفون مقداره، والمدي في هذا الموضوع أحسن وأبلغ فيما يريدونه من تقليل الحظ، من المد، لأن المدى على ما ذكره الخطابي مكيال لأهل الشام. ويقال إنه يسع خمسة عشر مكوكا، والمكوك صاع ونصف، فيكون المدي على هذا خمس عشرة ثمنة.
قال: فأما المد فهو ربع الصاع. ويقال: إنه مقدر بأن يمد الرجل يديه فيملأ كفيه طعامًا، ولذلك سمي مدًا.
قال المفضل: وقولهم: وافق شن طبقة، قال ابن الكلبي: طبقة: قبيلة من إياد كانت لا تطاق، فأوقع بها شن. وهو شن بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسعد، بن ربيعة بن نزار، فانتصف منها وأصاب فيها. فضربتا مثلا للمتفقين في الشدة وغيرها. قال الشاعر:
لقيت شن إيادا بالقنا ... طبقا وافق شن طبقه
стр. 223
وقال الشرقي بن القطامي: كان رجل من دهاة العرب وعقلائهم، يقال له شن فقال والله لأطوفن حتى امرأة مثلي فأتزوجها. فبينا هو في بعض مسيرة وافقه رجل في الطريق، فسأله شن: أين تريد؟ فقال: موضع كذا يريد القرية التي يقصدها شن فوافقه. فلما أخذا في مسيرهما قال له شن:
أتحملني أم أحملك؟ فقال له الرجل: يا جاهل: أنا راكب وأنت راكب، فكيف أحملك أو تحملني؟ فسكت عنه شن وسارا، حتى إذا قربا من القرية إذا هما بزرع قد استحصد، فقال له شن: أترى هذا الزرع أكل أم لا؟ فقال له الرجل: يا جاهل، إذا كان لم يحصد، فكيف يؤكل؟
فسكت شن: فسارا حتى إذا دخلا القرية لقيتهما جنازة. فقال له شن: أترى صاحب هذا النعش حيا أم ميتا؟ فقال له الرجل: ما رأيت أجهل منك! ترى جنازة فتسأل عنها؟ أميت صاحبها أم حي؟ فسكت عنه شن وأراد مفارقته: فأبى الرجل أن يتركه حتى يصير به إلى منزله، فضى معه.
وكان للرجل ابنة يقال لها طبقة، فلما دخل إليها أبوها سألته عن ضيفه فأخبرها بمرافقته إياه، وشكا إليها جهله، وحدثها بحديثه. فقالت له: يا أبت ما هذا بجاهل. أما قوله: أتحملني أم أحملك فأراد، أتحدثني أم أحدثك، حني نقطع طريقنا. وأما قوله أترى هذا الزرع أكل أم لا فإنما أراد: هل باعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا. وأما قوله في الجنازة: أحي صاحبها أم ميت؟ فأراد: أترك عقبا يحيا بهم ذكره أم لا. فخرج الرجل فقعد مع شن فحادثه ساعة، ثم قال: أتحب أن أفسر لك ما سألتني عنه؟ فقال: نعم، ففسره له.
فقال شن: ما هذا من كلامك، فأخبرني من صاحبه؟ قال ابنة لي. فخطبها إليه فزوجها إياها. وحملها إلى أهله. فلما رأوها قالوا: وافق شن طبقة فذهبت مثلا.
стр. 224
وقولهم: مالك في هذا الأمر طباخ.
والطباخ أصله القوة والسمن، ثم استعمل في غيرهما، فقالوا فلان لا طباخ له، أي لا عقل له ولا خير عنده. قال حسان:
المال يغشى رجالا لا طباخ لهم ... كالسيل يغشى أصول الدندن البالي.
ومنه قوله: لم تترك الفتنة من الناس طباخا.
وقولهم: ترقيق عن صبوح.
أصله أن ضيفنا نزل بقوم فقراء. فآثره بعشائهم، ثم جلسوا يحادثونه ويؤنسونه، فقال لهم: إذا أصبحت وتصبحت، أي طريق أسلك إلى موضع كذا؟ فقالوا له: أعن صبوح ترقق؟ يعنون بالصبوح الغداء، وهو يستعمل في الشراب والأكل جميعا.
وقولهم: قطع الله دابره.
قال الأصمعي: الدابر: الأصل، أي أذهب الله أصله.
وقال أبو عبيدة: دابر القوم آخرهم، يقال: دبرهم يدبرهم ويدبرهم، إذا كان آخرهم، وفي الحديث" من الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبريا" أي في آخر الوقت.
وقولهم: اقتلوني ومالكا.
أول من قال ذلك عبد الله بن الزبير، وذلك أنه عانق الأشتر النخعي في القتال، فسقطا إلى الأرض جميعا، واسم الأشتر مالك فنادى عبد الله بن الزبير: اقتلوني ومالكا. فضرب مثلا، لكل من أراد بصاحبه مكروها، وإن ناله منه ضرر.
وقولهم: لا فارق سوادي بياضه حتى يقضيني حقي.
стр. 225
وإنما الكلام: لا فارق سوادي سواده أي شخصي شخصه. وفي الحديث: أن معاذ بن عمرو بن الجموع، أو معاذ ابن عفراء، قال لعبد الرحمن بن عوف، يوم بدر: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قال نعم: ما حاجتك إليه؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده: لئن رأيته لا فارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا.
وقولهم: دعوت الناس فجاءني الأسود والأبيض.
والذي تقول العرب: جاءني الأسود والأحمر والأسود هو العربي والأحمر هو العجمي.
قال المفضل: وقولهم ما كان نولك أن تفعل ذلك.
قال أبو عبيدة: النول والنوال. الصلاح، أي ليس ذلك بصلاح لك، وقال الأخفش: النول والنوال الحظ، أي ما ذلك بحظ لك وغنيمة.
وقولهم: فت في عضده.
العضد: القوة. والفت: الكسر، من قولهم: فتت الشيء إذا كسرته. ومعنى في: من فالمعنى: كسرت من قوته.
وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وقال امرؤ القيس:
وهل ينعمن من كان أقرب عهده ... ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال
أي من كان أقرب عهد بالرفاهية ثلاثين شهرا من ثلاثة أحوال. وهذا قول الأصمعي. قال المفضل: وتكون في بمعنى مع في هذا البيت.
ويقال: العضد: الأعوان وحكى النضر بن شميل: رجل عضد، إذا كان له أعوان يعضدونه.
فكأن المعنى: فت فيهم خذلانه، أي فرقه فيهم. وتكون في ها هنا أيضا بمعنى من كأنه قال: فت منهم، أي كسر منهم، وضعف نياتهم.
