← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16494

الاقتضاب في غريب الموطأ وإعرابه على الأبواب

اليفرني، محمد بن عبد الحق

Полный текст (994 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

لم أر بؤساً مثل هذا العام أرهنت فيه للشقا خيتامي (القضاء فيمن ارتد عن الإسلام) تقدم أن قوله: "فيما نرى" [١٥] يجوز فيه فتح النون، إن جعلته من رأيت، ويجوز ضم النون على صيغة ما لم يسم فاعله، إن جعلته من أريت. - وقوله: "فإن تاب، وإلا قتل" جملتان عطفت إحداهما على الأخرى، وحذف جواب الشرط من الجملة الأولى، وحذف الشرط من الجملة الثانية، وتقديره: فإن تاب قبلت توبته، وإلا يتب قتل. والعرب تستعمل مثل هذا الحذف إذا فهم السامع ما يريدون، وإذا كان في اللفظ دليل على ما يحذفون. والعرب قد تحذف الشرط [وحده] أو الجواب وحده، ثقة بفهم المخاطب،

стр. 702

فمما حذف منه الجواب وحده قول الربيع بن ضبع الفزاري: أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا أراد: إن نفر لم يملك رأسه، فحذف؛ لأنه قد تقدم ذكر الملك، وأغناه عن إعادته، ومثله قولهم: أنا أشكرك إن أحسنت إلي، ومما حذف منه الشرط وحده قول القائل: اصبر وإلا اصنع ما بدا لك. - وقول عمر: "هل كان فيكم من مغربة خبر؟ " [١٦]. فربما غلط في هذه الكلمة بعضهم فينونون "مغربة" ويرفعون "خبراً"، وهذا يروى عن عبيد الله. والصواب ترك التنوين من "مغربة" وإضافتها إلى خبر، ويجوز كسر

стр. 703

الراء من "مغربة" وفتحها، كذا حكى أبو عبيد في شرح "غريب الحديث". وقال الأموي: بفتح الراء، وغيره بكسرها، قال فيما يرى من الغرب، وهو البعد، ومنه قيل: "شأو مغرب" ومغرب، أي: هل عندكم خبر عن حادث يستغرب؟ وقيل: معناه/ ٧٨/أهل من خبر جديد جاء من بلد بعيد؟ و"من" زائدة، كما يقال: هل في الدار من رجل؟. ويقال: غرب الرجل، إذا بعد، وذكره صاحب "الأفعال" بالتخفيف، فقال: غرب الرجل غرباً، وغربة: بعد. وأغرب الرجل، إذا أتى بغريب من قول أو فعل. وأصله من قولهم: غرب وشرق: إذا سار إلى الغرب والشرق، ثم قيل لكل شيء أبعد الذهاب في الأرض وانتشر: غرب، وإن لم يذهب إلى الغرب.

стр. 704

وقال ابن حبيب: وهي "مغربة"- بتخفيف الراء- ومعنى مغربة خبر غريبة خبر، من الخبر الغريب، وهو الحادث المجهول، وليست بتشديد الراء، كما يقول من لا يعرف؛ لأن المغربة بالتشديد: التي تنحو ناحية المغرب، كما تقول مشرقة، وهي التي تنحو ناحية المشرق. قال: وهكذا حدثنيها مطرف وابن الماجشون عن مالك بالتخفيف وفسرها، كما تقدم. وأما ضبطه فقال أبو عبيد ما تقدم. وبالكسر رواه شيوخ "الموطأ" وكذلك روته الكافة بفتح الغين. قال الشيخ- وفقه الله-: رويناه من طريق المهلب بإسكانه، وأما الإعراب فعلى الإضافة، رويناه عن شيوخنا في "الموطأ" وكذلك تقيد في كتابي، وحكى عياض: أن بعضهم أجاز نصب "خبر" على المفعول من معنى الفعل في "مغربة". (القضاء فيمن وجد مع امرأته رجلاً) - قوله: "أنا أبو حسن" [١٨]. مما تستعمله العرب من الاعتزاء عند

стр. 705

إصابة ظنها. - وقوله: "فليعط برمته" مثل، أي: فليسلمه إلى أولياء القتيل يقتلونه. وقيل: يسلم إليهم بحبل في عنقه للقصاص. يقولون في المثل: "ادفعه إليه برمته" واصله: أن رجلاً دفع إليه رجال بعيراً بحبل في عنقه، والرمة: الحبل البالي، فقيل ذلك لكل من دفع شيئاً بجملته، ولم يحبس منه شيئاً. فمعناه: ادفعه إليه كله، وهذا المعنى الذي أراد الأعشى في قوله للخمار: فقلت له هذه هاتها ... بأدماء في حبل مقتادها أي: بعني هذه الخمر بناقة برمتها. (القضاء في المنبوذ) - "المنبوذ" [١٩]: المطروح، قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ الآية. في عرف اللغة مستعمل فيمن طرح من الأطفال على وجه الاستسرار به. - و"العريف" القيم بأمر القوم، وهو من رؤساء الأجناد؛ لأنه يتعرف أحوال الجيش. وفي رواية سفيان بن عيينة في هذا الحديث من قول عمر، على ما ثبت في "الكبير":

