Полный текст (994 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
غالباً مرضاً واحداً، بخلاف سائر الأوقات، فإن أمراض الناس مختلفة.
- و"المهاجرون الأولون" كل من هاجر قبل الفتح وصلى إلى القبلتين. والرواية: "ادع" بإسقاط الواو في الأول، ووقع في الموضعين الأخيرين: "ادعوا" قالوا: وهذا ما ذكر ابن السيد.
قال الشيخ- وفقه الله-: والذي وقع في كتابي هذا "ادع" بإسقاط الواو في الكل، قال: فيذهب كثير من الناس إلى أن الصواب إسقاط الواو من المواضع الثلاثة؛ لأن المأمور بالدعاء إنما كان عبد الله بن عباس. وقوله بإثر ذلك: "فدعوهم" يدل على أن الأمر بالدعاء إنما كان لجماعة، ولو كان لواحد لقال: فدعاهم، أو قال: فدعوتهم، وممكن أن يكون عمر أمر من كان بحضرته بالدعاء، فتسرع ابن عباس إلى الدعاء، كما يقول الملك: افعلوا كذا، فربما بادر إليه واحد، وربما بادر إليه جماعة.
- وقول: "مشيخة من قريش" في هذه اللفظة لغتان: "مشيخة"- بتسكين الشين وفتح الياء-، و"مشيخة"- بكسر الشين وتسكين الياء-. وكان ابن دريد يستضعف مشيخة المفتوحة الياء؛ لأنها جاءت على غير القياس المطرد
стр. 877
في نظامها، والقياس مشاخة، كما قالوا: مثابة ومنارة، ونظيرها في الشذوذ قراءة من قرأ [قوله تعالى]: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾، وقولهم في اسم الرجل: مكوزة.
- وقول أبي عبيدة: "أفراراً من قدر الله؟ " معناه: أنفر فراراً، وهذه الألف تسمى ألف الإنكار، وألف التوبيخ، كما يقال للرجل القائم: أقياماً والناس قعود؟.
- وقول عمر: "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة". جواب "لو" محذوف، ويحتمل وجهين:
- أحدهما: أن يكون التقدير: لو غيرك قالها لأدبته.
والثاني: أن يريد لو غيرك قالها لعذرته على جهله، وأما أنت فغير معذور في أن تجهل أن الصواب الرجوع.
- وقوله: "الطاعون رجز" [٢٣]. الرجز هنا: العذاب، ويستعمل أيضاً لمعان أخر لا تليق بهذا الموضع.
- وقوله: "فلا تخرجوا فراراً منه" [١٢]. "فراراً" ينتصب على وجهين:
أحدهما: أن تكون مفعولاً من أجله، كأنه قال: لا تخرجوا للفرار، ومن أجل الفرار.
والثاني:/ ١٠١/أأن يكون مصدراً وقع موقع الحال، كقولهم: جئته ركضاً،
стр. 878
أي: راكضاً، وأخذت العلم عنه سمعاً وسماعاً، أي: سامعاً، وكأنه قال: لا تخرجوا فارين، فالنهي إذاً إنما وقع عن الخروج على جهة الفرار، فإنه كان خروجاً على غير جهة الفرار لم يكن فيه حرج على الخارج. وهذه الرواية أصح رواية وردت في هذا الحديث، وقد اضطربت الروايات فيه، فذكر مالك أن أبا النضر كان يروي: "لا يخرجكم إلا فرار منه" بزيادة "إلا" ورفع الفرار أيضاً. وروى بعضهم: "لا يحرجكم الإفرار منه" فأدخل لام التعريف على فرار ورفعه. فأما رواية أبي النضر فلا تصح على ظاهرها؛ لأنك إن جعلته كلاماً منقطعاً من الحديث لم يصح له معنى ولا إعراب، وإن وصلته بالحديث صار التقدير: وغذا وقع وأنتم بها فلا يخرجكم إلا فرار منه. وهذا لا يصح له معنى ولا إعراب، سواء رفعت الفرار أو نصبته، ولا تصح هذه الرواية إلا على أن يكون سقط من الحديث شيء أفسد سقوطه المعنى والإعراب، فكأن الحديث- والله أعلم- إنما كان وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا إلا إذا كان لا يخرجكم إلا فراراً منه؛ فإذا زيدت في الحديث هذه [الزيادة] صح معنى
стр. 879
الحديث، وجاز حينئذ رفع الفرار ونصبه. أما رفعه فعلى أنه فاعل لـ "يخرجكم"، وأما نصبه فعلى أن يضمر في "يخرجكم" ضمير فاعل يرجع إلى الطاعون، كأنه قال: إذا كان لا يخرجكم الطاعون إلا فراراً منه، فتنصب "فراراً" على أنه مفعول من أجله، أو على أنه مصدر في موضع الحال، كما تقدم. وذكر أبو عمر: أن جماعة من أهل العلم تجعل رواية أبي النضر "إلا فراراً منه" غلطاً، كما تقدم. وقال لي جماعة من أهل العلم بالنحو [وتصاريفه]: أن دخول "إلا" في هذا الموضع لإيجاب بعض ما نفي من الجملة، وساق التأويل المتقدم آنفاً. أي: إذا كان خروجكم فراراً من الطاعون فلا تخرجوا منها، وفي ذلك إباحة الخروج من موضعه؛ إذا لم يكن قصداً إلى الفرار منه. وقد ذكرنا مراراً: أن الرواة ربما أسقطوا ألفاظاً من الأحاديث فأفسدوها، كنحو الحديث الذي يرويه جماعة: أن النبي ﷺ قال- وذكر سنة مائة-: "لا يبقى على ظهرها يومئذ نفس منفوسة منكم" فأسقط الراوي "منكم" فأفسد الحديث، حتى طعن فيه الملحدون على الإسلام، وقالوا: هذا كذب، ومثله الحديث المتقدم: "إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً" أسقط بعض الرواة "له" فأخل الحديث. وأما رواية من روى: "إلا فرار منه" فالوجه فيه: أن يقال: فر الرجل من الأمير يفر فراراً، وأفررته أنا: أي جعلته أن يفر، كما يقال: خرج وأخرجته، ودخل وأدخلته، فمن رواه
стр. 880
هكذا احتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون التقدير: أي لا يخرجنكم إفرار الطاعون إياكم، أي: لا يحملنكم الطاعون على الفرار منه، كما تقول: لا يحملنك إفرار الناس إياك على الفرار، و"لا" في ههذ الرواية نهي ولا نفي.
