بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.
فهذا كتاب "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية" للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزيَّة -رحمه الله تعالى- محقَّقًا على أحسن نُسَخه الخطية. مع دراسة وافية عنه، وتعليقات تحلّ مغلقه، وتفتح مقفله، وتفكّ رموزه، وفهارس كاشفة لما تضمنه.
وقد كان أصل هذا العمل أربع رسائل علمية (ماجستير) في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، قدمها أربعة من الباحثين، وهم: محمد بن عبد الرحمن العريفي، وناصر بن يحيى الحنيني، وعبد الله بن عبد الرحمن الهذيل، وفهد بن علي المساعد، بإشراف فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي.
وقد اقتضى طبع هذه الرسائل في هذا المشروع المبارك -إن شاء الله تعالى- إجراء تنسيق بينها في المقدمة والتعليقات والفهارس، فأوكل ذلك إلى الشيخ محمد أجمل أيوب الإصلاحي، فكان مُجمل ما قام به ما يلي:
١ - صُنْع مقدمة موحَّدة للتحقيق مستفادة من الرسائل، مع إعادة صياغة وتحرير الفصل الأول (التعريف بالكتاب)، والفصل الخامس (نسخ الكتاب ومنهج التحقيق).
أما الفصل الثاني (الشروح والتعليقات على الكتاب) فمن مقدمة العريفي، والفصل الثالث (موقف أهل البدع من الكتاب) فمن مقدمة
стр. 306
الحنيني، والفصل الرابع (الموازنة بين النونية وغيرها) فمن مقدمة الهذيل. مع تصرّف وتهذيب.
٢ - مقابلة النسخة العمرية واتخاذها أصلًا - إذ لم تكن بين أيدي الباحثين - مع إعادة مقابلة النسخ ذوات الرموز (ف، ب، د، ظ).
٣ - تهذيب التعليقات على الكتاب والمواءمة بين أعمال الباحثين، مع إضافة ما يخدم النص من التعليقات مختومة بحرف (ص).
٤ - إضافة بعض التعليقات الواردة في كلٍّ من: نسخة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز الخاصة التي قرئت عليه سنة ١٣٦٧ هـ، ونسختي الخاصة.
٥ - توحيد الفهارس، والإحالة فيها على أرقام الأبيات بعد ترقيمها تسلسليًّا.
والحمد لله الَّذي يسَّر إتمام هذا العمل على وجهه اللائق به إن شاء الله تعالى، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد.
المشرف العام
بكر بن عبد الله أبو زيد
стр. 307
مقدمة التحقيق
الفصل الأول: التعريف بالكتاب: ٩ - ٥٠
١ - عنوان الكتاب وتوثيق نسبته إلى المؤلف. ٩
٢ - تاريخ تأليفه. ١١
٣ - بناء الكتاب وعرض إجمالي لبعض مباحثه المهمة. ١٢
٤ - أهمية الكتاب ونقول العلماء منه واعتمادهم عليه. ٢٤
٥ - منهج المؤلف في كتابه. ٣٦
٦ - موارد الكتاب. ٤٥
الفصل الثاني: الشروح والتعليقات على الكتاب: عرض وتقويم (العريفي). ٥١ - ١٠٦
١ - الشروح والتعليقات المخطوطة والمطبوعة. ٥١
٢ - شرح الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن - عرض وتقويم. ٥٧
٣ - شرح الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى - عرض وتقويم. ٦٢
٤ - شرح الشيخ محمد خليل هراس. عرض وتقويم. ٨٤
стр. 308
الفصل الثالث: موقف أهل البدع من الكتاب (الحنيني) ١٠٧ - ١٤٤
١ - تقي الدين السبكي. ١٠٨
٢ - محمد بن زاهد الكوثري. ١٠٩
٣ - كتاب السيف الصقيل وتوثيق نسبته للمؤلف. ١١١
