← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وكان محمد [ ﷺ ] يعبّر عن كل أمر كما كان يراه فى وقته، وكما كان يقتضيه الحال. فالله تارة رءوف ودود صبور (انظر ما سبق). وتارة يقول: "وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين" (سورة الذاريات، الآيات ٥٦ - ٥٨). والله هو المتكبر الجبار وهو النافع الضار: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، (سورة الأعراف، الآية ١٧٨ *). وربما لا تكون الصفات التى ذكرناها متناقضة، ولكن ورود كل منها على حدة وتوكيد فكرة الطبع كان له أثر كبير فى تطور العقيدة الإسلامية فيما بعد. كان محمدًا [ ﷺ ] إذن يؤمن بالله إلى درجة بعيدة. وكان هذا الإيمان محور الدين الذى يدعو إليه. على أنه ربما كان من الأصوب أن نقول إنه كان يفنى فى الله. وقال دون تردد أن الله كان ولم يكن شيء قبله وسيوجد وقت لا يوجد فيه أيضًا غير الله. واذا كانت هذه الفكرة قد وضعت فى أسلوب مبين، فمن الراجح أنه كان يقبلها لأنها تعلى الله فوق خليقته. وفى الحق أن بعض أقوال محمد قد عبرت فى قوة عن وجود الله وجودًا مطلقًا، حتى إنها كانت كافية لتحديد وتفسير التطور الذى أخذ به المسلمون القائلون بوحدة الوجود فيما بعد. وهذا يبدو لنا بصفة خاصة فى عبارة "وجه الله"، التى أثرت فيه تأثيرًا، عميقًا. وكلمة "وجه" التى يرد ذكرها كثيرًا فى القرآن الكريم معناها "نفس، أو ذات" إذا أطلقت على الإنسان (انظر سورة البقرة، الآية ١١٥ *؛ سورة آل عمران، الآية. ٢٠ * سورة النساء، الآية ١٢٥ *؛ سورة الأنعام، الآية ٧٩؛ سورة يونس، الآية ١٠٥؛ سورة الروم، الآيتين ٣٠ * و ٤٣ *؛ سورة لقمان، الآية ٢٢ *؛ سورة الزمر، الآية ٢٤ *؛ وربما كان هذا هو أصل استعمال هذه الكلمة فى هذا المعنى). أما إذا أطلق لفظ "الوجه: على الله فإن الاستعارة الأصلية تزداد قوة ووقعًا، ولو أن معناها هو من غير شك، "ذات الله".

стр. 1017

والناس يعملون مدفوعين بإرادة وجه الله، (انظر سورة البقرة، الآية ٢٧٢ *؛ سورة الرعد، الآية ٢٢؛ سورة الليل، الآية ٢٠) فهم يريدون وجهه (سورة الأنعام، الآية ٥٢ *؛ سورة الكهف، الآية ٢٨ *، سورة الروم، الآيتين ٣٨ * و ٣٩ *؛ ويعملون له (سورة الإنسان، الآية ٩)؛ ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، (سورة البقرة، الآية ١١٥ *)؛ و ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (سورة القصص، الآية ٨٨). و ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، (سورة الرحمن، الآية ٢٦ و ٢٧ * (ولو أبدلنا فى هذه الآيات كلها كلمة "وجه" بكلمة "ذات" ما تغير المعنى. ولكن محمدًا [ ﷺ ] كان يدرك من غير شك ما فى عبارة "وجه الله" من قوة وجمال. وقد أقام الصوفية فيما بعد أساس نظرياتهم على هذه العبارة. أما المفسرون فقسموا الموجود إلى ممكن وواجب، وقالوا إن الكائنات كلها ممكنة الوجود، أما الله فهو وحده "واجب الوجود"؛ وعلى هذا يمكن أن تطلق صفة العدم على الكائنات، لأن قبولها للفساد يجعل مصيرها إليه. ترك محمد [ ﷺ ] إذن حل هذه المسألة للمسلمين من بعده. وكان عليهم أن يوفقوا بين ذات الله العظيمة ووجوده المنفصل عن الكون انفصالا متميزًا، وبين صنعه المباشر الذى فسروه تفسيرًا يقرب كثيرًا من نظرية الصدور. وزاد المسألة تعقيدًا بعض آيات القرآن الكريم التى جعلتهم يعتقدون أن ما سوى الله عدم بالضرورة. ويمكننا أن نقول هنا اجمالًا إن علماء الكلام فى القرون الوسطى أخذوا بفكرة "الذات" وميزوا الله عن مخلوقاته إلى حد أنه أصبح من العسير عليهم أن يفسروا كيف يمكن الله أن يؤثر فى الكون. وبعملهم هذا ارتقوا بعقيدتى "التنزيه" و"المخالفة" أى أنهم نزهوا الله عن جميع الصفات القابلة للتغير، وأثبتوا لصفاته أنها تخالف بالضرورة نفس هذه الصفات إذا أطلقت على البشر. وعلى عكس هذا

стр. 1018

نجد أن تاريخ التصوف عبارة عن فناء الكون تدريجًا فى الله، حتى يمكن القول بأن الله هو الكل ... وقد ورد فى القرآن الكريم رأيين متقابلين عن فعل الله أوردهما فى بساطة عظيمة: أحدهما يجعل إرادة الله متصرفة فى أفعال العباد، والآخر يجعل للإنسان قسطًا من الاختيار. ثم جعلت الأحاديث صفات الله أكثر وضوحًا، وفصلت الكلام فى صلته بالملائكة والجن، نجد هذا كثيرًا فى صحيح البخارى وبخاصة فى كتاب التوحيد وبدء الخلق. ونجد فيه كذلك الكلام عن وجه الله وعن عرشه وعن خلق السموات والأرض. وجاء فيه أيضًا أن الله يتنزل إلى السماء الدنيا فيقول: "من يدعونى فاستجيب له؛ من يستغفرنى فاغفر له؟ (١) " (كتاب التوحيد: صحيح البخارى، طبعة القاهرة , ١٣١٢ هـ، ج ٤، ص ١٧٩). وترد كذلك قصة آخر من يدخل الجنّة من أهل النار، إنفس المصدر، ج ٤، ص ١٧٢، ١٧٣) (٢) وفى الآخرة، يمسك الله الأرض على إصبع، والسموات على إصبع، ثم يقول: "أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " إنفس المصدر، ج ٤، ١٦٧ و ١٨١ (٣). ثم يضع قدمه فى النار ليفسح فيها مكانًا. إنفس المصدر، ج ٤، ص ١٦٧ - ١٧٥) (٤). وورد الكلام عن عينه فى القرآن الكريم تارة بالمفرد وتارة بالجمع (سورة هود الآية ٣٧، سورة طه الآية ٣٩، سورة

стр. 1019

المؤمنون الآية ٢٧، سورة الطور الآية ٤٨، سورة القمر الآية ١٤) *. وجاء فى الحديث أنه ليس باعور كالمسيح الدجال (١). ز - مذاهب المسلمين فى ذات الله: كان لمذهج "التوحيد" المكان الأكبر فى النظر الكلامى عند المسلمين، وقد نشأ هذا من أن الذات الإلهية كانت محور الدين الذى جاء به محمد [ ﷺ ]، كما نشأ أيضًا من المؤثرات التى أثرت فى تطور هذا الدين من بعد، ولا سيما المباحث الإلهية عند اليونان بما فيها من عناية بذات الله، على الخلاف من الكنيسة اللاتينية التى كانت مسألة الخطيئة أكبر مسائلها، وعلى الخلاف من مذاهب المصلحين واتجاهها إلى البحث فى الكتب المقدسة. وكذلك أقوال محمد [ ﷺ ] كان لها أثر فى تكييف المناظرات التى جاءت فيما بعد. ونظرا لضعف التمكن فى النظر العقلى، والاقتصار فيه على جانب واحد لم يستطع المتكلمون أن يستخلصوا من ذلك إلا مذهبًا فى ذات الله يقوم على التشبيه الخالص، أو على وحدة الوجود الحقيقية، أو على العقل الصرف الذى لا يجعل لغيره مجالًا. وبيّن أنه يستحيل علينا تتبع هذا التطور فى ذاته فى مقال كهذا، وكل ما نستطيع هو أن نذكر مختلف المذاهب والمؤثرات التى تأثرت بها، والنتائج التى وصلت إليها. وإنى أشير على من أراد الأسهاب والوقوف فى دقة أكبر على العلاقات التاريخية أن يرجع إلى كتابى Development of Moslem Theolc . etc ص ١١٩ - ٢٨٧. ويظهر أن الفتن التى حدثت فى الإسلام كانت أول ما حفز الناس إلى رفع التعارض البيّن. فقد اضطروا إلى أن يسألوا أنفسهم: من هو المسلم على الحقيقة؛ وما هو الإيمان؛ وما هو الاعتقاد الذى ينبغى أن يعتقد فى الله؛ وتسأءلوا أيضًا عن مسئولية الإنسان [عن أفعاله] وعن إرادة الله التى هى

стр. 1020

فوق كل شئ؟ وطبيعى، أن قومًا ذهبوا إلى البراءة من كل من يخالفهم حتى فى أقل الفروع. على حين أن الظروف السياسية حدت بغيرهم إلى الاكتفاء بالظاهر، تاركين ما وراء ذلك لله الذى يعلم وحده ما تخفى القلوب، وكذلك نشأت المرجئة تقول بإرجاء مثل ذلك المسائل إلى اليوم الآخر. أما فى مسألة الاختيار فقد ظهر المتطرفون إلى جانب من أرادوا التوسط والقصد فى الأمر، وكانت الأحزاب السياسية المتخاصمة يتسع صدرها لما يقولون أو يضيق به، فنشأت القدرية والجبرية. وكان إلى جانب هذا أيضًا، ينشأ اعتقاد - وإن لم يسمّ باسم - بأن الكلام صفة واجبة لله. على أنه ينبغى ألا نخلط بين صفة الكلام والقول بالتجسد فى الكلمة، وعلى كل حال فإن الأمر يحتاج إلى تحديد دقيق. ومؤثر آخر هو الفلسفة اليونانية: كان المشتغلون بها من المسلمين يريدون الوصول إلى العلل الأولى للأشياء، وقد نهجوا طريق الفلسفة ووصلوا إلى الكلام فى ذات الله. وكان يتحتم عليهم أن يحافظوا على التوحيد من الوجهتين الفلسفية والدينية، ولكن فى سبيل الإبقاء عليه آلت الذات الإلهية شيئًا فشيئًا إلى، مر مجرد، لا يمكن حده، فمثلا كان محمد [ ﷺ ] يقول إن الله "عالم"، فيجب أن تكون له صفة العلم، ولكن بم يتعلق العلم؟ أبشئ فى ذات الله، أم بشئ غير ذاته؟ إن كانت الأولى ففى ذاته تعدد، وإن كانت الثانية فعلمه متعلق بشئ غير ذاته، فلا يكون علما واجبًا، فلا يكون مالك الصفة واجب الوجود. وبيّن أن إثبات الوحدانية لله، وقيامه بذاته ينافى وصفه بصفات الإيجاب. وفى هذا التطور تظهر ثلاثة اتجاهات وتبقى دائمًا، فهناك النقل: أى قبول العقائد لأنها اتبعت ثم لقنت من قبل، وأصحاب النقل يسمون "أهل الحديث" فهم يأخذون بالأدلة السمعية المستمدة من الكتاب والسنة والإجماع. وعندهم أن العقل لا يجوز أن يرجع إليه لا فى النقد ولا فى التأويل. بل أوجبوا الإيمان بما بلغهم كما هو، فمثلًا يقرءون فى القرآن الكريم ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ

стр. 1021

اسْتَوَى﴾ (سورة طه، آية ٥ *) فيقولون إن الإيمان بذلك واجب كما هو من غير خوض فى معناه، ولا سؤال عن كيفيته، ولا تشبيه لاستواء الله باستواء الإنسان. وقد نشأ من هذا عبارتهم المشهورة "بلا كيف ولا تشبيه". وقد ظهر اتجاهان: أحدهما لجمهور المسلمين، والثانى لجماعة أكثر منهم تشددًا فى الأخذ بالمنهج المنطقى، وهنا ظهر القول "بالمخالفة": كل ما هو لله فهو مخالف لما للإنسان، ولا يجوز أن نظنه مثله، ويسمى هذا أيضًا "بالتنزيه" أى تنزيه الله عن صفات المخلوقين.، وقد وقفت هذه الفكرة عند حد كان يمكن بعده أن تصبح فكرة تامة عن الله. هو مخالف للمخلوقات. نعم. ولكن الله يجب أن يكون بحيث نستطيع أن نعقله. وليس ما نعقله عن ذاته من هذه الأسماء والعبارات خطأ بالضرورة. لا نعرف من صفاته ما هو، بل شيئًا قريبًا من ذلك. غير أن آخرين ذهبوا إلى أبعد من هذا فقالوا: بل لا نستطيع من هذه العبارات أن نحصّل فكرة عن ذات الله، فذاته سرّ لا يعرف أبدًا، ولا نظن أن الأسماء تعطينا شيئًا عنه. يقول القرآن الكريم إن الله ﴿أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (سورة الأعراف الآية ١٥١ *: سورة يوسف الآية ٦٤، ٩٢؛ سورة الأنبياء الآية ٨٣). ولكن هذا لا يدل على أن صفة الرحمة التى يتصف بها الله، تشبه صفة الرحمة التى يتصف بها الإنسان بأى وجه من الوجوه. وما نراه فى الكون يبطل هذا التشابه. سمى الله نفسه بهذا الاسم، أما ما يدل عليه الاسم فهو أمر لا نقدر على معرفته، ولا يسوغ لنا الخوض فيه. على أنه كانت توجد خلافات كثيرة أقل من ذلك شأنًا تتراوح بين مجرد الحث على التمسك بعقيدة السلف دون غلو فى البحث فى ذات الله، وبين رأى القائلين بأن واجب الوجود لا يمكن أن يعرف. غير أن هذا المنزع الأخير لم يؤد عند المسلمين إلى موقف اللاأدريين، بل أدى إلى الاعتماد على حجية رأى السلف.

