Полный текст (994 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
[كتاب العقيقة]
(ما جاء في العقيقة)
زعم أبو عبيد عن الأصمعي وغيره: أن أصل العقيقة: الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، قال: وإنما سميت الشاة التي تذبح عنه عقيقة؛ لأنه يحلق عنه ذلك الشعر عند الذبح، قال: ولهذا قيل في الحديث: "وأميطوا عنه الأذى" يعني بالأذى: ذلك الشعر، وهذا مما تقدم من أنهم ربما سموا الشيء باسم الشيء إذا كان معه، أو من سببه، فسميت الشاة عقيقة بعقيقة الشعر، وكذلك كل مولود من البهائم؛ فإن الشعر الذي يكون عليه حين يولد عقيقة وعقة، قال زهير- يذكر حمار وحش-:
أذلك أم أقب [البطن] جأب ... عليه من عقيقته عفاء
стр. 527
يعني صغار الوبر. قال أبو عبيد: العقة والعقيقة في الناس والحمر، ولم يسمع في غير ذلك، وأنكر ابن حنبل تفسير أبي عبيد هذا، وما ذكره عن الأصمعي وغيره. قال: إنما العقيقة الذبح نفسه؛ وهو قطع الأوداج والحلقوم، قال: ولا وجه لما قال أبو عبيد. واحتج بعض المتأخرين لابن حنبل بأن قال ما قاله معروف في اللغة؛ لأنه يقال: عق: إذا قطع، ومنه يقال: عق والديه؛ إذا قطع رحمهما.
(العمل في العقيقة)
- النسيكة: الذبيحة، وجمعها: نسك؛ وهو كل ما يتقرب به إلى الله تعالى. ومنه قوله: "خير نسيكتك"- بفتح النون وكسر السين- والمنسك: موضع الذبح ومنه [قوله تعالى]: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً﴾: موضع متعبدات الحج.
стр. 528
[كتاب النذور]
(ما يجب من النذور في المشي)
النذور: جمع نذر، والنذر في اللغة: الأصل: من قولك: نذرت الشيء على نفسي- بفتح الذال- أنذر وأنذر- بضم الذال وكسرها-، ثم سمي ما يجعل الإنسان على نفسه نذراً، كما قيل: الحلوف للمحلوف، والكسب للمكسوب، وهما في الأصل مصدران، من حلف وكسب، واشتقاق النذر من قولك: أنذرت الرجل بالأمر؛ إذا أعلمته به؛ ليستعد له ويتأهب؛ لأن الناذر يعلم بأنه قد أوجب الأمر على نفسه، وتأهب لقضائه، ومن هذا قالوا: نذرت بالشيء- بكسر الذال-؛ إذا علمته فأخذت ٥٧/ب/ أهبتك له. والنذر: لفظة من الألفاظ التي أقرها الإسلام على معناها في الجاهلية؛ لأن العرب كانت تستعمل النذور، وتلتزم الوفاء بها، وذكرته كثيراً في أشعارها.
وتقدم أن "قباء" [٢] يجوز فيها الصرف بمعنى المكان، وتركه بمعنى البقعة.
стр. 529
"و"الجرو" [٣] من القثاء الصغير منه، وقيل: الطويل منه، وقيل: الواحد منه؛ لقوله في الحديث: "فكسرته"، وهذا يدل على كبره. ويقال: قثاء وقثاء- بكسر القاف وضمها- وقرأ يحيى بن يعمر [قوله تعالى]: ﴿وَقِثَّائِهَا﴾ بضم القاف.
- وقوله: "لجرو قثاء في يده" كلام فيه اختصار، والتقدير: مشير لجرو قثاء في يده، فاللام متعلقة بما دل عليه لفظة "هذا" من معنى الإشارة.
(ما جاء فيمن نذر مشياً إلى بيت الله)
يقال: عجز الرجل- بالفتح- يعجز- بالكسر- ولا يقال بالعكس إلا أن تعظم عجيزته، وقد ذكرها بعض اللغويين في لحن العامة. وقول يحيى: "وسمعت مالكاً يقول وقرأ عليه"، معطوف على ما تقدم من كلام ابن عمر؛ والعرب تستعمله إذا أراد المخاطب أن يزيد في كلام المخبر ما أغفله، أو ما يرى أنه يجب أن يزاد فيه مثل أن يقول: سأكسو زيداً إذا جاءني، فيقول السامع: فأرى أن تحمله على فرس.
- وقوله: "فأصابتني خاصرة" كذا رويناه بخاء معجمة وصاد غير معجمة، يريد: علة عرضت له في خصره، وهو مأخوذ من قولهم: خصرت
стр. 530
الرجل؛ إذا ضربته في خصره، كما يقال: بطنته؛ إذا ضربته في بطنه، وصدرته؛ إذا ضربته في صدره، أو يكون أصابه برد في أطرافه، وهو الخصر الذي هو برد الأطراف. ووقع في بعض روايات "الموطأ": "حاصرة" بحاء غير معجمة، كأنه أراد علة حصرته عن السفر، أي: منعته. وكان القياس على هذا أن يقال: محصرة؛ لأن المشهور أن يقال: أحصره المرض- بالألف- ولا يقال: حصره، إلا في العدو، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾. فإن صحت هذه الرواية فمجازها على وجهين:
أحدهما: أن يكون حصر وأحصر لغتين.
والثاني: أن يكون على معنى النسب كما قالوا: أمحل البلد فهو ماحل، وأورس الشجر فهو وارس؛ والقياس: مورس وممحل؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، وكان القياس: ملاقح؛ ومنه قول الحارث بن نهيك:
стр. 531
ليبك يزيد ضارع لخصومه ... ومختبط مما تطيح الطوائح
- وقوله: "وعليه هدي بدنة أو بقرة [أو شاة] إن لم يجد إلا هي"، كذا وقع في جميع نسخ هذا الكتاب التي وقعت إلينا أو رويناها، وهو غلط؛ لأن "هي" من ضمائر الرفع والصواب: إلا إياها.
