← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الكذب فى الأصل، والكذب حرام إلا بعارض، ودل على إباحة الصدق فالصدق حلال إلا بعارض. وكما أنه يجوز لنا أن نقول فى زيد: إنه موجود، لأنه موجود، فكذلك فى حق الله تعالى، ورد به الشرع أو لم يرد. وكما أننا لا نقول لزيد: إنه طويل أشقر، لأن ذلك ربما يبلغ زيداً فيكرهه، لأن فيه إيهام نقص، فكذلك لا نقول فى حق الله تعالى ما يوهم نقصاً البتة. فأما مالا يوهم نقصاً فذلك مطلق ومباح بالدليل الذى أباح الصدق مع السلامة عن العوارض المحرمة، ولذلك قد يمنع من إطلاق لفظ فإذا قرنت به قرينة جوزناه. فلا يقال لله تعالى: يا مذلّ، ونقول: يا معزّ يا مذلّ، فإنه إذا جمع بينهما كان وصف مدح، إذ يدل على أن طرفى الأمور بيديه. وكما أنا إذا نادينا إنساناً فإما أن نناديه باسمه أو بصفة من صفات المدح، وإذا استخبرنا عن صفاته لا نذكر ما يكرهه إذا بلغه وإن كان صدقاً لعارض الكراهية، وإنما يكره ما يقدر فيه نقصاً. وكذلك إذا استخبرنا عن مجرى الأشياء ومسكنها ومسودها ومبيضها قلنا: هو الله تعالى، ولا نتوقف فى نسبة الأفعال والأوصاف إليه إلى إذن وارد فيه على الخصوص، بل الإذن قد ورد شرعاً فى الصدق، إلا ما يستثنى عنه بعارض. والله تعالى هو الموجود والموجد والمظهر والمخفى والمسعد والمشقى والمبقى والمغنى، وكل ذلك يجوز إطلاقه وإن لم يرد فيه توقيف. ويقول الغزالى: فإن قيل: فلم لا يجوز أن يقال له العارف والعاقل والفطن والذكى وما يجرى مجراه؟ قلنا: إنما المانع من هذا وأمثاله ما فيه من إيهامات، وما فيه إيهام لا يجوز إلا بالإذن كالصبور والرحيم والحليم، فإن فيه إيهاماً ولكن الإذن قد ورد به، وأما هذا فلم يرد به الإذن، والإيهام فيه أن العاقل هو الذى له معرفة تعقله، أى تمنعه. والفطنة والذكاء يشعران بسرعة الإدراك لما غاب عن المدرك، والمعرفة قد تشعر بسبق فكرة، فلا يمنع عن إطلاق شئ منه إلا شئ مما ذكرنا، فإن حقق لفظ لا يوهم أصلا بين المتفاهمين، ولم

стр. 1087

يرد الشرع بالمنع منه جاز إطلاقه قطعاً. المصادر: إحياء علوم الدين للغزالى - البحر المحيط لأبى حيان - تهذيب اللغة للأزهرى - الجامع لأحكام القرآن للقرطبى - شرح البيضاوى على أسماء الله الحسنى - شرح المواقف للجرجانى - فتح القدير للشوكانى - كشاف اصطلحات الفنون للتهانوى - الكشاف للزمخشرى - كشف الأسما فى شرح أسماء الله الحسنى لتقى الدين - لسان العرب لابن منظور - المقصد الأسنى للغزالى - المواقف للإيجى. إبراهيم الأبيارى * * * + الله، الإله الواحد، الخالق، مالك يوم الحساب: هو محور الفكر الإسلامى، وهو العلة الوحيدة لوجوده. وقد كان الله معروفاً عند العرب فى الجاهلية؛ كان إلهاً من الآلهة المكِّية، وربما كان الإله الأكبر، ومن المؤكد أنه كان إلهاً خالقاً (سورة الرعد، الآية ١٦؛ سورة العنكبوت، الآيتان ٦١، ٦٣؛ سورة لقمان، الآية ٢٥؛ سورة الزمر، الآية ٣٨؛ سورة الزخرف، الآية ٨٧). وكان الله من قبل معروفاً وصفاً بالإله (وهو الاشتقاق المرجح، وثمة قول آخر بأنه مشتق من الكلمة الآرامية "ألاها"). ولكن الفكرة المبهمة عن وجود إله أعلى التى كانت تتضمنها فيما يظهر العقيدة المكِّية قد أصبحت عقيدة يؤمن بها الكافة وديناً متسامياً. وقد حولتها الدعوة القرآنية إلى تأكيد وجود الله الحى الواحد الأعظم. ١ - الله فى القرآن وثمة خبر إسلامى بأن سورة العَلَق هى أول سورة نزلت على النبى محمد ﷺ : ومن ثم كانت الرسالة التى كُلف بها من أول الأمر تبشيراً بكلمة "الله" (سورة العلق، الآيتان ١، ٣). والله - كما أخبر محمد ﷺ فى هذه السورة الأولى - هو ﴿رَبُّكَ﴾ (سورة العلق، الآية ١) خالق الإنسان، الأكرم: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (سورة

стр. 1088

العلق، الآيات ٣ - ٥)؛ والفاتحة القرآنية العظيمة "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (انظر ترجمة R. Blacher (تفتتح بها الدعوة وتتكرر على رأس كل سورة، وربما كانت تتضمن إشارة إلى الرحمن قبل الإسلام فى جنوبى الجزيرة العربية، وأن الرحمن يجب أن يؤخذ على اعتبار أنه اسم علم مقدس. وتبقى الحقيقة التى مفادها أن أصل الكلمة "ر ح م" أصبح يدل - على مر القرون الإسلامية - على مفهوم "الإحسان والرأفة والرحمة على وجه الدقة، وأن التعبير "رحمة الله أصبح عند الكتّاب الروحانيين أقرب ما يكون إلى التوسل بالأسرار الإلهية فى صلاتها بالإنسان. ومن هنا كانت دعوة محمد ﷺ منذ البداية - تأكيداً بأن الله هو المنعم الخالق الكريم يهدى الناس على لسان رسول يرى على نحو خاص أنه الرب. (أ) المسائل الكبرى سنتقبل -من الناحية التاريخية- الفروق المسلم عموماً بوجودها بين الفترات الملكية الثلاث والفترة المدينية (مع بعض اختلافات فى التفصيلات؛ انظر نولدكه وكرمه وبلاشير) وهى فروق تتفق إجمالاً مع بعض الأخبار الإسلامية. والعقيدة الإسلامية قد اعتبرت نص القرآن دائماً أنه كلمة الله يبينها للإنسان، ويقول الله فيها ما يريد هو أن يقوله عن نفسه: فالله هو ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (سورة الرحمن، الآيات ١، ٢، ٣، ٤) خاطب بالقرآن المتقين ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ. . . .﴾ (سورة البقرة، الآيتان ٢، ٣). ويظل الله غيباً لا يدركَ (سورة الشورى، الآيتان ٥١، ٥٢)؛ ويتجلى فى كماله السامى وفى تصريفه لهذا العالم. وأفعاله تعالى تأكيد لسره الذى لا تدركه الأفهام: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ... ﴾ (سورة الأنعام، الآية ١٠٣). وليس من السهل أن نستخلص الموضوعات الخاصة بالله دون أن نتعرض لخطر إفساد النسق نفسه الذى عليه السور والآيات، وأبعد من ذلك يسراً أن نصنفها. ويبدو أن السائد منها

стр. 1089

ثلاثة، وإن كان من الواجب أن نتناولها فى جملتها: ١ - إله الخلق، والحساب، والعقاب: هو خالق كل شئ (سورة الرعد، الآية ١٦) وهو البديع، يخلق ما يشاء (سورة الشورى، الآية ٤٩؛ سورة المائدة، الآية ١٧)، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون (سورة يس، الآية ٨٢؛ سورة هود، الآية ١٠٧)، وهو مصدر الخير جميعاً وأحكم الحاكمين (سورة التين، الآية ٨). وتبين أقدم السور ربوبيته على خلقه -وخاصة على بنى الإنسان- كما تبين صفتيه الحكم والملك المطلقين. وتتلقى العقول والقلوب الصدمة الأخيرة بخبر يوم الدين (انظر سورة التحريم كلها)، واقتراب الساعة (سورة النجم، الآيتان ٥٦، ٥٧؛ سورة القمر، الآيات رقم ١ وما بعدها) التى لا يعلمها إلا الله (سورة النازعات، الآيات من ٤٢ - ٤٤؛ سورة الزخرف، الآية ٨٥). وقد تختلف طريقة هذا الوعظ، ولكنها لا تختلف من حيث جوهر مضمونها أبداً ذلك أن اختلاف الموضوعات لا يتصل بالله فى ذاته بمقدار ما يتصل بين الله وجماعة المؤمنين وهى تقوم على ما يواجههم من عقبات وما يبتلون به من طوائف متعاقبة، ومن ثم على سبيل المثال الطائفتان المختلفتان: وهم المصطفون ومن حق عليهم العذاب (انظر سورة البروج) فى نهاية الفترة المكية الأولى، وفكرة "المنافقين" (وهى الفكرة الغالبة فى الفترة المدينية) الذين يستهزيء الله بهم (سورة البقرة، الآية ١٥). والسور المكية فى الفترتين الأوليين تؤكد النذير بقيام يوم الدين، ويتجلى الله فيها أساساً الحكم الذى لا مُعقب لكلمته قد أوتى الحكم لأنه الخالق الذى لا تملك حياله نفس لنفس شيئاً (سورة الانفطار الآيات من ١٧ - ١٩، وهى تلى منطقياً الآيات من ٦ - ٨ إلخ). ويستأنف موضوع الجزاء مرة ثانية فى السور المدنية (سورة الأحزاب الآية ٦٤؛ سورة النور الآيتان ٢٤، ٢٥ إلخ). وتبدو على المشهد هنا وهناك تغيرات لا شك فيها. ونجد فى مكة دعوة

стр. 1090

غليظة فى القول قصد بها إيمان الناس بالغيب الإلهى وأن الله هو الحَكم والخالق مع الاعتماد فى ذلك على تأكيدات تتسم بالترتيل الذى يقرع الأذن؛ وفى المدينة عود إلى هذا الغيب نفسه ينشد ذكر القلب متخذاً إياه شاهداً على ما للحياة اليومية نفسها من شأن فى الحياة الآخرة، وحاثًّا المسلمين على أن يذكروا الساعة دائماً فى كل أفعالهم، وبذلك يحضهم على الإيمان. ونفس الاختلافات والترديدات لموضوع واحد تحدث فى تصوير تصرف الله فى تاريخ البشرية. فتحكى السور المدينية فى تفصيل دقيق قصة آدم وتمضى إلى قصص الأنبياء من نوح إلى عيسى ﵈ وتذكر ما لإرادة الله من شأن بالنسبة للمؤمنين. ولكن هذه الإرادة تظهر فى هذه السور متممة لقدر الله الثابت الذى ينزل بالناس من حين إلى حين، ذلك القدر الذى يحيط بكل شئ داخل الزمن وخارجه كما جاء فى الدعوة الواردة من قبل فى السور المكية؛ فالله هو الذى يحيى ويميت (سورة الليل، الآية ١٣؛ وهو موضوع يرجع إليه دائماً فيما بعد مثل سورة الحجر، الآية ٢٣؛ سورة البقرة، الآية ٢٥٨. . . إلخ). ومن السور الأولى نفسها دعى نوح (سورة النجم، الآية ٥٢) وإبراهيم وموسى (سورة النازعات، الآية ١٥؛ سورة النجم، الآيتان ٣٦، ٣٧) وقبائل ثمود (سورة الشمس، الآيات من ١١ - ١٤؛ سورة النجم، الآية ٥١. . . إلخ). وفى الفترة المكية الثانية يدبر الله للأمم، ذلك أن ثموداً وعاداً تختلطان بإشارات إلى يوم الحساب (سورة الحاقَّة) وتنتمى إلى الفترتين المكيتين الثانية والثالثة الأخبار المستفيضة عن تاريخ الأنبياء، ويختلط بهذا الموضوع حساب الأمم، ويتردد باستمرار حساب كل فرد على حدة. ٢ - الله الأحد الواحد فى ذاته: فى جميع السور الأولى، الله: هو ربك، ومن ثم قيل إنه الخالق، المنعم، المعين، الحكم، وهو الأعلى (سورة الأعلى، الآية ١). وقد أطلقت عليه هذه الأسماء بالنظر إلى هذه الصفات لربوبيته التى لها بعض الصلة

