← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 16494

الاقتضاب في غريب الموطأ وإعرابه على الأبواب

اليفرني، محمد بن عبد الحق

Полный текст (994 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

يعني من عبد وحر. وقال أبو عمرو/ ٩٦/ب الشيباني: في حديث النبي ﷺ : "أنه نهى عن قتل العسفاء والوصفاء في سرية بعثها". قال: العسفاء: الأجراء؛ وهو كما قال مالك، وقد يكون العسيف: الأسيف، وهو الحزين. - واشتقاق "المحصن" من الحصانة، وقولهم: بناء حصين؛ لأنه يحفظ ما داخله، ومنه سمي الحصن حصناً، ويقال: رجل محصن- بفتح الصاد-، ومحصن- بكسرها-، فإذا فتحوها جعلوا غيره هو الذي أحصنه، وإذا كسروها أرادوا أنه أحصن نفسه بالنكاح؛ ولذلك قرأت القراء: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ بفتح [الصاد] وكسرها. - وقوله: "فأبت أن تنزع" [٨] يقال: نزعت عن الشيء نزوعاً، إذا تركته وأعرضت عنه، فإن حننت إليه، وذهبت نحوه قلت: نازعت إليه منازعة ونزاعاً. - وقوله: "وتمت على الاعتراف": أي: مضت عليه وعزمت. يقال: تم الرجل على الشيء: إذا ثابر عليه، وبلغ غايته.

стр. 842

- وقوله: "أناخ بالأبطح وكوم كومة" [١٠]. الأبطح: المكان السهل النمبطح، والكومة- بفتح الكاف وضمها- الكدية من التراب، أو الرمل أو نحوهما، وقد كومته تكويماً. - وقوله: "واستلقى" كذا الرواية، وأكثر ما يستعمل في هذا المعنى: اسلنقى، وأكثر اللغويين يقول: اسلنقى خطأ، وليس هو بخطأ، ولكنه قليل الاستعمال. وقد حكى ابن الأعرابي أنه قال لأعرابي: أتعود إلى البادية؟ فقال: أما ما دام السعدان مسلنقياً فلا. أراد أنه لا يرجع إلى البادية أبداً، كما أن السعدان لا يكون إلا مسلنقياً على الأرض؛ لأنه لا يرتفع. وقد فرق قوم بين اسلنقى واستلقى، فقالوا: إذا رقد على ظهره قيل: اسلنقى، فإذا رمى بنفسه إلى الأرض كيف ما كان قيل: استلقى، كما يقال: استجاب بمعنى أجاب، واستوقد بمعنى أوقد، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ﴾ وتقدم هذا. - وقوله: "وضرب بإحدى يديه على الأخرى" كانت العرب تفعله إذا أراد أحدهم أن ينبه غيره، أو يستدعي إقباله عليه، وربما فعله إذا صاح على شيء، أو تعجب من شيء، وتمامه في "الكبير" كتاب "الحدود".

стр. 843

(ما جاء فيمن اعترف على نفسه بالزنا) - قوله: "بسوط [جديد] لم تقع ثمرته" [١٢]. أراد لم يمتهن ولم يلن، والثمرة: الطرف، وإذا ركب [كثيراً] بالسوط ذهب طرفه. تقول العرب: ثمرة السوط وذباب السيف. قال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير: ما زال عصياننا لله يسلمنا ... حتى دفعنا إلى يحيى ودينار إلى عليجين لم تقطع ثمارها ... قد طال ما سجدا للشمس والنار ثمارها: يعني القلفة، وكذلك قال صاحب "العين". - وقوله: "قد آن لكم أن تنتهوا". آن وحان: جاء وقته، وكذلك قول علي: "أما آن للرجل أن يعرف منزله" و"قد آن أن ترسلوا لهذا الأسد

стр. 844

الضارب بذنبه" يعني: لسانه. ومعناه كله حان، ويحين: يأتي حينه واوانه ووقته. ومنه [قوله تعالى]: ﴿أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يقال: أنى يأنى، وآن يئين، ونال وأنال، كله بمعنى واحد، وروي في حديث علي: "أما نال للرجل أن يعرف منزله". - وقوله: "من يبد لنا صفحته" أي: ما انكشف ولم يستتر، وأصله من صفحة الوجه، وصفح الكف، وصفحته: ما انبسط منه، وصفحتا السيف: وجهاه العريضان، وصفحة العنق وصفحه: جانبه. - و"فدك" بفتح أوله وثانيه-: قرية معروفة بينها وبين المدينة يومان، وحصنها/ ٩٧/أيقال له: الشمروخ، وأكثر أهلها أشجع. (جامع ما جاء في حد الزنا) - "الضفير": الحبل، أراد التقليل للثمن، وقد جاء مفسراً: "فبيعوها ولو بحبل". - وقوله: "من تلك الرقيق" [١٥]. كذا وقع، والصواب: "من ذلك" وتقدم. (ما جاء في القذف والنفي والتعريض) التعريض: أن يذكر الرجل شيئاً ويري [بأن] مراده شيء

стр. 845

آخر. وهو مشتق من قولهم: عرضت الشيء: إذا وسعته وجعلت له عرضاً، أي: اتساعاً؛ لأن المعرض يأتي بكلام يتسع فيه التأويل، ويمكن أن يكون مشتقاً من قولهم: تعرض الرجل في سيره: إذا عدل عن الطريق، وأخذ يميناً وشمالاً، وتعرض الشيء: إذا اضطرب ولمي ستقم. وذهب قوم إلى انه مشتق من المعراض: وهو سهم لا نصل له ولا ريش، يرمى به الأغراض. ويؤيد هذا [القول]: تسميتهم الأقوال التي هذه سبيلها معاريض. وفي الحديث: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" والتعريض نوعان: أحدهما: أن ينفي الرجل عن نفسه أمراً وغرضه أن يثبته لآخر، كنحو ما حكاه مالك في "الموطأ" و [نحوه] قول الشاعر:

стр. 846

ولا عيب فينا غير عرق لمعشر ... كرام وإنا لا نخط على النمل قال أصحاب المعاني: هذا تعريض برجل كان أخواله مجوساً والنمل قروح تخرج في الجنب، تزعم المجوس أن ولد الرجل إذا كان من أخته، ثم خط على النملة شفي صاحبها. وأما النوع الثاني: فإنه يكون بالألفاظ المشتركة التي تقع على معان مختلفة، فيوهم المتكلم أنه يريد معنى من المعاني، وغرضه معنى آخر، وهذا يسمى اللحن واللغز، كقول القائل: والله ما أخذت له غفارة يوهم الغفارة الملبوسة، ومراده السحابة التي تكون فوق سحابة أخرى، وكقوله: والله ما عندي خرج، والخرج: الوادي الذي لا منفذ له. - وأما قوله: "والخلفاء هلم جرا" [١٧]. فإن هذه كلمة تستعملها العرب في الشيء الذي يستمر ويتصل. ومعنى "هلم" أقبل، والجر: سير في رفق وسكون لا تكلف فيه. يقال: جررت الإبل، إذا رفقت بها في المشي،

стр. 847

وتركتها ترعى في النبات في سيرها، فإذا قال الرجل لصاحبه: هلم جرا، فمعناه: أقبل جاراً الأمر مترفقاً به. فأصله: أن يستعمل في الأمر بالتمادي، ثم يستعمل في الخبر الذي ليس بأمر. ألا ترى إلى أن قوله: "أدركت عمر وعثمان والخلفاء هلم جراً" إخبار لا معنى فيه للأمر، وإنما معناه: أدركتهم جارين لهذا الحكم، مستمرين عليه، وإذا استمروا عليه فكأن المتقدم منهم يأمر المتأخر الذي يجيء بعده ويخلفه بأن يمتثل ذلك ولا يغيره، فهو كلام محمول على المعاني. - وقوله: "لأبوأن على نفسي" [١٨]. معناه: لأعترفن. يقال: باء فلان بذنبه: إذا اعترف به، وألقى بيده. (ما لا حد فيه) - قوله: "أو لأرمينك بأحجارك" [٢٠]. أراد الرجم، وأضافها إليه؛ لأنه كان يكون المرجوم بها، أو لأنه كان السبب في أن يرجم بها. (ما يجب فيه القطع) - "المجن" [٢٢]: الترس، سمي بذلك؛ لأنه يجن الذي تحته: أي: يستره. يقال: جنه الليل وأجنه: إذا ستره.

стр. 848

- و"الحريسة": الشاة تحرس في الجبل، وتقدم ذكرها. - و"المراح"- بضم الميم-: الموضع الذي تراح إليه الإبل من المرعى، أي: ترد إذا أقبل الليل. يقال: راحت الإبل وأراحها الراعي، فإن جعلت المراح من راح يروح فتحت الميم، وإن جعلته من أراحها الراعي ضممت الميم، ومثله المقام، إن جعلته من قام/ ٩٧/ب يقوم فتحت الميم كما قال تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾، وإن جعلته من أقام يقيم ضممت الميم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً (٦٦)﴾. و"الجرين": شبه الأندر، وجمعه: جرن، ويقال له: المربد والجوخان والمسطح. ويقال: "أترجة [٢٣]. والجمع: أترج، ولا يقال: ترنجة. هذا قول الأصمعي، وكان يحتج بقول علقمة:

стр. 849

تحملن أترجة نضخ العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم ووقع هنافي كتابي "أترنجة"، وتقدم أن الأفصح أترجة. وقول عائشة: "ما طال علي ولا نسيت: القطع في ربع دينار" [٢٤]. معناه: ما طال علي الأمر، فتركت ذكر الفاعل اختصاراً للعلم به، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ أي: توارت الشمس. وأنشد أبو علي في أماليه: سقى دمنتين ليس لي بهما عهد

стр. 850

أراد: سقى الله أو سقى الغيث. وقال الأخفش: إذا قلت عجبت من ضرب زيداً، فالفاعل محذوف للعلم به، ولا يقال: إنه مضمر؛ لأن المصادر لا يضمر فيها الأجناس، ومثله قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً﴾. قال الشيخ- وفقه الله تعالى-: ويتوجه عندي فيه: أن يكون تقديره: ما طال علي وما نسيت قول رسول الله [ ﷺ ]: "القطع في ربع دينار" فيكون رفعه على الحكاية، كما قال: سمعت الناس ينتجعون غيثاً * البيت ويكون أبلغ، لأنه يشعر بتكرار هذا اللفظ من رسول الله ﷺ ، وهذا على ما يقتضيه احتمال الكلام [لا] على القطع بأنه من كلام الرسول عليه لاسلام. - وقوله: "ومعها مولاتان" [٢٥] أي: معتقتان. قال أبو الوليد: ولا

стр. 851

يسمى من فيه بقية رق مولى حتى يعتق. - وقوله: "ببرد مراجل". المراجل: ثياب موشاة، ويقال: من هذا برد ممرجل، قال العجاج: بشية كشية الممرجل وكان أبو حاتم يقول: لا يقال للثوب برد حتى يكون فيه وشي، وأجازه غيره، ويدل على صحة قول أبي حاتم قول امرئ القيس: على لاحب كالبرد ذي الحبرات - وقوله: "أو فروة"- الفروة لغة في الفرو، والأكثر في الاستعمال فرو، بغيرهاء، كما قال عنترة:

стр. 852

كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم - وقول عائشة: "فصاعداً" هو منصوب عند النحويين على الحال، والعامل فيه مضمر، كأنها قالت: فما زاد صاعداً. - وقول مالك: "وهذا أحب ما سمعت إلي في ذلك" فيه تقديم وتأخير، وتقديره: وهذا أحب ما سمعت في ذلك إلي. (جامع القطع) - قوله: "ثم [يستعدى] عليه" [٣٠] أي: يطلب الإنصاف منه، وأخذ الحق. يقال: استعديت السلطان على فلان، واستأديته، ويقال: أعدني عليه، وآذني، أي: قوني وأعني. - وقوله: "أخذ [ناساً] في حرابة" [٣١]. وقع في بعض النسخ- بالخاء المعجمة-، والخرابة: سرقة الإبل خاصة. يقال: رجل خارب، وقوم خراب، قال الراجز:

стр. 853

والخارب اللص يحب الخاربا والأول هو الوجه. - و"الصندوق": التابوت. - و"المكتل"- بكسر الميم-: شبه القفة. - و"الغلق": ما يغلق به الباب، ويسمى الباب أيضاً غلقاً، قال الشاعر: ثم التفت إليها وهي حانية ... مثل الرتاج إذا ما لزه الغلق - وأما "حريسة الجبل" فقال أبو عبيد: بعضهم يجعلها السرقة نفسها. يقال: حرس يحرس حرساً: إذا سرق، ويكون المعنى: أنه ليس فميا يسرق من الماشية [بالجبل] قطع حتى يؤويها المراح، قال أبو عبيد: وفيها تفسير

стр. 854

آخر: وهو أن تكون الحريسة هي المحروسة،/ ٩٨/أفيقال: ليس فيما يحرس في الجبل قطع؛ لأنه ليس بموضع حرز وإن حرس. (ما لا قطع فيه) - "الودي" [٣٢]: فسيل النخل، واحدته: ودية؛ وهي النخلة الصغيرة ويجمع وداياً. - و"الكثر" هو جمار النخل، كما ذكر مالك، وهو كلام الانصار، وهو يؤكل عندهم، كما تؤكل الثمار. "المعلق": ما كان من الثمار في رؤوس الأشجار لم يجده ربه، ولم يؤو إلى جرين، ولا يبدر ولا أندر، ولا مربد، وإنما هو قائم متعلق بين الأشجار. - و"الاختلاس": هو أخذ الشيء بسرعة واختطاف على سبيل المخاتلة.

стр. 855

[كتاب] الجامع (الدعاء للمدينة وأهلها) مرجع دعائه ﷺ ومحصوله: أن يبارك لهم فيما يكيلونه، لا في الكيل وحده، وإن كان يحتمل على ظاهر العموم أن يكون في الطعام والظروف، لكنه ﷺ لما أوتي جوامع الكلم صار يستعمل الألفاظ على أحسن مجاريها، وأبلغ أماليها عند العرب ومعانيها، ومن شأن العرب أن تعدل [عن] التصريح بذكر الشيء إلى ما يشير إليه، ويدل عليه، ويرون ذلك أبلغ في المعنى، وأسوغ في الفحوى، ويعتقدون أنه من محاسن كلامهم في نثرهم ونظمهم، فيقول أحدهم لصاحبه: فدى لك ثوبي، وفدى لك ردائي، وليس الغرض تفديته بالثوب والرداء، وإنما الغرض تفديته بما يشتمل عليه الثوب، والرداء من النفس والذات. ويقولون: فلان عفيف الإزار، ونقي الثوب،

стр. 856

وطاهر الجيب، قال رؤبة: وقد أرى واسع جيب الكم أي: واسع الصدر، رضي البال، ونحوه قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾، وإنما الكاذب والخاطئ صاحب الناصية، فهذا وجه من التأويل. وفيه وجه آخر: وهو أن الأشياء التي تكال إذا بورك فيها رخصت أسعارها، فابتاع المشتري بدرهمه كيلين وثلاثة، مكان الكيل الواحد الذي كان يأخذه به، فتضاعف الأكيال تضاعف الأشياء المكيلة، فلما كانت الأكيال متعلقة بالمكيل صار الدعاء للأكيال دعاء للمكيل. وقد توهم قوم من ظاهر دعائه ﷺ أنه دعاء بالبركة في المكيال، ولم يدع بالبركة في الميزان، وكأنه تعلق بقوله المكيال يخص مكيال المدينة، والوزن وزن أهل مكة، وهو جهل

