← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16494

الاقتضاب في غريب الموطأ وإعرابه على الأبواب

اليفرني، محمد بن عبد الحق

Полный текст (994 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

و"الأتان" [٣٨]: اسم يقع على الأنثى من الحمير، دون الذكر، ويقال: للذكر: العير، والمسحل، ومن قال للأنثى أتانة فقد أخطأ. قوله: "وأنا يومئذ". العرب تستعمل اليوم، وهم لا يريدون به يوماً واحداً، معناه: وأنا في تلك المرة، ومثله قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وإن كان كلام ابن عمر فيه ظاهره خلافه. ومعنى "ناهزت": قاربت، وأصلها أن يتقارب الشيئان، حتى يناطح كل واحد منهما الآخر، وصبي ناهز: قارب الفطام. ومنه، قيل: نهزة؛ في الشيء إذا أمكن أخذه. وقوله: "ترتع" أي: تسرح، يقال: رتعت الماشية ترتع رتوعاً: سرحت في المرعى، و"ترتع" في موضع نصب على الحال، وتسمى حالاً مقدرة؛ لأنه لا يرسلها في حال رتوعها، إنما أرسلها قبله، ونحوه قوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً﴾. ويجوز أن يريد "لترتع" أو كي ترتع،

стр. 177

فلما حذف الناصب رفع، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾. (مسح الحصباء في الصلاة) قال بعض اللغويين: "هوى" [٤٢] من فوق إلى أسفل. و"أهوى": من أسفل إلى فوق، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾. وهو غلط؛ لأن معنى: "أهوى" في الآية أسقط وأهلك، فهو منقول من قولك: هوى الشيء وأهويته، كما يقال: هلك وأهلكته. والصحيح: أنه يقال: هوى وأهوى بمعنى، أي: مال، يقال: هويت إليه بالسيف، وأهويت، ويروى بيت زهير على الوجهين:

стр. 178

أهوى لها أسفع الخدين مطرد ... ريش القوائم لم تنصب له الشرك و"النعم" [٤٣]. الإبل خاصة، وقيل: الإبل والغنم، والمراد به- ههنا-: الإبل خاصة، و"حمرها"- عند العرب- أفضلها وأرفعها، أي: لو كانت له حمر النعم فتصدق بها، لكان إقباله على صلاته وخشوعه أفضل، ذهب إلى معنى هذا التفسير أبو عبيد، وقال غيره: معناه: أن إقباله على صلاته وخشوعه، وإ، قل عمله أفضل مقتني وأجل استفادة من حمر النعم. (وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة) قوله: "إذا لم تستحي فافعل ما شئت" [٤٦]. يقتضي التهديد والذم على قلة الحياء، وهو أمر بمعنى الخبر، أي: من لم يكن له حياء يحجره عن محارم الله، فسواء عليه فعل الكبائر منها والصغائر، ومن هذا المعنى حديث المغيرة بن شعبة عنه ﵇ أنه قال: "من باع الخمر فليشقص الخنازير" فليس بإباحة، لكنه تقريع وتوبيخ، ومنه قول عمر: "من استطاع إلى الحج سبيلاً، ولم يحج، فليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً". ومعنى: "ولم يحج" أي: ولم ير الحج واجباً، ومن ذلك حديث أبي هريرة: "من وجد سعة ولم يضح فلا يشهد مصلانا" يقول: من ترك السنة في الضحية مع السعة، فلا يرغب

стр. 179

في الصلاة معنا. ومنه قول الشاعر: إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فافعل ما تشاء فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء وقال أبو دلف العجلي: إذا لم تصن عرضاً ولم تخش خالقاً ... وتستحيي مخلوقاً فما شئت فاصنع ونحو منه قوله ﵇: "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" أي: من كذب علي تبوأ. وكما أن الأمر قد يرد بلفظ الخبر؛ من نحو قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾، وكذلك قد يرد الخبر بلفظ الأمر: في نحو

стр. 180

قولهم: أحسن، يريد: في التعجب. وقد قيل معنى حديث الباب: افعل ما شئت مما لا تستحي من فعله، أي: ما حل لك، وأبيح فافعله،/ ١٨/ب ولا تستحي منه. قال أبو عبيد: ذهب إليه جرير بن عبد الحميد، وهو معنى صحيح. ومعناه: أن يريد الرجل أن يعمل الخير، فيدعه حياء من الناس، كأنه يخاف، مذهب الرياء. وقال: وهو شبيه بالحديث الآخر: "إذا جاءك الشيطان وأنت تصلي، فقال: إنك ترائي، فزدها طولاً" وقال أبو عمر- في هذا القول الثاني-: إنه تأويل ضعيف، قال: والأول أولى عند العلماء بالسنة، واللسان العربي. قال الشيخ- وفقه الله تعالى-: مال إليه أبو عمر؛ لظهوره عند أكثر الناس، وإلا فالثاني تأويل حسن متوجه.