٤ - موقف السبكي والكوثري من خلال السيف الصقيل وتكملته. ١١٣
الفصل الرابع: الموازنة بين النونية وغيرها من المنظومات (الهذيل). ١٤٥ - ٢٠٠
١ - عرض مجمل لمنظومات عقدية على منهج السلف. ١٤٥
٢ - عرض مجمل لمنظومات عقدية مخالفة لمنهج السلف. ١٦١
٣ - الموازنة بين النونية وغيرها من المنظومات. ١٧١
الفصل الخامس: نسخ الكتاب ومنهج التحقيق والتعليق. ١٩٩ - ٢٢٩
١ - نسخ الكتاب الخطية والمطبوعة (الإصلاحي). ١٩٩
٢ - منهج التحقيق والتعليق. ٢٢٢
الرموز المستعملة في الحواشي. ٢٢٧
стр. 309
الفصل الأول التعريف بالكتاب
١ - عنوان الكتاب وتوثيق نسبته إلى المؤلف:
العنوان المشهور لهذا الكتاب: "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية". وقد ذكره بهذا العنوان الصفدي (١)، وابن تغري بردي (٢)، والسيوطي (٣). وهو الوارد في جميع النسخ المطبوعة والخطية إلّا نسخة واحدة، وهي نسخة الظاهرية المنقولة عن نسخة ابن رجب المقروءة على المؤلف قبل وفاته بستة أشهر. فقد جاء فيها في صفحة العنوان: "الشافية الكافية ... " وكذا في خاتمتها. وهو الَّذي ذكره ابن رجب في ترجمة ابن القيم في ذيله على طبقات الحنابلة (٤) ومن نقل عنه كالداوودي (٥) والآلوسي (٦). وفي كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" للمؤلف وقع: "الشافية والكافية ... " (٧).
وقد رجحنا العنوان الأول لسببين:
стр. 310
الأول: أنّه في خاتمة نسخة المكتبة السعودية التي تنتمي إلى نسخة المؤلف التي حررها أخيرًا، سمي الكتاب بهذا العنوان.
والثاني: أنّ النسخة المنقولة عن نسخة ابن رجب التي تحمل عنوان "الشافية الكافية" في أولها وآخرها، ورد فيها أيضًا العنوان المشهور في موضعين في مقدمة المؤلف. أولهما في داخل النص بخط ناسخ النسخة: "وقد سميت هذا المجلس بالكافية الشافية في اعتقاد الفرقة الناجية" (ق ٥/ أ). ثم لمّا قوبلت النسخة بالأصل المقروء على المؤلف ضرب على هذه العبارة التي لم ترد في النسخ الأخرى في هذا الموضع. وكتب في الموضع الثاني في الحاشية (ق ٥/ ب): "وقد سميتها بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية".
وسماه الحافظ ابن حجر "الكافية في الانتصار للفرقة الناجية" (١)، فلم يذكر لفظ "الشافية" وكذا في كشف الظنون (٢)، ولعل صاحبه اعتمد على الدرر. وفي أعيان العصر: " ... لانتصار الفرقة الناجية" بدلًا من "في الانتصار للفرقة الناجية"، وذلك من التسامح في إيراد العناوين.
وقد يقتصر على تسميته بالقصيدة النونية، كما قال الحافظ ابن رجب: "وسمعت عليه قصيدته النونية الطويلة في السنة" (٣).
стр. 311
أما نسبة الكتاب إلى ابن القيم ﵀، فلا مجال للشك فيها. ويكفي لتوثيقها أن ابن القيم نفسه ذكره في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية، فقال في بحثه عن الاستواء: "وقد أشبعنا الكلام على هذه المسألة واستيفاء الاحتجاج لهم وبيان ما في ذلك في كتاب الشافية والكافية في الانتصار للفرقة الناجية" (١). هذا بالإضافة إلى أن معظم من ترجم لابن القيم ذكره ضمن كتبه، كما مرّ آنفًا. ثم ذكر المؤلف في هذا الكتاب كتابًا مشهورًا من كتبه، وهو الصواعق المرسلة، كما سيأتي في الفقرة التالية.