стр. 1022

ويظهر أن المسلمين فى هذا العصر يغلب عليهم الميل إلى الرأى الأخير. على أنه إذا كانت أراء المتكلمين الأولين تُقيل لقدمها وإلف الناس لها فإن علم الكلام النظرى يميل اليوم إلى التنزيه شيئًا فشيئًا. أما النزعة الثانية فهى النزعة العقلية: يسلم المتكلمون جميعًا بضرورة الرجوع إلى العقل، غير أنهم يختلفون فى كونه حجة صحيحة فيما يتعلق بأحكام العقائد. وقال المعتزلة صراحة بتحكيم العقل فى النظر المدينى، وأنشأوا مذهبهم الكلامى مستندين إلى العقل، وقد رأينا أنهم فى كلامهم عن ذات الله تغالوا فى نفى الصفات لأنها تفضى إلى نفى التوحيد، وأقل ما ذهبوا إليه فى نفيها هو أن الصفات هى نفس الذات لا أنها فى الذات، غير أنهم كانوا أميل إلى إنكارها جملة، وإلى القول بأن الله ذات مجردة يصعب تعقلها. هذا إلى أنهم أنكروا القضاء السابق لأنه مناف للعدل. وكان إنكارهم لرؤية الله فى دار القرار من آثار غيرتهم على تنزيهه. فالأصول الثلاثة: العدل والتوحيد والتنزيه هى أصول مذهبهم بالإجمال، أسسوها ودافعوا عنها بالطريقة الكلامية، وكان اصطناعهم لهذه الطريقة مما دفع أهل الحديث فيما بعد إلى اتخاذ نفس وسائلهم. على أن مذهبهم الكلامى كان مجرد دفاع عن العقائد لأنها كانت قد وضعت وسلم بها الناس. ولكن هذا لم يمنع من محاولتهم بناء العقائد من جديد، غير أنهم لم يفلحوا إلا فى صوغها فى صورة جديدة. ولم يقبل أهل السنّة طريقة المتكلمين قبولًا تامًّا إلا فى أوائل القرن الرابع الهجرى، وخصوصًا على يد الأشعرى. وبعد ذلك وضع علم الكلام الذى يوفق بين الدين والعقل، ولم ينكره إلا المتطرفون من أهل الحديث. ومذهب الأشعرى فى صورته النهائية لم يحد قيد شعرة عن مذهب أهل السُّنة، فلم يخرج عن العبارة المشهورة "بلا كيف ولا تشبيه". والشطر الأول من هذه العبارة موجه ضد المعتزلة، والثانى

стр. 1023

ضد مذهب التجسيم، أما فى مسألة الاختيار، فإنه نهج طريقًا وسطًا، وقال بمذهب لا يزال مشكلة إلى اليوم، ويقوم هذا المذهب على أن للمخلوق قدرة على اكتساب أفعاله بحيث تجعلها له، وإن كان الذى يخلقها فى الحقيقة هو الله. واتّبع أصحاب الأشعرى مذهبه فى العقيدة من غير أن يحيدوا عنه أنملة، ولكنهم فصَلوا آراءه فى المسائل الإلهية حتى جعلوها مذهبًا كاملًا أخذ صيغته الأخيرة على يد الباقلانى المتوفى عام ٤٠٣ هـ (١٠١٢ - ١٠١٣ م)، فيما يتعلق بذات الله وبالعالم وعلاقة أحدهما بالآخر. ويمكن تصورها على هذا النحو (انظر Develop-: Macdonald ment of Muslim Theology ص ٢٠١ وما بعدها). عرّف الباقلانى العلم بأنه معرفة الشيء على ما هو عليه فى ذاته ... وأكد الإسلام عجز العقل عن إدراك ذات الله، لأن الإنسان عاجز عن معرفتها بما أوتى من قدرة، فيجب علينا أن نقبل ما جاءنا من عند الله ونؤمن به. نصل الآن إلى النزعة الثالثة وهى طريق الكشف أو التصوف: لا تكون معرفتنا لله يقينية كاملة إلا إذا كان أساسها الروح، لذلك ذهب المسلمون إلى أن روح الإنسان تستطيع أن تصل إلى الله وتعرفه من غير واسطة، وهذه القدرة فى الروح أمر مكمل لما جاء للناس على ألسنة الأنبياء. ظهرت نزعة التصوف عند المسلمين من أول أيام الإسلام، ولا تزال باقية إلى اليوم، وكانت تظهر بدرجات وصور تتفاوت من مجرد التعبد إلى أعلى مرتبة فى الغيبة عن الخلق، والفناء فى الله، وإلى القول بوحدة الوجود. وكانت هذه النزعة الصوفية فى القرون الأولى للإسلام عامة بين المسلمين يذهب إليها كل منهم على حدة، ويجاهر بتأييدها كثيرون من فحول المتكلمين، وتؤدى بين حين وآخر إلى آراء تغلو فى القول بوحدة الوجود، حتى لقد أنكرها بعض كبار

стр. 1024

العلماء بسبب مثل هذه الزلات، ولكنها ظلت هن غيرأن تندمج فى جملة العقائد الإسلامية، وكانت تختلف فى مظهرها بين الزهد والنظر العقلى. وكانت غايتها معرفة الله بطريق العبادات أو اتباع أهل التصوف مستعينة على ذلك بالتأثير فى نفس المريد أو بالايحاء الذاتى أو غيرهما. وكانت المهمة التى نهض لها الغزالى (المتوفي عام ٥٠٥ - هـ (١١١١ - ١١١٢) أن أقام بناء مذهب صوفى لطف فيه هن القول بوحدة الوجود أو هو قضى عليه قضاء تامًّا. وجعل كشف أهل التصوف مصدرًا من مصادر علم الكلام الإسلامى إلى جانب النقل والعقل. استخدم الغزالى العقل فى نقد العقل، وفى البرهنة على أن الانسان لا يستطيع أن يصل بالعقل إلى صريح الحق، واستخدم النقل فى تهذيب خيال أهل التصوف وفى القبض على عنانه، وبنى مذهبه الكلامى على مشاهدات المؤمن لنفسه بعد تهذيب هذه المشاهدات وإصلاحها على هذا النحو الذى بيناه. غير أنه فيما يتعلق بذات الله اتبع رأى محمدًا [ ﷺ ] ولم يحد عنه شيئًا. والله عند الغزالى إرادة، وكان يشاهد فعل الله ويلمسه فى كل ما حوله من أشياء. وقد يكون الغزالى صاحب مذهب فى علم النفس أساسه: أنا أريد فأنا موجود. نفخ الله فى الانسان من روحه (سورة الحجر، آية ٢٩؛ سورة ص، آية ٧٢) والنفس الإنسانية تخالف كل شئ فى هذا الكون لأنها جوهر روحانى؛ هى مخلوقة، ولكنها ليس لها صورة وليس لها حجم ولا مكان، وهى فى هذه القطيعة على الأرض تصبو إلى العالم الإلهى، ولذلك تشتاق نفوسنا إلى الله. ورغم ما فى هذه الآراء من نفى المخالفة بين الخالق والمخلوق، فلا شك أنها قريبة جدًّا من رأى محمدًا [ ﷺ ] ولذلك صار الغزالى عند جمهور المسلمين، ولا يزال إلى اليوم أعظم الفقهاء، ومقامه عند المسلمين مثل مقام القديس أوغسطين أو القديس توماس

стр. 1025

الأكوينى عند المسيحيين، وإذا ما خالفه أحد متكلمى الإسلام اليوم، فإنه يؤثر أن يصف الرأى الذى يرفضه بأنه فهم خافى لرأى الغزالى الحقيقى، ولذلك يدرس المسلمون كتابه "إحياء علوم الدين" بشغف عظيم إلى جانب مذاهب أهل الحديث الراسخة. ولما كانت النزعات الثلاث تتمثل جميعًا فى مذهب الغزالى، ولما كان جميع المسلمين اليوم -ما عدا المتطرفين- يأخذون بما يقوله الغزالى فى أمر العقائد الإسلامية ويقدرونه تقديرًا كبيرًا، فيحسن أن نرجع إلى الرسالة القدسية التى كتبها فى بيت المقدس وأدمجت فى كتاب الإحياء بعد ذلك (ج ٢، ص ٨٦ وما بعدها من طبعة القاهرة): تبيّن هذه الرسالة مذهب جمهور المسلمين فى ذات الله بيانًا حسنا ومن أسف أنها لم تترجم وأن المقام لا يسمح بذكر ترجمتها. وكل ما نستطيعه هو أن نشير إلى تحليل واف لها فى Algayel: Asin Palacios سرقسطه، سنة ١٩٠١، ج ١، ص ٢٣٣ - ٢٨٣ وإلى تحليل قصير لها فى كتاب الأستاذ كارًا دى فو Carra de Vaux عن الغزالى، باريس، ١٩٠٢ ص ٩٧ وما بعدها، وأشير أيضًا -فيما يتعلق بترجمة كثير من عقائد المسلمين الأخرى- إلى كتابى Development of Muslim Theology ص ٢٩٣ - ٣٥١. والعقائد الإسلامية -كما تقررها الرسالة القدسية - تصطبغ بصبغ ثلاث خاصة، غير أن الماتريدى المتوفى ٣٣٣ هـ (٩٣٥ م) وهو معاصر قريب للأشعرى أسس فرقة لا تزال تعاليمها موجودة، وهم يعدون من أهل السنة, اتبعوا رأى أبي حذيفة (المتوفى ١٥٠ هـ = ٧٦٧ م). ولذلك يسمون الحنفية غالبًا، ومعظمهم من الترك. وتجد فى كتابنا المتقدم الذكر ص ٣٠٨ وما بعدها عقيدة أصحاب الماتريدى بتمامها كما تجدها فى العقائد النسفية. ونستطيع أن نلخص ما جاء فيها خاصًا بذات الله كما يلى: ١ - أضاف الماتريدى إلى صفات الله الأزلية صفة "التكوين". ومن الصفات الدالة عليها الخلق والإحياء والرزق والإماتة، وتسمى هذه الصفات

