Полный текст (994 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وقيل: هما نقطتان سوداوان فوق عينيه، وهي علامة نكارته، ولا يعرفه أهل اللغة. وقيل: "الزبيبتان" نكتتان على شفتيه، والأول أكثر.
(صدقة الماشية)
إذا وضعت الناقة قيل لولدها: سليل قبل أن يعلم أذكر هو أو أنثى، ويقال له إذا كان ذكراً: "سقب"، وأمه: مسقب، ويقال للأنثى: حائل، وأمها: [أم] حائل، فإن وضعته في أول زمن النتاج فهو "ربع" ويسمى في جميع هذه الأحوال "حوار" فإذا دخل في السنة الثانية وفصل عن أمه فهو "فصيل" وهو "ابن مخاض"؛ لأن أمه فيها من المخاض، وهن من الحوامل قد مخض بطنها أي: تحرك فينسب إليها، فإذا دخل في الرابعة فهو "حق" لاستحقاقه أن يحمل عليه، فإذا دخل في الخامسة فهو "جذع" وهو أعلى سن تجب فيه الزكاة، فإذا دخل في السادسة وألقى ثنيته فهو "ثني" فإذا دخل في السابعة وألقى رباعيته فهو "رباع" فإذا دخل في الثامنة وألقى السن الذي بعد الرباعية فهو "سديس" و"سدس"، فإذا دخل في التاسعة وفطر نابه وخرج فهو "بازل" والبازل في الإبل كالقارح في
стр. 282
الخيل، فإذا أتى عليه عام بعد ذلك فهو "مخلف" وليس له اسم بعد ذلك، ولكن يقال: مخلف عام، ومخلف عامين، فما زاد، ثم لا يزال كذلك حتى يكون "عوداً" إذا أهرم. فإذا أردت المؤنث من هذه الأسماء في الأسنان كلها زدت هاء التأنيث، فقلت: ابنة مخاض، وابنة لبون، وحقة، وجذعة، وثنية، ورباعية مخففة الياء. وأما السديس والسدس والمخلف فإنهما سواء في المذكر والمؤنث، لا تدخل فيهما الهاء.
و"الطروقة": التي يطرقها الفحل، يقال: طرق الفحل الناقة يطرقها طرقاً، أي: ضربها وهي تلقح، وهذه هي التي أكملت الثلاث سنين، ودخلت في الرابعة/ ٣٠/أولا يلقح الذكر حتى يكون ثنياً، وهو الذي يدخل في السنة السادسة.
وقوله: "فابن لبون ذكر" وإن كان الابن لا يكون إلا ذكراً، فيحتمل أن يريد به البيان؛ لأن الحيوان ما يطلق على الذكر والأنثى منه لفظ ابن، كابن عرس، وابن آوى، وابن قترة، فبين بقوله: "ذكر"؛ لئلا يلحقه السامع بما ذكرنا، ويحتمل أن يريد به مجرد التأكيد؛ لاختلاف اللفظ، كقوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧)﴾. ويحتمل أن الولد يقع على الذكر والأنثى، ثم قد يوضع الابن موضع الولد، فيعبر به عن الذكر والأنثى، فعينه بذكر؛ ليزول الالتباس.
و"السائمة" اسم يقع على ما يسرح من الماشية ويرعى، و"السوم":
стр. 283
الذهاب في كل وجه، يقال: سام [الجراد] يسوم.
و"التيس": الذكر من المعز، وهو الذي لم يبلغ حد الفحولة، فلا منفعة فيه لضراب، ولا لدر، ولا نسل. "التيس" عند العرب: كل ما ينزو على الغنم من ذكور الضأن كان أو من المعز.
و"الهرمة": التي قد أضر بها الكبر، وبلغت منه حداً لا يكون فيها در ولا نسل.
و"العوار"- بضم العين وفتحها-: العيب. والعرب تسمي الشيء إذا استقبحته أعور؛ ولذلك قالوا للكلمة القبيحة: عوراء. وقال ابن حبيب: العوار- بالفتح-: العيب، وهو الذي في الحديث، وأما برفع العين، فمن العور، وقيل بالعكس.
و"السوية": العدل والإنصاف، وهي مشتقة من الاستواء.
و"الرقة"- كما تقدم، بكسر الراء وتخفيف القاف: الورق بعينه، وأصلها: ورقة، حذفت منها الواو، كما حذفت من عدة جهة، وزنة. وحكى عبد الوهاب: أن من الأصحاب من قال: هو اسم للذهب والورق، والأول
стр. 284
أظهر. ويقال: ربع وعشر- بالتسكين والضم-، وكذلك يفعل بالثلث، فما فوقه من الأجزاء إلى العشر.
(ما جاء في [صدقة] البقر)
يقال لولد البقرة أول سنة: "تبيع" و"تبع"- بكسر التاء وسكون الباء- لبني كلاب؛ وإنما يقال له: تبيع؛ لأنه لا يقوى على اتباع أمه. أبو الوليد: وإنما يكون كذلك إذا دخل في السنة الثانية، وقال ابن حبيب: التبيع: هو الجذع من البقر، وهو ابن سنتين، وقال ابن نافع: التبيع: هو الجذع من البقر، وهو الذي أوفى سنتين، ودخل في الثالثة، فإذا دخل في الثالثة فهو "جذع" فإذا دخل في الرابعة فهو "ثني".
و"المسنة" قال عبد الوهاب: هي التي دخلت في السنة الثالثة. وقال
стр. 285
ابن حبيب وابن المواز: هي التي أتت عليها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، فإذا دخل في الرابعة فهو "رباع" فإذا دخل في الخامسة فهو "سديس" فإذا دخل في السادسة فهو "صالغ" و"سالغ"- بالصاد والسين-.
وأولاد المعز كذلك، لا فرق بينهما إلا في السنة الأولى، فإن ولد الضأن في أول سنة يقال له: "حمل"، وولد المعز [في] أول سنة: "جدي"، ثم تنقلها في الأسنان كنقل أولاد البقر. وفي كتاب "العين": التبيع: الفحل من أولاد البقر.
وفي "الضأن" لغات: يقال: ضأن- بسكون الهمزة وبفتحها- وضئين- بفتح الضاد وبكسرها- وأضؤن، وأضآن، والواحدة منها: ضائنة.
ويقال: "معز"- بسكون العين، وفتحها- ومعزاء، وأمعوز، ومعيز، والذكر: ماعز، والأنثى: ماعزة.