стр. 1091

بالإنسان. والصفة الخاصة بربوبيته، التى أصبحت محور الإسلام. وتحتوى سورة الطور (الآيتان ٣٩، ٤٣) على لوم المكيين الذين جروا على أن يجعلوا لله شركاء وبنات، فالله واحد سبحانه: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ (سورة الصافات، الآية ٤) مخاطباً بذلك المؤمنين. وتؤكد هذه الفكرة فى ثنايا الكتاب كله وتتكرر باستمرار فى العصر المدينى (مثال ذلك سورة البقرة، الآية ١٦٣) , وهى جوهر الدعوة إلى الله، فقد كان النبى ﷺ يردد دائماً: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة فصلت: ٦ ... إلخ]. على أنه ورد فى آية من الفترة المكية الأولى توكيد ربما كان أقوى مما تقدم بأن الله واحد فى ذاته، ففى علاقته بالإنسان واحد أحد، (سورة الإخلاص، الآية ١). وواحد وأحد، اسمان يردان معاً فى التوحيد وسموه المطلق. وهذا هو معنى الشهادة فى الإسلام. ومنذ زمن متقدم يرجع إلى سورة المزمِّل -التى كانت السبب على ما تقوله الأخبار فى إسلام عمر- ظهر التوكيد "لا إله إلا هو" (سورة المزمل، الآية ٩). وتعلن الفترة المكية الثانية: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ (سورة طه، الآية ١٤) وأن سر هذه "الأنا" هو الحق (سورة طه، الآية ١١٤؛ سورة الكهف، الآية ٤٤). وأخيرا فإن السورة القصيرة (الإخلاص) المشار إليها بسورة التوحيد بمعناه الأمثل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ هى تأكيد لوحدة طبيعته المقدسة على هذا النحو وأن سر ذاته لا يدرك كنهه (سورة "المؤمنون"، الآية ٩١). ٣ - الله قادر على كل شئ ورحيم وهذا الوجه المزدوج لسر الله فى علاقته بخلقه: وهو كونه رب العالمين (سورة التكوير، الآية ٢٩) فى قدرته التى لا نزاع فيها على كل شئ وإحسانه الذى يتسم بالمغفرة، يتردد فى جميع الفترات التى نزل فيها القرآن

стр. 1092

على السواء مع فروق فى ظلال المعنى والتأكيد عليه. وقدرته على كل شئ هى صفته التى بينت أولاً، فهو ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ (سورة المعارج، الآية ٤٠؛ وانظر أيضاً سورة المزمل، الآية ٩)، على أن هذه الصفة بالذات هى التى تحض المؤمن على أن يتخذه تعالى وكيلاً (انظر سورة المزمل، الآية ٩) وتعظم من شأن تلك القدرة على الرحمة والغفران التى يؤكدها النص تأكيداً. وأسماء الرحمن، والرحيم، والغفور، والغفار هى من الصفات التى يغلب ذكرها فى القرآن الكريم. والذى نلفت إليه النظر هنا أولاً هو من ناحية قدرة الله على كل شئ، ومن ناحية أخرى إسلام الذين نذروا أنفسهم لله بالتهجد وبالتسليم بقدرته على كل شئ. وفى نص من الفترة المدينية (سورة المائدة، الآية ٣) يجعل هذا الإسلام للدين نفسه، على أن سور الفترة الأولى التى تتحدث من قبل عن الآخرة جاء فيها حضّ للمؤمن على أن يتحدث بنعمة الله (سورة الضحى، الآية ١١). والله هو الملجأ والهادى (سورة الضحى، الآيتان ٧، ٨). وكل سورة الرحمن (نزلت فى الفترة المكية الثانية فى قول كرمه Grimme. مع آيات أخرى زادت عليها من بعد فى قول بل Bell) تعلن غضب الرحمن ذى الجلال والإكرام على الذين يكذبون بآلاء ربهم. (ب) آيات الله وأسماؤه وهكذا يبين الله للإنسان دائماً، عن طريق أنبيائه ﵈، السر المكنون لعظمته التى تفوق الوصف، ويطلب منه أن يؤمن بها ويؤمن بهيمنته الواضحة على الخلق جميعاً، وكماله المطلق اللذين تجلت بهما هذه العظمة، فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن (سورة الحديد، الآية ٣). فأولاً: ما دام الإنسان قد تلقى ما أنزل الله عن ذلك فإنه يجب عليه أن يتبين "آيات الكون" التى هى "آيات الله". والحق إن خلق الرحمن للعالم ليس فيه من "تفاوت" (سورة الملك، الآيتان ٣، ٤) حتى أن الإنسان ليخشى عليه أن يعبد هذا النظام والترتيب

стр. 1093

الرائعين لهذا الخلق، على أنه يجب عليه أن يفطن إلى أنه ما من شئ فى هذا النظام وذلك الترتيب إلا ويفنى ويزول. وكما حدث للنبى إبراهيم ﵇ فإن عقل الإنسان، بهدى من الله، لا مناص من أن يستخلص من الأشياء التى تفنى وتتغير الدليل الدامغ للوجود الواجب والسامى للخالق. لذلك كان التفكر فى آيات الكون واجباً دينياً فرضه الله على عقول الناس (سورة البقرة، الآيتان ١١٨, ١٦٤؛ سورة آل عمران الآية ١٩١؛ سورة الأنعام الآية ٩٨؛ سورة الرعد، الآيتان ٢، ٣؛ سورة النور، الآيات ٤٤ - ٥٥. . . إلخ). ويعلّم القرآن الكريم أيضاً أنه لا يبقى إلا الله؛ ﴿ ... كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ... ﴾ (سورة القصص، الآية ٨٨؛ سورة الزمر، الآية ٦٨؛ سورة الرحمن، الآيتان ٢٦، ٢٧. . . إلخ). وعندما تحل الساعة يهلك الله الخالق، ومن ثم المحيى والمميت، كل شئ ثم يعيد خلقه يوم الحشر. (سورة ق، الآيات ٤٢ - ٤٤؛ سورة الحشر، الآية ٢). وقد صور نظام الكون الحالى وترتيبه الرائع تصويراً بحيث يدعو المرء إلى أن يخر ساجداً لقدرة الله الذى يحيى ويميت (سورة السجدة، الآية ١٥؛ سورة فصّلت، الآية ٣٧). وآيات كمال الله التى تجعل علوّه يتجلى فى نظام العالم هذا هى نفسها التى يكشف عنها الله، وهى فى جوهرها الأسماء التى يجعلها لنفسه ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (سورة الأعراف، الآية ١٨٠؛ سورة الإسراء الآية ١١٠؛ سورة طه، الآية ٨). ولقد استخرج المتدينون المسلمون -فى عناية- هذه الأسماء من نص القرآن الكريم وأكملوها من الحديث وهى ٩٩ أسماً ولم يكفوا قط عن تذكرها والتفكر فيها. ونحن لا نرغب فى هذا المقام أن نحلل الأسماء الحسنى تحليلاً ضافياً (انظر المسرد الكامل لهذه الأسماء فيما ذكر آنفاً تحت عنوان "الأسماء الحسنى" من هذه المادة) على أننا نستطيع أن نقول أن ما سنذكره بعد هو المباحث الرئيسية التى تنبثق من هذه الأسماء (سنقصر همنا هنا على إشارة

стр. 1094

واحدة عن كل اسم، أو قل عن أقدم هذه الأسماء بصفة عامة): فالله هو الواحد الأحد (انظر ما سبق)، الحى القيوم (سورة طه، الآية ١١١)، العظيم (سورة الحاقة، الآية ٣٣ وتتردد فى آيات أخرى من القرآن الكريم)، العلى الكبير (سورة لقمان، الآية ٣٠)، النور (نور على نور، سورة النور، الآية ٣٥)، الحكيم (سورة الإنسان، الآية ٣٠، وتتردد فى آيات أخرى من القرآن الكريم)، العزيز (سورة البروج، الآية ٨ وتتردد فى آيات أخرى من القرآن)، القدير (سورة الملك، الآية ١ وتتردد فى آيات أخرى)، البديع (سورة الأنعام، الآية ١٠١)، الخالق (سورة غافر، الآية ٦٢)، الخلاّق (سورة يس، الآية ٨١)، ليس كمثله شئ (سورة الشورى، الآية ١١)، السميع البصير العليم (انظر مثلاً سورة الشورى، الآيتان ١١، ١٢ وتتردد هذه الصفات فى آيات أخرى) شهيد (١) (سورة البروج، الآية ٩ وتتردد هذه الصفة فى آيات أخرى)، الرزاق (٢) (سورة الذاريات، الآية ٥٨)، الرحمن (سورة النبأ، الآية ٣٧ وتتردد هذه الصفة كثيراً فى آيات أخرى)، الولى (سورة الجاثية، الآية ١٩)، الوكيل (سورة المزمل، الآية ٩ وتتردد هذه الصفة فى آيات أخرى)، الكريم (سورة الدخان، الآية ٤٩)، الرحيم (سورة الطور، الآية ٢٨، وتتردد هذه الصفة كثيراً فى القرآن الكريم)، الغفور (سورة المزمل، الآية ٢٠ وتتردد هذه الصفة فى القرآن)، الغفار (سورة طه، الآية ٨٢)، الرؤوف (سورة آل عمران، الآية ٣٠)، الودود (سورة البروج، الآية ١٤)، خير الحاكمين (سورة يونس، الآية ١٠٩). وتتردد كثيراً أمثال هذه المصطلحات، وقد يجئ التأكيد على واحد أو آخر منها مرة فى الفترة المكية ومرة فى الفترة المدينية، على أنها تتردد كلها تقريباً فى سور كل من الفترتين، وكثيراً ما يبدأ النص القرآنى بتوكيدات خلابة تجبه المؤمن مثل القول بأن الله الصمد (سورة الإخلاص، الآية ٢)،

стр. 1095

وكثيراً ما يبدأ النص أيضاً بمثل رمزية تؤكد وتثبت بما يحمله أسلوبها الرمزى فى التعبير من صدق واقعى. مثال واحد: تحيط قدرته السامية بأصغر فعل يأتيه أصغر ما خلق من أشياء وعبارة القرآن الكريم فى ذلك هى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. ويرد فيه أيضاً: ﴿. . وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ. .﴾ [فاطر: ١١]. وهكذا يهيأ العقل تهيئة قوية للتعرف على الوجود الكامل لله فى كل عمل بشرى وكل ما يصدر عن القلب البشرى، لأنه خلق كل عمل مهما كان (سورة الصافات، الآية ٩٦) ولأنه على نحو خاص قريب من الإنسان الذى خلقه (سورة سبأ الآية ٥٠)، يعلم ما فى الصدور، وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد (سورة ق، الآية ١٦). (جـ) طائفتان من الآيات هناك ملاحظات حول طائفتين من الآيات أثارت على مر القرون خلافات عدة: ١ - العقاب وقضاء الله: قدرة الله على كل شئ تتجلى فيما يريده للعالم، وتتأكد فى "القدرة"؛ والإنسان، مثل جميع المخلوقات، ينتمى إليه تعالى. ولكن فى نفس الوقت تتأكد قدرته على كل شئ قدرة أعدل الحاكمين، والمجازى المنصف، وعلى الإنسان أن يعرف أن كل امرئ سيحمل وزر أفعاله من ثواب على حسناته وعقاب على سيئاته (سورة البقرة، الآية ٢٨٦). وما أكثر ما قيل وقرر للبادرة الأولى أن القرآن الكريم يحتوى على مجموعة من الآيات "المتناقضة"، والحقيقة أنه ليس هناك تناقض على الإطلاق، وإنما الموجود هو توكيدات متقابلة متكاملة الغرض منها هداية القلوب إلى الموقف المطلوب الذى يتخذه الإنسان من الله. والقدرة الإلهية على كل شئ هى فى الحق قدرة واحدة، فالله لا يُحَاسب على ما يفعل" كما جاء فى الخبر الإسلامى، على أننا يجب فى هذا المقام أن نلزم الحذر فيما يتعلق بأسلوب