قال ابن النحاس: العضد ها هنا تمثيل يراد به القوة، كما أن الأزر:
стр. 226
الظهر ثم يستعمل للقوة. قال: وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد، أنه كان ينكر قول من يقول: حروف الخفض يجعل بعضها في موضع بعض.
وإنما ذلك عنده لضعف قائله في العربية.
وقولهم: امتلأ المكان من الشيق.
وإنما المستعمل: من الشيق إلى النيق.
قال ابن دريد: الشيق: الشق الضيق في رأس الجبل، وهو أضيق من الشعب.
قال الشاعر:
شغواء توطن بين الشيق والنيق.
قال: النيق أعلى الجبل. والشيق: الشق الضيق بين صخرتين. هذا نص الجمهرة. وقال غيره: الشيق أسفل الجبل، والنيق أعلاه.
قال المفضل: وقولهم: ما عدا مما بدا.
أي ما عداك عني مما بدا لك مني. ومعنى عداك: صرفك، وبدا: ظهر. وأول من قال ذلك علي بن أبي طالب ﵇ لما قدم البصرة قال لعبد الله بن عباس: صر إلى الزبير فقل: علي يقرئك السلام، ويقول: أقرئه السلام وقل: عهد خليفة، ودم خليفة، واجتماع ثلاثة، وانفراد واحد، وأم مبرورة، ومشاورة العشيرة.
وقولهم: فلان لين العريكة.
العريكة: السنام، يقال جمل لين العريكة، إذا كان سنامه منخفضا مذالا، لا يمنع من ركوبه، ولا يؤذى الراكب، فشبه الرجل بذلك، يراد أنه سهل مساعد غير أبي ولا شرس.
وقولهم: ردوا الحديث إلى ابن إسحاق.
стр. 227
وهو محمد بن إسحاق بن يسار، صاحب السير والمغازي، وكان من أعلم الناس بالوقائع والأخبار والأحاديث، ما خلا الشعر، فإنه لم يكن له به علم. ويقال: إنه غير ثقة في نقل الأخبار. والمراد: سلموا الأحاديث إلى من هو أقعد بها وأعلم. ثم كثر استعمال ذلك، حتى صار المعنى: ردوا الحديث إلى من هو أهم به وأولى.
قال النحاس: وقولهم: فلان عيار.
هو في كلام العرب: الذي يخلي نفسه وهواها، لا يزجرها من: عارت الدابة، إذا انفلتت، وتعاير الرجل مشتق من هذا وقيل الأصل في هذا من: تعاير القوم، إذا ذكروا العار بينهم، ثم قيل لكل من تكلم بقبيح:
تعاير.
وقال غيره هو: الماجن الذي يخلط الجد بالهزل، يقال: مجن يمجن، والمجن، خلط الجد بالهزل.
وقولهم: ما يدري أين سفع به الزمان.
وإنما يقال: ما يدري أين سقع وصقع وزقع، بالسين والزاي والصاد.
أي ما يدري في أي صقع هو. والصقع والسقع: الناحية.
وقولهم للأسود: كوش. والصواب: كوشي، أو ابن كوشي، لأن كوشا ولد حام بن نوح ﵇. ومثل ذلك قولهم للاشتطاط وقلة الإنصاف: هذا حكم سدم. وإنما يقال: قاضي سدوم. وسدوم: موضع بالشام، كان قاضية يضاف إلى الجور، فيقال في المثل: أجور من قاضي سدوم.
وقولهم: لا تفيش علينا.
стр. 228
هو من المفايشة، وهي المفاخرة، فايش الرجل، إذا فاخر، قال الشاعر:
أيفايشون وقد رأوا حفاثهم ... قد عضه فقضى عليه الأشجع.
وقولهم: عرض سابري.
وهو من الثوب السابري، والسابري من الثياب: الرقيق الذي لابسه بين العاري والمكتسي، ثم استعير فقيل لكل من عرض على كل أحد عرضا خفيفا لم يبالغ فيه: عرض عرضا سابريا.
وقولهم: رجع بخفي حنين.
قال حمزة بن الحسن الأصبهاني: اختلف النسابون فيه وفي قصته وذكر أقوالا، اقتصرت منها على قول أبي عبيد القاسم بن سلام قال: كان حنين إسكافا من أهل الحيرة، فأتاه أعرابي فساومه بخفين، فاختلفا حتى أغضبه، وأراد حنين أن يغيظ الأعرابي، فلما ارتحل أخذ حنين أحد الخفين فألقاه في طريقه، ثم استقام على الطريق، وألقى فيه الخف الآخر، وكمن للأعرابي. فلما مر الأعرابي بالخف الأول قال: ما أشبه هذا بخف حنين، فلو كان معه الآخر لأخذته. ومضى حتى انتهى إلى الخف الآخر، فأناخ راحلته مكانه، ورجع على طريقه لأخذ الخف الأول، فوثب حنين على راحلته فركبها وذهب بها. ورجع الأعرابي إلى الخف، وقد فقد راحلته، وأخذ الخفين معه وقصد نحو حيه، فقال له قومه: ما الذي جئتنا به من الحيرة؟ قال جئت بخفي حنين. فذهبت مثلا.
وقولهم أخلى من جوف حمار.
حمار: رجل من عاد، وجوفه واد كان يحله، ذو ماء وشجر، فخرج بنوه يتصيدون فأصابتهم صاعقة فأهلكتهم، فكفر وقال: لا أعبد ربا فعل ذا ببني، ثم دعا قومه إلى الكفر، فمن عصاه قتله. فأهلكه الله تعالى، وأخرب
стр. 229
واديه. فضرب العرب به المثل في الخراب والخلاء، فقالوا: أحلى من جوف حمار، وأخرب من جوف حمار وهو الذي عنى امرؤ القيس بقوله:
وواد كجوف العير قفر قطعته ... به الذئب يعوي كالخليع المعيل
والغير: الحمار عند العرب
وقولهم: أفزع من صافرة.
والمثل: أجبن من صافر بغير هاء.
قيل إنه طائر يتعلق من الشجر برجليه، وينعكس رأسه خوفا من أن ينام فيؤخذ، فيصفر منكوسا طول ليلته.
وقيل إن الصافر هو الذي يصفر بالمرأة المريبة، وإنما يجبن لأنه وجل مخافة أن يظهر عليه. وفيه أقوال غير ما ذكرت.
وقولهم: أنحس من طويس.