стр. 181

وقوله: "والاستيناء بالسحور" يعني تأخيره إلى آخر الوقت الذي يحمد فيه الأكل. وقوله: "لا أعلم إلا أنه ينمى" [٤٧] أي: يرفع إلى النبي ﷺ . يقال: نميت الحديث؛ إذا حدثت به على جهة الخير والصلاح ونميته- بالتشديد- إذا حدثت به على جهة الشر والفساد. (القنوت في الصبح) تقدم شرح القنوت، وذكر ابن الأنباري: أن القنوت على أربعة أقسام: [القنوت] الطاعة، قال الله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾. و [القنوت] القيام: روي عنه ﵇: "أنه سئل: أي الصلاة أفضل؟ فقال: طول القنوت ... ". والقنوت: السكوت، قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾. والقنوت: الأخذ في الدعاء. زاد غيره وجهاً خامساً؛ أن القنوت:

стр. 182

الصلاة؛ قال: ومنه قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً﴾ أي: مصل، وهذي ترجع إلى ما تقدم؛ لأنه سمى الصلاة قنوتاً؛ لما فيها من القيام؛ ومنه قوله ﵇: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم". (النهي عن الصلاة والإنسان يريد حاجته) قوله: "فذهب لحاجته" [٤٩]. استعمال هذه اللفظة على هذه الصفة يراد به: ما يحتاج الإنسان إليه من الغائط والبول، وإن كان لفظ الحاجة واقعاً على كل ما يحتاج إليه، إلا أن عرف اللغة جرى باستعماله على هذا الوجه فيما ذكرنا، ويدل على ما كانت العرب عليه في مخاطباتها من البعد عن الفحش، والبذاءة، وسفه القول. ولهذا قالوا لموضع حاجة الإنسان: الخلاء، والمذهب، والغائط، والمخرج، والكنيف، والحش، والمرحاض، والمرفق، فراراً عن التصريح باسمه. وقوله: "وهو ضام بين وركيه" [٥٠]. أي: يبلغ به الحقن أن يضم وركيه من شدته. وقوله ﵇: "إذا أراد أحدكم" أي: احتاج، فأتى بلفظ الإرادة مكان الحاجة.

стр. 183

(انتظار الصلاة والمشي إليها) معنى: "الملائكة تصلي على أحدكم" [٥١]. يريد: تدعو له، وتترحم عليه، وبين في الحديث معناه: "اللهم اغفر له، اللهم ارحمه" وللصلاة في كلام العرب وجوه، تقدم بعضها صدر الكتاب. وقال ابن الأنباري: الصلاة في كلام العرب على ثلاثة أقسام: الصلاة [تكون] المعروفة التي فيها الركوع والسجود، كما قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾. ومنه قول الأعشى: يراوح من صلوات المليـ ... ـك طوراً سجوداً وطوراً حؤارا الحؤار- ههنا-: الرجوع إلى القيام والقعود، ومنه قولهم: البكرة تدور على المحور، ومنه: "نعوذ بالله من الحور بعد الكور".

стр. 184

و"الصلاة": الترحم من الله تعالى، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾. وقال كعب بن مالك: صلى الإله عليهم من فتية ... وسقى عظامهم الغمام المسبل وقال آخر: صلى على يحيى وأشياعه ... رب كريم وشفيع مطاع ومنه الحديث: "اللهم صل على آل أبي أوفى" والصلاة: الدعاء؛ ومنه الصلاة على الميت، ومنه قوله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى الطعام فليجب، فإن كان مفطراً فليأكل، وإن كان صائماً فليصل" أي: فليدع. وقوله: "إسباغ الوضوء على المكاره" [٥٥] الإسباغ: الإكمال

стр. 185

والإتمام، ومنه؛ قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ أي: أتمها وأكملها/ ١٩/أ. و"إسباغ الوضوء": أن تأتي بالماء على كل عضو يلزمك غسله مع إمرار اليد؛ فإذا كملته فقد توضأت مرة. و"المكاره" قيل: إنه شدة البرد، وكل حال يكره الإنسان فيها نفسه على الوضوء؛ من شدة برد، وألم جسم، وقلة ماء، وحاجة إلى النوم، وعجلة تحفز إلى أمر مهم، فهي من المكاره، ومنه: دفع تكسيل الشيطان له عنه. و"الرباط"- ههنا-: ملازمة المسجد لانتظار الصلاة، وهو معروف لغة، وفي "العين": الرباط: ملازمة الثغور، والرباط: ملازمة الصلاة. (الالتفات والتصفيق في الصلاة عند الحاجة في الصلاة) "التصفيق": ضرب الكف على الكف. و"صفحته" ما انبسط منه، ومنه: المصافحة: ضرب الكف على الكف عند اللقاء، فكأنه لما التقيا الصفحان قيل: مصافحة، ومن الناس من أجازه، ومنهم من كرهه، والصحيح: إجازته. و"التصفيق"- أيضاً-: ضرب اليد على اليد، ومنه: صفقة البيع؛ لعملهم ذلك عند تمامه، ومنه: إنما التصفيق للنساء، ومنه: أعطاه صفقة يده أي: عهده، ومنه قوله: "الشهر كذا، وصفق بيديه مرتين".

