← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عام ١١٩١ هـ، ولم يستطع أن يمكث فى الحكم غير ستة شهور، والفترة الثانية عام ١٢٠١ هـ (١٧٨٦ م) عندما عين شيخا للبلد للمرة الثانية على يد قبودان باشا حسن التركى. ولقد كان الغرض من حملة حسن على مصر تقوية نفوذ الباب العالى، ذلك النفوذ الذى كان قد تضاءل إلى أدنى حد منذ أيام إبراهيم كتخدا وخصوصا إبان حكم على بك، ولكن لم يتحقق الغرض من هذه الحملة، واضطر إبراهيم ومراد، بعد أن رأى فيهما حسن باشا أكبر الآثمين، إلى ترك القاهرة، ومع ذلك فلم يجسرا على مقاومة رسول الباب العالى صراحة، إلا أن حسن باشا اضطر فى آخر الأمر إلى ترك مقاليد حكم مصر فى أيدى المماليك، بل لقد استطاع إسماعيل بك أن يسترد منصب شيخ البلد بعد انسحاب حسن باشا، ذلك الانسحاب الذى عجل به تعقد أمور السياسة بين تركية وروسيا. ولم يستطع إبراهيم ومراد العودة إلى القاهرة إلا بعد أن اجتاح الطاعون إسماعيل وغيره من الأمراء عام ١٢٠٦ هـ. وعفا عنهما الباب العالى فاقتسما من جديد حكم البلاد. وفى أثناء تقدم الفرنسيين عام ١٢١٣ هـ (١٧٩٨ م) انتظر إبراهيم على الشاطئ الشرقى للنيل، بين شبرا وبولاق، نتيجة وقعة الأهرام، وأمر بإحراق السفن المصرية الراسية ببولاق حتى يصعب على الجيش الفرنسى عبور النيل. وبعد وقعتى الخانقاه والصالحية، تمكن إبراهيم من الهرب إلى الشام بحاشيته ومتاعه ومكث فى غزة ثم انسحب منها إلى الشمال الشرقى أثناء حملة نابليون على فلسطين. وعاد إبراهيم إلى مصر مع جيش يوسف باشا الصدر الأعظم، ودخل القاهرة (فبراير عام ١٨٠٠) أثناء واقعة عين شمس صحبة نصوح باشا الذى كان الباب العالى قد أقامه واليًا على مصر؛ ثم ترك إبراهيم المدينة ثانية مع الجيش التركى، عندما استطاع الفرنسيون الثبات فيها، ورفض التقرب بحال إلى الفرنسيين بينما هادنهم مراد بك فحصل بذلك على حكم مصر العليا. وتوفى الأخير بعد ذلك بقليل بالطاعون فى أبريل عام ١٨٠١.

стр. 107

ولما جلت الجيوش الفرنسية عن المدينة نهائيًا فى يونية عام ١٨٠١ عين الصدر الأعظم إبراهيم بك مرة أخرى شيخًا، ولكن سرعان ما ألقى به فى السجن مع سائر أمراء المماليك فى ٢٠ أكتوبر عام ١٨٠١ بأمر الباب العالى الذى رأى الفرصة سانحة للتخلص من نفود المماليك. وأفلح الإنكليز فى إخلاء سبيل المماليك المسجونين، فاستطاع إبراهيم الوصول إلى مصر العليا، ومن هناك أمكنه فى السنوات القليلة التالية أن يتفاوض مرارًا مع والى مصر التركى خسرو باشا. ولما طرد خسرو من مصر وقُتل طاهر باشا رئيس الألبانيين، الذى كان قد حل محل (قائمقام) خسرو باشا، استدعى محمد على إبراهيم بك إلى القاهرة فى أبريل عام ١٨٠٣ ووكل إليه منصب شيخ البلد كى يمنع أحمد باشا الذى عين واليًا على جدة وكان مارا بمصر، من تثبيت قدمه فيها. ولم يكن نفوذ إبراهيم المسن فى الواقع عظيما، ولا شك أنه لاحظ أنه كان آلة فى يد محمد على. وعلى أى حال فقد أخذ شك إبراهيم فيه يزداد منذ دلك العهد. والراجح أنه فطن إلى سياسة محمد على الذى كان يرمى إلى استغلال المماليك عند الحاجة، كما كان يحرص على ألا تزداد قوتهم وأن يبذر بينهم بذور الشقاق. ولقد حاول محمد على أن يضرب إبراهيم، وعثمان البرديسى خليفة مراد، الضربة القاضية فى ١٣ مارس عام ١٨٠٤، إلا أنه فشل من حيث أن الاثنين تخلصا من السجن وهربا. ولم يعد إبراهيم بعد ذلك إلى القاهرة. وفى أثناء مذبحة المماليك فى ١٨ - ١٩ أغسطس عام ١٨٠٥ كان إبراهيم فى طرة مع ولده مرزوق وهنا كبد جند محمد على خسائر فادحة. وفشلت محاولته فى توحيد صفوف المماليك ليواجهوا محمدا عليا مجتمعين، لما كان بينهم من الشقاق ولمهارة محمد على فى أن يكتسب بعض ذوى النفوذ من المماليك إلى جانبه بمداهنتهم ومنحهم مناصب الشرف. ولقد رفض إبراهيم محاولة محمد على الصلح فى عام ١٨٠٩ م محتجا بكثرة ما سفك بينهما من دماء. واستطاع المماليك بفضل مجهود إبراهيم أن يكونوا قوة (١٨١٠ م) لم يجسر محمد على على مواجهتها صراحة، ولكنه