وهو رجل من مخنثى المدينة، كان يسمى طاووسا، فلما تخنث تسمى بطويس، وتكنى بأبي عبد المنعم. وهو أول من غنى في الإسلام بالمدينة، ونقر بالدف المربع وأنشد في نفسه
إنني عبد المنعم أنا طاوس الجحيم
وأنا أشأم من يمشى على ظهر الحطيم
يعني الأرض، وكان أخذ طرائق الغناء عن سبي فارس وذلك أن عمر بن الخطاب، ﵁، جعل لهم في كل شهر يومين يستريحون فيهما من المهن. وكان طويس يغشاهم، حتى فهم طرائقهم. وكان خليعا، يضحك الثكالى. فمن مجانته أنه كان يقول: يا أهل المدينة ما دمت بين ظهرانيكم فتوقعوا خروج الدجال والدابة، فإن مت فأنتم آمنون، فتدبروا ما أقول: إن أمي ولدتني في الليلة التي مات فيها رسول الله ﷺ وفطمتني في اليوم الذي مات
стр. 230
فيه أبو بكر، وبلغت الحلم في اليوم الذي قتل فيه عمر، وتزوجت في اليوم الذي قتل فيه عثمان، وولد لي في اليوم الذي قتل فيه علي. فمن مثلي؟ فضرب به المثل، فقيل: أشأم من طويس، وأخنث من طويس.
ويقولون: الحديث شجون والحديث ذو شجون: أي ذو فنون وتشبث بعضه ببعض، يقال: شجر متشجن، إذا التقت بعضه ببعض واشتبك، والشجناء: الشعراء الملتفة. ومنه ما جاء في الحديث: الرحم شجنة من الرحمن أي قطعة، كأن اقتطاع اللفظة من اللفظة، اقتطاع لها منها. وأول من تكلم بالمثل ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. وكان من حديث ذلك فيما ذكر المفضل الضبي أن ضبة كان له ابنان، يقال لأحدهما سعد وللآخر سعيد، فنفرت إبل ضبة تحت الليل وهما معها، فخرجا يطلبانها، فوجدها سعد، وذهب سعيد فلم يرجع، فجعل ضبة يقول بعد ذلك إذا رأى سوادا تحت الليل: أسعد أم سعيد، فذهب قوله مثلا. وأقام ما شاء الله. لا يعلم لسعيد بخبر، فبينا هو يسير يوما هو والحارث بن كعب في الأشهر الحرم، وهما يتحدثان، إذ مرا على سرحة، فقال الحارث: أترى هذا المكان، فإني قد لقيت فيه شابا من هيئته كذا وكذا، فوصف صفة سعيد، فقتلته وأخذت؟ بردا كان عليه، من صفة البرد كذا وكذا، فوصف البرد، وسيفا كان عليه. فقال له ضبة: ما صفة السيف؟ فقال: ها هوذا علي. فعرفه ضبة. ثم قال: إن الحديث لذو شجون فذهب مثلا. وضربه به حتى قتله، فلامه الناس في ذلك، فقالوا: قتلت رجلا في الأشهر الحرم. فقال ضبة: سبق السيف العذل فأرسلها مثلا.
وقال الفرزدق.
ولا تأمنن الحرب إن استعارها ... كضبة إذ قال الحديث شجون
ويقولون لما يستملحونه: " حديث خرافة" زعموا أن خرافة رجل من
стр. 231
العرب، كان من بني عذرة، فاستهوته الجن، فلبث فيهم زمانا، ثم رجع إلى قومه، وأخذ يحدثهم بالأعاجيب التي رآها، فضرب به المثل.
وزعم بعضهم أن خرافة مشتق من اختراف الثمر، أي استطرافه.
وكذلك قولهم: جاء فلان بالترهات وهذه ترهات البسابس: جمع بسبس، وهو الصحراء الواسعة التي لا شيء فيها، يقال لها بسبس، وسبسب، بمعنى واحد. هذا أصل الكلمة، ثم يقال لكل من جاء بكلام محال: أخذ في ترهات البسابس وجاء بالترهات ومعنى المثل: أنه أخذ في غير القص، وسلك الطريق الذي لا ينتفع به كقولهم: ركب بنيات الطريق فأخذ يتعلل بالأباطيل.
وقال قوم: التاء في ترهات مبدلة من واو من الوره، والوره، لغتان، وهو الحمق، يقال: رجل أوره، وامرأة ورهاء، كأنه جاء بالحماقات وما لا ينتفع به.
ويقولون: ندمت ندامة الكسعى.
أصل المثل أن الكسعى كان رجلا من بني كسعة، واسمه محارب بن قيس، وكان يرعى إبلا له، فرأي يوما نبعة في صخرة، فأعجبته فقال: ينبغي أن تكون هذه قوسا، فجعل يتعهدها حتى أدركت، فقطعها واتخذ منها قوسا، ثم دهنها وأصلحا بوتر، ثم عمد إلى ما كان من برايتها فجعل منه خمسة أسهم، ثم خرج حتى أتى قترة على موارد حمر، وكمن فيها. فمر قطيع منها، فرمى منه عيرا وأمخطه السهم أي جازه وأصاب الجبل فأورى نارا، فظن أنه أخطأه. وصنع في ذلك أبياتا. ثم مر به قطيع آخر فصنع صنيعة الأول.
حتى فعل ذلك في الخمسة الأسهم. فلما رأي آخر سهم منهن أنشأ يقول:
أبعد خمس قد حفظت عدها ... أحمل قوسي وأريد ردها
أخزى الإله لينها وشدها ... والله لا تسلم عندي بعدها
стр. 232
ولا أرجى ما حييت رفدها
ثم عمد إلى قوسه فكسرها على حجر. فلما أصبح أبصر الأعيار الخمسة مصرعة حوله، وأسهمه مضرجة. فندم فشد على إبهامه فقطعها تلهفا، وأنشد يقول:
ندمت ندامة لو أن نفسي ... تطاوعني إذا لقطعت خمسي
تبين لي سفاه الرأي مني ... لعمر أبيك حين كسرت قوسي
وقال الفرزدق، يضرب به المثل:
ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار
وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار
ومن أجل نوار قال الفرزدق البيت الذي يتمثل به الناس ولا يعرفون تأويله:
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
وذلك أن النوار بنت أعين وكلت الفرذدق لقرابته منها، ليزوجها فلما حضر الشهود، وأشهدتهم على ذلك، قال اشهدوا أني قد تزوجتها على مائة ناقة. فكرهته وأبت أن تمضي ذلك وشخصت إلى ابن الزبير تستعديه عليه، ورحل هو خلفها إلى ابن الزبير فاتى حمزة بن عبد الله بن الزبير يستشفع به إلى أبيه، وقال فيه:
أمسيت قد نزلت بحمزة حاجتي ... إن المنوه باسمه الموثوق
وأتت النوار ابنة منظور بن زبان، امرأة حمزة بن عبد الله بن الزبير تستشفع، فكلم حمزة أباه في الفرزدق وكلمته امرأته في النوار. فقضى
стр. 233
للنوار، ولم يجز للفرزدق تزويجه. قال الفرزدق:
أما بنوه فلم تنجح شفاعتهم ... وشفعت بنت منظور بن زبانا
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
فضربه الناس مثلا في أن شفاعة النساء أنفذ من شفاعة الرجال.