стр. 706

"عسى الغوير أبؤساً" وذكره أبو عبيد في "غريب الحديث"، وذكر أنه مثل تتمثل به العرب إذا خافت شراً وتوقعته وظنته، وذكر في أصله عن الأصمعي، وعن ابن الكلبي خبرين مختلفين: أحدهما عن ابن الكلبي: أن أول من تكلم بهذا المثل الزباء؛ إذ بعثت قصيراً اللخمي، وكان يطلبها بدم جذيمة الأبرش، فكادها وخبأ لها الرجال في صناديق، أو غرائر، فلما أحست بذلك، حين سألت عنه، وقيل لها: أخذ الغوير، قالت: "عسى الغوير أبؤساً". قال: والغوير: ماء لكلب موضع معروف من جهة السماوة وذكر عن الأصمعي: أنه غار أصيب فيه قوم بأن انهار عليهم أو قتلوا فيه، والغوير: تصغير غار، والأبؤس: جمع البأس، فصار هذا الكلام مثلاً لكل شيء يخاف أن يأتي منه شر. قال أبو عبيد: وقول ابن/ ٧٨/ب الكلبي أشبه عندي بالصواب. وأما انتصاب "أبؤساً" فمن النحويين من يرى أن "عسى" في هذا الموضع أجريت مجرى "كان" وهو مذهب سيبويه، وقال قوم: نصب "أبؤساً" على خبر "كان"

стр. 707

مضمرة، كأنه قال: عسى الغوير أن يكون أبؤساً، وهو قول الكسائي، وقال ابن كيسان: معناه: عسى الغوير أني بأس بأساً بعد بأس، يذهب إلى انتصابه انتصاب المصادر. وقال قوم: معناه أن يحدث أبؤساً، فهو مفعول عندهم بفعل مضمر. وقال قوم: معناه أن يأتي بأبؤس، فلما حذف حرف الجر نصب، واحتجوا بقول الكميت: قالوا أساء بنو كرز فقلت لهم ... عسى الغوير بأبآس وأغوار قال الشيخ- وفقه الله-: ورأيت أو رويت- وغالب ظني أني تلقيت عن أستاذي العلامة أبي علي-: أن المثل قالته الزباء، وكانت قد اتخذت نفقاً من قصرها إلى قصر أختها؛ لتنجو منه- حين حذرت من سقوط دم الأبرش- بالأرض، وأعلمت أنه يؤخذ بثأره عند ذلك وكان، فلما خرج عليها عمرو أصحابه، قصدت على النفق، وقالت: عسى الغوير، فوجدت عمراً على بابه مصلتاً سيفه، وكانت عندها صفته فعرفته، وقالت: "أبؤساً". فيكون على هذا تقديره: عسى الغوير [أن يكون] موضع نجاتي، ثم قالت: "أبؤساً": أي: وجدت عنده أبؤساً، أو نحو هذا. - وأما قول عمر- ﵁: "أكذلك؟ ". فإنه مبتدأ محذوف الخبر اختصاراً؛ والمعنى أكذلك هو، وهذا تقدير منه للعريف على ما وصفه به من العفة.

стр. 708

(القضاء بإلحاق الولد بأبيه) - يقال: "زمعة" [٢٠]- بسكون الميم-، وزمعة- بفتحها-. وأسند في "التمهيد" عن عبد الملك بن هشام النحوي قال: هو زمعة بالفتح. قال الشيخ- وفقه الله-: ورأيت في "تنبيهات الرقشي" صوابه: زمعة، سمي بواحد الزمعات، وهي الشعرات المتعلقة بأنف الأرنب. - وقوله: "فتساوقا إلى رسول الله صلى الله عليه سولم" معناه: ساق بعضهما بعضاً. - وقوله: "هو لك يا عبد بن زمعة" يجوز في "عبد" الضم والفتح، وأما "ابن" فمنصوب لا غير على حد قول العرب: يا زيد بن عمرو. - وقوله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر". العاهر: الزاني، العهر: الزنا. يقال: عهر الرجل: إذا زنا، يعهر، وتعيهرت المرأة، وعيهرت، وذلك يكون في الحرة والأمة معاً، كما يكون الزنا بهما معاً. وأما المساعاة، فلا يكون إلا في الإماء خاصة، ولا تستعمل في الحرائر. يقال: ساعى الأمة يساعيها مساعاة وسعاء، واشتقاقه من السعي، أي: سعى إليها، وسعت إليه. و"الحجر"

стр. 709

مثل مضروب للخيبة في قطع الرجاء، كما يقال: "ترباً له وجندلاً". والعرب تكني عن المرأة بالفراش واللباس والمضجع والمركب والمطية، وذلك كله على التمثيل والتشبيه، وتذكره في أشعارها كثيراً، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾. - ويقال: مكث، ومكث [٢١]. كما تقدم، بفتح الكاف وضمها، والضم أشهر، وجميع القراء عليه في قوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ إلا عاصماً وحده. واسم الفاعل من المضموم مكيث، ومن المفتوح ماكث. - وقول المرأة: "فأهريقت عليه الدماء فحش ولدها في/ ٧٩/أبطنها". فإن الفقهاء يروون: "أهريقت" بضم الهمزة وكسر الراء، ويروون: "حش" بضم الحاء، وذلك خطأ؛ وإنما الوجه: "فأهراقت" بفتح الهمزة، و"حش" بفتح الحاء؛ لأن "أهراق" لا تتعدى على مفعولين، وإنما يتعدى إلى واحد. يقال: أراق الماء وأهراقه وهراقه، ثلاث لغات؛ فإذا صرف إلى صيغة ما لم يسم فاعله قيل: أريق الماء، وهريق الماء، وأهريق الماء. والوجه لمن روى: "أهريقت" أن يرفع الدماء، ولا وجه لرويته غير هذا. ومعنى "حش": يبس، يقال حش النبت فهو حشيش وحاش: إذا يبس، وألقت الناقة ولداً حشيشاً،