٢ - تاريخ تأليفه:
اجتهدنا في البحث في كتب ابن القيم ﵀، وفي المصادر التي ترجمت له عن تاريخ تأليف هذا الكتاب، فلم نعثر على شيء يدل على ذلك، إلّا أنَّه يمكن الجزم بأنّه ألفه بعد كتاب الصواعق المرسلة أو أثناء تأليفه، لأنَّه قال في معرض كلامه على الجهمية الذين فسّروا الاستواء بالاستيلاء:
ولقد ذكرنا أربعين طريقةً ... قد أبطَلَتْ هذا بحسن بيانِ
هي في الصواعق إنْ تُرِد تحقيقَها ... لا تختفي إلَّا على العُميانِ
نونُ اليهودِ ولامُ جهميٍّ هما ... في وحي ربِّ العرشِ زائدتان (٢)
стр. 312
٣ - بناء الكتاب وعرض إجمالي لبعض مباحثه المهمة:
هذه المنظومة التي اختار المؤلف لها البحر الكامل من أعظم ما ألّف في كان عقيدة السلف والاحتجاج لها والردّ على المذاهب والآراء المنحرفة عنها. ولا نعرف منظومة لأهل السنة أو غيرهم تقارب هذه المنظومة في حجمها، فقد بلغت أبياتها زهاء ستة آلاف بيت. وقد شملت المنظومة معظم أبواب العقائد، واستوعب المؤلف فيها وجوه الكلام، وأطال النفس في العرض والردّ والبيان، وحشد الأدلة والبراهين المستقاة من الكتاب والسنة والعقل الصريح. هذه الفصول تتسم بطابع علمي بحت، من غير جفاف. وبجانبها فصول أخرى سهلة ممتعة، تشبه فصول ملحمة شعرية. وإذا كان من الصعب أن نعرض هنا لجميع فصول المنظومة ومباحثها، فلا أقلّ من أن نلقي نظرة خاطفة على البناء العام للكتاب مع عرض موجز لبعض المباحث المهمة.
* خطبة الكتاب.
افتتح المؤلف ﵀ كتابه بخطبة نثرية كشف فيها عن أهمية معرفة الله ومحبته وذكره وطلب الزلفى عنده، وأنه لا سبيل إلى هذا إلّا بمعرفة أسماء الله وصفاته. ثم ذكر أن القلوب في ذلك نوعان: قلب معظم لربه عالم بأسمائه وصفاته، وفي ذكرها قوته وحياته وقرة عينه. وقلب جاهل مصدود عن معرفة ربه، لكونه ينكر الأسماء والصفات ويسومها تعطيلًا وتأويلًا.
ثم حكى مناظرة وقعت بين مثبت للصفات ومعطّل لها، وأظهر الله
стр. 313
فيها المثبت على المعطل. فعزم المؤلف على عقد محاكمة منظومة بين المعطل والمثبت، يقف عليها القريب والبعيد، وينتفع بها المسلمون في كل زمان ومكان. وقبل الشروع في المنظومة ضرب عشرة أمثال تبيّن حال المعطّل والمشبّه والموحّد في عبارة موجزة محكمة.
* مقدمة المنظومة:
استهلّ الناظم قصيدته بمقدمة غزلية في الظاهر، ومطلعها:
حكمُ المحبَّةِ ثابتُ الأركانِ ... ما لِلصُّدودِ بفسخِ ذاكَ يدانِ
ولكنه عنى بالمحبة محبة الله ، فإنها هي التي لا تزول أركانها، ولا يتزعزع بنيانها. ثم تخيّل -على ما جرت به عادة الشعراء- أن زائرة حسناء قطعت مسافة طويلة من بلاد الشام مارّة بمدينة الرسول ﷺ حتَّى وصلت إلى مكة المكرمة، وطرقت محبَّها العاني في داره القريبة من الصفا، وحدّثته بلوعتها واشتياقها إليه حديثًا معجبًا ظنَّه صدقًا، وفرح به فرحًا. قال:
فعجبتُ منه وقلتُ مِن فرحي ... به طمعًا، ولكنّ المنامَ دَهاني
إن كنتِ كاذبةَ الَّذي حدّثتني ... فعليكِ إثمُ الكاذب الفتّانِ
جهم بن صفوانٍ وشيعته الألى ... جحدوا صفاتِ الخالقِ المنانِ
وهكذا تخلّص إلى موضوع القصيدة تخلّصًا بارعًا، ليبيّن عقائد الجهمية بالتفصيل من البيت ٤٠ إلى البيت ١٨٧.