стр. 1096

الدعوة القرآنى. فالقرآن لا يتخذ موقفاً من المشكلة الكلامية الخاصة بالقدر، ولا المشكلة الفلسفية الخاصة بطبيعة الاختيار. فهو يثير سر العلاقات بين المخلوق والخالق. وكذلك فإنه لا يتخذ موقفاً من طبيعة الشر: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وهو تأكيد طبق كثيراً من بعد على كل فعل يصدر عن الإنسان؛ ومع ذلك فإن ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ... ﴾ [النساء: ٧٩]. وليس فى هذا شئ يقتضى التسليم بالطبيعة الإيجابية للشر. ولا تنسى آيات القرآن الكريم عن التصريح بأنه لا مهرب لشئ من الله ومن إرادته وقدرته وأن الله أيضاً هو الذى يأتى بالعقاب، بل إن فكرة العقاب نجدها مسيطرة على نحو ما. فهو يثيب الذى اتقى ويعاقب ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٦] ويلعن أولئك الذين يمنعون الماعون (سورة الماعون، الآية ٧). ويلاحظ الأستاذ بلاشير فى فهرسه (جـ ٣، ص ١٢٢٣) أن هناك ما بين مائتى آية وثلثمائة آية تنذر بالعقاب بالمحاسبة على أفعال الإنسان. وفى يوم القيامة تجزى كل نفس بما كسبت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. فضرورة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هى من الأوامر الأولى، ويجوز للمرء أن يقول إنها هى المبداة على الجميع، ما دام أن الدعوة إلى الخير التى لها الصدارة هى الجهر بالإيمان بالواحد، أى الإسلام الصادق. ولا يوجه هذا الأمر إلى كل إنسان على حدة فحسب، وإنما يوجه على وجه التحديد إلى جماعة المؤمنين بصفتهم هذه (سورة آل عمران، الآيتان ١٠٤، ١١٠ ... إلخ)، والإنسان يجازى على الصعيد الدنيوى بمقدار طاعته لأوامر الله على هذه الأرض الفانية. أما على الصعيد الأبدى لأوامر الله الباقية فإن المشهد يتغير، إذ لا يمكن أن يؤثر شئ على إرادة الله ولا على أمره. والمصطفون هم الذين يختارهم الله: ﴿ ... إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ... ﴾ [آل عمران: ٧٣]

стр. 1097

سورة المائدة، الآية ٥٤؛ سورة الحديد، الآية ٢١؛ سورة الجمعة، الآية ٤) وهو الذى يعز من يشاء ويذل من يشاء (سورة آل عمران، الآية ٢٦). ثم يجئ فى القرآن مع التوكيد الشديد ﴿ .. فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ .. ﴾ (سورة إبراهيم الآية ٤؛ سورة النحل، الآية ٩٣؛ سورة فاطر، الآية ٨؛ سورة الأنعام، الآيتان ٣٩، ١٢٥)، ومن يضله الله لا يجد من دونه ولياً ولا مرشداً (سورة الإسراء، الآية ٩٧؛ سورة الكهف، الآية ١٧؛ سورة الزمر، الآيتان ٢٣، ٣٧ سورة الأعراف، الآية ١٨٦، سورة الرعد، الآية ٣٣). وترد فى القرآن الكريم مرتين هذه الصورة ذات التركيب السامى القريبة كل القرب من سفر أشياء، الآيتان ٩، ١٠ (١): ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧] و﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] وأول هذين النصين (سورة الكهف، الآية ٥٧) يبرز إبرازاً بيناً الفعل الإلهى الذى يختم على السمع والقلب، وخطأ من تولى عن آيات الله، أما الثانى (سورة الجاثية، الآية ٢٣) فإنه يختتم بدعوات إلى الإصلاح، وتقرر الآية ١٩ من هذه السورة أن الظالمين بعضهم لبعض. ومسئولية الإنسان وقدره الله على كل شئ وقضاؤه المحتومان، هذان المنحيان من مناحى التفكير يلتقيان فى التوكيد النهائى على الحساب. وهذا الأسلوب فى تناول الغيب هو الذى تجلى للتفكير الإسلامى فى العصور المتأخرة فى أقوى صورة. ٢ - الآيات التى فيها تشبيه بالإنسان: والطائفة الأخرى من الآيات

стр. 1098

ذات أسلوب أخاذ قد يبدو -إذا أخذ بمعناه الحرفى المطلق- أنه ينسب صفات الإنسان وأفعاله إلى الله. وهذه الطائفة هى الآيات "المتشابهة" بخلاف الآيات المحكمة المستقرة المعنى استقراراً بيَّناً؛ ومن ثم ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (سورة طه، الآية ٥؛ سورة الحديد، الآية ٤ ... إلخ) ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (أى التحرك فى مكان؛ سورة الفجر، الآية ٢٢) ويد الله (سورة الفتح، الآية ١٠؛ سورة الذاريات، الآية ٤٧) ووجه الله (سورة الرحمن، الآية ٢٧) وأعين الله (سورة هود، الآية ٣٧؛ سورة الطور؛ الآية ٤٨؛ سورة القمر الآية ١٤). وإنما ذكرنا هذه النصوص لأنها كانت فيما بعد موضوع خلاف فى التفسير وفى الكلام. (د) خاتمة ودعوة القرآن الكريم إلى الله تدور كلها على محور واحد هو تأكيد وحدانيته وأحديته وعلوه وبقائه وكماله المطلق. وطبيعة الذات الإلهية التى لا تدرك تؤكد فى يقين جازم؛ فالله القادر على كل شئ، القريب لا يمكن أن يدرك إلا "بكلمته" وأسمائه وصفاته وأفعاله وملكيته المطلقة للملك التى يكشف عنها هو ذاته. والحق إن الله يتجلى فى هيمنته على كل المخلوقات. وصفتاه الخاصتان بعلمه المحيط وقدرته على كل شئ تعزيان إلى علمه وقدرته الظاهرين، أما القول بوحدانيته فيدخل فى وحدة طبيعة الذات الإلهية، فالله فى ذاته يظل هو "المغيب" المحجوب. واسم الله فى نظر الإسلام، هو -كما يقول ماكدونالد فى صدر هذه المادة- اسم العلَم الدال على الله، فهو يعبر فى ذلك عن ألوهيته الواحدة التى تعز على المشاركة. ولكن هل يحق للمرء وصف هذا الرب بأنه إله شخصى؟ هذا السؤال لم يكن له مكان بين المشاكل التى واجهها علماء الكلام عند المسلمين، وإنما الذى أثاره إثارة لها وزنها هم دارسو الإسلام من الغربيين (انظر مقال ماكدونالد فى صدر هذه المادة الذى

стр. 1099

يتحدث فيه عن "شخصية الله القاهرة"). ولكن الإسلام لن يقول أبداً إن الله شخصى أو شخص. والمسلمون يشمئزون من هذا القول الذى يقول به الدارسون الغربيون، ولا مراء فى أنهم يتخذون منه موقف الإنكار الإيجابى. ونحن نجد فى هذا المقام لبساً ذا حدين: (أ) من حيث المفردات: لم يطرأ على كلمة شخص فى الفلسفة العربية التغيير الذى طرأ على الكلمة اليونانية "أوبوستاسيس" أو الكلمة اللاتينية برسونا Persona. فكلمة "شخص" دائماً تدل فيما تدل على الصورة المجملة للفرد، ولا يوجد عندهم مصطلح أحسن لمفهوم هذه الكلمة غير هذا. زد على ذلك أنها تناسب جيداً الشخص المخلوق ولكنها توحى بفردية محدودة. (ب) الفكرة نفسها من حيث إطلاقها على الله: المسلم يشعر عموماً بعزوف شديد عن أن يدخل فى حدود هذه الكلمة طبيعة الله التى لا تدرك. ولكن هذا اللبس يتلاشى إذا بيّنا أن مفهوم "الإله الشخصى" فى اللغات الهندية الأوربية يتضمن الكمال المطلق. والله موجود فى ذاته، لا نستطيع معرفة ماهية ألوهيته؛ والله شخصى لأنه كامل ومصدر الكمال، ويتميز تماماً عن باقى المخلوقات ومناط الإيمان والعبادة. وهذا بالضبط هو ما يدعو إليه القرآن. وإذا كان هذا المفهوم يترك ماهية حياة الله مكنونة فى سرها، فإنما يكون ذلك لتأكيد كلمة الله التى يبلغها للناس عن طريق الأنبياء وتأكيد المنزع القلبى المتطلب من المؤمن. فالله الملك الحكم العادل الجبار (سورة الحشر، الآية ٢٣) هو فى نفس الوقت أيضاً الوكيل والمنعم والرءوف. ويطلب القرآن الكريم من المؤمن حين يواجه هذا الغيب الذى لا يدرك أن يلوذ بالتقوى (سورة التوبة، الآية ١٠٩) والبر، وهو مماثل للتقوى (سورة البقرة، الآية ١٨٩) والشكر (فى صيغة الفعل كما جرى قول القرآن الكريم فى كثير من الأحيان وخاصة فى الفترة المدينية) والتوكل (ويتردد كثيراً فى القرآن الكريم بصيغة الفعل مثل (سورة النساء الآية ٨١).

стр. 1100

ومخافة الله كما وردت فى القرآن الكريم هى السجود أمام قدرته على كل شئ العزيزة على الإدراك؛ ﴿أَمَّا مَنْ طَغَى﴾ [النازعات: ٣٧] فإنهم وحدهم هم الذين يصبح خوفهم فزعاً من العقاب (سورة القيامة، الآية ٢٥)، وأما المصطفون فهم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] وهم الذين يبتغون وجه الله ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾، ويستعمل هذا التعبير الجميل كثيراً [الليل: ٢٠] فإنهم يجدون فى الله وكيلاً وهادياً، ومآبا (سورة آل عمران، الآية ١٤؛ سورة النبأ، الآية ٣٩). ٢ - التطور فى الحديث والكلام. سنجمل فى القسم الثالث أبرز مواقف المدارس الإسلامية فى نظرتها إلى الله. وحسبنا الآن أن نصرف غايتنا إلى جملة المشكلات ووزن علم الكلام عند أهل السنة. والعلم المأثور الذى يتناول المسائل الإلهية هو علم الكلام أو علم التوحيد (انظر ما يلى عن بعض النقدات التى أثيرت فى الإسلام حول شرعية هذا العلم) ولسوف نتناوله فى صورته المقررة مفترضين معرفة أصوله التاريخية والمؤثرات التى مرت به، وتكوين المدارس المختلفة مع تذكرة عن الكلام فى عهد الأمويين: ١) المرجئة، والقدرية، والجبرية؛ ٢) المعتزلة، والأصل سياسى (القرن الأول الهجرى = القرن السابع الميلادى) ثم مذهبى (القرنان الثانى والثالث الهجريان = القرنان الثامن والتاسع الميلاديان) وقد انتصروا فى عهد المأمون ثم عدوا من بعد "زنادقة" وظل هذا حالهم عدة قرون؛ ٣) منذ القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) نجد الاتجاهين: الأشعرى الرسمى والحنفى الماتريدى، وتختلف النتائج باختلاف المواقف حيال الصلة بين العقل والشرع، أو بين العقل والنقل والتقليد أو بين الأدلة العقلية والأدلة السمعية.

стр. 1101

ثم دعم علم الكلام نفسه بعلمين دينيين آخرين: ١) علم الحديث الذى زوده بنصوص أخذت مأخذ البراهين القاطعة وهى تتناول موضوعاً أو آخر من الدعوة التى جاء بها القرآن تناولاً رائعاً أو قل إنه قصصى (انظر كتب الصحاح الستة وخاصة كتاب التوحيد من صحيح البخارى). وتتحدث عدة أحاديث من ناحية عن رحمة الله ومغفرته: "إن رحمتى تغلب غضبى" أو "إن رحمتى سبقت غضبى" (البخارى، التوحيد ١٦٩، ١٧٥)، ومن الناحية الأخرى عن ملكية الله المطلقة: "أنا الملك أين ملوك الأرض" (المصدر السابق، ١٦٧، ١٨١)، وتذكر من ناحية مسئولية الإنسان (نصوص فى البخارى أو مسلم: كتاب القدر) ومن ناحية أخرى يتحدث عن القدر (مثال ذلك الحديثان اللذان يذكران كثيراً وهما: "إن قلوب الناس بين إصبعين من أصابع الرحمن" و"خلقت هؤلاء للجنة ولا أبالى وهؤلاء للنار ولا أبالى"، وثمة أحاديث كثيرة لها أثر كبير فى تكوين الأفكار الشائعة والنظرة العامة إلى الله. ٢) وعلم التفسير كان له شأن رئيسى فى استعمال الآيات القرآنية التى تتكلم عن الله. وقد أفادت مدارس الكلام بطرق مختلفة من الحديث والتفسير. وإذا أشرنا إلى مشاكل الكلام (وهى فى أساسها من أصل معتزلى) نجد مبدأين يتعلقان بالله مباشرة: (١) مبدأ التوحيد؛ (٢) مبدأ العدل، أى عدل الله فى مجازاته الإنسان على أفعاله. وقد خالف المعتزلة أحرار الفكر فى زمانهم فظهروا بمظهر "أهل التوحيد والعدل". واستمرت هذه المشكلات تؤثر فى المدارس المتأخرة، ولم تختلف عنها إلا فى عناوينها. وقد أطلقت الرسائل المأثورة العظيمة للأشاعرة والماتريدية (مثل شرح المواقف للجرجانى، والمقاصد للتفتازانى وغيرهما) على المبدأ الأول "وجود الله وصفاته"، وعلى المبدأ الثانى