стр. 710

وقال صاحب "العين": حش الولد في البطن؛ إذا يبس والمرأة محش. -وقوله: "أما إنه لم يبلغني عنكما إلا خيراً" "ما" ههنا مخففة الميم، والنحويون يجيزون فتح الهمزة من "أن" في هذا الموضع وكسرها، وتقدم. - وقوله: "كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم" معناه: يلصقهم. يقال: لاط الشيء بالشيء: إذا لصق، وألطته أنا إلاطة. ومنه قيل: لاط حبه بقلبي يليط ويلوط، أي: تعلق، وهو أليط بقلبي منك وألوط. وكان الفراء لا يجيز هو ألوط- بالواو- إلا من اللياطة. - وأما قول المرأة: "كان هذا لأحد الرجلين" [٢٢] فتقديره: كان هذا يأتيني، وأشارت لأحد الرجلين، واللام- ههنا- بمعنى "إلى" وتقدم مثله، وهو كلام أخرج الراوي بعضه على حكاية قولها عن نفسها، وبعضه على جهة الإخبار عنها، ولو أخرج الكلام كله على حكاية قولها لقال: كان هذا لأحد الرجلين يأتيني وأنا في إبل لأهلي، فلا يفارقني، حتى يظن وتظن أنه قد استمر بي حبل، ثم انصرف عني، فأهرقت عليه دماً، ثم خلف علي هذا، تعني الآخر، فلا أدري من أيهما هو؟. فأخرج الداودي الكلام كله مخرج

стр. 711

الإخبار عنها، ولم يحك من كلامها شيئاً غير قولها: "يأتيني وحده"، وكان الوجه أن يقول: يأتيها، فيكون الكلام كله إخباراً عنها لا حكاية، أو يقول ما ذكرناه، فيكون الكلام كله حكاية. ويروى: "حبل، وحمل" وهما سواء. - و"القائف": هو الذي يعرف الأشياء، وهي في حديث العرنيين الذين يميز الآثار. (القضاء في ميراث الولد المستلحق) - قال الشيخ- وفقه الله-: وقع في بعض روايات "الموطأ" خلاف في ترجمة هذا الباب، فوقع في أكثرها "القضاء في ميراث الولد المستلحق"، وهذا بين لا إشكال فيه، ووقع في الأصل المقروء على عبيد الله بن يحيى وابن وضاح: "القضاء في ميراث ولد المستلحق" بإسقاط الألف واللام من "الولد"، وإضافته إلى المستلحق، وهو جائز على مذهب الكوفيين؛ لأنهم يجيزون إضافة الموصوف إلى الصفة، في نحو قولهم: مسجد الجامع، وصلاة الأولى، ولا مخرج له إلا على هذا، وعلى أن يجعل "المستلحق" مصدراً، بمعنى الاستلحاق؛ لأن المصادر قد تجيء على مثال المفعولات، كقولهم: سرحته تسريحاً ومسرحاً، ومزقت الشيء تمزيقاً ممزقاً. وهذا قياس مستمر في كل فعل، إلا في الفعل الثاني، فإن فيه خلافاً، قال تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ

стр. 712

بَوأنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾،/ ٧٩/ب وقال جرير: ألم تعلم مسرحي القوافي* البيت (القضاء في أمهات الأولاد) "أمهات الأولاد": كلمة مخصوصة بالإماء إذا ولدن. يقال زوجة وأم ولد، وأمة، فتكون الأمة أمة حتى تلد، فإذا ولدت صارت أم ولد، بل تكون أم ولد بالحمل إجماعاً. - و"يلم" [٢٤] أي: يجامعها، وكذلك جاء في حديث السبايا، وأصله من ألم بالشيء، وهو الواقع فيه من غير اعتياد ولا إصرار. واختلف في "اللمم" وأولى ما قيل فيه: أن يأتي بالذنب يبدؤه ثم يعاوده. - وقوله: "ضمن سيدها ما بينها وبين قيمتها". الضمير في قوله "بينها" راجع إلى الجناية، وفي قوله: أم الولد الجانية، يريد: أنه يلزمه أن يفتديها بالأقل من أرش جنايتها أو قيمتها.

стр. 713

(القضاء في عمارة الموات) - عمارة الأرض- مكسورة العين- وفتحها خطأ. والموات- بفتح الميم لا غير-: الأرض التي لا عمارة فيها. والموات- بضم الميم-: الطاعون وكثرة الموت، وقد حكي في الطاعون: موات- بالفتح- وليس بمشهور، ويقال- أيضاً- للأرض التي لا عمارة فيها: موتان- بفتح الميم، وتسكين الواو- أيضاً. ومنه الحديث: "موتان الأرض لله ولرسوله". و"الموتان"- بضم الميم وسكون الواو-: الطاعون، مثل الموات ويقال: وقع في الناس موتان وموات، ويقال: أرض ميت، مسكنة الياء دون هاء، قال تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾، وما مات من الحيوان دون ذكاة فهو ميتة بالهاء، قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾. فأما الميت والميتة- بتشديد الياء- فيصلحان في كل شيء من حيوان وغيره، وما كان منها للمذكر أسقطت منه الهاء، وما كان للمؤنث أثبتت فيه، وكذلك مائت ومائتة. وقد زعم قوم أن الميت- الساكن الياء- يستعمل فيما مات وقضى نحبه، وأن الميت- المشدد الياء- يستعمل فيما لم يمت بعد، وهو متهيئ لأن يموت، واحتج بقوله

стр. 714

تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ أي: إنك ستموت ويموتون. وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن ميتاً وميتاً ليس بينهنا أكثر من تخفيف، كما يقال: هين وهين، ولين ولين، فكما أن التخفيف في هين ولين لم يحدث فيهما معنى زائداً على معناهما في حال التشديد، فكذلك ميت وميت. والوجه الثاني: أن العرب لم تجعل بينهما فرقاً في الاستعمال، ومن أبين ما جاء فيه قول الشاعر: ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء إنما الميت من يعيش كئيباً ... كاسفاً باله قليل الرجاء البيتين، فسوى بينهما في الاستعمال. - وأما قوله: "ليس لعرق ظالم حق" فالرواية المشهورة تنوين "عرق"، "ظالم" صفة له، وكذلك تقيد في كتابي: أي: لعرق ذي ظلم فيه، هذا على النعت. ويدل عليه قوله في التفسير: والعرق الظالم: كل ما احتفر أو أخذ أو

