← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

فيها من حدود دقيقة (انظر عن القرون الأولى Passion d' Al-: L.Massignon Halladj باريس سنة ١٥٢٢؛ Lexique Technique، الطبعة الثانية، باريس سنة ١٩٥٤) والشئ الجدير بالملاحظة أننا لم نعد نتناول جهداً عقلياً منصرفاً إلى واجب الوجود كما فى الفلسفة أو جهداً غير متصل كما فى الكلام لالتماس حجج قاطعة أو مقررة لعقيدة القرآن الكريم فى الله، وإنما الذى يتضمنه سعينا هنا هو رياضة روحية أو قل حياة مع الله لم تلبث أن فهمت على أنها رياضة فى الوحدة وتحقيقاً باطنياً للتوحيد. وهناك بعض الصوفية كالحلاج والترمذى أعادوا التفكر فى الأصول العقائدية للحقبة التى عاشوها، وبعضهم كالحسن البصرى يمكن أن نسميهم "شبه معتزلة" لأنهم توسعوا فى نقطة من النقاط، وآخرون مثل ابن كرام أضفوا اسمهم على مدرسة من مدارس الكلام، وبعضهم وصلوا أنفسهم بالطريقة الحنبلية فى التفكير، وثمة صوفية كثيرون من الشيعة وهناك صوفية كثيرون من أهل السنة لم يتصدوا بأى وجه من الوجوه لعلم الكلام عند الأشاعرة. وأخيراً نجد كثرة كثيرة منهم وخاصة منذ القرنين السابع والثامن الهجريين (الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين) استجابوا لنزعات أفلاطونية حديثة تقول بوجود الذرات. وسننصرف من وجهة النظر التى تعنينا إلى استخلاص الاتجاهات الكبرى للصوفية طبقاً لتصنيف التزمه ماسينيون: (أ) وحدة الشهود: وهو المذهب الذى قال به الحلاج. والظاهر أنه قد ألهم أيضاً كل صوفى تأثر بالمذهب الحنبلى. والاتحاد بالله يتحقق فى قلب الصوفى بشهوده تعالى وشهود سر وحدته. ويظل الله تعالى ووحدته المطلقة فيما يتصل بجميع خلقه هو الغرض الأكبر من العقيدة. ولكن شهود الله تعالى يتحقق بالعشق (فى ذاته تعالى، العشق هو كنه الذات، هكذا يقول الحلاج) وبالعشق تتحقق المناجاة بين قلب المؤمن والله إلى أن يبلغ الأنَيَّة، التى تفنى المناجاة فى الوحدة دون أن تفسدها. ومن المعروف حق المعرفة ما كان فى القرن الثالث الهجرى (القرن التاسع الميلادى) من معارضة العقيدة الإسلامية المقررة للوحدة التى تتحقق

стр. 1122

بالعشق (والزعم أن ذلك يستند إلى سورة آل عمران، الآية ٢٩، وسورة المائدة، الآية ٥٩) أجل وحدة الشهود هذه فى اثنينيتها. مرحلتان متوسطتان: والغزالى فى الإحياء (القرن الخامس الهجرى = القرن الحادى عشر الميلادى) الذى جعل للتصوف حق الوجود بين العلوم الدينية المقررة، قد وحد فى شئ من التخير من هنا ومن هناك، بين القيم العقائدية المتطورة للأشاعرة وبين القيم الروحية لمحبة الله، بين التوكل وبين الفضائل الزهدية التصوفية المختلفة. وثمة مرحلة أخرى متوسطة أعظم أهمية هى حركة الإشراق وقولها بالفيض، وهى حركة لا تقوم بحال على القول الخالص بالذرة. والشخصية العظيمة لإمام الإشراق السهروردى الحلبى (القرن السادس الهجرى = القرن الثانى عشر الميلادى) التى درسها كوربان H. Corbin دراسة جيدة جداً تمثل خير تمثيل الشوق إلى الاتحاد الذى يؤدى إلى التحقق فى مقام المعرفة. ولكن الصورة الظاهرة للأسطورة الإيرانية أتاحت له فى أفق البصيرة الشعرية النافذة أن يترك الشهود لعليائه. (ب) وحدة الوجود: وقد قيض لها أن تسيطر على التصوف المتأخر منذ ابن عربى (القرنان السادس والسابع الهجريان = القرنان الثانى عشر والثالث عشر الميلاديان) وقد فطن ابن تيمية إلى أثر ابن سينا فى ذلك (وتنقصه) وكان تفطنه لذلك بنية التعديل والتكملة لا الرفض. ويمكن للمرء أن يقول إن الغزالى فى كتيباته التى ألفها بآخرة، الغزالى الذى أشرب الفلسفة بل مذهب الإسماعيلية، هو رائد هذه الفرقة، وفيها يلتقى القول الأفلاطونى المحدث بالذرة، كما جاء فى إلهيات أرسطو المنحولة له، بالنزعة الأشعرية التى تنصرف إلى إثبات الإله الواحد فتجرد الخلق من كل وجود فعلى متميز. فالعالم المخلوق إنما هو عالم فان بالقياس إلى الله المتوحد بوجوده المتوحد بفعله. ويقول الصوفية إن كل وجود تجريبى ظاهرى يجب أن يفنى فى الوجود الواحد الباقى، أى فى الله. ويفسر أنصار مذهب الذرات فى الوجود الآية ٨٥ من سورة الإسراء

стр. 1123

فيقولون إن الروح هى فيض مباشر من الأمر الإلهى ومن ثم فهى فيض من ذات الله. وانظر فى ذلك نص الغزالى الذى أشرنا إليه من قبل (وقد ناقش نسبته إليه: Au-: W. Montgouery Watt -thenticily of Works attributed to At Gha zali فى. Royal Asiat. Soc .Journ سنة ١٩٥٢، ١، ٢) ونعنى به "الرسالة اللدنيّة" (القاهرة سنة ١٣٥٣ هـ = ١٩٣٤ م، ص ٢٥) وقد تتبعنا بعض الإشارات المختلفة كل الاختلاف فتيسر لنا هنا شئ يشبه الصدى لقولة أفلاطون "التماس الواحد فينا"، بل القولة الهندية "إنك لهو" مع طرح المسائل التاريخية. والرياضة الصوفية الأرفع هى إذن رياضة "اتحاد"، تفهم على أنها تحقق، وهى تبرز للوهلة الأولى سبيلها المختارة بالاعتماد على تأويل رمزى غنوصى لنصوص التنزيل. ولم تثر "وحدة الوجود" بين الفقهاء والمتكلمين ما أثارته وحدة الشهود من معارضة فى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى). على أن المرء لا يستطيع أن ينسى مبلغ القوة التى تدفع بها وحدة الشهود المتوكل فى طريق الرياضة الروحية بمعناها الدقيق. ٥ - السلف الصالح: كان التزام كثير من متصوفى القرون الأولى بالعقيدة يسير على سنة "السلف الصالح". ففى هذه القرون كان بين الصوفية وأهل الحديث فى كثير من الأحيان تداخل، ذلك أنه لم تكن ثمة مسألة خاصة بمدرسة يُنتْمى إليها بالرغم من أن هؤلاء القوم كثيراً ما استظلوا براية السنة الحنبلية. وإنما كانت مسألة نظرة تقوم على ما تكنه الصدور. وهذا الرجوع إلى السلف يجب أن يفهم على أنه تم عن اختيار أكثر مما تم عن مراعاة للتسلسل الزمنى: فنحن نجد ذلك فى القرن الرابع عشر الميلادى عند ابن تيمية بمقدار ما نجده فى أوائل القرن الأول الهجرى. ونجده مرة أخرى مقعّداً تغلب عليه نزعة تنكر الصوفية عند الوهابيين والوهابيين الجدد وعند السلفية المحدثين وتلاميذهم المعاصرين (ويشمل ذلك إلى حد ما بعض الجماعات الدينية).

стр. 1124

وهذه النزعة رفعت صوتها فى كثير من الأحيان مناهضة لمراوغات علم الكلام ودقائقه، ومناهضة للإسراف فى الثقة بالأدلة العقلية أو الجدلية. وقد أباح الأنصارى فى كتابه "ذم الكلام" للمسلم الانصراف عن تفسير الصفات الإلهية وألا ينزلق إلى الطريق المسدود الذى انزلق إليه الأشاعرة يضعون الحواشى على النصوص ويفرقون بين الصفة وحال وجودها (انظر هذا الشاهد عند الأنصارى فى ابن تيمية: الفتاوى، جـ ٥، ص ٢٧٥ - ٢٧٨). وشخصية الأنصارى الصوفى نفسها كافية لبيان أن وجود نزعة للاستمساك بسنة السلف الصالح لايبرر إنكار التصوف جملة كما يحدث كثيراً اليوم، فيخلطه فى يسر بين "وحدة الشهود"، و"وحدة الوجود" وبين وحدة الوجود وانحرافات جماعات الطرق. والذى يبقى ثابتاً مؤكداً هو الاعتقاد فى الله المتعالى يكلم الناس على لسان أنبيائه ورسله ﵈، ولا يكشف عن ذاته بأكثر من الأسماء الحسنى التى هى "حجاب الاسم"، وهى عقيدة لا تسأل الله أن يجلو عن ذاته وتستمسك بكلمته وتسلم له تعالى، وذلك بفعل تفرد الله به ويكون شاهداً على قدرته وعلى مسئولية عباده عما يفعلون. ومن ثم فإن ما ينطوى عليه المؤمن هو حقاً تسليم نفسه تسليماً كلياً لا تشوبه شائبة فى تهجده لله الذى لا يسأله عما يفعل وإنما يعرف من كلمته تعالى أنه أحكم الحاكمين والمعين الذى ليس معه معين. والظاهر أن هذا الذى ينطوى عليه المؤمن وأجملنا القول فيه فيما سبق هو أبرز علامات عقيدة المسلم فى الله، وأنه أولاً وقبل كل شئ هو ما يكنه المسلم فى قلبه عندما يجهر باسم الله. وما من تفصيل يقتضيه الأمر هنا. ففى كل عصر وجد "أحرار فى الفكر" و"متشككون" و"منكرون"، وفى كل عصر قامت أبحاث عقلية فى الإلهيات كما كثر فى الإسلام الكلام عنها فى غير اتصال. ويظهر أن الفكر المعاصر قد تنازعته من جميع الجهات اتجاهات مختلفة من الفلسفات الحديثة كما تنازعه من قبل الفكر اليونانى والفكر الإيرانى. وقد يكون الوقت الآن يقتضى قيام كلام جديد أو قل مذهب جديد فى

стр. 1125

التبرير الدفاعى ينهض بإعادة النظر على نطاق واسع فى المسائل والمشكلات الخاصة. على أنه قد يكون من الممكن تجنب المزالق التى انزلق إليها علم الكلام القديم ويتم ذلك فقط بالتجاوز عن المظاهر المتناقضة للمشاكل المثارة، وبالرجوع الخالص لله الواحد الحى رب العالمين مالك يوم الدين، وهذا هو ما دأب دوماً كثير من المؤمنين المخلصين وحملة القرآن على أن يحيوا به. المصادر: ١ - كتب إسلامية بارزة: (أ) كتب ذكرت فى صلب المادة للبخارى، ومسلم، والأشعرى، وابن سينا، وابن حزم، والجوينى، وأبى حامد الغزالى، وابن رشد، وفخر الدين الرازى، وابن تيمية، وسعد التفتازانى، والجرجاني، والسنوسى، والباجورى، وعبد الرحيم بن على، ومحمد عبده، وأحمد أمين. (ب) كتب أخرى: (١) الخياط: الانتصار، طبعة نيبرج، القاهرة سنة ١٣٤٤ هـ = ١٩٢٥ م. (٢) الأشعرى: اللمع، طبعه وترجمه إلى الإِنجليزية The Theol-: R.J. Mearthy ogy of AI - Ash'ari، بيروت سنة ١٩٥٣، ص ٦ - ٧٤ - ٦ - ١٠٣. (٣) الباقلانى: التمهيد، طبعة الخضيرى وأبو ريدة، القاهرة ١٣٦٦ هـ = ١٩٤٧ م، ص ١٥٢ - ١٥٩. (٤) عبد القاهر البغدادى: أصول الدين، إستانبول سنة ١٣٤٦ هـ = ١٩٢٨ م، الفصول ٣ - ٦. (٥) الجوينى: الشامل (مخطوط سنة ١٢٩٠ هـ، بدار الكتب المصرية، القاهرة) ص ١٥٠ - ١٨٩. (٦) أبو حفص النسفى: العقائد، طبعة Gureton سنة ١٨٤٣. (٧) الشهرستانى: كتاب الملل والنحل، طبعة بدران، القاهرة سنة ١٣٧٠ هـ = ١٩٥١ م، وخاصة ص ٨ - ١١. (٨) نهاية الإقدام طبعة Guillaume، أوكسفورد سنة ١٩٣٤. (٩) البيضاوى: طوالع الأنوار (القاهرة سنة ١٣٢٤ هـ = ١٩٠٥ م)، الكتاب الثانى، الفصول ١ - ٣.