وقوله: "غنم على راعيين" معناه: مقسومة على راعيين، فلذلك جاز استعمال "على" في هذا الموضع، ويجوز أن يكون "على"- هنا- بمعنى: "عند"، كما تقول: على فلان دين، ويجوز أن تكون بمعنى: "مع".
وقوله: "فإن كانت الضأن هي أكثر" يجوز في "أكثر" النصب، على أن
стр. 286
تكون "هي" فصلاً، ويجوز الرفع على الابتداء والخبر، ونظيره قوله: "وإن كانت العراب هي أكثر".
وقوله: "فإن استوى الضأن والمعز، أخذ [الشاة] من أيتهما شاء".
إنما ثنى الضمير، وإن كان ما قبله جمعاً، حملاً على معنى الصنفين، أو النوعين؛ وكذلك قوله في "الإبل العراب والبخت يجمعان" إنما هو محمول على المعنى، وهذا كما قالت العرب: إبلان؛ ذهبوا إلى القطيعين. و"الإبل العراب": هي العربية. و"البخت": إبل بجهة خراسان، يزعمون أنها تولدت بين الإبل العراب و"الفوالج"، و"الفوالج": إبل لكل واحد منها سنامان، واحدها: فالج، وواحد البخت: بختي.
وأما "الجواميس" فإنها نوع من البقر في ناحية مصر تعوم في النيل،/ ٣٠/ب وتخرج إلى البر، ولكل بقرة منها قرن واحد، والواحد منها: جاموس.
وقوله: "من يوم أفادها" يجوز فتح الميم "من يوم" وكسرها بغير تنوين؛ ويجوز أن تنون مع الكسر، وتجعل موضع "أفادها" موضع الصفة لليوم، ويقدر ضمير محذوف، كأنه قال: من يوم أفادها فيه، وتقدم مثل هذا في مواضع.
وقوله: "هذا أحب ما سمعت إلي في هذا" يحتمل معنيين؛ أحدهما: أنه يحب هذا القول دون غيره من الأقوال، وعلى هذا يقال: زيد
стр. 287
أحق بماله من غيره، وإن كان لا حق لغيره فيه، وعلى هذا المعنى بيت حسان:
أتهجوه ولست له بند ... فسركما لخيركما الفداء
فقال: "شركما" ولا شر في النبي ﷺ . وقال: "لخيركما" ولا خير في هاجي النبي ﷺ ، ويحتمل: أن يريد: أن سائر الأقوال لها عنده وجه ودليل صحيح يقتضي محبته لها لأجل ذلك الدليل، إلا أن دليل هذ القول أبين وأرجح، فيكون "أفعل" على بابه في المشاركة.
و"النواضح من الإبل" هي التي يستقى عليها الماء من الآبار لسقي الأرض والنخل. و"البقر السواني": التي تسنو بالسانية؛ لسقي الأرض والنخل أيضاً.
(صدقة الخلطاء)
"الخليط" المخالط، وهو فعيل بمعنى مفاعل، وكذلك الشريك بمعنى: مشارك، كما قال تعالى: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦)﴾ أي: محاسباً. ويقال: فلان جليسي، وأكيلي، وشريبي، أي: مجالسي، وكل من خالطك في أي شيء كان فهو خليط، قال زهير:
إن الخليط أجدوا البين فانفرقا
стр. 288
و"المراح"- بضم الميم وفتحها-: الموضع الذي تروح إليه الإبل، فمن فتح جعله من راح يروح، ومن ضم جعله من أراح الرجل الإبل وغيرها يريحها: إذا ردها من المرعى، ويكون مصدراً، ويكون اسم المكان الذي تروح فيه الماشية.
وقوله: "أربعون شاة فصاعداً". أي: زائداً على ذلك، ولا يجوز فيه غير النصب، ولا يستعمل بالواو، وإنما يستعمل بالفاء، أو بـ "ثم".
ومعنى: "أظلهما المصدق": غشيهما أو فاجأهما وأصله: أن يقرب الشيء من الشيء حتى يقع ظله عليه.
(ما جاء فيما يعتد به من السخل [في الصدقة])
"السخلة" ولد الشاة والماعز حين تضعه أمه ذكراً كان أو أنثى، وهو البهمة أيضاً، وجمعه: سخل، وسخال، وسخلات. وجمع بهمة: بهم، وبهام، وبهمات، وأصله: كلما استبهم عن الكلام، وباب مبهم: مسدود.
و"الأكولة"- بفتح الهمزة-: الكثيرة الأكل، فعولة بمعنى فاعلة. وقيل: هي المتخذة للأكل لا للنسل، تسمن لتؤكل وليست بسائمة: فعولة
стр. 289
بمعنى مفعولة. وقال السلمي فيها قولاً، يعني به الفحول، قال: وسمعت أن الأكولة: الرباعية، قال: وهي عندي أحسن ما قيل؛ لقول عمر أول الحديث: "خذ منهم الجذعة والثنية فإنه عدل بين أعلا المال وأسفله". وقال شمر: الأكولة من الغنم: الخصي/ والهرمة، والعاقر؛ كأنه يريد: التي لا تراد إلا للذبح. ورواه بعض المحدثين: "الأكيلة"، وهو خطأ؛ وإنما الأكيلة المأكولة. يقال: هذه أكيلة السبع، وأكيلة الأسد، وليست الأكيلة، مما تسمن لتؤكل.
و"الربى": القريبة العهد بالولادة فهي تربي ولدها. وقيل: لا يقال ذلك إلا للنعجة خاصة. وقيل: إنما يقال في الناقة والبقر والمعز، ولا يقال في النعجة، وقيل: الربى: هي التي يحمل عليها الراعي أداته، والأول أعرف، وجمعها: رباب- بضم الراء- فأما الرباب- بكسر الراء- فإنها المدة التي يقع عليها هذا الاسم، وذلك ما بين ولادتها إلى تمام خمس عشرة ليلة، يقال: هي في ربابها.
و"الماخض": الحامل التي/ ٣١/أشارفت الولادة. و"المخاض"- بفتح الميم، وكسرها: وجع الولادة، فإذا أردت الإبل الحوامل قلت: مخاض بالفتح لا غير. وزعم الأصمعي: أن واحدة المخاض: خلفة، من غير لفظها،
стр. 290
وهو غير صحيح.