стр. 715

غرس بغير حق. ورواه بعضهم: "لعرق ظالم" بإضاف عرق إلى ظالم، وقال: العرق: الأصل، ومعناه: ليس لأصل يوصله ظالم في أرض غيره حق يستوجبه. وهذا الذي قال: هو الأصل والمراد به، فإن نون وجعل "ظالم" صفة له [على] هذا المعنى، كما قال تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾، فنسب الكذب والخطأ إلى الناصية، وإنما الكاذب والخاطئ صاحبها، ونحوه قول الهذلي: حملت به في ليلة مزؤودة (القضاء في المياه) - مهزور"/ ٨٠/أ [٢٨] على لفظ مهزول، إلا أن الراء المهملة بدل من اللام: واد من أودية المدينة، قال أبو عبيد: هو وادي بني قريظة. - و"مذينب": تصغير مذنب؛ واد بالمدينة، والمذنب: مسيل

стр. 716

الماء: ويقال: مذينيب، وكذا رويناه، وقيل: "مهروز" موضع سوق المدينة كان تصدق به رسول الله ﷺ على المسلمين، فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان، وأقطع مروان فدك. - "ونقع البئر" [٣٠]: الماء المجتمع فيها. والنقيع: البئر الكثيرة الماء، والجمع؛ أنقعة، ونقع الماء في المنقعة ينقع نقوعاً. (القضاء في المرفق) - "الضرر" [٣٣] والضير والضر والضرار: كل ذلك بمعنى. ومنه الحديث: "لا ضرر ولا ضرار" قيل: هما بمعنى على التأكيد. وقال الخشني:

стр. 717

الضرر: ما تضر به صاحبك، بما تنتفع به أنت، والضرار: أن تضره من غير أن تنفع نفسك. أبو عمر: وهذا وجه حسن، ومتى قرن بالنفع لم يكن فيه إلا الضر أو الضرر. وقيل: بل هما بمعنى القتل والقتال، كأنه قال: لا يضر أحد ابتداء ولا يضاره إن ضاره، وليصبر، وهي مفاعلة، وإن انتصر فلا يتعدى ونحو هذا. وقال ابن حبيب: الضرر عند أهل العربية: الاسم، والضرار: الفعل، قال: والمعنى: ولا يدخل على أحد ضراراً بحال. - وقوله: "لارمين بها بين أكتافكم" [٣٢]. بالتاء، كذا للكافة، لأصرخن بينكم وأرمينكم بتوبيخي بها، كما يرمى بالشيء بين الكتفين؛ لأنهم طأطؤوا رءوسهم، حين سمعوا حديث "غرز الخشبة"، على ما وقع في الترمذي: فقال لهم ما قال ذكره الترمذي، وكذا وقع في "الصحيحين"، وروي من طريق أبي الأصبغ بن سهل في "الموطأ" بالنون. قال الجياني: وهي رواية يحيى،

стр. 718

وقال أبو عمر: اختلف شيوخنا في ذلك، ورجح رواية التاء، وقال: هو الأكثر. قال عياض: وهو الذي يقتضيه الحديث، على ما رواه الترمذي. و"الخليج": نهر يخرج من جنب نهر، كأنه جذب منه واقتطع. والخلج: الجذب، وخليجا الوادي: جانباه. - و"العريض"- بضم أوله- كأنه تصغير عرض- وادي اليمامة-، موضع من أرجاء المدينة فيه أصول نخل وله حرة نسبت إليه. - و"ربيع لعبد الرحمن بن عوف" [٣٤] كذا للكافة، أي: جدول، وعند ابن المرابط "ربيع" مصغراً، والأول أصوب، قال عياض: وقد يكون الربيع هنا: القسم من المال. (القضاء في قسم الأموال) - "العالية والسافلة" [٣٦]: جهتان بالمدينة، إحداهما علت، والأخرى

стр. 719

سفلت. وأشار بالأموال إلى الأرضين وما فيها من الشجر، وإن كان اسم المال واقعاً على كل ما يتمول من حيوان وعرض وعين وغير ذلك؛ إلا أن عرف أهل المدينة كان في ذلك الزمان إطلاق اسم الأموال على الأرض وما فيها من الننخيل والأعناب. - و"النضح": الاستقاء بالسواني، وما في معناها مما يستقى بالدلو ونحوه، وهو هنا الأرض التي تسقى كذلك. و"النواضح": الإبل التي يستقى عليها؛ لنضحها الماء باستقائها وصبها إياه. و"العين" أيضاً: ما يسقى بالعين من غير نضح، وهو السيح، وهو الماء الذي يسقى به من غير تكلف مؤونة. (القضاء في الضواري والحريسة) - "الضواري": يريد ما ضريت واعتادت أكل زرع الناس وأذيتهم بذلك، وتسمى "العوادي". وفي "كتاب مسلم": الأكلب ضارية. - و"الحريسة": الماشية المحروسة في المرعى، وحريسة: فعيلة بمعنى مفعولة، ويحتمل حريسة: [التي] يحترس منها، ويحتمل التي تحرس، ويكون/ ٨٠/ب معنى حافظها، وهو الأظهر. وفي الحديث: "حريسة جبل" أي: فإنها وإن حرست بالجبل فلا قطع فيها. والألف واللام في الحوائط المواشي في الحديث للعهد على ما تكرر بيانه في "الكبير". - وقوله: "ضامن على أهلها" [٣٧]. ضامن هنا بمعنى مضمون.