стр. 314
* بداية المحاكمة:
ثم عقد مجلس التحكيم، وقدّم بين يديه ذكر الأوصاف والآداب التي ينبغي لطالب الحق أن يتحلّى بها عند المناظرة (١٨٨ - ٢٦٠). والحكمان في هذا المجلس: النقل الصحيح، ثم العقل الصريح مع الفطرة السليمة. وقد أحضر في المجلس خمس طوائف وبين عقائدهم وآراءهم وهم:
١ - الاتحادية (٢٦٥ - ٣١٢).
٢ - الحلولية (٣١٣ - ٣٢١).
٣ - نظّار الجهمية والمعتزلة وبعض متأخري الأشاعرة (٣٢٢ - ٣٥٠).
٤ - نظّار جرّهم مذهبُ الجهم إلى الزندقة (٣٥١ - ٥٠٥).
٥ - ركب الإيمان وعسكر القرآن (٥٠٦ - ٥٩٦).
ولما بيّن مذهب الطائفة الخامسة -وهم أهل الحق- في أسماء الله وصفاته ردّ على مذاهب المخالفين من الجهمية وغيرهم بالإجمال. ثم تناول صفتين من صفات الله بالتفصيل، وهما صفة الكلام، وصفة العلو، وفيما يلي عرض لهاتين المسألتين.
* مسألة كلام الله تعالى:
كانت مسألة كلام الله من أعظم المسائل التي اشتجرت فيها آراء طوائف المتكلمين. وهي التي نجمت منها فتنة خلق القرآن التي امتحن
стр. 315
بها الإمام أحمد وغيره من علماء السلف ﵏. وقد استغرقت هذه المسألة نحو خمسمائة بيت من هذه القصيدة النونية (٥٥٦ - ١٥٤٥). جمع فيها الناظم أقوال الطوائف، ورتبها، وأحسن غاية الإحسان في عرضها وتفصيلها بما لا يكاد يوجد عند غيره، حتى إنه قال بعدما استوفاها عرضًا وتحليلًا:
هذي مقالاتُ الطوائفِ كلها ... حُمِلَتْ إليك رخيصةَ الأثمانِ
وأظنّ لو فتَّشتَ كتبَ الناس ما ... ألفيتها أبدًا بذا التبيانِ
زُفَّتْ إليكَ فإن يكن لك ناظرٌ ... أبصرتَ ذاتَ الحسنِ والإحسانِ
وقد شرع ﵀ في كان مسألة كلام الله تعالى بذكر منشأ الخلاف وهو أن كلام الله بمشيئة أو لا؟ ثم هل كلام الله في ذاته أو خارج ذاته؟. ثم ذكر مذاهب الأشاعرة والكلابية، والاقترانية، والجهمية والمعتزلة، والكرامية. ثم ذكر مذهب أهل الحق والأدلّة عليه. وأشار في خلال ذلك إلى الردّ على المخالفين.
ثم بدأ في الرد المفصل على المنكرين لصفة الكلام فذكر أولًا ما يلزمه نفيهم لهذه الصفة من لوازم تقدح في أصل الشريعة. فعقد فصلًا في إلزامهم القول بنفي الرسالة إذا انتفت صفة الكلام، وآخر في إلزامهم تشبيه الله سبحانه بالجماد الناقص، وفصلًا في إلزامهم بأن كلام الخلق حقه وباطله عين كلام الله سبحانه.
ثم بين في معرض ردّه على منكري كلام الله الفرق بين ما يضاف إلى الرب تعالى من الأوصاف والأعيان. والفرق بين القراءة والمقروء
стр. 316
واللفظ والملفوظ في القرآن، وأورد في أثنائه رأي ابن حزم والفخر الرازي.
ثم عرض مقالة الفلاسفة والقرامطة في كلام الله تعالى، وأشار إلى معتقدهم في الرسالة. ثم ذكر مقالات طوائف الاتحادية في كلام الله تعالى وحقيقة قولهم.
