Полный текст (10 087 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
معناه وجودياً كالعلم، أو عدمياً كالجهل.
ومثل زيد وعمرو، هو اسم علم، ومثل رجل وامرأة، هو اسم لازم، أى لا ينقلب ولا يفارق، ومثل صغير وكبير، هو اسم مفارق؛ ومثل كاتب وخياط، اسم مشتق، ومثل غلام جعفر، وثوب زيد، هو اسم مضاف، ومثل فلان أسد، هو اسم مشبه؛
ومثل أب وأم، هو اسم منسوب يثبت بنفسه ويثبت غيره؛ ومثل حيوان وناس، اسم جنس.
والاسم -باعتبار معناه- على ستة أقسام، فنحو: زيد، جزئى حقيقى؛ ونحو: الإنسان، كلى متواطئ؛ ونحو: الوجود، كلى مشكك؛ ونحو: العين، مشترك؛ ونحو: الصلاة، منقول متروك؛ ونحو: الأسد: حقيقى ومجاز.
ووقوع الاسم على الشئ باعتبار ذاته كالأعلام، وباعتبار صفة حقيقية قائمة بذاته، كالأسود والأبيض والحار والبادر، وباعتبار جزء من أجزاء ذاته، كقولنا للحيوان: إنه جوهر وجسيم، وباعتبار صفة إضافية فقط، كقولنا للشئ: : إنه معلوم ومفهوم ومذكور ومالك ومملوك، وباعتبار صفة سلبية كالأعمى والفقير، وباعتبار صفة حقيقية مع صفة إضافية، كقولنا للشئ: إنه عالم وقادر، فإن العلم عند الجمهور صفة حقيقية ولها إضافة إلى المعلومات، وكذا القدرة صفة حقيقية ولها إضافة إلى المقدورات؛ وباعتبار صفتين: حقيقية وسلبية، كشجاع وهى الملكة وعدم البخل؛ وباعتبار صفتين: إضافية وسلبية، كالأول، لأنه سابق لغيره ولم يسبقه غيره؛ وقيُّوم، لأنه غير محتاج إلى غيره ومقوَّم لغيره؛ وباعتبار الصفات الثلاث كالإله، لأنه دال على وجوبه لذاته وعلى إيجاده لغيره وعلى تنزيهه عما لا يليق به.
والاسم الواقع فى الكلام قد يراد به نفس لفظه كما يقال: زيد معرب، وضرب فعل ماض، ومن حرف جر؛ وقد يراد به نفس ماهية المسمى، مثل: الإنسان نوع، والحيوان جنس؛ وقد يراد به فرد، نحو: جاءنى إنسان، ورأيت حيواناً، وقد يراد جزؤها، كالناطق؛ أو عارض لها كالضاحك.
стр. 1052
ولا يبعد أن يقع اختلاف واشتباه فى أن اسم الشئ نفس مسماه أو غيره، وفى مثل كتبت زيداً، يراد به اللفظ، ومثل: كتب زيد، يراد به المسمى؛ وإذا أطلق بلا قرينة ترجح اللفظ أو المسمى، كما فى قولك: زيد حسن، فإنه يحتملهما بلا رجحان، فالقائل بالغيرية يحمله على اللفظ، وبالعينية على المسمى.
وعند النحويين غير المسمى، إذ لو كان إياه لما جازت إضافته إليه، إذ الشئ لا يضاف إلى نفسه. والاسم هو اللفظ المعلق على الحقيقة، عيناً كانت تلك الحقيقة أو معنى، تمييزاً لها باللقب ممن يشاركها فى النوع. والمسمى هى تلك الحقيقة، وهى ذات ذلك اللقب، أى صاحبه؛ فمن ذلك: لقيته ذات مرة، والمراد الزمن المسمى بهذا الاسم، الذى هو مرة. والدليل على التغاير بينهما أيضاً ثبوت كل منهما. حال عدم الآخر، كالحقائق التى ما وضعوا لها اسما بعينه، وكألفاظ المعدوم والمنفى، وكالأسماء المترادفة المشتركة، فإن كثرة المسميات ووحدة الاسم فى المشترك، وبالعكس فى المترادف، توجب المغايرة، لا سيما أن الاسم أصوات مقطعة وضعت لتعريف المسميات، وتلك الأصوات أعراض غير باقية.
والمسمى قد يكون باقياً، بل قد يكون واجب الوجود لذاته.
وإطلاق الاسم بمعنى الصفة على ما مدلوله مجرد الذات، بلا معنى زائد، محل نظر، فإن قيل: لو كان الاسم هو المسمى لاستقام أن يقال: إن الله اسم، كما يستقيم القول بأن الله مسمى، واستقام أن يقال بأنه عبد اسم الله، كما يستقيم القول بأنه عبد الله.
قال صاحب "الكافى": السبيل فى مثله التوقيف، ولم يرد التوقيف بأن اسم الله هو الله، ولا بأن عبد اسم الله عبد الله.
والمحكى عن المعتزلة أن الاسم غير المسمى. ولفظ الاسم فى قوله تعالى (سبح اسم ربك) و (تبارك اسم ربك) مقحم.
قال أبو البقاء: ولنا أن تلكما الآيتين دليل على أنهما واحد، إذ لو كان الاسم
стр. 1053
غير المسمى لكان أمراً بالتسبيح لغير الله، وعلى هذا إذا قال: زينب طالق، واسم امرأته زينب، يقع على ذات المرأة لا على اسمها. وإذا استعمل بمعنى التسمية يكون غير المسمى لا محالة، فجواب: ما اسمك؟ زيد، لأن ما لغير العقلاء، وجواب: من زيد؟ أنا، بالإضافة إلى الذات.
فالاسم هو مدلول اللفظ لا اللفظ، يقال: زيد هذا الشخص، وزيد جاء، ولو كان هو اللفظ لما صح الإسناد، نعلم أنه غير المسمى خارجاً لا مفهوماً.
وأما اللفظ الحاصل بالتكلم، وهو الحروف المركبة تركيباً مخصوصاً، فيسمى بالتسمية.
ثم إن الاسم إما أن يوضع لذات معينة من غير ملاحظة معنى من المعانى معها، مثل الإبل والفرس، وإما أن يوضع لذات معينة باعتبار صدق معنى ما عليها، فيلاحظ الواضع تلك الذات باعتبار صدق ذلك المعنى عليها، ثم يوضع الاسم بإزاء تلك الذات فقط، خارجاً عنها ذلك المعنى، أو بإزاء الذات المتصفة بذلك المعنى، داخلا ذلك المعنى فى الموضوع له، فيكون المعنى سبباً باعثاً للوضع فى هاتين الصورتين، مع أنه خارج فى الصورة الأولى داخل فى الثانية.
وكل من هذه الأقسام الثلاثة اسم يوصف ولا يوصف به، إذ مدلوله الذات المعينة القائمة بنفسها، ممتنعة القيام بغيرها، حتى يوصف بها الغير. وإما أن يوضع لذات مبهمة يقوم بها معنى معين، على أن يكون قيام ذلك المعنى بأية ذات كانت من الذوات مصححاً للإطلاق. فهذا القسم هو الصفة، إذ مدلوله قائم بغيره لا بنفسه، لأنه مركب من مفهوم الذات المبهمة والمعنى. . وقيام المعنى بغيره ظاهر، وكذا الذات المبهمة معنى من المعانى، إذ لا استقلال له بنفسه فيقوم بغيره. والضابط فيه هو أن كل ذات قامت بها صفات زائدة عليها فالذات غير الصفات، وكذا كل واحد من الصفات غير الآخر إن اختلفت بالذوات، بمعنى أن حقيقة كل واحد والمفهوم منه، عند انفراده، غير مفهوم الآخر لا محالة. وإن كانت الصفات غير ما قامت به من الذات فالقول بأنها غير مدلول الاسم المشتق منها أو ما وضع لها وللذات من
стр. 1054
غير اشتقاق، وذلك مثل صفة العلم بالنسبة إلى مسمى العالم أو مسمى الإله. فعلى هذا، وإن صح القول بأن علم الله غير ما قام به من الذات لا يصح أن يقال إن علم الله غير مدلول اسم الله أو عينه، إذ ليس هو عين مجموع الذات مع الصفات، ولعل هذا هو المراد بقول بعضهم إن الصفات النفسية لا هى ولا هى غيره.
وعلى هذا فالإله اسم لا وصف، مع أنه صالح للوصفية أيضاً لاشتمال معناه على الذات المبهمة القائمة بها معنى وعيناً. والدليل على ذلك جريان الأوصاف عليه وعدم جريانه على موصوف، والسبب فى ذلك كونه فى أصل وضعه لذات معينة بإعتبار وصف الألوهية، ومعلوم أن الذات المعينة قائمة بنفسها لا يحتمل قيامها بغيرها حتى يصح إجراء اللفظ الدال عليها على موصوف ما. وهذا هو الفرق بين الاسم والصفة.
ويقول الجرجانى فى شرح المواقف: الاسم الذى يطلق على الشئ إما أن يؤخذ من الذات، بأن يكون المسمى به ذات الشئ وحقيقته من حيث هى، أو من جزئها، أو من وصفها الخارجى أو من الفعل الصادر عنه، فالمأخوذ من الوصف الخارجى الداخل فى مفهوم الاسم فجائز فى حقه تعالى، سواء كان الوصف حقيقياً كالعليم، أو إضافياً كالماجد بمعنى العالى، أو سلبياً كالقدوس، وكذا المأخوذ من الفعل كالخالق. وأما المأخوذ من الجزء كالجسم للإنسان فمحال، لانتفاء التركيب فى ذاته، فلا يتصور له جزء حتى يطلق عليه اسمه.
أما المأخوذ من الذات، فمن ذهب إلى جواز تعقل ذاته جوّز أن يكون له اسم بإزاء حقيقته المخصوصة، ومن ذهب إلى امتناع تعقلها لم يجوز، لأن وضع الاسم لمعنى نوع من تعقله ووسيلة إلى تفهيمه، فإذا لم يمكن أن يعقل ويفهم، فإنه لا يتصور اسم بإزائه. وفيه بحث، لأن الخلاف فى تعقل كنه ذاته ووضع الاسم لا يتوقف عليه، إذ يجوز أن يعقل ذات ما بوجه ما. ويوضع الاسم لخصوصية يقصد تفهيمها باعتبار ما لا بكنهها، ويكون
стр. 1055
ذلك الوجه مصححاً للوضع وخارجاً عن مفهوم الاسم، كما فى لفظ الله، فإنه اسم علم له، موضوع لذاته من غير اعتبار معنى فيه.
وفى شرح القصيدة الفارضية فى علم التصوف: الأسماء تنقسم باعتبار الذات والصفات والأفعال إلى: الذاتية كالله، والصفاتية كالعليم، والأفعالية كالخالق. وتنحصر باعتبار الأنس والهيبة عند مطالعتها فى الجمالية كاللطيف، والجلالية كالقهار.
والصفات تنقسم باعتبار استقلال الذات بها إلى: ذاتية، وهى سبعة: العلم والحياة والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام؛ وباعتبار تعلقها بالخلق إلى: أفعالية، وهى ما عدا السبعة.
ولكل مخلوق سوى الإنسان حظ من بعض الأسماء دون الكل، كحظ الملائكة من اسم السبوح والقدوس. ولذا قالوا: نحن نسبح بحمدك ونقدس لك. وحظ الشيطان من اسم الجبار والمتكبر، ولذلك عصى واستكبر، واختص الإنسان بالحظ من جميعها، ولذلك أطاع تارة وعصى أخرى، وقوله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ أى ركب فى فطرته من كل اسم من أسمائه لطيفة وهيأه بتلك اللطائف للتحقق بكل الأسماء الجلالية والجمالية، وعبر عنهما بيديه، فقال لإبليس ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وكل ما سواه مخلوق بيد واحدة لأنه إما مظهر صفة الجمال كملائكة الرحمة، أو الجلال كملائكة العذاب. وعلامة التحقق باسم من أسماء الله أن يجد معناه فى نفسه، كالمتحقق باسم الحق، علامته ألا يتغير بشئ، كما لم يتغير الحلاج عند قتله تصديقاً لتحققه بهذا الاسم.