стр. 234
٤٢ - باب ما تأولوه على غير تأويله
من ذلك قول الله تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذي قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾.
يتوهمون الآية على العموم، وأن النصارى بخلاف اليهود والذين أشركوا، وأن الله قد مدحهم بأن منهم قسيسين ورهبانا. وليس كذلك إنما عنى الله النجاشي ومن آمن معه، والدليل على ذلك قوله ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾.
ونحو ذلك وله : ﴿يأيها الذي آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾.
يحتجون بهذه الآية على من يأمر بمعروف وينهى عن منكر، حتى عطلوا بذلك فرضا من فروض الله ولا يعلمون أنها منسوخة بآية السيق، والمنسوخ لا يحتج به.
وروى عن أبي بكر ﵁ أنه قال: سمعت النبي ﷺ على هذه الأعواد يقول: يا أيها الناس إنكم لتقرأون هذه الآية ﴿والذي بعثني بالحق
стр. 235
لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليعمنكم الله بعقابه ثم لتدعن فلا يجاب لكم﴾.
ومن ذلك توهم قول النبي ﷺ : وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج: أن معناه: حدثوا عن بني إسرائيل بما صح عندكم وبما لم يصح. وليس كذلك. قال لنا الشيخ أبو محمد عبد الحق أيده الله: إنما المعنى لا حرج عليكم ألا تحدثوا عن بني إسرائيل، لأن أول الحديث واجب، عليكم أن تبلغوا عني ولو آية. وليس بواجب عليكم أن تحدثوا بما صح عندكم من حديث بني إسرائيل، بل إن شئتم حدثوا، وإن شئتم لا تحدثوا، لا حرج عليكم في ذلك، كما عليكم الحرج إذا لم تبلغوا عني.
ومن ذلك احتجاج من أذنب ذنبا بأن آدم حج موسى بقوله: أفتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق؟ وليس لأحد منا أن يحتج بهذا الحديث. ولا يجوز أن نقيس ذنوبنا بذنب آدم ﵇ لأنه قد غفر الله له، وأعلمنا بذلك. وما غفره الله من الذنوب فلا يلام عليه صاحبه. وإنما اللوم والعقوبة منا على من لم يعلمنا الله تعالى أنه قد غفر له. ألا ترى أن الكافر إذا أسلم لا يلام ولا يعاقب على شيء مما أتى في حال كفره، لأن الله قد أعلمنا مغفرته له بعقوبة: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ والمؤمن المذنب بخلاف ذلك. فالأمران مفترقان.
ومن ذلك قولهم: العامة مشتقة من العمى. وليس كما ظنوا. إنما العامة من العموم ولو كانت من العمى لقيل: العامية بالياء وتخفيفها.
стр. 236
وقولهم: إنما سمي المنزل لأجل الماء، والأصل الماء انزل أي هذا الماء فانزل.
وليس كما ظنوا. وإنما هو اسم المكان من نزل ينزل، كما تقول هذا مضرب القوم، لموضع الضرب، ومجلسهم لموضع الجلوس.
وقولهم: افحام الصبي من البكاء يعنون أنه اسود من شدة ما بكي، حتى صار كلون الفحم.
وليس كذلك: إنما يقال بكى الصبي حتى فحم، أي انقطع صوته، فهو من الانقطاع لا من السواد وتقول منه: جادلت فلان فأحمته، أي أسكته وقطعت كلامه. وشاعر مفحم أي منقطع.
وقولهم: ضربه فأشواه يعنون أنه أحرقه بالضرب كما يشوي اللحم في النار. وليس كذلك.
إنما معناه: أشواه، أصاب شواه، والشوى: أطراف الجسد، كاليدين والرجلين. ومنه قول الله تعالى: ﴿نزاعة للشوى﴾ وقيل: الشوى: جلدة الرأس والشوى أيضا: رذال المال ويقال: شوى ما أخطأ دين الإنسان أي هين.
стр. 237
٤٣ - باب من الهجاء .
يكتب أكثر الخاصة: قال ابن عمر، وقال ابن القاسم، وقال ابن وهب، وأشباه ذلك، بغير ألف، ويرون أنهم قد امتازوا بذلك عن العامة.
والصواب: ألا تكتب ابن إلا بالألف، إلا إذا وقع بين اسمين علمين وكان وصفا لا خبرا. كقولك: عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن القاسم، وعبد الله بن وهب، ومالك بن أنس، ونحو ذلك، فإنه يكتب بغير ألف.
وكذلك إذا وقع بين علم وكنية كالاسم فالأجود أن يحذف ألفه نحو: قال معاوية بن أبي سفيان وأبو عمرو بن العلاء. وكذلك إذا نسبته إلى لقب قد غلب على أبيه، أو صناعة مشهورة قد عرف بها، كقولك: زيد بن القاضي، وبكر ابن الأمير، فإنك تحذف منه الألف أيضا.
فأما إذا كان خبرا كقولك: زيد انب عمرو، فلابد من إثبات الألف. وفي المصحف: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقال النصارى المسيح ابن الله﴾ بالألف جميعا.
وكذلك إذا كان مثنى تثبت الألف وإن كان وصفا، كقولك قال عبد الله وزيد ابنا محمد.
وكذلك إذا نسبته إلى جده، كقولك: قال محمد ابن شهاب، وعبد الملك بن الماجشون، ونحو ذلك، لابد من إثبات الألف، لأن شهابا والماجشون جداهما.
وكذلك: هذا زين ابن أخي عمرو، فلابد من إثبات الألف أيضا.
стр. 238
والموضع الذي يحذف فيه الألف من ابن يحذف فيه التنوين من الاسم الذي قبل ابن.
والمؤنث يجري مجرى المذكر في جميع ما ذكرنا من حذف التنوين في الصفة وإثباته في الخبر، غير أن الألف لا تحذف من ابنة كما تحذف من ابن وقال أحمد بن جعفر الدينوري: وإنما لم تحذف الألف من ابنة كما حذفت مع المذكر، لأنه لم يكثر استعمالهم للمؤنث كما كثر في المذكر.
وربما كتبوا: كذا وهكذا، وهكذا، بالياء. والصواب: بالألف.