стр. 1126

(١٠) أبو البركات النسفى: العمدة، طبعة Cureton سنة ١٨٤٣ م. (١١) أبو ريدة إبراهيم بن سيار النظام، القاهرة سنة ١٣٦٥ هـ = ١٩٤٦ م، ص ٨٠ - ٩٨. ٢ - كتب غربية: (أ) قبل سنة ١٩١٠ م، انظر مصادر ما كتبه ماكدونالد عن الله فى صدر هذه المادة. (ب) كتب أحدث (١) Le: Blachere Coran باريس سنة ١٩٤٧، ١٩٤٩، ١٩٥١. (٢) Vajda, Wensinck و Mas- signon الذين ذكروا فى صلب المادة. (٣) انظر أيضاً Die Phi-: M. Horten Iosophischen Ansichten von Razi und Tusi، بنون سنة ١٩١٠؛ Die Spekulative und positive Theologie im islam noch Razi und Tusi، ليبسك سنة ١٩١٢؛ Die - Philosophischen Systeme der Spek ulativen Theologen im Islam، بون ١٩١٢ (٤) bis: J. Hell Von Mohammad Ghazali يينا سنة ١٩١٥. (٥) H.S. Nyberg: مادتا "المعتزلة" و"النظام" فى دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة الأولى. (٦) Vorlesungen: Goldziher الطبعة الثانية (٧) Les Preuves de: A. J. Wensinck -l'existence de Dieu dans la theologie mu sulmane، أكاديمية أمستردام، سنة ١٩٣٦. (٨) Beitrage zur Is-: S. Pines (A lamischen Atomlehre، برلين سنة ١٩٣٦. (٩) Essai sur les doc-: H. Laoust trines sociales et politiques de Teki-d-Din Ahmed b. Taimiya، القاهرة سنة ١٩٣٩، ص ١٥٣ - ١٧٨. (١٠) Nallino: Scritti، جـ ٢، ص ١٠ - ١٨، ٤٣٢ - ٤٣٦. (١١) Die fruhiaslamische: ٠. Pretzl Atomenlehre IsL.، سنة ١٩٣١، ص ١١٧ - ١٣٠؛ Die fruhislamische At- tributenlehre سنة ١٩٤٠ (١٢) Nathanael b. Al-: S. Pines et la theologie ismaelienne Fayyumi فى Etudes historiques juives القاهرة سنة ١٩٤٦. (١٣) Ghazali et: S. de Beaurecueil Saint Thomas d'Aquin فى Bulletin de d'Archeologie Orien- l'Institut Francais

стр. 1127

tale du Caire، سنة ١٩٤٧ جـ ٢٢٩ - ٢٣٨. (١٤) Muslim Theol-: A. S. Tritton ogy، لندن سنة ١٩٤٧، فى مواضع مختلفة من الأقسام المعقودة على المواد: God و Capacity و Man (١٥) Islam: J. Windrow Sweetman and Christian Theology, لندن سنة ١٩٤٥ - ١٩٤٧، جـ ١، ص ١٧ - ٢٢، ٩٣ - ١١٧ ترجمة "الفوز الأصغر" لابن مسكويه) جـ ٢، ص ٦٦. (١٦) Intro-: Gardet et Anawati musulmane duction a la theologie, باريس سنة ١٩٤٨ (١٧) Free Will and: W. Montgomery Predestination in Early Islam، لندن سنة ١٩٤٨. (١٨) انظر مواد "إله" و"خدا" و"تنرى". الأبيارى وزايد [كارديه L. Gardet] تعقيب على مادة "الله" هذان مقالان عن الله ، تضمنت أولهما الطبعة الأولى من دائرة المعارف الإسلامية، وتضمنت ثانيهما الطبعة الثانية، كتب أولهما ماكدونالد D. B. Mac- donald كتب ثانيهما كارديه. L. Gardet ولم يكن "ماكدونالد" جاداً فى بحثه بقدر ما كان "كارديه". أراد "ماكدونالد" أن ينال من محمد ﷺ والإِسلام، فدخل إلى ذلك من منافذ هيأها له خياله واستنباطه فحاد عن حق كثير: من أجل ذلك عقب عليه معقبون كثيرون جاءت تعقيباتهم برمتها هنا كما ذكرت من قبل. وقد جاء مقال "كارديه" يكاد يكون رداً على ذلك المقال الذى سبق به "ماكدونالد"، فوفى "كارديه" حيث قصر "ماكدونالد" واستوعب حيث لم يستوعب ولم يشتت عليه الغرض أطراف البحث فاجتمع له ما لم يجتمع له، وإذ كان باحثاً يقصد إلى الجد فقد خلا مقاله من تلك الشائبات التى امتلأ بها مقال ماكدونالد. والمعقب على ماكدونالد علماً لا يجد خيراً مما عقب به "كارديه" إذ فيه الاستقصاء المصحح، غير أنه لا تزال ثمة هنات وتخرصات فى مقال "ماكدونالد" لم يتناولها "كارديه" منها حديثه عن الجزيرة العربية ديانة قبل

стр. 1128

محمد ﷺ ، وحديثه عن لفظ "الله" اشتقاقاً، ثم عبثه فى عرضه لصفاته تعالى. من أجل هذا الذى بقى لنا عن "ماكدونالد" ومن أجل أن الموضوع بعد مقال "كارديه" لا يزال يحتاج إلى كلمة متصلة عن "الله" ، نترك جانباً تتبع علماء الكلام فى اختلافاتهم وتشتت آرائهم، والتأريخ لهذا الاختلاف وهذا التشتت، إلى الاستقراء الذى تجتمع لنا منه تلك الكلمة المتصلة التى يخلص فيها القاريء إلى تعرف "الله" متخففاً من تلك الخلافات المشتتة. وما من شك فى أن القضية قبل أن يدخل فيها علماء الكلام بخلافاتهم وتأويلاتهم كانت قضية أيسر ما تكون على العقول والأفهام تكاد تجمع عليها الفطر السليمة ولا تختلف فيها. والغريب أن هذا الخلاف على اتساعه وتشعبه يكاد لا يمس من جوهر القضية شيئاً، هذا إذا استبعد منه الجانب المريب الذى دخل عن قصد أو عن جهل. من أجل هذا كله أسوق تعقيبى هذا، فأقول: لقد كان للعربى ساكن الصحراء دينه الذى أملاه عليه حذقه ودهاؤه رغم بدائيته، فلقد عبد أرباباً لا حصر لها من النجوم والكواكب، كما كان يعبد أصناماً من الحجر، وكان ضالاً بين هذه كلها لا يعرف إلى أيها يفزع مع الملمات، ولم يكن يؤمن بالأبدية ولا بحياة بعد الموت، غير أنا وجدنا من هؤلاء البدو من كان له شبه إيمان بتلك الحياة الآخرة، وهؤلاء هم الذين تحدثنا عنهم الأخبار بأنهم كانوا يربطون جمالهم إلى جوار قبورهم ولا يقدم لها طعام ولا شراب إلى أن تلحق بهم لتكون مطاياهم إلى دار الخلود. وكانت مكة محط عبادة الأصنام، وكانت فيها حول الكعبة قبل الإسلام جملة من الأصنام تمثل معبودات أولئك البدو، منها: اللات، والعزى، ومناة. وما من شك فى أن عبادة الأصنام كانت قديمة فى الجزيرة العربية، فلقد ذكر هيرودوت "اللات" وقال: إنها من أكبر أرباب العرب. وفى ظل هذه البلبلة الدينية التى فرقت الناس شيعاً لكل معبودهم، كانت ثمة نفرة من هذا الهراء وكان ثمة نفر

стр. 1129

أخذوا يتطلعون إلى منقذ يأخذ بأيديهم من هذا الضلال، ولم يكن الأمر أمر منقذ غير مؤيد من الله، فلقد كان فى الجزيرة قبيل الدعوة الإسلامية بقليل بعض المتألهين الذين لم يقروا للأصنام بعبادة، مثل: ورقة بن نوفل، وعبيد الله ابن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد ابن عمرو بن نفيل، ولكنهم لم يبلغوا أن يأخذوا بيد الناس لينقذوهم من الضلال إلى الهدى، وليجمعوهم حول كلمة التوحيد، لأن الأمر كما قلت لك كان يقتضى غيرهم ممن تؤيده السماء. ولقد تولت السماء محمداً ﷺ واختارته ليكون صاحب هذه الدعوة، وليكون نبى هذه الأمة، ليجمعهم على إله واحد، هو الله تعالى. قال أبو الهيثم، وقد سئل عن اشتقاق اسم الله تعالى لغة: كان حقه إلاه، أدخلت الألف واللام تعريفاً، فقيل الإلاه، ثم حذفت العرب الهمزة استثقالا لها، فلما تركوا الهمزة حولوا كسرتها فى اللام، التى هى لام التعريف، وذهبت الهمزة أصلاً فقالوا: أللاه، فحركوا لام التعريف التى لا تكون إلا ساكنة، ثم التقت لامتان متحركتان، فأدغموا الأولى فى الثانية فقالوا: الله. والجذم "أل هـ" قديم فى العربية، ولا يمنع هذا القدم من أن تكون ثمة مشاركة ومشاكلة بينه وبين نظائر له فى اللغات الشقيقة كالعبرية والسريانية أو الآرامية، وكما استخدم هذا الجذم فى العربية كان مستخدماً فى اللغات الشقيقة. ومن ثم كان فى العربية كلمة إله، وكانت تعنى قبل الإسلام ما كان يعبده العرب من أصنام وغيرها، ويقابله فى العبرية ألوهيم. أما لفظ "الله" فالذى لا شك فيه أنه لم يكن شائعاً على الألسنة قبل الإسلام شيوع لفظ إله، وأكثر ما ورد منه من ذلك كان على ألسنة المتألهين من الشعراء أمثال أمية بن أبى الصلت، من ذلك قوله: الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبحنا ربى ومسانا وقوله: هو الله بارئ الخلق والخلق كلهم ... إماء له طوعا جميعاً أعبد وقوله: أرسل الله بعد ذاك عذاباً ... جعل الأرض سفلها أعلاها وعلى ألسنة نفر غيرهم، من ذلك قولهم فى الإعجاب: لله درك، وقولهم

стр. 1130

فى القسم: ايم الله، وايمن الله؛ ثم قولهم فى الدعاء: اللهم، ثم قولهم ألاه، يريدون الله، وقد تأولوا هذا الحذف بأنه جاء من توهم أن الألف واللام لما كانت للتعريف جاز حذفها، فكانت منها هذه الصورة: لاه، ثم قالوا: لاهم، كما قالوا: لاه أبوك: وحين احتضن الإسلام هذا اللفظ، خص به ذلك المعبود بحق، وأصبح لفظاً قرآنياً لله تعالى وحده، حين تكون ثمة إشارة إلى الآلهة المعبودة دونه، فجعلت لها لفظ إلاه أو آلهة وخصته تعالى بهذا الاسم، من ذلك قوله تعالى ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقوله تعالى ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾. والقرآن الكريم، إذا ذَكر "إله" -وهو يريده تعالى - ذكره مع قرينة، نحو قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ أما إذا جمع كانت هذه التفرقة من إطلاق إله وآلهة على تلك المعبودات التى تعبد من دونه وإفراده تعالى بلفظ الله. فلفظ "الله" على أية حال لفظ استصفاه القرآن الكريم، وكان لفظاً قرآنياً لذلك المعبود بحق الذى لا إله غيره. والإِسلام قد جلّى هذا المعبود بحق وعرف به تعريفاً شاملاً لا يليق بغيره، ولا يشاركه فى غيره، تعريفاً لا بلبلة فيه ولا غموض، تعريفاً يتفق والفطر السليمة، وهذا الجلاء تجمعه أحكام أملاها القرآن الكريم، وتصدى للتدليل عليها الصفوة من علماء الكلام، وهى: ١ - وجوده تعالى: وإن الذى لا يشك فى أصل الوجود يعلم أن كل موجود إما متحيز وإما غير متحيز، ثم إن كل متحيز إن لم يكن فيه ائتلاف فهو جوهر فرد، وإن ائتلف مع غيره سمى جسماً، وإن غير المتحيز إما أن يستدعى وجوده جسماً يقوم به، وهى الأعراض؛ أو لا يستدعى جسماً يقوم به، وهو الله تعالى. فالله موجود، والعالم موجود به وبقدرته، وهذا مدرك بالدليل لا بالحس. والدليل إلى هذا أن كل حادث فلحدوثه سبب، والعالم حادث، فلزم أن يكون له سبب. ونعنى بالحادث ما كان معدوماً ثم صار موجوداً. ووجود هذا الحادث قبل أن وجد قد يكون محالاً أو ممكناً، وباطل أن يكون محالاً، لأن المحال لا يوجد قط، ولسنا نعنى بالممكن غير ما يجوز أن يوجد

