Полный текст (994 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بالرفع، على خبر ابتداء مضمر، ولو نصب لجاز، على معنى: أرى آية.
وقولها: "فأشارت برأسها أن نعم". "أن" هذه هي التي تسمى: العبارة، تفسر ما قبلها، وتعبر عن المعنى الذي قصد به، كقوله تعالى: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا﴾ ولا تقع "أن" هذه إلا بعد كلام معناه كمعنى الأول. وأهل الكوفة يقدرون معها حرف الجر.
وقولها: "حتى تجلاني الغشي" أي: /٢٢/أغطاني وغلبني، وأصله تجللني بثلاث لا مات، فاستثقل اجتماعهن، فأبدل من اللام الثالثة ياء، وانقلبت ألفاً؛ لتحريكها وانفتاح ما قبلها. و"الغشي"- ساكن الشين- مصدر غشي عليه، وكان قياسه أن تقول: غشو- بالواو-.
وقولها: "فحمد الله وأثنى عليه" كلام مختصر، وحذف منه ما لا يتم إلا به. تقديره: حمد الله وأثنى عليه، حين فرغ من الصلاة، كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يقولون سلام عليكم.
وقولها: "مثل أو قريباً من فتنة الدجال" التقدير: مثل فتنة الدجال، أو قريباً من فتنة الدجال؛ فحذف المضاف إليه لذلك، ولم ينون "مثلاً"؛ ونحوه
стр. 212
قول العرب: "قطع الله يد ورجل من قاله"، أراد: يد من قاله ورجل من قاله.
و"الدجال"- عند العرب-: الكذاب. يقال: دجل يدجل. و"الدجال": المموه والمحسن للباطل.
و"إن" في قوله: "إن كنت لمؤمناً" عند البصريين مخففة من الشديدة، ويلزمها اللام في الخبر؛ فرقاً بينها وبين "إن" النافية.
و"الفتنة" تقدمت، و"المنافق": كل من أظهر الإيمان واعتقد الكفر.
و"المرتاب": الشاك، وإنما سمي الملكان: الفتانان؛ منكراً ونكيراً؛ لأن العبد ينكر ما يسألانه عنه، وينكر الملكان عليه ما يقوله؛ فنكير: فعيل بمعنى مفعل، أي: منكر، كما يقال: عذاب أليم، وداء وجيع؛ لأن كل واحد من السائل والمسئول: فاعل من جهة، ومفعول من جهة.
стр. 213
[كتاب الاستسقاء]
(ما جاء في الاستسقاء)
[قوله:] "اللهم اسق عبادك" [٢]. موصولة الألف ومقطوعته، الأول: من سقيت، والثاني: من أسقيت. واختلف أهل اللغة فيهما: هل هما بمعنى واحد، أم بمعنيين؟ فقال- من فرق بينهما-: يقال: سقيت الرجل: إذا ناولته الماء، وسقيت الأرض: إذا أرسلت فيها الماء، فإذا قلت: أسقيت الرجل- بالألف- فمعناه: جعلت له سقياً، وهو الذي يسقى به، وأسقيته- أيضاً-: دعوت له بالسقيا، وهو كثير في الشعر، وحكى بعضهم: سقى، وأسقى بمعنى واحد.
стр. 214
وقوله: "وبهيمتك" اسم مفرد يراد به النوع كله، قال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾، و [قال تعالى]: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾.
وقوله: "وأحيي بلدك الميت" يجوز بتشديد الياء، وتخفيفها، قال الله تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾.
"وتقطعت السبل ... وانقطعت". وبالنون أكثر استعمالاً في هذا الموضع، أي: ضعفت الإبل؛ لقلة الكلأ عن أن يسافر بها، ويحتمل أن يريد: أنها لا تجد من الكلأ ما تبلغ به في أسفارها.
وقوله ﵇: "اللهم ظهور الجبال" منصوب بفعل مضمر دل عليه فحوى الكلام، كأنه قال: اخصص به ظهور الجبال، وأمطر ظهور الجبال، كما يقول المؤذن: "الصلاة رحمكم الله" أي: عليكم الصلاة، وإنما يضمر فيه فعل يدل عليه الحال المشاهدة، وبساط الكلام، وإلا، لم يجز.
و"الآكام": الكدا، واحدتها: أكمة، مثل: رقبة ورقاب، وعقبة
стр. 215
وعقاب. وقد يجمع على آكام، مثل: آجام. و"ومنابت الشجر" حيث ترعى البهائم.
"فانجابت عن المدينة انجياب الثوب" انفرجت، وهو انفعلت؛ من قولك: جبت القميص؛ إذا فتحت جيبه، وجبت الشيء؛ إذا خرقته.
(الاستمطار بالنجوم)
"الحديبية" [٤]: موضع معروف في آخر الحل وأول الحرم. وفيه كان صلح بين رسول الله ﷺ وبين قريش، وفيه كانت بيعة الرضوان، تحت الشجرة، وهو غير مشدد الياء، كذا قيده أبو علي القالي، والفقهاء يروونه بتشديد الياء، وقد روي عن الكسائي، وكان الأصمعي ينكره.