وكذلك ربما كتبوا أيضا بالياء.
والصواب بالألف، لأنه مصدر آض إلى كذا، أي صار إليه، فهو كقولك ضرب ضربا، لا يكتب إلا بالألف، ولابد من تنوينه.
стр. 239
فصل
واعلم ان كل اسم على ثلاثة أحرفٍ، آخره ألف، فإن ألفه لا تخلو أن تكون منقلبة عن واو أو عن ياء، فإن كانت منقلبة عن ياء فاكتبه بالياء.
ويعرف ذلك بالفعل إذا كان ماضيه على فعل بالفتح، أو بالمصدر، أو التأنيث أو التثنية، أو الجمع الذي بالألف والتاء. كقفا وعصا تكتبه بالألف، لأنك تقول: قفوت أقفو وعصوت أعصو، إذا ضربت بالعصا. وتقول في تثنيتها أيضا: عصوان وقفوان. وكذلك: شجا وحفا مصدر حفي إذا لم يستطع مشيا، لأنهما من الشجو والحفوة، ولا اعتبار بالفعل فيهما، لأنه على فعلت بالكسر. فأما المشى بلا نعل ولا غيرها فمصدره الحفاء بالمد وكذلك: عشا وقنا لأنك تقول في التأنيث: عشواء وقنواء. وكذلك: منا للذي يوزن به، ورجا لأنك تقول في التثنة: منوان ورجوان.
قال الشاعر: فلا يرمى بي الرجوان إني ... أقل القوم من يغني مكاني
وكذلك: قطا وفلا لأنك تقول في الجمع: قطوات وفلوات. وتكتب: صلى النار، بالياء، تقول: صليته، إذا أدخلته فيها.
وكذلك: عمى ولمى لأنك تقول في المؤنث: عمياء ولمياء، وكذلك: فتى ورحى لأنك تقول في التثنية: فتيان ورحيان .. لأنك تقول في الجميع: حصيات ومهيات. وحكى بعضهم: مهوات، فعلى هذا يكتب بالياء والألف.
стр. 240
إلا أن يكون في اول الاسم وسطه واو، كقولك: وغي، ونوى، فاكتبه بالياء على كل حال، ولا تمتحنه بشيء مما قدمته، لأن ألفه لا تكون منقلبة على واو، على ما ذكر الخليل.
وكذلك الفعل، بهذه المنزلة: إذا كان في أوله واو أو في وسطه، كقولك: وعي زيد العلم، وشوى عمرو اللحم، تكتبه أيضا بالياء على كل حال.
فأما الفعل الذي ليس في أوله واو، ولا في وسطه، فإنك ترده إلى نفسك، فإن ظهرت فيه الواو فاكتبه بالألف. نحو دعا، وغزا، ومحا، لأنك تقول: دعوت وغزوت ومحوت.
وإن ظهرت فيه الياء فاكتبه بالياء، نحو: مشى ورمى، وبكى، لأنك تقول: مشيت ورميت، وبكيت.
وكل ما يكتب بالياء فجائز أن يكتب بالألف.
فإذا أشكل عليك شيء من هذه الأسماء، فلم تدر أمن ذوات الواو هو أو من ذوات الياء فاكتبه بالألف، فلأن يقع في أحد الصوابين خير من أن يقع في الخطإ، لأن كتاب ذوات الواو بالياء خطأ، وليس كتاب ذوات الياء بالألف خطا، إلا أن الكوفيين يزعمون أن الامس إذا كان مضموم الأول أو مكسوره، كقولك: ضما، ورضا، وربا، جاز أن يكتب الياء، وإن كان أصله من الواو. ويجيزون تثنيته بالياء والواو جميعا.
وقال علي بن محمد بن منصور الأهوازي في كتاب علل العروض. وكان القدماء من النحويين يكتبون كل ما كانت في آخره ألف مقصورة بالألف على اللفظ، حتى أخرج المحدثون هذا الطريق الذي عليه الكتاب اليوم، ويقال إن أول من شرع فيه أبو عثمان المازني. انقضى كلام الأهوازي.
وكذلك الفعل المستقبل، تجريه مجرى الماضى، فتكتب يسعى بالياء، لأنك تقول: سعيت، وتكتب تضغا بالألف، لأنك تقول: صغوت،
стр. 241
وشغوك مع فلان، أي ميلك. إلا أن يكون الفعل لما لم يسم فاعله، فإنك تكتبه بالياء على كل حال، وإن كان أصله الواو، نحو يغزي ويدعى، لأن ماضيه قد عاد إلى الياء في قولك: غزي ودعي، إلا أن يكون قبل آخره ياء، وهو مما سمي فاعله أو لم يسم فاعله، تكتبه بالألف، كراهة اجتماع ياءين، نحو قولك: يعيا زيد بأمره ويعيابه، ويحيا حياة طيبة، ويحيا.
وكذلك الأسماء في هذا بمنزلة الأفعال، تكتب الحيا، الذي هو المطر، بالألف، وإن كان من ذوات الياء كراهة اجتماع ياءين، كما كرهوا اجتماع ألفين، فكتبوا ذوات الواو بالياء، نحو شأي زيد عمرا، أي سبقه، وهو من شأوت. وكذلك بأي عليهم يبأي، إذا تكبد، فكتب بالياء، وهو من بأوت. قال الدينوري: لأنهم كرهوا أن يجمعوا بين صورتين قال: وهذا قول الكسائي والفراء. وأما أهل البصرة فيكتبونه بالألف على القياس.
فأما إذا كان الاسم على أربعة أحرف فأكثر، فأكبته بالياء، على كل حال، وإن كان من ذوات الواو، نحو: ملهى، ومدعى، ومستدني، إلا أن يكون أيضا قبل آخره ياء فلا تكتبه إلا بالألف، نحو معيا، ومحيا، ورؤيا، وسقيا، خلا يحيى الذي هو اسم، فإنهم قد أجمعوا على أن كتبوه بالياء، اتباعا للمصحف، وقال ابن ولاد: إنما كتبوه بالياء ليفرقوا بين الاسم والفعل، كقولهم: هو يحيا حياة طيبة.
وكذلك الفعل، إذا كان رباعيا فأكثر، فاكتبه أيضا بالياء، على كل حال، وإن كان أصله الواو، نحو قولك: ألهى زيد عمرا، وأغرى خالد بكرا، واستدعى أبوك أخاك، لأنك تقول: ألهيت وأغريت، واستدعيت. إلا أن يكون أيضا قبل آخره ياء، فلا تكتبه إلا بالألف، نحو: أحيا، فأعيا، واستعيا، للعلة المتقدمة.