- وقوله: "أنا أحملك إلى بيت الله". وقوله: "إن نوى أن يحمله على رقبته يريد بذلك المشقة ... " إلى آخر كلامه؛ فإن هذه لفظة مشتركة تحتمل التأويل وقد تأولها مالك أحسن تأويل؛ لأن العرب تقول: حملت الشيء؛ إذا وضعته فوق ظهرك أو رأسك، كما يقال: حملت الدابة الحمل، وحملت المرأة الولد. ويروى أن أعرابياً كان يطوف بأمه، ويقول: أحمل أمي وهي الحمالة. ويقولون أيضاً: حملت الرجل: إذا أعطيته ما يركبه، ومنه يقال: حمل السلطان فلاناً على فرس. ويقولون أيضاً: حملت الرجل: إذا آويته إلى نفسك، وتكفلت له جميع ما يحتاج إليه، وحملته: إذا كفيته أمر ما يريد أن
стр. 532
يحمله. فإن أردت أنك أعنته على حمله قلت: أحملته بقطع الألف.
(ما لا يجوز من النذر في معصية الله)
- الكفارة: مشتقة من كفرت الشيء؛ إذا سترته وغطيته، وسميت بذلك؛ لأنها تذهب الإثم من الحالف، وتقيه من عذاب الله تعالى، وبقيت فعالة للمبالغة، كما يقال ضراب/٥٨ للمبالغة في الضرب، وقتال للمبالغة في القتل. وكان القياس أن يقال لها: مكفرة؛ لأن الفعل منها كفر تكفيراً، ولكنها جاءت على حذف الزيادة، كما قيل: دراك الوتر؛ وهو من أدرك. قال أبو قيس بن رفاعة:
وصاحب الوتر ليس الدهر مدركه ... عندي وإني لدراك بأوتاري
وجاء بلفظ التأنيث؛ لأنهم ذهبوا بها إلى معنى الحسنة التي من شأنها أن تذهب السيئة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
(اللغو في اليمين)
لغو الكلام: ما لا محصول له؛ لأن الآذان تمجه، ولا تريد سماعه، وسميت اليمين التي لا كفارة فيها لغواً؛ لأنها لا يعقد الحالف عليها نية؛ لأنها مطرحة لا يلتفت إليها. وكل شيء اطرح فهو لغو؛ إما لأنه لم يعقد اليمين بها، أو لأنه لم يقصد الحنث في أول اللغو. واللغاء: أصوات الطير ولغطها. يقال:
стр. 533
لغوت ألغو لغواً، ولغوت ألغى لغواً، ولغيت ألغي لغاً، ولغيت أيضاً، وألغيت في يميني، والشيء: طرحته، وألغيت: أتيت بلغو. ويقال: ألغيت أيضاً: إذا جعلت خلافك يلغو. وتقدم الكلام فيه.
وأما تسميتهم اليمين المحلوف بها يميناً؛ فإنه من باب التدريج، ومعناه: أن ينقل الشيء من حال إلى حال، وتدرج من مرتبة إلى مرتبة، كقولهم للنبات ندى، فإنه عن الندى يكون، ثم سموا الشجر ندى؛ لأنه عن النبات يكون، فكذلك اليمين؛ إنما أصلها اليد، ثم سميت القوة يميناً؛ لأن قوة كل شيء في ميامنه، ثم سمي الحلف على الشيء يميناً؛ لأن الحالف يستعين بها على ما يريد، وعلى معنى القوة أول المفسرون، قوله تعالى: ﴿وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، وعليه تؤول قول الشماخ:
стр. 534
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
وأما الحلف فمشتق من قولهم: سنان حليف: إذا كان حديداً، أو رجل حليف اللسان. سميت اليمين بذلك؛ لأنها تعرض عن حدة الأخلاق، وثوران الغضب، وسميت قسماً؛ لأن الحالف كثيراً ما يحاول منها تحسين الشيء وتزيينه، فهي مشتقة من قولهم: رجل مقسم؛ إذا كان جميلاً، ووجه مقسم، والقسام: الحسن، قال بشر:
يسن على ملاغيها القسام
وقال علباء بن أرقم اليشكري:
стр. 535
ويوماً توافينا بوجه مقسم ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
وسميت اليمين التي يقتطع بها الرجل حق أخيه غموساً؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، كما يغمس الشيء في الماء. وبنيت على فعول لمبالغتها في الغمس. واليمين المعقدة: ضد اللغو؛ سميت بذلك؛ لأن الحالف أبرمها، وعقد عليها نيته، فشبه ذلك بعقد الحبل والخيط. قال جرير:
ولا خير في مال عليه ألية ... ولا في يمين عقدت بالمآثم
(ما لا تجب فيه الكفارة من الأيمان)
- الاستثناء [١٠]: استفعال من قولهم: ثنيت الشيء؛ إذا عطفته، سمي بذلك؛ لأن الحالف عقد على نفسه بيمينه أمراً أوجبه، ثم عطف عليه
стр. 536
فحله وحده. وحقيقته وشرطه في الكتاب "الكبير".
وأما "الحنث" فأصله الذنب العظيم، يقال: بلغ الغلام الحنث: إذا بلغ المبلغ الذي يؤخذ فيه بما أذنب، فمعنى قولهم: حنث في يمينه؛ أتى ذنباً ينقضه ما كان عقده على نفسه. والفعل منه: حنث يحنث على مثال: علم يعلم.
- و"الثنيا" والثنوى، بمعنى الاستثناء، إذا ضممت أولها فهي بالياء، وإذا فتحت أولها فهي بالواو.
- و"النسق": المتتابع بعضه في إثر بعض؛ إذا أردت المصدر سكنت السين، وإذا أردت الاسم فتحت السين، وربما فتحوا السين في المصدر. ويقال: نسقت الشيء إلى الشيء؛ إذا عطفته عليه، ويسمى باب العطف باب النسق.