والسماء: المطر. وهي استعارة حسنة معروفة للعرب. تقول: ما زلنا نطأ السماء، حتى أتيناكم، يعنون موقع الغيث، وسمي سماء؛ لأنه ينزل من السماء، على مذهبهم في تسمية الشيء باسم الشيء إذا كان مجاوراً له، أو كان منه بسبب، قال حسان:
стр. 216
يعفيها الروامس والسماء
وقال معود الحكماء:
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
وقال أبو عبيدة: يقال في الرحمة: مطرنا بغير ألف، وفي العذاب: أمطرنا بالألف، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ﴾ وأجاز غيره: أمطرنا/ ٢٢/ب في كل شيء، واحتج بقوله تعالى: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.
و"النوء" في كلام العرب واحد أنواء النجوم، وبعضهم يجعله الطالع، وأكثرهم يجعله الساقط، وقد تسمى منازل القمر كلها أنواء.
وقوله: "إذا أنشأت بحرية" [٥] تروى بالرفع والنصب؛ فمن رفعها
стр. 217
جعله فاعلاً، ومن نصبها فعلى الحال، والفاعل مضمر تقديره: إذا أنشأت السحابة بحرية، والعرب تضمر الفاعل، وإن لم يجر له ذكر، إذا كان في فحوى الكلام ما يدل عليه، فيقولون: هبت شمالاً، وهبت جنوباً، يريدون: هبت الريح، وهو في الشعر كثير، ومعنى أنشأت: ابتدأت وأقبلت، ومنه قيل: أنشأ الشاعر يقول، وقد قيل: أنشأت: ظهرت وارتفعت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِي الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ (٢٤)﴾. أي: السفن الظاهرة في البحر كالجبال الظاهرة في الأرض، وقال صاحب "الأفعال": نشأ السحاب نشأ: ارتفع، وأنشأ السحاب يمطر: بدأ، وهو الأظهر، و"البحرية": تظهر من جهة البحر، وناحية البحر من الدينة الغرب، والشام من المدينة في ناحية الشمال. ومعنى "تشاءمت": أخذت نحو الشأم، وإذا كانت كذلك فهي أكثر لمائها؛ لأن الجنوب تسوقها، والجنوب أحد الرياح للمطر بالحجاز.
وقوله: "فتلك عين غديقة" العين: مطر أيام لا يقلع، والعين- أيضاً-: ناحية القبلة. ويقال: العين: ما عن يمين قبلة العراق.
(ع) و"غديقة": تصغير غدقة، فالغدقة: الكثيرة الماء، قال
стр. 218
تعالى: ﴿مَاءً غَدَقاً (١٦)﴾. وقال سحنون- في كتاب "التفسير"- لابنه: معنى ذلك أنها بمنزلة ما يفور من العين. وقال ابن الأنباري: الغدق: المطر الكثير القطر. وقد يكون التصغير أريد به التعظيم، كما قال عمر في ابن مسعود: "كنيف مليء علماً"، وقيل: إن قول عمر كان لصغر قده، ولطافة جسمه. وقال غيره: "غديقة"- مفتوحة الغين، مكسورة الدال- على مثال طريقة، قال: والفقهاء يروونه: "غديقة"- بضم الغين، وفتح الدال- على لفظ التصغير، ولا يعرف ذلك اللغويون.
قال الشيخ- وفقه الله تعالى-: وقال الباجي، فيما أخبرنا به أستاذي أبو علي [عن] ابن غزلون، عنه: أهل بلدنا يروون: "غديقة" على التصغير،
стр. 219
وقد حدثنا به: أبو عبد الله الصوري الحافظ، وضبطه [بخطه] "غديقة" [بفتح الغين]، وقال: هكذا حدثني به عبد الغني [الحافظ]، عن حمزة [بن محمد] الكناني [الحافظ].
стр. 220
[كتاب القبلة]
(النهي عن استقبال القبلة والإنسان يريد حاجته)
"الكرابيس" [١]. جمع كرباس؛ وهو المرحاض الذي له قناة قائمة، مثل: سربال وسرابيل. وقد قيل: إنها المراحيض جملة، وسمي كرباساً؛ لتطبيق بعضه فوق بعضن مشتق من قولهم: تكربس الشيء: إذا تلبد وتظاهر؛ لما يتكربس فيها ويعلوها من الأقذار، والياء زائدة، ومنه سميت الكراسة.
وأما "المرحاض" فمشتق من قولهم: رحضت الشيء؛ إذا غسلته، ويقال للإناء الذي يتوضأ فيه ويغسل فيه: مرحضة و"الكنيف" من كنفت الشيء؛ إذا سترته، ومنه قيل للترس: كنيف. ويقال للكنيف: حش، وخلاء، وميضأة، ومذهب. وسمي خلاء؛ لأن الإنسان يخلو فيه لحاجته.
стр. 221
وسمي مذهباً؛ لأنه يذهب إليه عند حاجته. وسمي ميضأة؛ لأنه يتوضأ منه؛ أي: يتطهر، ويتنظف، وهو مشتق من الوضاءة، وهي النظافة. وفي تسميتهم "حشا" قولان:
أحدهما: أن الحش: المخرج، والمحشة: الدبر، وفي الحديث: "محاش النساء [عليكم] حرام". فسمى به لأنه مكان تكشف فيه الأدبار.
والثاني: أن الحش: البستان، وكانوا قبل أن يحدث الكنيف، يقضون حوائجهم في البساتين، فكثر حتى صار اسماً للموضع الذي يغاط فيه.
ووقع في بعض النسخ: "إذا ذهب أحدكم الغائط، أو البول" [١] بالنصب دون لام، والقياس اللام. ومن نصب أراد: اللام وحذفها، وهذا نحو مما يحكى عن العرب: ذهبت الشام. و"الغائط": المكان المنخفض. وسمي الحدث غائطاً؛ لأنهم كانوا يقضون [حوائجهم] فيه.