стр. 186

والألف واللام في قوله: "في الصف" للعهد. يريد الصف الأول. (ما جاء في الصلاة على النبي ﷺ [تأتي] الصلاة في كلام العرب لمعان كما تقدم. والصلاة التي أمر بها- ههنا-: هي الدعاء. إنما سألوه ﷺ عن صفة الصلاة، ولم يسألوه عن جنس الصلاة عليه؛ لأنهم لا يؤمرون بالرحمة، وإنما يؤمرون بالدعاء، والدعاء بألفاظ كثيرة، فسألوه: هل لذلك صفة تختص به؟ فأعلمهم بالصفة المشروعة المخصوصة به؛ أن يدعو الله تعالى أن يصلي عليه. وقيل: في قوله ﵇: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" صلاة الله، وملائكته عليه مما تضمنته الآية. والأظهر أنها الصلاة المعهودة. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾: الصلاة من الله مغفرة، ومن الملائكة استغفار، وهما معنيان مختلفان والاسم مشترك، وقد ذكر مرة واحدة، وأريد به المعنيان جميعاً؟ وكذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ وسجود الناس غير سجود الشجر، والدواب، بل هو في السجود مجاز؟. قلنا: اللفظ المشترك لا يمكن دعوى الاشتراك فيه؛ لأنه لم يوضع

стр. 187

للجمع، مثل القرء: للطهر والحيض، والجارية: للسفينة والأمة، والمشتري: للكوكب، وقابل البيع، والعرب ما وضعت هذه الألفاظ، لتستعمل في مسمياتها إلا على سبيل البدل، أما على سبيل الجمع فلا، نعم نسبة المشترك إلى مسمياته متشابه، لكن تشابه نسبة كل واحد من آحاده، وتشابه نسبة كل واحد من آحاد العموم على الجمع، وتشابه نسبة المفهوم في السكوت عن الجميع، لا في الدلالة، وتشابه نسبة الفعل في أماكن وقوعه على كل وجه، والوهم سابق إلى التسوية بين المتشابهات، وهو غفلة عن تفصيل التشابه. قال الشيخ- وفقه الله تعالى-: ونرجع إلى الانفصال عن الآية، ونقول: نتسلق إلى فتح هذا الباب في معنيين يتعلق أحدهما بالآخر؛ فإن طلب المغفرة يتعلق بالمغفرة، لكن الأظهر عندنا أن هذا إنما أطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين؛ وهو العناية بأمر النبي [ ﷺ ]، لشرفه، وخدمته. والعناية من الله: المغفرة، ومن الملائكة: استغفار ودعاء؛ ومن الأمة: دعاء وصلوات، وكذلك العذر عن السجود. وقوله: "اللهم صل على محمد، وأزواجه، وذريته" [٦٦]. الأزواج معروفات. والذرية: من كانت للنبي ﵇، ولادة من ولده، وولد ولده، ممن تبعه وأطاعه. وأصل الذرية: النسل، مأخوذ من ذرأهم الله؛ أي: خلقهم قال ابن دريد: ذر الله الخلق: ذرأهم، كان أصله الهمز، فتركت

стр. 188

العرب همزه، /١٩/ب وكذلك الذرية. وقال الزبيدي: أصله: النشر، من ذر، قال غيره: أصله من الذر، فعلية منه؛ لأن الله تعالى خلقهم أولاً أمثال الذر، فلا أصل له في الهمز. و"الآل" يقع على ذات الشيء، كما قيل: "مزامير آل داود" يريد: مزامير داود. فإن كان يبعد هنا، تأويله في آل محمد للتكرار، ويقع على ما يضاف إليه. وقيل: الوجه في آل محمد: أنهم أمته. وقيل: هو نفسه في حديث الصلاة عليه. وقيل: آله: قرابته. وقيل: إنه هو المراد في تحريم الصدقة عليه وعليهم، وهم قرابته الأدنون إليه، أو عشيرته، أو بنو هاشم فحسب، أو بنو هاشم وبنو المطلب فحسب؛ على ما وقع في ذلك من الخلاف بين الفقهاء. ومنه الحديث: "من آل محمد؟ قال: عباس، وعقيل، وجعفر، وعلي" ويكون الآل: أتباع الرجل على ما هو عليه. فيحتمل أن يريد: أتباعه من ذريته، ويحتمل أن يريد أتباعه من كل من اتبعه. وإلى هذا ذهب مالك، واحتج بقوله تعالى:

стр. 189

﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ والأظهر أن "الآل" الأتباع من الرهط والعشيرة. وقوله: "وبارك على محمد" البركة- في كلام العرب-: النماء والزيادة، والتكثير من الله تعالى للخير، فيحتمل أن يريد به تكثير الثواب لهم، ورفع درجاتهم قال: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ويحتمل أن يريد به تكثير عددهم، مع توفيقهم، وقد قال ابن الأنباري: إن معنى تبارك اسمه: تقدس؛ أي: تطهر. فعلى هذا يحتمل أن يكون معنى: "بارك عليهم" طهرهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾. قال الشيخ- وفقه الله تعالى-: ويقال- أيضاً-: في قوله: "تبارك اسمه" إنه من البقاء والدوام، وقيل: من الجلال والعظمة، ونفى المحققون أن يتأول في وصفه معنى الزيادة؛ لأنه ينبئ عن النقصان. وقيل: باسمه وذكره تنال الزيادة والبركة. وقوله: "فيصلي على النبي، وعلى أبي بكر وعمر" [٦٨]. معناه: عند من خصص الصلاة بالنبي ﷺ ويدعو لأبي بكر وعمر. كما رواه بعضهم، ولكنه ألحق الثاني بالأول لفظاً، كما قال الشاعر:

стр. 190

علفتها تبناً وماء بارداً وكما قال الآخر: ورأيت زوجك في الوغى ... متقلداً سيفاً ورمحاً (العمل في جامع الصلاة) تقدم الكلام في "قباء"، أول الكتاب. وهي على ثلاثة أميال من المدينة؛ وأصله: اسم بئر هنالك، وألفه واو، وتقدم أنه يمد، ويقصر، ويصرف، ولا يصرف، وأنكر البكري القصر فيه، ولم يحك فيه أبو علي:

стр. 191

سوى المد، وقال الخليل: هو مقصور، قال: وهو قرية بالمدينة، ويدل على أنه ممدود، قول ابن الزبعرى: حين ألقت بقباء بركها ... واستحر القتل في عبد الأشل وقول أبي قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة: ألا ليت شعري هل تغير بعدنا ... فباء وهل زال العقيق وحاضره وقوله: "وأسوأ السرقة" [٧٢] بفتح الراء جمع: سارق، ككافر وكفرة، وظالم وظلمة. وتقديره: وأسوأ السرقة فعلاً. ومن رواه: بكسر الراء، وهي روايتنا في "الموطأ"؛ فعلى تقدي رمضاف محذوف، كأنه قال: وأسوأ السرقة الذي؛ فيكون نحواً من قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ أراد: حج أشهر،

стр. 192

أو أشهر الحج أشهر، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. وقوله: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم" [٧٣]. من قال: إنه أراد الفريضة، فـ "من" للتبعيض. ومن قال: إنه أراد: النوافل، جاز أن تكون زائدة، وجاز أن تكون للتبعيض. أومأ وأومى، وومأ وومى: ثلاثياً ورباعياً، ومهموزاً، وغير مهموز. وقد حكي: أوبأ- بالباء-. وقال بعضهم: أومأ- بالميم-: إذا أشار إلى قدام، وأوبأ؛ إذا أشار إلى خلف. قال الفرزدق: ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أوبأنا إلى الناس وقفوا (باب من ذكر صلاة في صلاة) "عطن الإبل" [٧٩]. موضع بروكها عند سقيها؛ لتعاد إلى الشرب؛

стр. 193

لأن لها في سقيها شربتين، ترد الماء فيهما مرتين، فموضع بروكها بين الشربتين هو عطنها، وقد يكون العطن عند غير الماء، والجمع: أعطان. وعطنت/ ٢٠/أالإبل تعطن عطوناً، وأعطنتها: إذا حبستها عن الماء، والمعطن مثله. وفي حديث الاستسقاء: "حتى ضرب الناس بعطن" أي: رووا، وأرووا إبلهم، وأبركوها، وضربوا لها عطناً. أبو عمر: موضع بروكها: عطنها، لا موضع مبيتها، وموضع مبيتها: هو مراحها، كما أن مراح الغنم: هو موضع مقيلها وموضع مبيتها. قال غيره: مراح الغنم: موضع مبيتها، وقيل: مسيرها إلى البيت. (جامع الصلاة) قوله: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار". كذا رواه المحدثون، وهي لغة لبعض العرب، يلحقون الفعل علامة التثنية والجمع، إذا تقدم على الفاعل، كما يلحقونه علامة التأنيث، واللغة الفصيحة: الإفراد، وقد تأول بعض العلماء قوله [تعالى]: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ على هذه اللغة؛ وأنشدوا: يلومونني في اشتراء النخـ ... ـيل أهلي وكلهم يعذل

стр. 194

والتعاقب والمعاقبة: المداولة، وإنما يكون التعاقب بين طائفتين، أو بين رجلين، مرة هذا ومرة هذا، ومنه قولهم: الأمير يعقب الجيوش والبعوث، أي: يرسل هؤلاء وقتاً، شهراً أو شهوراً، وهؤلاء مثل ذلك بعدهم، ليرد هؤلاء، فهذا هو التعاقب. ومعنى: "يعرج الذين باتوا فيكم" [٨٢]، أي: يصعدون. وكل من صعد شيئاً فقد عرج؛ ولذلك قيل للدرج: المعارج؛ و [قوله تعالى] ﴿ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾: معارج الملائكة. وقيل: ذي الفواضل العالية. والمعراج: الدرج. وقيل: سلم تعرج فيه الأرواح. وقيل: هو أحسن شيء لا تتمالك النفوس إذا رأته أن تخرج. وقوله: "إنكن لأنتن صواحب يوسف" يحتمل أن يريد به امرأة العزيز، فأتى بلفظ الجمع، على معنى الجنس، كما يقال: فلان يميل إلى النساء، ولعله إنما يميل إلى امرأة واحدة منهن. ويحتمل أن يريد اللائي ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً﴾. وقوله: "بينما رسول الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس". هذا كلام أكثر ما تستعمله العرب بالتثنية، فيقولون: فلان بين ظهري القوم؛ وبين

стр. 195

ظهرانيهم، بنون مفتوحة، وإنما خصصوا الظهر دون البطن؛ لأن الظهر المعونة، يقال: فلان يأوي إلى ظهر، أي: إلى أعوان وأنصار، وثنوه؛ لأن المعونة تكون بالنفوس والأموال. وقال الأصمعي وغيره: يقال: بين ظهريهم وظهرانيهم، ومعناه: بينهم وبين أظهرهم. قال غيره: العرب تضع الاثنين موضع الجملة. و"الوثن" [٨٥]: الصنم، وجمعه: أوثان، ووثن، كما يقال في جمع الأسد: آساد، وأسد، وتهمز الواو أيضاً؛ لانضمامها فيقال: أثن، وقرأ القراء: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً﴾. وقوله: "رأى رسول الله ﷺ مستلقياً في المسجد" [٨٧]. كذا رواه المحدثون، وأنكره بعض الناس؛ لأنه إنما يقال: "اسنلقى" بالنون؛ إذا رقد