وفى الإنسان الكامل: أسماء الله تعالى على قسمين، القسم الأول هى الذاتية كالأحد والواحد والفرد والصمد والعظيم والحى والعزيز والكبير والمتعال وأشباه ذلك. والقسم الثانى هى الصفاتية، كالعليم والقادر، ولو كانت من الأسماء النفسية، وكالمعطى والخلاق، ولو كانت من الأفعالية.
ويقول التهانوى: اعلم أن تسميته تعالى بالأسماء توقيفية، أى يتوقف إطلاقها على الإذن فيه وليس الكلام فى أسماء الأعلام الموضوعة فى اللغات إنما
стр. 1056
النزاع فى الأسماء المأخوذة من الصفات والأفعال.
وقال القاضى أبو بكر: كل لفظ دل على معنى ثابت لله تعالى جاز إطلاقه عليه به بلا توقيف، إذا لم يكن إطلاقه موهما لما لا يليق بكبريائه، ولذا لم يجز أن يطلق عليه لفظ العارف، لأن المعرفة قد يراد بها علم تسبقه غفلة، وكذا لفظ الفقيه والعاقل والفطن والطبيب ونحو ذلك.
وقد يقال: لابد مع نفى ذلك الإيهام من الإشعار بالتعظيم حتى يصح الإطلاق بلا توقيف.
وقال القاضى أبو بكر: لابد من التوقيف، وهو المختار، وذلك للاحتياط، فلا يجوز الاكتفاء فى عدم إيهام الباطل بمبلغ إدراكنا، بل لابد من الاستناد إلى إذن الشرع. فإن قلت: من الأوصاف ما يمتنع إطلاقه عليه تعالى مع ورود الشرع بها، كالماكر، أجيب بأنه لا يكفى فى الإذن مجرد وقوعها فى الكتاب أو السنة بحسب اقتضاء المقام ورعاية أدب. وسياق الكلام، بل يجب أن يخلو عن نوع تعظيم.
وقال الغزالى: الحق أن الاسم غير التسمية وغير المسمى، وأن هذه ثلاثة أسماء متباينة غير مترادفة ولا سبيل إلى كشف الحق فيه إلا ببيان معنى كل واحد من هذه الألفاظ الثلاثة مفرداً، ثم بيان معنى قول: هو هو، ومعنى قولنا: هو غيره. وكل علم تصديقى، أعنى علم ما يتطرق إليه التصديق أو التكذيب، فإنه لا محالة لفظه قضية تشتمل على موصوف وصفة ونسبة لتلك الصفة إلى الموصوف، فلابد وأن تتقدم عليه المعرفة بالموصوف وحده على سبيل التصور لحدها وحقيقتها، ثم المعرفة بالصفة وحدها على سبيل التصور لحدها وحقيقتها، ثم النظر فى نسبة الصفة إلى الموصوف، أنها موجودة له أو منفية عنه، فمن أراد مثلا أن يعلم أن الملك قديم أو حادث، فلابد وأن يعرف أولاً معنى لفظ الملك، ثم معنى القديم والحادث، ثم ينظر فى إثبات أحد الوصفين للملك أو نفيه عنه، فلذلك لابد من معرفته معنى الاسم ومعنى المسمى، ومعنى التسمية، ومعرفة معنى هو هو، والهوية والغيرية حتى يتصور أن يعرف بعد ذلك أنه هو أو غيره.
стр. 1057
وحد الاسم وحقيقته أن للأشياء وجوداً فى الأعيان ووجوداً فى الأذهان ووجوداً فى اللسان. أما الوجود فى الأعيان فهو الوجود الأصلى الحقيقى، والوجود فى الأذهان هو الوجود العلمى الصورى، والوجود فى اللسان هو الوجود اللفظى الدليلى؛ فإن السماء مثلا لها وجود فى عينها ونفسها، ثم لها وجود فى أذهاننا ونفوسنا، لأن صورة السماء تنطبع فى أبصارنا ثم فى خيالنا حتى لو عدمت السماء مثلا وبقينا لكانت صورة السماء حاضرة فى خيالنا. وهذه الصورة هى التى يعبر عنها بالعلم، وهو مثال المعلوم، فإنه محاكٍ للمعلوم وموازٍ له، وهو كالصورة المنطبعة فى المرآة فإنها محاكية للصورة الخارجة المقابلة لها. فالعلم إذن مثال الذهن فى المعلوم.
وأما الوجود فى اللسان فهو اللفظ المركب من أصوات قطعت أربع تقطيعات، يعبر عن القطعة الأولى بالسين، وعن الثانية بالميم، وعن الثالثة بالألف، وعن الرابعة بالهمزة، وهو قولنا: سماء. فالقول دليل على ما هو فى الذهن، وما فى الذهن صورة لما فى الوجود مطابقة له. ولو لم يكن وجود فى الأعيان لم تنطبع صورة فى الأذهان. ولو لم تنطبع صورة فى الأذهان لم يشعر بها إنسان، ولو لم يشعر بها الإنسان لم يعبر عنها باللسان.
فإذن اللفظ والعلم والمعلوم ثلاثة أمور متباينة لكنها متطابقة متوازية. والإنسان مثلا من حيث إنه موجود فى الأعيان يلحقه أنه نائم ويقظان وحى وميت وماشٍ وقاعد وغير ذلك، ومن حيث إنه موجود فى الأذهان يلحقه أنه مبتدأ وخبر وعام وخاص وجزئى وكلى وقضية وغير ذلك؛ ومن حيث إنه موجود فى اللسان يلحقه أنه عربى وعجمى وتركى وزنجى وكثير الحروف وقليلها، وإنه اسم وفعل وحرف وغير ذلك.
وهذا الوجود يجوز أن يختلف بالأعصار ويتفاوت فى عادة أهل الأمصار. فأما الوجود الذى فى الأعيان والأذهان فلا يختلف بالأعصار والأمم البتة.
стр. 1058
والمراد بالاسم هنا الذى فى اللسان دون الذى فى الأعيان والأذهان. وإذا عرفت أن الاسم إنما يعنى به اللفظ الموضوع للدلالة، فاعلم أن كل موضوع للدلالة فله واضع ووضع وموضوع له. ويقال للموضوع له: المسمى، وهو المدلول عليه، من حيث إنه يدل عليه، ويقال للواضع: المسمى؛ ويقال للوضع: التسمية. وقد يطلق لفظ التسمية على ذكر الاسم الموضوع، كالذى ينادى شخصاً يقول: يا زيد، فيقال: سماه، وإن قال: أبا بكر، يقال: كنّاه.
وكان لفظ التسمية مشتركاً بين وضع الاسم وبين ذكر الاسم، وإن كان الأشبه أنه أحق بالوضع منه بالذكر.
ويجرى الاسم والتسمية والمسمى مجرى الحركة والتحريك والمتحرك والمحرك. وهذه أربعة أسام متباينة تدل على معان مختلفة، فالحركة تدل على النقلة من مكان إلى مكان، والتحريك يدل على إيجاد هذه الحركة، والمحرك يدل على فاعل الحركة، والتحرك يدل على الشئ الذى فيه الحركة، مع كونه صادراً من فاعل كالمتحرك الذى لا يدل إلا على المحل الذى فيه الحركة ولا يدل على الفاعل.
ثم قال: ومن ظن أن الاسم هو المسمى، على قياس الأسماء المترادفة، كما يقال: الخمر هى العقار، فقد أخطأ، لأن مفهوم المسمى غير مفهوم الاسم، إذ الاسم لفظ دال والمسمى مدلول، وقد يكون غير لفظ، ولأن الاسم عجمى وتركى وعربى، أى موضوع العجم والترك والعرب، والمسمى قد لا يكون كذلك. والاسم إذا سئل عنه قيل: ما هو؟ والمسمى إذا سئل عنه قيل: من هو؟ وإذا سمى الجميل باسم قبيح، قيل اسم قبيح ومسمى حسن، وإذا سمى باسم كثير الحروف ثقيل المخارج، قيل اسم ثقيل ومسمى خفيف. والاسم قد يكون مجازاً والمسمى لا يكون مجازاً. والاسم قد يتبدل على سبيل التفاؤل والمسمى لا يتبدل، فهذا كله يعرفك أن الاسم غير المسمى.
وقد يقال: إن الاسم هو المسمى، على معنى أن المسمى مشتق من الاسم،
стр. 1059
فيدخل فيه كما يدخل السيف فى مفهوم الصارم. وهذا إن قيل به فيلزم عليه أن يكون التسمية والمسمَّى والاسم كله واحداً، لأن الكل مشتق من الاسم ويدل عليه. وهذا مجازفة من الكلام، إذ الاسم دلالة، وله مدلول هو المسمى، ووضعه فعل فاعل مختار، وهو التسمية، ثم إن المسمى ليس اسما بصفة، ولا التسمية اسما بصفة، فيصح هذا التأويل.
فالاسم والتسمية والمسمى ألفاظ متباينة المفهوم مختلفة المقصود، يصح على الواحد منها أن يقال له: هو غير الثانى لا أنه هو، لأن الغير فى مقابلة: الهو هو.
والمذهب القائل بتقسيم الاسم إلى ما هو المسمى، وإلى ما هو غيره، وإلى ما هو هو ولا هو غيره، فأبعد المذاهب عن السداد، إلا أن يراد به مفهوم الاسم، فيقال: مفهوم الاسم قد يكون ذات المسمى وحقيقته وماهيته، وهى أسماء الأنواع التى ليست مشتقة، كقولك: إنسان وعلم وبياض، وما هو مشتق فلا يدل على حقيقة المسمى بل يترك الحقيقة مبهمة ويدل على صفة له، كقولك: عالم وكاتب.
وقد يقال: إنما اضطر القائلون إلى القول بأن الاسم هو المسمى حذرا من القول بأن الاسم هو اللفظ الدال بالاصطلاح فيلزمهم القول بأن الله تعالى لم يكن له اسم فى الأزل إذ لم يكن لفظ ولا لافظ، فإن اللفظ حادث. ولقد فاتهم أن معانى الأسماء كانت ثابتة فى الأزل ولم تكن الأسماء؛ لأن الأسماء عربية وعجمية حادثة. وقد سبقت الإشارة إلى أن الأشياء لها ثلاث مراتب فى الوجود أحدها فى الأعيان، وهذا الوجود الموصوف بالقدم فيما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته، والثانى فى الأذهان وهذا الوجود حادث إذ كانت الأذهان حادثة، والثالث فى اللسان وهى الأسماء، وهذا الوجود أيضاً حادث بحدوث اللسان.
وقد يقال: فقد قال تعالى ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ ومعلوم أنهم ما كانوا يعبدون الألفاظ التى هى حروف مقطعة، بل كانوا يعبدون المسميات.
стр. 1060
فنقول: إن المستدل بهذا لا يفهم وجه دلالته ما لم يقل إنهم كانوا يعبدون المسميات دون الأسماء فيكون فى كلامه التصريح بأن الأسماء غير المسميات، إذا لو قال قائل: العرب كانت تعبد المسميات دون المسميات لكان متناقضاً، ولو قال: نعبد المسميات دون الأسماء كان غير متناقض، فلو كانت الأسماء هى المسميات لكن القول الأخير كالأول.
ثم يقال أيضاً: إن اسم الآلهة التى أطلقوها على الأصنام كان اسما بلا مسمى؛ لأن المسمى هو المعنى الثابت فى الأعيان من حيث دل عليه اللفظ، ولم تكن للأصنام آلهة ثابتة فى الأعيان ولا معلومة فى الأذهان، بل كانت أساميها موجودة فى اللسان فكانت أسماء بلا معان، ومن سمى باسم الحكيم ولم يكن حكيما وفرح به قيل: فرح بالاسم، إذ ليس وراء الاسم معنى، وهذا هو الدليل على أن الاسم غير المسمى، لأنه أضاف الاسم إلى التسمية وأضاف التسمية إليهم فجعلها فعلا لهم، فقال (أسماء سميتموها) يعنى أسماء حصلت بتسميتهم وفعلهم وأشخاص الأصنام لم تكن هى الحادثة بتسميتهم.
فإن قيل: فقد قال تعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ والذات هى المسبحة دون الاسم؛ قلنا. الاسم ها هنا زيادة على سبيل الصفة.
وقد استدل القائلون بأن الاسم غير المسمى بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وبقوله ﷺ : إن لله سبحانه تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة، قالوا: لو كان الاسم هو المسمى لكان مسمى تسعاً وتسعين، وهو محال، لأن المسمى واحد.