ثم شرع في مناقشة هذه الطوائف والردّ عليها. فبدأ ببيان فساد قول الجهمية ومخالفته للنقل والعقل والفطرة واللغة. وأورد خلال تشنيعه عليهم اعتراض الجهمية على مذاهب غيرهم من الاقترانية والأشاعرة والكلابية.
ثم ذكر الأصلين اللذين قام عليهما نزاع الناس في كلام الله تعالى: أولهما أن فعل الرب هو مفعوله، والثاني أنه غير مفعوله، وذكر القائلين بكل من القولين. ثم بين فساد قول الكرامية في كلام الله وردّ عليهم وعلى غيرهم في أفعال الله. وأشار خلال ذلك إشارة مجملة إلى بطلان قول الفلاسفة بقدم العالم. ثم ذكر خطر المعطلة من الفلاسفة وغيرهم، وحربهم لله وللدين وكيدهم للمسلمين، وضرب مثالًا بفعل واحد منهم وهو نصير الدين الطوسي، وما أوقعه على المسلمين في سقوط بغداد من تقتيل وتشريد وسلب ونهب (الأبيات ٩٢٨ - ٩٤٦).
ثم بدأ الناظم ﵀ في الرد المفصل على قول الفلاسفة بقدم العالم فذكر أربعة أدلة على بطلان قولهم، ثم أبطل اعتراض المتكلمين على القول بدوام فعل الرب تعالى وكلامه أزلًا وأبدًا، وتوسع خلال ذلك ببيان شبهتهم وما لزم كلامهم من الباطل كالقول بفناء الجنة والنار وغير
стр. 317
ذلك، ثم ردّ عليهم من وجوه كثيرة (الأبيات ٩٥٦ - ١٠١١). ثم عقد فصلًا في الردّ على أهل الكلام في استدلالهم على إثبات الصانع بدليل الجواهر والأعراض المقطوع به عندهم. وبيّن بطلان هذا الدليل وفساده واستغناء المسلمين بأدلة الكتاب والسنة عنه، وأنه فتح للطاعنين في الدين والمحاربين له بابًا للكيد للإسلام
* مسألة علوّ الله تعالى على خلقه:
بعدما انتهى الناظم من إيضاح الحق في مسألة كلام الله تعالى، والردّ على المخالفين والمبتدعين، انتقل ﵀ إلى بحث مسألة أخرى مهمة من مسائل العقيدة، زلت فيها أقدام، وضلت فيها أفهام، ولم ينج من الانحراف فيها إلّا من اعتصم بالحبل الوثيق وتمسك بالكتاب والسنة، ألا وهي مسألة علوّ الله تعالى على خلقه.
وصفة العلوّ من أظهر الصفات التي جاءت بها النصوص متواترة من الكتاب والسنة، وأجمع على إثباتها سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، بل أجمعت عليها الرسالات السماوية السابقة. وقد عني السلف بتقرير مسألة العلو عناية كبيرة، حتى أفردوها بمصنفات مستقلة، وحذا ابن القيم حذوهم وألف فيها كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية". ثم فصل القول فيها في هذه القصيدة أيضًا. وزاد عدد الأبيات التي تناول فيها هذه المسألة على سبعمائة بيت (١٠٤٦ - ١٧٦٨).
وقد بدأ الكلام فيها بفصل عنوانه: "فصل في الرد على الجهمية المعطلة القائلين بأنه ليس على العرش إله يعبد، ولا فوق السموات إله
стр. 318
يصلى له ويسجد، وبيان فساد قولهم عقلًا ونقلًا ولغة وفطرة". ثم شرع في مناقشة منكر العلو نقاشًا عقليًّا ألزمه فيه بالقول بعلو الله تعالى على خلقه وإلا وقع في التناقض ومخالفة العقل والنقل واللغة والفطرة، ثم ساق هذا الدليل العقلي على وجه آخر وألزم المعطل بالقول بالعلو (١٠٤٦ - ١١١٢).