- وأما "ركبة" [٢٦] علىل فظ ركبة الساق، فإنه موضع بين مكة والطائف، وقيل: موضع بشق اليمن، وقال أبو داود في كتاب "الشهادات": موضع بالطائف، وقال غيره: "ركبة": واد من أودية الطائف، وقال محمد بن عيسى: هي أرض صحراء، وبه من أرض بني عامر، وقال الزبير: "ركبة" لبني ضمرة كانوا يتحلسون إليها في الصيف، ويعودون إلى تهامة في الشتاء بذات كنيف؟!
стр. 881
[كتاب القدر]
(النهي عن القول بالقدر)
- قوله: "حتى العجز والكيس" [٤]. يجوز فيهما الخفض على الغاية، والرفع بالعطف على "كل".
(جامع ما جاء في أهل القدر)
- روى غير مالك: "لتكتفئ ما في صحفتها" [٧]. ومعناه كمعنى: "تستفرغ"؛ لأنه يقال: كفأت الإناء، وأكفأته واكتفأته؛ إذا قلبته. وهذا كلام خرج مخرج التمثيل والاستعارة،/ ١٠١/ب والمعنى: لا تسأل المرأة زوجها طلاق أختها لتستجر حظها منه إلى نفسها، وتنفرد به دونها، وليس هناك صحفة في الحقيقة، وإنما هو مجاز على مذهب العرب، كما قال:
стр. 882
يا جفنة بإزاء الحوض قد كفئت ... ومنطقاً مثل وشي اليمنة الحبرة
وقال آخر:
فإن ابن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأب جلد
- وقوله: "ولا ينفع ذا الجد منه الجد" [٨]. المشهور فيه فتح الجيم، الجد: الحظ والسعد، ومعناه: أن من كان سعيداً في الدنيا جليل القدر فيها، لم ينتفع بذلك يوم القيامة إنما ينتفع بما قدمه من العمل الصالح؛ لأن الدنيا بالأموال، والآخرة بالأعمال. ورواه بعض المحدثين بكسر الجيم، وأنكر ذلك أبو عبيد، واحتج بقوله ﵇: "وإذا أصحاب الجد محبوسون"
стр. 883
وقال: قد أمر الله بالجد في العمل فكيف لا ينفع ذلك؟ وليس المراد في هذه الرواية ما ذهب إليه أبو عبيد؛ وإنما المعنى: أن الإنسان لا يقدر على أداء حق الله عليه، وإن جد في العمل إلا أن تدركه رحمة الله وعفوه. ويوضح هذا قوله ﵇: "لن يدخل الجنة أحد بعملز قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته". وكان عبد الملك بن حبيب يقول: معناه لا ينفع أحداً اجتهاده في طلب الرزق، وإنما له ما قسم له. (ع): هذا أيضاً وجه حسن محتمل غير مدفوع. وكان ابن حبيب ينكر فتح الجيم. قال ابن السيد: وذلك شيء ظريف؛ لأن الأشهر في الحديث فتح الجيم، ومعناه صحيح، والذي فسر به رواية من رواه بالكسر ليس بصحيح عند التأمل، ولو أراد الجد في طلب الرزق لقال: "فيه"، ولم يقل "منه" وقد روي: "منك الجد" بالكاف، وهذا يبعده عن تفسيره، وإنما الوجه في كسر الجيم ما ذكرناه، وهو الذي فسره الناس به.
- وأما قوله: "لا يعجل شيء أناه وقدره" [٩] فإن يحيى رواه: "يعجل" بفتح الياء والجيم وكسر الهمزة من "أناه". ومعنى "يعجل" على هذه الرواية:
стр. 884
يسبق، ويتقدم، من قوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾.
- و"الأنا": الوقت، مثل قوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. والمعنى: لا يسبق شيء وقته الذي قدر الله تعالى كونه فيه. ورواه قوم: "لا يعجل شيء آناه وقدره" فضموا الياء وشددوا الجيم وفتحوا همزة "أناه" ومدوها، واعتقدوا في "آنى" أنه فعل ماض، من قول العرب: أنيت الشيء إيناء: إذا أخرته، كما قال الحطيئة:
وآنيت العشاء إلى سهيل ... أو الشعري فطال بي الأناء
ومعناه على هذا أنه لا يقدر أحد على تعجيل شيء أخره الله تعالى، كما لا يستطيع على تأخير شيء قدمه الله.
وفي بعض النسخ: "لا يعجل شيئاً" بنصب "شيء"، وضم الياء، وكسر الجيم، وفتح الهمزة من "آناه" ومدها، وذكروا أنها رواية القعنبي؛ و"أناه" في هذه الرواية أيضاً فعل ماض، وفي "يعجل" ضمير فاعل يرجع إلى الله
стр. 885
تعالى. ومعناه على هذه الرواية: أن الله تعالى قد وقت للأشياء مواقيت، فهو تعالى لا يقدم منها شيئاً قبل وقته، ولا يؤخره عن وقته.