стр. 1131

ويجوز ألا يوجد، ولكنه لم يكن موجوداً، لأنه ليس يجب وجوبه لذاته، إذ لو وُجد وجوده لذاته لكان واجباً لا ممكناً، بل إنه قد افتقر وجوده إلى مرجح لوجوده على العدم حتى يتبدل العدم وجوداً. ثم إن كل جسم أو متحيز لا يخلو عن الحوادث، لأنه لا يخلو عن الحركة والسكون، وهما حادثان. ٢ - قدمه تعالى: فهو سبب لهذا العالم، وإن لم يكن قديماً لكان حادثاً، ولو كان حادثاً لافتقر إلى سبب آخر، وكذلك السبب الآخر، ويتسلسل إما إلى غير نهاية وهو محال، وإما أن ينتهى إلى قديم لا محالة يقف عنده، وهو الذى نطلبه ونسميه خالق العالم. ونعنى بقول قديم أن وجوده غير مسبوق بعدم ولفظ القديم لا يحمل إلا إثبات موجود ونفى عدم سابق. ثم إن القدم ليس معنى زائداً على الذات، وإلا لزم من ذلك أن يكون تعالى قديماً بقدم زائد عليه، فيتسلسل القول إلى ما لا نهاية. باق: فإن ما ثبت قدمه استحال عدمه. لأنه لو انعدم لافتقر عدمه إلى سبب. وكما يفتقر تبدل العدم بالوجود إلى مرجح للوجود على العدم، فكذلك يفتقر تبدل الوجود بالعدم إلى مرجح للعدم على الوجود، وذلك المرجح إما فاعل بعدم القدرة أو ضد أو انقطاع شرط من شروط الوجود، ومحال أن يحال على القدرة، إذ لوجود شئ ثابت يجوز أن يصدر عن القدرة، فيكون القادر باستعماله فعل شيئاً والعدم ليس بشئ، فيستحيل أن يكون فعلاً واقعاً بأثر القدرة، فقد يقال: فاعل العدم هل فعل شيئاً؟ فإن قيل: نعم، كان محالاً، لأن النفى ليس بشئ. وباطل أن يقال: إنه بعدمه ضد، لأن الضد إن فرض حادثاً اندفع وجوده بمضاده القديم، وكان ذلك أولى من أن ينقطع به وجوده القديم. ومحال أن يكون له ضد قديم كان موجوداً معه فى القدم ولم يعدمه، وقد أعدمه الآن، وباطل أن يقال: انعدم لانعدام شرط وجوده، فإن الشرط إن كان حادثاً استحال أن يكون وجود القديم مشروطاً بحادث، وإن كان قديماً

стр. 1132

فالكلام فى استحالة عدم الشرط كالكلام فى استحالة عدم المشروط، فلا يتصور عدمه. ليس بجوهر متحيز، لأنه قد ثبت قدمه، ولو كان متحيزاً لكان لا يخلو عن الحركة فى حيزه أو السكون فيه، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. ليس بجسم، لأن كل جسم فهو متألف من جوهرين متحيزين، وإذا استحال أن يكون جوهراً استحال أن يكون جسماً. ليس بعرض، إذ العرض ما يستدعى وجوده ذاتاً تقوم به، وذلك الذات اسم أو جوهر، ومهما كان الجسم واجب الحدوث كان الحال فيه حادثاً أيضاً لا محالة، إذ يبطل انتقال الأغراض، وصانع العالم قديم فلا يمكن أن يكون عرضاً. ليس فى جهة مخصوصة من الجهات الست. فالجهات تستحيل على غير الجواهر والأغراض، إذ الحيز معقول وهو الذى يختص الجوهرية، ولكن الحيز إنما يصير جهة إذا أضيف إلى شئ آخر متحيز. والجهات الست: فوق وأسفل وقدام وخلف ويمين وشمال، فمعنى كون الشئ فوقنا هو أنه فى حيز يلى جانب الرأس، ومعنى كونه تحت أنه فى حيز يلى جانب الرجل وكذا سائر الجهات، فكل ما قيل فيه إنه فى جهة فقد قيل إنه فى حيز مع زيادة إضافة. منزه عن أن يوصف بالاستقرار على العرش، فإن كل متمكن على جسم ومستقر عليه مقدر لا محالة، فإنه إما أن يكون أكبر منه أو أصغر أو مساوياً، وكل ذلك لا يخلو عن التقدير، وأنه لو جاز أن يماسه جسم من هذه الجهة لجاز أن يماسه من سائر الجهات، فيصير محاطاً به، ثم إنه لا يستقر على الجسم إلا جسم ولا يحل فيه إلا عرض، والله تعالى ليس بجسم ولا عرض. ويقول مالك بن أنس، وقد سئل عن معنى قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب. والاستواء فى الآية فهو نسبته للعرش لا محالة ولا يمكن أن يكون

стр. 1133

للعرش إليه نسبة إلا بكونه معلوماً أو مراداً، أو مقدوراً عليه، أو محلاً مثل محل العرض، أو مكاناً مثل مستقر الجسم. ولكن بعض هذه النسبة يستحيل عقلاً وبعضها لا يصلح اللفظ للاستعارة به له، فإن كان فى جملة هذه النسبة -مع أنه لا نسبة سواها- نسبة لا يخيلها العقل ولا ينبو عنها اللفظ، فليعلم أنها المراد. أما كونه مكاناً أو محلاً كما كان للجوهر والعرض، فاللفظ يصلح له ولكن العقل يخيله كما سبق، وأما كونه معلوماً ومراداً، فالعقل لا يخيله ولكن اللفظ لا يصلح له، وأما كونه مقدوراً عليه وواقعاً فى قبضة القدرة ومسخراً له، مع أنه أعظم المقدورات ويصلح الاستيلاء عليه، لأنه يتمدح به وينبه به على غيره الذى هو دونه فى العظم، فهذا مما لا يخيله العقل ويصلح له اللفظ، فأخلق بأن يكون هو المراد قطعاً. أما صلاح اللفظ له فظاهر عند الخبير بلسان العرب. أنه تعالى مرئى: وهذا لوجوده ووجود ذاته، فليس ذلك إلا لذاته، فإنه ليس لعقله ولا لصفة من الصفات، بل كل موجود ذات، فواجب أن يكون مرئياً، كما واجب أن يكون معلوماً بالقوة لا بالفعل، أى هو من حيث ذاته مستعد لأن تتعلق الرؤية به، وأنه لا مانع ولا مخيل فى ذاته، فإن امتنع وجود الرؤية فالأمر خارج عن ذاته. والبارى سبحانه موجود وذات، وله ثبوت وحقيقة، وهو يخالف سائر الموجودات فى استحالة كونه حادثاً أو موصوفاً بما يدل على الحدوث، أو موصوفاً بصفة تناقض صفات الإلهية من العلم والقدرة وغيرهما، فكل ما يصح لموجود فهو يصح فى حقه تعالى، إن لم يدل على الحدوث ولم يناقض صفة من صفاته، والدليل عليه تعلق العلم به، فإنه لما لم يؤد إلى تغير ذاته ولا إلى مناقضة صفاته، ولا إلى الدلالة على الحدوث، سوى بينه وبين الأجسام والأعراض فى جواز تعلق العلم بذاته وصفاته، والرؤية نوع علم لا يوجب تعلقه بالمرئى تغير صفة، ولا يدل على حدوث، فوجب الحكم بها على كل موجود. فإن قيل: فكونه مرئياً يوجب كونه بجهة، وكونه بجهة يوجب كونه عرضاً

стр. 1134

أو جوهراً، وهو محال، ونظم القياس: أنه إن كان مرئياً فهو بجهة من الرأس، وهذا اللازم محال، فالمفضى إلى الرؤية محال. قيل: إن القول بأن كل مرئى فهو بجهة من الرأس، إما أن يكون بضرورة أو بنظر، ولا سبيل إلى دعوى الضرورة، وأما النظر فمنتهاهم أنه لم ير إلى الآن شئ إلا وكان بجهة من الرأس مخصوصة، ويقال: فما لم ير فلا يحكم باستحالته، ولو جاز هذا لجاز للمجسِّم أن يقول: إن الله تعالى جسم، لأنه فاعل، وإننا لم نر إلى الآن فاعلاً إلا جسما. ويجب ألا تحمل الرؤية على أنها حالة تساوى الحالة التى يدركها الرائى عند النظر إلى الأجسام والألوان، ولكن الواجب أن نحصل معنى هذا اللفظ فى الموضع المتفق، وأن نحذف منه ما يستحيل فى حق الله : والحاصل: أن الرؤية تدل على معنى له محل وهو العين، وله متعلق وهو اللون والقدر والجسم. أما المحل فليس بركن فى صحة هذه التسمية، فإن الحالة التى ندركها بالعين من المرئى لو أدركناها بالقلب أو بالجهة مثلاً لأمكننا أن نقول: قد رأينا الشئ وأبصرناه وصدق كلامنا، فإن العين محل وآلة لا تراد لعينها بل لتحل فيه هذه الحالة، فحيث حلت الحالة تمت الحقيقة وصح الاسم. ولنا أن نقول: علمنا بقلبنا أو بدماغنا، إن أدركنا الشئ بالقلب أو بالدماغ. وأما المتعلق بعينه فليس ركنا فى إطلاق هذا الاسم، وثبوت هذه الحقيقة، فإن الرؤية لو كانت رؤية لتعلقها بالسواد لما كان المتعلق بالبياض رؤية، ولو كان لتعلقها باللون لما كان المتعلق بالحركة رؤية، ولو كان تعلقها بالعرض لما كان المتعلق بالجسم رؤية، فدل أن خصوص صفات المتعلق ليس ركناً لوجود هذه الحقيقة وإطلاق هذا الاسم، بل الركن فيه من حيث إنه صفة متعلقة أن يكون لها متعلق موجود أى موجود كان، وأى ذات كان. فإذن الركن الذى الاسم مطلق عليه هو الأمر الثالث