стр. 720

(القضاء فيمن أصاب شيئاً من البهائم) صال الفحل: حمل، وفي "العين": فحل صؤول؛ إذا حمل على العانة. (القضاء فيما يعطى العمال) - قوله: "فيخطئ به" [٤٠]. على حذف المفعول، تقديره: فيخطئ به صاحبه، أو نحو هذا. (القضاء في الحمالة والحول) - "الحمالة": الضمان، والحميل: الضامن، والحوالة معلومة، وهي تحول من له عليك دين عنك إلى غريم لك عليه دين، وهي مستثناة من الدين بالدين. و"الحول": التحول. يقال: حال من مكانه حولاً، وعادني حبها عوداً. وقيل في قوله تعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً (١٠٨)﴾ أي: تحولاً. وقيل: حيلة، فيكون معناه، أي: لا يحتالون منزلاً عنها. وفي "العين": حال الشيء حولاً وحؤولاً: إذا تغير وتحول عن حاله.

стр. 721

(القضاء فيمن ابتاع ثوباً وبه عيب) - "الحرق"- بفتح الراء- في الثوب: الأثر من دق القصار أو الكماد، فإذا كان من النار فهو "حرق"- بتسكن الراء-، والشاهد على حرق الدق قول الشاعر: شيب تقنعه كيما تغر به ... كبيعك الثوب مطوياً على حرق والشاهد على حرق النار قول الشاعر: من جالس القين لم تعدم ملابسه ... حرقاً وإن لم يكن حرق فتدخين - وقوله: "فهو رد على البائع" [٣٢]. القياس: فهو مردود، ولكنه مما وضع فيه المصدر موضع المفعول كما قالوا: درهم ضرب الأمير، وثوب نسج اليمن، بمعنى مضروب ومنسوج. - و"العوار والعوار" [٣٨]- بالفتح والضم-: العيب والفساد. ويقال: غرم يغرم، على مثال ضرب يضرب، وغرم يغرم، على مثال علم يعلم. - و"الصبغ"- بفتح الصاد-: المصدر، و"الصبغ" بكسرها: اسم ما يصبغ به. (ما لا يجوز من النحل) قال صاحب "العين": النحل والنحلة: العطاء بلا استعاضة، أي:

стр. 722

العطية التي لا يطلب عليها مكافأة، إذا أدخلت عليها تاء التأنيث كسرت النون، وإذا حذفتها ضممت النون، وهما جميعاً مصدران، وإنما قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ أي: هبة من الله، وفريضة على الأزواج. وقال أبو عبيدة: نحلة، أي: عن طيب نفس منكم، وأما قوله ﵇: "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ " فإنه يجوز رفع "كل" لاشتغال الفعل عنه بالضمير، ويجوز نصبه بإضمار فعل يفسره الفعل الظاهر بعده، كأنه قال: أنحلت كل ولد نحلته؟ والاختيار فيه النصب؛ لأن الاستفهام بالفعل أولى، إذا دخل على جملة فيها فعل واسم ما لم يعرض عارض يمنع من ذلك. - وأما قوله: "فارجعه" [٣٩] فإن "رجع" فعل استعمل متعدياً وغير متعد، فإن أريد به معنى الانصراف جرى مجرى الانصراف في أنه لا يتعدى إلا بحرف جر، كقوله: رجع زيد إلى المدينة، وإن أريد معنى الرد جرى مجرى الرد في التعدي، فتقول: رجعت إليه حقه، قال تعالى- في الذي لا

стр. 723

يتعدى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ﴾. وقال [تعالى]- في المتعدي-: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾. - قوله: "كان نحلها جاد عشرين وسقاً" [٤٠]. أراد حائطاً أو نخلاً يجد منها عشرين/ ٨١/أوسقاً، أي: يصرم، وهذا كلام خرج مخرج مجازات العرب؛ لأن الحائط والنخل يجد منهما التمر ولا يجدان، فهما في الحقيقة مجدودان لا جادان، وله تأويلان: أحدهما: أن الحائط والنخل لما كانا ينبتان التمر ويعطيانه جاز أن يؤتى بهما على لفظ الفاعل، كما قالوا: هذه الأرض تعطي من الزرع كذا وكذا. والثاني: أن العرب قد تأتي بالمفعول على صيغة الفاعل على معنى النسب، كقولهم: ليل نائم، وإنما ينام فيه، ونهار صائم، وإنما يصام فيه. وقال عيسى بن دينار: معناه جداد عشرين وسقاً من تمر نخله إذا جد. وقال ثابت: قوله: "جاد عشرين وسقاً" يعني أن ذلك يجد منها ويصرم. قال الأصمعي: هذه أرض جاد مائة وسق، يريد أن ذلك يجد منها، فعلى تفسير عيسى قوله: جاد عشرين وسقاً. صفة للتمر الموهوب فتقديره: وهبها عشرين وسقاً. وعلى تفسير ثابت قوله: "جاد عشرين وسقاً" صفة للنخل التي وهبها ثمرتها، فمعناه، وهبها ثمرة نخل يجد منها عشرين وسقاً.

стр. 724

- و"الغابة"- هنا-: موضع، وهما غابتان؛ الغابة العليا، والغابة السفلى، والأشهر في الغابة: أنها شجر يشتبك، فتألفه الأسود والسباع، وتفسير "الوسق" في "الزكاة". - وقوله: "فلو كنت جددتيه واختزنتيه" كذا الرواية بإثبات الياء بعد التاء، وهي لغة لبعض العرب، يقولون للمرأة: أنت رميتيه، وأكثر العرب يحذفها، وهي اللغة الفصيحة المشهورة، وقد تقدمت الشواهد على اللغتين، وبسط معنى لغة الإثبات من كلام سيبويه والسيرافي في كتابنا هذا ما فيه كفاية. - قوله: "وإنما هما أخواك وأختاك". فثنى الضمير ولم يتقدم شيء مثنى يعود عليه، وإنما تقدم ذكر الوارث، وإنما جاز ذلك؛ لأن الوارث لفظ مفرد يراد به الواحد، وما تجاوز الواحد من الاثنين والجميع، فحمل الإضمار على المعنى، كما يتأول قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾، فثنى الضمير ولم يتقدم مثنى يعود عليه من حيث كانت الكلالة تعود على الواحد والاثنين والجميع. - وقوله: "ذو بطن بنت خارجة" "ذو" هذه التي بمعنى صاحب، كقوله: هو ذو مال، وذو علم، أي: صاحب علم. وحكي عن ابن وضاح أنه يتأول