فإن اتصل شيء من هذا كله بمضمر فاكتبه بالألف، نحو: مغزاك، ومغزاه ومرماكم، ومسعانا، وفتاوى، ورحاكما، ورماه فأصماه، وما أشبه
стр. 242
ذلك، إلا حرفا واحدا فإن بعضهم كتبه بالياء مع الإضافة إلى المضمر، وهو: إحدايهما، ذكر ذلك ابن ولاد وابن جنى. والأحسن أن يكتب بالألف.
فأما المهموز من الأسماء والأفعال فلا يكتب إلا بالألف، إذا كان قبل الهمزة فتحة، نحو: رشأ، وفرأ، ومتكأ، وقرأ، وتوضأ، وأنبأ، وهو يقرأ، ولم يقرأ، وما أشبه ذلك. فإن اتصل بها مضمر كتبتها واوا إذا انضمت، كقولك: هذا خطؤك، ونبؤك، وهو يقرؤه، والله يكلؤك. وألفا إذا انفتحت، كقولك: عرفت خطأك، ولن يقرأه، وياء إذا انكسرت، كقولك: عجبت من نبئه، وخطئه، هذا هو المختار.
وبعضهم يتركه على حاله، بالألف في الأحوال الثلاثة، فيكتب: هو يقرأه، والله يكلأك، وعجبت من نبإك، ويوقع على الألف ضمة في حال الرفع وكسرة في حال الخفض، والأول أحسن.
وإذا كانت الهمزة أول الكلمة فاكتبها ألفا، على كل حال، مفتوحة كانت أو مضمومة أو مكسورة، نحو: أحد، أبلم، إثمد، وإذا كانت آخرا وقبلها ساكن فلا تكتب لها صورة في الخط، نحو المرء، والجزء، هذا هو الأحسن. وقال الدينوري: وقد أثبت في الرفع واوا، وفي النصب ألفا، وفي الخفض ياء فيكتب: هذا نشؤ صدق، ومرت بنشيء صدق. فإن اتصل بها مضمر بعدها أثبت لها في الخط صورة، لأنها حينئذ متوسطة، فتكتبها واوا في الرفع، وألفا في النصب، وياء في الخفض، تقول: هذا جزؤك ورأيت جزأك، وعجبت من جزئك. وكذلك إذا كان الحرف منصوبا منونا نحو قولك: قرأت جزءا، تلحقه الألف المعوضة من التنوين، وكذلك إذا ألحقته هاء التأنيث. بفتح ما قبلها فتكتب: المرأة، والنشأة الأولى، بالألف، إلا أن يكون قبل هاء التأنيث ياء أو واو أو ألف، فإنك تحذفها، فتكتب: الهيئة والسوءة والباءة.
وتكتب: يسئل، ويسئم، ويزءر، ويلثم بحذف الهمزة لسكون ما
стр. 243
قبلها، وإن شئت أثبتها، فقد اختار بعضهم حذفها، إلا يسئل وحده، فإنهم اتفوا على اختيار الحذف فيه لكثرة الاستعمال.
وتكتب: مسئلة، وأصحاب المشئمة، بالحذف.
وكذلك يكتب: مسئوم، ومسؤل، بواو واحدة، لسكون ما قبلها واجتماع واوين. ومنهم من يكتبه بواوين.
وإذا كانت الهمزة متوسطة وقبلها ضمة، كتبتها واوا، وإن انكسرت أو انفتحت نحو هذه اكمؤك، ورأيت أكمؤك، ومررت بأكمؤك.
وإن كانت قبلها كسرة كتبتها ياء، وإن انضمت أو انفتحت، نحو: هذا منبئك، ورأيت منبئك، ومررت بمنبئك، وهو يقرئك السلام، ولن يقرئك السلام، وما أشبه ذلك. فإن كان بعد هذه الهمزة واو، نحو: يقرؤون، ويستهزؤن كتبتها بواو واحدة بغير ياء. وهو مذهب البصريين.
وإن شئت كتبتها: يستهزئون، بياء بعدها واو، وهو مذهب الكوفيين، والأخفش.
وإن كانت الهمزة عينا متحركة، وما قبلها متحرك، كتبتها بالحرف الذي هو جنس حركتها: فإن كانت مضمومة كتبت واوا، نحو قولك: رؤوف، ولؤم الرجل. وإن كانت مفتوحة كتبتها ألفا.
نحو سأل، وزأر الأسد وإن كانت مكسورة كتبتها ياء.
نحو سئم، ورئم، إذا ألف، وكذلك إن كان ما قبلها مضموما، نحو: سئل، ورئي، ودئل، قال محمد بن سلام الجمحى: الدئل، مهموز، مضمونة الدال، مكسورة الياء، في كنانة. وهم رهط أبي الأسود. وقال الدنيوري: أما رإي وحدها، فإنها تكتب بالألف، لئلا يجتمع ياءان. والأول أحسن.
стр. 244
وقال أيضا: واتفقوا في مثل قولهم: أنت يا هند توضؤين، من الوضاءة، وتجرؤين، من الجراءة، على كتابه بواو وياء. لا اختلاف فيه، إنه لم يجتمع فيه واوان ولا ياءان، فأما مثل: أنت تخطئين، وتقرئين فبياءين، إحداهما الهمزة، والأخرى ياء التأنيث، هذا مذهب أهل البصرة. والكسائي والفراء يكتبانه بياء واحدة.
وإذا أضفت الممدود والمقصور المهموز إلى نفسك، نحو: كساي، ورداي، ومتوضاي، ومخباي، كتبت جميع ذلك بألف وبعدها ياء الإضافة لا غير، لئلا تجتمع ضرورتان، حذفوا الهمزة في الممدود، وأبدلوا منها في المقصور ألفا.
فإن كانت الهمزة ساكنة تبعت حركة ما قبلها، فتكتب: فأس، بالألف، وبئر، بالياء، ولؤم، بالواو، وكذلك في الجميع: ايتوا صفا، ايذنوا، كذلك إذا كان قبله ثم كقولك، ايذنوا ثم ايتوا صفا أيضا بالياء على لفظ الابتداء، لانفصال ثم منه. فإن كان قبله واو أو فاء لم تثب الياء، فتكتب: فأت فلانا، وأذن عليه، لاتصال الفاء والواو بالحرف، فكأنهما منه: ايجل من زيد، وما أشبه ذلك بالياء، لأن الواو تنقلب ياء لانكسار ما قبلها. قال الدينوري فإذا وصلت كلامك وكان ما قبلها مفتوحا أو مضموما، فإنه يكون في اللفظ واوا كتابته بالياء، كقولك: قلت له إيجل من ربك، وقلت له ايجع لفلان، وقلت لها ايجلي.