- وقوله: "مضمراً على الشرك" من فتح/ ٥٨/ب الميم فمعناه: مطوياً على الشرك؛ ومن كسرها فمعناه: منطوياً على الشرك.
(ما تجب فيه الكفارة من الأيمان)
- قوله: "فرأى خيراً منها". كذا وقع في الحديث أبي هريرة، ووقع في حديث أبي موسى: "أنه ﷺ قال: إني والله، إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها" ووقع في حديث عبد الله بن سمرة: "فإذا حلفت على يمين، ورأيت غيرها خيراً منها فأت الذي
стр. 537
هو خير وكفر عن يمينك" فجاء "رأى" في هذين الحديثين معدى إلى مفعولين، وفي حديث أبي هريرة معدى إلى مفعول واحد، فيجب أن تكون الرؤية في حديثهما رؤية علم، وفي حديث أبي هريرة رؤية اعتقاد؛ لأن رؤية العلم تتعدى إلى مفعولين، ورؤية الاعتقاد تتعدى إلى مفعول واحد، كقولك: فلان يرى مذهب مالك: أي يعتقد، وعليه تأولوا قول الراجز:
لا بأس بالفارس أن يكرا
إذا رأى ذلك أو يفرا
وقد يمكن أن أحد المفعولين سقط من حديث أبي هريرة؛ لأن المحدثين قد يسقطون ألفاظاً من الحديث كثيرة؛ ويدل على ذلك أن مسلماً أخرجه عن زهير بن حرب بسنده: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه".
- وقوله: "والله لا أنقصه". هو مفتوح الهمزة مضموم القاف؛ إذ فعله الماضي نقص، قال الله تعالى: ﴿نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣)﴾، والعامة تقول: أنقص ينقص، وهو خطأ.
- وقوله: "أنت الطلاق" والوجه: "أنت طالق"؛ ولكن العرب يضعون المصادر موضع أسماء الفاعلين والمفعولين مبالغة في المعاني، فيقولون: رجل عدل ورجل صوم؛ أي: عادل، وصائم؛ لكثرتهما منه، ونحوه قول
стр. 538
الشاعر:
فأنت طلاق والطلاق عزيمة ... ثلاث ومن يخرق أعق وأظلم
- وقوله: "إن كسوتك هذا الثوب ولا أذنت لك إلى المسجد" كذا الرواية، والصواب: "وأذنت لك"، ولا وجه لدخول "لا" في هذا الموضع إلا وجه الزيادة، كالتي في قوله تعالى: ﴿لئلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، وقوله [تعالى]: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾.
- وقوله: "وكان ذلك لا يضر بزوجها". هذا الفعل إذا كان رباعياً بالهمزة عدي بالباء، فقيل: أضر به، ومعناه: ألصق به الداء، وإذا كان ثلاثياً
стр. 539
عدي بغير حرف جر، فقيل: ضره يضره، قال الشاعر:
أضر به نعم ونعم قديماً ... على ما كان من مال وآل
(العمل في كفارة الأيمان)
- يقال: وكدت اليمين توكيداً، وأكدتها تأكيداً.
- والمد الأصغر: هو مد النبي ﷺ ، والمد الأعظم: مد هشام، وفيه من مد النبي ﷺ مد وثلثان، وهشام هذا هو هشام بن إسماعيل المخزومي، وكان عاملاً لبني مروان على المدينة؛ وتقدم هذا في باب (الزكاة).
- ويقال: كسوة وكسوة- بكسر الكاف وضمها-. وأما قوله: كساهم ثوباً ثوباً، وكساهن ثوبين ثوبين فمسألتان من النحو فيهما غموض؛ لأن المفعول الثاني لكسوت جاء هنا منفصلاً، كما جاءت في الحال منفصلة، فيما حكاه سيبويه من قولهم: بينتت له حسابه باباً باباً، ولقيت القوم رجلاً رجلاً إلا أن معناه منوعاً هذا التنويع، ومرتباً هذا الترتيب، وكما ناب الاسمان معاً
стр. 540
مناب خبر المبتدأ المفرد في قولهم: هذا حلو حامض، ولو أدخلت على هذه المسألة ظننت لقلت: ظننت هذا حلواً حامضاً، فكانا جميعاً نائبين مناب المفعول الثاني، كما نابا جميعاً مناب الخبر، وكذلك لو قلت: كان/ ٥٩/أهذا حلواً حامضاً، وإن هذا لحلو حامض.
(جامع الأيمان)
- "الرتاج" [١٧]. والرتج: الباب، وقيل: هو الباب المغلق. ورتجه وأرتجه: أوثق إغلاقه. وأبى الأصمعي: إلا أرتجه، ورتج في منطقه رتجاً وأرتج عليه: استغلق عليه الكلام، وأصله من ذلك الباب يرتج؛ أي: يغلق؛ ومنه أرتج عليه في كلامه.