وقد يقولون: إن المراد بالاسم هنا التسمية، وهو بعيد أيضاً، إذ أن التسمية ذكر الاسم أو وصفه، ثم إن التسمية تتعدد وتكثر بكثرة المتسمين، وإن كان الاسم واحداً، كما أن الذكر والعلم يكثر بكثرة الذاكرين والعالمين، وإن كان المذكور والمعلوم واحداً، فكثرة التسمية لا تفتقر إلى كثرة الأسماء، لأن ذلك يرجع إلى أفعال المسمين، فما أريد بالأسماء ها هنا التسميات، بل
стр. 1061
أريد الأسماء، والأسماء هى الألفاظ الموضوعة الدالة على المعانى المختلفة.
وثمة مسألة أثارها صاحب المقال، وهى ذلك الترادف الذى أشار إليه بين بعض الأسماء الحسنى. ونحن نورد هنا ما رد به الغزالى، قال:
وهذا مما أستبعده غاية الاستبعاد مهما كان الاسمان من جملة التسعة والتسعين، لأن الاسم لا يراد لحروفه بل لمعانيه، والأسامى المترادفة لا تختلف إلا حروفها، وإنما فضيلة هذه الأسامى لما تحتها من المعانى، فإذا خلت عن المعانى لم يبق إلا الألفاظ. والمعنى إذ دل عليه بألف اسم لم يكن له فضل على المعنى الذى يدل عليه باسم واحد، فبعيد أن يكمل هذا العدد المحصور بتكرير الألفاظ على معنى واحد، بل الأشبه أن يكون تحت كل لفظ خصوص معنى، فإذا رأينا لفظين متقاربين فلابد فيه من أحد أمرين.
أحدهما: ألا يبين أن أحدهما خارج عن التسعة والتسعين، مثل الأحد والواحد، فإن الرواية المشهورة عن أبى هريرة ورد فيها الواحد، وفى رواية أخرى ورد فيها الأحد بدل الواحد، فيكون مكمل العدد معنى التوحيد، إما بلفظ الواحد أو بلفظ الأحد، فأما أن يقوما فى تكميل العدد مقام اسمين والمعنى واحد، فهو بعيد جداً.
الثانى: أن نتكلف إظهار مزية لأحد اللفظين على الآخر ببيان اشتماله على دلالة لا يدل عليه الآخر، مثاله لو ورد الغافر والغفور والغفار، لم يكن بعيداً أن تعد هذه ثلاثة أسام، لأن الغافر يدل على أصل المغفرة فقط، والغفور يدل على كثرة المغفرة بالإضافة إلى كثرة الذنوب، حتى إن من لا يغفر إلا نوعاً واحداً من الذنوب فلا يقال له الغفور، والغفار يشير إلى كثرة غفران الذنوب على سبيل التكرار، أى يغفر الذنوب مرة بعد أخرى، حتى إن من يغفر الذنوب جميعاً ولكن أول مرة، ولا يغفر العائد إلى الذنب مرة بعد أخرى لم يستحق اسم الغفار.
ثم قال: وهذا القدر من التفاوت يخرج الأسامى من أن تكون مترادفة وتكون من جنس السيف والمهند والصارم، لا من جنس الليث والأسد. فإن عجزنا فى بعض هذه الأسامى المتقاربة عن هذين المسلكين فينبغى أن
стр. 1062
نعتقد تفاوتاً بين معنى اللفظين. فإن عجزنا عن التنصيص على خصوص ما به الافتراق كالعظيم والكبير مثلا فإنه يصعب علينا أن نذكر وجه الفرق بين معنييهما فى حق الله تعالى، ولكنا مع ذلك لا نشك فى أصل الافتراق، ولذلك قال تعالى: الكبرياء ردائى، والعظمة إزارى. فرق بينهما فرقاً يدل على التفاوت، وإن كان كل واحد من الرداء والإزار زينة للإنسان، ولكن الرداء أشرف من الإزار. وكذلك العرب فى استعمالها تفرق بين اللفظين، إذ يستعمل الكبير حيث لا يستعمل العظيم، ولو كانا مترادفين لتواردا فى كل مقام، تقول العرب: فلان أكبر سناً من فلان، ولا تقول: أعظم سناً.
فهذه الأسامى، وإن كانت متقاربة المعانى فليست مترادفة. وعلى الجملة يبعد الترادف المحض فى الأسماء الداخلة فى التسعة والتسعين، لأن الأسماء لا تراد لحروفها ومخارج أصواتها، بل لمفهوماتها ومعانيها.
وكذا أشار صاحب المقال إلى المعانى المختلفة التى يحتملها الاسم الواحد، ونحن نسوق هنا رأى الغزالى فى ذلك، قال: الاسم الواحد الذى له معان مختلفة، وهو مشترك بالإضافة إليها، كالمؤمن مثلا، فإنه قد يراد به التصديق، وقد يشتق من الأمن، ويكون المراد إفادة الأمن والأمان، فهل يجوز أن يحمل على كلا المعنيين حمل العموم على مسمياته، كما يحمل العليم على العلم بالغيب والشهادة والظاهر والباطن وغير ذلك من المعلومات الكثيرة؟
وهذا إذا نظر إليه من حيث اللغة فبعيد أن يحمل الاسم المشترك على جميع المسميات حمل العموم إذ العرب تطلق اسم الرجل وتريد به كل واحد من الرجال، وهذا هو العموم، ولا تطلق اسم العين وتريد به عين الشمس والدينار وعين الميزان والعين المتفجرة من الماء والعين الباصرة من الحيوان، وهذا هو اللفظ المشترك. بل تطلق مثل ذلك لإرادة أحد معانيه، وتميز ذلك بالقرينة.
إلى أن قال: ولا نذكر لكل اسم إلا معنى واحداً نراه أقرب ونضرب عما عداه صفحا إلا إذا تصرف الشرع فيه من الألفاظ، فلا يبعد أن يكون من وضعه وتصرفاته إطلاق اللفظ لإرادة
стр. 1063
جميع المعانى، فيكون اسم المؤمن بالشرع محمولا على المصدق، ومفيداً الأمن بوضع الشرع لا بوضع لغوى، كما أن اسم الصلاة والصوم قد اختص بتصرف الشرع ووضعه.
وننتقل بعد هذا إلى الأسماء الحسنى وبيان معانيها فى ظل ما قدمنا، إذ ما جاء فى المقال غير مجزيء، والقاريء به لا يغنى، كما أن فيه تجاوزا كثيراً عما هو شائع متعارف، واكتفاء بشئ من أشياء، فنقول:
الأسماء الحسنى
وهى التى اشتملت عليها رواية أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحداً. إنه وتر يحب الوتر، من أحصاها دخل الجنة. هو الله الذى لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكير الخالق الباريء المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلى الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوى المتين الولى المحصى المبديء المعيد المحيى المميت الحي القيوم الواجد الماجد الباطن الوالى المتعال البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغنى المانع الضار النافع النور الهادى البديع الباقى الوارث الرشيد الصبور.
الله: اسم للموجود الحق لصفات الإلاهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقى، فإن كل موجود سواه غير مستحق للوجود بذاته، وأن ما استفاد الوجود منه فهو من حيث ذاته هالك، ومن جهته التى تليه موجود هالك إلا وجهه. والأشبه أنه جاء فى الدلالة على هذا المعنى مجرى الأسماء الأعلام. وهو أعظم الأسماء التسعة والتسعين لأنه دال على الذات الجامعة لصفات الإلاهية كلها حتى لا يشذ منها شئ، وسائر الأسماء لا تدل آحادها إلا على أصل المعانى من علم أو قدرة أو فعل
стр. 1064
أو غيره، ولأنه أخص الأسماء، إذ لا يطلقه أحد على غيره لا حقيقة ولا مجازا، وسائر الأسماء قد يسمى به غيره، كالقادر والعليم والرحيم.
الرحمن الرحيم: اسمان مشتقان من الرحمة، والرحمة تستدعى مرحوما، ولا مرحوم إلا وهو محتاج. والذى تنقضى به حاجة المحتاج من غير قصد وإرادة وعناية بالمحتاج لا يسمى رحيما. والذى يريد قضاء حاجة ولا يقضيها، فإن كان قادرا على قضائها لا يسمى رحيما إذ لو تمت الإرادة لوفى بها، وإن كان عاجزا فقد يسمى رحيما ياعتبار ما اعتاده من الرقة ولكنه ناقص. وإنما الرحمة التامة إفاضة الخير على المحتاجين وإرادته لهم عناية بهم. والرحمة العامة هى التى تتناول المستحق وغير المستحق، ورحمة الله تامة عامة.
والرحمن أخص من الرحيم، ولذلك لا يسمى به غير الله، والرحيم قد يطلق على غيره فهو من هذا الوجه قريب من اسم الله الجارى مجرى العلم، وإن كان هذا مشتقا من الرحمة قطعا، ولذلك جمع الله بينهما فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فلزم من هذا، ومن حيث إنه لا ترادف فى الأسماء المحصاة أن يفرق بين معنى الاسمين، والمفهوم من الرحمن نوع من الرحمة أبعد من مقدورات العباد. فحظ العبد من اسم الرحمن صرفه إن كان ذا غفلة إلى الله بالوعظ والنصح، والنظر إلى العاصى بعين الرحمة، وحظه من اسم الرحيم إغناؤه وسد حاجته.
الملك: هو الذى يستغنى فى ذاته وصفاته عن كل موجود ويحتاج إليه كل موجود، بل لا يستغنى عنه شئ فى شئ، لا فى ذاته ولا فى صفاته، ولا فى وجوده ولا فى بقائه، بل كل شئ فوجوده منه أو مما هو منه، وكل شئ سواه فهو مملوك فى ذاته وصفاته، وهو مستغن عن كل شئ فهذا هو الملك المطلق.
القدوس: المنزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج به ضمير أو يقضى به تفكير. ولا يقال: منزه عن العيوب
стр. 1065
والنقائص، لأن نفى الوجود يكاد يوهم إمكان الوجود، وفى ذلك الإيهام نقص.
السلام: الذى تسلم ذاته عن العيب وصفاته عن النقص وأفعاله عن الشر، فكل سلامة فى الوجود معزوة إليه صادرة منه.
المؤمن: الذى يعزى إليه الأمن والأمان بإفادته أسبابه وسده طرق المخاوف. ولا يتصور أمن إلا فى محل الخوف، ولا خوف إلا عند إمكان العدم والنقص والهلاك. والمؤمن المطلق هو الذى لا يتصور أمن وأمان إلا ويكونان مستفادين من جهته، وهو الله تعالى. فلا أمن فى العالم إلا وهو مستفاد بأسباب هو متفرد لخلقها والهداية إلى استعمالها، فهو الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى، فهو المؤمن المطلق حقاً.
المهيمن: القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وذلك باطلاعه واستيلائه وحفظه، وكل مشرف على كنه الأمر مستول عليه حافظ له فهو مهيمن عليه. والإشراف يرجع إلى العلم، والاستيلاء إلى كمال القدرة، والحفظ إلى العقل، فالجامع بين هذه المعانى اسمه المهيمن ولن يجمع ذلك على الإطلاق والكمال إلا الله تعالى، ولذلك قيل إنه من أسماء الله تعالى فى الكتب القديمة.
العزيز: الخطير الذى يقل وجود مثله وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه، فما لم يجتمع عليه هذه المعانى الثلاثة لم يطلق عليه اسم العزيز، فكم من شئ يقل وجوده ولكن إذا لم يعظم خطره ولم يكثر نفعه لم يسم عزيزا، وكم من شئ يعظم خطره ويكثر نفعه ولا يوجد نظيره، ولكن إذا لم يصعب الوصول إليه لم يسم عزيزاً، كالشمس مثلا فإنها لا نظير لها، والأرض كذلك، والنفع عظيم فى كل واحدة منهما والحاجة شديدة إليهما، ولكن لا توصفان بالعزة، لأنه لا يصعب الوصول إلى مشاهدتهما. فلابد من اجتماع المعانى الثلاثة. ثم لكل واحد من المعانى الثلاثة كمال ونقصان، فالكمال فى قلة الوجود أن يرجع إلى واحد، إذ لا أقل من الواحد، ويكون بحيث يستحيل وجود مثله، وليس هو إلا الله تعالى، فإن الشمس وإن كانت
стр. 1066
واحدة فى الوجود فليست واحدة فى الإمكان فيمكن وجود مثلها فى الكمال والنفاسة. وشدة الحاجة أن يحتاج إليه كل شئ فى كل شئ حتى فى وجوده وبقائه وصفاته، وليس ذلك على الكمال إلا لله تعالى. فلا يعرف الله تعالى إلا الله تعالى، فهو العزيز المطلق الحق لا يوازيه فيه غيره.