стр. 1102

"أفعاله تعالى". وإليك أهم المسائل التى تثار حول الاثنين: (أ) التوحيد ١ - وجود الله تتفق كل المدارس فى الاستشهاد بالآيات (انظر ما سبق) التى تهيب بالعقل أن يتفكر فى آيات الكون ويرقى من ذلك إلى إثبات وجود الخالق؛ ولكن: (أ) يقول المعتزلة إن ذلك يقتضى التزاماً فطرياً فى طبيعة العقل سابقاً لسنَّ الشريعة. (ب) ويقول الماتريدية إن العقل كان خليقاً بكفايته أن يتوصل إلى معرفة الله، ولكنه توصل إليها فعلاً بسن الشريعة. (جـ) أما الأشاعرة فعندهم أن استخدام العقل والتدليل العقلى فى التوصل إلى معرفة الله هو التزام شرعى (منزل) بحت (انظر الجرجانى: شرح المواقف، القاهرة سنة ١٣٢٥ هـ = ١٩٠٧ م جـ ١، ص ٢٥١ وما بعدها). وبعبارة أخرى: أنه لو لم تفرض الشريعة هذا الالتزام لما كان فى مقدور العقل البشرى قط أن يتوصل إلى وجود الله (الغزالى: الاقتصاد، القاهرة، طبعة غير مؤرخة، ص ٧٧ - ٧٨) ومن ثم فإن تأكيد وجود الله عند الأشاعرة عامة هو ثمرة استدلال عقلى يمليه استدلال شرعى. وعلى آية حال كانت طبيعة هذا الالتزام فإن المدارس تجمع على رأى واحد فى الاستدلال العقلى نفسه. وهذا يتضمن برهاناً على وجود الله -بدء الخلق- يتصل وطبيعة العالم المحدث الفانى، كما يخبر القرآن الكريم، ويمكن للعقل أن يقتنع به. أما فى علم الكلام فالبداية والنهاية الزمنيتان هما حقيقتان ثابتتان. وثمة إذن استدلال ينبثق، دون عبارة وسط مجمع عليها، من القصور المطلق للمخلوق إلى الوجود الواجب للخالق، الذى يوجد وحده منذ الأزل وقائم بنفسه وحده (حقائق علمت من القرآن الكريم، وعقليات). وهذا الاستدلال فى الأيام الأولى لعلم الكلام (المعتزلة والأشاعرة) وضع فى عبارتين على أنه جزء من المحاجّة. وقد أخذ فى الغالب عند المتكلمين المتأخرين الذين تأثروا بمنطق أرسطو، شكلاً من أشكال الاستنتاج القياسى (كلا الشكلين فى الجوينى). ويساق البرهان فى جميع الرسائل على أنه برهان قاطع. ونادراً

стр. 1103

ما يأخذ -متأثراً بمؤثرات ناشئة من الفلسفة- شكل البرهان بالوجود منذ أن كان الوجود بالمعنى الدقيق؛ فالعالم محدث، وهذه العبارة فى مقالات علم الكلام تبقى قريبة جداً من معناها الاشتقاقى عن البدء الزمنى (انظر كتب فنسنك، وس. بوركاى - S. de Beaure cueil. المذكورة فى الفهرست، عن البراهين على وجود الله). ٢ - صفات الله (أ) العلاقات بين الذات والصفات: وتعد هذه من أشد مباحث الجدل. وقد التزم بعض أهل الحديث القدامى بحرفية النصوص وتصدوا لكل بحث يمكن أن يسمى عقلياً، وسماهم معارضوهم -الذين هوّلوا من جمود من كانوا يهاجمون- بالمجسمة، كما سموهم بالحشوية، تحقيراً. ورموهم بالتشبيه مشبهين الله بالمخلوقين. وعلى العكس من هذا مسجد المعتزلة -حرصاً منهم على تنزيه فكرة التوحيد- التنزيه الذى طبقوه تطبيقاً صارماً. فعلى الإنسان أن ينكر، كما يأمر القرآن الكريم، أن الله يشبه أى مخلوق. والجهمية - تلامذة جهم بن صفوان - أنكروا فعلاً وجود الصفات، والله يعرف بقدرته الخفية على كل شئ فحسب. ونجد من ناحية أخرى التنزيه عند المعتزلة، قد أخذ بالنظرة التى تؤمن بإله مهيمن، وسلموا بالصفات القدسية، عن العلم، والقدرة، والكلام ... إلخ. غير أنهم زعموا أنها هى هى الذات، وهذا بالنسبة لهم كان لا يكاد يزيد عن كونه خلافاً لفظياً. وكذلك قالت مدارس أهل السنّة بالتنزيه، فهم ينكرون أن يكون لله شبيه ما، فهو لا جسم ولا جوهر (بمعنى أن الجسم محدود) ولا هو عرض، ولا هو يحتويه مكان ... إلخ (ومما تجب ملاحظته أن الكرّامية قد عرفوا الله بأنه جوهر، وكان مفهومهم بهذا أنه قائم بذاته). والتعديل الذى أدخله الأشاعرة -الذى يطلق عليه اسم الحل السعيد - قد نأى كذلك عن نزعة المعتزلة فى إثبات كل شئ بالعقل، وعن حرفية المجسمة. وكان هذا مذهباً شهر "بلا

стр. 1104

كيف ولا تشبيه"، ورمى تنزيه المعتزلة ببلوغه مبلغ التعطيل مجرداً الصفات من كنهها أجمع، وعلى حين يميز الأشاعرة، من قِبلهم، الكنه الحق للصفات، منذ أن أخبرنا بها القرآن الكريم، غير أنهم يجزمون بأن هذا الكنه لا يمكن أن يعرض الوحدانية الإلهية الكاملة للظنون. وقد عارضه المعتزلة والفلاسفة فى آن واحد، واتبعوا الغزالى. ثم انتهوا بآخرة إلى هذه المقاربة. الصفات قائمة بذات الله، وليست هى الله، وليست شيئاً آخر غيره. وهناك حل من هذا القبيل بسطه بعض الأشاعرة الذين ظلوا ملتزمين لنظرية الأحوال التى قال بها أبو هاشم المعتزلى، مثل الجوينى (القرن الخامس الهجرى = القرن الحادى عشر الميلادى) وقد خالفه فى هذه المسألة من يعرفون بأصحاب المدرسة الحديثة (القرنان السادس - السابع الهجرى = القرنان الثانى عشر والثالث عشر الميلادى) مدرسة فخر الدين الرازى، والجرجانى وغيرهما. و"الحال" قائمة بشئ موجود ولكنها ذاتها لا توصف وجوداً ولا عدماً، وعلى هذا النحو فهمت العلاقة الإلهية بين الذات والصفات. وهذه المشكلة الكلامية العويصة وطأت لها أداة فلسفية مضت تجاهد لتحسين حالها والتقدم فى سبيلها، وإن كانت تصاب فى بعض الأحيان بالعثرات. ومن ثم فإننا مع مستهل النزعة الحنفية الماتريدية نجد فى كتاب الفقه الأكبر الثانى (ونصه من أيام الأشعرى) أن الله شئ. ومع أن هذا القول كان خليقاً بأن يكون موضع الاستهزاء من بعض المتكلمين المتأثرين بالفكر اليونانى، كما عرفه القدماء، فإن من الواضح أن القول المذكور يجب أن يفهم بمعنى الحقيقة الثابتة. فالله شئ لا كالأشياء ولكنه واجب الوجود (الفقه الأكبر الثانى، مادة؛ Muslim: Wensinck Creed كمبردج ١٩٣٢، ص ١٩٠). وقد آثر الماتريدية بصفة عامة ألا يفرقوا بين صفات الله وذاته وإنما قالوا: إن الله عالم وله علم قائم به بمعنى أنه باق ... إلخ وبذلك يؤكدون الأسماء القدسية (العالم، المريد، القدير، المتكلم).

стр. 1105

(ب) مسردة الصفات. والمبدأ الهادى فى ذلك هو ألا نثبت لله صفة لم ترد بنصها فى القرآن، والمبدأ التوحيدى هو أن نكل هذا إلى الله، وتبسيط الأمر بالاستعانة بكتابه. على أن معظم فقهاء الكلام يقولون إنه لا يعد خروجاً عن النص الانتقال مثلاً من صيغة اسم الفاعل إلى الاسمية، كما تنص على ذلك قواعد اللغة. ومن ثم نشأت على مر القرون مسردة من الصفات بدأت أولاً بعدم الالتزام فى سردها بترتيب خاص (كما فى الإبانة للأشعرى) ثم فصلت ونسقت فيما بعد منذ أيام الجوينى إلى ما بعد ذلك. والترتيب الذى اتبع، بل الأسماء نفسها فى الواقع، تختلف باختلاف المدارس. وإذا أخذ بأحد الآراء الشائعة فإنا نسوق المسردة الآتية: ١ - صفة الذات: الوجود. وإذا قيل عن الله فإنه ليس غير ذاته. ٢ - صفات ذاتية أو نفسية: وهى تقسم أحياناً إلى: (أ) صفات نفى تؤكد علوه تعالى: القدم؛ البقاء؛ المخالفة للحوادث؛ القيام بنفسه. (ب) صفات معان: القدرة؛ الإرادة؛ العلم؛ الحياة؛ الكلام؛ السمع؛ البصر؛ الإدراك؛ وينكر بعضهم أن هذه من صفاته. ٣ - صفات معنوية: وإذا أخذت بظاهر اللفظ فإن معناها: القدير؛ المريد؛ العالم. ٤ - صفات الأفعال: الرؤية، الخلق، أى العالم المحدث (وهو التكوين عند الماتريدية)؛ الأمر، والقدر والقضاء، وصلتهما بالعلم الإلهى والإرادة الإلهية تختلف باختلاف المدارس (رضى، وخاصة عند الماتريدية) ... إلخ. ويتفق الأشاعرة والماتريدية فى القول بأن صفات المعانى باقية حتى إذا كانت تتعلق بمحدث. وهم يخالفون المعتزلة الذين يقولون مثلاً (مدرسة البصرة) بأن علم الله بأفعال العباد المختارة محدث له بداية. على أن الأشاعرة والماتريدية يتجاوزون فى صفات

стр. 1106

الأفعال صفتى البقاء والبدء. والماتريدية بصفة عامة يعدونهما باقيتين. وجميع هذه الصفات -إلا أربع- تقوم على العقليات. لقد أتى بها القرآن الكريم ولكن العقل البشرى يستطيع إثباتها. أما الصفات الأربع الأخرى، وهى الرؤية والكلام والسمع والبصر (ويدخل الإدراك فى ذلك أحياناً) فتقوم على السمعيات ولا نعلمها إلا من التنزيل. (جـ) صفتان خلافيتان: الرؤية (صفة الرؤية) والكلام صفتان موضع جدل عنيف. ويفهم من رؤية الله أنها تكون بالأبصار. ويسلم أهل التقى من السلف بذلك تسليماً مطلقاً مفسرين إياها بالمعنى الذى ورد فى القرآن الكريم (سورة القيامة، الآيتان ٢٢، ٢٣) وفى عدة أحاديث. ولم يكن إنكار المعتزلة لها إنكاراً مطلقاً بأقل من تسليم هؤلاء السلفيين بها، ذلك أنهم يلجأون إلى التأويل (انظر ما يلى) فى تفسير النص القرآنى. ويقول الأشاعرة والماتريدية من الحنفية بالرؤية، ولكنهم يؤكدون أنها "بلاكيف". فكل امرئ سوف يرى الله بعينيه يوم الحساب. والمصطفون سوف يرونه رؤية خاطفة فى الجنة. ولكنهم لن يروه رؤية المرء لشئ يقوم فى حيز وله حدود. ومن المستحيل تخصيص طريقة هذه الرؤية (الإبانة، طبعة القاهرة، سنة ١٣٤٨ هـ، ص ١٤؛ الفقه الأكبر الثانى، ص ١٧). وصفة الكلام، وهى من الصفات السمعية، لها أهمية كبرى، إذ هى الوسيلة التى يتجلى الله بها لعباده. والمعتزلة يجعلون من الكلام صفة محدثة مخلوقة، لا لشئ إلا أنها تتجلى فى زمان (ومن ثم القول بأن القرآن الكريم مخلوق). فالقرآن الكريم كلام الله، ولكن كلام الله محدث. وقد ثبت الأشاعرة عند ذلك الموقف الذى أدى إلى سجن ابن حنبل وتعذيبه، فرأوا فى صفة الكلام أنها نفسية تقوم بذات الله نفسه. ومن ثم كانت نظرية القرآن غير مخلوق (انظر الإبانة ص ٢٠ - ٢٢) ولكن هذه المدرسة فرقت بينه وبين اللفظ به، أى بين الكتاب وتلاوته على