و"الغذاء" جمع غذي، وهو الصغير الذي يغذى باللبن، وهو بمعنى مغذو، كما قالوا: قتيل بمعنى مقتول، قال الشاعر:
غذي بهم ولقماناً وذا جدن
وفي قوله: "غذاء" شذوذ عما جرى الاستعمال به، وذلك أن فعيلاً إنما يجمع على فعال إذا كان بمعنى فاعل، نحو كريم وكرام، وظريف وظراف، فإذا كان بمعنى مفعول لم يجمع على فعال، لا يقال: قتيل وقتال، ولا جريح وجراح، إنما يقال: قتيل وقتلى، وجريح وجرحى. وقد جاء من ذلك شيء
стр. 291
قليل شذ، وهو قولهم: فصيل وفصال، وسيف صقيل، وسيوف صقال. والوجه: أنهم جعلوه غذياً بمعنى مغتذ، وفصيلاً بمعنى منفصل عن الضرع، وصقيلاً بمعنى منصقل.
وقوله: "فكان يعد على الناس بالسحل" هذه الباء التي تنوب مناب واو الحال، في قولهم: جاء زيد بثيابه؛ أي: وثيابه عليه، والتقدير: يعد الغنم والسحل فيها. ومنهم من يرى الباء في مثله زائدة، فيقدره يعد على الناس السخل و [قوله تعالى] ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ نظيره [قوله تعالى]: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ و [قوله تعالى] ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ و [قوله تعالى] ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩)﴾.
(النهي عن التضيق على الناس [في الصدقة])
"الشاة الحافل": التي امتلأ ضرعها من اللبن فعظم لذلك، ومنه
стр. 292
قيل: مجلس حافل ومحتفل، وكان الوجه أن يقال: حافلة- بالهاء- ولكنه جاء على معنى النسب، أي: ذات حفل، ولم يبن على الفعل كما قالوا: امرأة حاسر، وعاشق، وناقة ضامر، فإذا بنوه على الفعل قالوا: حافلة، وحاسرة، وعاشقة، وضامرة، قال ذو الرمة:
ولو أن لقمان الحكيم تعرضت ... لعينيه مي حاسراً كاد يبرق
و"الحزرات": خيار المال، والواحدة: حزرة، ويقال- أيضاً-: "حرزات" بتأخير الزاي، والأول أكثر، وهو مشتق من حزرت الشيء: قدرته؛ كأن صاحبها لا يزال يحزرها في نفسه. وقيل: لأن نفس الإنسان تشفق عليها، وتتوجع لأخذها، وهي مشتقة من حزر اللبن؛ إذا اشتدت حموضته، وحزر القوم؛ إذا مات خيارهم، وكذلك قال ابن بكير عن الليث: الحزرات: وجع القلب، وأنشد الأصمعي:
والحزرات حزرات النفس
والثاني: مشتق من الإحراز؛ كأن صاحبها يحرزها، أي: يحفظها ويمنعها.
стр. 293
ومعنى: "نكبوا": اعدلوا وميلوا؛ من قولهم: نكب عن الطريق- بالتخفيف والتشديد-؛ إذا انحرف، وقالوا- أيضاً- نكب- بكسر الكاف- نكباً، قال ذو الرمة:
هيف يمانية في قدها نكب
وأصله: من عطف منكبه عما لا يعتمده.
وأراد بالطعام- هنا-: اللبن، أي: اتركوا ذات اللبن، وخذوا الجذعة والثنية، وكذا فسره أبو قرة عن مالك.
(آخذ الصدقة ومن يجوز له أخذها)
"الغارم": المدان، وأصله اللزوم، يقال: غريم؛ لمن له الدين، ولمن عليه الدين؛ لأن من عليه الدين هو لازم له، ولمن له الدين؛ لأنه يلزم من عليه الدين.
стр. 294
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الحق- أيده الله تعالى بتوفيقه-: ولما كان هذا الباب كالتفسير لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ...﴾ الآية. قلنا: اختلف العلماء وأهل اللغة في الفقير والمسكين؛ فقال قوم: هما سواء. وقيل: بل الفقير غير المسكين واستدلوا بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ فلو كانا سواء لاكتفى بذكر الواحد عن ذكر الثاني، ولكان عطف الشيء على نفسه، ولا يجوز.
واختلف الذين قالوا: إن أحدهما غير الآخر، فروي في كل ذلك عن المفسرين والفقهاء أقوال لا يقوم على شيء منها دليل من كلام العرب، وإنما تؤخذ منهم اتباعاً، فروي عن قتادة أنه قال: الفقير: المحتاج الذي به زمانة، والمسكين: المحتاج الذي ليس به زمانة. وروي عن مجاهد والزهري أنهما قالا: الفقير: الذي لا يسأل الناس، والمسكين: الذي يسأل./٣١/ب وروي عن الضحاك أنه قال: الفقراء: من المهاجرين، والمساكين: من الأعراب.
стр. 295
وروي عن ابن عباس أنه قال: الفقراء: من المسلمين، والمساكين: من أهل الذمة. ومجاز قول ابن عباس والضحاك- إن صح عنهما هذا- من الألفاظ التي تصرفت فيها الشريعة، كالأيمان، والصلاة، والوضوء، والأذان. وقول قتادة: الفقير: المحتاج الذي به زمانة، والمسكين: المحتاج الذي لا زمانة به، مخالف للقرآن والإجماع، وكلام العرب. أما القرآن فقوله تعالى: ﴿إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾، ولم يكن من ذوي الزمانة، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ وفيهم الصحيح والزمن، وقال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، [وقوله تعالى]: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. والإجماع على أن للمكفر أن يطعم عشرة من ذوي الحاجة ممن يسأل، وممن لا يسأل من ذوي الزمانة وغيرهم، فلا وجه لتخصيص ذي الزمانة. وأما مخالفته لكلام العرب، فإن العرب تجعل كل محتاج إلى شيء فقيراً إليه، ولا يختصون زمناً من غير زمن، لا يعلم في ذلك خلاف، وهو كثير في أشعارها. ومما يدل- أيضاً- على بطلانه أن الذين فضلوا الفقير على الغني، إنما استحسنوا قلة المال الذي لا يشغل عن الطاعة،
стр. 296
ولم يستحسن واحد منهم الزمانة في الأجسام، بل استعاذوا بالله منها، وكأن قائل هذا القول صدر منه من غير تأمل، وغره قول أهل اللغة: إن الفقير: المكسور الفقار؛ وإنما أرادوا تشبيهه بمن انكسر فقاره، ولم يريدوا أنه مكسور على الحقيقة. وما روي عن مجاهد والزهري من أن الفقير: الذي لا يسأل، والمسكين: الذي يسأل، غلط أيضاً، يبطله ما تقدم؛ فلا وجه لاعتباره: الصحة والزمانة، والسؤال وغير السؤال في الفرق بينهما، وإنما ينبغي أن يعتبر أيهما أحسن أو أسوأ حالاً، وهو أمر تنازع فيه الناس، فقال قوم: الفقير أحسن حالاً من المسكين، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال أكثر المالكية، وممن ذهب إليه يونس بن حبيب، ويعقوب، وابن قتيبة، قالوا: الفقير: الذي له البلغة من العيش، واحتجوا ببيت الراعي:
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد
فجعل له حلوبة، وجعلها وفقاً لعياله، أي: قوتاً لا فضل فيه، واحتجوا على أن المسكين الذي لا شيء له بقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ أي: قد لصق بالتراب، واحتجوا بأنه مشتق من السكون، وأنه بني على زنة "مفعيل" للمبالغة، أرادوا أنه قد حل محل الميت الذي لا حراك له.