الجبار: الذى تنفذ مشيئته على سبيل الإجبار فى كل أحد، ولا تنفذ فيه مشيئة أحد. والذى لا يخرج أحد عن قبضته، وتقصر الأيدى دون حمى حضرته، فالجبار المطلق هو الله تعالى فإنه يجبر كل أحد ولا يجبره أحد، ولا مثنوية فى حقه فى الطرفين.
المتكبر: لا يرى العظمة والكبرياء إلا لنفسه ففإن كانت هذه الرؤية صادقة كان التكبر حقا وكان صاحبها متكبرا حقا، ولا يُتصور ذلك على الإطلاق إلا لله تعالى، فإن كان ذلك التكبر والاستعظام باطلا، ولم يكن ما يراه من التفرد بالعظمة كما يراه كان التكبر باطلا ومذموما. وكل من رأى العظمة والكبرياء لنفسه على الخصوص دون غيره كانت رؤيته كاذبة ونظره باطلا، إلا الله .
الخالق البارئ المصور: خالق من حيث إنه مقدر؛ وبارئ من حيث إنه مخترع موجد؛ ومصور من حيث إنه مرتب صور ما يخترع أحسن ترتيب؛ فليس ثمة ترادف كما يظن، وأن الكل يرجع إلى الخلق والاختراع؛ بل كل ما يخرج من العدم إلى الوجود فيفتقر إلى التقدير أولا، وإلى الإيجاد على وفق التقدير ثانيا، وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثا، فالله تعالى هو المقدر والموجد والمزين، فهو الخالق البارئ المصور، فهو باعتبار لإيجاد على وفق التقدير خالق، وباعتبار مجرد الإيجاد والإخراج من العدم إلى الوجود بارئ. والإيجاد المجرد شئ والإيجاد على وفق التقدير شئ آخر، وهذا يحتاج إليه من يبعد رد الخلق إلى مجرد التقدير. فأما اسم المصور فهو له من حيث إنه رتب صور الأشياء أحسن ترتيب وصورها أحسن تصوير، وهذا من أوصاف الفعل.
стр. 1067
الغفار: الذى أظهر الجميل وستر القبيح. والذنوب من جملة القبائح التى سترها بإرسال الستر عليها فى الدنيا والتجاوز عن عقوبتها فى الآخرة.
والغفر هو الستر.
القهار: الذى لا موجود إلا هو مستمر تحت قهره وقدرته، عاجز فى قبضته.
الوهاب: الذى كثرت عطاياه وهباته مع خلوها عن الأعواض والأغراض. ولن يُتصور الجود والعطاء والهبة إلا من الله تعالى، فإنه هو الذى يعطى كل محتاج ما يحتاج إليه، لا لعوض ولا لغرض عاجل ولا آجل. والجواد الحق هو الذى تفيض منه الفوائد على المستفيد لا لغرض يعود إليه.
الرزاق: الذى خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إليهم، وخلق لهم أسباب التمتع بها. والرزق رزقان: رزق ظاهر، وهو الأقوات والأطعمة، وذلك للظواهر، وهى الأبدان، ورزق باطن، وهى المعارف والمكاشفات، وذلك للقلوب والأسرار، وهذا أشرف الرزقين، فإن ثمرته حياة الأبد، وثمرة الرزق الظاهر قوة الجسد إلى مدة قريبة الأمد. والله المتولى لخلق الرزقين، المتفضل بالإيصال إلى كلا الفريقين، ولكنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.
الفتاح: الذى بعنايته ينفتح كل مغلق، وبهدايته ينكشف كل مشكل. فتارة يفتح الممالك لأنبيائه ويخرجها من أيدى أعدائه، ويقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، وتارة يرفع الحجاب من قلوب أوليائه ويفتح لهم الأبواب إلى ملكوت سمائه وجمال كبريائه، ويقول: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾. ومن بيده مفاتح الغيب ومفاتيح الرزق فبالحرى أن يكون فتاحا.
العليم: أن يحيط علماً بكل شئ ظاهره وباطنه، دقيقه وجليله، أوله وآخره، عاقبته وما تحته. وهذا من حيث الوضوح والكشف على أتم ما يمكن فيه، بحيث لا يتصور كشف أظهر منه، ثم لا يكون مستفادا من المعلومات بل تكون المعلومات مستفادة منه.
القابض الباسط: الذى يقبض الأرواح عن الأشباح عند الممات،
стр. 1068
ويبسط الأرواح فى الأجساد عند الحياة، ويقبض الصدقات من الأغنياء ويبسط الأرزاق للضعفاء، ويقبض القلوب فيضيقها بما يكشف لها من تعاليه وجلاله، ويبسطها بما يتقرب إليها من بره ولطفه.
الخافض الرافع: الذى يرفع أولياءه بالتقريب ويخفض أعداءه بالإبعاد، ومن يرفع مشاهدته عن المحسوسات والمتخيلات وإرادته عن ذميم الشهوات، فقد رفعه إلى أفق الملائكة المقربين، ومن قصر مشاهدته على المحسوسات وهمته على ما تشاركه فيه إليها ثم من الشهوات فقد خفضه إلى أسفل السافلين، ولا يفعل ذلك إلا الله تعالى، فهو الخافض الرافع.
المعز المذل: الذى يؤتى الملك من يشاء ويسلبه ممن يشاء. والملك الحقيقى فى الخلاص عن ذل الحاجة وقهر الشهوة ووصم الجهل. فمن رفع الحجاب عن قلبه حتى شاهد جمال حضرته ورزقه القناعة حتى يستغنى بها عن خلقه، وأمده بالقوة والتأييد حتى استولى بها على صفات نفسه، فقد أعزه وأتاه الملك عاجلا، وسيعزه فى الآخرة بالتقرب. ومن مد عينيه إلى الخلق حتى احتاج إليهم، وسلط عليهم الحرص حتى لم يقنع بالكفاية، واستدرجه حتى اغتر بنفسه وبقى فى ظلمة الجهل فقد أذله وسلبه، وذلك صنع الله تعالى كما يشاء حيث يشاء، فهو المعز المذل، يعز من يشاء ويذل من يشاء.
السميع: الذى لا يغرب عن إدراكه مسموع وإن خفى، يسمع حمد الحامدين فيجازيهم، ودعاء الداعين فيستجيب لهم، والسمع فى حقه عبارة عن صفة تنكشف بها المسموعات.
الَحكَم: الحاكم والقاضى المسلم الذى لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه. ومن حكمه فى حق العباد: أن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى. وأن الأبرار لفى نعيم وأن الفجار لفى جحيم. ومعنى البر والفاجر بالسعادة والشقاوة أن يجعل البر والفجور سببا يسوق صاحبهما إلى السعادة والشقاوة، كما جعل الأدوية والسموم أسبابا تسوق متناوليها إلى
стр. 1069
الشفاء والهلاك. وإذا كان معنى الحكمة ترتيب الأسباب وتوجيهها إلى المسميات كان حكماً مطلقا، لأنها مسببة كل الأسباب جملتها وتفصيلها، ومن الحكم يتشعب القضاء والقدر. فالحكم هو التدبير الأول الكلى والأمر الأول الذى هو كلمح البصر. والقضاء هو الوضع الكلى للأسباب الكلية الدائمة. والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المحدودة بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص، ولذلك لا يخرج شئ عن قضائه وقدره.
العدل: الذى يصدر منه فعل العدل المضاد للجور والظلم. ولن يعرف العادل من لم يعرف عدله، ولا يعرف عدله من لم يعرف فعله.
اللطيف: من يعلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دق منها وما لطف، ثم يسلك فى سبيل إيصالها إلى المستحق سبيل الرفق، فإذا اجتمع الرفق فى العقل واللطف فى العلم تم معنى اللطف. ولا يُتصور كمال ذلك فى العلم والعقل إلا لله تعالى. فأما إحاطته بالدقائق والخفايا فهو أن الخفى مكشوف فى علمه كالجلى من غير فرق. وأما رفقه فى الأفعال ولطفه فيها فمعرفته عن طريق معرفة تفاصيل أفعاله ودقائق الرفق فيها. فهو تعالى من حيث دبر الأمور حكم، ومن حيث أوجدها خالق، ومن حيث رتبها مصور، ومن حيث وضع كل شئ فى موضعه عدل، ومن حيث لم يترك فيها دقائق وجوه الرفق لطيف، ومن لطفه بعباده أنه أعطاهم فوق الكفاية وكلفهم دون الطاقة، ومن لطفه أنه يسر لهم الوصول إلى سعادة الأبد بسعى خفيف فى مدة قصيرة، وهى العمر، فإنه لا نسبة لها بالإضافة إلى الأبد. الخبير: الذى لا تعزب عنه الأخبار الباطنة، ولا يجرى فى الملك والملكوت شئ ولا تتحرك ذرة ولا تسكن، ولا تضطرب نفس ولا تطمئن، إلا ويكون عنده خبره. وهو بمعنى العليم، لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمى خبرة وسمى صاحبها خبيرا.
الحليم: الذى يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظ ولا
стр. 1070
تحمله على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة.
العظيم: مالا يتصور أن يحيط العقل بكنه حقيقته، وذلك هو العظيم المطلق الذى جاوز حدود العقول حتى لم تتصور الإحاطة بكنهه؛ وذلك هو الله تعالى.
الغفور: بمعنى الغفار، ولكنه ينبئ عن نوع مبالغة لا ينبئ عنها الغفار. فإن الغفار مبالغة فى المغفرة، بالإضافة إلى مغفرة متكررة مرة بعد أخرى. فالفعال ينبئ عن كثرة الفعل. والفعول ينبئ عن جودته وكماله وشموله، فهو غفور بمعنى أنه تام الغفران كامله حتى يبلغ أقصى درجات المغفرة.
الشكور: الذى يجازى بيسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطى بالعمل فى أيام معدودة نعيما فى الآخرة غير محدود. ومن جازى الحسنة بأضعافها يقال إنه شكر تلك الحسنة، ومن أثنى على المحسن يقال أيضاً إنه شكره، فإذا نظرنا إلى معنى الزيادة فى المجازاة لم يكن الشكور المطلق إلا الله تعالى، لأن زيادته فى المجازاة غير محصورة ولا محدودة، فإن نعيم الجنة لا آخر له. وإذا نظرت إلى معنى الثناء فثناء كل مثن على غيره، والرب تعالى إذا أثنى على أعمال عباده فقد أثنى على فعل نفسه، لأن أعمالهم من خلقه، فإن كان الذى أعطى فأثنى شكورا، فالذى أعطى وأثنى على المعطى فهو أحق بأن يكون شكورا، فثناء الله تعالى على عباده كقوله ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ وكقوله ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ وما يجرى مجراه، وكل ذلك عطية منه.
العلى: الذى لا رتبة فوق رتبته، وجميع المراتب منحطة عنه، وذلك لأن العلى مشتق من العلو، والعلو مأخوذ من العلو المقابل للسفل، وذلك إما فى درجات محسوسة كالدرج والمراقى وجميع الأسماء الموضوع بعضها فوق بعض، وإما فى المراتب المعقولة للموجودات المترتبة نوعا من الترتيب العقلى، فكل ماله الفوقية فى المكان فله العلو المكانى، وكل ما له الفوقية من الرتبة فله العلو فى العلو، والدرجات العقلية مفهومة كالدرجات الحسية، ومثال الدرجات العقلية هو التفاوت الذى بين السبب والمسبب، والعلة
стр. 1071
والمعلول والفاعل والمفعول والقابل والمقبول والكامل والناقص، فإذا قدرت سببا فهو سبب لشئ ثان، وذلك الثانى سبب لثالث، والثالث لرابع إلى عشر درجات مثلا، فالعاشر واقع فى الرتبة الأخيرة فهو الأسفل الأدنى، والأول واقع فى الدرجة الأولى من السببية فهو الأعلى، ويكون الأول فوق الثانى فوقية بالمعنى لا بالمكان. والعلو عبارة عن الفوقية. والموجودات لا يمكن قسمتها إلى درجات متفاوتة فى العقل إلا ويكون الحق تعالى فى الدرجة العليا من درجات أقسامها حتى لا يتصور أن تكون فوقه درجة، وذلك هو العلى المطلق، وكلها سواه فيكون عليا بالإضافة إلى ما دونه، ويكون دنيا وسافلا بالإضافة إلى ما فوقه. ثم إنه تبعا لقسمة العقل فالموجودات تنقسم إلى ما هو سبب وإلى ما هو مسبب، فالسبب فوق المسبب فوقية بالرتبة. فالفوقية المطلقة ليست إلا لمسبب الأسباب. وكذلك ينقسم الموجود إلى ميت وحى، والحى ينقسم إلى ما ليس له إلا الإدراك الحسى، وهو البهيمة، وإلى ما له مع الإدراك الحسى الإدراك العقلى. والذى له الإدراك العقلى ينقسم إلى ما يعارضه فى معلومات الشهوة والغضب، وهو الإنسان، وإلى ما يسلم إدراكه عن معارضة المكدرات. والذى يسلم ينقسم إلى ما يمكن أن يبتلى به ولكن رزق السلامة كالملائكة، وإلى ما يستحيل ذلك فى حقه وهو الله تعالى، فهو العلى المطلق.