وقوله: /٢٣/أ "فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بفرجه" [٢٤]. دليل على أن القبل يسمى فرجاً، وأن الدبر يسمى فرجاً.
(الرخصة في استقبال القبلة لبول أو غائط)
"اللبنة"- بفتح اللام، وكسر الباء: الطوبة، والآجر. وكل شيء
стр. 222
ربعته من حجر ونحوه فقد لبنته، والجمع: لبن كذلك، ويقال: لبنة بكسر اللام وتسكين الباء، وجمعها: لبن ولبن، كما يقال في جمع سدرة: سدر وسدر.
(النهي عن البصاق في القبلة)
يقال: بصاق، وبساق، وبزاق [٤، ٥]- بالصاد، والسين، والزاي-. وقد بصق، وبسق، وبزق، فأما بسقت النخلة إذا ارتفعت فلم يحك فيها أحد لغة غير السين، على أنهم قد قالوا: كل سين وقع بعدها حرف من حروف الاستعلاء جاز أن تنقلب صاداً.
و"النخامة" و"النخاعة" بالعين غير معجمة سواء، وقيل: النخاعة- بالعين- من الفم، وبالميم من الأنف، و"المخاط": ما يخرج من الأنف.
(ما جاء في القبلة)
أكثر الروايات: "فاستقبلوها" [٦]. على لفظ الخبر، وقد رواها بعضهم على لفظ الأمر.
стр. 223
[كتاب القرآن]
(الأمر بالوضوء من مس الذكر)
أخبئه المصحف [١]: أغشيته التي يستر فيها. وفي الحديث قول هند: "أهل خباء، أو أخباء". على الشك في مسلم في (كتاب الإيمان)، ومثله في (النذور) من البخاري. وهو جمع خباء، من خبأت؛ لأنه يختبأ فيه، ويستتر.
(ما جاء في تحزيب القرآن)
"حزب" موضوع عند العرب لجمع المفترق، وضم المنتشر، فالحزب: كل مجموع من مفترق قبله، وبذلك سمي الحزب، الذي هو الجزأين من القرآن.
(ما جاء في القرآن)
قوله: "ثم لببته بردائه" [٥]. التلبيب: أن تضع في عنق الرجل ثوباً، وتقبض عليه، ويكون التلبيب- أيضاً-: أن تقبض على مكان لبته، وتضغطه. واللبب واللبة: وسط الصدر، ويقال: لكل من جمع ثيابه وتحزم لشر أو
стр. 224
حرب: قد تلبب. قال المنخل اليشكري:
واستلئموا وتلببوا ... إن التلبب للمغير
وقوله: "إنما مثل صاحب القرآن" تستعمل هذه اللفظة على وجوه: أحدها بمعنى: المصاحبة والموافقة؛ تقول: هذا صاحب النبي: لمن صحبه وتابعه.
وتستعمل بمعنى: الملك كقولك صاحب الدار، وصاحب الدابة، أي: مالكها.
وتستعمل بمعنى: العمل يقال: هذا صاحب هذه الصناعة، أي: الذي عملها. فيحتمل- هنا- صاحب القرآن: الذي يصحبه ويألف قراءته. ويحتمل الذي يقرؤه، فيكون معناه: صاحب القراءة.
و"الوحي" في كلام العرب: الإخبار في السر، ومنه سمي ما يأتي به الأنبياء: وحياً.
والوحي: الكتب، يقال: وحا يحي وحياً: إذا كتب. والوحي: الإلهام،
стр. 225
من قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ والوحي في الحديث: ما يأتيه على ألسنة الملائكة المرسلين.
و"صلصلة الجرس": صوته. والجرس: الجلجل، وأجرست الجرس: صوت به، و"الجرس": الصوت، جرست الكلام: تكلمت به، ويقال: صلصلة الطست، وصلصلة الجرس، وصلصلة الفخار؛ وذلك إذا توهمت فيه ترجيعاً، فإذا امتد صوته فهو صليل.
وقوله: "فيفصم عني". أي: يزول وينفرج، ويذهب، وكل عقدة حللتها، فقد فصمتها، قال تعالى: ﴿فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ و"انفصام العروة": أن تنفك عن موضعها، وأصل "الفصم" عند العرب: أن تفك الخلخال ولا يبين كسره، فإذا كسرته فقد قصمته- بالقاف-. قال ذو الرمة:
كأنه دملج من فضة نبه ... في ملعب من عذارى الحي مفصوم
هذا قول بعض اللغويين. وقال بعضهم: انفصم الشيء، وانقصم- بالفاء والقاف: إذا انكسر، وقد فصمته وقصمته. / ٢٣/ب
стр. 226
ويقال: تفصد العرق يتفصد: إذا سال؛ وكذلك الماء.
وقوله: "وقد وعيت ما قال" يقال: وعيت الكلام أعيه وعياً؛ إذا فهمته، ومعناه: أن تجمعه في قلبك حتى لا يشذ منه شيء، كما تجمع الشيء في الوعاء. فأما المال والمتاع فيقال فيهما: أوعيت- بالألف- أوعي إيعاء، واسم الفاعل من الأول: واع، ومن الثاني: موع.