стр. 1026

الأفعال، وهى حادثة عند الأشعرية ولكنها قديمة عند الماتريدى لأنها مثل صفة التكوين. وفى هذا محاولة ظاهرة لإيجاد علاقة بين الله الذى لا يتغير وبين العالم المتغير. ١ - كان الأشعرى يقول بالاكتساب وهو لا يعدو شرحا لكيفية الاختيار فى الإنسان، أعنى أن الله يخلق فى الإنسان شعورًا بأنه مختار، ولكن الماتريدى أبدل الاكتساب بالاختيار، وقال إن الإنسان يثاب ويعاقب على أفعاله الاختيارية ثم هو يترك المسألة عند هذا الحد. ٣ - ولكن الأفعال كلها رغم هذا تكون بإدارة الله، غير أن الله إنما يرضى عن الخير دون الشر. ٤ - إذا كلف الله عباده شيئًا أعطاهم القدرة عليه، وهذا هو أساس التكليف. ٥ - صفات الله ثابتة لا تتغير، والتغير إنما يحصل فى المخلوقات فتنعم وتشقى والعكس. وهذا التغير هو فى نعيم المخلوقات وشقائها وليس تغيرًا فى إرادة الله. وهذا يتضمن القول بأن الله لا يتغير وأن العالم يتغير. ٦ - وقد لاحظ أحد أصحاب الماتريدى أنه ليس فى مذهب الأشاعرة ما يمنع عقلا من خلود المؤمنين فى النار أو خلود الكافرين فى الجنّة، وهو خلاف ما يروى عن الأشاعرة. فعلى حين أن المعتزلة أوجبوا على الله أن يثيب العباد ويعاقبهم بالعدل، فإن أصحاب الماتريدى قالوا فقط إن الله يتنزه عن الجور لأن الجور لا يليق بحكمته. ولا نجد ما يدعونا إلى أن نذكر من الفروق بين رأى الغزالى وبين آراء المعتزلة فوق ما ذكرنا، والغزالى فى رسالته يهاجمهم بنوع خاص، ويدحض قولهم بنفى الصفات وما أوجبوا على الله من فعل الأصلح لعباده، ومن نفى الكلام عنه، ونفى رؤيته فى دار القرار. أما أدلة الغزالى على أن العالم مخلوق فهى موجهة للفلاسفة الأرسططاليسيين الأفلاطونيين الذين قالوا بقدم العالم، على أن الغزالى نفسه لم يكن يذهب إلى أن هذه الأدلة كافية، لأنه إنما عرف أن العالم مخلوق لأنه أدرك الخالق من طريق الذوق إدراكًا روحيًا من غير

стр. 1027

واسطة، وليرجع القارئ إلى وصف الغزالى لأطوار حياته الدينية وما أحس به فى كل طور فى كتابه "المنقذ من الضلال". وهو فى رده على المشبهة أكثر هوادة، ولكنه يعجب من حكمة الله الخفية فى ترك بعض مخلوقاته فى حجب الجهالة، بحيث لا يستطيعون أن يدركوا الفرق بين التقدم النسبى والمطلق (فصل فى كلام الله). وهو كثيرًا ما يوجه إليهم النقد المر لإصرارهم على الخطأ فى استعمال الألفاظ، وإن كانت عقائدهم سليمة من الخطأ، فمثلًا يستعمل الكّرامية لفظ جوهر بالإضافة إلى الله ظانين أن الجوهر "موجود لا فى مكان" ولكنه "موجود فى ذاته"، والحنابلة والكرامية جميعًا استعملوا لفظ الجسم بالإضافة إلى الله بمعنى شئ "موجود" أو "موجود فى ذاته"، وعامة المجسَّمة ذهبوا إلى القول بأن لله جهة، وهو تفسيرهم لمعنى استوائه على العرش، غير أن الغزالى يقرر أخيرًا (أصل ١ أصل ٦) تقريرًا لا يحتمل الشك أن الخالق منزه عن صفات المخلوقين. ويصعب أن نوفق بين هذا وبين الأجزاء الأخيرة من كتابه، عند بيانه للأساس الصوفى الذى تقوم عليه العقائد، ثم بينه وبين تفسير الغزالى للآية التى تنص على أن الله نفخ فى الإنسان من روحه (سورة الحجر، آية ٢٩ وسورة ص، آية ٧٢)، وتفسيره لحديث إن الله خلق آدم على صورته (انظر الإشارة المتقدمة لكتاب المضنون الصغير ص ٢ وما بعدها). غير أن الغزالى فى الكتاب نفسه يثير هذه المسألة: قد يقول قائل: أليست مثل هذه الآراء فى نفس الإنسان مما ينفى مخالفة الله للحوادث ويؤدى إلى التشبيه؛ يجيب الغزالى عن هذا إنفس المصدر، ص ٩) بأن التشبيه إنما يتعلق بأخص وصف الله، مثل كونه قيومًا فهذه صفة ذاتية له، أما ما عدا هذا فهو لله ولكنه ليس صفة ذاتية، وليس هذا فحسب، بل إن الأشياء ليس لها من ذاتها إلا العدم، أما وجودها فمكتسب من غيرها. أما وجود الله فهو واجب غير مستفاد، والقيومية لله وحده. وهذا

стр. 1028

هو المعنى الباطن للنهى عن التشبيه، هو ينهى عن التشبيه المادى ولكنه أفسح مجالًا للتأويلات الصوفية. والغزالى فى كتاب آخر له (إلجام العوام عن علم الكلام، ص ٤٧ وما بعدها) يبين ما للتنزيه فى وصف الله من خطر يؤدى بالعامة إلى الإلحاد، وما فى استعمال الألفاظ المشتركة وضروب التمثيل من خطر يجرهم إلى التشبيه. وخطر التنزيه عنده أكبر، وهو يوصى أن يخاطب الناس بلغة وبأمثلة يستطيعون أن يفهموها. فلابد من الاقتصاد فى التعليم، وليس معنى هذا أنه يجب أن يعلموا شيئًا على غير حقيقته، بل توجد مسائل لا يحسن الخوض فيها معهم. ولم يكن للغزالى -كمتصوف- بدّ من أن يكمل هذا المذهب، فوضع له ما يحتاج من أسس فى الفصول التالية من كتابه، وخصوصًا فى كلامه عن أسرار القلب، هو يبين كيف يرى الله ويعرفه بالقلب. جاء فى الحديث أن من عرف نفسه فقد عرف ربه، وهذا هو الأساس الذى تقوم عليه حياة التصوف؛ ولكنا هنا ننتقل من علم الكلام إلى الدين ومن القول فى ذات الله إلى التحليل النفسى للعقائد، وأشير على القاريء بأن يرجع إلى محاضراتى عن ; The religious attitude and life in Islam ما العقيدة ذاتها فنستطيع أن نقول بالإجمال إنها لم تتغير حتى الآن. بيان عقيدة كل مسلم اليوم تجمع مختلف المذاهب من تنزيه وتشبيه وفناء صوفى على نسب متفاوتة. المصادر: انظر إلى جانب المصادر المذكورة فى صلب المقال: (١) Gesch. d. Herrsch.: A.V. Kremer Jdeen des Islams لييسك سنة ١٨٦٨. (٢) De strijd. over het: M.Th. Houtsma al-Aseir Dogma in den Islam tot op al، ليدن سنة ١٨٧٥ م. (٣) Muhammedanische Stud-: Goldziher ien، هال سنة ١٨٨٩ - ١٨٩٠. (٤) Zahiriten Die لييسك سنة ١٨٨٤ م. (٥) - Materialien zur Kenntniss der Al mohadenbewegung in Nordafri . ca - Deutsch. Morgent. Ge Zeitchr, d, sellsch. ج ٤١ ص ٣٠ وما بعدها).

стр. 1029

(٦) haden (Zeitcher - Die Bekenntniess formeln der Alm -Deutsch. Morgnl. Ge .f sellsch جـ ٤٤، ص ١٦٨ وما بعدها). (٧) d'Ibn Toumert le livre" الجزائر سنة ١٩٠٣ م. (٨) Beitrage zur mu-: Krehl -hammedanischen Dogmatik sit d.KS.Ges.d Wiss zungsberichte ,hist-Classe. ج ٣٧ ليبسك سنة ١٨٨٥ م). (٩) Beitrage zur Charakteristik der Leh- re vom Glauben im Islam. لييسك سنة ١٨٧٧ م. (١٠) Kitab al-Qadr: A.de Vlieger، ليدن سنة ١٩٠٣ م. (١١) The Faith of Islam: Edward Sell . لندن سنة ١٨٩٦. (١٢) Haarbrucker. Asch- TH Schahrastani's Religionspartheien and -Philosphen-Schulen unberstzt Und erk، Lart، هال سنة ١٨٥٠ - ١٨٥١ م. (٣) Mutaziliten: H.Steiner, ليبسك سنة ١٨٦٥ م. (١٤) Th Mutazil: T.W.Arnold . لييسك سنة ١٩٠٢ م. (١٥) Muhammad Iqbal The: Shaikh Development of Metaphysics in Persia, لندن سنة ١٩٠٨ م. (١٦) Irdja: G.van Vloten(Zeitschr Morgenl Gesellsck ج ٤٥، ص ١٨١ وما بعدها (١٧) Zur Geschichte Abu-l'-: W.Spitta Masan al - Ashari's لييسك سنة. (١٨) - Zur Geschichte des: M.Schreiner Asharitenthuns (Actes du VIII Congr. In tern. d. Oriental ج ١، ص ٧٧ وما بعدها، ليدن سنة ١٨٩١ م). (١٩) - Beitrage zur Geschichte der theo logischen Bewegungen `im Islam Gesellsch , . Deutsch Morgenl d Zeitschr ج ٥٢، ص ٤٦٣ وما بعدها: ٥١٣ وما بعدها، ج ٥٣، ص ٥١ وما بعدها. (٢٠) Grimme: - Teil Ein Mohammed,ll, in den Koran leitung مونستر سنة ١٨٩٥. (٢١) Avicenne: de vaux .. وباريس سنة ١٩ ... (٢٢) Moslem Doc-: S.M. Zweemer The trine of God إدنبرة سنة ١٩٠٥. [ماكدونالد D.B.Macdonald]

стр. 1030

تعليق على مادة "الله" ﷻ (١) التحقيق، أن لفظ الجلالة جرى فى الدلالة على معناه مجرى الأعلام وكل ما ذكر فى اشتقاقه وتصريفه لا وجه له. (٢) لقد تورط الكاتب فى هذا المقام تورطًا ألجأ إليه عدم وقوفه على مذاهب العرب ودياناتها فى الجاهلية واعتقاده أن أهل مكة خاصة كانوا على عقيدة واحدة عبر عنها بقوله "إنها أشبه بالعقيدة المسيحية التى جعلت للقديسين والملائكة مقامًا بين الله وعباده، وحقيقة الواقع أن أهل مكة -كبقية العرب- كانوا مختلفين فى الدين والعقدة، وقد تكفل القرآن الكريم ببيان عقائدهم المختلفة فى آيات متفرقة فتراءى للكاتب أن القرآن الكريم يعبر عن عقيدة واحدة، ومن ثم أخذ ينسب -بغير حق- لبعض الآيات التناقض والاضطراب. تتميمًا للفائدة نورد للقراء مذاهب العرب فى الجاهلية وبيان القرآن الكريم فيها: فطائفة منهم أنكروا الخالق -وهم الدهريون- وإليهم يشير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ... ﴾، وطائفة ثانية قالوا بالخالق وأنكروا البعث والنشور، وإليهم يشير قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ إلى آخر الآية ... وطائفة ثالثة قالوا بالخالق وبالدار الآخرة وأنكروا الرسل وبعث الأجسام وإليهم يشير قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾، "أبشر يهدوننا؛ " وقوله جل شأنه: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. وهذه الطائفة تنقسم قسمين: ففريق منهم -وهم الذين يعتقدون بوجود الملائكة- يقولون: "لولا أنزل عليه ملك" الآية ... وفريق آخر -وهم الذين لا يعتقدون بوجود الملائكة - كانوا يعتقدون بالأصنام يعبدونها على أنها وسائل وشفعاء عند الله، وهم دهماء العرب. ولكل قبيلة أو بضع قبائل صنم خاص هو معبودهم الذى يلجئون إليه، وإليك بيان كل قبيلة والصنم الخاص بها:

стр. 1031

كان (ود) لقبيلة كلب وهو بدومة الجندل، وكان (سواع) لقبيلة هذيل، وكان (يغوث) لقبيلة مذحج ولقبائل من اليمن، وكان (يعوق) لقبيلة همدان، وكان إنسر) لذى الكلاع بأرض حمير، وكانت (اللات) لثقيف بالطائف، وكانت (العزى) لقريش وجميع بنى كنانة وقوم من بنى سليم، وكانت (مناة) للأوس والخزرج وغسان، وكان لهم جميعا صنم هو أعظم أصنامهم يسمونه (هُبَل) وضعوه على ظهر الكعبة، وكان لبنى ملكان من كنانة صنم يقال له (سعد) وهو الذى قال فيه قائلهم: أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد فلا نحن من سعد وهل سعد إلا صخرة بتنوفه ... من الأرض لا يدعو لغى ولا رشد هذا وقد كان من أهل مكة فى الجاهلية من يؤمن بالله واليوم الآخر وينتظر أن يبعث الله رسولًا للعباد، ومن هؤلاء عبد المطلب، كان يقول: والله أن وراء هذا الدار دارًا يجزى فيها المحسن بإحسانه والمسئ يعاقب بإساءته. ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل؛ كان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول: أيها الناس هلموا إلىّ فإنه لم يبق على دين إبراهيم أحد غيرى. ومنهم قس بن ساعدة؛ كان يقول: كلا ورب الكعبة ليعودن ماباد، ولئن ذهب ليعودن يومًا. ومنهم عامر بن الظرب؛ كان يقول: إنى أرى أمورًا شتى وحتى. قيل له: وما حتى؟ قال: حتى يرجع الميت حيًا ويعود اللاشئ شيئًا. ولذلك خلقت السموات والأرض. ثم إن من العرب من كان يهوديًّا، ومنهم من كان نصرانيًا، ومنهم من كان يصبو إلى الصابئين ويعتقد فى الأنواء. (٣) يحوم الكاتب من بعيد حول عقيدة الإسلام فى التنزيه والتوحيد التى جاء بها محمد ﷺ ، فبعد أن يكاد يصل إلى كنه هذه العقيدة التى تبدو فيما ورد من الآيات القرآنية الكريمة إذا هو يرجع فلا يقوى على إدراكها تمام الإدراك لبعده عن

стр. 1032

اللسان العربى، وحقيقة الواقع أن القرآن الكريم قد شرح هذه العقيدة وحللها بما لم يسبقه دين من الأديان، فهو يقرر أن الله ذات لا كالذوات التى ينالها الحس ويدركها العقل، فهو ليس بمادة ولا متصل بالمادة إلا اتصال الإيجاد والتدبير. فمحال أن يدرك العقل كنهه لأن العقل لا يدرك إلا ما هو مادة أو متصل بها ولابد من صلة بين المدرك والشئ الذى يدركه حتى يمكن أن تتحقق بينهما نسبة الإدراك. وكل ما أمكن العقل أن يدركه هو آثار هذه الذات التى أرشدت إلى وجودها وهذه الآثار هى التى حددت معانى الأسماء والصفات، وأقرب مثل لهذا "الكهرباء" فإنه لا يشك أحد فى وجودها ولم يمكن معرفة حقيقتها إلى اليوم، وكل ما أمكن معرفته هو آثارها من نور وتحريك وغير ذلك. على أن هذه الصفات ليست كالصفات التى تراها قائمة بالبشر لأنه ما دام الموصوف متغايرًا بالكنه فلا يمكن أن تكون الصفات متفقة فى حقيقتها. وغاية الأمر أن ضرورة الدعوة إلى معرفة الله وإرشاد الخلق إلى وجوده هى التى جعلت الدين يخاطب الناس بما يعرفونه بينهم من الصفات. (٤) تبين لك مما أسلفنا أن اتصاف الله بهذه الصفات ليس كاتصاف البشر بها وأن هذه الصفات نفسها ليست كنظائرها من صفات البشر. فإذا صح الحكم على وصفك إنسانًا بأنه ظاهر وباطن معًا بأن هذا تناقض فإنه لا يصح هذا الحكم على وصف الله بهاتين الصفتين. (٥) القدوس هو المنزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج به ضمير أو يقضى به تفكير. وكما يقال قدس العبد فى علمه وإراداته بمعنى ارتقى علمه عن الحسيات وارتقت إرادته عن الشهوات فصار لا يشابه الحيوان فى إدراكه ولا يماثله فى شهواته فكذلك معنى القدوس بالنسبة لله فقد تنزه عن أن يشاركه أحدٌ فى صفة من صفاته. (٦) السلام هو الذى تسلم ذاته عن العيب وصفاته عن النقص وأفعاله عن

стр. 1033

الشر فليس فى الوجود سلامة إلا وهى منتسبة إليه، والمراد من سلامة أفعاله عن الشر يعنى الشر المطلق المقصود لذاته لا لخير حاصل فى ضمنه أعظم منه وليس فى الوجود مطلق بهذا المعنى. (٧) نور السموات والأرض يعنى مظهر الكون العام ومخرجه من ظلمة العدم إلى نور الوجود، وهذا شئ معنوى محض ليس من جنس صورة المذبح المضاء ولا ما يوقده النصارى فى كنائسهم وأديرتهم كما تخيله الكاتب. (٨) علمت مما ذكرناه فى صفة القدوس والسلام والنور أن لا غموض فى شئ منها، وعجز الكاتب عن الوصول لهذه المعانى لا يخليه من المسئولية فى تهجمه على دعواه الغموض فيها بالباطل. (٩) البارى هو الذى خلق الخلق وقدره تقديرًا. وهذا المعنى يساعد عليه الاشتقاق فى اللغة العربية، فزعم الكاتب أنه مأخوذ من اللغة العبرية، مستعمل دون أن يقصد منه معنى خاص، زعم فاسد. وخلاصة القول أن دراسة الكاتب للدين الإسلامى دراسة ناقصة مهوشة وكل ما ذكره من التناقض والاضطراب فمنشؤه عدم قدرته على فهم مرامى القرآن الكريم والأحاديث فى تصوير عقيدة التوحيد والتنزيه وشرح الأسماء والصفات. ولا أزال أكرر أن المدلولات اللغوية لما ورد من أسماء الله الحسنى وصفاته ليست متصورة إلا لتقريب المعنى إلى أفهام الناس وتصويره لهم. محمد عاشور الصدفى * * * يبدو لمن قرأ مقال هذا المستشرق أنه لم يطلع على الآيات القرآنية الكريمة التى فيها أسماء الله وصفاته، وإنما أخذ أرقامها من الفهارس فقط، أو لعله قرأها ولم يتدبرها ولم يفقه معانيها. وقد يكون له فى هذا شئ من العذر، فإنه يقرأ فى لغة لم يتقنها ولم يمرن عليها لسانه ولا تفكيره، فلا يصل إلى شئ من أسرار معانيها وبلاغتها، أضف إلى ذلك سمو القرآن الكريم فى

стр. 1034

عبارته إلى أعلى درجات البلاغة والإعجاز، مما كان سببًا فى اختلاف كثير من علماء الإسلام، أهل اللغة وأبناء العربية. وبقى مما هاجم به الكاتب الشريعة الإسلامية، أن عمد إلى أساس من أقوى دعائمها -وهو الأحاديث النبوية- يحاول هدمه بالتشكيك فيه. لم يأت الكاتب بأى دليل يؤيد طعنه على صحة الأحاديث وثبوتها إلا رأيه ورأى أخ له هو المستشرق (كولد سيهر) ثم إثارة الشكوك بكلمات جوفاء لا طائل تحتها، كادعائه أن من الواضح أن هناك أحاديث كثيرة لا يمكن أن تكون صدرت عن النبى ﷺ ، وأن محاولة وجود شئ فى الحديث يمكن القطع بصحة نسبته إليه تاريخيًا - محاولة فاشلة، وأن الفرق الإسلامية لما اختلفت فى الآراء أخذ كل فريق منها يضع لم أحاديث يؤيد بها رأيه، وأن الأحاديث التى فيها مشابهة لما ورد فى القرآن الكريم مشكوك فيها أيضًا. وكدعوى كولدسيهر "أن الأحاديث ليست فى الواقع إلا سجلا للجدل المدينى فى القرون الأولى، ومن ثم كانت قيمتها التاريخية، ولكن هذا السجل مضطرب، كثير الأغلاط التاريخية، وفيه معلومات مضللة لم تؤخذ من مصادرها الأولى"، إلى آخر ما ألقاه من دعاوى، وما أثاره من شكوك. وقد عنى المسلمون بحفظ أسانيد شريعتهم من الكتاب والسنة، بما لم تعن به أمة قبلهم، فحفظوا القرآن الكريم، ورووه عن رسول الله ﷺ متواترًا، آية آية، وكلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، حفظًا فى الصدور، وإثباتًا بالكتابة فى المصاحف حتى رووا أوجه نطقه بلهجات القبائل ورووا طرق رسمه فى الصحف، وألفوا فى ذلك كتبًا مطولة وافية. وحفظ المسلمون أيضًا عن نبيهم كل أقواله وأفعاله وأحواله، وهو المبلغ عن ربه والمبين لشرعه، والمأمور بإقامة دينه. وكل أقواله وأفعاله بيان للقرآن الكريم، وهو الرسول المعصوم والأسوة الحسنة. قال تعالى فى

стр. 1035

صفته: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (سورة النجم الآية: ٣ و ٤) وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ سورة النحل، الآية ٤٤ وقال أيضًا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... ﴾ سورة الأحزاب، الآية ٢١. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب كل شئ يسمعه من رسول الله ﷺ ، فنهته قريش، فذكر ذلك للرسول [ ﷺ ] فقال: "اكتب فوالذى نفسى بيده ما خرج منى إلا حق" ففهم المسلمون من كل هذا أنه يجب عليهم أن يحفظوا عن رسولهم كل شئ، وقد فعلوا، وأدوا الأمانة على وجهها، ورووا الأحاديث عنه، بعضها متواتر إما لفظًا ومعنى، واما معنى فقط، وبعضها بالأحاديث الصحيحة الثابتة، مما يسمى الحديث الصحيح والحديث الحسن، ولم يحتجوا فى دينهم بغير هذه الأنواع، التى لا يعارض فيها إلا جاحد أو مكابر. ومعنى "المتواتر" عند علماء المصطلح والأصول وغيرهم أنه خبر يرويه جمع من الناس يمتنع اتفاقهم وتواطؤهم على الكذب، عن جمع كثير مثلهم، وهكذا طبقة بعد أخرى، حتى يصل إلى النبى ﷺ ، فهذا لا يمكن أحدًا أن يشك فى صحته وثبوته، اللهم إلا أمثال الكاتب من المستشرقين وأتباعهم، وهذا النوع من التواتر كثير جدًّا فى السُّنة، والقليل منه متواتر بلفظه ومعناه، وأكثره متواتر بالمعنى، كعدد الصلوات الخمس، وعدد الركعات فى كل صلاة، ومثل كثير من معجزات النبى ﷺ ، وإن حاول بعض الناس فى هذا العصر إنكار المعجزات المادية. ومعنى "المشهور" أنه حديث يرويه رواة ثقات صادقون، طبقة عن طبقة حتى يصل إلى النبى ﷺ ، على أن لا يقل عدد الرواة فى كل طبقة عن ثلاثة، وهذا أيضًا كثير جدًّا فى السُّنة، باللفظ وبالمعنى، وفى الحقيقة إن المتواتر قسم من هذا النوع - المشهور -ولكنه أعلى أقسامه فى الثبوت-، فجعل نوعًا على حدة. وباقى الأحاديث الصحيحة بعد ذلك يسمى "آحادًا"، فى اصطلاحهم، وهو الحديث الذى رواه الراوى الثقة

стр. 1036

الصادق عن مثله طبقة بعد طبقة، حتى يصل إلى النبىى ﷺ ، يخبر كل واحد من هؤلاء الرواة باسم الذى أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان ليس فى أحد منهم مغمز فى دينه، ولا مطعن فى صدقه وأمانته، مع التحرى والضبط لما رووه كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً، وإن كان مروياً بالمعنى، ثم وصلت هذه الأحاديث الصحيحة، المعروف نَقَلتها، الموثوق برواتها، وإلى أئمة هذا الفن الذين تفرغوا لدرسها ونقدها، فنقدوا أحوال الرواة وتراجمهم واحداً واحداً، ونفوا رواية كل من كانت روايته موضع شك، ومن كان صدقه وأمانته موضع ريبة، مهما ضؤلت. وجمعوا هذه الأحاديث فى الكتب، ورواها الناس عنه رواية مستفيضة منتشرة، تبلغ حد التواتر إليهم، وأكثر هذه الأحاديث منقول بنقل الكافة من الناس عن مثلهم إلى أن يصل إلى رسول الله ﷺ ، فهو داخل فى المتواتر أو فى المشهور، وإما إلى أحد الصحابة، وإما إلى أحد التابعين، وإما أحد الأئمة الأعلام الذين أخذوا عن التابعين أو الذين أخذوا عن أتباع التابعين، وكلهم موضع الصدق والثقة، لا مغمز فى واحد منهم، وكما قال الإمام أبو محمد بن حزم: "هذا نقل خص الله تعالى به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غضاً جديداً على قديم الدهور ... فلا تفوتهم زلة فى كلمة فما فوقها فى شئ من النقل، إن وقعت لأحدهم، ولا يمكن فاسقاً أن يقحم فيه كلمة موضوعة، ولله تعالى الشكر" وقد كتب فى (الملل والنحل) فصلا بديعاً طريفاً فى هذا البحث، أفاض فيه القول كعادته (ج ٢ ص ٨١ - ٨٤)، وقارن فيه بين طرق الإثبات التاريخى لأسانيد الشريعة الإسلامية وبين طرق الإثبات لأسانيد غيرها، ولو أردنا الدفاع عن شريعتنا بالهجوم على غيرها لنلقنا كلامه كله، ولكننا لا نرضى أن نسير فى هذا الطريق. إن أئمة هذا الفن -فى الحديث- احتاطوا أشد الاحتياط فى النقل، فكانوا يحكمون بضعف الحديث لأقل