стр. 1135

وهو حقيقة المعنى من غير التفات إلى محله ومتعلقه. وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ إنما هو دليل على عدم معرفة موسى ﵇ الله لوقوع وقت ما هو جائز فى نفسه، والأنبياء ﵈ لا يعرفون من الغيب إلا ما عرفوا. وقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، أى لا تحيط به ولا تكتنفه من جوانبه كما تحيط الرؤية بالأجسام. أنه تعالى واحد، وكونه تعالى واحداً يرجع إلى ثبوت ذاته ونفى غيره. والواحد قد يطلب ويراد به أنه لا يقبل القسمة؛ أى لا كمية له ولا جزء ولا مقدار، والبارى تعالى واحد بمعنى سلب الكمية المصححة للقسمة عنه، فإنه غير قابل للانقسام إذ الانقسام لما له كمية، والتقسيم تصرف فى كمية بالتفريق والتصغير، وما لا كمية له لا يتصور انقسامه. وقد يطلق ويراد أنه لا نظير له فى رتبته، فهو تعالى لا ند له، فأما أنه لا ضد له فظاهر إذ المفهوم من الضد هو الذى يتعاقب مع الشئ على محل واحد، ولا تجامع، وما لا محل له فلا ضد له، والبارى سبحانه لا محل له فلا ضد له. ومعنى أنه لا ند له تعالى أن ما سواه هو خالقه لا غير، إذ لو قدر له شريك لكان مثله فى كل الوجوه أو أرفع منه أو كان دونه، وكل ذلك محال، فالمفضى إليه محال. ووجه استحالة كونه مثله من كل وجه أن كل اثنين هما متغايران، فإن لم يكن تغاير لم تكن الاثنينية معقولة، فإنا لا نعقل سواءين إلا فى محلين أو فى محل واحد فى وقتين، فيكون أحدهما مفارقاً للآخر ومبايناً له ومغايراً، إما فى المحل وإما فى الوقت. والشيئان تارة يتغايران بتغاير الحد والحقيقة، كتغاير الحركة واللون، فإنهما وإن اجتمعا فى محل واحد فى وقت واحد فهما اثنان، إذ أحدهما مغاير للآخر بحقيقته، فإن استوى اثنان فى الحقيقة والحد، كالسواءين فيكون الفرق بينهما إما فى المحل أو فى الزمان، فإن فرض سواءان مثلاً فى جوهر واحد فى محال واحدة كان محالاً، إذ لم تعرف

стр. 1136

الاثنينية، ولو جاز أن يقال هما اثنان ولا مغايرة لجاز أن يشار إلى إنسان واحد ويقال إنه إنسانان بل عشرة، وكلها متساوية متماثلة فى الصفة والمكان وجميع العوارض واللوازم من غير فرق، وذلك محال بالضرورة. فإن كان ند لله سبحانه مساويًا له فى الحقيقة والصفات استحال وجوده، إذ ليس مغايره بالمكان، إذ لا مكان ولا زمان، فإنهما قديمان وإن ارتفع كل فرق ارتفع العدد بالضرورة ولزمت الوحدة، ومحال أن يقال: يخالفه بكونه أرفع منه، فإن الأرفع هو الإله، والإله عبارة عن أجلّ الموجودات وأرفعها، والآخر المقدر ناقص ليس بالإله. وإن كان أدنى منه كان محالًا، لأنه ناقص. فلا يتصور اثنان متساويان فى صفات الجلال إذ يرتفع عند ذلك الافتراق ويبطل العدد. أنه تعالى قادر، إذ كل فعل محكم فهو صادر من فاعل قادر، والعالم محكم فهو إذن صادر من فاعل قادر. أنه تعالى عالم، يعلم جميع الموجودات والمعدومات. والموجودات منقسمة إلى قديم وحادث، والقديم ذاته وصفاته. ومن علم غيره فهو بذاته وصفاته أعلم، فيجب ضرورة أن يكون بذاته عالمًا وصفاته، إن ثبت أنه عالم بغيره، ومعلوم أنه عالم بغيره لأن ما ينطلق عليه اسم الغير فهو صنعه المتقن وفعله المحكم المرتب، وذلك يدل على قدرته على ما سبق. وأنه تعالى حى، وكون العالم القادر حياً ضرورى، ولا يعنى بالحى إلا ما يشعر بنفسه ويعلم ذاته وغيره، ثم كيف لا يكون العالم بجميع المعلومات القادر على جميع المقدورات حيًا؟ أنه تعالى مريد لأفعاله، وبرهان ذلك أن الفعل الصادر منه مختص بضروب من الجواز لا يتميز بعضها عن البعض إلا بمرجح، ولا تكفى ذاته للترجيح، لأن نسبة الذات إلى الضدين واحدة فما الذى خصص أحد الضدين بالوقوع فى حال دون حال، وكذلك القدرة لا تكفى فيه، إذ نسبة القدرة إلى الضدين واحدة، وكذلك العلم لا يكفى، لأن العلم يتبع المعلوم ويتعلق به على ما هو عليه، ولا يؤثر فيه ولا يغيره.

стр. 1137

فإن كان الشئ ممكناً فى نفسه مساوياً للممكن الآخر الذى فى مقابلته، فالعلم يتعلق به على ما هو عليه، ولا يجعل أحد الممكنين مرجحاً على الآخر، بل يعقل الممكنين ويعقل تساويهما. والله تعالى يعلم أن وجود العالم فى الوقت الذى وجد فيه كان ممكناً وأن وجوده بعد ذلك وقبل ذلك كان مساوياً له فى الإمكان، لأن هذه الإمكانات متساوية، فمن العلم أن يتعلق بها كما هو عليه، فإن اقتضت صفة الإرادة وقوعه فى وقت معين تعلق العلم بتعيين وجوده فى ذلك الوقت لعلة تعلق الإرادة به، فتكون الإرادة للتعيين علة، ويكون العلم متعلقاً به تابعاً غير مؤثر فيه، ولو جاز أن يكتفى بالعلم عن الإرادة لاكتفى به عن القدرة، بل كان ذلك يكفى فى وجود أفعالنا حتى لا نحتاج إلى الإرادة، إذ يترجح أحد الجانبين بتعلق علم الله به، وكل ذلك محال. وقد يقال: إن القدرة كما لا تناسب أحد الضدين فالإرادة القديمة أيضاً لا تتعين لأحد الضدين، فاختصاصها بأحد الضدين ينبغى أن يكون بمخصص، ويتسلسل ذلك إلى غير نهاية، إذ يقال الذات لا تكفى للحدوث، إذ لو حدث من الذات لكان مع الذات غير متأخر، فلا بد من القدرة، والقدرة لا تكفى، إذ لو كان للقدرة لما اختص بهذا الوقت وما قبله وما بعده فى النسبة إلى جواز تعلق القدرة بها على وتيرة، فالذى يخصص هذا الوقت هو الإرادة. وقد يقال: إن الإرادة لا تكفى، فإن الإرادة القديمة عامة التعلق كالقدرة، فنسبتها إلى الأوقات واحدة، ونسبتها إلى الضدين واحدة، فإن توقع الحركة مثلاً يدل على السكون، لأن الإرادة تعلقت بالحركة لا بالسكون. فإن قيل: وهل كان يمكن أن تتعلق بالسكون؟ فإن قيل: لا، فهو محال، وإن قيل: نعم، فهما متساويان، أعنى الحركة والسكون فى مناسبة الإرادة القديمة، فما الذى أوجب تخصيص الإرادة القديمة بالحركة دون السكون؟ فيحتاج إلى مخصص، ثم يلزم السؤال فى مخصص المخصص، ويتسلسل إلى غير نهاية. ويتفرع على هذا أقوال أربعة:

стр. 1138

فقائل يقول إن العالم وجد لذات الله ، وأنه ليس للذات صفة زائدة البتة. ولما كانت الذات قديمة كان العالم قديماً، وكانت نسبة العالم إليه كنسبة المعلول إلى العلة، وهذا قول الفلاسفة. وقائل يقول إن العالم حادث، ولكن حدث فى الوقت الذى حدث فيه لا قبله ولا بعده، لإرادة حادثة حدثت له لا فى محل، فاقتضت حدوث العالم، وهذا قول المعتزلة. وقائل يقول: حدث بإرادة حادثة حدثت فى ذاته، وهذا قول يقول بكونه محلا للحوادث. وقائل يقول: حدث العالم فى الوقت الذى تعلقت الإرادة القديمة بحدوثه فى ذلك الوقت، من غير حدوث إرادة ومن غير تغير صفة القديم، وهو قول أهل الحق. فأما من يقول بقدم العالم فهذا محال، لأن الفعل يستحيل أن يكون قديماً، إذ معنى كونه فعلًا أنه لم يكن ثم كان، فإن كان موجوداً مع الله أبداً فكيف يكون فعلًا؟ بل يلزم من ذلك دورات لانهاية لها، وهو محال. وأما من يقول بقول المعتزلة فقد جعل البارئ تعالى مريداً بإرادة حادثة لا فى محل، وهذا باطل، ثم كيف أن الإرادة حدثت فى هذا الوقت على الخصوص؟ فإن كانت بإرادة أخرى فالسؤال فى الإرادة الأخرى لازم وبتسلسل إلى غير نهاية، وإن كان لا بإرادة فليحدث العالم فى هذا الوقت على الخصوص لا بإرادة، فإن افتقار الحادث إلى الإرادة لجوازه لا لكونه جسماً أو إسماً أو إرادة أو علماً، والحادثات فى هذا متساوية. وأما من يقول بحدوث الإرادة فى ذاته تعالى لا متعلقة بذلك الحادث، فقد جعلوا الله تعالى مريداً بإرادة فى غير ذاته كما جعلوه تعالى محلا للحوادث، وهذا يوجب حدوثه. والقائل بقول أهل الحق يعنى أن الحادثات تحدث بإرادة قديمة تعلقت بها فميزتها عن أضدادها المماثلة لها. أنه تعالى سميع بصير، وهذا ثابت شرعاً وعقلاً. أما شرعاً فالآيات القرآنية

стр. 1139

الدالة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ولا يصح أن يقال: إنما أريد العلم لأن فى هذا صرفاً لألفاظ الشارع عن موضوعاتها المفهومة السابقة إلى الأفهام، إذ كان يستحيل تقديرها على الموضوع، ولا استحالة فى كونه سميعاً بصيراً، بل يجب أن يكون كذلك. وقد يقال: إن وجه استحالته أنه إن كان سمعه وبصره حادثين كان محلاً للحوادث، وهو محال، وإن كانا قديمين فكيف يسمع صوتاً معدوماً وكيف يرى العالم فى الأزل، والعالم معدوم، والمعدوم لا يرى؟ قيل: فالله يعلم الآن أن العالم كان موجوداً قبل هذا، فكيف علم فى الأزل أنه يكون موجوداً، وهو بعد لم يكن موجوداً؟ فإن جاز إثبات صفة تكون عند وجود العالم، علماً بأنه كائن، وفعله بأنه سيكون، وبعده بأنه كان، وقبله بأنه سيكون، وهو لايتغير عبر عنه بالعلم والعلمية، جاز ذلك فى السمع والسمعية والبصر والبصرية. وأما عقلا، فمن المعلوم أن الخالق أكمل من المخلوق، ومعلوم أن البصير أكمل ممن لا يبصر، والسميع أكمل ممن لا يسمع، فيستحيل أن نثبت وصف الكمال للمخلوق ولا نثبته للخالق. ولا يلزم عن هذا الإدراك الحاصل بالشم والذوق واللمس، على أن فقدها نقصان ووجودها كمال فى الإدراك، والمحققون يصرحون بإثبات أنواع الإدراكات مع السمع والبصر والعلم، الذى هو كمال فى الإدراك، دون الأسباب التى هى مقترنة بها فى العادة من المماسة والملاقاة، فإن ذلك محال على الله تعالى. وأنه تعالى متكلم، وعلى هذا إجماع المسلمين. وبرهانه أن الإنسان يسمى متكلماً باعتبارين أحدهما بالصوت والحرف، والآخر بكلام النفس الذى ليس بصوت وحرف، وذلك كمال، وهو فى حق الله تعالى غير محال، ولا هو دال على الحدوث، فكلام الله تعالى صفة قديمة قائمة بذاته.