стр. 541
[كتاب] الأشربة
(الحد في الخمر)
المشهور عند العرب أن الخمر: اسم واقع على عصير العنب الذي يغلي ويقذف الزبد بغير نار، وأما المطبوخ من عصير العنب فإنما كانوا يسمونه طلاء، ألا ترى إلى قول [عبيد بن الأبرص:]
هي الخمر يكنونها بالطلا ... كما الذئب يكنى أبا جعدة
وكانوا يسمون ما اتخذ من التمر: "الفضيخ" و"السكر" و"الكسيس"، وما اتخذ من الشعير: "الجعة"، وما اتخذ من الذرة "المزر" و"السكركة" ونحو ذلك؛ ويوقعون على جميعها: اسم "النبيذ" وكانوا ربما سموا هذه الأصناف كلها
стр. 542
خمراً؛ إذ كانت نائبة مناب الخمر، وسادة مسدها، وكان معنى الخمر موجوداً فيها كلها، وكان منهم من لا يسميها خمراً. قال:
لنا العين تجري من كسيس ومن خمر
فجعل الكسيس غير الخمر، ومن الدليل عليه اتفاق الفقهاء على أن الخمر المعصور من العنب التي تغلي بغير نار حرام قليلها وكثيرها، واختلافهم في غيرها مما يسمى الخمر. فلو اعتقد أن وقوع اسم الخمر على الجميع وقوعاً واحداً لم يختلفوا فيما كان على غير الصفة المتفق عليها، وكذلك- أيضاً- يدل عليه أن المتشددين في الأنبذة الذين أجروها مجرى واحداً يكفرون من استحل الخمر المتفق عليها ولا يكفرون من استحل نبيذ العسل ونحوه، فدل على أن وقوع اسم الخمر عليها وقوعاً مختلفاً فيه، فلما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ...﴾ الآية. احتمل الخمر المشهور التي لا يختلف في تسميتها بذلك دون غيرها، واحتمل جميع ما يقع عليه هذا الاسم، فأوضح رسول الله ﷺ هذا الإيهام بأن قال: "كل مسكر خمر" أي: حكمه حكم الخمر؛ ولهذا احتاج إلى أن يقال: الخمر يكون من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير، ولو كان مشهوراً أنها تسمى الخمر لم يحتج لهذا، ولكان في قوله تعالى
стр. 543
كفاية، كما أنه لما قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ احتمل أن يريد كل ميتة، وكل دم على العموم، واحتمل كونه خصوصاً في بعض الميتات والدماء، فأوضحه ﷺ بأن قال: "أحلت لكم ميتاتان ودمان". وهذه الآية عكس آية الخمر؛ لأنه خصص في هذه الآية ما يحتمل أن يكون عموماً، وعمم في آية الخمر ما يحتمل أن يكون خصوصاً. وتسلقنا في هذا إلى ما ليس منه لتعلقه، فالعلوم آخذ بعضها برقاب بعض. وقال قوم: سموا الخمر من العنب خمراً؛ لأنها تخامر العقل، وسمي النبيذ خمراً؛ لتحقق ذلك المعنى فيه قياساً عليه، حتى يدخله في عموم قوله: حرمت عليكم الخمر لعينها. وهذا غير مرضي؛ لأن العرب- إن عرفتنا بتوقيفها-: أنا وضعنا الاسم للمسكر المعتصر من العنب خاصة، فوضعه لغيره تقول عليهم، واقتراح، فلا يكون لغتهم، بل يكون وضعها من جهتنا. وإن عرفتنا أنها وضعته: لكل ما يخامر العقل كيف كان، فاسم الخمر ثابت للنبيذ؛ لتوقيفهم لا بقياسنا. كما أنهم عرفونا أن كل مصدر فله فاعل، فإذا سمينا فاعل الضرب ضارباً كان ذلك عن توقيف، لا عن قياس، وإن سكتوا عن الأمرين احتمل أن يكون الخمر ما يعتصر من العنب خاصة، واحتمل غيره، فلم نتحكم عليهم ونقول: لغتكم هذه. وقد اختلف أهل اللغة في اشتقاق اسم الخمر على ألفاظ قريبة المعاني متداخلة كلها موجودة المعنى في الخمر. فقال بعضهم: سميت خمراً؛ لأنها تخمر العقل، أي: تغطيه وتستره، وكل شيء غطى شيئاً فقد خمره؛ ومنه حديث أبي حميد
стр. 544
الساعدي: "أنه جاء بقدح من لبن، فقال له رسول الله ﷺ / ٥٩/ب: "ألا خمرته، ولو أن تعرض عليه عوداً" ومن ذلك خمار المرأة؛ لأنه يغطي رأسها. ومن ذلك الخمر الشجر الملتف؛ لأنه يغطي ما تحته. وقال آخرون: إنما سميت خمراً؛ لأنها تركت حتى أدركت، كما يقال: خمر الرأي واختمر، أي: ترك حتى يتبين فيه الوجه. ويقال: اختمر العجين؛ أي: بلغ إدراكه. وقال بعضهم: إنما سميت خمراً من المخامرة، التي هي المخالطة؛ لأنها تخالط العقل، ومنه دخلت في خمار الناس، أي: اختلطت بهم. وهذا الوجه يقرب من المعنى الأول، والثلاثة الأوجه كلها موجودة في الخمر؛ لأنها تركت حتى أدركت الغليان، وحد الإسكار؛ وهي مخالطة العقل، وربما غلبت عليه، وغطته. وقد روينا عن عمر أنه قال: "الخمر ما خمرته".
(ما ينهى أن ينبذ فيه)
- روي: "أن النبي ﷺ نهى أن ينتبذ في الدباء، والمزفت، والحنتم، والنقير". فالدباء: جمع دباءة، وهو القرع- ساكن الراء-. والمزفت:
стр. 545
المطلي بالزفت- بكسر الزاي-؛ وهو القار. والحنتم: فسره أبو هريرة: بأنه الجرار الخضر، وقيل: [هو] الأبيض، وقيل: الأبيض والأخضر، وقيل: هو ما طلي بالحنتم المعمول من الزجاج وغيره. وقيل: هو الفخار كله. وقيل: هي جرار يحمل فيها الخمر من مصر والشام، وقيل: هي جرار مصراة بالخمر، وقيل: هي جرار تعمل من طين قد عجن بشعر ودم، وهو قول عطاء، فنهي عنها؛ لنجاستها. و"النقير": هي النخلة تنقر؛ أي: يحفر في جوفها أو جنبها، ويلقى فيها الماء والتمر للانتباذ، وقد فسره في الحديث فقال: "هي النخلة تنسج نسجاً، وتنقر نقر" أي: تنشر ويحفر جوفها.