стр. 196

على قفاه، ولا يقال: استلقى، فمن قاله فإنما وجهه: أن يكون بمعنى: ألقى، ومجيء استفعل بمعنى أفعل قليل لم يوجد إلا في ألفاظ نادرة، منها: قوله- : ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ أي: أوقد، وكقول كعب الغنوي: وداع دعا يا من يجيب إلى الندا ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقوله: "إنك في زمان كثير" [٨٨]. في الخفض في جميعها؛ على الوصف للزمان، وبالرفع على الابتداء. و"سيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه" بالرفع. وقوله: "يبدون أعمالهم قبل أهوائهم" كذا الرواية في الموضعين بغير همز؛ والقياس "يبدؤن" بالهمز، ولكنه سهلن ونقلت ضمة الهمزة إلى

стр. 197

ما قبلها، وجاء على لغة من يبدل الهمزة ياء مخففة، كقوله في قرأت: قريت، وفي أخطأت: أخطيت، وأكثر ما يجيء في الشعر، كقول زهير: جري متى يظلم يعاقب/ ٢٠/ب بظلمه ... سريعاً، وإن لا يبد بالظلم يظلم والقياس: يبدأ- بالهمز-. وقوله: "كمثل نهر عذب غمر" [٩١]. الغمر: الماء الكثير الذي يغمر من دخل فيه، أي: يغطيه. و"الدرن": الوسخ، والرواية: "يبقي" بالباء، أي: يترك، وتروى بإسكان الباء وبفتحها، وتشديد القاف. و"اللغط" و"اللغط" بإسكان الغين وفتحها؛ الكلام المختلط، يقال: لغط القوم لغطاً، ولغيطاً، وألغطوا، ومن كلام العرب: "الغلط تحت اللغط".

стр. 198

(جامع الترغيب في الصلاة) قوله: "ثائر الرأس" [٩٤] أي: قائم الشعر غير مترجل، يقال: ثار شعره. قوله: "فإذا هو يسأل عن الإسلام" أي: عن فرائض الإسلام، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ودليله قوله في الجواب: "خمس صلوات" وليس هذا جواب من قال: "ما الإسلام؟ " وإنما هو جواب من قال: ما فرائض الإسلام؟. ويروى: "إلا أن تطوع"- بتخفيف الطاء، وتشديدها-، والأصل: "تتطوع" فمن خفف الطاء حذف أحد التاءين، ومن شددها أدغم فيها كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ أصله: المتطوعين. وقوله: "أفلح" أي: فاز بالبقاء الدائم في الخير والنعيم وهي الجنة والفلاح، وفي كلام العرب: البقاء، ومنه: "حي على الفلاح" قال الأضبط بن قريع:

стр. 199

والصبح والمسي لا فلاح معه أي: لا بقاء معه، وقال آخر: لو كان حي مدرك الفلاح أدركه ملاعب الرماح وقال لبيد: ولقد أفلح من كان عقل وقوله: "إن صدق". استعمله ﷺ في الخبر عن المستقبل، وقد قال ابن قتيبة: إن الكذب في مخالفة الخبر عن الماضي، والخلف في مخالفته في

стр. 200

المستقبل، ويجب عليه أن يكون الصدق في الخبر عن الماضي، والوفاء في الخبر عن المستقبل، وهذا الحديث دليل على خلاف قوله. وقوله: "يعقد الشيطان على قافية [رأس] أحدكم" [٩٥]. فالقافية: مؤخر الرأس، وهو القذال؛ لأنها تقفو الإنسان، أي: تتبعه، وقافية كل شيء: آخره، ومنه قيل في أسمائه ﵇: "المقفى"؛ لأنه آخر الأنبياء، ومنه قوافي الشعر؛ لأنها آخر البيت. أما "عقد الشيطان" فلا يوصل إلى كيفيته، والظن به أنه مجاز، كناية عن حبس الشيطان، وتثبيطه للإنسان عن قيام الليل. والعرب تسمي الحبس عن الأمور والالتواء تعقيداً، ومنه: عقد الساحر؛ إنما هو تحيير المسحور وصرفه عما كان يفعله، ومنه تعقيد الأيمان؛ إنما هو تأكيدها حتى لا يجد الحالف منها مخرجاً، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾. وخص الثلاث؛ لأنه يحبسه عن ذكر الله تعالى، وعن الوضوء، وعن الصلاة. وتستعمل الثلاث كثيراً في تأكيد الشيء وإثباته، وخص مؤخر الرأس، لأنه موضع الذكر، ومن فساده يكون النسيان؛ لأن الدماغ- فيما ذكره المتقدمون- ثلاثة أقسام: المقدمة: مكان القوة المتخيلة، وأوسطه: مكان الفكرة، وآخره: مكان الذاكرة.