стр. 1107

أفواه الناس. وفى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) تفكر ابن تيمية فى هذا الأمر محييا مذهب السلف الصالح فوجد أن كلاً من المعتزلة والأشاعرة قد فاتتهم أشياء. فأكد ثانية أن ذاتية كلام الله الذى يعبر عنه تعالى هو قائم بذاته. (الفتاوى، القاهرة ١٣٤٩ هـ، جـ ٥، ص ٢٦٥ - ٢٦٧). ٣ - الآيات المتشابهة إن تعظيم النص القرآنى مقترناً بغيب الله الواحد الذى لا يدرك لم يلبث أن واجه الفكر الإسلامى بالمسألة العويصة الخاصة بالآيات المتشابهة التى تشبه الله فى الظاهر بالمخلوقين، ترى هل نسلم بها تسليماً أم أنه ينبغى لنا أن نؤولها؟ (أ) لقد أخذ القدامى من أهل الحديث هذه الآيات بظاهر اللفظ، على أنه من خطل القول، أن نرميهم بتهمة التجسيد فى غير تحديد. فقد قال الأشاعرة أنفسهم بصحة نظرة القدماء الذين انصرفوا عن كل تأويل ولجأوا إلى التوحيد أو التسليم لله. ولكن لا يعلم أحد المفهوم الذى أضفاه الله على هذه المصطلحات. وهذه النظرة نسبت خاصة إلى مالك بن أنس. وقد لا يكون من الواجب أن نضيف إلى ذلك أن نظرة من هذا القبيل قد أصبحت "تجسيدية" لمجرد أنها حاولت أن تقيم من هذه المسألة صورة ذهنية وتبررها تبريراً غير متسلسل. ولكنها لم تصبح كذلك لأنها لم تدخلها فى صميم العقيدة. (ب) ولكن مدارس المعتزلة من جانبها أرادت أن تبرر بالجدل فكرة المسلمين عن الله فى مواجهة "إله الفلاسفة" الذى ألهه اليونان، فأكدوا من ناحية وحدانية الله، وأكدوا من ناحيةٍ أخرى إيمانهم بالميزان العقلى، فأدى ذلك بالمعتزلة إلى التوسع فى التأويل. وكان ممثلهم فى التأويل هو الزمخشرى الذى اتخذ فى سبيل تحقيق أغراضه طريقة الطبرى اللغوية. وعلى ذلك أصبحت الآية ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] هى فيما ذهب إليه الجبائى: "وجوه جميلة تصبو إلى ربها المنعم. ويمكن إنكار رؤية الله دون مخالفة القرآن. وقد رجع فى ذلك إلى

стр. 1108

المجاز، كما رجع إلى فقه اللغة. فرأوا فى الميثاق الذى أخذه الله على بنى آدم منذ الأزل (سورة الأعراف: ١٦٩) "مجازاً" كما فعلوا فى جميع الآيات التجسيدية. (جـ) وقد استنكر الأشاعرة الأولون هذا اللجوء إلى العقل فى التفسير. ففى رأيهم أن هذه المصطلحات التشبيهية -بما فيها الاستواء على العرش والحركة- ليست إلا تعبيرات عن أفعال وصفات تتفق مع جلال الله ولكنا لا نعلم طبيعتها ولا كيفيتها، وليس بينها وبين ما يقابلها من أفعال الإنسان أى شبه. وهذا هو ما اصطلحوا عليه بقولهم "بلاكيف". وكثيراً ما يختلط الموقف بموقف القدماء، وقد قال بهذا إمام المذهب الأشعرى نفسه. (د) وقد دخلت فى علم الكلام بعد نظرة أخرى التقطت من المعتزلة، وخاصة من معارضة الفلاسفة، وقد عرفت هذه النظرة بنظرة المحدثين، فأبيح التأويل. وهكذا فعل الجوينى وفخر الدين الرازى وغيرهما، ففسرت يد الله بأنها العناية التى يبسطها على البشر، وقالوا إن أعينه تدل على شدة عنايته وحراسته ... إلخ (الرازى: كتاب أساس التقديس، القاهرة سنة ١٣٢٧ هـ، ص ١٤٩) وثمة تأويل مجازى قد يدخل فيه الرمز إذا دعت الحال، وهو قريب كل القرب مما أثر عن المعتزلة مع الخلافات الآتية: ١ - اعتبرت نظرة القدماء صحيحة (انظر أساس التقديس، الفصل الأخير). ٢ - عدت آيات التجسيد دون سواها على التخصيص مجازات، حيث إن المعنى الظاهر قد يؤدى إلى استحالة حقيقية. وهذا هو الموقف الذى اتخذه الطبرى من قبل، ولكن رؤية الله، وأزلية الميثاق قد تأكدتا بمعناها الدقيق وفقاً لعقيدة الأشاعرة. (ب) أفعاله تعالى مشكلة العدل والجزاء أتى القرآن بالحقيقتين الكبيرتين، وهما قدرة الله على كل شئ ومسئولية الإنسان، وأن الصالحات يثاب عليها والطالحات تجازى. وقد جاهد المفكرون المسلمون بلا كلل لإيجاد حل لهذا

стр. 1109

التناقض الظاهر، وكان ذلك موضوع المناظرات الأولى التى يرتد زمنها إلى دمشق، بين الجبرية والقدرية والمرجئة، وورثت مدارس الكلام الكبرى ذلك عنهم. ١ - يؤكد المعتزلة حرية الإنسان، وهو يأتى أفعاله بالقدرة التى أودعها الله فيه ابتداء، والله يعلم هذه الأفعال الاختيارية، ولكن الله يثيب الإنسان أو يعاقبه على هذه الأفعال بكل إنصاف فهو الحكم العدل. وهو تعالى لا يأتى فعلاً بلا غرض أو غاية محددة، ففى الكون نظام مدبر. وهو النظام البديع الذى يتحدث عنه القرآن الكريم، نظام له غاية، ولذلك كانت ثمة غايات وسط تخضع لغاية ليس بعدها غاية؛ وثمة أسباب تؤثر تأثيراً فى أغراضها، وثمة حسن وقبيح فى طبيعة الأشياء يسبقان ذلك التبسيط الذى جاءت به الشريعة المنزلة. والله قد أوجب على نفسه أن يفعل الأصلح وهو لا يريد الشر ولا يأمر به. وإرادته وأمره سيان، والشر يخلقه الإنسان كما يخلق المدلولات الخلقية لأفعاله. وقد افترق معتزلة البصرة ومعتزلة الكوفة حول فكرة "الأصلح" الذى يفعله الله دائماً وحول التوسع فى هذه الفكرة. ٢ - واستنكرت مدرسة الأشاعرة محاولة تبرير أفعال الله. ذلك أن الله تعالى: لا يحيط به عقل، فهو الحكم العدل، لأنه يفعل ما يريد، وهو لا يلتزم بشئ وما يفعله هو الأصلح لا لأنه ألزم نفسه به هذا الإلزام وإنما لأنه فعله، إذ لا وجود للحسن وللقبيح من الناحية الخلقية سابقاً على ما جاءت به شريعة الله، وليس الله بعاجز عن أن يبدل الحسنة سيئة والسيئة حسنة (الجرجانى، شرح المواقف، جـ ٨، ص ١٨٢). والحق إن الغزالى والرازى قد فطنا إلى معنى عقلى فى "الحسن" و"القبيح". فطن له الرازى من حيث الوجود فحسب (المحصل، القاهرة، طبعة غير مؤرخة، ص ١٤٧؛ كتاب الأربعين، القاهرة سنة ١٣٥٣ هـ، ص ٢٤٩) وفطن له الغزالى من حيث الصفات الحسية التى فطرت عليها الأشياء (الغزالى: الاقتصاد، القاهرة، طبعة غير مؤرخة، ص ٦٧).

стр. 1110

والله كما جاء فى القرآن الكريم ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ... ﴾ وكل شئ معلق بقضائه تعالى موكول إلى إرادته التى تحيط بالأشياء جميعاً، على حين أن قدره الذى ينفذ بأمره هو "صفة للفعل المحدث" تحدد فى زمان الأشياء التى "كانت" فى انتقالها من اللاوجود إلى الوجود، والقدر كما يقول الجرجانى (التعريفات، طبعة فلو كل، سنة ١٨٤٥ هـ، ص ١٨١): "وجود الموجودات متفرقة فى الأعيان بعد حصول شرائطها". ويقول أيضاً: "القدر خروج الممكنات من العدم إلى الوجود واحداً بعد واحد مطابقاً للقضاء، والقضاء فى الأزل والقدر فيما لازال" (المصدر نفسه). ويقتضى هذا أن المرء يجب أن يفرق بين الإرادة والأمر، إذ الأمر هو الذى يتصل بطاعة الإنسان طاعة مباشرة، فالله يشاء ضلال الكافر ويخلق هذا الضلال فيه، ومع ذلك يأمره بالإيمان. أما أفعال الإنسان الحرة "الاختيار" فحالة خاصة تتعلق بمبادئ أعم من ذلك. فالله هو خالق أفعال الإنسان أية كانت، وقد فسر نص ما ورد فى القرآن الكريم ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ بمعنى الخلق من العدم. صحيح أن الإنسان يخامره شعور بمسئوليته يحصى عليه الحسن والقبيح من الأفعال التى يأتيها كما يقول القرآن الكريم صراحة، وأنه تعالى يثيبه أو يعاقبه كما وعد. فقد أوتى الإنسان "الكسب" أو "الاكتساب" (سورة البقرة، الآية ٢٨١؛ سورة الطور، الآية ٢١). وفى نهاية القرن الماضى وجد الباجورى أن القاعدة الآتية قاعدة واجبة، وهى: الإنسان ملزم فى صورة مختار (حاشية على الجوهرة، القاهرة سنة ١٣٥٢ هـ = ١٩٣٤ م، ص ٦٢) ومن ثم فإن الإنسان على مستوى التجربة يجب عليه أن يمضى فى أفعاله كأنما هو حر، ولكن يجب عليه أن يعلم أن كل شئ يأتيه فهو من الله، فإذا فعل الحسن فإنما فعله لأن الله برحمته شاء هذا، وإذا فعل قبيحاً فإنما لأن الله بعدله قد شاء هذا. وهذا الإنكار للحرية الداخل فى مبحث علم الوجود يتفق مع كفاية "الأسباب" بما يخالف بدعة نظرية

стр. 1111

المعتزلة (كفاية الأسباب قدرة يخلقها الله)، ويخالف الحتمية المحضة للعلل التى قال بها الفلاسفة، (السنوسى: المقدمة، الجزائر سنة ١٩٠٨, ص ١٠٨ - ١٠٩؛ الباجورى: الكتاب المذكور، ص ٥٨). أما الأشاعرة فلا أثر عندهم للكفاية فى الأسباب، إذ الله لم يكتب الدوام للوجود، وإنما هو سلسلة غير متصلة من خلق يحدث فى كل وقت، وسلسلة زمنية من تحقق القضاء الأزلى. ففى كل وقت يخلق الله ثم يخلق العالم والكل الفانى المتوحد عرضاً، الذى هو الإنسان وكل فعل من أفعاله. وعالم الأفعال "الحرة" هو والكون فى كليته سلسلة غير متصلة من قدر الله الذى لا يدرك، وما العلل إلا الوسائل أو الدلائل على إرادة الله، والشريعة هى "سنة الله". (وظل هذا المصطلح مستعملاً عند محمد عبده فى رسالة التوحيد، القاهرة سنة ١٣٥٣ هـ، ص ٧)؛ إنها هى السنة التى يستطيع بها الله فى جميع الأحوال أن يبدل كما فعل مثلاً حينما شاء أن يأتى بالبرهان على رسالة رسله ﵈ فجاء "بالمعجزات". وعند معظم الأشاعرة -ولا نقول كلهم على الإطلاق- نظرية فى الكون تتفق مع نظرية عدم استمرار الأشياء. وكل شئ حشد من ذرات متصلة أو منفصلة أو متحدة بقدر الله. وإذا كان حقاً أن الباقلانى (القرن الرابع الهجرى = القرن العاشر الميلادى) قد قال بأن نظرية الذرات مساوية فى "الجوهر" (ماسينيون) للعقائد التى جاء بها القرآن، فإنه فى رأينا قد بالغ حتى رأى فى ذلك ما يمثل نظرة الأشاعرة المأثورة عنهم أصدق تمثيل، بل يمثل أكثر من ذلك مذهب جميع أهل السنة فى الإسلام. وهذه النظرية الطبيعية الكلامية فى الذرة هى فى الواقع معتزلية الأصل (أبو الهذيل؛ انظر أبحاث Horten & Pines) وتتفق إذن كبير اتفاق مع "القدرة" التى اهتدى أنها للإنسان على أفعاله. وثمة نزعة متميزة عرف بها الأشاعرة، الباقلانى، والإيجى، والجرجانى (مع بعض الخلافات) وعرف بها المحافظون الجامدون، مثل السنوسى، واللقانى، والباجورى، فقد ظل هؤلاء يأخذون