стр. 1037

شبهة فى سيرة الناقل الشخصية، أما إذا اشتبهوا فى صدقه، وعلموا أنه كذب فى شئ من كلامه فقد رفضوا روايته وسموا حديثه "موضوعاً". أو "مكذوبا" وإن لم يعرف عنه الكذب فى رواية الحديث، مع علمهم بأنه قد يصدق الكذوب. وكذلك توثقوا من حفظ كل راو، وقارنوا رواياته بعضها ببعض، وبروايات غيره، فإن وجدوا منه خطأ كثيراً، وحفظاً غير جيد ضعفوا روايته وإن كان لا مطعن عليه فى شخصه ولا فى صدقه خشية أن تكون روايته مما خانه فيه الحفظ. وقد حرروا القواعد التى وضعوها لقبول الحديث، وحققوها بأقصى ما فى الوسع الإنسانى، احتياطاً لدينهم، ونفياً للخطأ عن سنة نبيهم، فكانت قواعدهم التى ساروا عليها أصح القواعد للإثبات التاريخى وأعلاها وأدقها، وإن أعرض عنها كثير من الناس وتحاموها بغير علم منهم ولا بينة. ثمَّ جمعوا هم ومن جاء بعدهم كل ما وصل إليهم من روايات فى الحديث، صحيحة أو ضعيفة، مع بيان قوتها أو ضعفها فى أكثر الأحوال، وبعضهم جمع فى كتابه أحاديث صحيحة واقتصر عليها كالبخارى ومسلم، ﵄، وكتاباهما أصح الكتب ثبوتاً بعد القرآن الكريم، وأحاديثهما لا شك فى صحة شئ منها عند العلماء بهذا الشأن، وبعض العلماء عنى بجمع الأحاديث التى ثبت أنها مكذوبة على النبى ﷺ ليحذر الناس منها. وجمعوا أيضاً كل ما وصل إلى علمهم من أسماء الرواة وأنسابهم وأحوالهم وتفاصيل تراجمهم، ليكون الباحث على بينة من بحثه فى صحة الحديث، وألفوا فى كل هذا الدواوين الكبار فى مئات من المجلدات بل آلاف، مما لا نجد النزر اليسير منه عند آية أمة من سائر الأمم. أفبعد هذا العمل الضخم، والإنتاج الهائل العظيم يأتى أولئك المستشرقون ليسحروا أعين الناس، ويستهووا

стр. 1038

عقولهم، ويضعوا الغشاء على أبصارهم. إن المطَّلع على أقوال هؤلاء الناس يراهم يقبلون من الأحاديث أضعفها سنداً وأوهاها رواية، إذا وافق رأيهم وهواهم، وإن كان فى كتاب من كتب التاريخ أو السير أو غيرها بدون إسناد، ويحكمون بالكذب والوضع على أكثر الأحاديث الصحاح، مما أجمع المسلمون على صحته وثبوته، ولن تجد لهم قاعدة أو خطة يسيرون عليها فى قبول الأحاديث أو رفضها وكما ترى كاتب هذه المادة: يزعم أن الأحاديث التى تجد فيها مشابهة لما ورد فى القرآن مشكوك فيها! ! وهذا أقبح ألوان الافتراء، وأسقط أنواع الاستدلال، فإن المعقول الواضح أن الحديث الذى يوافق معنى القرآن، ويؤيده القرآن الكريم يكون معناه ثابتاً عن النبى ﷺ وإن لم يثبت لفظه ولم يقم إسناده، ولكن القوم لا يرمون إلى التحقيق العلمى، والبحث العقلى وإنما يرمون إلى التشكيك، ثم إلى الشك. أحمد محمد شاكر الأسماء الحسنى: وهى الأسماء القدسية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (سورة الأعراف الآية: ١٨٠). ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (سورة طه، الآية: ٨؛ سورة الحشر، الآية ٢٤، وغيرها). والورعون من المسلمين يعظمون دوما سر الاسم الذى هو فى الوقت نفسه يفصح عن المسمى ويحجب الإسم. المطلب الكلامى: وثمة باب فى علم التوحيد أفرد للأسماء الحسنى. والمشكلة القائمة هل يمكن لأحد أن يسمى الخالق؟ ثم عن الإله، ماذا تعنى الأسماء التى له؟ أوليات: ما هو الاسم؟ هل هو مطابق للمسمى وللاسمية؟ استعمال الأسماء القدسية: جواب رواة الحديث المأثور عن متزمتى الأشاعرة هو أن الأسماء القدسية لا يمكن أن يسمى بها الله إلا عن توقيف به ندرك أن الله ذاته قد صرح به فى القرآن، ثم وردت به السنة. ووروده فى هذه الأخيرة على هذا النحو يجب أن يكون محدداً بحديث

стр. 1039

صحيح أو حسن. ويجيز بعضهم الحكم الممكن المستنبط من إجماع. أما عند المعتزلة والكرّامية فإن العقل إذا أثبت صفة (سواء أكانت من صفات الوجود أو السلب أو الفعل) تصح للرب جاز أن يطلق عليه اسم يدل عى اتصافه بها، وردت به النصوص أم لم ترد. وهذه حال من تخصيص الاسم عن طريق العقل الإنسانى. ويجيز الغزالى هذا التخريج لتلك الصفات التى يقول إنها تعين دلالة زائدة على الذات ولا يجيزها فى الأسماء الدالة على الذات المقدسة نفسها. وللباقلانى الأشعرى تخريج بين بين تبعه عليه كثير من الأشاعرة المتأخرين، وهو: إذا كان النص أو الأثر يعطى صفة للرب، أو يخبرنا عن فعل له (ولكن فى هذه الأحوال فحسب) لوفق قواعد اللغة، فمن الممكن للمرء تسميته بالاسم المناظر، حتى ولو لم تنص عليه النصوص. ويلزم المرء أن يستثنى خاصة الأسماء غير المنزّلة التى تستدعى تصوراً منافياً للكمال الإلهى المطلق (فلا يجب أن يسمى الرب عارفاً، إذ المعرفة تعنى أن ثمة سهواً غلب، كما يجب ألا يسمى فقيهاً ولا عاقلا. . . إلخ) وبوفق هذه المقولات التى أصبحت شائعة فإن الأسماء لهذا يجب أن تكون إما منزلة، أو على الأقل ترجع إلى جذم منزل. مسألتان واردتان: أ) الأسماء سرمدية فى قول الأشاعرة، وهذا على الضد من قول المعتزلة الذين يعدونها محدثة. ب) منحى الماتريدية من الأحناف أنها -أى الأسماء- سواءٌ شأنا وفضلا (انظر: الفقه الأكبر، جـ ٢، ص ٢٦)؛ منحى الأشاعرة: أن بينها درجات فى الأثر الإلهى، والاسم: الله له الأسبقية (أو كما يميل الصوفية إلى القول بأن بعض أسماء أخرى لها الأسبقية، لا تدرك إلا بتجربة جديدة معروفة للداخلين فى الطريقة، ويصدق هذا أيضاً على الاسم نفسه الذى لا يحاط به). الأسماء التسعة والتسعون: يذكر حديث مروى عن أبى هريرة: "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحداً. إنه وتر يحب الوتر، من أحصاها دخل

стр. 1040

الجنة". وتلاوة هذه الأسماء فى تدبر أصبحت فى الإِسلام من عظمى العبادات الكادة. والمسلم الورع يكررها متدبراً إياها مستعيناً عادة بحبات السُبْحة التسع والتسعين، عدا الوهابيين الذين يخالفون هذه العادة على أنها بدعة مذمومة. ويظهر أن ثمة عادة سريانية (مسيحية) استخدمت السبحة لعد مسردة من الأسماء القدسية التى كانت أقصر كثيراً من المسردة الإسلامية. والمسلمون يجعلون لهذه الأسماء التسعة والتسعين مكانة ملحوظة، فهى تفصح فى وضوح كاف عن إيمان المسلم الورع بربه، وماذا يعنى له الاسم الأعلى "الله" الذى هو فى ذاته يطوى الأسماء الأخرى جميعها. وسوف نستنبط ثانية المسرد الأكثر قبولاً عادة بالاستناد إلى الحديث مع تفسير وشرح مختصر، وبما أن الفسحة لا تتيح لنا أن نتتبع استعماله تاريخياً فسوف نتناوله فى صورته الأخيرة، كما ورد فى أكثر تفاسير القرآن (سورة الإسراء، الآية ١١٠) وكما يتردد لفظ الجلالة "الله" على حدة فإنَّه يكون الاسم المتم المائة إذا أريد هذا (وعلى هذا تفسير الجلالين) ولكنه يعد أحياناً أول المسرد. وفى هذه الحال فإن الاسم السابع والستين "الواحد" يعدل عنه ويدمج فى الاسم الثامن والستين "الأحد". (المراجع الرئيسية: المقصد الأسنى للغزالى، طبعة القاهرة من غير تاريخ، وخاصة الصفحات ٢٣ - ٧٢؛ المواقف لعضد الدين الإيجى بشرح الجرجانى: "شرح المواقف" طبعة القاهرة ١٣٢٥ هـ = ١٩٠٧، مجلد ٨، ص ٢١١ - ٢١٧, الذى هو نفسه يشير إلى الغزالى وإلى سيف الدين الآمدى). والترتيب المألوف يمكن إقراره على النحو الآتى: الأسماء الثلاثة عشر الأولى (أو من الاسم الثانى إلى الاسم الرابع عشر حين يبدأ المسرد بالله) ترجع إلى الإحصاء القرآنى للآيات (سورة الحشر الآيات ٢٢ - ٢٤)، والترتيب التالى يبدو أنه غالباً لتقوية الذاكرة، وهو مقيد بتقفيات وروابط فعلية.