стр. 201

[كتاب العيدين] (العمل في غسل العيدين) "العيد": اسم الفعل، من عاد يعود عوداً [١] سمي به تفاؤلاً؛ لأن يعود، كما سميت القافلة في ابتداء خروجها إلى السفر بذلك، تفاؤلاً بعودتها. (الأمر بالصلاة قبل الخطبة في العيدين) قول عمر: "يوم فطركم من صيامكم، والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم" [٥] كلام فيه حذف، تقديره: أحدهما يوم فطركم، فحذف؛ لأن قوله: "والآخر" دل عليه؛ لأن الآخر لا يستعمل إلا بعد أول يتقدم ذكره؛ ونظيره قول عبيد: جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامه تقديره: عودين، عوداً من نشم، وآخر من ثمامة؛ لأنك إن عطفت "آخر" على عودين كانت ثلاثة، وقال أصحاب المعاني: إنما هي عودان.

стр. 202

وقوله: "يوم تأكلون فيه" الصواب: "يوم" بالتنوين، وكذا رويناه. وقوله: "تأكلون فيه" في موضع الصفة لليوم، كما أن/ ٢١/أالجملة المذكورة بعد اليوم من قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ في موضع الصفة لـ "يوماً". ومن روى: "يوم تأكلون" بلا تنوين فقد أخطأ؛ لأن "اليوم" يكون مضافاً إلى الجملة، ولا يجوز في هذا الموضع؛ لأن في الجملة ضميراً يعود إلى اليوم، فإذا أضافه إلى ما فيه ضميره، كان بمنزلة: مررت برجل حسن وجهه، فأضاف الشيء إلى نفسه. و"العالية": هي العوالي، وهي منازل حوالي المدينة. قال مالك: بين أبعد العوالي وبين المدينة ثلاثة أميال، سميت العوالي؛ لإشراف مواضعها.

стр. 203

[كتاب صلاة الخوف] (صلاة الخوف) كانت غزوة ذات الرقاع في السنة الخامسة من الهجرة. و"ذات الرقاع" [١] جبل فيه ألوان مختلفة، حمر وسود وبيض؛ فلذلك سميت "ذات الرقاع" [وقيل:] للرايات المختلفة الألوان. وقيل: سميت بذلك؛ لأن قوماً كثيراً من أصحاب رسول الله ﷺ مشوا حتى تفطرت أقدامهم بالدم، وكانوا يشدون عليها الخرق. وقيل: "ذات الرقاع": شجرة نزلوا تحتها. وقوله: "وصفت طائفة وجاه العدو". أي: اصطفت؛ وهذا الفعل أحد الأفعال التي جاءت بلفظ واحد، قبل النقل وبعده؛ لأنه يقال: صف القوم؛ إذا صاروا صفاً، وصففتهم أنا أصفهم، ولم يقولوا: أصففتهم، و"وجاه العدو": المكان المقابل لوجوههم.

стр. 204

يقال: جلست وجاهه- بالواو-، وتجاهة- بالتاء- ومواجهته، والمواجهة: مصدر أجري مجرى الظروف، وأما الوجاه والتجاة فظرفان صحيحان. وقوله: "صلوا رجالاً" [٣] أي: رجالة، واحدهم: رجل- بفتح الراء، وكسر الجيم- وقالوا- أيضاً-: رجل- بكسر الراء والجيم-، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ وقالوا- أيضاً- للذي يمشي على قدميه: رجل، بلفظ الرجل الذي يراد به الإنسان، وبه فسر قول الهذلي: أقول لما أتاني ثم مصرعه ... لا يبعد الرمح ذو النصلين والرجل

стр. 205

[كتاب صلاة الكسوف] (العمل في صلاة الكسوف) الخسوف والكسوف سواء، يكونان في الشمس والقمر جميعاً، ولا وجه لقول من فرق بينهما. وروي ذلك عن جماعة من السلف وأهل اللغة، منهم عروة بن الزبير، قالوا: الخسوف في الشمس، والكسوف في القمر. وقد سوى مالك [﵀] بينهما في هذا الباب؛ لأنه ذكر في الترجمة الكسوف، وخرج الحديث الذي أورده فيه بالخاء، لكن الاشتقاق يوجب أن يكون الخسوف أشد من الكسوف؛ لأن الخسوف: الغؤور، وأصل الكسوف: التغير، وتصريف الفعل منهما بالفتح في الماضي، والكسر في المستقبل، وهما من الأفعال التي إذا نقلت عن فاعلها لم تدخل عليها أداة النقل، كما تدخل الأفعال في نحو قولك: دخل وأدخلته، لكنك تقول: كسفت الشمس،

стр. 206

وكسفها الله، وخسفت الشمس، وخسفها الله، ولهذا جاز في الحديث هنا: "لا يخسفان" و"لا يخسفان" [١] بفتح الياء وكسر السين، وبضم الياء وفتح السين، ولهذا قالوا: شمس كاسفة، ومكسوفة، وخاسفة، ومخسوفة، قال جرير: والشمس كاسفة ليست بطالعة وقوله: "ما من أحد أغير من الله" يجوز في "أغير" الرفع والنصب، فإن جعلت "ما" تميمية رفعت، وإن جعلتها حجازية نصبت، و"من" زائدة مؤكدة في الوجهين، ويجوز إذا فتحت الراء من "أغير" [أن] تكون في موضع خفض على الصفة لـ "أحد" على اللفظ، وكذلك يجوز إذا رفعت أن تكون صفة لـ "أحد" على الموضع، والخبر محذوف في الوجهين تقديره: ما من أحد أغير من الله موجوداً. وقوله: "تكعكعت" [٢]. أي: تأخرت، يقال: كع الرجل،