الكبير: ذو الكبرياء، أى كمال الذات، وكمال الذات كمال الوجود، وكمال الوجود يرجع إلى شيئين:
أحدهما دوامه أزلا وأبدا. وكل وجود مقطوع بعدم سابق أو لاحق فهو ناقص، ولذلك يقال للإنسان إذا طالت مدة وجوده: إنه كبير، أى كبير السنن. طويل مدة البقاء، ولا يقال: عظيم السن. والكبير يستعمل فيما لا يستعمل فيه العظيم، فإن كان ما طال مدة وجوده مع كونه محدود مدة البقاء كبيرا، فالدائم الأزلى الأبدى الذى يستحيل عليه العدم أولى بأن يكون كبيرا.
والثانى أن وجوده هو الوجود الذى يصدر عنه وجود كل موجود، فإن كان الذى تم وجوده فى نفسه كاملا وكبيرا
стр. 1072
فالذى حصل منه وجود جميع الموجودات أولى بأن يكون كاملا وكبيرا
الحفيظ: الحافظ جدا. والحفظ على وجهين:
أحدهما إدامة وجود الموجودات وإبقاؤها، يضاده الإعدام. والله تعالى هو الحافظ للسموات والأرض والملائكة، والموجودات التى يطول أمد بقائها، والتى لا يطول أمد بقائها مثل الحيوان والنبات.
والوجه الثانى، وهو أظهر معنى الحفظ. صيانة المتعاديات والمتضادات بعضها عن بعض. والتعادى والتضاد ظاهر بين الحرارة والبرودة، وكذا بين الرطوبة واليبوسة، وسائر الأجسام الأرضية المركبة من هذه الأصول المتعادية، إذ لابد للحيوان من حرارة غريزية لو بطلت لبطلت حياته، ولابد له من رطوبة تكون غذاء لبدنه، ولابد له من برودة تكسر سورة الحرارة حتى تعتدل ولا يحترق. وهذه متعاديات متضادات وقد جمع الله بينها فى إهاب الإنسان وبدن الحيوان والنبات وسائر المركبات، ولولا حفظه إياها لتنافرت وتباعدت وبطل امتزاجها وأضمحل تركيبها وبطل المعنى الذى صار مستعدا لقبوله بالتركيب والمزاج، وحفظ الله إياها بتعديل قواها مرة وبإمداد المغلوب منها.
أما التعديل فهو أن يكون مبلغ قوة البارد مثل مبلغ قوة الحار، فإذا اجتمعا لم يغلب أحدهما الآخر بل يتدافعان، إذ ليس أحدهما بأن يَغلب أولى من أن يُغلب، فيتقاومان ويبقى قوام المركب بتقاومهما وتعادلهما وهو الذى يعبر عنه باعتدال المزاج.
والثانى إمداد المطلوب منهما بما يعيد قوته حتى يقاوم النار.
المقيت: خالق الأقوات وموصلها إلى الأبدان، وهى الأطعمة، وإلى القلوب وهى المعرفة، فيكون بمعنى الرازق إلا أنه أخص منه، إذ الرزق يتناول القوت وغير القوت. والقوت ما يكتفى به فى قوام البدن. أو المستولى على الشئ القادر عليه. والاستيلاء يتم بالقدرة والعلم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ أى مطلعا قادرا، فيكون معناه راجعا إلى القدرة والعلم. ويكون
стр. 1073
بهذا المعنى وصفه بالمقيت أتم من صفته بالقادر وحده وبالعالم وحده، لأنه دل على اجتماع المعنيين، وبذلك يخرج الاسم عن الترادف.
الحسيب: الكافى. وهو الذى من كان له كان حسبه. والله تعالى حسيب كل أحد وكافيه. وهذا وصف لا تتصور حقيقته لغيره، فإن الكفاية إنما يحتاج إليها المكفى لوجوده ولدوام وجوده ولكمال وجوده. وليس فى الوجود شئ هو وحده كاف لشئ إلا الله تعالى، فإنه كاف لكل شئ لا لبعض الأشياء، أى هو وحده كاف يتحصل به وجود الأشياء ويدوم به وجودها ويكمل. فالكفاية إنما حصلت بهذه الأسباب، والله وحده هو المتفرد بخلقها لأجله. فهو وحده حسب كل أحد وليس فى الوجود شئ وحده هو حسب شئ سواه، بل الأشياء يتعلق بعضها ببعض وكلها يتعلق بقدرة الله تعالى.
الجليل: الموصوف بنعوت الجلال. ونعوت الجلال هى الغنى والملك والتقدس والعلم والقدرة وغيرها من الصفات التى تقدمت. فالجامع لجميعها هو الجليل المطلق الموصوف ببعضها جلالته بقدر ما نال من هذه النعوت. فالجليل المطلق هو الله تعالى فقط. فالكبير يرجع إلى كمال الذات. والجليل يرجع إلى كمال الصفات. والعظيم يرجع إلى كمال الذات والصفات جميعا منسوبا إلى إدراك البصيرة إذا كان بحيث يستغرق البصيرة ولا تستغرقه البصيرة، ثم صفات الجلالة إذا نسيت إلى البصيرة المدركة لها سميت جمالا وسمى المتصف بها جميلا. واسم الجميل فى الأصل وضع للصورة الظاهرة المدركة بالبصر مهما كانت، بحيث تلائم البصر وتوافقه، ثم نقل إلى الصورة الباطنة التى تدرك بالبصائر، حتى يقال سيرة حسنة جميلة، ويقال خلق جميل، وذلك يدرك بالبصائر لا بالأبصار، فالصورة الباطنة إذا كانت كاملة متناسبة جامعة جميع كمالاتها اللائقة بها كما ينبغى وعلى ما ينبغى فهى جميلة بالإضافة إلى البصيرة الباطنة المدركة لها، وملائمة لها ملاءمة يدرك صاحبها عند مطالعتها من اللذة والبهجة والاهتزاز أكثر مما يدركه الناظر بالبصر الظاهر إلى الصور الجميلة. فالجميل الحق المطلق هو الله
стр. 1074
تعالى فقط، لأن كل ما فى العالم من جمال وكمال وبهاء وحسن فهو من أنوار ذاته وآثار صفاته وليس فى الوجود موجود له الكمال المطلق الذى لا شوبة فيه لا وجودا ولا إمكانا سواه، ولذلك يدرك عارفه والناظر إلى جماله من البهجة والسرور واللذة والغبطة ما يستحر معها نعيم الجنة. وجمال الصور المبصرة؛ بل لا مناسبة بين جمال الصورة الظاهرة وبين جمال المعانى الباطنة المدركة بالبصائر. فإذا ثبت أنه جليل وجميل، فكل جميل فهو محبوب ومعشوق عند مدرك جماله، فلذلك كان الله تعالى محبوبا ولكن عند العارفين، كما تكون الصور الجميلة الظاهرة محبوبة عند المبصرين.
الكريم: الذى إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء، ولا يبالى كم ولمن أعطى، وإن وقعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإذا جفا عاتب وما استقصى، ولا يضيع من لاذ به والتجأ، ويغنيه عن الوسائل والشفعاء، فمن اجتمع له جميع ذلك لا بالتكلف فهو الكريم المطلق، وذلك هو الله تعالى فقط.
الرقيب: العليم الحفيظ، فمن راعى الشى حتى لم يغفل عنه، ولاحظه ملاحظة دائمة لزوما، لو عرفه الممنوع عنه لما أقدم عليه، سمى رقيبا. وكأنه يرجع إلى العلم والحفظ، ولكن باعتبار كونه لازما دائما، وبالإضافة إلى ممنوع عنه محروس عن التناول.
المجيب: الذى يقابل مسألة السائلين بالإسعاف ودعاء الداعين بالإجابة، وضرورة المضطرين بالكفاية، بل ينعم قبل النداء، ويتفضل قبل الدعاء، وليس ذلك إلا لله تعالى، فإنه يعلم حاجة المحتاجين قبل سؤالهم. وقد علمها فى الأزل. فدبر أسباب كفاية الحاجات بخلق الأطعمة والأقوات، وتيسير الأسباب والآلات، الموصلة إلى جميع المهمات.
الواسع: مشتق من السعة، والسعة تضاف مرة إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة، وتضاف أخرى إلى الإحسان وبسط النعم، وكيفما قدر، وعلى أى شئ نزل. فالواسع المطلق هو الله تعالى، لأنه إن نظر إلى عمله فلا ساحل لبحر معلوماته، وإن نظر إلى إحسانه ونعمه فلا نهاية لمقدوراته. وكل
стр. 1075
سعة وإن عظمت تنتهى إلى طرف، والذى لا يتناهى إلى طرف فهو أحق باسم السعة، والله تعالى هو الواسع المطلق، لأن كل واسع بالإضافة إلى ما هو أوسع منه ضيق. وكل سعة تنتهى إلى طرف فالزيادة عليها متصورة، وما لا نهاية له ولا طرف فلا تُتصور عليه زيادة.
الحكيم: ذو الحكمة. والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. وأجل الأشياء هو الله تعالى، فهو لا يعرفه كنه معرفته غيره، فهو الحكيم الحق لأنه يعلم أجل الأشياء بأجل العلوم، إذ أجل العلوم هو العلم الأزلى الدائم الذى لا يتصور زواله، المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها خفاء وشبهة، ولا يتصف بذلك إلا علم الله تعالى. والحكيم أيضاً من يحسن دقائق الصناعات ويحكمها ويتقن صنعتها، وكمال ذلك ليس إلا الله تعالى فهو الحكيم الحق.
الودود: الذى يحب الخير لجميع الخلق فيحسن إليهم ويثنى عليهم، وهو قريب من معنى الرحيم، لكن الرحمة إضافة إلى مرحوم، والمرحوم هو المحتاج والمضطر، وأفعال الرحيم تستدعى مرحوماً ضعيفاً. وأفعال الودود لا تستدعى ذلك. بل الإنعام على سبيل الإبتداء من نتائج الود، فكما أن معنى رحمته تعالى إرادته الخير للمرحوم وكفايته له، وهو منزه عن رقة الرحمة، فكذلك إرادته الكرامة والنعمة وإحسانه وإنعامه وهو منزه عن ميل المودة، لكن المودة والرحمة لا تراد فى حق المرحوم والمودود إلا لثمرتها وفائدتها لا للرقة والميل، فالفائدة هى لباب الرحمة والمودة وروحهما وذلك هو المتصور فى حق الله تعالى دون ما هو مقارن لهما وغير مشروط فى الإفادة.
المجيد: الشريف ذاته الجميل أفعاله الجزيل عطاؤه ونواله، فكما أنا شرف الذات إذا قارنه حسن الفعال سمى مجداًص، وهو الماجد أيضاً، ولكن أحدهما أدل على المبالغة، وكأنه يجمع معنى اسم الجليل والوهاب والكريم.
الباعث: الذى يحيى الخلق يوم النشور، ويبعث من فى القبور ويحصل ما فى الصدور. والبعث هو النشأة الآخرة. ومعرفة هذا الاسم موقوفة على
стр. 1076
معرفة حقيقة البعث، فالموت ليس عدماً إذ القبر ليس إلا حفرة من حفر النيران أو روضة من رياض الجنان، والموتى إما سعداء، وأولئك ليسوا أمواتاً، وإما أشقياء، وهم أيضاً أحياء، ولذلك ناداهم رسول الله ﷺ بعد وقعة بدر.