وقوله: "وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً" منصوب على الحال الموطئة. ومعنى ذلك: أن الحال يكون صفة مشتقة من فعل، كقائم، وذاهب ونحوه، فلما كان الرجل اسماً جامداً ليس مشتقاً من فعل يأول منه تأويلاً يصلحه ويهيئه لأن يكون حالاً، كما يتأول في قولهم: هذا خاتم حديداً أنه رديء، وفي قولهم: [هذا] باب ساجاً أنه بمعنى صليب، وكذلك قوله ﷺ : "رجلاً" بمعنى محسوس، أو مرئي. ويجوز أن يكون أراد مثل رجل، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
وقوله: "هل ترى بما أقول بأساً؟ " [٨]. يمكن أن تكون الباء بمعنى "في" كما تقول: زيد بتلمسان وفي تلمسان، أو تقدر: هل ترى بأساً برؤيتك
стр. 227
ما أقول، فلا تكون الباء مبدلة مثل قول العرب: رأيت بزيد الأسد؛ أي: رأيت الأسد برؤيتي إياه، والعرب تسمي كل أمر يشق ويكره سماعه أو مباشرته بأساً، ولذلك قيل للحرب: بأس و [قوله تعالى]: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ وللمبتلى: بائس.
وقوله: "والدماء" يروى بكسر الدال والمد: وهو قسم بدماء الذبائح التي كانوا يذبحونها للأصنام. ويروى- بضم الدال ولاقصر-، وكلاهما صحيح، وهو قسم بالأصنام بعينها، وهو جمع دمية، هي صور تصنع من الحجارة.
وقوله: "نزرت رسول الله ﷺ " [٩]، أي: ألححت عليه، ومنه قولهم: عطاء غير منزور، أي: بغير إلحاح، واشتقاقه من قولهم: نزر الشيء نزارة؛ إذا قل، قال ذو الرمة:
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
أي: لا قليل ولا كثير. ويقال: نزرت البئر: إذا أكثرت الاستسقاء منها، حتى يقل ماؤها. فمعناه: أنه سأله، حتى قطع عليه كلامه، وتبرم به. و"عمر" منادى مفرد، أراد: يا عمر، فحذف حرف النداء اختصاراً، كما قال تعالى:
стр. 228
﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾.
ومعنى: "ثكلتك أمك": فقدتك، يقال لأمه الثكل والثكل: إذا دعي عليه بالهلاك، ويقال: ثكلت، وأثكلت.
وقوله: "نشبت أن سمعت صارخاً" يستعمل هذا الكلام في الأمر الذي يفجأك قبل أن تنشب في غيره. تقديره: فما نشبت في أمر حتى سمعت صارخاً، أو إلى أن سمعت، وحقيقته: إلى وقت أن سمعت، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
و"الحناجر" [١٠] جمع: حنجرة؛ وهي رأس الغلصمة من الحلق، قال تعالى: ﴿وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ وأما الحلوق بأعيانها فيقال لها: الحناجير- بالياء- واحدها: حنجور- وربما حذفوا الياء، وأكثر ما يأتي في الشعر، قال النابغة:
قبل استقاء الحناجر
стр. 229
ويقال: مرق السهم من الرمية: إذا خرقها وتجاوزها، ويقال: مرق الرجل من الدين، ومن الطاعة.
و"الرمية": كل ما رمي من صيد وغيره، ويقال لها: مرمية- أيضاً- مثل: قتيلة ومقتولة، قال الشاعر:
والنفس موقوفة والموت غايتها ... نصب الرمية للأحداث ترميها
ولا يقال: لها رمية إلا قبل أن ترمى، فإذا رميت قيل: رمي، بغير هاء، وتقول العرب: "بئس الرمية الأرنب". و"النصل": الشفرة. و"القدح": السهم.
و"الفوق": الموضع الذي يوضع منه على الوتر عند الرمي، وجمعه: أفواق/ ٢٤/أ. و"التماري": الشك في الشيء، ومثله الامتراء والمرية والمرية- بضم الميم-، والفعل: يماري تمارياً، وامترى امتراءً. ويقال: "مكث" [١١]- بالفتح- فهو ماكث، ومكث- بالضم- فهو مكيث.
стр. 230
(ما جاء في سجود القرآن)
قوله: "على رسلكم" [١٦] بفتح الراء، وكسرها، فبالكسر معناه: التؤدة، وبالفتح: اللين والرفق، وأصله: السير اللين، يقال: ترسل الرجل فهي مشيه وكلامه: إذا لم يعجل، والترسيل والترسل واحد، وفي الحديث: "كان في كلامه ترسيل وترتيل"، والرسل من القول: اللين الخفيض، قال الأعشى:
فقال للملك أطلق منهم مائة ... رسلاً من القول [...] مخفوضاً
وفي "العين": الرسل والترسل: السكون، والرسل: ذوات اللبن.
(ما جاء في قراءة قل هو الله أحد ...)
"الفرق" [١٨] الفزع، ومنه: "فرقت أن يفوتني الغداء" بكسر الراء أي: خشيت.
وقوله: "يتقالها" [١٧] أي: يراها قليلة.
(ما جاء في ذكر الله [تبارك و] تعالى)
"العدل" [٢٠]: ما عادل الشيء وكافأه من غير جنسه- بفتح العين- فإن كان من جنسه فهو عدل. وقيل: هما لغتان، وهو قول البصريين، ونحوه عن ثعلب.
و"زبد البحر" [٢١]: رغوة غثائه عند تموجه واضطرابه.