стр. 857

بالحديث وباللغة. أما الجهل بالحديث فإنه قال: "اللهم بارك لنا في مدينتنا" ولم يخص شيئاً مما في المدينة دون شيء. وقد روى بعضهم: الميزان ميزان المدينة، والمكيال مكيال مكة، ذكره أبو عبيد. وأما الجهل باللغة فإن العرب تقول: كلت الطعام، فيستعملون هذه اللفظة في الموزون، كما يستعملونها في المكيل، ولهذا سميت دراهم المدينة الكيل، فقيل: بعت الثوب بعشرة دراهم كيلاً، وبعشرين درهماً كيلاً، والعشرة الدراهم الكيل هي أحد عشر درهماً من الدراهم الوازنة، وأربعة عشرة درهماً من الدراهم الدخل، والعشرون درهماً من الدراهم الوازنة، وأربعة عشر درهماً من الدراهم الدخل، والعشرون درهماً كيلاً هي اثنان وعشرون درهماً وازنة وثمانية وعشرون درهماً دخلاً، والمكيال يكون المقدار الذي يكال به، وليس في قوله ﷺ : الوزن وزن أهل مكة، ما ينفي الوزن عن أهل المدينة، كما أن نسبة المكيال إلى أهل المدينة لا نفي فيه، وان أهل مكة لا مكيال لهم، ولكنه نسب كل بلد منها إلى ما هو الأغلب عليه، وكان الأغلب على [أهل] مكة التجارة، ولم تكن بلد زرع وثمار كما كانت المدينة، فكان الوزن أخص بهم، والكيل أخص بالمدينة. قال أبو عبيد: هذا الحديث أصل لكل شيء من الكيل والوزن إنما يأتم الناس فيهما بأهل مكة وأهل المدينة، وإن/ ٩٨/ب تغير في ذلك في سائر الأمصار، فلو أسلم رجل تمراً في حنطة لم يصح؛ لأنه كيل في كيل، وكذلك

стр. 858

السمن إذا أسلمه فيما يوزن لم يصح؛ لأنه وزن في وزن. قال: والذي يعرف به أصل الكيل والوزن أن كل ما لزمه اسم المكوك والقفيز والصاع فهو كيل، وكل ما لزمه الأرطال والأواقي فهو وزن. ألا تسمع إلى حديث عمر حين قال في [عام] الرمادة، وكان يأكل الخبز بالزيت فقرقر بطنه، فقال: "قرقر ما شئت ولا يزال هذا دأبك ما دام السمن يباع بالأواقي". قال: فهذا يبين أن السمن في الأصل وزن إلا أن يريد بالأرطال المكاييل، فإن المكيال قد يسمى رطلاً. ودعاء إبراهيم الخليل ﵊ ما حكاه الله تعالى عنه في سورة "البقرة" وسورة "إبراهيم": ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً [وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ]﴾، ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ...﴾ الآية. وأما الفائدة في ذكر الصاع والمد، وهما داخلان في المكيال، فإن العرب إذا أرادت المبالغة في العناية بالشيء جعلت له لفظاً يختص به، فيكون ذلك أبلغ في المعنى، فيقول القائل: أبلغ إخواني عني السلام وفلاناً وفلاناً، وتقدم نحو هذا، والاستشهاد عليه من قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾، وقوله [تعالى]: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾

стр. 859

وغير ذلك، وتقدم أيضاً فرق ما بين التمر والثمر، والرواية هنا التمر، وكذا قيدته، والصواب الثمر. (ماجاء في سكنى المدينة والخروج منها) - قوله: "اقعدي لكع" [٣]. غلط من الراوي؛ لأن "لكعاً" إنما يقال للرجل، كما قال ﷺ : "يأتي على الناس زمان يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع". وأما المرأة فإنما يقال لها: "لكاع"، فالصواب: "اقعدي لكاع" وهو مبني على الكسر مثل: حذام وقطام. واللكع: الخسيس من الرجال، والغالب على هاتين اللفظتين ألا يستعملا إلا في النداء إلا أن يضطر شاعر إلى ذلك، كما قال الحطيئة: أطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع وقد جاء في غير النداء، كما قال ﷺ فيما تقدم أيضاً.

стр. 860

- و"اللأواء": الشدة، وأصلها الهمز، ثم تخفف، ويقال لها أيضاً: لولاء- باللام- والأول أشهر. و"الجهد"- بفتح الجيم-: النصب والمشقة، والجهد- بضم الجيم-: الطاقة، ومنهم من يجعلهما بمعنى واحد، ويحتج بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ قرئ بالفتح والضم. - وقوله ﷺ : "إلا كنت له شهيداً": أي: شاهداً لما يصبر عليه من ضيق المدينة ووبائها وشظف عيشها. - وقوله: "أو شفيعاً" الأشبه بـ "أو" في هذا الحديث أن يكون بمعنى الواو، قال الشاعر: نال الخلافة أو كانت على قدر ... كما أتى ربه موسى على قدر

стр. 861

- ووقع في بعض الروايات: "ينصع طيبها" [٤] بالتشديد، وفي بعضها: "طيبها"- بكسر الطاء- ومعنى ينصع: يخلص، وكل شيء من الألوان يخلص من أن يشوبه لون آخر فهو ناصع، فلذلك يقال: أبيض ناصع، وأسود ناصع. وفي كتاب الجوهري: ينصع: أي ينقى ويطهر. - و"الكير": زق الحداد الذي ينفخ به، والكور- بالضم-: الفرق المبني من الطين الذي ينفخ فيه بالكير. - وخبث الفضة والذهب ونحوهما: ما يخرج منها عند التخلص من الرديء الذي لا خير فيه، وفيه لغتان: "خبث"- بضم الخاء وتسكين الباء-، و"خبث" بفتحهما، وروايتنا بالفتح. - "تأكل القرى" [٥] وصفها بذلك؛ لأن الله تعالى فتح عليه وعلى أصحابه منها البلاد. والعرب تستعمل الأكل مجازاً على ثلاثة معان: أحدها: الهلاك والتلف، كنحو ما ورد في هذا الحديث، ومنه قول الممزق العبدي لعمرو بن هند:

стр. 862

فإن كنت مأكولاً فكن أنت آكلي ... وإلا فأدركني ولما أمزق / ٩٩/أ والمعنى الثاني: السلب، كما يقال: أكلت القافلة. والمعنى الثالث: الغيبة والوقوع في الأعراض، قال تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾. وكانت المدينة تسمى في القديم "يثرب" و"إثرب" و"طيبة" و [طابة]. وأما المدينة فاسم إسلامي سماها به رسول الله ﷺ ، فصار علماً لها، ومنزلته من الأسماء الأعلام منزلة السماك والدبران، والعباس والحارث مما جعل علماً وفيه الألف واللام، ولا يقال المدينة على الإطلاق لغيرها، إنما يقال مدينة كذا. - وقوله ﵇: "تنفي الناس" كلام خرج مخرج العموم، وهو مخصوص فيمن خرج منها في عهده وحياته من المنافقين الذين لم يصبروا على لأوائها وجهدها معه ﷺ . وكذلك قوله: "لا يخرج أحد منها رغبة عنها" [٦]؛ لأنه قد خرج منها

стр. 863

جماعة من الصحابة، ولم يبدلها الله خيراً منهم. - وقوله: "يبسون" [٧]. رواه يحيى وابن بكير وابن القاسم: "يبسون" بفتح الياء وكسر الباء وضمها، وفسره ابن بكير فقال [معناه]: يسيرون، من قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسّاً (٥)﴾. وقال ابن القاسم، ورواه عن مالك: معناه يدعون. ورواه قوم: "يبسون"- بضم الياء- ويجعلون من قولهم: أبسست بالناقة؛ إذا دعوتها لتحلب، وكذلك رواية ابن وهب ومطرف. والعرب تقول: "لا أفعل ذلك ما أبس عبد بناقة"، ويقال: بسست الناقة بساً، وأبسستها: إذا زجرتها لتسوقها، وقال الخليل: بس: زجر للبغل والحمار، يقال: بس بس. يقال منه: بسست وأبسست، فيجوز ان يكون معنى فيبسون: يزجرون دوابهم ويسوقونها، وهو من بعض أعلام نبوته ﵇. - ومعنى "يغذي" [٨]: يبول دفعة [بعد دفعة]. قال أبو عبيد: ومنه البعير يغذي، ومنه غذى العرق والزق، قال الشاعر:

стр. 864

وطعن كفم الزق ... غذى والزق ملأن يروى بالذال معجمة. وسميت الطير والسباع "عوافي"؛ لأنها تعفو الشيء، أي: تقصده وتأتيه، يقال: عفاه يعفوه عفواً فهو عاف، واعتفاه يعتفيه اعتفاءً فهو معتف. ومنه قيل للسائل الطالب: عاف، ومنه قول امرئ القيس: عليه عواف من نسور وعقبان وقول الأعشى: يطيف العفاة بأبوابه ... كطوف النصارى ببيت الوثن وكلام عمر بن عبد العزيز خرج مخرج المشفق، وإن كان يعلم عند الرجوع إلى اليقين أنه ليس منهم. (ما جاء في تحريم المدينة) - قوله: "طلع له أحد" [١٠] معناه: بدا له.

стр. 865

- وقوله ﷺ : "هذا جبل يحبنا ونحبه" تقدمت إشارة إلى معناه أول الكتاب. قال الشيخ- وفقه الله تعالى-: وها نحن نلقي إليك ألقية حسنة في هذا الباب فنقول: للعلماء فيه ثلاثة أقوال، أما المنكرون للمجاز فجعلوا المحبة التي نسبها إلى الجبل حقيقة، وقالوا: ليس ينكر في قدرة الله تعالى أن يخلق في الجبل محبة، كما خلق في الجذع حنيناً إلى النبي ﵇. وأما القائلون بالمجاز، وهم الجمهور من أهل اللغة والتفسير فقالوا فيه قولين: أحدهما: أنه نسب المحبة إلى أحد، وهو يريد الأنصار، كما تقول العرب: فداك ثوبي، وإنما يريدون ما يشتمل عليه الثوب من الذات، وحكي عن سيبويه أن العرب تقول: جاءت اليمامة، واليمامة لا تجيء، وإنما يجيء أهلها. والقول الآخر: أن يكون المعنى: أن الجبال لو كانت ممن تحب لأحبنا هذا الجبل، كما تقول العرب دورنا تتناظر، أي: لو كان لها أعين لنظر بعضها إلى بعضن ومخرج هذا مخرج الاعتبار، كما قال: هلا وقفت على الجنان، فقلت: من شق أنهارك وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حواراً/ ٩٩/ب أجابتك اعتباراً، وهذا هو لسان الحال كما تقدم لنا، وتمامه في "الكبير".

стр. 866

- وقوله ﵇: "ما بين لابتيها" فاللابة: الحرة، وفيها لغتان: لابة ولوبة، وجمعها: لاب ولوب، وهي أرض سوداء الحجارة الجرد، وقال ابن نافع: اللابتان: إحداهما: التي ينزل بها الحاج إذا رجعوا من مكة، وهي بطريق المدينة. والأخرى: مما يليها من شرقي المدينة، هي أيضاً في أقصى العمران، وفي قبلي المدينة حرةث الثة، وفي جوفها حرة رابعة. فقوله ﵇: "ما بين لابتي المدينة" يدخل فيها ما بين الحرة الشرقية والغربية، وما بين الحرة القبلية والجوفية. - و"الأسواف" [١٣] على وزن أفعال: موضع بناحية البقيع من المدينة، وهو من حرمها، وهو موضع صدقة زيد بن ثابت وماله. - و"النهس": يقال: إنه اليمامة، ويقال: إنه الصرد، وقيل: إنه يشبه الصرد، وهو أصغر منه مثل القطامي، والباشق. (ما جاء في وباء المدينة) - "الوعك" [١٤]: إزعاج الحمى المريض، وتحريكها إياه. يقال:

стр. 867

وعكته الحمى وعكاً. و"العقيرة": الصوت. و"الإذخر": مكانه ومنبته بمكة. وأما "الجليل" فنبت لا يختص بمكة دون غيرها. (ع): همانبتان من الكلأ يكونان بمكة وأوديتها لا يوجدان بغيرها، والجليل هو الثمام بعينه، يسميه أهل الحجاز الجليل، وغيرهم يسميه الثمام كذا قال أبو نصر: ولاي كاد يوجد من الإذخر واحدة على حدة، وإنما تراها مع إذخرة أخرى، ولذلك قال الهذلي: وأخو الأباة إذا رأى خلانه ... صرعى شفاعاً حوله كالإذخر أراد أن كل صريع من القتلى معه صريع آخر كالإذخر الذي لا تنبت منه واحدة إلا ومعها أخرى. ويروى: بفخ وحولي إذخر وجليل

стр. 868

- و"فخ" بخاء معجمة: واد بمكة، وهو الذي ذكره النميري في قوله: مررن بفخ ثم رحن عشية ... يلبين للرحمن معتجرات وقال آخر: ماذا بفخ من الإشراق والطيب ... ومن جوار نقيات رعابيب وقال الفاكهي- في "أخبار مكة"-: فخ الوادي: الذي في أصل الثنية البيضاء إلى بلدح. أبو عمر: هو قرب ذي طوى، وقيل: إنه وادي عرفات، والأول أكثر. - و"شامة وطفيل": جبلان بمكة بينهما وبين مكة نحو من ثلاثين ميلاً فيما ذكر الفاكهي، وهو غير مصروف للتأنيث والتعريف، ولكن الشاعر صرفه ضرورة، ويقال: شابة- بالباء- وشامة- بالميم-، وهو الذي ذكره أبو ذؤيب

стр. 869

الهذلي في شعره. و"مجنة"- بالجيم-: موضع بمكة غير مصروف صرفه الشاعر أيضاً ضرورة. - وأما قوله- أعني-: "عامر بن فهيرة" في رواية أخرى: قد رأيت الموت قبل ذوقه فالوجه فيه: "لقد رأيت" باللام، ولكن الرواية هكذا وردت بحذف جزء من أول البيت لا يتم الوزن إلا به، كقول امرئ القيس: دع عنك نهباً صيح في حجراته وهذا الرجز ليس لعامر بن فهيرة، وإنما تمثل به، والرجز لعمرو بن

стр. 870

أمامة أخي عمرو بن هند، وكان نزل بواد، فطوقوه بالليل فقتلوه، فقال- وهو يقاتلهم-: لقد وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه كل امرئ مقاتل عن طوقه كالثور يحمي جلده بروقه والموت أدنى من بنات طوقه ويروى: "لقد حسوت الموت" في هذه القصة. قال طرفة لعمرو بن هند شعره، يحضه على عزو مراد والإيقاع بهم. ومعنى: إن الجبان حتفه من فوقه أي: موته بقدر من الله وقضاء، فحذره لا ينجيه. وتقدم لنا وجه آخر في معناه، وهو أن معنى "من فوقه": أنه الغالب على ما تقتضيه حالة الجبان. ومعنى: كل امرئ مقاتل عن طوقه أي: كل إنسان يدافع عن نفسه بقدر طاقته. و"الطوق": لغة في الطاقة.

стр. 871

وأما قوله: والموت أدنى من بنات طوقه فالطوق هنا: طوق الثوب المعروف، وبنات الطوق: هي الأوداج. والعرب/ ١٠٠/أتقول: "هو أقرب إليه من بنات طوقه"، و"هو أقرب إليه من حبل وريده"، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾. - وأما قوله: "وانقل حماها إلى لاجحفة" فاختلف في روايته فقيل أيضاً: "إلى مهيعة" "إلى خم" ومعيهة: هي الجحفة بعينها. وخم: موضع قريب من الجحفة، وفيه غدير يقال له: خم، وفيه قال رسول الله ﷺ لعلي قوله المشهور، وتقدم، ومن دعوته ﷺ صارت الجحفة وبيئة، قل مني شرب من خم إلا خم. وكانت هذه المواضع من بلاد المشركين، فلذلك دعا بنقل الحمى إليها. - وقول: "على أنقاب المدينة ملائكة" [١٦]. والأنقاب: الطرق في الجبال، واحدها نقب، والأشهر في جمعه نقاب؛ لأن فعلاً لا يجمع على

стр. 872

أفعال إلا نادراً. قال ابن الأيهم التغلبي: وتراهن شزباً كالسعالي ... يتطلعن من ثغور النقاب وقال ابن نافع والأعمش: هي الفجاج التي حولها خارجاً منها. (ما جاء في اليهود) - "جزيرة العرب": اختلف في تحديدها، فذكر أحمد بن المعذل، حدثني يعقوب بن محمد الزهري، قال: قال المغيرة بن عبد الرحمن: جزيرة العرب: مكة والمدينة واليمن مدنها وقرياهتا. وقال الأصمعي: هي من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، قال: فأما العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطوال الشام، أي: نواحيها. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: جزيرة العرب: ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول،