стр. 1041

مسرد الأسماء الحسنى التسعة والتسعين: ١) الله: اسم يختص به الرب، يدل على الرب نفسه وقد لا يستعمل فى شئ آخر. ٢ و ٣) الرحمن الرحيم: يعتمدان على صفة الإرادة، وكلاهما يتضمن المعنى نفسه. وعلى آية حال فعند الغزالى: الرحمن غير الرحيم فى أنه يستعمل للرب وحده (إذ الرحيم تذكر بالرحمن، والذى هو من الأسماء الحسنى). ٤) الملك: يدل على استغناء (صفة سلب) عن كل الأشياء، وتبعية كل شئ للرب (صفة إيجاب) وكمال القدرة القدسية (من صفات القدرة). ٥) القدوس: فى معنى الانفصال (من صفات السلب) وهى تشير إلى: أ) الخلو من كل عيب. ب) أنه لا بالحدس ولا بالرؤية يدرك غيب الرب. ٦) السلام: أ) مالك السلام الذى لا شية فيه (من صفات السلب. ب) واهب السلام والخلاص عند بدء الخلق وفى وقت البعث (من صفات الوجود). جـ) سيظهر بركة السلام على خلقه (من صفات الكلام). ٧) المؤمن: أ) بالنظر إلى هذا الاسم فإن أئمة الكلام تكلموا عن إيمان الله "غير المخلوق" فى ذاته، وعقب الإيجى أن الله مؤمن بمقدار ما يضع من إيمان فى ذاته ويعدل ما يكون من إيمان فى ذاته ما يضفيه على رسوله، يعنى أنه يوثق نفسه ويوثق رسله بيقينه الأسمى؛ أى يكمل إما بتوثيق ذاته ورسوله (من صفات الكلام) وإما بالفعل بخلق البرهان الخارق. ب) وقد يسمى الرب أيضاً مؤمناً عند حوارييه أصلاً من أصول الأمان. ٨) المهيمن: أ) الشاهد دوماً، الذى يحيط بكل شئ (من صفات المعرفة). ب) مشاركة لأمين، تجعل بمعنى مخلص، صادق فى كلامه (من صفات الكلام). ٩) العزيز: أ) صفة سلب تعنى عند الغزالى نادر ثمين جداً صعب المنال، وهكذا الرب لا وجود لمثله حتى إنه لا نظير له مطلقاً، ضرورى حتى إنه لا شئ يوجد إلا به، غير ممكن إدراكه فهو وحده يعرف نفسه. وعند الإيجى لا أب له ولا أم ولا مكان يحتويه ولا شئ يشبهه. ب) من صفات الفعل؛ يعاقب من يشاء؛ وهو الذى يملك أن يجازى على الأفعال. ١٠) الجبار: فلا يمكن أن يصمد له شئ أو إرادة. وفى معنى آخر للأصل

стр. 1042

جبر: الذى يعمد إلى الحق. الذى يعيد ما يخص خلقه حسبما يشاء، وعلى وفق الأحوال؛ وهى من صفات الفعل أو السلب والإيجاب معاً، وترادف عظيماً فى المعنى. وعلى هذا فهو منزه من كل نقص. ١١) المتكبر: كل شئ يبدو حقيراً قياسا إلى ذاته؛ وعند الإيجى والجرجانى: معناه قريب جداً من عظيم. ١٢) الخالق و ١٣) البارى: عند الإيجى والجرجانى معنى واحد: المنشئ. خالق الأشياء. ١٤) المصور: المدبر. الذى ينظم صور الأشياء. وهذه الأسماء الثلاثة الأخيرة تعتمد على صفات الفعل. والغزالى يحللها أكثر دقة، والثلاثة كلها تتضمن السلوك من العدم إلى الوجود، الأولى للعزم وفقاً للقدر، والثانية للوجود لذا ناسب تسميتها وجوداً، والثالثة لتنسيق الأشكال وفقاً لخير السُّنن. والأسماء من الثانى إلى الرابع عشر جاءت على نفس الترتيب فى القرآن الكريم (سورة الحشر، الآيات: ٢٢ - ٢٤) ثم الأسماء التالية مصنفة أفضلية حسب تنغيم الصوت. ١٥) الغفَّار: الذى يعلم كيف يتجاوز عن الحكم بالعقاب والغفار من صفات الإرادة. ١٦) القهار (من صفات الأفعال السلبية). ١٧) الوهاب: (صفة وجود). ١٨) الرزاق: يُعنى بدءاً بالحاجات الطبيعية لكل إنسان (الجرجانى) وكذلك أيضاً الحاجات الروحانية للمخلوقات المفكرة (الغزالى)، من صفات الفعل، ١٩) الفتّاح: (ثلاثة ألوان من المعانى تبعاً لاختلاف ما يتضمنه الجذم): أ) الظافر الذى يقهر المصاعب ويجلب النصر (من صفات الوجود). ب) الحَكَم، سواء أصدر حكمه (من صفات الكلام) أو جعل الحكم معلوماً (من صفات الإرادة) جـ) الكاشف الذى يكشف للناس ما يظل مغيباً عنهم (الغزالى). ٢٠) العليم: اسم مرتبط ارتباطاً تاماً بصفة العلم التى هى من صفات الماهية (ذاتى)؛ صفة حقيقية مشاركة فى قول الجرجانى. والأسماء الستة الآتية على حين ترجع إلى أصول قرآنية فهى لم ترد فى القرآن الكريم بنصها، وهى لهذا تعد تواترية (نقلية) وهى مسوقة أزواجاً

стр. 1043

على التضاد والترابط معا، وتوضح عطاياه سبحانه التى لا مقابل لها على الإطلاق. ٢١) القابض. و ٢٢) الباسط و ٢٣) الخافض. و ٢٤) الرافع و ٢٥) المعز و ٢٦) المذل و ٢٧) السميع ٢٨) البصير: الله يسمع ويرى كل الأشياء وفقاً لصفتين من صفات الذات أكدهما القرآن الكريم. ٢٩) الحَكَم: فى وضعه حكم ملكوته صورة من الحكمة والتدبر (الغزالى) متصلة بصفات المعرفة والكلام والفعل. ٣٠) العدل: لا قبيح يصدر عنه (من صفات السلب. ٣١) اللطيف: الذى يخلق فى عباده نعمة اللطف ليكونوا فى عون بعضهم (من صفات الفعل). ٣٢) الخبير: أ) الحكيم، وهى قريبة جداً من العليم، فى معنى العلم بأسرار قلوب الخلق (من صفات المعرفة). ب) الذى يختار، والذى يقضى مختاراً (من صفات الكلام). ٣٣) الحليم: الذى يمهل العقاب (من صفات السلب). ٣٤) العظيم: (انظر المعنى الوارد مع الجبار)؛ عند الغزالى: الذى وراء حدود إدراك الإنسان تماماً كالأرض والسماء اللتين لا يحاط بهما بلمحة واحدة. ٣٥) الغفور: أ) عند الإيجى والجرجانى: مشابهة فى المعنى للغفار تماماً مثل الرحمن الرحيم فهما متشابهان فى المعنى. ب) عند الغزالى: الغفار يؤكد أن الرب يعفو حتى عن الخطايا المتكررة مع أن الغفور تحمل على الإطلاق ودون قيد عفو الرب السرمدى. ٣٦) الشكور. وفى المعنى الاستعارى مأخوذة من شُكر. أ) الذى يعطى كثيراً لقاء قليل (من صفات الفعل). ب) ويثنى على كل من يطيعه (من صفات الكلام). ٣٧) العلى: عند الإيجى: مرادفة للمتكبر، وعند الغزالى: الذى رتبته فوق رتبة المخلوقات. ٣٨) الكبير: عند الإيجى: مرادفة للمتكبر وللعلى وعند الغزالى: مرادفة للعظيم. ٣٩) الحفيظ: معنى قريب من عليم عند الإيجى، فإن الحفظ نقيض الإهمال والسهو، ولهذا كان لها أصل فى العلم: أ) الرب حافظ، متصل الفعل، وبهذا يرقب الكون أجمع، دون أن تكون رعايته للأشياء واحداً

стр. 1044

بعد الآخر (من صفات السلب). ب) يؤكد دوام المخلوقات بحفظ يحميها من العاديات (من صفات العمل). ٤٠) المقيت: أربعة ألوان من المعانى: أ) منبع القوة، لأنه يخلق الغذاء (المادى والروحى)، وهى مرادفة للرزاق (الغزالى). ب) الفاصل الذى يقضى ولا يرد قضاؤه (من صفات القدرة). جـ) الشاهد الذى يعلم الغيب (من صفات المعرفة) د) الحاضر. ٤١) الحسيب: أ) الذى يعطى ما يكفى لأنه يخلق لعباده ما هو كاف لهم (من صفات الوجود). ب) الذى يسأل بكلماته من يتبع الشرع الحساب عما عمل من حسنات وسيئات (من صفات الكلام). ٤٢) الجليل: أ) عند الغزالى: إظهار جلال الصفات الإلهية الذى يميز هذا الاسم عن الكبير والعظيم، بمعانيهما المتقاربة. ب) وعند الإيجى: مرادف للمتكبر. جـ) وعند الجرجانى: موصوف بصفات الجلال والجمال. ٤٣) الكريم: أربعة ألوان من المعانى: أ) ذو الجود (من صفات الفعل). ب) الذى يقدر قدر الجود (من صفات القوة). جـ) منه يفيض جميع السمو (من الصفات الإضافية). د) الذى يغفر الذنوب. ٤٤) الرقيب: قريب فى المعنى من حفيظ (ومن ثم فهو مشتق من معنى عليم) ويؤكد الغزالى أن ملاحظته للأشياء لازمة دائمة لا يغفل عنها. ٤٥) المجيب: الذى يجيب دعوات الضارعين؛ وعند الغزالى: الذى يعجل فيكفى الخلق ما يحتاجون؛ الذى يسعفهم. ٤٦) الواسع: الذى يشمل بكرمه كل الأشياء، ويبسط جوده إلى كل موجود. علمه بكل معلوم. قدرته على كل شئ يمكن أن يعزم عليه، على الإطلاق ودون حاجة إلى الالتفات على التوالى للأشياء (الجرجانى)، ٤٧) الحكيم: مرادف للعليم (الإيجى) ذو الحكمة، ذو العلم بالأشياء كما تقع منه وبنتائج الأفعال على ما هو ملائم. ب) الحازم فى حكمه، الذى يطابق بين السلامة التامة فى رعايته لهداية العالم وبين المنفعة فى تنفيذ شرائعه. ٤٨) الودود: أ) الذى يحب الحسن من خلقه ويدبره لهم دون عوض. ب) ترجع إلى الصفة التى منها يتوجه الثناء الذى يثنى به على المؤمن والجزاء الذى يعطيه إياه. ٤٩) المجيد: أ) الجميل

стр. 1045

الأفعال، الوافر الإحسان. ب) الثناء الذى يستحقه يختص به وحده ٥٠) الباعث: الذى يحيى كل مخلوق يوم النشور (هذا الاسم وحده له أصل تواترى) ٥١) الشهيد: أ) الذى يعلم الغيب ب) الذى هو حاضر (انظر المعنى الثالث للمُقيت). ٥٢) الحق: تدل على العدل (من الصفة ذاتها). أ) ضرورى بجوهره. ب) صادق حقاً فى كلامه. جـ) إليه يرجع الصدق، الجلى. ٥٣) الوكيل: الذى يوكل إليه كل شئ: الذى يرعى حاجات الخلق كلها. ٥٤) القوى: الذى يملك القوة على الأشياء جميعها. ٥٥) المتين: الذى لا حد لقوته. ٥٦) الولى: فى معنى المعين. الحامى، وأيضاً القابض على زمام الملكوت. ٥٧) الحميد: المستحق للحمد (من صفات الإضافة) ٥٨) المحصى: الذى يدرك الأشياء المعدودة ويعرفها معرفة شاملة (العليم) وله القدرة عليها (القادر). ٥٩) المبدئ: الخالق المطلق للكائنات الذى منته للخير البحت. ٦٠) المعيد: الذى يهيئ الخلق للعودة بعد فنائهم: ٦١) المحيى. ٦٢) المميت: الذى يسبب الحياة والموت. ٦٣) الحى: إحدى صفات الذات فى المعنى الظاهر (الإيجى)؛ الرب فاعل ورقيب فلا أحد يؤثر فيه على أية حال، ولا أحد يمكنه أن يراه دون أن يموت، فهو حى فى أعلى درجات الحياة وأعظمها كمالا، بسبب كماله المطلق فى تأثيره وعلمه (الغزالى). ٦٤) القيوم: الباقى فى ذاته وبذاته دون أى سبب آخر للوجود غير ذاته (من صفات السلب). ب) الذى يسوس المخلوقات ويسويها، ولا أحد يوجد دونه. ٦٥) الواجد: الذى لا يعوزه شئ ولا يحتاج إلى شئ (من صفات السلب). ٦٦) الماجد (من صفات الإضافة) إليه السلطة والقوة (ملاحظة: أكثر العادين يزيدون هنا. الواحد، الفرد. والغزالى والإيجى اللذان يحذفانه يذكران المعنى مرتبطاً بشروح الأسماء الآتية): ٦٧) الأحد، من صفات الذات العليا، الصفة ذاتها التى للكمال القدسى تختلف عن الواحد كما يأتى: الأحد الفرد بذاته، تجرد مطلق للذات، الغلبة وانقطاع النظير للصفات القدسية؛ الواحد، الرب الفرد؛ لا رب آخر. ٦٨) الصمد: أ) الحاكم الذى يحكم