стр. 1140

ثم إن هذه الصفات السبع، وهى القدرة، والعلم، والحياة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، ليست هى الذات، بل هى زائدة على الذات، فصانع العالم تعالى عالم بعلم، وحى بحياة، وقادر بقدرة، وهكذا فىِ جميع الصفات. والأسامى التى تسمى بها الله تعالى أربعة: الأول: ما لا يدل إلا على ذاته، كالموجود، وهذا صادق أزلا وأبداً. الثانى: ما يدل على الذات مع زيادة سلب، كالقديم، فإنه يدل على وجود غير مسبوق بعدم أزلا، والباقى، فإنه يدل على الوجود وسلب العدم عنه آخراً؛ وكالواحد، فإنه يدل على الوجود وسلب الشريك، وكالغنى، فإنه يدل على الوجود وسلب الحاجة، وهذا أيضاً يصدق أزلا وأبدا، لأن ما يسلب عنه يسلب لذاته فيلازم الذات على الدوام. الثالث: ما يدل على الوجود وصفة زائدة من صفات المعنى، كالحى والقادر والمتكلم والمريد والسميع والبصير والعالم، وما يرجع إلى هذه الصفات السبع، كالآمر والناهى والخبير ونظائره، فذلك أيضاً يصدق عليه أزلا وأبداً. الرابع: ما يدل على الوجود مع إضافة إلى فعل من أفعاله كالجواد والرازق والخالق والمعز والمذل وأمثاله. * * * وللإمام محمد عبده فى الصفات: إذا قدرنا عقل البشر قدره وجدنا غاية ما ينتهى إليه كماله إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التى تقع تحت الإدراك الإنسانى حسًا كان أو وجداناً أو تعقلا، ثم التوصل بذلك إلى معرفة مناشئها وتحصيل كليات لأنواعها والإحاطة ببعض القواعد لعروض ما يعرض لها، أما الوصول إلى كنه حقيقة ما فمما لا تبلغه قوته لأن اكتناه المركبات إنما هو باكتناه ما تركبت منه وذلك ينتهى إلى البسيط الصرف وهو لا سبيل إلى اكتناهه بالضرورة وغاية ما يمكن عرفانه منه هو عوارضه وآثاره. خذ أظهر الأشياء وأجلاها كالضوء، قرر الناظرون فيه له أحكاماً كثيرة فصّلوها فى علم خاص به ولكن لم يستطع ناظر أن يفهم ما هو

стр. 1141

ولا أن يكتنه معنى الإضاءة نفسه، وإنما يعرف من ذلك ما يعرفه كل بصير له عينان وعلى هذا القياس. ثم إن الله لم يجعل للإنسان حاجة تدعو إلى اكتناه شئ من الكائنات وإنما حاجته إلى معرفة العوارض والخواص ولذة عقله إن كان سليما إنما هى تحقيق نسبة تلك الخواص إلى ما اختصت به وإدراك القواعد التى قامت عليها تلك النسب، فالاشتغال بالاكتناه إضاعة للوقت وصرف للقوة إلى غير ما سبقت إليه. اشتغل الإنسان بتحصيل العلم بأقرب الأشياء إليه وهى نفسه، أراد أن يعرف بعض عوارضها وهل هى عرض أو جوهر؟ هل هى قبل الجسم أو بعده؟ هل هى فيه أو مجردة عنه؟ كل هذه صفات لم يصل العقل إلى إثبات شئ منها يمكن الاتفاق عليه وإنما مبلغ جهده أنه عرف أنه موجود حى له شعور وإرادة، وكل ما أحاط به بعد ذلك من الحقائق الثابتة فهو راجع إلى تلك العوارض التى وصل إليها ببديهته. أما كُنه شئ من ذلك -بل وكيفية اتصافه ببعض صفاته- فهو مجهول عنده ولا يجد سبيلا للعلم به. هذا حال العقل الإنسانى مع ما يساويه فى الوجود أو ينحط عنه، بل وكذلك شأنه فيما يظن من الأفعال أنه صادر عنه كالفكر وارتباطه بالحركة والنطق، فما يكون من أمره بالنسبة إلى ذلك الوجود الأعلى؟ ماذا يكون اندهاشه بل انقطاعه إذا وجه نظره إلى ما لا يتناهى من الوجود الأزلى الأبدى؟ النظر فى الخلق يهدى بالضرورة إلى المنافع الدنيوية ويضئ للنفس طريقها إلى معرفة مَن هذه آثاره وعليها تجلت أنواره وإلى اتصافه بما لولاه لما صدرت عنه هذه الآثار على ما هى عليه من النظام. وتخالف الأنظار فى الكون إنما هو من تصارع الحق والباطل، ولابد أن يظفر الحق ويعلو على الباطل بتعاون الأفكار أو صولة القوى منها على الضعيف. أما الفكر فى ذات الخالق فهو طلب للاكتناه من جهة وهو ممتنع على العقل البشرى لما علمت من انقطاع النسبة بين الوجودين ولاستحالة التركب فى ذاته وتطاول إلى ما لا تبلغه القوة البشرية من جهة أخرى فهو عبث ومهلكة، عبث لأنه سعى إلى مالا يدرك، ومهلكة لأنه يؤدى

стр. 1142

إلى الخبط فى الاعتقاد لأنه تحديد لما لا يجوز تحديده وحصر لما لا يصح حصره. لا ريب أن هذا الحديث وما أتينا عليه من البيان كما يأتى فى الذات من حيث هى يأتى فيها مع صفاتها فالنهى واستحالة الوصول إلى الاكتناه شاملان لها فيكفينا من العلم بها أن نعلم أنه متصف بها. أما ما وراء ذلك فهو مما يستأثر هو بعلمه ولايمكن لعقولنا أن تصل إليه، ولهذا لم يأت الكتاب العزيز وماسبقه من الكتب إلا بتوجيه النظر إلى المصنوع لينفذ منه إلى معرفة وجود الصانع وصفاته الكمالية، أما كيفية الاتصاف فليس من شأننا أن نبحث فيها فالذى يوجبه علينا الإيمان هو أن نعلم أنه موجود لا يشبه الكائنات، أزلى، أبدى، حى، عالم، مريد، قادر، منفرد فى وجوب وجوده وفى كمال صفاته وفى صنع خلقه، وأنه متكلم، سميع، بصير وما يتبع ذلك من الصفات التى جاء الشرع بإطلاق أسمائها عليه. أما كون الصفات زائدة على الذات، وكون الكلام صفة غير ما اشتمل عليه العلم من معانى الكتب السماوية، وكون السمع والبصر غير العلم بالمسموعات والمبصرات ونحو ذلك من الشؤون التى اختلف عليها النظار وتفرقت فيها المذاهب فمما لا يجوز الخوض فيه إذ لا يمكن لعقول البشر أن تصل إليه، والاستدلال على شئ منه بالألفاظ الواردة ضعف فى العقل وتغرير بالشرع لأن استعمال اللغة لا ينحصر فى الحقيقة ولئن انحصر فوضع اللغة لا تراعى فيه الوجودات بكنهها الحقيقى وإنما تلك مذاهب فلسفة إن لم يضل فيها أمثلهم فلم يهتد فيها فريق إلى مقنع، فما علينا إلا الوقوف عند ما تبلغه عقولنا وأن نسأل الله أن يغفر لمن آمن به وبما جاء به رسله ﵈ ممن تقدمنا. * * أما عن أفعاله تعالى، فقد أجملها الغزالى فى كتابه "الإحياء" فى أصول، وإليك موجز ما قال: الأصل الأول: العلم بأن كل حادث فى العالم فهو فعله وخلقه واختراعه، لا خالق له سواه ولا محدث له إلا إياه، خلق الخلق وصنعهم، وأوجد قدرتهم وحركتهم، فجميع أفعال عباده مخلوقة له ومتعلقة بقدرته.

стр. 1143

الأصل الثانى: أن انفراد الله سبحانه باختراع حركات العباد لا يخرجها عن كونها مقدورة للعباد على سبيل الاكتساب، بل الله تعالى خلق القدرة والمقدور جميعاً، وخلق الاختيار والمختار جميعاً. فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب سبحانه وليست بكسب له. وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له، فإنها خلقت مقدورة مقدرة هى وصفه، وكانت للحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة، فتسمى باعتبار تلك النسبة كسباً، وكيف تكون جبرا محضاً وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة والدعوة الضرورية؟ أو كيف يكون خلقاً للعبد وهو لا يحيط علماً بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وأعدادها؟ وإذا بطل الطرفان لم يبق إلا الاقتصاد فى الاعتقاد، وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً، وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه بالاكتساب. وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع فقط، إذ قدرة الله تعالى فى الأزل قد كانت متعلقة بالعالم ولم يكن الاختراع حاصلاً بها، وهى عند الاختراع متعلقة به نوعاً آخر من التعلق، فيه يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصاً بحصول المقدور بها. الأصل الثالث: أن فعل العبد وإن كان كسباً للعبد فلا يخرج عن كونه مراداً لله سبحانه، فلا يجرى فى الملك والملكوت طرفة عين ولا لفتة خاطر ولا فلتة ناظر إلا بقضاء الله وقدرته، وبإرادته ومشيئته، ومنه الخير والشر، والنفع والضر، والإسلام والكفر، والعرفان والنكر، والفوز والخسران، والرشد والغواية، والطاعة والعصيان، والإيمان والشرك، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. ويدل عليه من جهة النقل قول الأمة قاطبة. ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ وقول الله ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾. ويدل عليه من جهة العقل أن المعاصى والجرائم إن كان الله يكرهها ولا يريدها، وإنما هى جارية على وفق إرادة العدو إبليس، لعنه الله، مع أنه عدو لله سبحانه، والجارى على وفق إرادة

стр. 1144

العدو أكثر من الجارى على وفق إرادته تعالى، فليت شعرى كيف يستجيز المسلم أن يرد ملك الجبار ذى الجلال والإكرام إلى رتبة لو ردت إليها رياسة زعيم ضيعة لا ستنكف منها. والمعصية هى الغالبة على الخلق، وكل ذلك جار عند المبتدعة على خلاف إرادة الحق تعالى، وهذا غاية الضعف والعجز، تعالى رب الأرباب عن هذا علواً كبيراً. ثم مهما ظهر أن أفعال العباد مخلوقة له صح أنها مرادة له. فإن قيل: فكيف ينهى عما يريد ويأمر بما لا يريد؟ قلت: الأمر غير الإرادة، إذ يصح لك أن تأمر مولى لك لا يريد امتثال أمرك لتثبت عذرك لدى السلطان عن ضربك إياه على مخالفته لك. ولولا هذا الأمر لدى السلطان لم يكن العذر ممهدا، ولو كنت مريداً لامتثاله لكنت مريداً لهلاك نفسك، وهذا محال. الأصل الرابع: أن الله تعالى متفضل بالخلق والاختراع، ومتطول بتكليف العباد ولم يكن الخلق والتكليف واجباً عليه؛ ولا يقال: وجب عليه ذلك لما فيه من مصلحة العباد، فهو محال، إذ هو الموجب والآمر والناهى. وكيف يتهدف لإيجاب أو يتعرض للزوم وخطاب. والمراد بالواجب أحد أمرين: إما الفعل الذى فى تركه ضرر، إما آجل أو عاجل. وإما أن يراد به الذى عدمه إلى محال، كما يقال: وجود المعلوم واجب، إذ عدمه يؤدى إلى محال، وهو أن يصير العلم جهلاً. فإن أريد بأن الخلق واجب على الله بالمعنى الأول فقد عرضه للضرر، وإن أريد به المعنى الثانى فهو التسليم، إذ بعد سبق العلم لابد من وجود المعلوم، وإن أريد به معنى ثالث، فهذا مالا يفهم. الأصل الخامس: أنه يجوز على الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه، ولو لم يجز ذلك لاستحال سؤال دفعه، وقد سألوا ذلك فقالوا ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. الأصل السادس: أنه لله إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق، ومن غير ثواب لا حق، لأنه متصرف فى ملكه، ولا يتصور أن يعدو تصرفه ملكه، والظلم هو عبارة عن

стр. 1145

التصرف فى ملك الغير بغير إذنه، وهو محال على الله تعالى، فإنه لايصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً، ويدل على جواز ذلك وجوده، فإن ذبح البهائم إيلام لها. وما صب عليها من أنواع العذاب من جهة الآدميين لم تتقدمه جريمة. فإن قيل: إن الله تعالى يحشرها ويجازيها على قدر ما قاسته من الآلام، ويجب ذلك على الله سبحانه؛ قيل: من زعم أنه يجب على الله إحياء كل نملة وطئت حتى يثيبها على آلامها فقد خرج عن الشرع والعقل، إذ يقال: وصف الثواب والحشر بكونه واجباً عليه، إن كان المراد به أنه يتضرر بتركه فهو محال، وإن أريد به غيره فهو غير مفهوم إذ فيه خروج عن المعانى التى للواجب. الأصل السابع: أنه تعالى يفعل بعباده مايشاء، فلا تجب عليه رعاية الأصلح لعباده، إذ لا يجب عليه شئ سبحانه، بل لا يعقل فى حقه الوجوب، فإنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. الأصل الثامن: أن معرفة الله سبحانه واجبة بإيجاب الله تعالى وشرعه، لا بالعقل، لأن العقل وإن أوجب الطاعة فلا يخلو إما أن يوجبها لغير فائدة، وهو محال، فإن العقل لا يوجب العبث، وإما أن يوجبها لفائدة وغرض، ولذلك لا يخلو إما أن يرجع إلى المعبود، وذلك محال فى حقه تعالى، فإنه يتقدس عن الأغراض والفوائد، وإما أن يرجع ذلك إلى غرض العبد، وهو أيضاً محال، لأنه لا غرض له فى الحال، بل يتعب به وينصرف عن الشهوات بسببه، وليس فى المآل إلا الثواب والعقاب. ويقول الإمام محمد عبده: أفعال الله صادرة عن علمه وكل ما صدر عن علم وإرادة فهو عن الاختيار ولا شئ مما يصدر عن الاختيار بواجب على المختار لذاته، فلا شئ من أفعاله بواجب الصدور عنه لذاته، فجميع صفات الأفعال -من خلق ورزق وإعطاء ومنع وتعذيب وتنعيم- مما يثبت له تعالى بالإمكان الخاص. فلا يطوفن بعقل عاقل -بعد تسليم أنه فاعل عن علم وإرادة- أن يتوهم أن شيئاً من أفعاله واجب عنه لذاته كما هو الشأن فى لوازم الماهيات أو فى اتصاف الواجب بصفاته مثلاً فإن ذلك هو التناقض البديهى الاستحالة كما سبق الإشارة إليه:

стр. 1146

بقيت علينا جولة نظر فى تلك المقالات الحمقى التى اختبط فيها القوم اختباط إخوة تفرقت بهم الطرق فى السير إلى مقصد واحد حتى إذا التقوا فى غسق الليل صاح كل فريق بالآخر صيحة المستخبر، فظن كل أن الآخر عدو يريد مقارعته على مابيده فاستحر بينهم القتال ولازالوا يتجالدون حتى تساقط جلهم دون المطلب، ولما أسفر الصبح وتعارفت الوجوه رجع الرشد إلى من بقى وهم الناجون ولو تعارفوا من قبل لتعاونوا جميعاً على بلوغ ما أملوا ولوافتهم الغاية إخواناً بنور الحق مهتدين. نريد تلك المقالات المضطربة فى أنه يجب على الله رعاية المصلحة فى أفعاله وتحقيق وعيده فيمن تعدى حدوده من عبيده وما يتلو ذلك من وقوع أعماله تحت العلل والأغراض، فقد بالغ قوم فى الإيجاب حتى ظن الناظر فى مزاعمهم أنهم عدوه واحداً من المكلفين يفرض عليه أن يجهد للقيام بما عليه من الحقوق وتأدية مالزمه من الواجبات تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وغلا آخرون فى نفى التعليل عن أفعاله حتى خيل للممعن فى مقالاتهم أنهم لايرضونه إلا قلباً يبرم اليوم ما نقضه بالأمس، ويفعل غداً ما أخبر بنقيضه اليوم، أو غافلاً لا يشعر بما يستتبعه عمله سبحان ربك رب العزة عما يصفون وهو أحكم الحاكمين وأصدق القائلين، جبروت الله وطهارة دينه أعلى وأرفع من هذا كله. اتفق الجميع على أن أفعاله تعالى لا تخلو من حكمة وصرح الغلاة والمقصرون جميعاً بأنه تعالى منزه عن العبث فى أفعاله والكذب فى أقواله، ثم بعد هذا أخذوا يتنابزون بالألفاظ ويتمارون فى الأوضاع ولا يدرى إلى أى غاية يقصدون. فلنأخذ ما اتفقوا عليه ولنرد إلى حقيقة واحدة ما اختلفوا فيه حكمة كل عمل ما يترتب عليه مما يحفظ نظاماً أو يدفع فساداً -خاصاً كان أو عاماً- لو كشف للعقل من أى وجه لعقله وحكم بأن العمل لم يكن عبثاً ولعباً، ومن يزعم للحكمة معنى لا يرجع إلى هذا حاكمناه إلى أوضاع اللغة وبداهة العقل. لا يسمى ما يترتب على العمل حكمة ولا تتمثل عند العقل بمثالها إلا إذا كان ما يتبع العمل مراداً لفاعله بالفعل وإلا لعد النائم حكيماً فيما لو صدرت

стр. 1147

عنه حركة فى نومه قتلت عقرباً كاد يلسع طفلاً أو دفعت صبياً عن حفرة كاد يسقط فيها بل لوُسم بالحكمة كثير من العجماوات إذا استتبعت حركاتها بعض المنافع الخاصة أو العامة، والبداهة تأباه. من القواعد الصحيحة المسلمة عند جميع العقلاء أن أفعال العاقل تصان عن العبث ولا يريدون من العاقل إلا العالم بما يصدر عنه بإرادته ويريدون من صونها عن العبث أنها لاتصدر إلا لأمر يترتب عليها يكون غاية لها، وإن كان هذا فى العاقل الحادث فما ظنك بمصدر كل عقل ومنتهى الكمال فى العلم والحكم؟ هذه كلها مسلمات لا ينازع فيها أحد. صنع الله الذى أتقن كل شئ وأحسن خلقه مشحون بضروب الحكم، ففيه ماقامت به السماوات والأرض وما بينهما وحفظ به نظام الكون بأسره وما صانه عن الفساد الذى يفضى به إلى العدم، وفيه ما استقامت به مصلحة كل موجود على حدته خصوصاً ما هو من الموجودات الحية كالنبات والحيوان ولولا هذه البدائع من الحكم ما تيسر لنا الاستدلال على علمه. فهذه الحكم التى نعرفها الآن بوضع كل شئ فى موضعه وإيتاء كل محتاج ماله إليه الحاجة، إما أن تكون معلومة له مرادة مع الفعل أم لا، لا يمكن القول بالثانى وإلا لكان قولا بقصور العلم إن لم تكن معلومة أو بالغفلة إن لم تكن مرادة، وقد سبق تحقيق أن علمه وسع كل شئ واستحالة غيبه أثر من آثاره عن إرادته، فهو يريد الفعل ويريد ما يترتب عليه من الحكمة ولا معنى لهذا إلا إرادته للحكمة من حيث هى تابعة للفعل، ومن المحال أن تكون الحكمة غير مرادة بالفعل مع العلم بارتباطها به فيجب الاعتقاد بأن أفعاله يستحيل أن تكون خالية من الحكمة وبأن الحكمة يستحيل أن تكون غير مرادة إذ لو صح توهم أن ما يترتب على الفعل غير مراد لم يعد ذلك من الحكمة كما سبق. فوجوب الحكمة فى أفعاله تابع لوجوب الكمال فى علمه وإرادته وهو مما لا نزاع فيه بين جميع المتخالفين، وهكذا يقال فى وجوب تحقق ما وعد وأوعد به فإنه تابع لكمال علمه وإرادته وصدقه وهو

стр. 1148

أصدق القائلين، وما جاء فى الكتاب أو السنة مما قد يوهم خلاف ذلك يجب إرجاعه إلى بقية الآيات وسائر الآثار حتى ينطبق الجميع على ما هدت إليه البديهيات السابق إيرادها وعلى ما يليق بكمال الله وبالغ حكمته وجليل عظمته. والأصل الذى يرجع إليه كل وارد فى هذا الباب قوله تعالى الآيات ١٦ - ١٨ سورة الأنبياء ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ. لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. وقوله ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ أى لصدر عن ذاتنا المتفردة بالكمال المطلق الذى لا يشوبه نقص وهو محال و"إن" فى قوله "إن كنا فاعلين" نافية، وهو نتيجة القياس السابق. بقى أن الناظرين فى هذه الحقائق ينقسمون إلى قسمين: فمنهم من يطلب علمها لأنه شهوة العقل وفيه لذته، فهذا القسم يسمى المعانى بأسمائها ولا يبالى جوز الشرع إطلاقها فى جانب الله أم لم يجوز فيسمى الحكمة غاية وغرضاً وعلة غائيّة ورعاية للمصلحة وليس من رأيه أن يجعل لقلمه عناناً يرده عن إطلاق اسم متى صح عنده معناه، وقد يعبر بالواجب عليه بدل الواجب له غير مبال بما يوهمه اللفظ. ومنهم من يطلب علمها مع مراعاة أن ذلك دين يتعبد به واعتقاد بشؤون لإله عظيم يعبد بالتحميد والتعظيم ويجب الاحتياط فى تنزيهه حتى بعفة اللسان عن النطق بما يوهم نقصاً فى جانبه فيتبرأ من تلك الألفاظ مفردها ومركبها فإن الوجوب عليه يوهم التكليف والإلزام وبعبارة أخرى يوهم القهر والتأثر بالأغيار ورعاية المصلحة توهم إعمال النظر وإجالة الفكر وهما من لوازم النقص فى العلم والغاية والعلة الغائيّة والغرض توهم حركة فى نفس الفاعل من قبل البدء فى العمل إلى نهايته وفيها ما فى سوابقها ولكن الله أكبر. * * * وثمة للغزالى فى كتابه "الإحياء" كلمة جامعة تكاد تلخص هذا كله، بقوله:

стр. 1149

إنه تعالى ليس بجسم ولا صورة، ولا جوهر محدود مقدر، وإنه لا يماثل الأجسام لا فى التقدير ولا فى قبول الانقسام، وإنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر، ولا بعرض ولا تحله الأعراض، بل لا يماثل موجوداً ولا يماثله موجود، ليس كمثله شئ ولا هو مثل شئ، وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأنظار، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، وأنه مستو على العرش على الوجه الذى قاله، وبالمعنى الذى أراده، استواءً منزهاً عن المماسّة والاستقرار، والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون فى قبضته، وهو فوق العرش والسماء، وفوق كل شئ إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قرباً إلى العرش، كما أنه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شئ شهيد، إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام، كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام، وأنه لا يحل فى شئ، ولا يحل فيه شئ، تعالى عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان، وهو الآن ما عليه كان، وأنه بائن عن خلقه بصفاته، ليس فى ذاته سواه، ولا فى سواه ذاته، وأنه مقدس عن التغير والانتقال لا تحله الحوادث، ولا تعتريه العوارض، بل لايزال فى نعوت جلاله منزها عن الزوال، وفى صفات كماله مستغنياً عن زيادة الاستكمال، وأنه فى ذاته معلوم الوجود بالعقول، مرئى الذات بالأبصار، نعمة منه ولطفاً بالأبرار فى دار القرار، وإتماماً منه للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم. وأنه تعالى حى قادر، جبار قاهر، لا يعتريه قصور ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعارضه فناء ولا موت، ذو الملك والملكوت، والقوة والجبروت، له السلطان والقهر والخلق والأمر، والسموات مطويات بيمينه، والخلائق مقهورون فى قبضته، وأنه المتفرد بالخلق والاختراع، المتوحد

стр. 1150

بالإيجاد والإبداع، خلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا يشذ عن قبضته مقدور، ولا تعزب عن قدرته تصاريف الأمور، لا تحصى مقدوراته، ولا تتناهى معلوماته. وأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجرى من تخوم الأرضين إلى أعلى السموات، وأنه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر فى جو الهواء، ويعلم السر وما أخفى، ويطلع على هواجس الضمائر، وحركات الخواطر، وخفيات السرائر، بعلم قديم أزلى لم يزل موصوفاً به فى أزل الآزال، لا بعلم متجدد حاصل فى ذاته بالحلول والانتقال. وأنه تعالى مريد للكائنات، مدبر للحادثات، فلا يجرى فى الملك والملكوت قليل أو كثير، صغير أو كبير، إلا بقضائه وقدره وحكمته ومشيئته، فما شاء كان ومالم يشأ لم يكن، بل هو المبديء والمعيد، الفعّال لما يريد، لا رادّ لأمره، ولا معقب لقضائه، ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته. ولا قوة له على طاعته إلا بمشيئته وإرادته، وأن إرادته قائمة بذاته فى جملة صفاته، لم يزل كذلك موصوفاً بها، مريداً فى أزله لوجود الأشياء فى أوقاتها التى قدرها فوجدت فى أوقاتها، كما أراده فى أزله من غير تقدم ولا تأخر، بل وقعت على وفق علمه وإرادته من غير تبدل ولا تغير، دبر الأمور لا بترتيب أنصار، ولا تربص زمان، فلذلك لم يشغله شأن عن شأن. وأنه تعالى سميع بصير، يسمع ويرى، لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفى، ولا يغيب عن رؤيته مرئى وإن دق، ولا يحجب سمعه بعد، ولا يدفع رؤيته ظلام، يرى من غير حدق وأجفان ويسمع من غير أصمخة وآذان، كما يعلم بغير قلب، ويبطش بغير جارحة، ويخلق بغير آلة، إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق.