стр. 231
(ما جاء في الدعاء)
قوله: "فأريد أن أختبئ دعوتي" [٢٦] يقال: خبأت الشيء أخبؤه خبأ، واختبأته اختباءً: إذا سترته ورفعته؛ وهو كقوله: قهرته واقتهرته، ويكون "اختبأ" في موضع آخر يتعدى إلى مفعول، اختبأت من الشيء: استترت.
و"شفاعة" مفعول من أجله مثل: جئتك مخافة من عقوبتك.
قوله: "فالق الإصباح" [٢٧] أي: صادعه، فلقت الشيء فلقاً: إذا صدعته وشققته، و"الفلق"- بفتح اللام-: الشيء المفلوق، ويسمى الصبح فلقاً؛ لأنه إنما يكون عن انصداع الظلام وانفراجه، ومنه قيل: انصدع الفجر، وقريب من هذا تسميتهم له فجراً، شبهوا ظهور الضياء في ظلام الليل بانفجار الماء، وسمي صبحاً؛ لإشراقه وضيائه.
وقوله: "وجاعل الليل سكناً" الجعل- في كلام العرب- على معنيين:
أحدها: بمعنى الخلق، ويتعدى إلى مفعول واحد؛ وذلك كقوله
стр. 232
تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾.
والثاني: بمعنى: الحكم والتسمية، ويتعدى إلى مفعولين، وقد يكون بمعنى الخلق، ويتعدى إلى مفعولين، والذي بمعنى التسمية قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً﴾ أي: سموهم ووصفوهم بأنهم إناث.
والثاني من الخلق: قولهم: الحمد لله الذي جعلني مسلماً أي: خلقني. فقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً﴾ يحتمل الوجهين، و"السكن": ما سكنت إليه نفسك أنساً به، وصف الليل به؛ لأن كل شيء يسكن فيه عن الحركة.
وقوله: "والشمس والقمر حسباناً"، أي: يجريان بحساب مقدر، لا زيادة فيه ولا نقص، وقد يكون حسبان جمع حساب، مثل شهاب وشهبان.
و"فالق الإصباح" منصوب عند سيبويه على النداء، ولا يجوز عنده أن يكون صفة لقوله: "اللهم"؛ لأن "اللهم" لما كان لا يستعمل إلا في النداء، أشبه الأصوات التي لا توصف. وأبو العباس المبرد يجيز أن يكون صفة.
وقوله: "ليعزم المسألة" [٢٨] أي: لينفذها ويمضيها، و"الحزم"
стр. 233
بالحاء: صحة الرأي وحسن التدبير، ومن الأمثال: "قد أحزم لو أعزم"، أي: يظهر لي وجه الصواب في الأمر، ولكني لا أنفذ ما أراه.
وقوله: "ما لم يعجل فيقول" [٢٩]. منصوب على جواب النفي، أجريت "لم"- حين كان معناها النفي- مجرى "ما" في قولهم: ما أنت بصاحبي فأنصرك.
وقوله: "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا" [٣٠]. كذا رويناه، وهو الوجه، ورواه بعضهم: "إلى سماء الدنيا" فيكون من باب قولهم: صلاة الأولى/ ٢٤/ب ومسجد الجامع.
وقوله: "من يدعني فأستجب له" من جزم هذه الأفعال الثلاثة جعل "من" شرطاً، ورفع ما بعد الفاء، كما رفع في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾. ومن روى: "من يدعوني؟ " فأثبت الواو، وجعل "من" استفهاماً، ورفع الأفعال الثلاثة، ونصب ما بعد الفاء، على جواب الاستفهام.
وقول عائشة: "ففقدته من الليل" [٣١].
стр. 234
وقول ابن عباس: "كان إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل" [٣٤]. "من" هنا، بمعنى "في"، وتقدم.
و"المسيح الدجال" [٣٣]- بالحاء غير معجمة- على لفظ المسيح عيسى لا فرق بينهما في اللفظ، وإنما يفترقان في المعنى والاشتقاق. أما عيسى ﵇ ففي اشتقاقه أقوال:
قال ابن عباس: سمي مسيحاً؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ.
وقال النخعي: المسيح: الصديق.
وقال أبو عبيد: أظن الكلمة عبرانية، أو سريانية مشيحاً فعرب.
وروي عن ابن عباس- أيضاً-: أنه سمي به؛ لأنه كان أمسح الرجل، أي: لا أخمص لقدمه؛ وهو ما يتجافى عن الأرض من وسطها.
وقيل: سمي مسيحاً؛ لأنه خرج من بطن أمه كأنه ممسوح بالدهن.
وقيل: المسيح: الجميل الوجه، يقال: على وجهه مسحة من جمال، ومنه قوله ﵇ في جرير بن عبد الله البجلي: "عليه مسحة ملك" وكان
стр. 235
جميلاً. وقال ذو الرمة:
على وجه مي مسحة من ملاحة
وقال ثعلب: سمي بذلك: لأنه كان يمسح الأرض، أي: يقطعها. وأما الدجال" فقيل له: مسيح؛ لأنه أعور إحدى العينين. قال الخليل: يقال: رجل مسيح الوجه وممسوح: إذا لم يبق على أحد شقي وجهه عين ولا حاجب، وجاء في الحديث: "أنه ممسوح العين اليمنى" وفي بعضه: "اليسرى".
وأما "الدجال"- في اللغة-: فالكذاب المموه. قيل: اشتقاقه من غطيت الشيء وسترته، أي: ستر الحق، ومنه سميت دجلة، كأنها حين فاضت على الأرض سترت مكانها منه. وقيل: هو من قولهم: دجل في الأرض؛ ضرب فيها وطافها. وقيل: هو من دجلت البعير؛ إذا طليته بالقطران، كأنه يغم الناس بشره، فكأن الدجال يقوى بالباطل ويحسنه حتى يظن أنه حق.