стр. 546
(ما يكره أن ينبذ جميعاً)
قوله: "نهى أن ينتبذ" [٧]. [النبذ] أصله: الطرح والرمي والترك؛ لأن النبيذ: فعيل بمعنى مفعول، يطرح ويرمى عليه الماء، قال القطامي:
فهن ينبذن من قول يضيق به ... مواضع الماء من ذي الغلة الصادي
ومنه المنبوذ: اللقيط، وقيل: المنبوذ: ما طرح صغيراً أول ما ولد، واللقيط: ما التقط صغيراً في الشدائد والخلاء وشبهه، وقيل: اللقيط: إذا أخذ، والمنبوذ ما دام مطروحاً، ولا يسمى لقيطاً إلا بعد أخذه. وقال مالك: لا أعلم المنبوذ إلا ولد زناً.
- و"الزهو" [٨]: ابتداء صلاح التمر وطيبه. يقال: زهت وأزهت، وأنكر بعضهم: زهت. وقال ابن الأعرابي: زهت: ظهرت، وأزهت: احمرت واصفرت، وهو الزهو والزهو. وجاء في الحديث: "حتى تزهي، وحتى يزهو البسر".
- "البسر": ما قد أزهى من ماء التمر، ولم يبد فيه إرطاب. والرطب: ما قد جاوز حد البسر إلى الإرطاب.
стр. 547
(تحريم الخمر)
- تقدم أن البتع: شراب العسل، والغبيراء: الأسكركة، والسكركة؛ وهو خمر الذرة. وفي حديث أبي موسى: أو خمر الحبشة الأسكركة وهو الأرز. أبو عمر: قد قيل في الأسكركة: إنه نبيذ الذرة. وما في حديث أبي موسى أصح. وفي الحديث: "إياكم والغبيراء فإنها خمر الأعاجم" قال أبو عبيد: هي ضرب من الشراب تتخذه الحبشة من الذرة، وهي تسكر، ويقال لها: السكركة. وقال صاحب "العين": الغبيراء: فاكهة.
(جامع تحريم الخمر)
- الرايية" [١٢]: القربة الكبيرة التي تروي، وهي المزادة. وقال يعقوب: الراوية: البعير، ووعاء الماء: مزادة، سميت بذلك لزيادة جلد ثالث فيها على جلدين. والظاهر مما في الحديث: "فأمر بروايته فأنيخت": أنها البعير، ويحتمل أن يريد المزادتين سماهما بالبعير الذي هو الراوية بحمله إياها. ويحتمل أن يسمى البعير راوية؛ لأنه يسقى عليه بالراوية، كما يسمى
стр. 548
ناضحاً؛ لنضحه الماء. وقال أبو الوليد الباجي: الراوية: هي الدابة التي تروي، غير أنه قد يسمى الظرف [الذي يحمل فيه الماء أو الخمر] راوية، بمعنى تسمية الشيء باسم ما جاوره أو قاربه، وهذا نحو ما تقدم.
- و"الفضيخ": بسر يشرخ وينبذ حتى يسكر في سرعة. وقال أبو عمر: الفضيخ: نبيذ البسر وحده. في الأثر: "أنه يلقى عليه الماء والتمر،/ ٦٠/ب وينبذ بالماء" وعليه يدل الحديث.
و"الجرار": أواني الخزف. وفي الحديث: "سئل عن نبيذ الجر" وفسره فيه كل شيء يصنع من المدر، والمراد به: الجرار الضارية.
- و"المهراس": هو الحجر الذي يهرس به الشيء، وما يحتاج إلى تهريسه، أي: يدق.
- و"الوباء": المرض العام في جهة، المفضي إلى الموت غالباً. يقال منه: وبئت الأرض توبأ فهي موبوءة ووبيئة، على مثال مريضة: إذا كثر مرضها. ويقال أيضاً: وبئت تيبأ، وأوبأت فهي موبئة.
- وقوله: "رجل من أهل الأرض" يريد ممن نشأ فيها.
- وقوله: "يتمطط"، التمطي: التمدد. يقال: مططت الشيء ومددته بمعنى. وقيل: من المطا: وهو الظهر هذا قول الأصمعي؛ وكأن التمطي:
стр. 549
مد المطا. وقيل- أيضاً-: مطوت بمعنى مددت، وهذا يدل على أن الطاء غير مبدلة من الدال. قال بعض المتأخرين: وعندي أنها غير مبدلة إنما يقال: مط ومد لغتان، ثم أبدل من الطاء في تمطي ياء، أصله تمططت، اجتمعت ثلاث طاءات، كما قالوا: تظنى وتقضى من تظنن وتفضض، ومط الشيء: مده. وقوله في الطلاء: يتمطط، أي: يتمدد لا ينقطع بعضه من بعض لالتحامه. و"الطلاء": قطران يطلى به الإبل الجربة، ومثله العصير إذا طبخ حتى يثخن ويخثر.
- وقوله: "فإنها رجس" [١٥] أي: قذر، وفي رواية: "إنها ركس" والمعنى واحد، أي: قد أركست في النجاسة بعد الطهارة. وقد جاء الرجس بمعنى المأثم، والكفر، والشك، وهو قوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾. وقيل: نحوه في قوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣)﴾ من جميع هذه الخبائث. وقد يجيء بمعنى العذاب أو العمل الذي يوجبه، قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾. وقيل: يعني اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة.