وفي بعض الروايات: "لا يعجل شيء" بالرفع، وضم الياء، وكسر الجيم، وتسكين العين، وكسر الهمزة من "إناه" فالإنا في هذه الرواية اسم لا فعل، وتفسيره كتفسير من فتح الياء والجيم، وفي "الكبير" زيادة على هذا.
- وقوله: "سمع الله لمن دعاه". معناه: استجاب الله لمن دعاه، فيحتمل أن يردي به الخبر، ويحتمل أن يريد به الدعاء.
- وقوله: "ليس وراء الله مرمى". يريد: ليس وراء الله غاية يرقى إليها: أي: يقصد بدعاء وأمل ورجاء. يقال: هذه الغاية التي يرمى إليها: أي: يقصد، شبهت بغاية السهام التي ترمى ويقصد بها.
стр. 886
[كتاب حسن الخلق]
(ما جاء في حسن الخلق)
- "الغرز" [١] للرحل كالركاب للسرج.
- وقوله: "حسن خلقك للناس/ ١٠٢/أ [يا] معاذ بن جبل". يجوز في "ابن" الرفع على الإتباع والنصب على الموضع.
- وقوله: "إلا أن تنتهك حرمة الله" [٢]. الانتهاك: الاستباحة لما لا يحل بنوع من الاستهزاء، وقلة المبالاة. ونهكتهم الحرب: أثرت فيهم، ونهك الرجل المرض: أضعفه وذهب بلحمه، وفي كتاب "الفصيح": وأنهكه السير، ورده علي بن حمزة، وقال: إنما يقال: نهكه.
стр. 887
- وقولها: "فلم أنشب أن سمعت" [٤]، وكذلك: "ثم لم ننشب" بفتح الشين فيهما. أي: لم أمكث ولم أحدث شيئاً حتى فعل كذا. وأصله من الحبس، أي: لم يمنعه مانع، ولا شغله أمر آخر غيره.
- و"الظمأ" [٦] مهموز: العطش، ومنه: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى (١١٩)﴾.
- وقوله: "فإنها هي الحالقة" [٧] أي: المهلكة المستأصلة للدين، كحلاق الشعر. يقال: تحالق القوم: إذا قتل بعضهم بعضاً، وقيل: المراد به هنا: قطيعة الرحم.
(ما جاء في الحياء)
- إنما صار "الحياء من الإيمان" [١٠] المكتسب، وهو جبلة لما يفيده من الكف عما لا يحسن، فعبر عنه بفائدته على أحد قسمي المجاز.
(ما جاء في الغضب)
- قوله: "ليس الشديد بالصرعة" [١٢]. بفتح الراء، وهو الذي يصرع الرجال بقوته. والصرعة- بتسكين الراء-: الضعيف الذي يصرعه كل من
стр. 888
باطشه، والعرب تستعمل "فعلة" المتحركة العين في صفة الفاعل، والساكنة في صفة المفعول، فيقولون: رجل لعنة، إذا كان يلعن الناس، ولعنة، إذا كان هو الملعون، وكذلك سببة وسبة، وسخرة وسخرة وضحكة وضحكة، وفي الكتاب العزيز [قوله تعالى]: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾، ومعنى الحديث: أن قوة النفس أحسن من قوة الجسم، وقد أكثر الشعراء من هذا المعنى، فمنه قول أبي تمام يمدح المأمون وأحسن:
والصبر بالأرواح يعرف فضله ... صبر الملوك وليس بالأجسام
و"ليس" في قوله: "ليس الشديد بالصرعة" نفي أن يسمى الصرعة من الرجال شديداً، وإنما معناه: أن المالك لنفسه أحرى بأن يسمى شديداً، وإن كان الصرعة يسمى بذلك، وتمامه في "الكبير".
(ما جاء في المهاجرة)
- في رواية يحيى: "يهاجر أخاه" [١٣]، وفي رواية غيره: "يهجر"
стр. 889
و"يهاجر" فعل لا يكون إلا من اثنين فصاعداً، والهجر فعل الواحد، ومنه سمي المهاجرون؛ لأنهم هجروا قومهم وهجرهم قومهم، وقد يستعمل الاهتجار بمعنى المهاجرة، ويقال: اهتجر الرجلان اهتجاراً، كما تقول: اقتتلا اقتتالاً. قال عبد الرحمن بن حسان:
بلينا بهجران ولم أر مثلنا ... من الناس إنسانين يهتجران
- و"الإعراض": أن يميل عنه بوجهه، ويصعر خده ولا يوليه [دبره]، قال:
إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قبلي تدور
و"التدابر" [١٤]. التقاطع، وسمي تدابراً؛ لأن كل إنسان من المتقاطعين يعرض عن صاحبه ويوليه دبره.
- وقوله: "ولا تحسسوا ولا تجسسوا" [١٥]. معناهما متقاربان، ولذلك زعم قوم أنهما سواء، وليسا بسواء في الحقيقة. و"التحسس"- بالحاء-: التسمع لحس الشيء وحركته. و"التجسس"- بالجيم-: تعرف الأخبار
стр. 890
والبحث عنها.
- و"التصافح" [١٦] أن يضع الرجل صفحة كفه في صفحة كف صاحبه، ويكون بمعانقة، وبغير معانقة. و"الغل": العداوة والحقد.
- وقوله: "فيغفر لكل مسلم لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً" [١٧]. الوجه نصبه على الاستثناء، ووقع في أكثر الموطآت: "إلا رجل" بالرفع، وهو خطأ، لا وجه له، ولو خفضه خافض على الصفة لـ "كل"، أو على البدل منه [وجعل] "إلا" بمعنى "غير" لكان غير ممتنع، فيكون كقوله:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
وكذا قيدته في كتابي، وكذلك "إلا" بمعنى غير هذا حكمه.
- و"الشحناء" [١٧]: العداوة/ ١٠٢/ب.