стр. 1151

وأنه تعالى متكلم، آمر ناه، واعد متوعد، بكلام أزلى قديم قائم بذاته لا يشبه كلام الخلق، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء أو اصطكاك أجرام ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان، وأن القرآن والتوراة والإنجيل كتبه المنزلة على رسله ﵈، وإن القرآن الكريم مقروء بالألسنة، مكتوب فى المصاحف، محفوظ فى القلوب، وأنه مع ذلك قديم قائم بذات الله تعالى، لا يقبل الانفصال والافتراق، بالانتقال إلى القلوب والأوراق، وأن موسى ﵇ سمع كلام الله بغير صوت ولا حرف، كما يرى الأبرار ذات الله تعالى فى الآخرة من غير جوهر ولا عرض. وإذا كانت له هذه الصفات كان حياً، عالماً، قادراً، مريداً، سميعاً، بصيراً، متكلماً، بالحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام، لا بمجرد الذات. وأنه تعالى لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله، وفائض من عدله، على أحسن الوجوه وأكملها، وأتمها وأعدلها، وأنه حكيم فى أفعاله، عادل فى أقضيته، لا يقاس عدله بعدل العباد، إذ العبد يُتصور منه الظلم بتصرفه فى ملك غيره، ولا يُتصور الظلم من الله تعالى فإنه لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً، فكل ما سواه من إنس وجن، وملك وشيطان، وسماء وأرض وحيوان، ونبات وجماد وجوهر وعرض، ومدرك ومحسوس، حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعاً، وأنشأه إنشاء بعد أن لم يكن شيئاً، إذ كان فى الأزل موجوداً وحده ولم يكن معه غيره، فأحدث الخلق بعد ذلك إظهاراً لقدرته، وتحقيقاً لما سبق من إرادته، ولما حقّ فى الأزل من كلمته، لا لافتقاره إليه وحاجته، وأنه متفضل بالخلق والاختراع والتكليف، لا عن وجوب، ومتطوَّل بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم، فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان. وأنه يثيب عباده المؤمنين على الطاعات بحكم الكرم والوعد لا بحكم الاستحقاق واللزوم له. إذ لا يجب عليه لأحد فعل، ولا يتصور منه ظلم، ولا يجب لأحد

стр. 1152

عليه حق، وأن حقه فى الطاعات وجب على الخلق بإيجابه على ألسنة أنبيائه ﵈ لا بمجرد العقل، ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة، فتلقّوا أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاءوا به. ويكاد يتمم هذا ويكمله ما قيل عن أفعال العباد، يقول الإمام محمد عبده: وكما يشهد سليم العقل والحواس من نفسه أنه موجود لا يحتاج فى ذلك إلى دليل يهديه ولا معلم يرشده، كذلك يشهد أنه مدرك لأعماله الاختيارية يزن نتائجها بعقله ويقدرها بإرادته ثم يصدرها بقدرة ما فيه. ويعد إنكار شئ من ذلك مساوياً لإنكار وجوده فى مجافاته لبداهة العقل. فإن كان قد هداه البرهان وتقويم الدليل إلى أن حوادث الكون بأسره مستندة إلى واجب وجوده واحد يصرفه على مقتضى علمه وإرادته خشع وخضع ورد الأمر إليه فيما لقى، ولكن مع ذلك لا ينسى نصيبه فيما بقى. فالمؤمن كما يشهد بالدليل وبالعيان أن قدرة مكوّن الكائنات أسمى من قوى الممكنات يشهد بالبداهة أنه فى أعماله الاختيارية -عقلية كانت أو جسمانية- قائم بتصريف ما وهب الله له من المدارك والقوى فيما خلقت لأجله. وقد عرف القوم شكر الله على نعمه، فقالوا: هو صرّف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خُلق لأجله. على هذا قامت الشرائع وبه استقامت التكاليف، ومن أنكر شيئاً منه فقد أنكر مكان الإيمان من نفسه، وهو عقله الذى شرّفه الله بالخطاب فى أوامره ونواهيه. ودعوى أن الاعتقاد بكسب العبد لأفعاله يؤدى إلى الإشراك بالله وهو الظلم العظيم دعوى من لم يلتفت إلى معنى الإشراك على ما جاء به الكتاب والسنة، فالإشراك اعتقاد أن لغير الله أثراً فوق ما وهبه الله من الأسباب الظاهرة، وإن لشئ من الأشياء سلطاناً على ما خرج عن قدرة المخلوقين، وهو اعتقاد من يعظم سوى الله مستعيناً به فيما لا يقدر العبد عليه. هذا هو الشرك

стр. 1153

الذى كان عليه الوثنيون ومن ماثلهم فجاءت الشريعة الإسلامية بمحوه وردّ الأمر فيما فوق القدرة البشرية والأسباب الكونية إلى الله وحده، وتقرير أمرين عظيمين هما ركنا السعادة وقوام الأعمال البشرية: الأول: أن العبد يكسب بإرادته وقدرته ما هو وسيلة لسعادته. والثانى: أن قدرة الله هى مرجع لجميع الكائنات وأن من آثارها ما يحول بين العبد وبين إنفاذ ما يريده وأن لا شئ سوى الله يمكن له أن يمد العبد بالمعونة فيما لم يبلغه كسبه. فالإيمان بوحدانية الله لا يقتضى من المكلف إلا اعتقاد أن الله صرفه فى قواه، فهو كاسب لإيمانه ولما كلفه الله به من بقية الأعمال، واعتقاد أن قدرة فوق قدرته ولها وحدها السلطان الأعلى فى إتمام مراد العبد بإزالة الموانع أو تهيئة الأسباب المتممة، مما لا يعلمه ولا يدخل تحت إرادته. أما التطلع إلى ما هو أغمض من ذلك فليس من مقتضى الإيمان وإنما هو من شره العقول فى طلب رفع الأستار عن الأسرار. والأفعال الإنسانية الاختيارية لا تخرج عن أن تكون من الأكوان الواقعة تحت مداركنا، وما تنفعل به نفوسنا عند الإحَساس بها، أو استحضار صورها، وهذا يشابه كل المشابهة ما تنفعل به عند وقوع بعض الكائنات تحت حواسنا أو حضورها فى مخيلاتنا، وذلك بديهى لا يحتاج إلى دليل. فمن الأفعال الاختيارية ما هو معجب فى نفسه تجد النفس منه ما تجد من جمال الخلق، ومنها ما هو قبيح فى نفسه يحس منه ما يحس من رؤية الخلق المشوه، ومنها ما هو قبيح لما يعقبه من الألم، وما هو حسن لما يجلب من اللذة أو دفع الألم. ومن الأفعال الاختيارية ما يحسن باعتبار ما يجلب من النفع وما يقبح بما يجر إليه من الضرر، ويختص الإنسان بالتمييز بين الحسن والقبيح بهذا المعنى إذا أخذ من أكمل وجهاته. وقلما يشاركه فيه حيوان آخر اللهم إلا من

стр. 1154

أحط جهاته، وهو خاصة العقل وسر الحكمة الإلهية فى هبة الفكر. فالناس متفقون على أن من الأعمال ما هو نافع ومنها ما هو ضار، وبعبارة أخرى منها ما هو حسن ومنها ما هو قبيح، ومن عقلائهم وأهل النظر الصحيح والمزاج المعتدل منهم من يمكنه إصابة وجه الحق فى معرفة ذلك، ومتفقون كذلك على أن الحسن ما كان أدوم فائدة وإن كان مؤلما فى الحال وأن القبيح ما جرّ إلى فساد فى النظام الخاص بالشخص أو الشامل له ولمن يتصل به وإن عظمت لذته الحاضرة. ولكنهم يختلفون فى النظر إلى كل عمل بعينه اختلافهم فى أمزجتهم وسحنهم ومناشئهم وجميع ما يكتنف بهم، فلذلك ضربوا إلى الشر فى كل وجه وكل يظن أنه إنما يطلب نافعاً ويتقى ضاراً، فالعقل البشرى وحده ليس فى استطاعته أن يبلغ بصاحبه ما فيه سعادته فى هذه الحياة اللهم إلا فى قليل ممن لم يعرفهم الزمن، فإن كان لهم من الشأن العظيم ما به عرفهم أشار إليهم الدهر بأصابع الأجيال، وقد سبقت الإشارة إليهم فيما مر. وليست عقول الناس سواء فى معرفة الله تعالى ولا فى معرفة حياة بعد هذه الحياة، فهم وإن اتفقوا فى الخضوع لقوة أسمى من قواهم وشعر معظمهم بيوم بعد هذا اليوم ولكن أفسدت الوثنية عقولهم وانحرفت بها عن مسلك السعادة، فليس فى سعة العقل الإنسانى فى الأفراد كافة أن يعرف من الله ما يجب أن يعرف ولا أن يفهم من الحياة الآخرة ما ينبغى أن يفهم ولا أن يقرر لكل نوع من الأعمال جزاءه فى تلك الدار الآخرة، وإنما قد تيسر ذلك لقليل ممن اختصه الله بكمال العقل ونور البصيرة وإن لم ينل شرف الاقتداء بهدى نبوى ولو بلغه لكان أسرع الناس إلى اتباعه وهؤلاء ربما يصلون بأفكارهم إلى العرفان من وجه غير ما يليق فى الحقيقة أن ينظر منه إلى الجلال الإلهى. ثم من أحوال الحياة ما لا يمكن لعقل بشرى أن يصل إليه وحده وهو تفصيل اللذائذ والآلام وطرق المحاسبة على الأعمال ولو بوجه

стр. 1155

ما. ومن الأعمال ما لا يمكن أن يعرف وجه الفائدة فيه لا فى هذه الحياة ولا فيما بعدها - كصور العبادات كما يرى فى أعداد الركعات وبعض الأعمال فى الحج فى الديانة الإسلامية وكبعض الاحتفالات فى الديانة الموسوية وضروب التوسل والزهادة فى الديانة العيصموية، كل ذلك مما لا يمكن للعقل البشرى أن يستقل بمعرفة وجه الفائدة فيه ويعلم الله أن فيه سعادته، لهذا كله كان العقل الإنسانى محتاجاً فى قيادة القوى الإدراكية والبدنية إلى ما هو خير له فى الحياتين إلى معين يستعين به فى تحديد أحكام الأعمال وتعيين الوجه فى الاعتقاد بصفات الألوهية ومعرفة ما ينبغى أن يعرف من أحوال الآخرة وبالجملة فى وسائل السعادة فى الدنيا والأخرة، ولا يكون لهذا المعين سلطان على نفسه حتى يكون من بنى جنسه ليفهم منه أو عنه ما يقول وحتى يكون ممتازاً على سائر الأفراد بأمر فائق على ما عرف فى العادة وما عرف فى سنة الخليقة ويكون بذلك مبرهناً على أنه يتكلم عن الله الذى يعلم مصالح العباد على ما هى عليه ويعلم صفاته الكمالية وما ينبغى أن يعرف منها والحياة الآخرة وما أعد فيها فيكون الفهم عنه والثقة بأنه يتكلم عن العليم الخبير معيناً للعقل على ضبط ما تشتت عليه أو درك ما ضعف عن إدراكه، وذلك المعين هو النبى ﵊. بهذا التعقيب قصدت -غير ما قدمت- أن أضع صورة كاملة حية لله عند المسلمين، خالية من الخلافات، وإنما تجمع الرأى العام السليم، وأن أجعل من تلك الصورة المتكاملة فرصة لمن تعز عليه المراجع، فيطالعها هنا فى يسر غير موزع بين خلافات لا طائل تحتها، ثم يطالع فيها غير المسلم هذا المنظر الرائع من تقديس وتنزيه لرب العالمين، وهذا الخضوع والخشوع لله، وهذه كلها سر الانقياد والطاعة، والتزام الخير وتجنب الشر، والضرب فى سبيل الفلاح، لبلوغ تلك الغاية التى صرح بها القرآن الكريم ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. إبراهيم الأبيارى