وقوله: "أنت نور السماوات والأرض" قيل: معناه: ونور السماوات والأرض. وروي عن ابن عباس: هادي السماوات والأرض. وقال ابن عرفة أي: منيرهما، كما يقال: فلان عون بمعنى معين.
وقوله: "أنت قيام السموات والأرض". يقال: قيام وقيوم. قال
стр. 236
ابن عباس: القيوم: الذي لا يزول. وقال مجاهد: القائم على كل شيء. و"الرب" ينقسم ثلاثة أقسام؛ المالك، والسيد، والمطاع. والرب: المصلح؛ من قولهم: رب الشيء: أصلحه.
وقوله ﵇: "وإليك أنبت" [٣٥]. الإنابة: الرجوع إلى الله تعالى، والاستعاذة به.
و"الهرج": الفتنة والقتل، قال ابن الرقيات:
ليت شعري أأول الهرج هذا ... أم زمان من فتنة غير هرج
ويقال: عام سنة، أي: عام جدب.
(النهي عن الصلاة بعد الظهر وبعد العصر)
"قرن الشيطان" [٤٤]. قيل: إنه على الحقيقة، وأنها تغرب وتطلع على قرن الشيطان، ويدل على صحته وأنه على ظاهره قوله: "فإذا استوت
стр. 237
قارنها، فإذا ارتفعت فارقها". وقيل: إنه على المجاز، واتساع الكلام، وأنه هنا: أمته والمتبعون رأيه، من أهل الضلال والكفر. وقيل: قوته وانتشاره وتسلطه.
و"حاجب الشمس" [٤٥] هو حرفها الأعلى من قرصها. وحواجبها: نواحيها. وقيل: سمي بذلك؛ لأنه أول ما يبدو منها، كحاجب الإنسان، وعلى هذا يختص الحاجب بالحرف الأعلى البادي أولاً، ولا يسمى جميع نواحيها حاجباً، وقال القتيبي: قرن الشمس: أعلاها، وحواجبها: نواحيها، والأول أصوب.
стр. 238
كتاب الجنائز
(غسل الميت)
"الجنازة": لفظ يطلق على الميت، ويطلق على الأعواد التي يحمل فيها/٢٥/أ. ويقال بفتح الجيم وكسرها. ويروى عن ابن الأعرابي أنه قال: إذا فتحت، فهو الميت، وإذا كسرت، فهي الأعواد، ولعله أخذ ذلك من هيئة الحال، وليس كما زعم علماؤنا أنهما لغتان، وإنما الجنازة: الميت نفسه، فإن سميت به الأعواد، فهو مجاز. والدليل عليه الحديث الصحيح عنه ﷺ قال: "إذا وضعت الجنازة على السرير، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، ح.
стр. 239
و"السدر": شجر النبق؛ وهو ثلاثة أنواع؛ ما كان على الماء قيل له: عبري- بالباء والميم-، وما كان برياً، قيل له: ضال. وما توسط بينهما قيل له: أشكل؛ لأنه لم يستحق أن يسمى عبرياً، ولا ضالاً، فأشكل أمره.
وقوله: "واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور". شك من المحدث، وليس بتخيير؛ لأن المعنى عليهما واحد؛ لأنه إذا قال: اجعلن في الآخرة كافوراً، فقد فهم منه أنه أراد شيئاً منه.
و"الحقو" الإزار. وأصل الحقو: الخصر فسمي به إذ كان يشد عليه، من تسميتهم الشيء باسم الشيء إذا كان منه بسبب، ويجمع على أحق، في العدد القليل، فإذا أردت الكثير قلت: حقاء، على مثال دلاء، وحقي، مثل دلي. والحقو في لغة هذيل مكسور الحاء.
ومعنى "أشعرنها إياه" اجعلنه شعاراً، وهو ما يلي الجسم من الثياب، والدثار: ما علا منها.
стр. 240
(ما جاء في كفن الميت)
"سحولية" [٥، ٦]- بفتح السين-: هي ثياب من قطن، كانت تعمل بموضع باليمن يعرف بسحولا. وقال بعضهم: سحول، وهو المعروف. وقال القتيبي: سحول- بالضم- جمع: سحل، وهو ثوب أبيض، فيكون على هذا سحولية. ووقع في كتاب مسلم من رواية السمرقندي: "أثواب سحول". فمن فتح السين أضاف الأثواب، وأراد: الموضع؛ ومن ضمها نون وأراد: صفة الأثواب، أراد أنها قطن، أو بيض. وأما "السحل" فاختلف فيه، فقال قوم: هو ثوب لا يبرم غزله؛ أي: لا يفتل طاقتين. يقال: سحلوا الثوب؛ إذا لم يفتلوا سداه، وهو السحيل أيضاً، قال زهير:
على كل حال من سحيل ومبرم
стр. 241
وقال قوم: هو الثوب الأبيض من القطن، واحتج بقول المتلمس:
ريع يلوح كأنه سحل
و"الريع": المرتفع من الأرض؛ فقيل: السحولية: منسوبة إلى سحول، بلد باليمن. وقيل: منسوبة إلى القطن؛ لأن السحول ثياب القطن؛ ويرجعان إلى معنى واحد؛ لأن ثياب اليمن إنما هي من القطن.