والبعث ليس إيجاداً مبتدأ مثل الإيجاد الأول، بل هو إنشاء آخر لا يناسب الإنشاء الأول أصلاً.
الشهيد: يرجع معناه إلى العليم مع خصوص إضافة، فإنه تعالى عالم الغيب والشهادة. والغيب عبارة عما بطن والشهادة عما ظهر، وهو الذى يشاهد، فإذا اعتبر العلم مطلقاً فهو العليم، وإذا أضيف إلى الغيب والأمور الباطنة فهو الخبير، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد.
وقد يعتبر مع هذا أن يشهد على الخلق يوم القيامة بما علم وشاهد منهم.
الحق: هو فى مقابلة الباطل، والأشياء قد تستبان بأضدادها، وكل ما يخبر عنه فإما باطل مطلقاً وإما حق مطلق، وإما حق من وجه وباطل من وجه. فالممتنع بذاته هو الباطل مطلقاً، والواجب بذاته هو الحق مطلقاً، والممكن بذاته الواجب بغيره هو حق من وجه وباطل من وجه، فهو من حيث ذاته لا وجود له فهو باطل. وهو من جهة غيره مستفيد للوجود، فهو من الوجه الذى يلى مفيد الوجود موجود، فهو من ذلك الوجه حق ومن جهة نفسه باطل، ولذلك كل شئ هالك إلا وجهه. وهو كذلك أزلا وأبدا ليس فى حال دون حال لأن كل شئ سواه أزلا وأبداً من حيث ذاته لا يستحق الوجود، ومن جهته يستحق، فهو باطل بذاته حق بغيره. فالحق المطلق هو الموجود الحقيقى بذاته الذى منه يأخذ كل حق حقيقته. وقد يقال أيضاً للمعقول الذى صادف به العقل الموجود حتى طابقه إنه حق، فهو من حيث ذاته يسمى موجوداً، ومن حيث إضافته للعقل الذى أدركه على ما هو عليه يسمى حقاً. فأحق الموجودات بأن يكون حقاً هو الله تعالى، وأحق المعارف بأن يكون حقاً هو معرفة الله تعالى، فإنه حق فى نفسه، أى مطابق للمعلوم أزلا وأبداً، ومطابقته لذاته لا لغيره، لا كالعلم بوجود غيره. فإنه لا
стр. 1077
يكون إلا ما دام ذلك الغير موجوداً، فإذا عدم عاد ذلك الاعتقاد باطلاً. وذلك الاعتقاد أيضاً لا يكون حقاً لذات المعتقد لأنه ليس موجودا لذاته بل هو موجود لغيره. ويطلق ذلك على الأقوال فيقال قول حق وقول باطل. وعلى ذلك فأحق الأقوال قول لا إله إلا الله لأنه صادق أبداً وأزلا لذاته لا لغيره، فإذن يطلق الحق على الوجود فى الأعيان وعلى الوجود فى الأذهان، وهو المعرفة، وعلى الوجود وهو المعرفة، وعلى الوجود الذى فى اللسان، وهو النطق، فأحق الأشياء بأن يكون حقاً هو الذى يكون وجوده ثابتاً لذاته أزلا وأبداً، ومعرفته حقاً أزلا وأبداً، والشهادة له حقاً أزلا وأبداً. وكل ذلك لذات الموجود الحقيقى لا لغيره.
الوكيل: الموكول إليه الأمور. والموكول إليه ينقسم إلى من وكل إليه بعض الأمور وذلك ناقص، وإلى من وكل إليه الكل وليس ذلك إلا الله تعالى. والموكول إليه ينقسم إلى من يستحق أن يكون موكولا إليه لا بذاته ولكن بالتوكيل والتفويض، وهذا ناقص لأنه فقير إلى التفويض والتولية، وإلى من يستحق بذاته أن تكون الأمور موكولة إليه والقلوب متوكلة عليه لا بتولية وتفويض من جهة غيره؛ وذلك هو الوكيل المطلق.
والوكيل أيضاً ينقسم إلى من يفى بما يوكل إليه وفاء تاماً من غير قصور، وإلى من لا يفى بالجميع. والوكيل المطلق هو الذى الأمور موكولة إليه، وهو ملىّ بالقيام بها وفىّ بإتمامها، وذلك هو الله تعالى فقط.
القوى المتين: القوة تدل على القدرة التامة. والمتانة تدل على شدة القوة. فالله تعالى من حيث إنه بالغ القدرة تامها قوى. ومن حيث إنه شديد القوة متين.
الولى: المحب الناصر، فيقمع أعداء الدين وينصر أولياءه.
الحميد: المحمود المثنى عليه، فهو الحميد لنفسه أزلا، ويحمد عباده له أبداً.
المحصى: الذى يحصى المعلومات ويعدها ويحيط بها. والمحصى المطلق هو الذى ينكشف فى علمه حد كل معلوم وعدده ومبلغه. والعبد وإن أمكنه
стр. 1078
أن يحصى بعلمه بعض المعلومات فإنه يعجز عن حصر أكثرها.
المبدئ المعيد: الموجد. والإيجاد إذا لم يكن مسبوقاً بمثله سمى إبداء وإذا كان مسبوقاً بمثله سمى إعادة. والله تعالى هو الذى بدأ خلق الناس ثم هو الذى يعيدهم، أى يحشرهم. والأشياء كلها منه بدأت وإليه تعود، وبه بدأت وبه تعود.
المحيى المميت: أى لا خالق للموت والحياة إلا الله تعالى، فلا محيى ولا مميت إلا هو. والإيجاد إذا كان هو الحياة يسمى فعله إحياء، وإذا كان هو الموت سمى فعله إماتة.
الحى: الفعّال الدرّاك. فما لا فعل له أصلاً ولا إدراك فهو ميت. وأقل درجات الإدراك أن يشعر المدرك بنفسه، فما لا يشعر بنفسه فهو الجماد والميت. فالحى الكامل المطلق الذى هو تندرج جميع المدركات تحت إدراكه، وجميع الموجودات تحت فعله، حتى لا يشذ عن علمه مدرَك ولا عن فعله مفعول. وكل ذلك لله تعالى، فهو الحى المطلق، وكل حى سواه فحياته بقدر إدراكه وفعله. ثم إن الأحياء يتفاوتون فمراتبهم بقدر تفاوتهم.
القيوم: القائم بنفسه مطلقاً، الذى تكتفى ذاته بذاته ولا قوام له بغيره، ولا يشترط فى دوام وجوده وجود غيره، والذى يقوم به كل موجود فلا يتصور للأشياء وجود ولا دوام وجود إلا به، لأن قوامه بذاته وقوام كل شئ به.
والأشياء تنقسم إلى ما يفتقر إلى محل كالأعراض والأوصاف، فيقال فيها إنها ليست قائمة بأنفسها، وإلى ما لا يحتاج إلى محل فيقال إنه قائم بنفسه كالجواهر. إلا أن الجوهر وإن كان قائماً بنفسه مستغنياً عن محل يقوم به فليس مستغنياً عن أمور لابد منها لوجوده وتكون شرطاً فى وجوده فلا يكون قائماً بنفسه لأنه يحتاج فى قوامه إلى وجود غيره.
الواجد: الذى لا يعوزه شئ. والذى لا يحضره ما لا تعلق له بذاته ولا بكمال ذاته لا يسمى واجداً، بل الواجد ما لا يعوزه شئ مما لابد له منه، وكل ما لابد منه فى صفات الإلهية وكمالها فهو
стр. 1079
موجود لله تعالى، فهو بهذا الاعتبار واجد، وهو الواجد المطلق، ومن عداه إن كان واجداً لشئ من صفات الكمال وأسبابه فهو فاقد لأشياء، فلا يكون واجداً إلا بالإضافة.
الماجد: بمعنى المجيد، كالعالم بمعنى العليم، لكن الفعيل أكثر مبالغة.
الأحد: الذى لا يتجزأ ولا يتثنى. أما الذى لا يتجزأ فكالجوهر الواحد الذى لا ينقسم، فيقال إنه واحد بمعنى أنه لا جزء له. والله تعالى واحد بمعنى أنه يستحيل تقدير الانقسام فى ذاته. وأما الذى لا يتثنى فهو من لا نظير له. فإن كان فى الوجود موجود ينفرد بخصوص وجوده تفرداً لا يتصور أن يشاركه غيره فيه أصلاً فهو الواحد المطلق أزلا وأبداً. والعبد إنما يكون واحداً إذا لم يكن له نظير فى أبناء جنسه فى خصلة من خصال الخير وذلك بالإضافة إلى أبناء جنسه وبالإضافة إلى الوقت؛ إذ يمكن أن يظهر مثله فى وقت آخر، وبالإضافة إلى بعض الخصال دون الجميع، فلا وحدة على الإطلاق إلا لله تعالى.
الصمد: الذى يصمد إليه فى الحوائج ويقصد إليه فى الرغائب؛ إذ ينتهى إليه منتهى السؤدد.
وعن الحسن وعكرمة والضحاك وابن جبير: الصمد: المصمَت الذى لا جوف له. وهذا لا يجوز على الله تعالى.
القادر المقتدر: ذو القدرة، لكن المقتدر أكثر مبالغة. والقدرة: المعنى الذى يوجد به الشئ متقدراً بتقدير الإرادة، والعلم واقعاً على وفقهما. والقادر هو الذى إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وليس من شرطه أن يشاء لا محالة. والقادر المطلق هو الذى يخترع كل موجود اختراعاً ينفرد به ويستغنى فيه عن معاونة غيره، وهو الله تعالى. وأما العبد فله قدرة على الجملة لكنها ناقصة، إذ لا يتناول إلا بعض الممكنات ولا يصلح للاختراع، بل الله تعالى هو المخترع لمقدورات العبد بقدرته مهما هيّأ جميع أسباب الوجود المقدورة.
المقدم والمؤخر: الذى يقرّب ويُبعد، ومن قربه فقد قدمه ومن أبعده فقد أخره. والقدام تارة يكون فى المكان وتارة يكون فى الرتبة، وهو مضاف لا
стр. 1080
محالة إلى متأخر عنه، ولابد فيه من مقصد هو الغاية بالإضافة إليه يتقدم ما يتقدم ويتأخر ما يتأخر. والمقصد هو الله تعالى. والمقدم عند الله هو المقرب. وكل متأخر فهو مؤخر بالإضافة إلى ما قبله مقدم بالإضافة إلى ما بعده. والله تعالى هو المقدم والمؤخر لأنك إن أحلت تقدمهم وتأخرهم على توفيرهم وتقصيرهم وكمالهم فى الصفات ونقصهم، فمن الذى حملهم على التوفير بالعلم والعبادة بإثارة دواعيهم؟ ومن الذى حملهم على التقصير بصرف دواعيهم إلى ضد الصراط المستقيم؟ وذلك كله من الله تعالى. فهو المقدم والمؤخر، والمراد هو التقديم والتأخير فى الرتبة.
الأول والآخر: الأول يكون أولاً بالإضافة إلى شئ والآخر يكون آخراً بالإضافة إلى شئ، وهما متناقضان، فلا يتصور أن يكون الشئ الواحد من وجه واحد بالإضافة إلى شئ واحد أولاً وآخراً جميعاً. والله تعالى أول إذ الموجودات كلها استفادت الوجود منه. وأما هو فموجود بذاته ما استفاد الوجود من غيره. وهو آخر إذ هو آخر ما ترتقى إليه درجات العارفين وكل معرفة تحصل قبل معرفته فهى مرقاة إلى معرفته والمنزل الأقصى معرفة الله تعالى فهو آخر بالإضافة إلى السلوك،
أول بالإضافة إلى الوجود، فمنه المبدأ أولاً وإليه المرجع والمصير آخراً.
الظاهر الباطن: الظاهر يكون ظاهراً لشئ وباطناً لشئ، ولا يكون من وجه واحد ظاهراً وباطناً، بل يكون ظاهراً من وجه واحد بالإضافة إلى إدراك، وباطناً من وجه آخر، فإن الظهور والبطون إنما يكونان بالإضافة إلى الإدراكات. والله تعالى باطن إن طلب من إدراك الحواس وخزانة الخيال. ظاهر إن طلب من خزانة العقل بطريق الاستدلال.