стр. 725

"ذو" هنا بمعنى "الذي"، وهو غلط؛ لأن "ذو" هذه لا يجوز إضافتها. (ما [لا] يجوز من العطية) - قوله: "ثم نكل الذي أعطاها" [٣٤] أي: امتنع من إعطائها، وأصل النكال: الامتناع، ومنه: النكال الذي هو العقوبة؛ لأنها تنكل الجاني عن فعل ما جنى، أي: تمنعه. (الاعتصار في الصدقة) الاعتصار في الصدقة. [٣٦]: الرجوع فيها وردها إلى نفسه وروي عن سعيد بن جبير وأبي قلابة: أن العصر سميت عصراً؛ لأنها تعصر، أي: تؤخر، و"النحل" تقدم. (القضاء في العمرى) - معنى "العمرى" [٤٢]. أن يقول الرجل للرجل: هذه الدار لك عمرك، أو هذه الدار لك عمري، مشتقة من العمر، وكذل غير الدار من الأملاك، وفي

стр. 726

معناها "الرقبى" وهو أن يقول: إن مت قبلي رجعت إلي، وإن مت قبلك فهي لك، واشتقاقها من المراقبة؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه. وقياس "العمرى" و"الرقبى" على قول مالك ومن ذهب مذهبه أن يكونا مصدرين بمنزلة "الرجعى"، من قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨)﴾ فـ "العمرى" مصدر عمر و"الرقبى" مصدر رقب، وإنما لزم أن يكونا مصدرين في قول مالك؛ لأن المعمر والمرقب عنده لا يملك بالإعمار والإرقاب/ ٨١/ب ذات الشيء ورقبته، وإنما له الانتفاع به فقط، ويجب أن يكونا اسمين للشيء المعمر والمرقب، على مذهب من يرى أنهما يوجبان ملك رقبة الشيء، والوجهان معاً جائزان في كلام العرب؛ لأن "فعلى" يكون عندهم مصدراً كـ "الرجعى" ويكون اسماً كـ "البهمى" ويجب أن تكون "العمرى" و"الرقبى" من الأسماء التي تسمى بالمصادر، كتسميتهم الرجل زيداً أو علاء. - وأما قوله: "ورث حفصة دارها" [٤٥]. فالمعنى ورث من حفصة، فلما سقط الجار تعدى الفعل فنصب، تقول العرب: ورثت منه مالاً، وورثته مالاً، واخترت من الرجال زيداً، واخترت الرجال زيداً، قال تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ أي: من قومه وقال أبو الحجناء:

стр. 727

ورثتهم فتسلوا عنك إذ ورثوا ... وما ورثتك غير الهم والحزن أي: وما ورثت منك. وقالت زينب بنت الطثرية ترثي أخاها:

стр. 728

مضى وورثناه دريس مفاضة ... وأبيض هندياً طوالاً حمائله - قوله: "وكانت حفصة قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب ما عاشت" [٤٥]. كان الوجه أن تقول: قد أسكنتها، أو أسكنت بنت زيد بن الخطاب دارها، ونحوه، ولكنه ترك المفعول اختصاراً؛ لما فهم من المعنى، قال النابغة الجعدي: حتى لحقنا به تعدي فوارسنا ... كأننا رعن قف ترفع الآلآ أراد: تعدي فوارسنا الخيل. - ويقال: "مسكن" و"مسكن"- بفتح الكاف وكسرها-. (القضاء في اللقطة) ذكر أكثر اللغويين: أن "اللقطة" [٤٦]- مفتوحة القاف-، وهي لفظة شذت عن القياس؛ لأن "فعلة" إنما تحرك العين منها في المشهور إذا وصف بها الفاعل، فإذا وصف بها المفعول سكنت عينها، فيقال: رجل لعنة وسببة وضحكة؛ إذا كان يلعن الناس ويسبهم ويضحكهم، فإن كان هو الذي يلعن ويسب ويضحك منه، سكنت العين، فقلت: لعنة وسبة وضحكة، فيجب على

стр. 729

هذا أن يقال: لقطة- بفتح القاف- للملتقط، ولقطة- بسكون القاف للشيء الملتقط؛ وقد جاء بها بعض اللغويين على القياس، والأول هو المشهور. - وأما "الضالة" فاسم واقع على [كل ما] تلف وغاب لا يختص بها حيوان من غيره، تقول العرب: ضل الشيء في التراب، وضل الماء في اللبن، وقال رسول الله ﷺ في حديث عائشة: "إن أمكم أضلت قلادتها". ويقال: ضل المشط في الشعر: إذا غاب فيه؛ لكثرته وتلففه، قال امرأ القيس: تضل المدارى في مثنى ومرسل ويقال: ضل الميت في الأرض وأضللته، إذا دفنته، قال تعالى: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾، وقال النابغة:

стр. 730

فأب مضلوه بعين جلية * البيت وأما "العفاص" فهو الوعاء الذي تكون فيه النفقة من جلد كان، أو خرقة، أو غير ذلك. ويقال للجلد الذي يدخل فيه رأس القارورة: عفاص؛ لأنه كالوعاء، وليس كالصمام، فالصمام الذي يدخل فيه فم القارورة، فيكون سداداً لها، ولذلك يقال: صم الكوة بحجر، أي: سدها، فالصمام والسداد جميعاً عكس العفاص. - وأما "الوكاء": فهو الخيط الذي يشد به. يقال: أوكيت الإناء، وأوكيت الزق:/ ٨٢/أإذا شددت فاه بخيط. ومنه حديث علي- ﵁: "العين وكاء السه" ويروى: "وكاء السته" والسه والسته جميعاً: الاست، ومعناه: أن الإنسان ما دام مستيقظاً أمكنه الامتناع من خروج الريح منه، فعينه لاسته مثل الوكاء للزق، فإذا نام خرجت منه الريح، ويقال: عفصت [القارورة]

стр. 731

عفصاً؛ إذا شددت العفاص عليها، وإن أردت أنك جعلت لها عفاصاً قلت: أعفصتها إعفاصاً. وقوله ﷺ : "عرفها سنة" أي: أعلم الناس أنها عندك. والوجه فيه: أن يعدى بحرف الجر، فيقال: عرفت زيداً بكذا، ثم يحذف حرف الجر تخفيفاً، فيقال: عرفت زيداً كذا. فتقديره: عرف بها، وهو نحو قولهم: أمرتك الخير؛ أي: أمرتك بالخير. وأما قوله: "لك، أو لأخيك، أو للذئب" فكلام حذف بعضه اختصاراً، فتقديره: هي لك ملك، خبر مبتدأ مضمر، وقد ذكرنا أن هذه اللام بمعنى الملك، ومعنى غير الملك. - وقوله: "معها سقاؤها وحذاؤها". يريد أنها تقوى على ورود الماء، وتصبر على العطش أياماً كثيرة، فشبهها بالمسافر الذي معه سقاء يتزود فيه الماء. وعنى بحذائها: أخفافها، أراد أنها تقوى على السير وقطع الفلوات. - وقوله: "ما لك ولها" كلام مختصر معناه: مالك والتعرض لها؟ وكذلك قوله: "فشأنك بها" تقديره: عليك شأنك، أو الزم شأنك، ونحوه من الأضامين التي تليق بمعنى الكلام، فهو منصوب بالعامل المضمر. وللعرب في هذه اللفظة ثلاثة لغات: منهم من يقول: شأنك وكذا، بالواو، ومنهم من يقول: شأنك بكذا، ومنهم من يقتصر على ذكر الشأن، فيقول: شأنك كذا، بغير واو أو باء.

стр. 732

(القضاء في الضوال) - "الحرة" [٤٩]: كل أرض ذات حجارة سود، وذلك لشدة حرها، ووهج الشمس فيها، وجمعها: حرار، وحرات، وإحرين، وإحرون في الرفع. - و"عقله". أي: منعه من الذهاب بعقال شده به، كما يفعل بالإبل خاصة، وهو شبيه بقوله ﷺ : "لا يؤوي الضالة إلا ضال". وليس المراد بالضلال المذكور في هذين الحديثين: الضلال الذي هو نقيض الهدى والإيمان، وإنما المراد به الضلال الذي بمعنى الخطأ، كما يقال: ضل عن الطريق، وقال تعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى (٥٢)﴾، و [قوله تعالى]: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾. وكل ما خالف طريق الاستقامة فالعرب تسميه ضلالاً. وقال ابن الأعرابي: "الإبل المؤبلة" [٥١]: المتخذة للنسل، لا للتجارة ولا للعمل. ويقال: هي الكثيرة المهملة، وهي الأوابل أيضاً، قال النابغة:

стр. 733

ظلت أقاطيع أنعام مئبلة ... لدى صليب على الزوراء منصوب (صدقة الحي على الميت) - قوله: "افتلتت نفسها" [٥٧] أي: اختلست منها نفسها، وماتت فجأة، قال الشاعر: سبقت منيته المشيـ ... ـب وكان ميتته افتلاتاً وقال أبو بكر بن شاذان: سألت أبا زيد النحوي عن قول عمر "كانت بيعة

стр. 734

أبي بكر فلتة، وقى الله شرها" فقال: أراد كانت فجأة، وأنشد: وكان ميتته افتلاتاً وتقول العرب- إذا رأت الهلال بغير قصد إلى ذلك: رأيت الهلال فلتة. وقال خالد بن يزيد: فإن تفتلتها والخلافة تفتلت ... بأكرم علقى منبر وسرير و"نفسها" نصب/ ٨٢/ب على المفعول الثاني، وهو أكثر الروايات، ويروى برفع السين أيضاً. قال الخطابي: يعني أخذت نفسها فجاءة. وبالوجهين قيده جماعة من شيوخنا. وذكر القتيبي: اقتلتت- بالقاف- وهي كلمة تقال لمن مات فجاءة، والأول المشهور.

стр. 735

[كتاب الوصايا] (الأمر بالوصية) الوصية- في اللغة-: عبارة عن كل قول يلقيه أحدهما إلى الآخر ليعمل به، وهو مخصوص في الغائب والميت، من جملة ما يلقى من قول. - وقوله ﷺ : "له شيء يوصى فيه" [١]. كذا الرواية، وأكثر ما تقول العرب: أوصى بكذا، فيعدون هذا الفعل بالباء، كما قال الراجز:

стр. 736

هناك أوصيني ولا توصي بيه ومن قال: "يبيت في كذا" فله وجهان: أحدهما: أن يكون معناه: أوقعت الوصية فيه، فيكون "في" على وجهها. والآخر: أن يكون بدلاً من الباء، كما يقال: بتلمسان، وفي تلمسان، وكذلك اتفقت الروايات في هذا الحديث على إسقاط "أن" ورفع "يبيت" وكان الوجه أن يبيت ولكن العرب قد تحذف "أن" من مثل هذا، وترفع الفعل، وعليه تؤول قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونَنِي أَعْبُدُ﴾، وعليه جاء قول طرفة: ألا أيهذا الزاجري احضر الوغى * البيت وربما حذفوا وتركوا الفعل منصوباً، وذلك [لا يكون] إلا في ضرورة الشعر، كقوله: ونهنهت نفسي بعدما كدت أفعله ففي هذا البيت وجهان من الشذوذ والضرورة.