стр. 1112

بنظرية الذرة فى الأعراض على اعتبار أنها أكثر التفاسير قبولاً لقدرة الله على كل شئ فى هذا العالم. وثمة اتجاه آخر تأثر أصحابه إلى حد قليل بنظرات الفلسفة الخلافية، فمروا على هذه النظرات مروراً عابراً ولم يثيروا حولها شيئًا (الغزالى، فخر الدين الرازى أو عدلوها تعديلًا كبيراً، وإن كانوا قد ظلوا يؤكدون النظريات المألوفة عن قضاء الله وقدره وعن فكرة الاكتساب البسيطة بالنسبة للإنسان. ٣ - وكان بعض الماتريدية (أبوحفص النسفى، والتفتازانى) من القائلين بنظرية الذرة. ولكننا نود أن نبرز إبرازاً خاصاً النظرة التى تتصل بالنفس اتصالاً أكثر وثاقة، تلك النظرة التى رأت على ضوئها مدرسة الحنفية الماتريدية بعامة العلاقات بين القدر وبين حرية الإنسان. فالقدر والقضاء من البداية لم يصبحا بعد يتصلان بإرادته تعالى بل بعلمه. وقد خالفت هذه المدرسة الأشاعرة فكان القدر عندها هو الباقي أما القضاء فيتعلق بالوجود فى زمان. ومن ثم كان القضاء عندهم علماً أزلياً يعلم به الله من قديم الأزل الحسن والقبيح والصفات السيئة فى مخلوقاته، على حين كان القضاء هو إيجاد الله لهذه الأشياء نفسها التى خلقها بحكمته وكماله (انظر عبد الرحيم ابن على، نظم الفرائض، الطبعة الثانية، غير مؤرخة، ص ٢٨ - ٣٠؛ الباجورى، الجوهرة، ص ٦٦) وترى أغلبية الماتريدية أن فى الأشياء حسناً يقاس بالعقل وقبحاً من حيث الوجود ولايتصل اتصالاً مباشراً بالأخلاق. وفى ميدان الأخلاق فإن الله هو الذى يخلق بلا واسطة "أصل" أفعال الإنسان الاختيارية، ولكن قدرة الإنسان هى التى تكسبها صفة الحسن أو القبح (ويجب أن نلاحظ أن الرازى فى كتاب الأربعين، ص ٢٧٧، والجرجانى فى شرح المواقف، جـ ٨، ص ١٤٧ ينسبان هذه النظرية -التى يقول بها ماتريدى- إلى الباقلانى) فكل ما يحدث مرهون بإرادة الله وإنما الحسن هو الذى يقوم على "رضاه" والله لم يوجب على نفسه العدل، كما يقول المعتزلة، وفعله لا يكون عدلاً لأنه يشاؤه، وإنما لأنه -كما

стр. 1113

يقول الأشاعرة - فوق كل عدل بعلمه وحكمته، وهو تعالى لا يكون غير عادل. ٤ - وما بنا من حاجة إلى أن نتتبع الجهود الوافرة التى بذلها علماء الكلام لتدعيم حججهم وتبرير الاعتراضات التى كانت تظهر دوماً. وقد قام أولئك الذين لم يرتضوا النظرية الأشعرية فى الكسب بتبريرات أكثر غموضاً. ومن ثم نشأت نظرية الاستطاعة وهى شائعة بين الأشاعرة والماتريدية؛ (انظر الجوينى: الإرشاد، طبعة Lascani، سنة ١٩٣٨، ص ١٢٢ - ١٩٦ - ١٢٥ - ٢٠١؛ الجرجاني: التعريفات، ص ١٨ ... إلخ)؛ ونظرية "التولد" أو "التوليد"؛ ونظرية التوفيق أى تيسير الأفعال وخاصة الأفعال الصالحة، والإيمان والطاعة التى يخلقها الله فى الإنسان بلطفه تعالى وضدها وهو الخذلان (أى أن تخلق فى الإنسان القدرة على العصيان، طبقاً لتعريف التفتازانى الماتريدى فى كتابه المقاصد، طبعة إستانبول، ص ١١٨ وما بعدها). ونستطيع أن نرى فى هذه الجهود تحليلاً طبق على مشاكل شديدة التعقيد حتى إن هذه الجهود يمكن أن تكون قد بدت فى نظر أولئك الذين أرادوا أن يظلوا ثابتين على ما كان يحيط بالسلف الصالح من هالة محجبة والذين أنكروا إثبات العقيدة بالتدليل كأنما هى رياضات تدعو إلى اليأس (انظر الجرجانى: شرح المواقف، جـ ١، ص ٣٤ - ٣٥) وهو أمر تطلع الأشاعرة المتأخرون إلى أن يفعلوه. وكان للكلام خصومه الألداء (بصرف النظر عن معارضة الفلاسفة) فى شخص أنصار المذهبين الحنبلى والظاهرى، الذين اقترنت أقوالهم بأقوال أهل السلف وأساءوا الظن باللجوء إلى العقل فى مسائل العقيدة. وكان الغزالى أيضاً قاسياً كل القسوة فى عرض حديثه عن الكلام. على أننا نجد أحياناً بين هؤلاء الخصوم أشد القواعد تواتراً فى تحليل العلاقات بين الفعل الاختيارى وقدرة الله على كل شئ. وهكذا نجد أن ابن حزم الظاهرى (القرنان الرابع والخامس الهجرى =

стр. 1114

القرنان العاشر والحادى عشر الميلادى) -الذى أنكر أن تكون للعقل قدرة على القياس (نستطيع هنا أن نتحدث عن قول ابن حزم بالمذهب الاسمى، ولكنه ليس مذهباً اسمياً يدور حول قيمة اللغة ذات الأثر وقواعدها) والذى كان يرمى إلى الاستمساك بنص الكتب المنزلة - قد أنكر الكسب الذى قال به الأشاعرة حيث إن نصوص الكتاب كما يقول (الفِصَل، القاهرة سنة ١٣٤٧ هـ, جـ ٣، ص ٤٨) لا تجيز أن الإنسان يخلق أفعاله كما يقول المعتزلة ولا الاكتساب الذى وهبه الله إياه كما يقول الأشاعرة. ولكن نقضه كله لهذه النظريات العارضة، هذا النقض الذى وإن كان أبعد ما يكون عن التسلسل الفكرى (انظر الكتاب المذكور ٥١ - ٥٢) غير أنه ناضج سديد، وهو فى نفس الوقت قد عرض فى إجمال رأياً شخصياً سديداً فيما يتصل "بالاستطاعة". (انظر المصدر المذكور، ص ٢١ - ٢٦، ٣١). والغزالى، ولا نعنى هنا الغزالى فى كتابه الاقتصاد الذى عنّى نفسه بعرض نظريات الأشاعرة أو النهوض بها متنقصاً مع ذلك من حدود علم الكلام (ص ٧ - ٨) وإنما نعنى الغزالى فى كتابه التهافت بل الإحياء بخاصة (القاهرة، طبعة سنة ١٣٥٢ هـ = ١٩٣٣ م، جـ ٤، ص ٢٦٩) حيث يقوم بتحليل نفسى نافذ كل النفوذ لموضوع الاختيار والصلات بين العقل والإرادة فى الفعل الاختيارى، وهو يدافع عن تصور للاختيار لا يقاس بالعقل ويؤكد أن الله وحده الذى يفعل "من غير غرض" هو صاحب الاختيار والصلات بين العقل والإرادة فى الفعل الاختيارى المطلق، اختيار متصور كأنما هو اختيار إنسانى يرتفع إلى مقام الأبدية. وما يسميه المتكلمون الكسب هو مرحلة وسطى (الإحياء، جـ ٤، ص ٢٢٠) ليست مجال مشاركة فى الاختيار الإلهى، فالإنسان يأتى الفعل ضرورة بمعنى أن كل شئ يحدث له لا يصدر عنه وإنما يصدر عن آخر، فهو يفعل عن اختيار بمعنى أنه هو "محل" الفعل المختار، يفعل فعله غير مدافع بعد أن يقرر العقل، وهذا الأخير ليس إلا صورة.

стр. 1115

وقد قال الغزالى بهذه القاعدة التى يحسن ألا نفسرها تفسيراً فضفاضاً، وهى أن الإنسان مجبر على الاختيار (انظر المصدر المذكور). وهذه العناية بالتحليل قد تناقصت حتى اختفت فى الرسائل المتأخرة التى لم تكد منذ القرن الخامس عشر تزيد عن ترديد القواعد التى صيغت فى الماضى. وقد أراد الشيخ محمد عبده فى نهاية القرن التاسع عشر أن يحرر نفسه من جدل علم الكلام فاقتصر على قوله: "أما البحث فيما وراء ذلك من التوفيق بين ما قام عليه الدليل -من إحاطة علم الله وإرادته وبين ما تشهد به البداهة من عمل المختار فيما وقع عليه الاختيار- فهو من طلب سر القدر الذى نهينا عن الخوض فيه، والاشتغال بما لا تكاد تصل العقول إليه". (رسالة التوحيد، ص ٦١). ٣ - نظرات إسلامية مختلفة إلى الله ونختار هنا من أبرز هذه النظرات بعض الاتجاهات. ١ - علم الكلام عند الإسماعيلية: وثمة كلام كثير يقال عن عقائد الفرق، من الخوارج فى الإسلام إلى الشيعة. وسنقصر عنايتنا على مذهب الإسماعيلية الذى كانت له علاقات ثقافية كثيرة جداً بأغلبية أهل السنة. وقد اندمجت فى علم الكلام عند الإسماعيلية نزعة مزدوجة أثرت فيه: مذهب المعتزلة (الذى ظل يؤثر فى الشيعة) ومذهب الأفلاطونية الجديدة، ومن ثم أثرت الفلسفة فيه بعض التأثير. ولا نكاد نعرف شيئاً عن مرحلة التطور الأولى نفسها لهذا العلم أو جهوده لتحديد موقف أصيل من الأفكار الإسلامية مثل "كن" و"قدر" وغير ذلك. وظلت هذه الأفكار البدائية فى هذه المرحلة على حالها حتى جاء أبو عبد الله النسفى (القرن الرابع الهجرى = العاشر الميلادى) فوضعها وضعاً جديداً فى مذهب يأخذ كثيراً من الأفلاطونية الجديدة ومذهب الفيض. وظل النظر فى هذه المسائل يتطور ويتزود باتجاهات جديدة بفضل أبى حاتم الرازى وأبى يعقوب السجستانى وناصر خسرو والكرمانى (وقد وجد شتيرن أنه قد