واحتج يونس بأن قال: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: لا والله، بل
стр. 297
مسكين. وقال آخرون: المسكين: هو الذي له البلغة من العيش، والفقير: هو الذي لا شيء له، وهو قول الأصمعي، وأبي جعفر، وأحمد بن عبيد، وابن الأنباري، وقول الكوفيين من الفقهاء، ذكره عنهم الطحاوي، وهو أحد قولي الشافعي، وأكثر أصحابه. واحتجوا بأشياء، منها: قوله تعالى: ﴿أمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ فجعل لهم سفينة، وقاسها أن الفقير في اللغة المكسور الفقار، ومن تأول القولين جميعاً وجد الأول أصحهما وأثبتهما، ولا حجة لهؤلاء؛ لأن قوله: ﴿أمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ يحتمل تأويلين:
أحدهما: أنه ليس فيه دلالة على أنها كانت ملكاً لهم، وليس من شرط الإضافة أن يراد بها الملك في كل موضع، والعرب تضيف الشيء إلى الشيء وتنسبه إليه؛ لما بينهما من الملابسة والمجاورة، يقولون: هذا الباب للدار، وهذه الدابة لفلان السايس، فيجوز أن الله تعالى نسبها إليهم؛ لأنهم كانوا يتولون أمرها، وقد قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾، ولا مقام لله
стр. 298
تعالى، ولا هو من صفاته، وإنما هو للعبد بين يديه، وإنما المعنى مقامه بين يدي، أو عندي.
والتأويل الثاني: أن يكون الله سماهم مساكين على جهة الترحم الذي تستعمله العرب في قولهم: مررت بزيد المسكين، يسمونه مسكيناً إشفاقاً وتحنناً، وليس مسكيناً حقيقة، ويبينه ما روي من قوله ﵇: "مسكين مسكين رجل لا أهل له". ولم يقع الخلاف في المسكين الذي يستعمل مجازاً، ولا على وجه التمثيل، إنما وقع في المسكين على الحقيقة؛ فلذلك لم يكن في الآية حجة.
وأما احتجاجهم بأن الفقير المكسور الفقار، فلا حجة فيه لوجهين:
أحدهما: أنه تمثيل وليس بحقيقة.
والثاني: أنه يجوز/ ٣٢/أأن يكون مشتقاً من فقرت أنف البعير: إذا حززته بحديدة، ثم وضعت على موضع الحز الحديدة، وعليه وتر ملوي؛ لتذلله وتروضه، فيكون سمي الفقير؛ لأن الدهر أذله، وفعل به ما فعل بالبعير الصعب. وقال أبو الحسن الأخفش: الفقير: مشتق من قولهم: فقرت له فقيرة من المال؛ أي: أعطيته. واعترض القائلون بأن المسكين أحسن حالاً من الفقير في بيت الراعي، فقالوا: لما وصفه بأن له حلوبة، دل على أن يكون فقيراً، ليس كذلك، وهو فاسد؛ لأن أقل ما يلزم منه أن الفقير يقع على من له حلوبة، وعلى من لا حلوبة له؛ فلذلك وصفه للبيان، وفيه خلاف لما ادعوه من أن الفقير إنما يخص لمن لا شيء له، وإنما احتاج الراعي إلى أن يبين أن الفقير الذي كان
стр. 299
بهذه الصفة جار عليه الصديق فكيف غيره؟! لأنه شكى إلى عبد الملك بن مروان عماله، ووصف جورهم، وكذلك وصف المسكين في الآية بأنه ذو متربة ليس يوجب أن يكون ثم مسكين آخر له بلغة من العيش؛ لأن الصفة في كلام العرب على ضربين:
أحدهما: يراد به الفرق بين الموصوفين إذا التبسا، كقوله: مررت بزيد العاقل، إذا كان المخاطب يعلم رجلين، أحدهما عاقل، والآخر أحمق يسمى كل واحد منهما زيداً.
والضرب الثاني: يراد به المدح أو الذم أو الترحم، والتحقيق من غير أن يكون هناك موصوف آخر مخالف له في الصفة، كقولك لمن تخاطبه: مررت بأبيك العاقل، أو الأحمق، وكقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾، وكقوله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾، وكقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾، فليس المراد بهذه الصفات موصوفين يوصفون بخلافها، فكذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾، إنما هي في صفة
стр. 300
قصد بها التحنن والرحمة، وذكر شقوته؛ لأن ثم مسكيناً آخر بخلاف حاله.
(ما جاء في أخذ الصدقات والتشديد فيها)
"العقال" [٣٠] واحد العقل التي تعقل بها الإبل. قال الليث: وخرج كلامه على التقليل والمبالغة. وقال أبو عبيد: العقال: صدقة عام. وروي أن معاوية بعث عمرو بن عتبة بن أبي سفيان، وهو ابن أخيه ساعياً على كلب، فأساء فيهم السيرة، فقال شاعرهم عمرو بن العداء الكلبي:
سعى عقالاً فلم يترك لنا سبداً ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
стр. 301
وقال مالك، وروى عيسى، عن ابن القاسم؛ أنه قال: العقال: القلوص، ورواه ابن القاسم، وابن وهب، عن مالك. وقيل: العقال: إذا أخذ المصدق الصدقة من عين الشيء المزكى دون عوضه، فإذا أخذ الثمن قيل: أخذ نقداً، قاله المبرد. وقيل: العقال: ما وجبت فيه بنت مخاض. وقيل: العقال: كل أخذ من الأصناف؛ من الأنعام والثمار، والحب والغنم والإبل خاصة؛ فإذا قيل: الأنعام دخلت فيه البقر والغنم. وقيل: هما لفظان بمعنى واحد على الجميع، وتقدم.