стр. 1046

(من صفات الإضافة). ب) معنى قريب من الحليم، الذى لا تعنيه ولا تغضبه أعمال خصومه (من صفات النفى)، جـ) السامى المقام جداً. د) الذى يتضرع إليه الإنسان ويتوسل (من صفات الإضافة). هـ) المصمت الذى لا جوف له ولا أجزاء يمكن أن ينقسم إليها. ٦٩) القادر. ٧٠) المقتدر. ٧١) المقدم. ٧٢) المؤخر: الذى يقرب ويبعد؛ الذى يدنى إليه كل من يريد ويطلعه على قربه ويبعد ويهمل كل من أراد. ٧٣) الأوَّل. ٧٤) الآخِر. هو قبل كل شئ ولا شئ قبله، هو بعد كل شئ ولا شئ بعده (السبب الأول. فعال بات - عند الغزالى - من صفات السلب) ٧٥) الظاهر، ٧٦) الباطن: أ) عرف بالبرهان القاطع (من صفات الإضافة). ب) الذى تتجلى سيطرته على كل الأشياء (من صفات الفعل)؛ خفى. أ) محجوب عن الحواس (من صفات السلب)، ب) الذى يعلم الأشياء الخفية (من صفات العلم)، ٧٧) الوالى، الحاكم (الإيجى). ٧٨) المتعالى: مرادف للعلى ولكن مع إضافة معنى النصر، ٧٩) البَر: الذى يحدث البر ليعمل عمله فى القلب ويكون منبع المنافع. ٨٠) التواب: ٨١) المنتقم. ٨٢) العَفُو. ٨٣) الرؤوف (معنى قريب من رحيم، عند الغزالى). ٨٤) مالك الملك، ٨٥) ذو الجلال والإكرام: معنى قريب من الجليل فى رأى الإيجى والآمدى. ٨٦) المقسط. ويخص ذلك الغزالى بيوم الحساب ٨٧) الجامع أ) المؤلف بين الكائنات على حسب تماثلها وتباينها وتضادها (الغزالى). ب) الذى يجمع بين الغرماء يوم الحساب (الإيجى - الجرجانى). ٨٨) الغنى. ٨٩) المغنى. ٩٠) المانع (اسم تواترى فحسب) الدافع الواقى، متصل بالحافظ الحارس اليقظ، والحافظ تبرز فكرة الحراسة والحماية؛ والمانع فكرة منع المصائب وصدها. ٩١) الضار، ٩٢) النافع: اسمان تواتريان فقط، فهما يفصحان عن أن السيئة والحسنة، والخسران والربح، والضر والنفع، تعزى إلى الله وحده. ٩٣) النور: أ) له فى ذاته برهان جلى تام. ب) هو الذى يجعل الأشياء كلها جلية واضحة، بإخراجه إياها من العدم إلى الوجود. ٩٤) الهادى: الذى يخلق

стр. 1047

الهدى فى قلوب المؤمنين، ويهدى كل كائن عاقلاً أو غير عاقل، إلى غايته. ٩٥) البديع: أ) الذى خلق وأبدع دون مثال سبق ب) الذى هو ذاته أول على الإطلاق ولا شئ يشبهه. ٩٦) الباقى: ٩٧) الوارث: الذى يستمر وجوده بعد فناء الخلق، وإليه يرجع كل ما تملكه مخلوقاته. ٩٨) الرشيد: ٩٩) الصبور، معنى قريب من الحليم (اسم تواترى فحسب). هذا هو مسود الأسماء الحسنى التسعة والتسعين؛ وثمة مسارد أخرى تزيد أحياناً على هذا العدد. فبعضها يعد: الرب، والمنعم، والمعطى، والصادق، والستار ... إلخ. وصفوة القول أن ثمة دراسات عدة للأسماء القدسية التى تذهب فى تصنيفها حسب الصفات (وعلى هذا الغزالى، المقصد، ص: ٧٢) مع ميل مقصود إلى إسباغ لون من التأمل الروحى على هذا الغرض. وثمة أمثلة كثيرة لهذا فى التصوف، ومن ثم فلم يعد هذا الأمر مسألة إيراد شرح لهذه الأسماء الحسنى التسعة والتسعين بمقدار ما هو تطبيق لجميع قواعد التوقيف واللغة لتبجيل هذا السر القدس. المصادر. (١) علاوة على الكتاب العرب الذين ورد ذكرهم فى صلب المادة فإنَّه ينبغى الرجوع إلى تفاسير القرآن الكريم الكبرى، والرسائل الكثيرة جداً عن الكلام، الفصل الخاص بالأسماء الحسنى. (٢) ونسوق مثالاً من كثير عن تأمل صوفى من الصوفية فنحيل القاريء إلى: ابن عطاء الله السكندرى: القصد المجرد فى معرفة الاسم المفرد، القاهرة، طبعة الأزهر، سنة ١٣٤٨ هـ = ١٩٣٠ م. (٣) مراجع باللغات الأوربية Muslim Creed: A.J.Wensinck كمبردج سنة ١٩٣٢، ص ١٩٦، ٢٣٩. (٤) وثمة مسردة لا تمثل الأسماء الحسنى خير تمثيل فى J. Windrow Islam and Christian Theology: Sweetman مجلد ١، ج ١، مطبعة لاتّرويرث، سنة ١٩٤٥، ص ٢١٥ - ١٦. (٥) El justo medio en: Asin Palacios - la Crencia, compendio de teologia dog

стр. 1048

matica de Algazel (وهى ترجمة كتاب الاقتصاد تعقبها ترجمة أجزاء من المقصد مع التعليق عليها) مدريد سنة ١٩٢٩، ص ٤٣٥ - ٤٧١. (٦) Les Noms, titres: Y. Moubarac et attributs de Dieu dans le Coran et leurs -correspondants et epigraphie sud semitique فى Museon، سنة ١٩٥٥، ص ٨٦ وما بعدها. الأبيارى [كارديه L.Gardet] تعقيب على "مادة الأسماء الحسنى" فى المادة -مع إلمامها بأطراف الموضوع- إيجاز مسرف طوى فى طياته التفسير المشبع الذى يجب أن يتصل بكل اسم من الأسماء الحسنى. والمادة فى إيجازها هذا - تكاد لا تعد مرجعاً مجزئاً، إذ هى ليست غير نظرة فى هذه الأسماء مجموعة مع موازنة عابرة بين بعضها البعض، كما أنه ثمة شروح أوردت وأهمل غيرها، وفى هذا الذى ترك تتمة وجلاء، وثمة إحالات إلى مواد هى تمهيد لهذا المقال، وكان لا بد من أن توجز هنا إيجازاً، إذ هى المدخل إليه والمقال عليها ينبنى، وهى إلى هذا لم توف فى أمكنتها التوفية كلها. لهذا كان لابد لهذا التعقيب من تمهيد يشمل الكلام عن الاسم والمسمى والتسمية فى إيجاز غير مخل، يكون مدخلا إلى الكلام عن الأسماء الحسنى. وإذ كنت أرى أنه لابد من أن يستوى مع هذا المقال شرح واف للأسماء الحسنى نقى من الشوائب، لكى يغنى به القاريء، ولا يجتزيء بهذه النظرة التى هى أقرب للرأى منها إلى العرض الأمين، لهذا وذاك رأيت أن أعقب ممهداً لهذا التعقيب بما ذكرت حتى أغنى القاريء بحاجته عن الأسماء الحسنى، ولا أعنيه الرجوع إلى مرجع آخر، إلا فيما ندر وكان فوق حاجة المستفيد عامة، فأقول: قال التفتازانى: الاسم، هو اللفظ المفرد الموضوع لمعنى، وهو يعم جميع أنواع الكلمة. والمسمى، هو المعنى الذى وضع الاسم بإزائه. والتسمية، هى وضع الاسم للمعنى. وقد يراد بها ذكر الشئ باسمه، فيقال: سمى زيدا، ولم يسم عمراً.

стр. 1049

وفى "جامع الرموز"، عند الكلام على جواز اليمين باسم الله تعالى: الاسم عرفاً لفظ دال على الذات والصفة معاً، كالرحمن والرحيم؛ والله اسم دال على ذات الواجب، فهو اسم للذات. وقال الأشعرى: قد يكون الاسم عين المسمى، أى ذاته من حيث هى، نحو "الله"، فإنَّه اسم علم للذات من غير اعتبار معنى فيه، وقد يكون غيره، نحو "الخالق" و"الرازق"، مما يدل على نسبة إلى غيره، ولا شك أن تلك النسبة غيره، وقد يكون لا هو ولا غيره، مثل "العليم" و"القدير"، مما يدل على صفة حقيقية قائمة بذاته، فإن تلك الصفة لا هو ولا غيره، فهكذا الذات المأخوذة منها. وقال الآمدى: اتفق العقلاء على المغايرة بين التسمية والمسمى، وذهب أكثر أصحابنا إلى أن التسمية هى نفس الأقوال الدالة، وأن الاسم هو نفس المدلول. وذهب ابن فورك إلى أن كل اسم هو المسمى بعينه، فقولك الله، دال على اسم هو المسمى، وكذلك قولك عالم وخالق، فإنَّه يدل على ذات الرب الموصوف بكونه عالماً وخالقاً. وقال بعضهم: من الأسماء ما هو عين كالوجود والذات؛ ومنها ما هو غير كالخالق، فإن المسمى ذاته والاسم هو نفس الخلق، وخلقه غير ذاته؛ ومنها ما ليس عيناً ولا غيراً، كالعالم، فإن المسمى ذاته والاسم علمه الذى ليس عين ذاته ولا غيرها، فهو لم يُرد بالتسمية اللفظ وبالاسم مدلوله، كما أريد بالوصف قول الواصف وبالصفة مدلولها. وقد اعتبر ابن فورك ومن وافقه المدلول المطابقى، وأرادوا بالمسمى ما وضع الاسم بإزائه، فقالوا: إن الاسم نفس المسمى. وأراد بعضهم بالمسمى ما يطلق عليه الاسم، وجعل المدلول أعم من المطابق، وعد فى أسماء الصفات المعانى المقصودة، وزعم أن مدلول الخالق الخلق، وأنه غير ذات الخالق، وذلك لأن صفات الأفعال غير الموصوف، وأن الصفات التى لا عينه ولا غيره هى التى يمتنع انفكاكها عن موصوفها.

стр. 1050

وأراد الأشعرى بالمسمى ما يطلق عليه الاسم، أعنى الذات، واعتبر المدلول المطابقى، وحكم بغيرية هذا المدلول، أو بكونه لا هو ولا غير، باعتبار المدلول التضمنى. وذهب المعتزلة إلى أن الاسم هو التسمية. وذهب أبو نصر بن أيوب إلى أن لفظ الاسم مشترك بين التسمية والمسمى، فيطلق على كل منهما، ويفهم المقصود بحسب القرائن. وذهب الرازى إلى أن الاسم هو المسمى. وعن الغزالى أنه مغاير لهما، لأن التسمية وطرفيها مغايرة قطعاً: (من شرح المواقف). وقال أبو البقاء: كل كلمة تدل على معنى فى نفسها ولا تتعرض لزمان فهى الاسم ... والاسم مسماه ما سواه، أو هو مسماه، أو مسماه لا هو ولا ما سواه. ثم قال: والاسم لغة ما وضع لشئ من الأشياء ودل على معنى من المعانى، جوهراً كان أو عرضاً، فيشمل الفعل والحرف أيضاً، ومنه قوله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أى أسماء الجواهر والأعراض كلها؛ واشتقاقاً هو ما يكون علامة للشئ ودليلا يرفعه إلى الذهن، من الألفاظ والصفات والأفعال؛ وعرفاً هو اللفظ الموضوع لمعنى، سواء كان مركباً أو مفرداً، مخبراً عنه أو خبراً أو رابطة بينهما. ثم قال: والاسم أيضاً ذات الشئ قال ابن عطية: ذات ومسمى وعين واسم بمعنى. وقال: الاسم أيضاً الصفة، يقال: الحق والخالق والعليم أسماء الله تعالى، وهو رأى الأشعرى، والمسمى هو المعنى الذى وضع الاسم بإزائه، والتسمية هى وضع الاسم للمعنى. وقد يراد بالاسم نفس مدلوله، وبالمسمى الذات من حيث هى هى؛ وبالتسمية نفس الأقوال؛ وقد يراد ذكر الشئ باسمه، كما يقال: سمى زيداً ولم يسم عمراً. وقال: والاسم إن دل على معنى يقوم بذاته فهو اسم عين، كالرجل والحجر؛ وإلا فاسم معنى، سواء كان