стр. 1116

تأثر فيما يرجح بالفارابى فى قوله بالعقول العشرة). وعن طريق إخوان الصفاء قدر للإسماعيلية أن تؤثر فى كثير من الفلاسفة بل فى علماء الكلام من أهل السنة حتى جاءت الحملة التى شنها نصير الدين الطوسى تأييداً لابن سينا. التوكيد على غيب الله الذى لا يدرك وقد نشأ مذهب كلامى كامل سلبى؛ وأصبح من غير الممكن أن ينسب إلى الله فى ذاته اسم أو صفة. بل إن "التوحيد الصحيح" لا ينسب لله تعالى حتى الوجود نفسه (بالفارسية: هسْى). والأسماء التى جاءت فى القرآن إنما تدل على أنها هى ذاته (انظر: إدريس القارصى، القرن الثامن الهجرى = القرن الرابع عشر الميلادى) وقد جعل الأمر، والكلمة والإبداع والعلم، أقانيم؛ فالله ليس بباق، وليس هو لازال، وإنما الباقى هو أمره وكلمته، والذى لا زال هو خلقه الذى فاض عنه بأمره (المقريزى: الخطط، جـ ١، ص ٣٩٥ الذ ى استشهد به Juda b. Nissim ibn: G. Vajda Malka، باريس سنة ١٩٤٥، جـ ٧، الفصل الأول) ويظل الله هو الذى لا يمكن للأفهام أن تدركه بحال (ناصر خسرو). ويندرج لغز التشبيه والتعطيل فى مذهب إنكارى يجعل إثبات الصفات ينصرف إلى الكلمة أو الأمر أو إلى العقل الأول أو الكلى. ويجعل الكرمانى العقل الأول هو الكلمة، ويجعل الإبداع صفة من صفاته تعالى. والحق إن مذهب النسفى وخلفائه فى الفيض قد أقام واسطة هى العقل الكلى الذى صدر عنه العالم بفيوضات متعاقبة، وتجد أصداء هذا فى كتاب "قصوص فى الحكمة" (وهو كتاب يجب أن ينسب بعد أبحاث S. Pines فى REI سنة ١٩٥١، ص ١٢١ - ١٢٤، إلى ابن سينا وليس إلى الفارابى) وتستمر هذه الأصداء عند الغزالى فى "المطاع" من مشكاة الأنوار. وقد تعلقت المشاعر الدينية للإسماعيلية بطائفة من الأقانيم الغنوصية، فالإرادة والأمر يكونان فى بعض الأحيان مرتبتين روحيتين أسمى من العقل الأول. وما أكثر ما تجعل الإرادة والأمر والكلمة سواء، ويجعل

стр. 1117

العقل الكلى أو الأول فى ذاته "مجلى لله" فوق الأفهام يعز التعبير عنه ويتحقق بأمره تعالى. وهذه الأنظار متأصلة فى التأويل الرمزى (المعنى الباطن لآيات القرآن الكريم) تتزود من الأساطير الإيرانية مباشرة. وقد استبطنها من بعد بعض الشيعة بل السنية والصوفية. ٢ - الفلسفة: وفى الفلسفة اكتسب المصطلح "إلهيات" (الذى اصطنعه علم الكلام) الشيوع من حيث إنه يدل على جملة من المسائل عن الله، ولم تصبح مادة هذه المسائل هى مادة علم الكلام، لقد جاءت من اليونان، وخاصة من أرسطو، ولكنها سادت على الأقل فى الفلسفة الشرقية (وخاصة عند الفارابى وابن سينا) بإلهام عظيم من الأفلاطونية الجديدة (كتاب الإلهيات المنحول لأرسطو). وكان لسلطان القرآن الكريم بعض الأثر فى مادة هذه المسائل (وخاصة علم الله بالأشخاص) ولكن لا داعى يدعونا إلى أن نبسط هذه المسائل بالتفصيل كما فعلنا بالنسبة لعلم الكلام، وحسبنا أن نذكر أن ابن سينا يثبت وجود الله توسلا بالدليل القائم على حدوث العالم بمعناه الدقيق ولم يغفل الدليل القائم على "فكرة الوجود". (انظر الإشارات، طبعة Forget. ص ١٤٦) وقد أعانتهما أداة الفلسفة الأكثر مرونة فى إثبات الصفات بعيداً عن الذات الإلهية متوسلين بتفرقة "معنوية" بسيطة لها أساس من الحقيقة. ويجب أن نذكر فى هذا المقام نزعة باطنية معرفتنا بها غير كاملة تأخذ عدة أقوال من المذهب الإسماعيلى مأخذ الإنكار (وسائط: إخوان الصفا، والتوحيدى، ثم فى زمن متأخر النزعة الإسماعيلية التى بينها S. Pines. والخاصة ببعض نسخ من إلهيات أرسطو؛ انظر REI، ص ٧ وما بعدها). ولا يزودنا الفلاسفة برسائل عن العدل ولا عن أفعاله تعالى، فهم على خلاف علماء الكلام يؤكدون (أو يتصدون لإثبات) خروج العالم إلى حيز الوجود بفيض واجب صادر عن إرادة (انظر مادة "الإسماعيلية") وأنه باق

стр. 1118

إلى أجل، عالم ليست له بداية أو نهاية "ممكن" فى ذاته، محدث فى مرتبة الذات واجب فى مرتبة الوجود، والعناية شريعة الفيض نفسه وهى قائمة ضرورة بعقل الله الأزلى. والأسباب لا يمكن أن تعجز فى أن تفعل فعلها فى أعراضها، ولم تعد ثمة أية مشكلة عن اختيار الإنسان حيال قدرة الله على كل شئ (النجاة، ص ٣٠٢). وأياً كان الحل الذى يتخذ ببقاء نفوس الأفراد فإن العقل الفعال يكون وسيطاً بين الله والإنسان فى مرتبة العلم ومرتبة الفيض، إذ هناك طبقات للعقول العاقلة حتى المعلول الأول ويحيط بهذه العقول العقل الكلى. وعند ابن سينا طبقة من النفوس تقابل هذه العقول، وقد أنكر هذا ابن رشد. والظاهر أن ابن رشد إنما كان من الفلاسفة الذين توسلوا بالفلسفة فى العودة إلى العلم الإلهى بالأشخاص بأعيانها وهو ما شدد القرآن الكريم فى الدعوة إليه. أما الأمر المعلق فهو موقف العقيدة كله من الله. ولا مراء فى أن الفلاسفة كانوا مسلمين وظلوا مسلمين. ومع أن نظرياتهم نفسها قد تعدل أو يوفق بينها وبين ما أكده القرآن، فإن الله الذى يدعون إليه هو الله الذى ندركه بالعقل ونهتدى إليه فى أسمى الحالات بومضة من ومضات الحدس. وقد تصدوا لإثبات (وتدخل فى ذلك فكراتهم عن التجلى، وهو لحظة عابرة يوفق الإنسان فيها إلى الواجب الكلى) أن الله المدرك بالعقل والله الذى نزل به القرآن يتفقان اتفاقاً كلياً. ولكنها ليست مسألة صحة عقيدة تستخدم العقل سنداً فى نطاقها. فهم يتناولون الفلسفة من ناحية والشريعة من ناحية أخرى مصدرين يتساويان قيمة. والمسألة المعلقة فى هذا المقام هى بيان أنهما يتفقان. وقد بلغوا هذه الغاية بالتأويل فلسفياً ورمزياً معاً، فالله هو الأول والسابق وهو الواجب الوجود، والله عند أئمة الفلاسفة تصور لوجود متعال واجب كامل، وهو العقل الأسمى والحب الأسمى، صدر عنه العالم بفيض ضرورى مراد. وصفوة القول أنه غرض لا يتصل بالعقيدة بمقدار ما يتصل بالتجربة الفلسفية والحدس الخصب.

стр. 1119

وقد أدى ما أظهروه من جد فى متابعة أبحاثهم واستدلالاتهم (بالرغم مما وقعوا فيه من أخطاء) إلى أن أدخلوا فى صميم الثقافة الإسلامية ما أغناها حقاً. وقد أثر تحليلهم للمسائل فى بعض الأحيان فى الفكر الدينى نفسه. ولكننا نجد أنفسنا فى هذا المقام قد دخلنا فى ميدان آخر مخالف لسر الله الحى الذى لا يدرك الذى استوجب به القرآن الكريم طاعة المؤمنين. ٣ - الكلام: ونعود الآن إلى مدارس الكلام السنية. وما من شك أن الفلاسفة احتقروا جدل "المتكلمين" الذين جعلوا الشريعة أشتاتاً، كما يقول ابن رشد (فصل المقال، طبعة وترجمة Gauthier، الجزائر، سنة ١٩٤٢، ص ٢٩). ذلك أن لطائفهم ومجادلاتهم مضطربة فى كثير من الأحيان، وبراهينهم الفلسفية محل مناقشة، ولكنهم عندما تصدوا على هذا النحو إلى الدفاع عن العقائد ضد أولئك الذين شكوا، فإن الذى كان يدخل فى دفاعهم على التحقيق هو الله كما تصوره العقيدة الإسلامية. والمعتزلة -كالأشاعرة سواء بسواء- رجال دين أولاً وفلاسفة ثانياً (أحمد أمين، ضحى الإسلام، القاهرة سنة ١٣٦٢ هـ = ١٩٤٣ م، جـ ٧ ص: ٢٠٤). ومع ذلك فإن الاتجاهين الباطنين لعلم الكلام عند المعتزلة وعند أهل السنة مختلفان. صحيح أن المعتزلة بدءوا بالقرآن الكريم وعدل الله السامى ولكن فكرتهم عن العقل باعتباره مقياساً للشريعة وسلطان العلوم الأجنبية عليهم من بعد قد أديا بهم إلى إقامة العقيدة كلها على فكرة أن الله يمكن إثبات وجوده بالعقل الإنسانى، وقد قصدوا فى دعم إثبات الوجود المثالى وتنقيته ولكن تشددهم فى القول بالتنزيه بلغ بهم الغاية إلى إضعاف فكرة الصفات الإلهية نفسها. ولم يكن الأشاعرة بمخطئين حين أخذوا عليهم ذلك، ثم حدث من بعد أن سر التوحيد الإلهى قد بدا كأنما أحيط بتصور يتفق وما عليه البشر، وعبر عنه بالأسلوب لا شك، ولكن الأفهام تدركه مباشرة مجزأ. ونحن نجد شيئاً يشبه هذا فى التصوف ماثلاً فى رياضات الجنيد، ويتصل بهذا ويكمله فى الوقت نفسه

стр. 1120

العدل الإلهى، فقد أضفى عليه بوجه من الوجوه صبغة بشرية، فقد كانت فيه لمسة من فكرة القاضى العادل عند البشر ارتقى بها إلى مقام البقاء. وأصول رد الأشاعرة على هذا لم تكن بحال من الأحوال إنكاراً خالصاً لنصيب المؤمنين فى كل توسع طرأ على مادة العقيدة؛ وقد صور تحول الأشعرى على أنه رجوع إلى النزعة التى يكنها السلف وتصريح بالتزام مذهب ابن حنبل (انظر الإبانة، ص ٩) على أن الأشاعرة قبلوا التحدى فى الصراع الجدلى وأدى بهم هذا إلى الإيغال فى هذا الميدان، أدى بهم إلى أن يصقلوا أنفسهم دوماً؛ أدى بهم إلى الدخول فى تعقيدات لا تنتهى، ونشأت عن ذلك جملة من المسائل لم تصل إلى حد قط نتيجة لتنوع الاعتراضات وقيام المدارس المعارضة. ووسط هذه الغمرة من الحجج أصبح من العسير فى بعض الأحيان أن نتتبع ذلك التسليم الكامل فى مواجهة العقيدة الساطعة بالله الواحد الخالق الحكم التى تجدها فى سور القرآن الكريم. ونفى الاختيار عند الإنسان بحقيقته الوجودية قد صرف كثيراً من نزعات التفكير نحو القول بالإرادة الإلهية متصورة على هذا النحو، وقد تحدد هذا أكثر بعد القرن الخامس عشر الميلادى، ذلك أن متكلمى الأشاعرة (أو الماتريدية) لم يسعوا إلى تجديد مذهبهم ليلحقوا بخصومهم المعاصرين، ذلك التجديد الذى كان فيما يظهر أول ما تدعوهم حاجة الدفاع عنه، بل جمدوا فى رسائل ذوات قوالب لا تتغير. وهذا الخطر بالشلل المحيق كان بلا شك من أهم الاعتبارات المؤدية إلى ما نجده عند محمد عبده من نزعة تشبه اللاأدرية. وهنا يكمن فيما نعتقد تعليل النظر إلى علم الكلام نظرة فيها ما يشبه الازدراء (يرتفع فى بعض الأحيان إلى المعارضة العنيفة) وقد أظهر ذلك على السواء خلفاء "السلف الصالح" الذين تمثلهم على الأخص النزعة الحنبلية وأقوال المتصوفة. ٤ - التصوف: ونحن لا نطمع هنا أن نحلل الأصول الدينية للمدارس الصوفية المختلفة أو اتجاهاتها بكل ما