стр. 873

قال: وأما العرض في بين رمل [يبرين] إلى منقطع السماوة. والحفر- بفتح الفاء-: الشيء المحفور، وإذا أردت المصدر سكنت الفاء. وكان مالك يجعل جزيرة العرب: المدينة ومكة واليمامة واليمن وروي عنه أيضاً أنه قال: جزيرة العرب: منبت العرب. وكان الشافعي يخرج اليمن من جزيرة العرب، وهذا خطأ، ولا أعلم لم فعله، وهو مخالف لما عليه الفقهاء وأهل اللغة، والذي قاله اللغويون والمؤرخون في تحديد جزيرة العرب أصح مما قاله الفقهاء؛ لأنهم لم يحدوها بحد يستوفي جميعها، وقد روي عن مالك ما تقدم عنه من قوله الأول، وزادوا: كل بلد لم تملكه فارس والروم ولم تغلب عليه فهو جزيرة العرب: [لإحاطة] البحر والأنهار بها، وهذا أحسن قول قاله الفقهاء فيها. - وأما قوله ﷺ : "قاتل الله اليهود والنصارى" ففيه تأويلان لأهل اللغة: أحدهما: أن معناه قتلهم الله وأهلكهم، وليس فيه على التأويل أكثر من استعمال "فاعل" للواحد، كقولهم: طارقت النعل، وعافاك الله، والأكثر في "فاعل" أن يستعمل للاثنين فصاعداً. والتأويل الثاني: أن معناه: لعن الله اليهود، ففيه على هذا أمران: أحدهما: استعمال "فاعل" للواحد. والثاني: إخراج المقاتلة عن بابها إلى باب آخر مما يتعلق بها؛ لأن أصل المقاتلة إنما هي المحاربة والمنافرة، ثم

стр. 874

استعملت بمعنى اللعن؛ لأن اللعن معناه: الإبعاد، والمقاتلة لا تكون إلا عن مباعدة ومنافرة فبعضها عائد إلى بعض في المعنى. - وقوله: "ففحص عن ذلك" معناه: كشف وبحث، ومنه سمي الفحص من الأرض فحصاً لانكشافه. - و"الثلج"- بفتح اللام- مصدر، ثلجت نفسي: إذا سكنت إلى الشيء، ووثقت به. ويقال أيضاً: ثلجت نفسي بالشيء، إذا سرت به؛ وإنما سمي السرور بالشيء والسكون إليه ثلجاً؛ لأن المهتم بالشيء المكترث له تعتريه حدة في مزاجه [...] وحرقة في نفسه، فإذا وصل إلى ما يريد ذهبت تلك الحرقة، فزالت تلك اللوعة، [ولأجله قيل] /١٠٠/ب: التاعت نفسي من كذا: احترقت. وقالوا في ضد ذلك: يا بردها على الفؤاد، ووجد فلان برد اليقين. - و"الورق" [١٩]- بكسر الراء-: المال من الدراهم، فإن كان من حيوان كالإبل والغنم والبقر فهو بفتح الراء، وتقدم. و"أقتاب" جمع قتب،- وهو نحو البرذعة- للبعير. ويقال: جلوت القوم عن القوم، وأجليتهم: إذا طردتهم.

стр. 875

(جامع ما جاء في أمر المدينة) - تقدم من الكلام على قوله: "هذا جبل يحبنا ونحبه" [٢٠] ما فيه كفاية. قال الشيخ- وفقه الله-: وثبت في كتابي: "أنت القائل لمكة خير من المدينة؟ " [٢١]. وكثيراً ما يحذفون همزة الاستفهام، وهي ههنا بمعنى التوبيخ، وإن كان الأولى إثباتها، وسئل مالك عن مكة وبكة، فقال: بكة: موضع البيت، ومكة غير ذلك، يريد القرية. (ما جاء في الطاعون) - قوله: "حتى إذا كان بسرغ" [٢٢]. هو موضع بينه وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة، فيما ذكر ابن وضاح وغيره. وذكر البكري: أنها مدينة بالشام افتتحها أبو عبيدة بن الجراح هي، واليرموك، والجابية، والرمادة متصلة. ويروى بالعين والغين، وفتح الراء وتسكينها. وقال ابن حبيب: قال مالك: "هي قرية" بوادي تبوك في طريق الشام. وقيل: هي من أدنى الشام إلى الحجاز. - وتقدم أن "الوباء" هو الطاعون؛ وهو مرض يعم الكثير من الناس في جهة، دون غيرها يخالف المعتاد من أحوال الناس وأمراضهم، ويكون مرضهم

стр. 876

غالباً مرضاً واحداً، بخلاف سائر الأوقات، فإن أمراض الناس مختلفة. - و"المهاجرون الأولون" كل من هاجر قبل الفتح وصلى إلى القبلتين. والرواية: "ادع" بإسقاط الواو في الأول، ووقع في الموضعين الأخيرين: "ادعوا" قالوا: وهذا ما ذكر ابن السيد. قال الشيخ- وفقه الله-: والذي وقع في كتابي هذا "ادع" بإسقاط الواو في الكل، قال: فيذهب كثير من الناس إلى أن الصواب إسقاط الواو من المواضع الثلاثة؛ لأن المأمور بالدعاء إنما كان عبد الله بن عباس. وقوله بإثر ذلك: "فدعوهم" يدل على أن الأمر بالدعاء إنما كان لجماعة، ولو كان لواحد لقال: فدعاهم، أو قال: فدعوتهم، وممكن أن يكون عمر أمر من كان بحضرته بالدعاء، فتسرع ابن عباس إلى الدعاء، كما يقول الملك: افعلوا كذا، فربما بادر إليه واحد، وربما بادر إليه جماعة. - وقول: "مشيخة من قريش" في هذه اللفظة لغتان: "مشيخة"- بتسكين الشين وفتح الياء-، و"مشيخة"- بكسر الشين وتسكين الياء-. وكان ابن دريد يستضعف مشيخة المفتوحة الياء؛ لأنها جاءت على غير القياس المطرد