وإنما صارت في اللفظ واوا لانفتاح ما قبلها وسكون الواو منه فلما انفتح ما قبلها وسكنت الواو صحت في الخط على الانفصال عن ما قبله. وكذلك قلت له ايجل، صحت الواو في اللفظ لضمة ما قبلها وكتابتها بالياء على الانفصال.
وكذلك في الياء، قلت ايأس، من يئست.
فهذا هو الاختيار، أن يكتب على الانفصال. ويكون مع الفتح والضم واوا، لأنها لا كسرة قبلها فتنقلب.
стр. 245
وتكتب فعل الجماعة بالألف، نحو: قربوا: وبعدوا، ولم يضربوا، ولم يشهدوا، وما أشبه ذلك. وبحذفها من فعل الواحد، نحو زيد يغزو عدوه، ويرجو ربه، ولن تعدو طورك، وما أشبه ذلك، هذا هو الاختيار. وكتبه بعضهم بالألف كفعل الجماعة لما أشبهت واو الجمع، إلا أنهم اتفقوا على إسقاط الألف إذا نصبت، لن يدعو، لأنه قد ذهب عنه شبه الجمع.
وكذلك أثبتوا الألف بعد واو الجمع، وإذا حذفوا النون وأضافوا نحو: هلك بنوا زيد وضاربوا عمرو ليفرقوا بينه وبين أبي زيد، وأخي عمرو إلا أن تكون إضافة هذا الجمع إلى مكنى، فإنهم لا يثبتون فيه الألف، كقولك: بنوك وضاربوها، وما أشبه ذلك.
واعلم أنه إذا اجتمع ثلاثة ألفات اقتصر على اثنين، نحو قولك: براآت، ومساآت، فأما إذا كان الحرف الممدود منصوبا، نحو: لبست رداء، وشربت ماء، ووجدتهما سواء، فإن القياس أن يكتب بألفين، لأن فيه ثلاث ألفات: الأول، والهمزة، والتي هي بدل من التنوين في الوقف، إلا أن الكتاب كتبوه بألف واحدة، وتركوا القياس، على مذهب حمزة في الوقف عليها، واختار بعضهم أن يكتب بألفين، وإذا اجتمع ألفان اقتصر على واحدة، نحو آدم، وآخر وآمن، ﴿لو يجدون ملجأ﴾ ورأيت رشأ، ويأحمد، ويأبانا، وبرآه، وشنآه، وفجآه.
فأما قولك: الزيدان قرأ وملأ فإنك تكتب بألفين، للفرق بين فعل الواحد وفعل الأثنين.
وقد كتبه بعضهم بألف واحدة، إلا أنه بألفين أحسن، لما قدمناه.
ومما حذفوا منه الألف استخفافا لكثرة استعماله: إبرهيم، واسمعيل، وإسحق، وإسرائيل، وهرون وسليمن، وما أشبه ذلك، مما يكثر
стр. 246
استعماله من الأسماء، إلا داود، لأنه قد حذفت منه واو، فلا يجتمع عليه حذفان.
فأما ما لا يكثر استعماله نحو: طالوت، وجالوت، وهاروت، وماروت، وقارون، فلا تحذف ألفه.
وما كان مثل: سفين، وعثمن، ومرون، فإثبات الألف فيه حسن، وحذفها حسن، إذا كثر، إلا عمران فإنه مستعمل ولم يحذفوا ألفه.
وما كان مثل: سفين، وعثمن، ومرون، فإثبات الألف فيه حسن، وحذفها حسن، إذا كثر، إلا عمران فإنه مستعمل ولم يحذفوا ألفه.
وما كان على فاعل يكثر استعماله مثل: ملك، وصلح، وخلد، والقسم، فإن إثبات الألف فيه أيضا حسن، وحذفها حسن.
وما لا يكثر استعماله نحو: جابر، وسالم، وحاتم، وحامد، فلا يجوز حذف الألف منه.
وإذا كتبت بالألف واللام، حذفت ألفه، وإذا كتبته بغير ألف ولام أثبت ألفه فكتبت حارث لئلا يختلط بـ حرث.
وإذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم في الابتداء حذفت الألف منه لكثرة الاستعمال. وإذا كان متوسطا أثبت ألفه، مثل قولك: أبتديء باسم الله، وأختم باسم الله.
وكذلك في المصحف ﴿اقرأ باسم ربك﴾، و ﴿فسبح باسم ربك﴾ بالألف.
وإذا كتبت الرحمن بالألف واللام، حذفت ألفه.
وإذا كتبته بغير ألف ولام أثبتها فقلت: رحمان الدنيا والآخرة.
وأما دهقان وشيطان فقد اجتمعوا على إثبات الألف فيهما في حال التنكير والتعريف. هذا قول ابن قتيبة، وقال الدينوري: وقد حذفوا من شيطان
стр. 247
وشياطين الألف، لأنها لا تلابس شيئا، ولم يحذفوا من مساكين لأنه يشبه مسكين.
وتكتب: السلم عليكم وعبد السلم بغير ألف. وإذا كتبت: الملائكة فإن شئت أثبت ألفها، وإن شئت حذفتها.
وكذلك ثلثة وثلثون، وثمانية وثلثون، أثبت بعضهم، وحذف بعضهم إذا أضيف إلى المعدود، كقولك: ثلثة دراهم، وثمنية دنانير، فأما إذا لم تضف إلى معدود فلابد من إثبات الألف فتقول: عندي ثلاثة، وعندي ثمانية. هذا قول الدينوري. ولم يفصل غيره.
وكذلك: الشاكرون، والخاسرون، والكافرون، والظالمون، والفاسقون، وما أشبه ذلك، مما يكثر استعماله من الصفات أنت مخير في حذف الألف وإثباتها، إلا أن يكون قد حذف منه شيء، فلابد من إثبات ألفه، نحو: القاضون، والرامون، وكذلك: العادون، والرادون، لذهاب إحدى الدالين في الخط، والسموات: حذف ألفها أجود من ثباتها، وكذلك: الطلحات لبقاء ألف أخرى فيه.
وإثبات الألف في المسلمات أجود من حذفها، إذ ليس فيها ألف سواها.
فأما مثل: دنانير ومحاريب ومصابيح فإثبات الألف فيها أحسن وأجود.
وأما مساكين فلا يجوز حذفها ألفا لالتباس الجمع بالواحد.
وتقول: عندي خمسة آلاف فتكتبها بغير ألف، فإذا قلت: له عندي آلاف لم يكن بد من إثباتها، ليدل على الجمع إذ ليس قبلها عدد. فأما خمسة أجمال وأثواب فلابد من إثباتها، لئلا تلتبس بأجمل وأثؤب.