البر: المحسن. والبر المطلق هو الذى منه كل مبرة وإحسان. والعبد إنما يكون براً بقدر ما يتعاطاه من البر.
التواب: الذى يرجع إلى تيسير أسباب التوبة لعباده مرة بعد أخرى بما يظهر لهم من آياته ويسوق إليهم من تنبيهاته ويطلعهم عليه من تخويفاته وتحذيراته حتى إذا اطلعوا بتعريفه على غوائل الذنوب استشعروا الخوف
стр. 1081
بتخويفه رجعوا إلى التوبة فرجع إليهم فضل الله تعالى بالقبول.
المنتقم: الذى يشدد العقاب على الطغاة وذلك بعد الإعذار والإنذار، وبعد التمكين والإمهال وهو أشد للانتقام من المعاجلة بالعقوبة.
العَفوّ: الذى يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصى. وهو قريب من الغفور، لكن الغفور ينبئ عن الستر، والعفو ينبئ عن المحو.
الرؤوف: ذو الرأفة، والرأفة شدة الرحمة.
مالك الملك: الذى تنفذ مشيئته فى مملكته كيف شاء وكما شاء إيجاداً وإعداماً وإبقاءاً وإفناءاً. والملك، ها هنا، بمعنى المملكة. والمالك بمعنى القادر التام
القدر.
ذو الجلال والإكرام: الذى لا جلال ولا كمال إلا وهو له، ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهى صادرة منه. فالجلال له فى ذاته، والكرامة فائضة منه على خلقه. وفنون إكرامه خلقه لا تكاد تنحصر وتتناهى.
الوالى: الذى دبر أمور الخلق وتولاها. والولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل وما لم يجتمع جميع ذلك له لم ينطلق اسم الوالى عليه، ولا والى للأمور إلا الله تعالى، فإنه المنفرد بتدبيرها أولاً، والمتكفل والمنفذ للتدبير بالتحقيق ثانياً، والقائم عليها بالإدامة والإبقاء ثالثاً.
المتعالى: بمعنى العلىّ مع نوع من المبالغة.
المقسط: الذى ينتصف للمظلوم من الظالم. وكماله فى أن يضيف إلى إرضاء المظلوم إرضاء الظالم، وذلك غاية العدل والإنصاف، ولا يقدر عليه إلا الله تعالى.
الجامع: المؤلف بين المتماثلات والمتباينات والمتضادات.
المانع: الذى يرد أسباب الهلاك والنقصان فى الأديان والأبدان بما تحملته من الأسباب المعدة للحفظ. وكل حفظ فمن ضرورته منع ودفع. والمنع إضافة إلى السبب المهلك والحفظ إضافة إلى المحروس عن الهلاك، وهو مقصود
стр. 1082
المنع وغايته، إذ كان المنع يراد للحفظ والحفظ لا يراد للمنع. فكل حافظ دافع مانع وليس كل مانع حافظاً إلا إذا كان مانعاً مطلقاً لجميع أسباب الهلاك والنقص حتى يحصل الحفظ من ضرورته.
الضار النافع: الذى يصدر منه الخير والشر والنفع والضر، وكل ذلك منسوب إلى الله تعالى.
النور: الظاهر الذى به كل ظهور، فإن الظاهر فى نفسه المظهر لغيره يسمى نوراً ومهما قوبل الوجود بالعدم كان الظهور لا محالة للوجود، ولا ظلام أظلم من العدم. فالرئ عن ظلمة العدم بل عن إمكان العدم، والمخرج كل الأشياء من ظلمة العدم إلى ظهور الوجود جدير أن يسمى نوراً. والوجود نور فائض على الأشياء كلها من نور ذاته فهو نور السموات والأرض.
الهادى: الذى هدى خواص عباده أولاً إلى معرفة ذاته، وهدى عوام عباده إلى مخلوقاته حتى استشهدوا بها على ذاته، وهدى كل مخلوق إلى ما لابد منه فى قضاء حاجاته.
البديع: الذى لا عهد بمثله. فإن لم يكن بمثله عهد لا فى ذاته ولا ف صفاته ولا فى أفعاله ولا فى كل أمر راجع إليه فهو البديع المطلق، وإن كان شئ من ذلك معهوداً فليس ببديع مطلق، ولا يليق هذا الاسم مطلقاً إلا بالله تعالى فإنه ليس له قبل فيكون مثله معهوداً قبله. وكل موجود بعده فحاصل بإيجاده وهو غير مناسب لموجده. فهو بديع أزلا وأبداً.
الباقى: الموجود الواجب وجوده بذاته، ولكنه إذا أضيف فى الذهن إلى الاستقبال سمى باقياً، وإذا أضيف إلى الماضى سمى قديماً، والباقى المطلق هو الذى لا ينتهى تقدير وجوده فى الاستقبال إلى آخر ويعبر عنه بأنه أبدى. والقديم المطلق هو الذى لا ينتهى تمادى وجوده فى الماضى إلى أول، ويعبر عنه بأنه أزلى.
الوارث: الذى ترجع إليه الأملاك بعد فناء الملاك، وهو الله سبحانه، إذ هو الباقى بعد فناء خلقه وإليه مرجع كل شئ ومصيره.
الرشيد: الذى تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سنن السداد من غير إشارة
стр. 1083
مشير وتسديد مسدد وإرشاد مرشد، وهو الله تعالى.
الصبور: الذى لا تحمله العجلة على المسارعة إلى الفعل قبل أوانه، بل ينزل الأمور بقدر معلوم، ويجريها على سنن محددة لا يؤخرها عن آجالها المقدرة لها، ولا يقدمها على أوقاتها، بل يودع كل شئ فى أوانه على الوجه الذى يجب أن يكون وكما ينبغى.
وهذه الأسامى ترجع إلى ذات وسبع صفات، كما يقول أهل السنة. والصفات وإن كانت سبعاً فالأفعال كثيرة، وبهذا امتنع الترادف، وتضمن كل اسم معنى، فمنها ما يدل على الذات، أو على الذات مع سلب، أو على الذات مع إضافة، أو على الذات مع سلب وإضافة، أو على واحدة من الصفات السبع، أو على صفة وسلب، أو على صفة وإضافة، أو على صفة فعل، أو على صفة فعل وإضافة، أو
سلب، فهذه عشرة أقسام:
١ - فما يدل على الذات، مثل الله.
٢ - وما يدل على الذات مع سلب، مثل القدوس والسلام والمغنى والأحد.
٣ - وما يرجع إلى الذات مع إضافة، مثل العلىّ والعظيم والأول والآخر.
٤ - وما يرجع إلى الذات مع سلب وإضافة، مثل الملك والعزيز.
٥ - وما يرجع إلى صفة، مثل العليم والقادر والحىّ والسميع والبصير.
٦ - وما يرجع إلى العلم مع إضافة، مثل الخبير والحكيم والشهيد.
٧ - وما يرجع إلى القدرة مع زيادة وإضافة مثل القهار والقوى والمقتدر.
٨ - وما يرجع إلى الإرادة مع إضافة أو مع فعل، مثل الرحمن والرحيم والرؤوف.
٩ - وما يرجع إلى صفات الفعل، مثل الخالق والبارئ والمصور.
١٠ - وما يرجع إلى الدلالة على الفعل مع زيادة، مثل المجيد والكريم.
* * *
وأسماء الله تعالى من حيث التوقيف ليست مقصورة على تسعة وتسعين، بل ورد التوقيف بأسام سواها، ففى رواية أخرى عن أبى هريرة إبدال لبعض هذه الأسامى بما يقرب منها،
стр. 1084
وإبدال بما لا يقرب. فأما الذى يقرب فالأحد بدل الواحد، والقاهر بدل القهار، والشاكر بدل الشكور.
وأما الذى لا يقرب فالهادى والكافى والدائم والبصير والنور والمبين والجميل والصادق والمحيط والقريب والقديم والوتر والفاطر والعلام والمليك والأكرم والمدبر والرفيع وذو الطول وذو المعارج وذو الفضل والخلاق.
وقد ورد أيضاً فى القرآن الكريم ما ليس متفقاً عليه فى الروايتين جميعاً كالمولى والنصير والغالب والقريب والرب والناصر؛ ومن المضافات كقوله: شديد العقاب، وقابل التوب، وغافر الذنب، ومولج الليل فى النهار، ومولج النهار فى الليل، ومخرج الحى من الميت، ومخرج الميت من الحى.
وقد ورد فى الخبر أيضاً: السيد، إذ قال رجل لرسول الله ﷺ : يا سيد، فقال: السيد هو الله تعالى.
وقد ورد أيضاً فى الخبر: الديان والحنان والمنان.
ولو جوز اشتقاق الأسامى من الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى فى القرآن بنحو قوله تعالى: يكشف السوء ويقذف بالحق، ويفصل بينهم، فاشتق من ذلك: الكاشف، والقاذف بالحق، والفاصل، لخرج ذلك عن الحصر.
والوقوف عند التسعة والتسعين هو مجاراة للعادة واتباع للرواية المشهورة عن أبى هريرة فى الصحيحين، وإنه ليروى عن رسول الله ﷺ قوله: أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته فى كتابك أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك. وعلى هذا فالحديث الوارد فى الحصر، قد يكون التخصيص فيه لحصول الاستظهار بها لكفايتها.
وقيل إن اختصاص هذه الأسماء التسعة والتسعين بالذكر هو لأنها تجمع من المعانى المنبئة عن الجلال ما لا يجمع من ذلك غيرها، ثم إن فى هذا الإحصاء قصداً إلى جمع ما يعسر على الجماهير جمعه. هذا وأئمة من مثل الإمام أحمد والبيهقى قد ضعّفوا رواية أبى هريرة، إذ عنه روايتان وبينهما تباين ظاهر فى الإبدال والتعبير، ولأن
стр. 1085
روايته ليست تشتمل على ذكر حنان ومنان وجملة من الأسماء التى وردت الأخبار بها، ولأن الذى أورد فى الصحيح هذا العدد، وهو قوله ﷺ أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، وأما ذكر الأسامى فلم يرد فى الصحيح بل وردت به رواية غريبة وفى إسنادها ضعف.
ويقول على بن حزم: صح عندى قريب من ثمانين اسماً يشتمل عليها الكتاب والصحاح من الأخبار، والباقى ينبغى أن يطلب من الأخبار بطريق الاجتهاد.
ولعل ابن حزم على هذا قد استضعف الحديث الذى فيه عدها، أو عدل عنه إلى الأخبار الواردة فى الصحاح وإلى التقاط ذلك منها.
* * *
والصفات والأسامى المطلقة على الله تعالى تقف على التوقيف. ويجبر القاضى أبو بكر أن تكون بطريق العقل إلا ما منع منه الشرع أو أشعر بما يستحيل معناه على الله تعالى.
وذهب أبو الحسن الأشعرى إلى أن ذلك موقوف على التوقيف فلا يجوز أن يطلق فى حق الله تعالى ما هو موصوف بمعناه إلا إذا أذن فيه.
ويقول الغزالى: كل ما يرجع إلى الاسم فذلك موقوف على الإذن، وما يرجع إلى الوصف فذلك لا يقف على الإذن، بل الصادق منه مباح دون الكاذب، ولا يفهم هذا إلا بعد فهم الفرق بين الاسم والوصف.
ثم يقول الغزالى: فالاسم هو اللفظ الموضوع للدلالة على المسمى، فزيد مثلاً اسمه زيد، وهو فى نفسه أبيض وطويل، فلو قال له قائل: يطويل ويا أبيض فقد دعاه بما هو موصوف به وصدق، ولكنه عدل عن اسمه، إذ اسمه زيد دون الطويل والأبيض. ولذلك لم يكن لنا أن نضع لإنسان اسماً لم يسم به. وإذا لم يكن لنا أن نسمى إنساناً، أى لا نضع له اسماً، فكيف نضع لله اسماً؟
وأما إباحة الوصف، فالوصف خبر عن أمر، والخبر ينقسم إلى صدق وكذب. والشرع قد دل على تحريم
стр. 1086
الكذب فى الأصل، والكذب حرام إلا بعارض، ودل على إباحة الصدق فالصدق حلال إلا بعارض. وكما أنه يجوز لنا أن نقول فى زيد: إنه موجود، لأنه موجود، فكذلك فى حق الله تعالى، ورد به الشرع أو لم يرد. وكما أننا لا نقول لزيد: إنه طويل أشقر، لأن ذلك ربما يبلغ زيداً فيكرهه، لأن فيه إيهام نقص، فكذلك لا نقول فى حق الله تعالى ما يوهم نقصاً البتة. فأما مالا يوهم نقصاً فذلك مطلق ومباح بالدليل الذى أباح الصدق مع السلامة عن العوارض المحرمة، ولذلك قد يمنع من إطلاق لفظ فإذا قرنت به قرينة جوزناه. فلا يقال لله تعالى: يا مذلّ، ونقول: يا معزّ يا مذلّ، فإنه إذا جمع بينهما كان وصف مدح، إذ يدل على أن طرفى الأمور بيديه.