стр. 550
كتاب النكاح
(ما جاء في خطبة النساء)
قال كثير من اللغويين: خطبت المرأة خطبة- بكسر الخاء-، وخطبت على المنبر خطبة- بضم الخاء-. وقال أبو العباس ثعلب: الخطبة- بالكسر- المصدر، والخطبة- بالضم-: اسم ما يخطب به. وقال ابن
стр. 551
درستويه: الخطبة، والخطبة: اسمان لا مصدران، ولكنهما وضعا موضع المصدر، ولو استعمل مصدرهما على القياس لخرج مصدر ما لا يتعدى منهما على فعول، فقيل: خطب خطوباً، ولكان مصدر المتعدي منهما على فعل ساكن العين؛ كقولك: خطبت المرأة خطباً؛ ولكن ترك استعمال ذلك؛ لئلا يلبس بغيره، ووضع غيره في موضعه يغني عنه، ولا يلتبس بشيء. قال: والخطبة- بالكسر-: اسم ما يخطب به في النكاح خاصة، والخطبة- بالضم-: ما يخطب به في كل شيء. قال: ودليل ذلك ما روي عن النبي ﷺ : أنهم قالوا: "كان يعلمنا خطبة النكاح والحاجة" كذا روي بضم الخاء. وقال أبو إسحق الزجاج: الخطبة: فيما له أول وآخر، يريد: أن الخطبة- بكسر الخاء-: واقع على ما يجري من المراجعة، والمحاولة للنكاح؛ لأنه أمر غير مقدر، ولا يتعين له أول ولا آخر، ويدل على قوله قوله ﵇: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" ولم يعن بالخطبة الكلام المؤلف، وإنما أراد: ما يتراجع به من القول عند محاولة ذلك.
- وقوله: "ولم تركن إليه" [٢]. يجوز فيه فتح الكاف وضمها، وهما لغتان. يقال: ركن إلى الدنيا، وإلى الشيء. و"ركن"- بكسر الكاف وفتحها- ركوناً، قال: وفي القرآن: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ وهي
стр. 552
اللغة العالية، وفي الحديث: "رحم الله لوطاً، إن كان ليأوي إلى ركن شديد" يريد: الله- وأصله الركن من الجبل يركن إليه، وهو الناحية منه، فترحم عليه لسهوه عن التوكل على الله، والاستناد إليه.
وأما/ ٦٠/ب التعريض في النكاح فإنه مشتق من أحد شيئين: يجوز أن يكون من قولهم: عرضت الشيء: إذا وضعته، وتعرضت الدابة في المشي: إذا أخذت يميناً وشمالاً، وتركت السلوك على استقامة. قال عبد الله ذو البجادين: يخاطب ناقة النبي ﷺ ، وكان يحدو بها:
تعرضي مدارجاً وسومي
تعرض الجوزاء للنجوم
هذا أبو القاسم فاستقيمي
فمعنى التعريض للمرأة على هذا أن يعدل عما يريده، ولا يقصد قصده.
والوجه الثاني: أن يكون مشتقاً من عرض الشيء، وهو جانبه. يقال:
стр. 553
أعرض الشيء إذا بدا لك عرضه، ولم يظهر جميعه. فيكون معنى التعريض: أن يظهر بعض ما يريده. وكان الوجه أن يقال: "فتركن" بنصب النون، و"يتفقا" بحذف النون؛ لأنه معطوف على قوله: "أن يخطب"؛ ولكن الرواية وردت هكذا بالرفع على القطع مما قبله.
(استئذان البكر والأيم في أنفسهما)
"الأيم": التي مات زوجها أو طلقها، وقد آمت تئيم، وبعضهم يقول: تيأم، ولم يعرفه أبو مروان بن سراج، وقال: الأشبه تآم، تأيمت حفصة؛ أي: مات زوجها خنيس. وقد يقال ذلك في الرجال أيضاً،
стр. 554
وأكثره في النساء، ولذلك لم يقل فيهن: أيمة بالهاء؛ لاختصاصهن بهذه الصفة، على أن أبا عبيدة قد حكى أنه يقال: امرأة أيمة، وقد استعمل الأيم فيمن لا زوج لها بكراً أو ثيباً، قال الشاعر:
فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... وإن كنتت أفتى منكم أتأيم
وقال أمية بن أبي الصلت:
لله دربني [على] ... من أيم منهم وناكح
وفي الحديث: "أعوذ بالله من بوار الأيم" وهذا كله يدل على أن الأيم: من لا زوج لها، ثيباً كانت أو بكراً. وقال إسماعيل القاضي: الأيم:
стр. 555
التي لا زوج لها بالغاً كانت أو غير بالغ، بكراً أو ثيباً.
- وقوله: "حتى [تدخل بيتها و] يعرف من حالها" على مذهب سيبويه: أنها لا تزاد "من" في الواجب، فيكون فيه حذف، أي: حتى يعرف من حالها الرشد أو نحوه. وعلى مذهب الأخفش: "من" زائدة، وتقدم في (الصلاة) في قوله: "وقد رأى من فزعهم".
(ما جاء في الصداق والحباء)
في "الصداق" خمس لغات؛ صداق بفتح الصاد، وصداق بكسرها، وصدقة بفتح الصاد وضم الدال، وصدقة بفتح الصاد وتسكين الدال، وصدقة بضم الصاد وتسكين الدال، واشتقاقه من قولهم: رمح صدق: إذا كان شديداً صليباً، ورجل صدق النظر، وصدق اللقاء؛ سمي بذلك لأن به ينعقد النكاح ويكمل أمره، ومنه اشتق الصدق في الحديث؛ لأن الصادق على ثبات من أمره واستحكام وقوة، [و] الكاذب بضده؛ ولذلك قيل: حمل الفارس على قرنه فصدق: إذا حقق الحملة ولم يرجع، وحمل عليه فكذب: إذا جبن ولم يحقق و"الحباء": العطاء الذي لا يخص به واحد دون آخر ممدود، قال
стр. 556
ابن حلزة:
وولدنا عمرو بن أم أناس ... من قريب لما أتانا الحباء
- وقوله: "فالتمس شيئاً" [٨]. أي: اطلبه، ومنه: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً" أي: يطلبه، ومنه: "التمست عقدي" أي: طلبته.
- وقوله: "سورة كذا وسورة كذا". يجوز في "سورة" التنوين، ويجعل "كذا" كناية عن صفة، ويجوز ترك التنوين، ويجعل "كذا" كناية عن المضاف، كما يقال: سورة البقرة، وسورة النساء، وهذا هو الوجه، وهكذا قرأته.