ثم انتقل ﵀ إلى كان الأدلة النقلية المثبتة لعلو الله على خلقه، وقسمها إلى واحد وعشرين نوعًا، أولها: التصريح باستواء الرب فوق العرش. وآخرها: مجيء الرب لفصل القضاء (١١١٣ - ١٧٦٨). وقد ختم الأدلة بقوله:
وقد اقتصرتُ على يسيرٍ من كثيـ .... ـرٍ فائتٍ للعدّ والحسبانِ
ما كلُّ هذا قابلَ التأويل بالتـ ... ـحريف فاستحيُوا من الرحمنِ
* قضية التأويل:
بعدما أفاض ابن القيم في إثبات صفة الكلام وصفة العلو، وذكر مذاهب الفرق المختلفة في المسألتين، وبين الحقّ الذي يدلّ عليه الكتاب والسنة، ورأى أن السلاح الذي يستعمله أهل البدع في ردّ النصوص هو التأويل = توجّه إلى الكلام عليه (١)، فعقد فصلًا "في جناية التأويل على ما جاء به الرسول، والفرق بين المردود منه والمقبول" وقال:
стр. 319
هذا، وأصل بليّة الإسلام من ... تأويل ذي التحريف والبطلانِ
وعدّد جناياته في التاريخ الإسلامي، من نشأة الفرق، ونشوب الحروب بين المسلمين إلى أن جاء نصير الدين الطوسي وجماعته بالتتار الذين غزوا ديار الإسلام وفعلوا ما فعلوا.
فجرى على الإسلام أعظم محنة ... وخمارها فينا إلى ذا الآن
وجميع ما في الكون من بدع وأحـ ... ـداث تخالف موجب القرآن
فأساسها التأويل ذو البطلان لا ... تأويل أهل العلم والإيمان
ثم فسّر معنى التأويل عند السلف وذكر أنه لم يقل أحد منهم إنه صرف عن المعنى الراجح أو نفي الحقيقة أو إن النصوص أدلة لفظية لا تفيد اليقين كما قال أهل التأويل الباطل. ثم ذكر الأمور التي تلزم مدعي التأويل لصحة دعواه، وطريقة ابن سينا وغيره من الملاحدة في التأويل، وبيّن سبب غلط أهل التأويل في الألفاظ والحكم عليها باحتمال عدة معان حتى أسقطوا الاستدلال بها، وكشف عن تناقضهم وعجزهم عن الفرق بين ما يجب تأويله وما لا يجب، وأنهم هم الذين يشبهون اليهود في تأويل النصوص وتحريفها لا أهل السنة المثبتون الذين رماهم المعطلة بمشابهة اليهود. وردّ على عدة تهم اتهمت المعطلة بها أهل الإثبات ومنها أنهم أخذوا مقالة العلو من فرعون، فأثبت الناظم أن المعطلة أولى بفرعون وهم أشباهه. ومنها رميهم أهل الحق بأنهم أشباه الخوارج، فقارن بين المعطلة والخوارج من وجوه مختلفة وانتهى إلى أن الشبه بينهم محقق، وأن أهل السنة بريئون من
стр. 320
كل ذلك. وهكذا بين الناظم عدوان المعطلة في تلقيب أهل القرآن والحديث بالمجسّمة، وعقد فصلًا في تنزيه أهل الحديث وحملة الشريعة عن الألقاب القبيحة والشنيعة.
منجنيق التركيب (٢٩٧٥ - ٣١٢٣):
من أهم الشبهات التي قادت المعطلة إلى نفي العلو وغيره من صفات الله سبحانه: التركيب والتجسيم. فاعتنى ابن القيم ﵀ بإبطالهما في هذا الكتاب وغيره. وسمّى الفصل الذي تكلم فيه على التركيب: "فصل في كسر المنجنيق الذي نصبه أهل التعطيل على معاقل الإيمان وحصونه جيلًا بعد جيل"، استفصل فيه أهل التعطيل عن مرادهم بهذا الاصطلاح المحدث، إذ التركيب يطلق على ستة معان:
١ - تركيب الامتزاج.
٢ - تركيب الجوار.
٣ - التركيب من الجواهر المفردة، وهذا عند أهل الكلام
٤ - التركيب من الهيولى والصورة، وهذا عند الفلاسفة.
٥ - التركيب من الذات والأوصاف.
٦ - التركيب من الوجود والماهية.
ثم عقد فصلًا في أحكام هذه التراكيب الستة، وأبان أن حقيقة