(زكاة ما يخرص من ثمار النخيل والأعناب)
يقال لما كان من سقي السماء: "غذي" و"عثري" ويقال له أيضاً: "العثير" لأنه يصنع له شبه الساقية يجتمع فيها ماء المطر إلى أصوله يسمى "العاثور". وحكى ابن المرابط: عثرياً- بسكون الثاء- والأول أعرف. ويقال لما كان من الأنهار والعيون: "غيل وسيح". وقال يحيى بن آدم: الغيل: السيل دون السيل الكثير. ولما يشرب من عروقه من ثرى الأرض ونداها، ورطوبتها "بعل" وقال الكسائي: البعل: هو الغذاء بعينه، ونص حديث بشر بن سعيد يوجب
стр. 302
أن يكون البعل ما لا تسقيه السماء ولا العيون؛ لأنه قال: "فيما سقت السماء والعيون، والبعل العشر" فجعل ما سقت السماء والعيون صنفاً واحداً، وجعل البعل صنفاً آخر؛ وكذلك حكى أبو عبيد، عن الأصمعي أن البعل: ما شرب بعروقه من الأرض، لا من سقي سماء ولا غيرها، يريد: يستحلب من رطوبة الثرى.
وحكى أبو عمر: أن هذا قول أبي عبيد نفسه، وحكاه أبو الوليد عن أبي داود، ونص كلام أبي داود فيه: البعل: ما شرب بعروقه/ ٣٢/ب ولم يتعن في سقيه، وفيه يقول النابغة:
من الواردات الماء بالقاع تستقي ... بأعجارها قبل استقاء الحناجر
وقال عبد الله بن رواحة:
هنالك لا أبالي نخل سقي ... ولا بعل وإن عظم الإتاء
يعني الغلة. وحكى أبو عمر، عن النضر بن شميل، البعل: ماء المطر. قال: وهذا يتصرف على ثلاثة أوجه: بعل، وغذي، وسقي؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ : "فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر". فما سقته السماء: غذي،
стр. 303
وعثري، وما سقت الأنهار، والعيون: غيل وسيح وسقي، والبعل: ما شرب بعروقه من ثرى الأرض، وكذلك حكى أبو الوليد عن ابن حبيب: البعل: ما شرب بعروقه [من ثرى الأرض] من غير سقي سماء، ولا غيرها. قال: وهذا شيء لا أراه إلا بمصر؛ لأنها على كل حال مأخذ سقي النيل. و"السقي"- بفتح السين- مصدر سقيت، و"السقي" بكسر السين: الماء الذي يسقى به. وأما "النضح"- بالحاء غير معجمة-: فهي السقي بالسواني، والدوالي، وهي الخطارات. يقال: نضح ينضح فهو ناضح، ومنه قيل للبعير الذي يخرج الماء من البئر ناضح. و"الغرب" الدلو العظيمة. ويقال: "عشر" و"عشر" بضم
стр. 304
الشين وتسكينها، و"عشير" وكذلك جميع الأجزاء من الثلاثة إلى العشرة، إلا الربع، فإنهم قالوا: ربع وربع، ولم يقولوا: ربيع.
و"الجعرور" و"مصران الفارة" و"عذق بن حبيق": أنواع من التمر الذي في الحجاز، حكاه أبو حنيفة عن أبي نصر. وحكى المطرز أنه يقال: خبيق- بالخاء والحاء-. و"العذق"- بالفتح-: النخلة، و"العذق"- بالكسر-: كباستها، و"الكباسة": العنقود من التمر خاصة. و"البردي": نوع من تمر الحجاز، لا يعد في الجيد، ولا في الدنيء. وأما "البرني"- بالنون وفتح الباء- فمن أصناف التمر الجيدة المختارة. ويقال: خرصت النخل وغيره أخرصه خرصاً وخرصاً. وقال بعض اللغويين: بفتح الخاء، المصدر، وبكسرها المخروص نفسه، كما يقال: الرعي المصدر من رعى، والرعي- بالكسر- النبات الذي يرعى. ومعنى الخرص- في اللغة-: التقدير والتخمين الذي ليس معه يقين. ومنه؛ قيل: خرص الرجل يخرص: إذا قال بالظن، وكذب.
стр. 305
و"الرطب"- بضم الراء، وفتح الطاء-: التمر الذي أدرك، وصلح للأكل. يقال منه: أرطب النخل فهو مرطب. قال امرؤ القيس:
عثاكيل تمر من سميحة مرطب
وأما "الرطب"- بضم الراء وتسكين الطاء-: فإنه النبات الأخضر قبل أن يجف. وأما "الرطب"- بفتح الراء، وتسكين الطاء: فهو ضد اليابس من كل شيء، وهو ما ذكر مالك في قوله: "فأما ما لا يؤكل رطباً".
وقوله: "وذلك أن ثمر النخيل والأعناب يؤكل رطباً" فهذا مضموم الراء مفتوح الطاء. و"الثمر"- بالثاء مثلثة، وفتح الميم-: اسم واقع على حمل كل شيء من الشجر نخلة كانت أو غيرها. يقال: شجر مثمر؛ إذا طلع ثمره، وشجر ثامر؛ إذا نضج ثمره. وأما "التمر"- بالتاء باثنتين، وسكون الميم- فإنما هو حمل النخلة خاصة، وأكثر ما يقع عليه الاسم بعد جفافه ويبسه، ويقال: تمرته، وأتمرته: إذا أطعمته. و"الجداد"- بفتح الجيم وكسرها-: صرام النخل، يقال: جددته أجده، وقد أجد التمر؛ إذا حان أن يجد. وقول مالك: فأما ما لا يؤكل رطباً، وإنما يؤكل بعد حصاده" كذا وقع في جميع نسخ "الموطأ"، وتفقدته في كل نسخة وقعت بيدي، فوجدته كذا، وهو كلام وقع في بعض ألفاظه تكرير؛ لأنه كرر، وإنما على أهلها مرتين، وكان الوجه إسقاط
стр. 306
الثاني من اللفظين؛ لأن الأول يغني عنه، لكن العرب تكرر اللفظ المستغنى عنه توكيداً وتشديداً للمعنى، كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)﴾، وقوله [تعالى]: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾، وفي هذا الكلام- أيضاً- شيء آخر، وهو أنه حمل بعض الضمائر على لفظ "ما" من قوله: "فأما ما لا يؤكل" فذكرها، وحمل بعضها على المعنى فأنثها، وذلك كثير في الكلام. ويقال: "حصاد" و"حصاد"- بفتح الحاء وكسرها-.