стр. 737

أحدهما: إدخال "أن" في خبر "كاد". والثاني: حذفها وإبقاء عملها. - و"العتاقة" مفتوحة العين، وكسرها خطأ. (جواز وصية الصغير والضعيف والمصاب والسفيه) - "اليفاع" [٢]: هو الغلام ابن عشر سنين، أو اثنتي عشرة سنة، رواه عيسى عن ابن القاسم، عن مالك. وفي "العين": اليفاع: المشرف من الأرض، وغلام يفعة ويافع: إذا شب، وجمعه: الأيفاع، وقد أيفع، أي: شب. قال الشيخ- وفقه الله تعالى-: وكأن الغلام اليفاع أشرف على الاحتلام. يقال: أيفع وهو يافع، ولا يقال: موفع، ويقال: الغلام الأيفع، ويجمع على أيفاع، الواحد يفع، ويفعة جمع على غير قياس، فمن قال: يافع ثنى وجمع، ومن قال: يفعة الواحد والاثنان والجماعة سواء. (القضاء في الوصية في الثلث لا يتعدى) - في رواية يحيى: "والثلث كثير" [٤]. وفي رواية غيره: "كبير" بالباء، وكلاهما جائز. - وقوله: "فالشطر" الرواية بالرفع، وهو مبتدأ خبره مضمر، كأنه قال: فالشطر أتصدق به، وكذلك "الثلث" ويبعد أن يكون خبر المبتدأ مضمراً؛ لدخول الفاء عليه، وهو مع ذلك جائز، فيكون بمنزلة قول القائل: أزيد قائم؟

стр. 738

فيقول المجيب: لا، فيقول: فقاعد؛ أي: فهو قاعد، ولو نصب ناصب "الشطر" و"الثلث" على معنى فأعطي الشطر وأعطي الثلث لكان جائزاً. - وقوله: "أن تذر ورثتك أغنياء" "أن" مفتوحة الهمزة، و"تذر" منصوب بها، وهي في موضع رفع و"خير" خبره، بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. و"العالة": الفقراء، واحدهم: عائل، كما تقول: بائع وباعة، وصائغ وصاغة، وفعله عال يعيل، فإذا أردت الجور قلت: عال يعول، وإذا أردت كثرة العيال قلت: أعال يعيل، فمن الجور قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا (٣)﴾ ومن الفقر قول الشاعر: وما يدري الفقير متى غناه ... وما /٨١/أيدري الغني متى يعيل؟ - ومعنى "يتكففون": يسألون الناس بأكفهم. - وأما قوله: "إنك إن تخلف" فإن الفقهاء يروونه "أن" ويتوهمونها "أن" الناصبة للأفعال، ولا وجه لـ "أن" هذه في هذا الموضع. وقوله: "إلا ازددت به درجة" يبطل ذلك؛ لأن "إلا" التي للإيجاب لا يجوز دخولها إلا بعد كلام منفي. والصواب "لن" باللام، وكذلك رواه ابن وضاح، ولا يصح دخول "إن" في هذا الموضع إلا على حيلة؛ وذلك أن تكسر همزتها وتجعلها بمعنى

стр. 739

"ما" النافية؛ لإتيان الإيجاب بعدها، وترفع "تخلف" و"تعمل" كأنه قال: ما تخلف، فتعمل إلا ازددت، كما تقول: إن زيد إلا قائم، وقوله تعالى: ﴿إِنْ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠)﴾. - وأما قوله: "ولعلك أن تخلف". فالوجه إسقاط "أن" ورفع الفعل، كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (١)﴾، ولكن الفقهاء رووه بزيادة "أن" وكذلك قوله ﷺ : "لعل أحدكم ألحن بحجته من الآخر". وأكثر ما يستعمل هذا في الشعر، ومجازه عند النحويين على تشبيه "لعل" بـ "عسى"؛ لأنها مثلها في الطمع، وحكم "عسى" أن يستعمل بـ "أن" كقوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ ثم إنهم قد يحذفون "أن" من خبر "عسى" تشبيهاً لها بـ "لعل" ويزيدونها في خبر "لعل" تشبيهاً لها بـ "عسى" فالشاهد على إسقاطها من خبر "عسى" قول هدبة بن خشرم:

стр. 740

عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب والشاهد على زيادتها في خبر "لعل" قول متمم بن نويرة: لعلك يوماً أن تلم ملمة ... عليك من اللائي يدعنك أجدعا - و"الهجرة"- في كلام العرب-: هيئة الهجران، كما أن الجلسة هيئة الجلوس، والركبة: هيئة الركوب، فإذا أردت المصدر الذي ليس بهيئة قلت: هجرة وهجران، وإذا أردت المرة الواحدة قلت: هجرة- بفتح الهاء- كما تقول: ضربة وقتلة للمرة الواحدة من الضرب والقتل، فإذا جعلتها فعلاً من اثنين فما زاد قلت: هاجر الرجل صاحبه مهاجرة. وأما "الهجرة" المستعملة في الشريعة فهي مكسورة الهاء، لا يجوز فيها غير ذلك؛ لأن المهاجر كان يراد به أن يهجر وطنه وقومه، وينفر إلى النبي ﷺ ، ويستمر على ذلك، والفعل إذا استمر ودام صار خلقاً وهيئة، فلذلك لم يجز فيها فتح الهاء. وسميت "هجرة"؛ لأن الرجل كان يهجر أهله ووطنه، ويلحق بالنبي ﷺ . وسميت
следующие страницы →