- وأما رواية من روى: "أركوا هذين" فمعناه: أخروا، ومعناه كمعنى
стр. 891
أرجو. يقال: أرجأت الأمر- بالهمز- وأرجيته، بغير همز. ومنهم من يقول: أركيت. وكأن صاحب هذه اللغة الثغ اللسان فصير الجيم كافاً، كما صيرها بعض اللثغ قافاً، فقال: اللقام، وهو يريد اللجام. وحكى اللغويون: أركنته هذا، أي: ألزمته إياه، فيكون المعنى على هذا: ألزموا هذين ذنوبهما.
- "حتى يفيئا" أي: يرجعا إلى ما كانا عليه من المودة، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، وقال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ أي: رجعوا.
стр. 892
[كتاب اللباس]
(ما جاء في لبس الثياب للجمال بها)
- "الجرو والقثاء" [١]: الصحيحة وتقدم، وقيل: المستطيلة، وقيل: الصغيرة، وقال أبو عبيد: الجرو: صغير القثاء والرمان، وجمعه: أجراء، وجمع الجمع أجر. وقيل: الأجر في جمع جرو نفسه، والجراء جمع الجمع.
- وقوله: "يرعى ظهرنا": هي دواب السفر الحاملة الأثقال وغيرها؛ ومنه: "مصيخ على ظهر". قيل: على سفر راكباً الظهر، وهي دواب السفر.
- وقوله: "بردان قد خلقا". البرد- من غير هاء-: ثوب من عصب اليمن ووشيه، وجمعه: برود بزيادة واو على وزن فعول، والبردة- بالهاء-: كساء مخطط، وجمعه: برود أيضاً. و"خلقا"- بفتح اللام وضمها
стр. 893
وكسرها- أي: بليا وتمزقا، وقال: "أخلقا" أيضاً.
- أما "العيبة" فعيبة الثياب التي يضع فيها الإنسان حر متاعه. ومنه: "الأنصار كرشي وعيبتي".
- وأما قول عمر: "جمع رجل عليه ثيابه" [٣] فلفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، كأنه قال: ليجمع الرجل عليه ثيابه، أي: ليلبس جميع ثيابه في الموضع الذي يحتاج فيه إلى التجمل، كصلاة الجمعة والعيدين، والمحافل التي يجتمع فيها الناس. ونظيره قول الخطيب والواعظ: اتقى عبد ربه ونصح لنفسه، أي: ليتق عبد ربه، ولينصح لنفسه، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ إنما هو أمر بالإرضاع، وإن كان ظاهره ظاهر الإخبار، وكذلك قولهم: غفر الله لزيد، ورحمك الله، ليس إخباراً بحصول المغفرة والرحمة إنما هو دعاء.
(ما يكره للنساء لبسه من الثياب)
- "الكاسيات العاريات" [٧]: النساء اللواتي يلبسن الثياب الرقاق، فهن كاسيات؛ لما عليهن من الثياب، وهن عاريات؛ لأن ما وراء الثياب يبدو لمن تأمله كما يبدو جسم العريان الذي لا يلبس شيئاً.
стр. 894
- وأما "المائلات" فهن اللواتي إذا مشين ملن في أعطافهن ويتبخترن في مشيهن، ولذلك شبهت القدود بالأغصان، قال:
ميالة مثل القضيب اليانع
وقال امرؤ القيس:
هصرت بغصن ذي شماريخ ميال
- و"المميلات": المصبيات اللواتي يملن إليهن قلوب الرجال، ويجوز أن يكن اللواتي يتبرجن فيملن الخمر عن رءوسهن، لتظهر وجوههن وشعورهن؛ لأن المرأة الجميلة تتعرض لأن يرى حسنها، وتنكشف، قال عمر ابن أبي ربيعة:
فلما تلاقينا وسلمت أشرقت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا
وفيه قول آخر وهو أشبهها بالحديث، وذلك بأن يجعل المميلات من المشطة الميلاء؛ وهي مشطة معروفة عندهم كن يملن فها العقاص، وهي النواصي. ومنه أن امرأة استأذنت على ابن عباس، وقالت: جئت أسأله عن
стр. 895
ميل رأسي، تريد ما ذكرناه من المشطة الميلاء. وقال أبو عمرك يعني بالمائلات: المائلات عن الحق، وبالمميلات اللواتي يملن قلوب/ ١٠٣/أأزواجهن إلى هوائهن.
قال ابن السيد: ولا أدري من أين نقل هذا التفسير فإني لم أره لغيره.
قال الشيخ- وفقه الله-: والعجب منه في هذه المقالة، فما كان أولاه باستحسان هذا التفسير، ومن هو غيره الذي يأتي بأحسن منه، لاسيما تفسير "المميلات" فقوله وقول غيره فيه سواء، وأظنه لم يقف على ما نقله أبو الوليد في هذا المعنى، فقد حكى في "المزنية" عن عيسى بن دينار، عن ابن القاسم أن معناه: مائلات عن الحق مميلات عنه. قال وقاله مالك في "العتبية". ورواه يحيى بن يحيى عن [ابن] نافع، زاد في "العتبية" ابن القاسم: "لمن أطاعهن من الأزواج". قال: وقال ابن حبيب: معناه يتمايلن في مشيتهن ويتبخترن، حتى يفتن من مررن به. قال: وقول ابن القاسم وابن نافع أظهر؛ لأن التمايل في المشي إنما يقال فيه متمايلات، فهذا أبو الوليد زيف خلاف مقالة
стр. 896
[أبي] عمر.
- و"صواحب الحجر" [٨] يعني نساءه ﷺ ، ورضي عنهن. والحجر: جمع حجرة، وهي بيوت أزواجه.