(زكاة الحبوب والزيتون)
٣٣/أ/ قال أبو حنيفة: في "الذرة" منها أبيض، ومنها أسود؛ وهي التي تسمى الجاورس الهندي، وقيل: الجاورس: الدخن وفي "الأرز" لغات: أرز- بضم الهمزة-، وأرز- بفتحها-، ورز، على مثال: بر، ورتز، على مثال عنق، هكذا قيده ابن السيد، والصواب: رتز- بالإسكان، وزاد غيره لغتين: أرز وأرز، مثل أشد وعتل.
و"اللوبياء" ممدودة، لا يجوز فيه القصر، ويسمى: الدجر- بضم
стр. 307
الدال، وكسرها.
و"الأكمام": الأغشية التي يكون فيها الزرع والثمر، واحدها: كم، قال تعالى: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ ويقال: الأكمة- أيضاً- والكمائم، واحدها: كمام- بكسر الكاف-، ويقال: تمر مكمم؛ إذا كان في غشائه ولم يخرج منه. والكافور مثل الكمام.
و"الحائط": البستان الذي حوله بنيان من الوصول إلى ما فيه، سمي بذلك؛ لأنه يحوط ما تضمنه، وجمعه: حوائط وحيطان، وسمي- أيضاً-: الحديقة لإحداقه بما فيه من الثمر، وغيره.
(ما لا زكاة فيه من الثمار)
"القطنية" لغة شامية مكسورة القاف مشددة الياء، وهي من الأسماء التي جاءت على صورة المنسوب ولم تنسب إلى شيء، نحو قولهم: كرسي، وجمل جلنزي للشديد، واشتقاقها من قطن بالمكان؛ إذا عمره. وتسمى الخلفة- بالخاء معجمة مكسورة-؛ لأنها تستخلف من الحنطة والشعير، وهي أصناف كثيرة تأتي.
стр. 308
(ما لا زكاة فيه من الفواكه والقضب والبقول)
قوله: "ليس في شيء من الفواكه [كلها] صدقة؛ الرمان والفرسك" [كلام] فيه نظر؛ لأنه خرج مخرج العموم، فيلزم من كلامه: ألا يكون النخل والعنب من الفاكهة؛ وهو رأي قوم، قالوا: لا تسمى النخل فاكهة؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾، فكان يجب لمالك إن رأى هذا ألا يذكر الرمان في هذا الباب؛ لأنه خرج عن الفاكهة كخروج النخل، وإن كان اعتقد أن إفراد النخل والرمان في هذه [الآية] لا يوجب خروجهما عن الفاكهة، مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾، وإنما المراد بإفراد ما جاء من نحو هذه الإشادة بذكره، فقد كان يجب عليه ألا يقول: ليس في شيء من الفواكه صدقة؛ لأن في النخل صدقة، وهي من بعض الفواكه، فينبغي أن يخرج قوله: "ليس في شيء من الفواكه صدقة" مخرج العموم، والمراد به الخصوص، وتكون "من" في الترجمة في قوله: "من الفواكه" لبيان الجنس لا للتبعيض؛ لأنه يوجب أن يكون في بعض القضب والبقول زكاة، كما في بعض الفواكه. والصحيح أن الفاكهة: اسم يقع على كل ثمرة يتنعم بأكلها، ما خلا الحبوب التي تتخذ أقواتاً والبقول؛ لأنها مشتقة من قولهم: فاكهت الرجل؛ إذا مازحته، ورجل فاكه، وفكه؛ إذا كان في نعمة من العيش، قال
стр. 309
تعالى: ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. و"الفرسك": الخوخ، و"القضب": الرطبة، وسمي أيضاً الفصفصة، وأصلها بالفارسية: إسبست. و"البقل": اسم يقع على كل عشبة تنبت من بذر، ولا يخرج من أرومة باقية، كذا قال أبو حنيفة. وفي "العين" البقل من النبات ما ليس بشجر دق، ولا شجر جل، وفرق بين البقل والشجر أن البقل إذا رعي لم يبق له ساق، والشجر يبقى له سوق وإن دقت.
(ما جاء في صدقة الرقيق والخيل والعسل)
"البراذين": خيل غير عراب، ولا عتاق، سميت بذلك؛ من البرذنة، وهي الثقالة، يقال: برذن الرجل: إذا ثقل.
(جزية أهل الكتاب [والمجوس])
قوله: "ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير" [٤٣]: أي جعل وصير؛ فلذلك تعدى إلى مفعولين، كقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ
стр. 310
الْقَرْيَةِ﴾، ومن ذهب إلى أن ﴿أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ بدل من مثل، ذهب إلى مثله في هذا الحديث، فجعل "أربعة دنانير" بدلاً من "الجزية". و"الظهر": الإبل التي تحمل الأثقال؛ وهو اسم للجمع، يقال: ظهر البعير ظهارة؛ إذا قوي على الحمل، فهو ظهير، وأراد بالظهر هنا: الإبل التي حمى لها عمر الحمى.
وقوله: "وهي عمياء". فيه حذف، كأنه قال: ادفعها إليهم وهي/ ٣٣/ب عمياء.
وقوله: "يقطرونها بالإبل". أي: يقودونها معها، والقطر الناحية، والعود. والقطار من الإبل: الجماعات تسير، يقال: قطر في الأرض قطوراً إذا ذهب.
و"النعم" تقدم أنه اسم يقع على الإبل، ولا يقع على البقر ولا المعز، ولا الضأن؛ ولكن إذا اختلطت بالإبل قيل لجميعها: نعم.
و"وسم الجزية" يريد: علامتها، يقال: وسمته وسماً: إذا كويته. والميسم: أثر الكي، وجمعه: مواسم، والميسم: المكوى.
و"الجزية": مشتقة من قولك: جزيته عن كذا أجزيه؛ إذا كافأته؛ لأنها مكافأة يكافئون بها عن إقرارهم على أحوالهم، وترك حربهم.
و"الجزور": الناقة التي تنحر، فأما الجزارة فإنما هي من لحم الغنم.
والوجه في قوله: "فدعا عليه المهاجرين": فدعا إليه؛ لأنه إنما يقال:
стр. 311
دعوته إلى الطعام؛ وإنما جاز؛ لأن معناه: دعاهم للاجتماع عليه.