وإذا قلت: دراهم كتبتها بالألف، لئلا يلتبس الجمع بالواحد، فإذا قلت: ثلثة درهم كتبتها بغير ألف.
قال الدينوري: وأما هذا وهذه وهذان وهؤلاء فقد استعملوا إسقاط الألف منها، لما كثرت صحبتها مع ذا جعلوها معها حرفا واحدًا.
стр. 248
وكذلك هي مع المكنى في كثرة الصحبة. تقول: هأنذا وهأنت ذا وهأنتم تكتب بألف واحدة، لأنها مع المكنى كالحرف الواحد. والساقط ألف أنت بدليل قولهم ها نحن. هذا قول الفراء. وهو الصحيح.
وإذا اجتمعت واوان حذفت واحدة إذا كانت مضمومة نحو: داود، طاوس، وجاؤا، وشاؤا، ﴿باؤا بغضب من الله﴾ و ﴿يلون ألسنتهم﴾ ويؤب، ويؤده، وقؤل، وسؤل، وقد كتب ذلك بعضهم بواوين، والحذف أقيس.
فأما إن اكنت الواو الأولى مفتوحة، فلابد من إثباتهما جميعًا، نحو: استووا، واكتووا.
وإذا اجتمع ثلاث واوات حذفت واحدة، واقتصرت على اثنتين، نحو قوله تعالى: ﴿كووا رءوسهم﴾.
وكذلك إذا انضم ما قبل الواو الأولى، نحو: يسوؤن، وينوؤن، ومدعوون، ومرجوون.
ومما زادوه في الكلمة للفرق بينها وبين غيرها: الواو في عمرو ما لم يكن منصوبا، لأن ألف الصرف حينئذ تفرق بينه وبين عمر إذ كان عمر لا ينصرف.
وكذلك زادوا الواو أيضا في أولاء وفي أولئك للفرق بينه وبين إليك.
وزادوها أيضا في يا أوخي في التصغير، للفرق بينه وبين يا أخي غير مصغر. وزادوا الألف في مائة للفرق بينها وبين منه.
وكل حرف في أوله لام فإنك إذا أدخلت عليه لام التعريف كتبته بلامين، نحو: اسم الله تعالى، واللحن، واللحم، واللبن، واللجام، إلا الذي والتي
стр. 249
فإنهم كتبوها بلام واحدة، لكثرة الاستعمال. وأدخلوا اللام في تثنية الذي فكتبوا اللذان واللذين بلامين لفرق بين التثنية والجمع، لأنهم كتبوا الذين في الجمع بلام واحدة، كما كتبوا الواحد. فأما التان والتين والتي فبلام واحدة، لأنه لا يلتبس تثنيته بجمعه. وقد كتب قوم: اللتان واللتين بلامين، لتجري تثنية المذكر والمؤنث مجرى واحدا. وهذا هو الصحيح. ألا ترى أنهم كتبوا اللذين بلامين في الرفع، لئلا يختلف الحكم في الرفع والنصب والخفض، ولو كتبوه بلام واحدة لكان لا يلتبس بالجمع كما يلتبس اللذين.
واختلفوا في الليل والليلة وكتبه بعضهم بلام واحدة، وكتبه بعضهم بلامين.
وزعم الدينورى أن بعض الكتاب قد استعمل حذف إحدى اللامين من اللهو واللعب ونحو ذلك. تشبيها بـ الذي وعاب ذلك عليهم، وقال: الصواب أن يكتب جميع ذلك بلامين، إلا الذي والتي والذين.
وإذا أدخلت لام الجر على هذا الضرب اجتمعت ثلاث لامات، فتحذف واحدة وتكتبه بلامين نحو: للبن، وللجام؟
ومما حذفوا منه الألف قولهم في الاستفهام: عم يتساءلون، وعم تسأل؟ وفيم جئت؟ ولم تكلمت؟ وبم، وحتام، وعلام؟
فإذا كان الكلام خبرا أثبتوا الألف فقالوا: سل عما أردت، وتكلم بما أحببت، إلا شئت وحدها، فإن العرب تنقص الألف معها خاصة، في المعنيين جميعا، الجر والاستفهام، فتقول: ادع بم شئت، وسل بم شئت، وخذه بم شئت.
ونكتب فيم أنت؟ موصولة. فإن كان الكلام خبرا قطعت فقلت: تكلم في ما أحببت لأن ما في موضع اسم.
وأما كلما فإذا كانت ما بعدها اسما بمعنى الذي فصلتها من كل، فتكتب: كل ما كان منك فحسن وإن كل ما تأتيه جميل، لأنه يجوز أن تقول: كل الذي
стр. 250
كان منك فحسن، وإن كل الذي تأتيه جميل. وإذا لم تكن في موضع اسم وصلتها فقلت: كلما جئتك أحسنت إلي، وكلما سألتك أجبتني، لأنه لا يجوز فيه الذي.
وكذلك هي مع إن: إذا كانت صلة وصلتها، كقولك: إنما فعلت كذا، وإنما أنا أخوك، وإذا كانت في موضع اسم فصلتها، كقولك: إن ما عندي أحب إلي، وإن ما جئت به قبيح، وكتبت في المصحف، وهي اسم، بالوجهين، كبتوا: ﴿إن ما تدعون لآت﴾ مقطوعة، وكتبوا: ﴿إنما صنعوا كيد ساحر﴾ موصولة. والأحسن أن تقطع الاسم وتصل الصلة. وكذلك هي مع أين، إذا كانت صلة وصلتها، كقولك: أينما كنت فافعل كذا، ونحن نأتيك أينما تكن، ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ وإذا كانت في موضع اسم فصلتها، فقلت: اين ما كانت تعدنا؟ اين ما كنت تقول؟
وكذلك هي مع أي: تصلها إذا كانت صلة، كقولك، أيما الرجلين لقيت فأكرم: ﴿وأيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي﴾ لأنك تقول: أي الرجلين لقيت فأكرم. وتفصلها إذا كانت في موضع اسم، كقولك: أي ما عندك افضل، أي ما تقول أوفق. وأما حيثما فهي موصولة. وقد فصلها بعضهم، وذلك خطأ لأن ما صلة فيها.
ونعما: إن شئت وصلتها، وإن شئت فصلتها. والأحسن أن تصلها للإدغام، ولأنها موصولة في المصحف.
بئسما كذلك. لأنها، وإن لم تكن مدغمة، فهي مشبهة بها وحجة من قطع نعما وبئسا أن ما فيهما بمعنى الاسم. وفيمن: إن أردت الاستفهام
следующие страницы →