стр. 1156

اللهم صيغة عربية قديمة للنداء معناها يا الله، ويقال أحياناً لاهم (zur: noldeke grammatik et Classe arabe، ص ٦). ونحن نميل إلى الشك فيما افترضه فلها وزن) Reste arabischen: Welhaussen Heidentums، الطبعة الثانية ص ٢٠٠) من أن هذا النداء كان فى الأصل ينادى به الله الذى يسمو على آلهة العرب فى الجاهلية ولا يشبهها، لأن كل إله يمكن أن ينادى على هذا النحو: واستعملت كلمة "اللهم" فى الصلوات والأضاحى وعقد الأحلاف وفى الدعوات واللعنات) Abhandlungen Z: Goldziher! arab. Philo. جـ ١، ص ٢٥ وما بعدها؛ انظر عبارة "اللهم حى": الأخطل رقم (٣ - ٧) أما عبارة "باسمك اللهم" التى يقال إن أمية بن أبى الصلت هو أول من استعملها كما ورد فى الأغانى (جـ ٣، ص ١٨٧) والتى كانت تصدر بها المعاهدات المكتوبة، فقد أبدل النبى [ ﷺ ] بها غيرها لأنها من عبارات الجاهلية (١) (ابن هشام، جـ ١، ص ٧٤٧؛ Skeizen u. Vorarb.: Wehlhaussen، جـ ٤، ص ١٠٤) على أن عبارة "اللهم" بقيت ولم يجد المسلمون فى استعمالها حرجاً (وردت فى القرآن الكريم: سورة آل عمران، آية ٢٦؛ سورة الزمر، آية ٤٦؛ كما وردت "سبحانك اللهم" فى سورة يونس، آية ١٠). وكذلك بقيت عبارة "اللهم نعم" وهى جواجـ ١ لذى يستحلف بقول الحق (الطبرى: جـ ١، ص ١٧٢٣، س ٣، ٩). أما فيما يختص بعبارة "اللهم منك وإليك أو لك" التى تقال فى الأضاحى فانظر Goldziher فى مجلة Zeitschr. d. Deutsch. Morgenl Gesellsch . العدد ٣٨، ص ٩٥ وما بعدها). [بول F. Buhl]

стр. 1157

إله هذا اللفظ هو من غير شك نفس اللفظ العبرى، وفيه نواجه أيضاً مشكلة الاشتقاق النهائى التى تعترضنا فى اللفظ العبرى (Encyclopaedia Biblica, جـ ٣، عمود ٣٣٢٣ وما بعده؛ Drowin- Driver- Briggs: Hebrew Lexicon، ص ٤٢ وما بعدها؛ Kleinere Schr: Fleischer، جـ ١، ص ١٥٤ وما بعدها). وسنقصر كلامنا فى هذه المادة على الناحية العربية: كان أهل مكة فى الجاهلية يذهبون إلى أن "الله" اسم علم، وقد أخذ المسلمون عامة بهذا الرأى ما عدا قليلا منهم قالوا إنه صفة (الرازى: مفاتيح الغيب، القاهرة سنة ١٣٠٧ هـ، جـ ١، ص ٨٣، س ٢٤ وما بعده) على أن الرازى قال فى كتابه المذكور إن الخليل وسيبويه وجمهرة الأصوليين يرون أن كلمة الله من المرتجل، أى ليست مشتقة. وأيد الرازى هذا الرأى بحجج مختلفة ويروى الرازى أيضاً أن البعض يقول إن كلمة الله مشتقة من أصل سريانى أو عبرى. ويقول بعض العلماء من أهل الكوفة إنها مشتقة من كلمة الإله، بينما يذهب غيرهم من أهل البصرة إلى أنها مشتقة من "لاه" ومعناها تستر أو ارتفع ومصدرها "ليه". وفى الحق إن الرازى لم يكن لديه شك فى أن كلمة الإله مشتقة، ولو أنها تطورت فى الاستعمال فأصبحت فى الواقع اسم علم ترادف لفظ الله، ثم استقر رأى المسلمين فيما بعد على أن كلمة الله اسم علم، وأنها مشتقة أو منقولة، ورجحوا اشتقاقها من كلمة الإله فى معنى أو آخر من معانيها. وعلى هذا فإن كلمة الإله استعملت للدلالة على المعبود أياً كان، وتكون أداة التعريف هنا للعهد، كما أنها استعملت أيضاً للدلالة على ذات الجلالة، ثم إستثقلت الهمزة فى هذا اللفظ الذى يكثر استعماله فحذفت للتخفيف، وأصبع الاسم "الله" ثم صار اسم علم وهو بهذا الرسم. على أن كلمة إله بمعنى معبود ظلت تستعمل نكرة فى كلام العرب. ولم ترد كلمة الإله (بأل) فى القرآن. وإن كانت كلمة الله تدل فى بعض الآيات على معنى الإله أى المعبود.

стр. 1158

(انظر تفسير سورة الأنعام، الآية الثالثة فى "الكشاف" للزمخشرى، طبعة Less ص ٣٩٤؛ وتفسير سورة القصص، الآية ٧٠ فى المصدر نفسه، ص ١٠٦٤). ثم استعملت كلمة الإله بعد ذلك فى المعنيين اللذين أشرنا إليهما، واستعملها الفقهاء وما زالوا يستعملونها للدلالة على معنى الألوهية. وقد ذكرت ثمانية اشتقاقات لكلمة إله (الرازى، جـ ١، ص ٨٤ - ٨٦؛ البيضاوى طبعة فليشر، جـ ١، ص ٩٤) ويمكن ردها جميعاً فى الواقع إلى ما يلى: ١ - ألَه أى عَبد ويقول الزمخشرى (الكشاف ص ٨) إن ألَه وتألّه واستأله مشتقة من الله. ٢ - أله أى تحيّر لأن العقول متحيرة فى إدراكَ كنهه، ووَلِه لها نفس المعنى. ٣ - أله إلى أى فزع إلى، فيقال أله الرجل إلَى الرجل يأله إليه إذا فزع إليَه من أمر نزل به، أو اتجه إليه لشدة شوقه اليه. وآلهه أى أجاره وأمّنه، وولِه لها نفس المعنى أيضاً. ويفضل أهل البصرة القول بأن كلمة الله مشتقة من لاه فى معنييها المختلفين وهما ارتفع واحتجب. ولم يذكر الزمخشرى سوى الاشتقاقين الأولين، وإن كان يفضل الثانى منهما. وربما كانت وله التى ذكرناها فى الاشتقاقين الأول والثانى هى أصل كلمة الله. ويمكن الرجوع إلى كتاب المفصل (طبعة بروكلمان) فيما يختص بهذه الاشتقاقات المختلفة. المصادر: (١) تفسير الطبرى، جـ ١ ص ٤٠. (٢) غرائب النيسابورى على هامش الطبرى، ص ٥٣، ٦٣، وقد أخذ عن الرازى ولكنه صحح بعض أخطائه وتوفى حوالى عام ٧١٠. (٣) تفسير أبو السعود على هامش الرازى، ص ١٨، ١٩. (٤) لسان العرب، جـ ١٧، ص ٣٥٨. (٥) مادة "الله" فى هذه الدائرة. (٦) كلمة "الله" فى Dict of Re: Hastings ligion and Ethics. [ماكدونالد D.B. Macdonald]

стр. 1159

إلياس [﵇] هو النبى يليا المذكور فى التوراة، ورد ذكره مرتين فى القرآن؛ فقد جاء من غير تفصيل فى الآية ٨٥ من سورة الأنعام "وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كلٌّ من الصالحين"، وحكى تاريخه فى سورة الصافّات (الآيات ١٢٣ - ١٣٠) على النمط المألوف فى إيراد قصص الأنبياء جميعاً فى القرآن؛ ولابد أن يكون محمد ( ﷺ ) قد عرف عنه أكثر من ذلك نستنتج هذا من ورود كلمة "بَعْل" التى اختلف المفسرون فى تأويلها: فبعضهم يرى أنها تدل على إله أو صنم سميت به مدينة "بعلبك". وذهب البعض الآخر إلى أنها تدل على امرأة عبدها بنو إسرائيل. وقد رُسم إلياس ﵇ "إل ياسين" فى الآية ١٣٠ من سورة الصافات. ولقى المفسرون فى تأويل هذا الاسم كثيراً من العناء. ويتضح من سياق الآيات أنه رسم كذلك لضرورة السجع. ويذكر المفسرون فى تفسير الآية ١٢٣ وما بعدها من سورة الصافات، وكذلك كتّاب التاريخ العام وجامعو قصص الأنبياء عن إلياس ﵇ ما يلى: إنه كان يعيش فى عهد الملك أحاب ورسمه الثعلبى "لاجَب". وكان لهذا الملك زوجة تدعى إزابل (١). (ورد اسمها فى صيغ مختلفة)، وآمن الملك بإلياس وصدقه، أما بنو إسرائيل فكانوا لا يطيعونه، وكانوا يعبدون بعل. على أن هذا الملك ارتد إلى دينه الأول وهو يقول [لإلياس] إن غيره من الملوك عبدوا الأوثان وكانوا على مثل ما هو عليه، ومع هذا كانوا مملَّكين منعَّمين. فدهش إلياس لقوله، وسأل الله أن يمكنه من خزائن السموات، فحبس عنهم ماءها ثلاث سنين، وهو مختف فى موضع يأتيه رزقه فيه. وذهب إلياس ﵇ إلى بنى إسرائيل وطلب إليهم أن يدعوا أصنامهم لتزيح عنهم البلاء، فإن لم تفعل، فليس لهم إلا أن يتجهوا إلى الله. ولم تستجب آلهتهم دعاءهم. وتضرع إلياس إلى الله فأنزل من السماء ماء. على أن بنى إسرائيل لم يتحولوا مع هذا

стр. 1160

عن دينهم. وحنق إلياس عليهم لإصرارهم على الكفر، فدعا الله أن يريحه منهم. ثم خرج إلياس مع تابعه أليسع فظهر له فرس من نار. فركبه وارتفع به إلى السماء، وأليسع يصيح من خلفه. وجعل الله من إلياس كائناً آخر إذ كساه الريش، وأصبح نورانيًا، ونزهه عن الشهوات فكان إنسياً ملكياً، سماوياً أرضياً، وهذه هى رواية الطبرى. أما رواية الثعلبى فأكثر تفصيلا: قال إن أربيل زوج لاجب لا يوجد على الأرض أفحش منها، وكان لها كاتب، رجل مؤمن يكتم إيمانه. ونجد فى هذه الرواية -كما فى التوراة- أن قصة نبت، ويسمى أيضاً مزدكى وهو تصحيف لمردخاى Mordechai هى السبب فى أن قام إلياس بدعوة الملك إلى الإيمان. وغضب الملك عليه فلحق بالشعاب وقضى فيها سبع سنين. واتفق أن مرض أحب أبناء لاجب إليه. وقيل إن إلياس كان السبب فى مرضه فخرج أربعمائة من سدنة (بعل) يريدون قتله ووقف إلياس ﵇ بينهم يدعوهم إلى الإيمان، فرجعوا إلى الملك، وقد ملئوا من إلياس رعبا. وأوفد اليه الملك خمسين جنديا يزعمون له أنهم آمنوا بدعوته، ودعا إلياس ربه أن يحصبهم بالنار إذا كانوا كاذبين، فأجاب الله دعوته. ثم أرسل الملك اليه فئة أخرى أصابها ما أصاب الأولى. وأرسل إليه لاجب آخر الأمر كاتب زوجه المؤمن فى جماعة من المخادعين ليستدرجوه، فأوحى الله إلى إلياس ﵇ أن يذهب مع الكاتب لينقذ حياته من الموت. ولما وصلوا إلى القصر مات ابن الملك، وشغل الملك بذلك عن إلياس ﵇ فعاد سالماً دون أن يلحظ أحد. ولما سئم إلياس من المكث فى الجبل هبط إلى بيت أم يونس النبى ﵇، وكان يونس حينذاك طفلا اخترمه الموت فبعثه إلياس ﵇ حياً. وعاد بعد ذلك إلى الجبال، ثم دعا الله أن يحكمه فى المطر سبع سنين. واستجاب الله له، ولكن إلى ثلاث سنين وكان الطير يحمل إليه خلالها طعامه وشرابه. وأصيب بنو إسرائيل بالمجاعة إلا امرأة واحدة استطاع إلياس بما حباه الله من معجزة أن يزودها بالدقيق والزيت.
следующие страницы →