стр. 207

وتكعكع، وكاع: إذا ارتدع عن الشيء وجبن عنه، وأنكر الأصمعي: كاع. وقوله: "فلم أر كاليوم منظراً" كلام تستعمله العرب، يقولون: ما رأيت كاليوم رجلاً قط، والرجل والمنظر لا يصح أن يشبها باليوم. وتلخيص معناه: ما رأيت كرجل [أراه] اليوم رجلاً، وكذلك: فلم أر كمنظر اليوم منظراً، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وجازت إضافة الرجل/ ٢١/ب والمنظر إلى اليوم؛ لوقوعهما فيه، كماي ضاف الشيء إلى ما يتصل به. وفي المنظر وجهان: يحتمل [أن يريد] الشيء المنظور إليه، فيكون من المصادر التي توضع موضع المفعولات، كقولهم: درهم ضرب الأمير [يريد المكان]. ويحتمل أن [يريد المكان] المنظور [إليه]. وقوله: "فرأيت أكثر أهلها النساء" هذا مما يحتج به من يرى الرؤية هنا رؤية علم؛ لأنه عداها إلى مفعولين، ورؤية لاعين إنما تتعدى إلى واحد، والذي عليه أهل السنة أنها رؤية عين. ويصح ذلك على وجهين: أحدهما: أن تكون الرؤية- هنا- بمعنى الظن والحسبان، لا بمعنى العلم؛ لأن رؤية القلب تنقسم ثلاثة أقسام: تكون بمعنى العلم، وتكون بمعنى

стр. 208

الظن والحسبان، فتتعدى في هذين الوجهين إلى مفعولين؛ وتكون بمعنى الاعتقاد، فتتعدى إلى واحد، وشاهده قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦)﴾ أي: يظنونه بعيداً، ونعلمه قريباً. والرؤية بمعنى الاعتقاد، كقولك: فلان يرى رأي مالك وأبي حنيفة، والظن لائق بهذا الحديث جداً. والثاني: أن تكون رؤية عين، وتجعل "النساء" بدلاً من "أكثر"؛ فيكون كقولك: رأيت أخاك زيداً، وأنت تريد: رؤية العين، إلا أن قولك: رأيت أخاك لا يتم الكلام إذا كان للمخاطب أخوان، حتى تقول: زيداً أو عمراً ونحوه، والبدل يحتاج إلى المبدل منه، كاحتياج المفعول الأول إلى الثاني مما يتعدى إلى مفعولين. وأما رواية يحيى: "ويكفرن العشير"- بالواو-. فإنه أثبت لهن الكفر بالله، وبالعشير معاً؛ لأنه كلام حذف منه المعطوف عليه اختصاراً. وتقديره: يكفرن بالله، ويكفرن بالعشير، والعرب تفعل ذلك، فيقول القائل منهم لصاحبه: مرحباً، ويقول الآخر: وبك أهلاً، يريدون: وبك مرحباً وأهلاً.

стр. 209

هذا ما يقتضيه اللسان، وتأويله في الكتاب "الكبير" ورواية غير يحيى ضد رواية يحيى؛ لأنه لم يثبت لهن الكفر إلا بالعشير. والعشير- هنا-: الزوج، وكل من يعاشرك فهو عشير، قال تعالى: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾، وقال الشاعر: وتلك التي لم يشكها في خليفة ... عشير وهل يشكو الكريم عشير وقال آخر: سلا هل قلاني من عشير صحبته ... وهل ذم رجلي في الرفاق دخيل وقال مجاهد: العشير في الآية: الوثن، يريد: أنه يقوم لهم مقام العشير. وقال صاحب "العين": يقال: هذا عشيرك وشعيرك على القلب. ويحتمل أني كون بمعنى معاشر ومعاشر؛ لأن المعاشرة لا تصح إلا من اثنين، وكذلك كل فعل كان بمعنى مفاعل، كجليس وأكيل وشريب؛ ومنه

стр. 210

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦)﴾ أي: محاسبا. وقوله ﵇: "عائذاً بالله من ذلك". في نصبه ثلاثة أوجه: أحدها: على الحال المؤكدة النائبة مناب المصدر السادة مسده، والعامل فيه محذوف، كأنه قال: أعوذ بالله عائذاً، ولم يذكر الفعل؛ لأن الحال نائبة عنه. والثاني: يكون مصدراً جاء على مثال فاعل، كقولهم: عوفي عافية: والأول: مذهب سيبويه. والثاني: مذهب المبرد. والثالث- وهو رأي [بعض] الكوفيين: انتصب لوقوعه موقع الفعل المضارع؛ وزعم [هؤلاء]: أن وقوع اسم الفاعل موقع الفعل المضارع يوجب له النصب؛ كما أن وقوع المضارع موقع اسم الفاعل يوجب له الرفع. وذكر سيبويه- أن من العرب-: من يرفع، فيقول: "عائذ بالله": على أن خبر المبتدأ مضمر، أي: أنا عائذ بالله. والنصب أكثر في كلام العرب، وكذلك وقعت الرواية في "الموطأ". (ما جاء في صلاة الكسوف) قال الشيخ- وفقه الله تعالى-: قوله: "فقلت: آية" [٤]. روايتنا:

стр. 211

بالرفع، على خبر ابتداء مضمر، ولو نصب لجاز، على معنى: أرى آية. وقولها: "فأشارت برأسها أن نعم". "أن" هذه هي التي تسمى: العبارة، تفسر ما قبلها، وتعبر عن المعنى الذي قصد به، كقوله تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا﴾ ولا تقع "أن" هذه إلا بعد كلام معناه كمعنى الأول. وأهل الكوفة يقدرون معها حرف الجر. وقولها: "حتى تجلاني الغشي" أي: /٢٢/أغطاني وغلبني، وأصله تجللني بثلاث لا مات، فاستثقل اجتماعهن، فأبدل من اللام الثالثة ياء، وانقلبت ألفاً؛ لتحريكها وانفتاح ما قبلها. و"الغشي"- ساكن الشين- مصدر غشي عليه، وكان قياسه أن تقول: غشو- بالواو-. وقولها: "فحمد الله وأثنى عليه" كلام مختصر، وحذف منه ما لا يتم إلا به. تقديره: حمد الله وأثنى عليه، حين فرغ من الصلاة، كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يقولون سلام عليكم. وقولها: "مثل أو قريباً من فتنة الدجال" التقدير: مثل فتنة الدجال، أو قريباً من فتنة الدجال؛ فحذف المضاف إليه لذلك، ولم ينون "مثلاً"؛ ونحوه

стр. 212

قول العرب: "قطع الله يد ورجل من قاله"، أراد: يد من قاله ورجل من قاله. و"الدجال"- عند العرب-: الكذاب. يقال: دجل يدجل. و"الدجال": المموه والمحسن للباطل. و"إن" في قوله: "إن كنت لمؤمناً" عند البصريين مخففة من الشديدة، ويلزمها اللام في الخبر؛ فرقاً بينها وبين "إن" النافية. و"الفتنة" تقدمت، و"المنافق": كل من أظهر الإيمان واعتقد الكفر. و"المرتاب": الشاك، وإنما سمي الملكان: الفتانان؛ منكراً ونكيراً؛ لأن العبد ينكر ما يسألانه عنه، وينكر الملكان عليه ما يقوله؛ فنكير: فعيل بمعنى مفعل، أي: منكر، كما يقال: عذاب أليم، وداء وجيع؛ لأن كل واحد من السائل والمسئول: فاعل من جهة، ومفعول من جهة.

стр. 213

[كتاب الاستسقاء] (ما جاء في الاستسقاء) [قوله:] "اللهم اسق عبادك" [٢]. موصولة الألف ومقطوعته، الأول: من سقيت، والثاني: من أسقيت. واختلف أهل اللغة فيهما: هل هما بمعنى واحد، أم بمعنيين؟ فقال- من فرق بينهما-: يقال: سقيت الرجل: إذا ناولته الماء، وسقيت الأرض: إذا أرسلت فيها الماء، فإذا قلت: أسقيت الرجل- بالألف- فمعناه: جعلت له سقياً، وهو الذي يسقى به، وأسقيته- أيضاً-: دعوت له بالسقيا، وهو كثير في الشعر، وحكى بعضهم: سقى، وأسقى بمعنى واحد.

стр. 214

وقوله: "وبهيمتك" اسم مفرد يراد به النوع كله، قال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾، و [قال تعالى]: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾. وقوله: "وأحيي بلدك الميت" يجوز بتشديد الياء، وتخفيفها، قال الله تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾. "وتقطعت السبل ... وانقطعت". وبالنون أكثر استعمالاً في هذا الموضع، أي: ضعفت الإبل؛ لقلة الكلأ عن أن يسافر بها، ويحتمل أن يريد: أنها لا تجد من الكلأ ما تبلغ به في أسفارها. وقوله ﵇: "اللهم ظهور الجبال" منصوب بفعل مضمر دل عليه فحوى الكلام، كأنه قال: اخصص به ظهور الجبال، وأمطر ظهور الجبال، كما يقول المؤذن: "الصلاة رحمكم الله" أي: عليكم الصلاة، وإنما يضمر فيه فعل يدل عليه الحال المشاهدة، وبساط الكلام، وإلا، لم يجز. و"الآكام": الكدا، واحدتها: أكمة، مثل: رقبة ورقاب، وعقبة

стр. 215

وعقاب. وقد يجمع على آكام، مثل: آجام. و"ومنابت الشجر" حيث ترعى البهائم. "فانجابت عن المدينة انجياب الثوب" انفرجت، وهو انفعلت؛ من قولك: جبت القميص؛ إذا فتحت جيبه، وجبت الشيء؛ إذا خرقته. (الاستمطار بالنجوم) "الحديبية" [٤]: موضع معروف في آخر الحل وأول الحرم. وفيه كان صلح بين رسول الله ﷺ وبين قريش، وفيه كانت بيعة الرضوان، تحت الشجرة، وهو غير مشدد الياء، كذا قيده أبو علي القالي، والفقهاء يروونه بتشديد الياء، وقد روي عن الكسائي، وكان الأصمعي ينكره. والسماء: المطر. وهي استعارة حسنة معروفة للعرب. تقول: ما زلنا نطأ السماء، حتى أتيناكم، يعنون موقع الغيث، وسمي سماء؛ لأنه ينزل من السماء، على مذهبهم في تسمية الشيء باسم الشيء إذا كان مجاوراً له، أو كان منه بسبب، قال حسان:
следующие страницы →