وكما أنا إذا نادينا إنساناً فإما أن نناديه باسمه أو بصفة من صفات المدح، وإذا استخبرنا عن صفاته لا نذكر ما يكرهه إذا بلغه وإن كان صدقاً لعارض الكراهية، وإنما يكره ما يقدر فيه نقصاً.
وكذلك إذا استخبرنا عن مجرى الأشياء ومسكنها ومسودها ومبيضها قلنا: هو الله تعالى، ولا نتوقف فى نسبة الأفعال والأوصاف إليه إلى إذن وارد فيه على الخصوص، بل الإذن قد ورد شرعاً فى الصدق، إلا ما يستثنى عنه بعارض. والله تعالى هو الموجود والموجد والمظهر والمخفى والمسعد والمشقى والمبقى والمغنى، وكل ذلك يجوز إطلاقه وإن لم يرد فيه توقيف.
ويقول الغزالى: فإن قيل: فلم لا يجوز أن يقال له العارف والعاقل والفطن والذكى وما يجرى مجراه؟ قلنا: إنما المانع من هذا وأمثاله ما فيه من إيهامات، وما فيه إيهام لا يجوز إلا بالإذن كالصبور والرحيم والحليم، فإن فيه إيهاماً ولكن الإذن قد ورد به، وأما هذا فلم يرد به الإذن، والإيهام فيه أن العاقل هو الذى له معرفة تعقله، أى تمنعه. والفطنة والذكاء يشعران بسرعة الإدراك لما غاب عن المدرك، والمعرفة قد تشعر بسبق فكرة، فلا يمنع عن إطلاق شئ منه إلا شئ مما ذكرنا، فإن حقق لفظ لا يوهم أصلا بين المتفاهمين، ولم
стр. 1087
يرد الشرع بالمنع منه جاز إطلاقه قطعاً.
المصادر:
إحياء علوم الدين للغزالى - البحر المحيط لأبى حيان - تهذيب اللغة للأزهرى - الجامع لأحكام القرآن للقرطبى - شرح البيضاوى على أسماء الله الحسنى - شرح المواقف للجرجانى - فتح القدير للشوكانى - كشاف اصطلحات الفنون للتهانوى - الكشاف للزمخشرى - كشف الأسما فى شرح أسماء الله الحسنى لتقى الدين - لسان العرب لابن منظور - المقصد الأسنى للغزالى - المواقف للإيجى.
إبراهيم الأبيارى
* * *
+ الله، الإله الواحد، الخالق، مالك يوم الحساب: هو محور الفكر الإسلامى، وهو العلة الوحيدة لوجوده.
وقد كان الله معروفاً عند العرب فى الجاهلية؛ كان إلهاً من الآلهة المكِّية، وربما كان الإله الأكبر، ومن المؤكد أنه كان إلهاً خالقاً (سورة الرعد، الآية ١٦؛ سورة العنكبوت، الآيتان ٦١، ٦٣؛ سورة لقمان، الآية ٢٥؛ سورة الزمر، الآية ٣٨؛ سورة الزخرف، الآية ٨٧). وكان الله من قبل معروفاً وصفاً بالإله (وهو الاشتقاق المرجح، وثمة قول آخر بأنه مشتق من الكلمة الآرامية "ألاها").
ولكن الفكرة المبهمة عن وجود إله أعلى التى كانت تتضمنها فيما يظهر العقيدة المكِّية قد أصبحت عقيدة يؤمن بها الكافة وديناً متسامياً. وقد حولتها الدعوة القرآنية إلى تأكيد وجود الله الحى الواحد الأعظم.
١ - الله فى القرآن
وثمة خبر إسلامى بأن سورة العَلَق هى أول سورة نزلت على النبى محمد ﷺ : ومن ثم كانت الرسالة التى كُلف بها من أول الأمر تبشيراً بكلمة "الله" (سورة العلق، الآيتان ١، ٣).
والله - كما أخبر محمد ﷺ فى هذه السورة الأولى - هو ﴿رَبُّكَ﴾ (سورة العلق، الآية ١) خالق الإنسان، الأكرم: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (سورة
стр. 1088
العلق، الآيات ٣ - ٥)؛ والفاتحة القرآنية العظيمة "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (انظر ترجمة R. Blacher (تفتتح بها الدعوة وتتكرر على رأس كل سورة، وربما كانت تتضمن إشارة إلى الرحمن قبل الإسلام فى جنوبى الجزيرة العربية، وأن الرحمن يجب أن يؤخذ على اعتبار أنه اسم علم مقدس. وتبقى الحقيقة التى مفادها أن أصل الكلمة "ر ح م" أصبح يدل - على مر القرون الإسلامية - على مفهوم "الإحسان والرأفة والرحمة على وجه الدقة، وأن التعبير "رحمة الله أصبح عند الكتّاب الروحانيين أقرب ما يكون إلى التوسل بالأسرار الإلهية فى صلاتها بالإنسان. ومن هنا كانت دعوة محمد ﷺ منذ البداية - تأكيداً بأن الله هو المنعم الخالق الكريم يهدى الناس على لسان رسول يرى على نحو خاص أنه الرب.
(أ) المسائل الكبرى
سنتقبل -من الناحية التاريخية- الفروق المسلم عموماً بوجودها بين الفترات الملكية الثلاث والفترة المدينية (مع بعض اختلافات فى التفصيلات؛ انظر نولدكه وكرمه وبلاشير) وهى فروق تتفق إجمالاً مع بعض الأخبار الإسلامية.
والعقيدة الإسلامية قد اعتبرت نص القرآن دائماً أنه كلمة الله يبينها للإنسان، ويقول الله فيها ما يريد هو أن يقوله عن نفسه: فالله هو ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (سورة الرحمن، الآيات ١، ٢، ٣، ٤) خاطب بالقرآن المتقين ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ. . . .﴾ (سورة البقرة، الآيتان ٢، ٣). ويظل الله غيباً لا يدركَ (سورة الشورى، الآيتان ٥١، ٥٢)؛ ويتجلى فى كماله السامى وفى تصريفه لهذا العالم. وأفعاله تعالى تأكيد لسره الذى لا تدركه الأفهام: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ... ﴾ (سورة الأنعام، الآية ١٠٣).
وليس من السهل أن نستخلص الموضوعات الخاصة بالله دون أن نتعرض لخطر إفساد النسق نفسه الذى عليه السور والآيات، وأبعد من ذلك يسراً أن نصنفها. ويبدو أن السائد منها
стр. 1089
ثلاثة، وإن كان من الواجب أن نتناولها فى جملتها:
١ - إله الخلق، والحساب، والعقاب: هو خالق كل شئ (سورة الرعد، الآية ١٦) وهو البديع، يخلق ما يشاء (سورة الشورى، الآية ٤٩؛ سورة المائدة، الآية ١٧)، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون (سورة يس، الآية ٨٢؛ سورة هود، الآية ١٠٧)، وهو مصدر الخير جميعاً وأحكم الحاكمين (سورة التين، الآية ٨).
وتبين أقدم السور ربوبيته على خلقه -وخاصة على بنى الإنسان- كما تبين صفتيه الحكم والملك المطلقين. وتتلقى العقول والقلوب الصدمة الأخيرة بخبر يوم الدين (انظر سورة التحريم كلها)، واقتراب الساعة (سورة النجم، الآيتان ٥٦، ٥٧؛ سورة القمر، الآيات رقم ١ وما بعدها) التى لا يعلمها إلا الله (سورة النازعات، الآيات من ٤٢ - ٤٤؛ سورة الزخرف، الآية ٨٥). وقد تختلف طريقة هذا الوعظ، ولكنها لا تختلف من حيث جوهر مضمونها أبداً ذلك أن اختلاف الموضوعات لا يتصل بالله فى ذاته بمقدار ما يتصل بين الله وجماعة المؤمنين وهى تقوم على ما يواجههم من عقبات وما يبتلون به من طوائف متعاقبة، ومن ثم على سبيل المثال الطائفتان المختلفتان: وهم المصطفون ومن حق عليهم العذاب (انظر سورة البروج) فى نهاية الفترة المكية الأولى، وفكرة "المنافقين" (وهى الفكرة الغالبة فى الفترة المدينية) الذين يستهزيء الله بهم (سورة البقرة، الآية ١٥). والسور المكية فى الفترتين الأوليين تؤكد النذير بقيام يوم الدين، ويتجلى الله فيها أساساً الحكم الذى لا مُعقب لكلمته قد أوتى الحكم لأنه الخالق الذى لا تملك حياله نفس لنفس شيئاً (سورة الانفطار الآيات من ١٧ - ١٩، وهى تلى منطقياً الآيات من ٦ - ٨ إلخ). ويستأنف موضوع الجزاء مرة ثانية فى السور المدنية (سورة الأحزاب الآية ٦٤؛ سورة النور الآيتان ٢٤، ٢٥ إلخ). وتبدو على المشهد هنا وهناك تغيرات لا شك فيها. ونجد فى مكة دعوة
стр. 1090
غليظة فى القول قصد بها إيمان الناس بالغيب الإلهى وأن الله هو الحَكم والخالق مع الاعتماد فى ذلك على تأكيدات تتسم بالترتيل الذى يقرع الأذن؛ وفى المدينة عود إلى هذا الغيب نفسه ينشد ذكر القلب متخذاً إياه شاهداً على ما للحياة اليومية نفسها من شأن فى الحياة الآخرة، وحاثًّا المسلمين على أن يذكروا الساعة دائماً فى كل أفعالهم، وبذلك يحضهم على الإيمان.
ونفس الاختلافات والترديدات لموضوع واحد تحدث فى تصوير تصرف الله فى تاريخ البشرية. فتحكى السور المدينية فى تفصيل دقيق قصة آدم وتمضى إلى قصص الأنبياء من نوح إلى عيسى ﵈ وتذكر ما لإرادة الله من شأن بالنسبة للمؤمنين. ولكن هذه الإرادة تظهر فى هذه السور متممة لقدر الله الثابت الذى ينزل بالناس من حين إلى حين، ذلك القدر الذى يحيط بكل شئ داخل الزمن وخارجه كما جاء فى الدعوة الواردة من قبل فى السور المكية؛ فالله هو الذى يحيى ويميت (سورة الليل، الآية ١٣؛ وهو موضوع يرجع إليه دائماً فيما بعد مثل سورة الحجر، الآية ٢٣؛ سورة البقرة، الآية ٢٥٨. . . إلخ). ومن السور الأولى نفسها دعى نوح (سورة النجم، الآية ٥٢) وإبراهيم وموسى (سورة النازعات، الآية ١٥؛ سورة النجم، الآيتان ٣٦، ٣٧) وقبائل ثمود (سورة الشمس، الآيات من ١١ - ١٤؛ سورة النجم، الآية ٥١. . . إلخ). وفى الفترة المكية الثانية يدبر الله للأمم، ذلك أن ثموداً وعاداً تختلطان بإشارات إلى يوم الحساب (سورة الحاقَّة) وتنتمى إلى الفترتين المكيتين الثانية والثالثة الأخبار المستفيضة عن تاريخ الأنبياء، ويختلط بهذا الموضوع حساب الأمم، ويتردد باستمرار حساب كل فرد على حدة.
٢ - الله الأحد الواحد فى ذاته:
فى جميع السور الأولى، الله: هو ربك، ومن ثم قيل إنه الخالق، المنعم، المعين، الحكم، وهو الأعلى (سورة الأعلى، الآية ١). وقد أطلقت عليه هذه الأسماء بالنظر إلى هذه الصفات لربوبيته التى لها بعض الصلة
следующие страницы →