(ما جاء في إسبال الرجل ثوبه)
- يقال: خيلاء [٩]- بضم الخاء-، وخيلاء- بكسرها- وخال ومخيلة، كل ذلك بمعنى التكبر. قال العجاج:
والخال ثوب من ثياب الجهال
- والمرح والبطر [١٠] مثله، قال ابن أحمر:
ولا أرخي من المرح الإزارا
وعلى أن [أصل] البطر له في اللغة وجوه: أحدها: كفر النعمة، وهو الذي يشبه المعنى المقصود إليه بهذا الحديث. وقد يكون بمعنى الدهش.
- و"الإزرة"- بكسر الهمزة-: هيئة الأتزار، كما يقال: الجلسة لهيئة الجلسو، والركبة لهيئة الركوب.
стр. 897
- وقوله: "ما أسفل من ذلك ففي النار" [١٢] "أسفل" منصوب على الظرف بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، ولو قيل: ما سفل من ذلك بإسقاط الهمزة، أو ما انتفل من ذلك بالنون لكان وجهاً، ولكن الرواية هي الأولى.
- وقوله: "ما أسفل من ذلك" إنما أراد ما تحت ذلك من الجسم، وكذلك قوله: "فضل الإزار في النار" إنما أراد ما تحت الفضل، أو صاحب الفضل، وهو نحو قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ كما تقدم، إذ الناصية لا تكذب ولا تخطئ، إنما الكاذب الخاطئ صاحبها. وكأن الإزار إنما خص في هذا الموضع بالذكر؛ لأنه هو الذي يلي الأرض من الثياب، وأما القميص والرداء والعمامة ونحوها، فالغالب [عليها] أن لا تبلغ الأرض، فإذا بلغت كان حكمها حكم الإزار، كما قال: "الذي يجر ثوبه".
(ما جاء في الانتعال)
- "جميعاً" [١٤]. أراد القدمين وهما لم يتقدم لهما ذكر، ولو أراد
стр. 898
النعلين لقال: لينتعلهما جميعاً، أو ليحتف منهما جميعاً، وهذا مشهور في لغة العرب، ومتكرر في القرآن كثير أن يأتي بضمير لم يتقدم ذكره لما يدل عليه فحوى الخطاب.
ومن ضم الطاء من ﴿طُوىً (١٢)﴾ جعله اسم الوادي، ومن كسرها ففيه قولان: قيل: هي لغة في "طوى" المضموم. وقيل: معناه المقدس مرتين، واحتجوا بقول عدي بن زيد:
أعاذل إن اللوم في غير كنهه ... علي طوى من غيك المتردد
ويروى: "علي ثنى" ومعناه كمعنى طوى وتقدم.
- وقوله: "كانتا نعلي موسى" [١٦]. كذا الرواية، والوجه: "ما كانت" ولكنه جاء على لغة من يلحق الفعل ضمير الاثنين والجميع في حال تقدمه على الفاعل، كما يلحقها في حال تأخره، وهي لغة غير فصيحة.
(ما جاء في لبس الثياب)
- "الملابسة والمنابذة" [١٧] تقدم ذكرهما في "البيوع" وكذلك تقدم "الاحتباء" و"الاشتمال" في "الصلاة" إلا أن الاشتمال الموصوف هنا/ ١٠٣/ب هو
стр. 899
الصماء؛ لأنها لبسة لا انفتاح فيها كأنه لفظ مأخوذ من الصمم الذي لا انفتاح به. ومنه الأصم: الذي لا انفتاح في سمعه، ويقال للغريضة التي لم تتفق سهامها وانعاجت: صماء؛ لأنها لا انفتاح فيها للاختصار.
وجاء تفسير الصماء في حديث مرفوع، ويأتي تمام قول أهل اللغة فيما بعد.
- و"الحلة" [١٨] عندهم: ثوبان اثنان، ولا يقع اسم الحلة إلا على ثوبين، سمياً بذلك؛ لأن كلاً منهما يحل على الآخر. وذكر أبو عبيد: أن "السيراء": ضرب من الثياب المخططة، ويقال: إنها ثياب مضلعة بالقز، وكذلك فسرها ابن شهاب، وقال الطوسي: هي ضرب من البرود، ويقال لها: "أمرعت فانزل" ومعنى أمرعت: وجدت مكاناً ممرعاً، أي: مخصباً، شبهوا الثوب لما فيه من الألوان المختلفة بالمكان المخصب الذي فيه أنواع
стр. 900
النور والزهر، قال الشاعر:
وما شئت من خز وأمرعت فانزل
واختلف اللغويون والفقهاء في "السيراء" هل هو حرير وحده، أو بعضه حرير وبعضه غير حرير؟ فكان الخليل يقول: ليس بحرير محض، وأكثر الناس على أنه حرير محض، ورويناه عن ابن شهاب أنه قال: السيراء المضلع بالقز. وقوله: "حلة سيراء" يجوز حذف التنوين من "حلة" وإضافتها إلى "سيراء"، ويجوز تنوين الحلة، ويجعل "سيراء" صفة لها، وإن شئت تمييزاً وتفسيراً، كما تقول: لبست ثوب خز بالخفض، وثوباً خزا بالنصب، وهذا قياس مستمر في جميع الأجناس، قال:
دع عنك لومي إنه إغراء ... بالقلب حيث الحلة السيراء
- و"الخلاق": الحظ والنصيب.
- وقوله: "وقد رقع بين كتفيه برقع" [١٩]، ويروى: "برقاع". "بين" في هذا الموضع: اسم للفرجة المنفرجة من الكتف إلى الكتف، وليست
стр. 901
بظرف، وانتصابها انتصاب المفعول به، كما تقول: سددت بين الحائطين، وهوم اسم يجري بوجوه الإعراب، قال أبو الأسود:
وجلدة بين العين والأنف سالم
стр. 902
([كتاب] صفة النبي ﷺ
-["ليس بالطويل البائن"] [١]. "البائن": هو المفرط الطول المتفاوت البين، والبون: البعد، وهو في أشعارهم كثير. وقال الأخفش: البائن: هو الذي يضطرب من طوله، وهو عيب في الرجال والنساء. أبو الوليد: ويحتمل عندي: أن يراد به: وصفه بغير الطول، فقال: إنه لم يكن ممن تبين بالطول حتى يوصف به، ولكنه كان من طول القامة ما لا يبين به، ولم يكن أيضاً ممن يوصف بقصر.