стр. 1121

فيها من حدود دقيقة (انظر عن القرون الأولى Passion d' Al-: L.Massignon Halladj باريس سنة ١٥٢٢؛ Lexique Technique، الطبعة الثانية، باريس سنة ١٩٥٤) والشئ الجدير بالملاحظة أننا لم نعد نتناول جهداً عقلياً منصرفاً إلى واجب الوجود كما فى الفلسفة أو جهداً غير متصل كما فى الكلام لالتماس حجج قاطعة أو مقررة لعقيدة القرآن الكريم فى الله، وإنما الذى يتضمنه سعينا هنا هو رياضة روحية أو قل حياة مع الله لم تلبث أن فهمت على أنها رياضة فى الوحدة وتحقيقاً باطنياً للتوحيد. وهناك بعض الصوفية كالحلاج والترمذى أعادوا التفكر فى الأصول العقائدية للحقبة التى عاشوها، وبعضهم كالحسن البصرى يمكن أن نسميهم "شبه معتزلة" لأنهم توسعوا فى نقطة من النقاط، وآخرون مثل ابن كرام أضفوا اسمهم على مدرسة من مدارس الكلام، وبعضهم وصلوا أنفسهم بالطريقة الحنبلية فى التفكير، وثمة صوفية كثيرون من الشيعة وهناك صوفية كثيرون من أهل السنة لم يتصدوا بأى وجه من الوجوه لعلم الكلام عند الأشاعرة. وأخيراً نجد كثرة كثيرة منهم وخاصة منذ القرنين السابع والثامن الهجريين (الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين) استجابوا لنزعات أفلاطونية حديثة تقول بوجود الذرات. وسننصرف من وجهة النظر التى تعنينا إلى استخلاص الاتجاهات الكبرى للصوفية طبقاً لتصنيف التزمه ماسينيون: (أ) وحدة الشهود: وهو المذهب الذى قال به الحلاج. والظاهر أنه قد ألهم أيضاً كل صوفى تأثر بالمذهب الحنبلى. والاتحاد بالله يتحقق فى قلب الصوفى بشهوده تعالى وشهود سر وحدته. ويظل الله تعالى ووحدته المطلقة فيما يتصل بجميع خلقه هو الغرض الأكبر من العقيدة. ولكن شهود الله تعالى يتحقق بالعشق (فى ذاته تعالى، العشق هو كنه الذات، هكذا يقول الحلاج) وبالعشق تتحقق المناجاة بين قلب المؤمن والله إلى أن يبلغ الأنَيَّة، التى تفنى المناجاة فى الوحدة دون أن تفسدها. ومن المعروف حق المعرفة ما كان فى القرن الثالث الهجرى (القرن التاسع الميلادى) من معارضة العقيدة الإسلامية المقررة للوحدة التى تتحقق

стр. 1122

بالعشق (والزعم أن ذلك يستند إلى سورة آل عمران، الآية ٢٩، وسورة المائدة، الآية ٥٩) أجل وحدة الشهود هذه فى اثنينيتها. مرحلتان متوسطتان: والغزالى فى الإحياء (القرن الخامس الهجرى = القرن الحادى عشر الميلادى) الذى جعل للتصوف حق الوجود بين العلوم الدينية المقررة، قد وحد فى شئ من التخير من هنا ومن هناك، بين القيم العقائدية المتطورة للأشاعرة وبين القيم الروحية لمحبة الله، بين التوكل وبين الفضائل الزهدية التصوفية المختلفة. وثمة مرحلة أخرى متوسطة أعظم أهمية هى حركة الإشراق وقولها بالفيض، وهى حركة لا تقوم بحال على القول الخالص بالذرة. والشخصية العظيمة لإمام الإشراق السهروردى الحلبى (القرن السادس الهجرى = القرن الثانى عشر الميلادى) التى درسها كوربان H. Corbin دراسة جيدة جداً تمثل خير تمثيل الشوق إلى الاتحاد الذى يؤدى إلى التحقق فى مقام المعرفة. ولكن الصورة الظاهرة للأسطورة الإيرانية أتاحت له فى أفق البصيرة الشعرية النافذة أن يترك الشهود لعليائه. (ب) وحدة الوجود: وقد قيض لها أن تسيطر على التصوف المتأخر منذ ابن عربى (القرنان السادس والسابع الهجريان = القرنان الثانى عشر والثالث عشر الميلاديان) وقد فطن ابن تيمية إلى أثر ابن سينا فى ذلك (وتنقصه) وكان تفطنه لذلك بنية التعديل والتكملة لا الرفض. ويمكن للمرء أن يقول إن الغزالى فى كتيباته التى ألفها بآخرة، الغزالى الذى أشرب الفلسفة بل مذهب الإسماعيلية، هو رائد هذه الفرقة، وفيها يلتقى القول الأفلاطونى المحدث بالذرة، كما جاء فى إلهيات أرسطو المنحولة له، بالنزعة الأشعرية التى تنصرف إلى إثبات الإله الواحد فتجرد الخلق من كل وجود فعلى متميز. فالعالم المخلوق إنما هو عالم فان بالقياس إلى الله المتوحد بوجوده المتوحد بفعله. ويقول الصوفية إن كل وجود تجريبى ظاهرى يجب أن يفنى فى الوجود الواحد الباقى، أى فى الله. ويفسر أنصار مذهب الذرات فى الوجود الآية ٨٥ من سورة الإسراء

стр. 1123

فيقولون إن الروح هى فيض مباشر من الأمر الإلهى ومن ثم فهى فيض من ذات الله. وانظر فى ذلك نص الغزالى الذى أشرنا إليه من قبل (وقد ناقش نسبته إليه: Au-: W. Montgouery Watt -thenticily of Works attributed to At Gha zali فى. Royal Asiat. Soc .Journ سنة ١٩٥٢، ١، ٢) ونعنى به "الرسالة اللدنيّة" (القاهرة سنة ١٣٥٣ هـ = ١٩٣٤ م، ص ٢٥) وقد تتبعنا بعض الإشارات المختلفة كل الاختلاف فتيسر لنا هنا شئ يشبه الصدى لقولة أفلاطون "التماس الواحد فينا"، بل القولة الهندية "إنك لهو" مع طرح المسائل التاريخية. والرياضة الصوفية الأرفع هى إذن رياضة "اتحاد"، تفهم على أنها تحقق، وهى تبرز للوهلة الأولى سبيلها المختارة بالاعتماد على تأويل رمزى غنوصى لنصوص التنزيل. ولم تثر "وحدة الوجود" بين الفقهاء والمتكلمين ما أثارته وحدة الشهود من معارضة فى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى). على أن المرء لا يستطيع أن ينسى مبلغ القوة التى تدفع بها وحدة الشهود المتوكل فى طريق الرياضة الروحية بمعناها الدقيق. ٥ - السلف الصالح: كان التزام كثير من متصوفى القرون الأولى بالعقيدة يسير على سنة "السلف الصالح". ففى هذه القرون كان بين الصوفية وأهل الحديث فى كثير من الأحيان تداخل، ذلك أنه لم تكن ثمة مسألة خاصة بمدرسة يُنتْمى إليها بالرغم من أن هؤلاء القوم كثيراً ما استظلوا براية السنة الحنبلية. وإنما كانت مسألة نظرة تقوم على ما تكنه الصدور. وهذا الرجوع إلى السلف يجب أن يفهم على أنه تم عن اختيار أكثر مما تم عن مراعاة للتسلسل الزمنى: فنحن نجد ذلك فى القرن الرابع عشر الميلادى عند ابن تيمية بمقدار ما نجده فى أوائل القرن الأول الهجرى. ونجده مرة أخرى مقعّداً تغلب عليه نزعة تنكر الصوفية عند الوهابيين والوهابيين الجدد وعند السلفية المحدثين وتلاميذهم المعاصرين (ويشمل ذلك إلى حد ما بعض الجماعات الدينية).

стр. 1124

وهذه النزعة رفعت صوتها فى كثير من الأحيان مناهضة لمراوغات علم الكلام ودقائقه، ومناهضة للإسراف فى الثقة بالأدلة العقلية أو الجدلية. وقد أباح الأنصارى فى كتابه "ذم الكلام" للمسلم الانصراف عن تفسير الصفات الإلهية وألا ينزلق إلى الطريق المسدود الذى انزلق إليه الأشاعرة يضعون الحواشى على النصوص ويفرقون بين الصفة وحال وجودها (انظر هذا الشاهد عند الأنصارى فى ابن تيمية: الفتاوى، جـ ٥، ص ٢٧٥ - ٢٧٨). وشخصية الأنصارى الصوفى نفسها كافية لبيان أن وجود نزعة للاستمساك بسنة السلف الصالح لايبرر إنكار التصوف جملة كما يحدث كثيراً اليوم، فيخلطه فى يسر بين "وحدة الشهود"، و"وحدة الوجود" وبين وحدة الوجود وانحرافات جماعات الطرق. والذى يبقى ثابتاً مؤكداً هو الاعتقاد فى الله المتعالى يكلم الناس على لسان أنبيائه ورسله ﵈، ولا يكشف عن ذاته بأكثر من الأسماء الحسنى التى هى "حجاب الاسم"، وهى عقيدة لا تسأل الله أن يجلو عن ذاته وتستمسك بكلمته وتسلم له تعالى، وذلك بفعل تفرد الله به ويكون شاهداً على قدرته وعلى مسئولية عباده عما يفعلون. ومن ثم فإن ما ينطوى عليه المؤمن هو حقاً تسليم نفسه تسليماً كلياً لا تشوبه شائبة فى تهجده لله الذى لا يسأله عما يفعل وإنما يعرف من كلمته تعالى أنه أحكم الحاكمين والمعين الذى ليس معه معين. والظاهر أن هذا الذى ينطوى عليه المؤمن وأجملنا القول فيه فيما سبق هو أبرز علامات عقيدة المسلم فى الله، وأنه أولاً وقبل كل شئ هو ما يكنه المسلم فى قلبه عندما يجهر باسم الله. وما من تفصيل يقتضيه الأمر هنا. ففى كل عصر وجد "أحرار فى الفكر" و"متشككون" و"منكرون"، وفى كل عصر قامت أبحاث عقلية فى الإلهيات كما كثر فى الإسلام الكلام عنها فى غير اتصال. ويظهر أن الفكر المعاصر قد تنازعته من جميع الجهات اتجاهات مختلفة من الفلسفات الحديثة كما تنازعه من قبل الفكر اليونانى والفكر الإيرانى. وقد يكون الوقت الآن يقتضى قيام كلام جديد أو قل مذهب جديد فى

стр. 1125

التبرير الدفاعى ينهض بإعادة النظر على نطاق واسع فى المسائل والمشكلات الخاصة. على أنه قد يكون من الممكن تجنب المزالق التى انزلق إليها علم الكلام القديم ويتم ذلك فقط بالتجاوز عن المظاهر المتناقضة للمشاكل المثارة، وبالرجوع الخالص لله الواحد الحى رب العالمين مالك يوم الدين، وهذا هو ما دأب دوماً كثير من المؤمنين المخلصين وحملة القرآن على أن يحيوا به. المصادر: ١ - كتب إسلامية بارزة: (أ) كتب ذكرت فى صلب المادة للبخارى، ومسلم، والأشعرى، وابن سينا، وابن حزم، والجوينى، وأبى حامد الغزالى، وابن رشد، وفخر الدين الرازى، وابن تيمية، وسعد التفتازانى، والجرجاني، والسنوسى، والباجورى، وعبد الرحيم بن على، ومحمد عبده، وأحمد أمين. (ب) كتب أخرى: (١) الخياط: الانتصار، طبعة نيبرج، القاهرة سنة ١٣٤٤ هـ = ١٩٢٥ م. (٢) الأشعرى: اللمع، طبعه وترجمه إلى الإِنجليزية The Theol-: R.J. Mearthy ogy of AI - Ash'ari، بيروت سنة ١٩٥٣، ص ٦ - ٧٤ - ٦ - ١٠٣. (٣) الباقلانى: التمهيد، طبعة الخضيرى وأبو ريدة، القاهرة ١٣٦٦ هـ = ١٩٤٧ م، ص ١٥٢ - ١٥٩. (٤) عبد القاهر البغدادى: أصول الدين، إستانبول سنة ١٣٤٦ هـ = ١٩٢٨ م، الفصول ٣ - ٦. (٥) الجوينى: الشامل (مخطوط سنة ١٢٩٠ هـ، بدار الكتب المصرية، القاهرة) ص ١٥٠ - ١٨٩. (٦) أبو حفص النسفى: العقائد، طبعة Gureton سنة ١٨٤٣. (٧) الشهرستانى: كتاب الملل والنحل، طبعة بدران، القاهرة سنة ١٣٧٠ هـ = ١٩٥١ م، وخاصة ص ٨ - ١١. (٨) نهاية الإقدام طبعة Guillaume، أوكسفورد سنة ١٩٣٤. (٩) البيضاوى: طوالع الأنوار (القاهرة سنة ١٣٢٤ هـ = ١٩٠٥ م)، الكتاب الثانى، الفصول ١ - ٣.
следующие страницы →