وقوله: "مشق" [٦]. "المشق"- بكسر الميم-: المغرة. ومنه قول جابر: "يلبس في الإحرام الممشق" إنما هو مدرة وليس بطيب.
стр. 242
وقوله: "إنما هو للمهلة". رويناه- بالفتح والكسر والضم-، إلا أن رواية يحيى بالكسر.
قال الأصمعي:- بالفتح- هو الصديد. وحكى الخليل: فيه الكسر. وقال ابن هشام:- بالضم-، قال: وهو الصديد. ورواه أبو عبيد: إنما هو المهل والتراب، وقال: المهل في هذا الحديث: الصديد والقيح. وفسره أبو عمرو وأبو عبيدة: القيح والصديد. وأنكر الأنباري- كسر الميم-. وقال أبو عمرو: لا وجه للكسر غير الصديد، وقال: ومن ضم الميم: شبه الصديد بعكر الزيت، وهو المهل والمهلة.
стр. 243
ابن السيد: فإذا حذفت تاء التأنيث، قلت: المهل بالضم لا غير.
و"المهل"- في غير هذا-: كل شيء أذيب من جواهر الأرض، كالذهب والفضة والنحاس.
و"المهل"؛ دردي الزيت؛ وبهذين التأويلين فسر قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨)﴾.
و"المهل"- أيضاً-: [ما] يتساقط عن الخبزة من الرماد إذا أخرجت من التنور. قال: وحكى صاحب "العين" أنه يقال لخثارة الزيت: مهل بالضم والكسر، ومهلة- بالكسر فقط- وبالهاء. قال: أكثر رواة "الموطأ" على كسر الميم، ورواية يحيى بالضم، ويجوز أن تجعل المهلة القطعة من المهل، كما قالوا: بسرة للواحدة من البسر، وهو التمر إذا عظم، ودرة للواحدة من الدر، والصحيح من رواية يحيى ما تقدم لنا.
стр. 244
(المشي أمام الجنازة)
تقدم شرح الجنازة، وقال صاحب/ ٢٥/ب ["العين"]: الجنازة- بالفتح-: الميت، وبكسرها: خشب السرير. وعن ابن الأعرابي: أنه قال: الجنازة- بالكسر-: النعش إذا كان عليه الميت، ولا يقال له: دون ميت الجنازة. وقال الدينوري- في كتاب "لحن العامة"-: الجنازة- بالكسر-: السرير، ولا يقال للميت: جنازة، وأنكر فتح الجيم، واضطرب فيه كلام ابن قتيبة، والصحيح أنهما لغتان.
وقوله: "والخلفاء هلم جرا" [٨] أي: لم يزل عليه أمرهم يتوالى
стр. 245
وينجر إلى يومنا هذا. وأصل استعمال هذه الكلمة في الأمر بالسير على سكون وترفق واتصال. يقال للرجل: هلم جرا، أي: أقبل في سكون ولا تجهد نفسك، وتقدير الكلام عليه: "هلم" وبالإفراد لغة أهل الحجاز، وجاء القرآن بها. و"الجر": سير لين تمشي فيه الإبل وهي ترعى. و"جرا" عند البصريين مصدر وقع موقع الحال، كأنه قال: هلم جارين، كما يقال: جاء زيد مشياً، أي: ماشياً. و [عند] الكوفيين يجعلونه مصدراً محمولاً على المعنى؛ لأن في هلم معنى جروا، فكأنه قال: جروا جراً، كما يقال: قعد زيد جلوساً؛ لأن قعد بمعنى جلس. قال ابن الأنباري: فانتصب جراً على المصدر، أي: جر جراً، أو على الحال، أو على التمييز. وقال ابن السيد البطليوسي: زعم بعضهم أنه منصوب على التمييز، وهو خطأ.
ومن روى "الخلفاء" بالنصب عطفهم على الأسماء المنصوبة، ومن رفع عطف على الضمير في "يمشون" ويجوز عطفهم على موضع الأسماء المنصوبة؛ لأنها مرفوعة الموضع، وفي جواز ذلك بين النحويين خلاف.
وقوله: "رأى عمر يقدم الناس" [٩]. من رواه بفتح الياء، وضم الدال، فمعناه: يتقدم، ومن رواه بضم الياء، وفتح القاف، وكسر الدال
стр. 246
وتشديدها، احتمل تأويلين: أحدهما: أنه كان يأمر الناس بالتقدم.
والثاني: أنه كان يتقدم الناس؛ لأنه يقال: قدم الرجل بمعنى تقدم، قال تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. ومنه: جاء مقدمة الناس- بكسر الدال- وتقدم شرح "البقيع" ويقال اشتقاقه من قولهم: ما أدري أين يقع؛ أي: أين ذهب؛ لأن المدفون لا يعلم ما صارت إليه حاله، ويجوز أن يكون مشتقاً من قولهم: بقعته الباقعة، أي: دهته الداهية.
(النهي أن تتبع الجنازة بالنار)
يقال: أجمرت [١٢]. إجماراً، وجمرته تجميراً؛ إذا بخرته بالمجمر، واشتقاقه من الجمر، ويقال للذي يصنع ذلك: مجمر ومجمر. وقالوا- أيضاً-: رجل جامر، على معنى النسب، كما قالوا لصاحب الدرع والرمح دارع ورامح. ويقال لطيب الميت "حنوط"، و"حناط"، و"حناط" والكسر أكثر، والفعل منه: حنطته بالتخفيف والتشديد، قال الشاعر:
أحنطته يا نصر بالكافور ... ورفقته للمنزل المهجور
ومن روى "مت"- بضم الميم-، فهو من مات يموت، ومن روى "مت"
стр. 247
- بكسر الميم-، فهو من مات يمات، على مثال خاف يخاف. ومنهم من يقول: مت- بكسر الميم-، فإذا صار إلى المستقبل قال: تموت- بالواو-.