- و"الأمهق": الشديد البياض الذي لا يخالطه حمرة، يخالطه الناظر إليه برصاً.
- و"الآدم": فوق الأسمر يعلوه سواد قليل. وهو من الإبل الأبيض
стр. 903
اللون، ومن الظباء الأسود الظهر، الأبيض البطن.
- و"الجعد": القطط الشديد الجعودة الذي صار لشدة الجعودة كالمحترق، وكشعور السودان. يقال: رجل جعد، وامرأة جعدة.
- و"السبط": ضده، وهو المسترسل الشعر الذي ليس فيه تكسير. فهو دهره، كأنه قد رجل شعره بالمشط. ويقال: سبط وسبطر، فاقتضى ذلك أن يكون ما بين الأمرين، وهي الصفة الحسنة.
(صفة عيسى بن مريم [﵇] والدجال)
- قوله: "أراني الليلة عند الكعبة" [٢]. كلام فيه اختصار، والتقدير: كنت أراني، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: ما كانت تتلوا، وهذا مذهب الكسائي، والبصريون لا يجيزون هذا، ويذهبون فيه إلى أنها حال محكية تقديره على مذهبهم: كأني الآن أرى
стр. 904
نفسي عند الكعبة، كما يقول القائل: كأني أنظر/ ١٠٤/أإلى كذا، يريد أنه على هذه الصفة في حاله التي يخبر فيها بما رآه.
- وتقدم "الآدم" من الرجال، ومن الإبل، ومن الظباء، وجاء هنا أن عيسى آدم، وفي غيره: أنه إلى الحمرة والبياض، وليس فيه تعارض؛ لأن الأدمة قد تكون يسيرة، فلا يخرج اللون بها عن البياض خروجاً كثيراً، وقد يكون البياض خالصاً، وقد يكون غير خالص.
- و"اللمة": كالجمة، وهي أكمل من الوفرة، والوفرة: ما يبلغ الأذنين من شعر الرأس.
- وأما قوله: "ثم أنا برجل" فإن هذه المسألة من مسائل النحو المشكلة، تقول العرب: خرجت فإذا زيد يأكل، وخرجت فإذا بزيد يأكل، فيذكرون الباء تارة، ويحذفونها تارة، فإذا ذكروا بعد إذا ضمير متكلم أو مخاطب أو غائب، لم يكن بد من ذكر الباء، يقولون: خرجت فإذا أنا بزيد يأكل، وخرج عمرو فإذا هو بخالد ينتظره، فيجب أن ينظر في هذه الباء بما تتعلق في المسألتين، ولم لم يكن بد من الباء مع ذكر الضمائر؟ وهل الباء في هذه المسائل بمنزلتها في قولهم: خرجت فإذا زيد بالفرس واقفاً، وهذه المسائل لا تليق إلا بكتب النحو المبسوطة، فلذلك تركتها.
стр. 905
- وقوله: "كأنها عنبة طافية" قال عيسى بن دينار: شبهها بحبة عنب قد فضخت فذهب ماؤها، فصارت طافية. وقال غيره- وهو الأظهر-: طافية، أي: ممتلئة تكاد تتفقأ، وكذلك عينه قد ظهرت كما يظهر الشيء فوق الماء، فيكون معنى الطافية: أنها علت على ما يجاورها من الجسم، وقد أولعت العامة من الفقهاء بأن يقولوا: "المسيح الدجال" فيكسرون الميم ويشددون السين، ومنهم من يجعل المسيح- بخاء معجمة-، ويجعلونه بمعنى ممسوخ، وهذا كله خطأ إنما المسيح [على] لفظ المسيح عيسى بن مريم، هذا قول ابن السيد. وقال الجوهري: سمي الدجال مسيحاً بالتخفيف، من سياحته، وبالتثقيل؛ لأنه ممسوح العين. وللمسيح عشرة معان:
الأول: أنه مسيح الهدى، اسم علم، كما أن مسيح الضلالة اسم علم، كزيد، لا من الزيادة.
الثاني: مسيح: فعيل، من مسح الأرض، ومثله في الاشتقاق والاسم
стр. 906
الدجال؛ إلا أنه يفرق بينهما الهدى والضلالة والصالح والطالح، والصادق والكذاب، والدجال والنبي، والأعور والسليم.
الثالث: مسيح: فعيل بمعنى مفعول، كأنه مسح بالبركة.
والرابع: مسيح لحسن وجهه، تقول العرب: عليه مسحة جمال.
الخامس: مسيح: فعيل بمعنى مفعول، مسحه يحيى بن زكريا إذ ولد.
السادس: فعيل بمعنى فاعل، كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ.
السابع: كان لا يمسح طائراً يخلقه، ولا ميتاً إلا حيي.
الثامن: مسيح: صديق.
التاسع: معرب من مشيخ، كما عرب موسى من موشى.
العاشر: لأنه كان ممسوح الرجل ليس لرجله أخمص، والأخمص: ما لا يمس الأرض من باطن الرجل. والأصل فيه مسيح على وزن مفعل، فأسكنت الياء، ونقلت حركتها إلى السين؛ لاستثقالهم الكسر على الياء، وفي هذه الأسماء تداخل، وبعضها لا تعضده اللغة.