- وقوله: "لسور سماها". كلام فيه اختصار، كأنه أراد: قال ذلك لسور سماها.
- و"العشيرة": القبيلة، سميت بذلك لمعاشرة بعضهم لبعض. وقولهم: فلان عشير فلان، أي: معاشره، كما يقال: جليس بمعنى مجالس، ونديم بمعنى منادم.
- وقوله: "فابتغت أمها صداقها"/ ٦١/أمعناه: طلبت. يقال: بغيت الشيء أبغيه بغاء- بضم الباء من المصدر-؛ إذا طلبته، فإن أكثرت من طلبه قلت:
стр. 557
ابتغيت ابتغاء.
- وروى يحيى: "من كان أباً وغيرهم"، وروى غيره "أو غيره" بإفراد الضمير، وهو الوجه؛ لأنه يعود على "أب". وذهب يحيى به إلى الأب وغيره، فلذلك جمع الضمير، أو جعل الأب بمعنى الآباء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً (١٠١)﴾. والأشبه أن يكون غلطاً وقع في روايته، كما غلط في قوله: "فلزوجها شطر الحباء"، فرواه: "شرط الحباء" على أنه في كتابي من رواية يحيى مصلح "شطر الحباء". أبو عمر: والصواب رواية غير يحيى شطر، وكذا رواه ابن وضاح.
- وقوله: "أو كان في ولاية أبيه" الأفصح الفتح والكسر لغة، ولذلك قرأت القراء [قوله تعالى]: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، و ﴿وِلَايَتَهُمْ﴾ فأما الولاية التي يراد بها الرئاسة فبالكسر لا غير.
(إرخاء الستور)
إرخاء الستر: كناية عن الخلوة. يريد إذا خلا الرجل بامرأته، وانفرد بها سواء كان له ستر أو لم يكن، أو أرخاه، أو لم يرخه.
стр. 558
(المقام عند الأيم والبكر)
- قوله: "ليس بك على أهلك هوان". من الكناية الحسنة، والتعريض المليح، وعنى بـ "أهلك" نفسه ﷺ ، يريد: إنها ليست بهينة عليه، بل يريد إكرامها لولا حق سائر الزوجات.
(ما لا يجوز من الشرط في النكاح)
- قوله: "ولا أتسرر" [١٦]. من التسرر والتسري. وأصله من السر؛ وهو الجماع. ويقال له: الاستسرار، ومنه السرية من التسري. و"السراري": جمع سرية.
(نكاح المحلل وما أشبهه)
- قوله: "فاعترض عنها" [١٧]. يقال: اعترض الرجل عن أهله؛ إذا عجز عن نكاحها، كما يعترض إذا أراد شيئاً، فيحال بينه وبينه. ويقال من هذا المعنى "عن" على صيغة ما لم يسم فاعله. ورجل عنين. ويقال منه: أكسل على مثال أكرم، فإن كان عجزاً عن غير جماع قيل: كسل على مثال عمل، قال
стр. 559
العجاج:
عن كسلاتي والحصان يكسل
وذكر أبو عبيد: أن رؤبة كان ينشد: "يكسل" بفتح الياء والسين، وتقدم أول الكتاب دون تفرقة.
- وقولها: "مثل الهدبة" فيها ثلاث لغات: هدبة- بتسكين الدال-، وهدبة"- بضمها- وهدابة: وهو الخيط الذي يترك في طرف الثوب، ثم يفتل، ويقع عليه اسم الهدب مفتولاً، وغير مفتول. ويقال: هدبت الثوب؛ إذا فتلت هدبة، قال امرؤ القيس:
كمشي العذارى في الملاء المهذب
شبهت ذكره في لينه بالهدبة؛ ولذلك تبسم رسول الله ﷺ وهذا كقول بعض المعرضين في نفسه:
стр. 560
ينام على كف الفتاة وتارة ... له حركات ما يحس بها الكف
كما يرفع الفرخ ابن يومين رأسه ... إلى أبويه ثم يدركه الضعف
ووقع في بعض نسخ "الموطأ": "لا يحل لزوجها الأول" و"هل يحل لزوجها الأول أن يراجعها؟ " [١٩]. بالياء فيهما على لفظ التذكير، وهو الوجه؛ لأنه فعل المراجعة و"أن يراجعها" في موضع رفع به على البدل منه، كأنه قال: لا يحل لزوجها الأول مراجعتها.
ووقع في بعض النسخ: "تحل" بالتاء فيهما على لفظ التأنيث، وهو أيضاً صحيح، ويلزم على هذه الرواية أن يضمر في "تحل" ضميراً يرجع إلى المرأة، ويجعل "أن يراجعها" في موضع رفع على البدل منه. ونظيره قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ قرئ بالياء وبالتاء على هذين المعنيين.
(ما لا يجمع بينه من النساء)
- "الوليدة" [٢١] لغة وعرفاً: الأمة، والمولدة: الجارية تولد بين
стр. 561
العرب. وفي حديث شريح: "أن رجلاً اشترى جارية، وشرط أنها مولدة، فوجدها تليدة". قال القتبي؛ التليدة: التي ولدت ببلاد العجم، وحملت فنشأت ببلاد العرب، قال: والمولدة: التي ولدت في بلاد الإسلام. وقال ابن شميل: التليد والمولد واحد، وهما اللذان ولدا عندك، وقال غيره: إنما سمي مولداً؛ لأنه يربى تربية الأولاد، ويعلم الأدب؛ والمولد/ ٦١/ب من الكلام: ما استحدث ولم يكن في القدم.