(التكبير على الجنازة)
"النجاشي" [١٤] تشدد الياء في آخر النجاشي وتسكن، فيقال: النجاشي والنجاشي.
النجاشي: ملك الحبشة- بفتح النون، وكسرها، وكثير من اللغويين ينكر كسرها. وكان اسمه: أصحمة، وهو عطية بالعربية، وكل ملك للحبشة يقال له: نجاشي، كما أن [كل] ملك للفرس يقال له: كسرى، وكل ملك للترك يقال له: خاقان. وكل ملك للروم يقال له: هرقل، وكل ملك لليمن يقال له: تبع، وكل ملك على مصر [يقال له] فرعون.
ويقال: نعيت الميت أنعاه نعياناً- بضم النون-؛ إذا شهرت موته، وأعلمت به.
وقوله: "فأخرج بجنازتها ليلاً" [١٥]. كذا جاءت الرواية، والوجه: "فخرج"؛ لأنه لا يجوز اجتماع الهمزة والباء في نقل الفعل، لا يقال: أدخل
стр. 248
بزيد الدار، وإنما يقال: دخل بزيد الدار، وأدخل زيد الدار، وأنكروا قراءة أبي جعفر: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ بضم الياء، ولم يجيزوها إلا على زيادة الباء، كزيادتها في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩)﴾. فعلى هذا يحمل قوله: "فأخرج بجنازتها". ويجوز فيه أن يكون المفعول الذي لم يسم فاعله مضمراً، كأنه قال: فأخرج الناس بجنازتها، أو أخرج النعش بجنازتها.
وقوله: "فلما أصبح رسول الله ﷺ "./٢٦/أ "أصبح"- هنا- تامة لا خبر لها؛ لأن معناها دخل في الصباح، كما يقال: أمسى القوم دخلوا في المساء، وأظلموا دخلوا في الظلام، قال تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾.
وقوله: "عن الرجل يدرك بعض التكبير" [١٦] هذه المسألة تنازع فيها البصريون والكوفيون: فأما الكوفيون فيجعلون: "يدرك" صلة للرجل، كأنه قال: الذي يدرك، ويجيزون أن يوصل كل ما فيه ألف ولام، كما يوصل "الذي".
وأما البصريون فإنهم لا يجيزون الصلة إلا في الألف واللام الداخلين على أسماء الفاعلين والمفعولين، كالضارب والمضروب، ويتأول على
стр. 249
هذا: "عن الرجل يدرك" أن الرجل- ههنا- لا يراد به رجل معين، فجرى مجرى النكرة، فصار "يدرك" في موضع الصفة.
(الصلاة على الجنائز في المسجد)
قولها: "ما أسرع الناس" [٢٢]. بالنصب على التعجب، أي: ما أسرعهم إلى الإنكار والطعن، وهو قول ابن وهب. وبالرفع على من جعله من النسيان وهو قول مالك يعني نسوا السنة، فالناس فاعلون بفعل مضمر تقديره: ما أسرع ما نسي الناس، وكذا جاء بهذا اللفظ في رواية القعنبي في "الموطأ". وفي كتاب مسلم في رواية العذري: والوجه النصب على التأويلين، أي: ما أسرع نسيانهم.
(جامع الصلاة على الجنائز)
قوله: "الرجال والنساء" [٢٤] بالرفع، والخفض جائز على البدل من الجنائز، وأما الرفع فعلى أن يجعل "الرجال" مبتدأ، و"النساء" عطفاً
стр. 250
عليهم، ويضمر الخبر، كأنه قال: الرجال والنساء مجموعون، أو مقرونون، فحذف، ودلت عليه الواو بما فيها من معنى "مع" وهذا نحو ما حكاه سيبويه، من قولهم: أنت وشأنك، وكل رجل وضيعته. والكوفيون لا يضمرون في مثل هذا خبراً؛ ولكنهم يجعلون الواو تنوب مناب "مع"، وتغني عن الخبر.
وقوله: "كان يقول لا يصلي الرجل على الجنازة" [٢٦] كذا الرواية: "لا يصلي" بإثبات الياء، فلزم أن يكون خبراً لا نهياً، وتكون "لا" بمعنى "ليس" وفيه وإن كان إخباراً، معنى النهي، كما أن قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. فيه معنى الأمر، وإن كان خرج مخرج الإخبار. ويجوز أن يكون معناه: ليس يعد الرجل مصلياً على الجنازة حتى يكون طاهراً، وإلا فصلاته لا تعد صلاة، فإذا تؤول هذا التأويل كان إخباراً محضاً. والعرب تجعل كل فعل وقع على غير ما يجب كالمعدوم الذي لم يكن، فيقولون للرجل: قمت ولم تقم، أي: قيامك كلا قيام؛ وعلى هذا تأول بعض المفسرين [قوله تعالى]: ﴿يَوْمُ لا يَنطِقُونَ (٣٥)﴾ أي: لا ينطقون نطقاً ينتفعون به، فنطقهم كلا نطق، وعلى هذا يوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
следующие страницы →