- وأما "الدجال": فقد تقدم فيه وجهان، والثالث: أنه ممسوح العين- في رواية حذيفة- الشمال، خرجه مسلم، وفي حديث الكل اليمنى، وكلاهما صحيح؛ لأن التغير علامة الحدوث، والثبوت علامة القدم فيأتي عوره وتغيره دليلاً على دليل، ونقصاناً على نقصان. وأما [معنى] "الدجال"
стр. 907
فقيل: لأنه يموه على الناس. ومنه: بعير مدجل: إذا طلي بالقطران. وقيل: لعظم أمره وتفاقم خطبه. ومنه: رفقة دجالة، إذا كانت كثيرة، ومنه في [سمي] دجلة، لكثرها في الأنهار.
(ما جاء في السنة في الفطرة)
- "الفطرة" [٣]: هي أصل الخلقة وابتداء النشأة، لكن يعبر بها عن الدين والإسلام؛ لأن الإسلام/ ١٠٤/ ب يسمى فطرة أيضاً، كما يسمى ابتداء الخلقة، وكل شيء بدأته فقد فطرته. يقال: فطرت البئر: إذا ابتدأت حفرها، ولها أسماء تقدمت في "الكبير"، والمراد بها ههنا: الخصال التي يكمل بها المرء حتى يكون على أفضل الصفات.
- وقوله: "أول الناس رأى الشيب، فقال: يا رب ما هذا؟ " [٤]. معناه: أنه قال: أول [ما] شاب، وسأل عن الشيب، ولم يكن قبله أحد سأل عنه، وبسطه في "الكبير".
- وقول مالك: "وهو الإطار". قال أبو عبيد: هو ما بين قص الشارب وطرف الشفة المحيط بالفم، وكل محيط بشيء فهو إطار. ومنه: إطار
стр. 908
الغربال، وهو الدائر [به].
(النهي عن الأكل بالشمال)
- تقدم أن "اشتمال الصماء" [٥] هو أن يشتمل الرجل بثوبه، فيجلل به جسده كله، ولا يرفع منه جانباً يخرج منه يده. ومعنى قول العرب: اشتمل الصماء: اشتمل الاشتمالة الصماء، فالصماء صفة لمصدر محذوف، ونظيره قولهم: "رجع القهقرى" تقديره: رجع الرجعة القهقرى، و"قعد القرفصاء" أي: قعد القعدة القرفصاء. فأهل العربية يقولون فيها: إنها مصادر، وإنما حقيقتها أنها نعوت لمصادر محذوفة، وتقدم أيضاً اشتقاق الصماء من قولهم: صممت الكوة: إذا سددتها، وكذلك صممت القارورة، ويقال لما يشد به الصمام، فشبه اشتمال الصماء بالشيء المشدود [ومنه] الصمم في الأذن. ومنه قيل للداهية [العظيمة] صمام وصماء. يراد أن أبواب الحيل والصلاح التي يتوصل بها إلى معاينة الأمور، قد سدتها لبشاعتها، فلم تدع منها باباً يوصل منه إليها.
стр. 909
(ما جاء في المساكين)
- لم يرد بقوله: "ليس المسكين بهذا الطواف" [٧] نفي هذا الاسم عنه، وإنما المعنى: أن الذي لا يسأل الناس أحق بهذا الاسم من سواه، كما يقول القائل: ليس العالم الذي يعلم النحو إنما العالم الذي يعلم الفقه، أي: هذا أحق بهذا الاسم منه. ونظيره قوله: "ما تعدون الصرعة فيكم؟ قالوا: الذي لا تصرعه الرجال: فقال: ليس ذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب". وكذلك قوله: "ليس البر الصيام في السفر" أي: ليس كل البر. وكذلك: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ أي: ليس فعل ذلك، وإن كان براً يبلغ بر من آمن بالله، وآتى المال، ولهذا نظائر كثيرة في الحديث، وفي كلام العربن وروى يحيى بن يحيى: "فما المسكين"، وروى غيره: "فمن المسكين" وهو الأحسن؛ لأن "من" مخصوصة بالاستفهام عمن يعقل، وأما "ما" فالغالب عليها الاستفهام عما لا يعقل، وقد يستفهم بها عن الأجناس والأنواع ممن يعقل وعن الصفات. أما الأجناس والأنواع فنحو قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾. وأما الصفات فنحو قول القائل: ما زيد؟ فيقال: ظريف عاقل، ويستفهم أيضاً عن ماهية كل شيء وهي حقيقته،
стр. 910
ولا مدخل لهذا في صناعة النحو، فلذلك ندعه. ويحتمل "فما المسكين" وجهين:
أحدهما: أنه أراد فما الحال أو الصفة التي يكون بها المسكين مسكيناً؟.
والآخر: أنها بمعنى "من" كقوله [تعالى]: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾ وقوله [تعالى]: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى (٣)﴾. واختلف الناس في المسكين والفقير، وتقدم في "الزكاة".
- و"الظلف" [٨]: الظفر من ذوي الأظلاف.
(ما جاء في معى الكافر)
- "معى" [٩] مقصور مثل غنى وسوى ومنى: واحد الأمعاء، وهما معيان.
- و"ضافه" [١٠] نزل به وطلب ضيافته. يقال: ضفت الرجل: طلبت ضيافته ونزلت به، وأضفته: أنزلته للضيافة، وضيفته أيضاً بمعنى، وقيل: ضيفته: أنزلته منزلة الأضياف/ ١٠٥/أ.
- وقوله: "فشرب حلابها". قيل: الحلاب: المحلوب وهو اللبن، كالخراف لما يخترف، وقيل: الحلاب إنما هو إناء يملأ قدر حلبة ناقة، ويقال له المحلب أيضاً، أي: شرب ما يملأ هذا الإناء الذي تحلب فيه هذه الشاة.