(ما لا يجوز من نكاح الرجل أم امرأته)
قول زيد: "الأم مبهمة" [٢٢] وضع هنا "مبهمة" موضع مطلقة، أي: غير مقيدة بصفة؛ ولهذا قال: "ليس فيها شرط"؛ لأن التقييد بمعنى الشرط، ولا يصح أن يكون في مقابلة المقيد إلا المطلق، اللهم إلا إن أراد أنه بمعنى أبهمت الأمر، أي: أغلقته فلم تظهره، واستبهم الأمر: إذا اشتبه، وعلى أنه ليس هذا موضع الإغلاق؛ لأنه لو كانت عنده كذلك ما فصل، فلم يبق إلا أنه وضع الإبهام موضع الإطلاق. والله أعلم.
(جامع ما لا يجوز من النكاح)
للشغار في اللغة معنى، وذلك أنه مأخوذ من شغر الكلب؛ إذا رفع رجله ليبول، وزعموا أنه لا يكون ذلك منه إلا في مفارقته حال الصغر إلى حال
стр. 562
يمكن منه فيها طلب الوثوب على الأنثى للنسل، وهو عندهم للكلب علامة بلوغه إلى حال الاحتلام من الرجال، يقال منه: شغر الكلب شغراً؛ إذا رفع رجله فبال أو لم يبل، ويقال: شغرت المرأة شغراً وأشغرتها، حكاه ابن دريد إذا رفعت رجلها للنكاح؛ فهذا معنى الشغار في اللغة، وأما معناه في الشريعة: فعلى ما فسره مالك، وأصح ما قيل في اشتقاق الشغار: أنه النكاح الخالي عن الصداق من قولهم: بلد شاغر: إذا كان خالياً.
- و"المخفقة" [٢٧]: الدرة. ولا يقال: خفق إلا في الضرب بالشيء العريض. والخفق: الحركة، والخفقة في النوم كالسنة. وأصله: ميل الرأس واضطرابه.
(نكاح الأمة على الحرة)
قال أكثر أهل العلم: "الطول" هنا: المال، ومعناه: وجود صداق حرة في ملكه. وأصله: المقدرة والبسطة والفضل، يقال: طال عليهم يطول طولاً: إذا فضل، ومنه قوله [تعالى]: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ أي: ذي الغنى والفضل، يقال: لفلان على فلان طول؛ أي: فضل، ويقال: فلان طويل اليد والباع؛ إذا كان كريماً.
стр. 563
وتفسير مالك: ﴿العَنَتَ﴾ كذلك في تفسير الآية: هو الهلاك، وقيل: الفجور، وحكاه صاحب "العين" يريد الهلاك من الزنا، وأن يحمله الشبق على الفجور، ويرجع إلى الهلاك في الدين، وأصله: المشقة. [يقال]: عقبة عنوت، أي: شاقة المصعد. وقال ابن الأنباري: أصله التشديد، وتكليف المشقة، وقد عنت وأعنته، وتعنتته.
(ما جاء في كراهية إصابة الأختين بملك اليمين)
- قوله: "ما أحب أن أخبرهما" [٣٣]. يريد: أطأهما، ومنه قيل: للحراث: الخبير؛ ومنه قيل: للمزارعة على الجزء: مخابرة. وقال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. ويروى: "أختبرهما"، وهما كناية عن الوطء. والخبر والخبر: الأرض اللينة. وقيل: سميت من خيبر؛ لمعاملة النبي ﷺ إياهم على الجزء من ثمارها، فقيل: خابرهم، ثم تنازعوا فنهوا عنها، ثم جازت بعد،
стр. 564
هذا قول ابن الأعرابي، وغيره يأباه، ويقول: إنها لفظة مستعملة. وجاء في مسلم: "نهي عن الخبر" كذا رويناه. ويروى أيضاً بضم الخاء وكسرها. قال عياض: وبالفتح هو في "العين".
قال الشيخ- وفقه الله تعالى-: وإنما وقع في نسختي العتيقة منه بالكسر، والخبرة: النصيب، قال الشاعر:
إذا ما جعلت الشاة للناس خبرة ... فشأنك إني ذاهب لشئوني
(النهي [عن] أن يصيب الرجل أمة كانت لأبيه)
وقع في الرواية: "رأيت جارية لي متكشفاً عنها" [٣٧]. وكان الوجه أن يقول: "متكشفاً عنها ثوبها" أو نحوه. قال ابن السيد: وأظنه نقصاناً وقع في الخط من غير أن يكون ذلك في أصل الحديث، وإن كان الحديث وقع في أصله هكذا فينبغي أن تفتح الشين، فتكون بمنزلة قول القائل: انكشف الثوب عن زيد، ثم يحذف الثوب الفاعل، وتقول: انكشف عن زيد، وتقيم المصدر مقام الفاعل، كأنك قلت: انكشف الانكشاف،/ ٦٢/أويجعل المجرور في موضع رفع، كما في قوله تعالى: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾.
стр. 565
(ما جاء في الإحصان)
أصل "الإحصان" [٣٩]. المنع: حيث وردت معانيه، فلذلك ما يأتي بمعنى العفة، والنكاح، والإسلام، والحرية؛ لأن لكل واحدة من هذه الخصال تمنع الإنسان من الفاحشة، وكلها في القرآن إلا الإحصان بمعنى الإسلام. يقال: أحصن فهو محصن، وأحصن فهو محصن، والمرأة محصنة؛ وهي التي قد أحصنها زوجها، ومحصنة وهي التي أحصنت نفسها، ويجوز محصن، وامرأة حصان الفرج: بينة الحصانة والحصن، وقد حصنت عن الريبة، وفرس حصان بين التحصن: إذا كان منجباً، والحصان: الفحل.
(نكاح المتعة)
- "متعة النساء" [٤١]. نكاحهن إلى أجل، و"متعة الحج" جمع الملبي بين الحج والعمرة في أشهر الحج في سفر واحد، ومنه: "نهي عن المتعتين" وكلاهما بضم الميم؛ إلا أن أبا علي حكى عن الخليل: كسر ميم متعة الحج.
следующие страницы →