(عشور أهل الذمة)
"العشور"- بضم العين- جمع عشر، كما يقال: برد، وبرود، وجند وجنود. ويقال: عشرت الدراهم- بتخفيف الشين- عشوراً؛ إذا كانت عشرة، وأخذت منها درهماً فصارت تسعة، وعشرتها تعشيراً- بالتشديد- إذا كانت أقل من عشرة فزدت فيها حتى بلغت عشرة. قال الخليل: والعشور: نقصان، والتعشير تمام. ويقال: عشرت القوم- بالتخفيف- إذا أخذت عشر أموالهم، وعشرتهم- أيضاً-؛ إذا صرت لهم عاشراً، ويختلفان في الفعل المضارع، فتقول في مضارع الأول: أعشرهم- بضم الشين-، وفي مضارع الثاني: أعشر- بكسر الشين-.
و"النبط": جنس من العجم يسكنون الشام والعراق، ومنزلتهم بالشام والعراق منزلة القبط بمصر، يقال لهم أيضاً: نبيط، وسموا نبطاً ونبيطاً لإنباطهم المياه.
(اشتراء الصدقة والعود فيها)
"الفرس العتيق" [٤٩] المتناهي في الفراهة والجودة، قال صاحب "العين": عتقت الفرس تعتق: إذا سبقت وفرس عتيق: رائع، ويقال: لكل متناه في الجودة: عتيق. واختلف: لم سميت الكعبة بالبيت العتيق؟ هل
стр. 312
لهذا؟ أو لغيره، من أنه أعتق من الجبابرة، أو أعتق من الغرق، أو لقدمه. وكذلك اختلفوا: لم سمي أبو بكر عتيقاً؟ هل لحسن وجهه؟ أو لقدمه في الخير، أو لعتقه من النار، أو لشرفه، أو لغير ذلك.
وقوله: "كالكلب يعود في قيئه". العودة تكون بمعنى: الصيرورة إلى حالة أخرى، وإن لم يكن عليها من قبل، كما قال تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ ولم يكن في ملة قط. ومنه قوله ﷺ لمعاذ: "أعدت فتاناً يا معاذ" أي: صرت. وقد يكون العود بمعنى الرجوع إلى حالة قد كان عليها العائد من قبل، كقوله: عدت إلى مكاني، ومعاد الآخرة، و [قوله تعالى:] ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾. والأشبه هنا: الرجوع إلى حالة قد كان عليها العائد، وإن كان يحتمل أن يعود إلى حالة أخرى أشد، وهو تضاعف مقت رذيلة البخل، كما تضاعفت الكراهية والمقت في أكل الكلب قيئه بعد أن تغير وصار نجساً، وفي "الكبير" زيادة على هذا.
(من تجب عليه زكاة الفطر)
قوله: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر" أي: قدرها وبينها؛ وهو
стр. 313
مذهب أهل الحجاز والبصرة، ومنه [قوله تعالى]: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. وفرض الحاكم النفقة، أي: قدرهان وقيل: معنى فرض زكاة الفطر: ألزمها وأوجبها، وهو مذهب أكثر المالكية وأهل العراق. وفرق بعضهم بين فرض وفرض، فقال: فرض- بالتشديد- بين وفصل، وفرض: ألزم، فعلى هذا التأويل يؤول قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾.
وقوله: "من رمضان" و"من المسلمين". "من"- ههنا- من حروف الجر؛ وهي ثمانية عشر حرفاً، وعملها واحد، ومعانيها مختلفة. ولـ "من" خمسة معان: ابتداء الغاية، والتبعيض، والتبيين، والزيادة للتأكيد، فابتداء الغاية في المكان مع الفاعل، وانتهاء الغاية مع المفعول من نحو نظرت من داري الهلال من خلل السحاب، والتبعيض في الأجناس، مثل: أكلت من الرغيف. والتبيين/ ٣٤/أفي الصفات، ويحسن مكانها "الذي". أو صفة مثل [قوله تعالى]: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ﴾. والزيادة- بثلاث شرائط-، مع النكرات العامة في غير الواجب، وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾. أحسن ما قيل فيها: أن الأولى ابتداء غاية؛ لأنها مع مكان، والثانية تبعيض؛ لأنه يحسن مكانها البعض، والثالثة تبيين؛ لأنه يحسن مكانها
стр. 314
الصفة، والأوليان متعلقتان بـ ﴿وَيُنَزِّلُ﴾، والثالثة متعلقة باستقرار محذوف.
قال الشيخ- وفقه الله تعالى-: فإذا قدمنا هذا بين أيدينا فيمكن أن نقول: اختلف الأصحاب في تأويل: "من رمضان"؛ فقال بعضهم: إن ابتداء الفطر من آخر أيام رمضان؛ لأنه في أول زمن من شوال، وهذا القول يقتضي أن تكون "من" لابتداء الغاية، فاسبرها على شرطها المتقدم، وما أراه يتحقق هذا مع أنك قرأت أو صليت مثلاً من الظهر إلى العصر، لكن أشار سيبويه إلى أن ما وقع مثل هذا ينزل منزلة الأماكن، فقال: وتقول: إذا كتبت كتاباً من فلان إلى فلان، فهذه الأسماء سواء إلا ما كن بمنزلتها، فكذلك الحديث. وقال بعضهم: هو يوم الفطر؛ لأنه هو الفطر من رمضان؛ لأنه لا ينافي صوم ما بعده. وهذا القول يقتضي أن تكون "من" للتبيين، فاسبرها- أيضاً- على شرطها المتقدم، و"من" في قوله: "من المسلمين" للتبيين؛ لأنه قيد الحكم بهذه الصفة، فيقتضي اختصاصه بهم.
(مكيلة زكاة الفطر)
"الأقط"- بكسر القاف-: جبن اللبن مستخرج زبده. ويقال: أقط،
стр. 315
بسكون القاف، وهي لغة تميم.
وقوله: "صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر" "أو"- ههنا-: على قول جماعة من الأصحاب لا يصح أن تكون للتخيير، وإنما هي للتقسيم؛ ولو كانت للتخيير لاقتضى أنه يخرج الشعير من قوته أو قوت غيره من التمر مع وجوده، ولا يقولونه، فتقديره على قولهم صاعاً من تمر على من ذلك قوته (كذا؟)، وعلى قول مخالفهم يصح أن تكون للتخيير.
وقوله: "على كل حر أو عبد" ذهب بعض الأصحاب إلى أن "على"- ههنا- بمنزلة "عن".