стр. 877

في نظامها، والقياس مشاخة، كما قالوا: مثابة ومنارة، ونظيرها في الشذوذ قراءة من قرأ [قوله تعالى]: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾، وقولهم في اسم الرجل: مكوزة. - وقول أبي عبيدة: "أفراراً من قدر الله؟ " معناه: أنفر فراراً، وهذه الألف تسمى ألف الإنكار، وألف التوبيخ، كما يقال للرجل القائم: أقياماً والناس قعود؟. - وقول عمر: "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة". جواب "لو" محذوف، ويحتمل وجهين: - أحدهما: أن يكون التقدير: لو غيرك قالها لأدبته. والثاني: أن يريد لو غيرك قالها لعذرته على جهله، وأما أنت فغير معذور في أن تجهل أن الصواب الرجوع. - وقوله: "الطاعون رجز" [٢٣]. الرجز هنا: العذاب، ويستعمل أيضاً لمعان أخر لا تليق بهذا الموضع. - وقوله: "فلا تخرجوا فراراً منه" [١٢]. "فراراً" ينتصب على وجهين: أحدهما: أن تكون مفعولاً من أجله، كأنه قال: لا تخرجوا للفرار، ومن أجل الفرار. والثاني:/ ١٠١/أأن يكون مصدراً وقع موقع الحال، كقولهم: جئته ركضاً،

стр. 878

أي: راكضاً، وأخذت العلم عنه سمعاً وسماعاً، أي: سامعاً، وكأنه قال: لا تخرجوا فارين، فالنهي إذاً إنما وقع عن الخروج على جهة الفرار، فإنه كان خروجاً على غير جهة الفرار لم يكن فيه حرج على الخارج. وهذه الرواية أصح رواية وردت في هذا الحديث، وقد اضطربت الروايات فيه، فذكر مالك أن أبا النضر كان يروي: "لا يخرجكم إلا فرار منه" بزيادة "إلا" ورفع الفرار أيضاً. وروى بعضهم: "لا يحرجكم الإفرار منه" فأدخل لام التعريف على فرار ورفعه. فأما رواية أبي النضر فلا تصح على ظاهرها؛ لأنك إن جعلته كلاماً منقطعاً من الحديث لم يصح له معنى ولا إعراب، وإن وصلته بالحديث صار التقدير: وغذا وقع وأنتم بها فلا يخرجكم إلا فرار منه. وهذا لا يصح له معنى ولا إعراب، سواء رفعت الفرار أو نصبته، ولا تصح هذه الرواية إلا على أن يكون سقط من الحديث شيء أفسد سقوطه المعنى والإعراب، فكأن الحديث- والله أعلم- إنما كان وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا إلا إذا كان لا يخرجكم إلا فراراً منه؛ فإذا زيدت في الحديث هذه [الزيادة] صح معنى

стр. 879

الحديث، وجاز حينئذ رفع الفرار ونصبه. أما رفعه فعلى أنه فاعل لـ "يخرجكم"، وأما نصبه فعلى أن يضمر في "يخرجكم" ضمير فاعل يرجع إلى الطاعون، كأنه قال: إذا كان لا يخرجكم الطاعون إلا فراراً منه، فتنصب "فراراً" على أنه مفعول من أجله، أو على أنه مصدر في موضع الحال، كما تقدم. وذكر أبو عمر: أن جماعة من أهل العلم تجعل رواية أبي النضر "إلا فراراً منه" غلطاً، كما تقدم. وقال لي جماعة من أهل العلم بالنحو [وتصاريفه]: أن دخول "إلا" في هذا الموضع لإيجاب بعض ما نفي من الجملة، وساق التأويل المتقدم آنفاً. أي: إذا كان خروجكم فراراً من الطاعون فلا تخرجوا منها، وفي ذلك إباحة الخروج من موضعه؛ إذا لم يكن قصداً إلى الفرار منه. وقد ذكرنا مراراً: أن الرواة ربما أسقطوا ألفاظاً من الأحاديث فأفسدوها، كنحو الحديث الذي يرويه جماعة: أن النبي ﷺ قال- وذكر سنة مائة-: "لا يبقى على ظهرها يومئذ نفس منفوسة منكم" فأسقط الراوي "منكم" فأفسد الحديث، حتى طعن فيه الملحدون على الإسلام، وقالوا: هذا كذب، ومثله الحديث المتقدم: "إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً" أسقط بعض الرواة "له" فأخل الحديث. وأما رواية من روى: "إلا فرار منه" فالوجه فيه: أن يقال: فر الرجل من الأمير يفر فراراً، وأفررته أنا: أي جعلته أن يفر، كما يقال: خرج وأخرجته، ودخل وأدخلته، فمن رواه

стр. 880

هكذا احتمل أمرين: أحدهما: أن يكون التقدير: أي لا يخرجنكم إفرار الطاعون إياكم، أي: لا يحملنكم الطاعون على الفرار منه، كما تقول: لا يحملنك إفرار الناس إياك على الفرار، و"لا" في ههذ الرواية نهي ولا نفي. - وأما "ركبة" [٢٦] علىل فظ ركبة الساق، فإنه موضع بين مكة والطائف، وقيل: موضع بشق اليمن، وقال أبو داود في كتاب "الشهادات": موضع بالطائف، وقال غيره: "ركبة": واد من أودية الطائف، وقال محمد بن عيسى: هي أرض صحراء، وبه من أرض بني عامر، وقال الزبير: "ركبة" لبني ضمرة كانوا يتحلسون إليها في الصيف، ويعودون إلى تهامة في الشتاء بذات كنيف؟!
следующие страницы →