стр. 1051

معناه وجودياً كالعلم، أو عدمياً كالجهل. ومثل زيد وعمرو، هو اسم علم، ومثل رجل وامرأة، هو اسم لازم، أى لا ينقلب ولا يفارق، ومثل صغير وكبير، هو اسم مفارق؛ ومثل كاتب وخياط، اسم مشتق، ومثل غلام جعفر، وثوب زيد، هو اسم مضاف، ومثل فلان أسد، هو اسم مشبه؛ ومثل أب وأم، هو اسم منسوب يثبت بنفسه ويثبت غيره؛ ومثل حيوان وناس، اسم جنس. والاسم -باعتبار معناه- على ستة أقسام، فنحو: زيد، جزئى حقيقى؛ ونحو: الإنسان، كلى متواطئ؛ ونحو: الوجود، كلى مشكك؛ ونحو: العين، مشترك؛ ونحو: الصلاة، منقول متروك؛ ونحو: الأسد: حقيقى ومجاز. ووقوع الاسم على الشئ باعتبار ذاته كالأعلام، وباعتبار صفة حقيقية قائمة بذاته، كالأسود والأبيض والحار والبادر، وباعتبار جزء من أجزاء ذاته، كقولنا للحيوان: إنه جوهر وجسيم، وباعتبار صفة إضافية فقط، كقولنا للشئ: : إنه معلوم ومفهوم ومذكور ومالك ومملوك، وباعتبار صفة سلبية كالأعمى والفقير، وباعتبار صفة حقيقية مع صفة إضافية، كقولنا للشئ: إنه عالم وقادر، فإن العلم عند الجمهور صفة حقيقية ولها إضافة إلى المعلومات، وكذا القدرة صفة حقيقية ولها إضافة إلى المقدورات؛ وباعتبار صفتين: حقيقية وسلبية، كشجاع وهى الملكة وعدم البخل؛ وباعتبار صفتين: إضافية وسلبية، كالأول، لأنه سابق لغيره ولم يسبقه غيره؛ وقيُّوم، لأنه غير محتاج إلى غيره ومقوَّم لغيره؛ وباعتبار الصفات الثلاث كالإله، لأنه دال على وجوبه لذاته وعلى إيجاده لغيره وعلى تنزيهه عما لا يليق به. والاسم الواقع فى الكلام قد يراد به نفس لفظه كما يقال: زيد معرب، وضرب فعل ماض، ومن حرف جر؛ وقد يراد به نفس ماهية المسمى، مثل: الإنسان نوع، والحيوان جنس؛ وقد يراد به فرد، نحو: جاءنى إنسان، ورأيت حيواناً، وقد يراد جزؤها، كالناطق؛ أو عارض لها كالضاحك.

стр. 1052

ولا يبعد أن يقع اختلاف واشتباه فى أن اسم الشئ نفس مسماه أو غيره، وفى مثل كتبت زيداً، يراد به اللفظ، ومثل: كتب زيد، يراد به المسمى؛ وإذا أطلق بلا قرينة ترجح اللفظ أو المسمى، كما فى قولك: زيد حسن، فإنه يحتملهما بلا رجحان، فالقائل بالغيرية يحمله على اللفظ، وبالعينية على المسمى. وعند النحويين غير المسمى، إذ لو كان إياه لما جازت إضافته إليه، إذ الشئ لا يضاف إلى نفسه. والاسم هو اللفظ المعلق على الحقيقة، عيناً كانت تلك الحقيقة أو معنى، تمييزاً لها باللقب ممن يشاركها فى النوع. والمسمى هى تلك الحقيقة، وهى ذات ذلك اللقب، أى صاحبه؛ فمن ذلك: لقيته ذات مرة، والمراد الزمن المسمى بهذا الاسم، الذى هو مرة. والدليل على التغاير بينهما أيضاً ثبوت كل منهما. حال عدم الآخر، كالحقائق التى ما وضعوا لها اسما بعينه، وكألفاظ المعدوم والمنفى، وكالأسماء المترادفة المشتركة، فإن كثرة المسميات ووحدة الاسم فى المشترك، وبالعكس فى المترادف، توجب المغايرة، لا سيما أن الاسم أصوات مقطعة وضعت لتعريف المسميات، وتلك الأصوات أعراض غير باقية. والمسمى قد يكون باقياً، بل قد يكون واجب الوجود لذاته. وإطلاق الاسم بمعنى الصفة على ما مدلوله مجرد الذات، بلا معنى زائد، محل نظر، فإن قيل: لو كان الاسم هو المسمى لاستقام أن يقال: إن الله اسم، كما يستقيم القول بأن الله مسمى، واستقام أن يقال بأنه عبد اسم الله، كما يستقيم القول بأنه عبد الله. قال صاحب "الكافى": السبيل فى مثله التوقيف، ولم يرد التوقيف بأن اسم الله هو الله، ولا بأن عبد اسم الله عبد الله. والمحكى عن المعتزلة أن الاسم غير المسمى. ولفظ الاسم فى قوله تعالى (سبح اسم ربك) و (تبارك اسم ربك) مقحم. قال أبو البقاء: ولنا أن تلكما الآيتين دليل على أنهما واحد، إذ لو كان الاسم

стр. 1053

غير المسمى لكان أمراً بالتسبيح لغير الله، وعلى هذا إذا قال: زينب طالق، واسم امرأته زينب، يقع على ذات المرأة لا على اسمها. وإذا استعمل بمعنى التسمية يكون غير المسمى لا محالة، فجواب: ما اسمك؟ زيد، لأن ما لغير العقلاء، وجواب: من زيد؟ أنا، بالإضافة إلى الذات. فالاسم هو مدلول اللفظ لا اللفظ، يقال: زيد هذا الشخص، وزيد جاء، ولو كان هو اللفظ لما صح الإسناد، نعلم أنه غير المسمى خارجاً لا مفهوماً. وأما اللفظ الحاصل بالتكلم، وهو الحروف المركبة تركيباً مخصوصاً، فيسمى بالتسمية. ثم إن الاسم إما أن يوضع لذات معينة من غير ملاحظة معنى من المعانى معها، مثل الإبل والفرس، وإما أن يوضع لذات معينة باعتبار صدق معنى ما عليها، فيلاحظ الواضع تلك الذات باعتبار صدق ذلك المعنى عليها، ثم يوضع الاسم بإزاء تلك الذات فقط، خارجاً عنها ذلك المعنى، أو بإزاء الذات المتصفة بذلك المعنى، داخلا ذلك المعنى فى الموضوع له، فيكون المعنى سبباً باعثاً للوضع فى هاتين الصورتين، مع أنه خارج فى الصورة الأولى داخل فى الثانية. وكل من هذه الأقسام الثلاثة اسم يوصف ولا يوصف به، إذ مدلوله الذات المعينة القائمة بنفسها، ممتنعة القيام بغيرها، حتى يوصف بها الغير. وإما أن يوضع لذات مبهمة يقوم بها معنى معين، على أن يكون قيام ذلك المعنى بأية ذات كانت من الذوات مصححاً للإطلاق. فهذا القسم هو الصفة، إذ مدلوله قائم بغيره لا بنفسه، لأنه مركب من مفهوم الذات المبهمة والمعنى. . وقيام المعنى بغيره ظاهر، وكذا الذات المبهمة معنى من المعانى، إذ لا استقلال له بنفسه فيقوم بغيره. والضابط فيه هو أن كل ذات قامت بها صفات زائدة عليها فالذات غير الصفات، وكذا كل واحد من الصفات غير الآخر إن اختلفت بالذوات، بمعنى أن حقيقة كل واحد والمفهوم منه، عند انفراده، غير مفهوم الآخر لا محالة. وإن كانت الصفات غير ما قامت به من الذات فالقول بأنها غير مدلول الاسم المشتق منها أو ما وضع لها وللذات من

стр. 1054

غير اشتقاق، وذلك مثل صفة العلم بالنسبة إلى مسمى العالم أو مسمى الإله. فعلى هذا، وإن صح القول بأن علم الله غير ما قام به من الذات لا يصح أن يقال إن علم الله غير مدلول اسم الله أو عينه، إذ ليس هو عين مجموع الذات مع الصفات، ولعل هذا هو المراد بقول بعضهم إن الصفات النفسية لا هى ولا هى غيره. وعلى هذا فالإله اسم لا وصف، مع أنه صالح للوصفية أيضاً لاشتمال معناه على الذات المبهمة القائمة بها معنى وعيناً. والدليل على ذلك جريان الأوصاف عليه وعدم جريانه على موصوف، والسبب فى ذلك كونه فى أصل وضعه لذات معينة بإعتبار وصف الألوهية، ومعلوم أن الذات المعينة قائمة بنفسها لا يحتمل قيامها بغيرها حتى يصح إجراء اللفظ الدال عليها على موصوف ما. وهذا هو الفرق بين الاسم والصفة. ويقول الجرجانى فى شرح المواقف: الاسم الذى يطلق على الشئ إما أن يؤخذ من الذات، بأن يكون المسمى به ذات الشئ وحقيقته من حيث هى، أو من جزئها، أو من وصفها الخارجى أو من الفعل الصادر عنه، فالمأخوذ من الوصف الخارجى الداخل فى مفهوم الاسم فجائز فى حقه تعالى، سواء كان الوصف حقيقياً كالعليم، أو إضافياً كالماجد بمعنى العالى، أو سلبياً كالقدوس، وكذا المأخوذ من الفعل كالخالق. وأما المأخوذ من الجزء كالجسم للإنسان فمحال، لانتفاء التركيب فى ذاته، فلا يتصور له جزء حتى يطلق عليه اسمه. أما المأخوذ من الذات، فمن ذهب إلى جواز تعقل ذاته جوّز أن يكون له اسم بإزاء حقيقته المخصوصة، ومن ذهب إلى امتناع تعقلها لم يجوز، لأن وضع الاسم لمعنى نوع من تعقله ووسيلة إلى تفهيمه، فإذا لم يمكن أن يعقل ويفهم، فإنه لا يتصور اسم بإزائه. وفيه بحث، لأن الخلاف فى تعقل كنه ذاته ووضع الاسم لا يتوقف عليه، إذ يجوز أن يعقل ذات ما بوجه ما. ويوضع الاسم لخصوصية يقصد تفهيمها باعتبار ما لا بكنهها، ويكون

стр. 1055

ذلك الوجه مصححاً للوضع وخارجاً عن مفهوم الاسم، كما فى لفظ الله، فإنه اسم علم له، موضوع لذاته من غير اعتبار معنى فيه. وفى شرح القصيدة الفارضية فى علم التصوف: الأسماء تنقسم باعتبار الذات والصفات والأفعال إلى: الذاتية كالله، والصفاتية كالعليم، والأفعالية كالخالق. وتنحصر باعتبار الأنس والهيبة عند مطالعتها فى الجمالية كاللطيف، والجلالية كالقهار. والصفات تنقسم باعتبار استقلال الذات بها إلى: ذاتية، وهى سبعة: العلم والحياة والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام؛ وباعتبار تعلقها بالخلق إلى: أفعالية، وهى ما عدا السبعة. ولكل مخلوق سوى الإنسان حظ من بعض الأسماء دون الكل، كحظ الملائكة من اسم السبوح والقدوس. ولذا قالوا: نحن نسبح بحمدك ونقدس لك. وحظ الشيطان من اسم الجبار والمتكبر، ولذلك عصى واستكبر، واختص الإنسان بالحظ من جميعها، ولذلك أطاع تارة وعصى أخرى، وقوله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أى ركب فى فطرته من كل اسم من أسمائه لطيفة وهيأه بتلك اللطائف للتحقق بكل الأسماء الجلالية والجمالية، وعبر عنهما بيديه، فقال لإبليس ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وكل ما سواه مخلوق بيد واحدة لأنه إما مظهر صفة الجمال كملائكة الرحمة، أو الجلال كملائكة العذاب. وعلامة التحقق باسم من أسماء الله أن يجد معناه فى نفسه، كالمتحقق باسم الحق، علامته ألا يتغير بشئ، كما لم يتغير الحلاج عند قتله تصديقاً لتحققه بهذا الاسم. وفى الإنسان الكامل: أسماء الله تعالى على قسمين، القسم الأول هى الذاتية كالأحد والواحد والفرد والصمد والعظيم والحى والعزيز والكبير والمتعال وأشباه ذلك. والقسم الثانى هى الصفاتية، كالعليم والقادر، ولو كانت من الأسماء النفسية، وكالمعطى والخلاق، ولو كانت من الأفعالية. ويقول التهانوى: اعلم أن تسميته تعالى بالأسماء توقيفية، أى يتوقف إطلاقها على الإذن فيه وليس الكلام فى أسماء الأعلام الموضوعة فى اللغات إنما
следующие страницы →