(كتاب الصيام)
(ما جاء في رؤية الهلال للصيام والفطر في رمضان)
الصيام- في كلام العرب-: الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً (٢٦)﴾ وكذلك هو في الشريعة، إلا
стр. 316
أنه واقع فيها على إمساك مخصوص، في وقت مخصوص، عن أشياء مخصوصة، هي الطعام، والجماع، على وجه مخصوص؛ إذ الشريعة سلكت سبيل اللغة في تخصيص المسمى ببعض متناولاته التي يعطيها اشتقاقه، كالقار، ورسو الدابة، وأمثالها، وتقدم صدر الكتاب "الكبير" في هذا ما فيه كفاية.
و"الفطر": ابتداء بالأول، واستئناف حال أخرى غير الصوم، وكل شيء ابتدأته فقد فطرته، ومنه [قوله تعالى]: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي: مبتدئها، وهو قول الأعرابي- المختصم إلى ابن عباس في بئر-: أنا فطرتها. وموضوعه هنا: قطع الصوم الشرعي بالأكل والشرب، وقد يستعمل في كل ما يقطع الصوم ويمنعه من الجماع والإنزال وغيره على سبيل المجاز والاتساع. ورمضان: هو شهر الصوم، ومأخوذ من رمض الصائم يرمض؛ إذا حر جوفه من شدة العطش. و"الرمضاء": شدة الحر، ورمضت الجارة: حميت من الحر، ورمضت قدماه كذلك، ورمضت الأمر، ومن الأمر رمضاً: إذا عرضت منه حرقة غيظ؛ وإنما سمي بذلك، وإن كان قد يكون في البرد؛ لأن التسمية وقعت أولاً في وقت الحر، ثم لزمته التسمية ولم تنتقل بانتقاله،
стр. 317
كما سمي سائر الشهور لمعان وقعت في وقت التسمية ثم لزمت.
وقوله- في الترجمة-: "للصيام والفطر في رمضان" الفطر لا يكون في رمضان، وإنما تكون رئية الهلال في زمن رمضان، والصوم في رمضان، ورؤية الهلال في الأغلب في غيره.
قال الشيخ- وفقه الله-: ولعل "في" بمعنى "من" فيكون التقدير: ما جاء في رؤية الهلال لصيام رمضان والفطر منه، فيكون التبويب على مقتضى الحديث.
وقوله: "فإن غم عليكم" [١]. أي: منعكم من رؤيته سحاب أو غيره، من قولهم: غممت الشيء: إذا سترته.
"فاقدروا له" [١]- بالوصل وكسر الدال وضمها-. يقال: قدرت الأمر كذا،/ ٣٤/ب أقدر: إذا نظرت فيه ودبرته. أي: قدروا له عدد ثلاثين حتى تكملوها بينة.
قوله: "فأكملوا العدة ثلاثين" [٣]. هذا قول الجمهور. وقيل: قدروا له منازل القمر، وأن ذلك يدلكم على أن الشهر تسع وعشرون يوماً. وقال ابن سريج الشافعي: هذا خطاب لمن خصه الله بهذا العلم من حساب
стр. 318
القمر والنجوم، أي: يحمل على حسابها، "وأكملوا العدة" خطاب للعامة التي لم تعن به، ولم يوافقه الناس عليه.
وقال أبو عمر: قال ابن قتيبة: "فاقدروا له، أي: فقدروا المسير والمنازل، قال: وليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يعرج عليه في هذا الباب، وكذلك قال فيه أبو المعالي، والقتبي ولاج فيما لا يحسن.
(ما جاء في الرخصة في القبلة للصائم)
قوله: "فوجد من ذلك وجداً شديداً" [١٣]. "الوجد": ما يجلبه الرجل في نفسه من الحزن، أو الغضب. يقال: وجد يجد: إذا حزن، ووجد يجد؛ إذا غضب، ويختلفان في المصدر، فيقال في الحزن: وجداً، وفي الغضب: موجدة.
ووقع في بعض نسخ الموطأ: "ألا أخبرتها" بغير ياء، وفي بعضها: "أخبرتيها" [بالياء]، وهي لغة لبني عامر يشبعون كسرة المؤنث، فيحدث بعدها ياء، وكذلك الكاف، وتقدم في هذا ما فيه كفاية.
стр. 319
وقولها: "إن كان رسول الله ﷺ ليقبل بعض أزواجه" [١٤] "إن" ههنا عند البصريين مخففة من الثقيلة، واللام لام التأكيد، وهي لازمة عندهم لخبر "إن" إذا خففت فرقاً بينها وبين "إن" النافية. وأجاز الكوفيون أن تكون التي للنفي بمعنى "ما"، وتكون اللام بمعنى "إلا" التي للإيجاب، و [قد] تقدم.
ووقع في بعض النسخ من "الموطأ": "أن عائشة بنت طلحة أخبرته: إنما هي قالت عند عائشة" [١٦]. وهي رواية عبيد الله، وفي بعض النسخ: "كانت". ومعنى "قالت" رقدت في القائلة.
(ما جاء في التشديد في القبلة للصائم)
روى مالك في حديث عائشة: "وأيكما أملك لنفسه" ورواه غيره: "لإربه"، وكذلك في كتاب "البخاري" و"مسلم".
وذكر عياض: أنه في رواية يحيى، وأن ابن وضاح أصلحه: "لإربه" وبكسر الهمزة رويناه، وفسره: لحاجته. وقيل: لعقله، وقيل: لعضوه، قال أبو عبيد والخطابي: كذا يقوله أكثر الرواة، و"الإرب": العضو، وإنما هو لإربه، أو لإربته، أي: حاجته، قالوا: والإرب- أيضاً-: الحاجة.
قال الخطابي: والأول أظهر، وقال ابن السيد: المشهور في الحاجة:
стр. 320
أرب- بفتح الهمزة والراء- وأما الإرب فإنه الدهاء والعقل، قال: ومن رواه هكذا في حديث عائشة جعله جمع إربة، كسدرة وسدر. والإربة: الحاجة، قال الله تعالى: ﴿غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ﴾ ويمكن أن يكون لغة في الإرب، كما قالوا: مثل ومثل وشبه وشبه.
(ما جاء في الصيام في السفر)
"الكديد"- بفتح أوله وكسر ثانيه بعده ياء ودال مهملة: موضع بين مكة والمدينة، بين منزلتي "أمج" و"عسفان".
وقال ابن السيد: بين "عسفان" و"قديد": عين جارية عليها نخل كثير لابن محرز المكي. وأصل الكديد: الأرض الصلبة، قال امرؤ القيس:
أثرن غباراً بالكديد المركل
следующие страницы →