стр. 911
وقال أبو عبيدة: إنما يقال في اللبن: الإحلابة. ويحتمل أن الإشارة بالألف واللام في الكافر والمؤمن إلى ذلك الرجل بعينه، وإنما تحملنا على هذا التأويل؛ لأن المعاينة تدفع أن يكون هذا عموماً في كل كافر ومؤمن، ومن كلام العرب الإتيان بلفظ العموم، والمراد به الخصوص، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ وهذه الإشارة لرجل واحد.
(النهي عن الشراب في آنية الفضة والنفخ في الشراب)
- قوله: "إنما يجرجر في بطن نار جهنم" [١١] يجوز فيه رفع النار ونصبها، فمن رفعها فعلى خبر "إن" ويجعل "ما" بمعنى "الذي" كأنه قال: الذي يجرجر في بطنه نار جهنم، ومن نصب "النار" جعل "ما" صلة لـ "إن"، وهي التي تكف "إن" عن العمل، ونصب النار بـ "يجرجر" ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ قرئ برفع الكيد ونصبه على الوجهين، ويجب إذا جعلت "ما" بمعنى "الذي" إن تكتب منفصلة من "إن" هذا قول ابن السيد. وقال غيره: من نصب جعل الجرجرة بمعنى الصب. أي: إنما يصب في بطنه نار جهنم، ومن رفع جعلها بمعنى الصوت، أي: إنما يصوت في بطنه نار جهنم. والجرجرة:
стр. 912
الصوت المتردد في الحلق، وقد يصح النصب على هذا أيضاً إذا عدي الفعل، وإليه ذهب الأزهري، ووقع في بعض طرق مسلم: "كأنما يجرجر في بطنه ناراً من نار جهنم" وهذا يقوي رواية النصب. وأراد هنا بالجرجرة: صوت الماء في حلق الشارب، أو في الإناء عند خروجه إلى فمه. ويقال: جرجر الجمل جرجرة: إذا ردد هديره في حلقه، قال امرؤ القيس:
إذا سافه العود [النباطي] جرجرا
وقال الراجز:
стр. 913
وهو إذا جرجر بعد الهب
جرجر في حنجرة كالحب
والحب: الخابية.
- وقوله: "في آنية الفضة" هي جمع إناء، والعامة يرون أنها واحدة، وذلك غلط كما يقال: إزار وآزرة، وخمارة وأخمرة، ويوضحه قوله في صفة الحوض: "آنيته مثل نجوم السماء" والعرب تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه، فتسمي العصير خمراً إذا أريد به الخمر، وتسمي الشدة موتاً لما كانت تؤول إليه، فتسمى شربه في آنية الفضة بما يئول إليه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾.
- وقوله: "وأبن القدح" أي: أبعده عن فيك. والبين والبون: البعد.
- و"القذاة": ما سقط في إناء الشارب من عود، أو ورقة أو ريشة، وجمعه قذى، مثل حصاة وحصى.
(ما جاء في شرب الرجل وهو قائم)
قال ابن قتيبة في الأحاديث التي وردت في النهي عن الشرب قائماً،
стр. 914
وفي إباحته: ليس ههنا تناقض؛ لأنه نهى في آخر الحديث من أن يشرب الرجل، أو يأكل ماشياً. يريد أن يكون أكله وشربه على طمأنينة، ولا يشرب إذا كان مستعجلاً في سفر أو حاجة، فيناله من ذلك شرق أو تعقد الماء في صدره. والعرب تقول: قم في حاجتنا، لا يريدون أن يقف حسب، وإنما يريدون: امش في حاجتنا اسع، ومنه قول الأعشى:
يقوم على الوغم في قومه ... فيعفو إذا شاء أو ينتقم
يريد بقوله: "يقوم على الوغم": أنه يطالب بالذحل، ويسعى في ذلك حتى/ ١٠٥/ب يدركه، ولم يرد أنه يقوم من غير أن يمشي، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ يريد ما دمت مواظباً بالاختلاف والاقتضاء والمطالبة، ولم يرد القيام وحده، هذا كله كلامه.
(السنة في الشرب ومناولته عن اليمين)
- "شيب بماء" [١٧]: أي خلط ومزج. والشوب: الخلط، والأشواب: الأخلاط.
- وقوله: "لا أوثر بنصيبي منك أحداً" [١٨] أي: لا أفضل، ومنه: "فآثر الأنصار المهاجرين" أي: فضلوهم. والإيثار: التقديم.
стр. 915
- "وتله في يده" أي: دفعه إليه، وبرئ منه، [قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾].
(جامع ما جاء في الطعام والشراب)
- وقع في بعض الروايات: "فأدمته" [١٩] بقصر الألف وفي بعضها بالمد، وهما لغتان. ويقال لما يؤتدم به: إدام وأدم، وقد يكون الأدم جمع إدام، ويكون أصله: أدماً- بضم الدال، ثم سكن تخفيفاً- كما يقال في عنق عنق. قال النابغة الذبياني:
إني أتمم أيساري وأمنحهم ... مثنى الأيادي وأكسوا الجفنة الأدما
وفي الحديث: "نعم الإدام الخل" وقيل: جمعه: أدم- بضم الدال- ويقال للواحد أيضاً: أدم- بضم الهمزة وسكون الدال- ويجمع: إدام، ويدل على [أن] الأدم يكون واحداً حديثه ﷺ : "إن سيد أدم الدنيا والآخرة اللحم"، وقال: "نعم الأدم الخل"، وحديث عمر: "أنه نهى عن جمع أدمين في أدم" واشتقاقه من أدمت الشيء بالشيء، إذا قرنته به، وخلطته، وأدم الله بين الرجلين وآدم إذا حبب بعضهما إلى بعض. وفي الحديث: "أن المغيرة بن شعبة استأذن النبي ﷺ في نكاح امرأة، فقال: لو نظرت إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" أي: يوفق،
следующие страницы →