стр. 108

استطاع بالخدعة أن يجتذب أكثرهم إلى القاهرة، فغمرهم بعطاياه وبذلك اطمأنوا إليه. وهكذا وقعوا فى الأحبولة التى نصبها لهم فذبحوا فى القلعة فى أول مارس عام ١٨١١. ولم يصدق إبراهيم وعدد قليل غيره وعود محمد على، فبقى إبراهيم على حدود مصر الجنوبية وبذلك نجا. وأمضى سنواته الاْخيرة مع بقية المماليك فى دنقلة "بلاد العبيد يزرعون الدخن ويتقوتون منه، وملابسهم القمصان التى يلبسها الجلابة فى بلادهم إلى أن وردت الأخبار بموته فى شهر ربيع الأول من السنة [١٢٣١ هـ] " (انظر الجبرتى). وفى عام ١٨١١ م استطاعت امرأته التى كانت تبحث عن رفات ولدها مرزوق لتدفنه أن تحصل من محمد على على الإذن بإحضار رفات زوجها إبراهيم إلى القاهرة فوصل جثمانه فى رمضان عام ١٢٣٣. المصادر: (١) أهم مصادر هذا الموضوع تاريخ الجبرتى المسمى عجائب الآثار فى التراجم والأخبار (بولاق ١٢٩٧ هـ وتوجد عدة طبعات له؛ وترجم إلى الفرنسية بعنوان Merveilles bio- graphiques et historiaues فى تسعة مجلدات، القاهرة ١٨٨٨ - ١٨٩٦) وقد ذكر إبراهيم مرارا فى هذا الكتاب فى الحوادث التى وقعت منذ سنتى ١١٩٠ - ١٢٣١ هـ. وتأتى ترجمة حياته بعد حوادث سنة ١٢٣١ هـ. (٢) Vayage en Syrie et en: C.F. Volney Egypte pendant les annees ١٧٨٣, ١٧٨٤ et ١٧٨٥ (باريس ١٧٨٦ وتوجد منه عدة طبعات) من الفصل السادس إلى الفصل التاسع. (٣) Histoire scientifique et militaire de l' Expedition francaise en Egypte فى عشرة مجلدات (باريس ١٨٣٠ - ١٨٣٦). (٤) A History of Egypt Rev-: A. A. Paton olution from the period of the Mamelukes to the death of Mohammed Ali فى مجلدين (لندن ١٧٦٣ - ١٨٧٠). (٥) مقال P.Ravaisse فى .. La Grande Encyclopedie عن "إبراهيم بك"، المجلد العشرون، ص ٥١٩. [ب. كاله P. Kahle]

стр. 109

إبراهيم الموصلى هو إبراهيم بن ماهان ابن بهمان ويعرف أيضا بالنديم الموصلى، من اشهر موسيقيى العرب، فارسى الأصل، ولد بالكوفة عام ١٢٥ هـ (٧٤٢ م) وتوفى ببغداد عام ١٨٨ هـ (٨٠٤ م). درس الموسيقا على أساتذة من الفرس وأظهر براعة فائقة فى الغناء والعزف على العود. وكان له مقام عظيم فى البلاط العباسى أيام المهدى والهادى وبخاصة فى عهد الرشيد. وقد نسج ابنه إسحاق على منواله وكان على جانب عظيم من العلم والتهذيب كما كان موسيقيا بارعا وملحنا قديرا، لعب دورا هاما فى البلاط العباسى إبان حكم الرشيد والمأمون والمعتصم. وتروى بعض قصص عجيبة عن مهارة إبراهيم فى الغناء (الأغانى، جـ ٥، ص ٤١، س ١ - ١٥)، وتذكر عنه قصتان ذائعتان، إحداهما قصة صعوده فى زنبيل إلى بيت فيه قيان (الأغانى، جـ ٥، ص ٤١ وما بعدها؛ الغزولى: مطالع البدور، جـ ١، ص ٣٤٣ وما بعدها؛ ابن بدرون، طبعة دوزى، ص ٣٧٣ وما بعدها؛ ألف ليلة وليلة، [والفقرتان الأخيرتان تتعلقان بإسحاق] والقصة الأخرى هى زيارة إبليس له وتعليمه لحنا عجيبا (الأغانى، جـ ٥، ص ٣٦ وما بعدها؛ الغزولى، جـ ١، ص ٣٤١ وما بعدها؛ ألف ليلة وليلة "تتعلق بإسحاق"). المصادر: (١) ابن خلكان (ترجمة de Slane) جـ ١، ص ٣٠ وما بعدها. (٣) الأغاني، جـ ٥، ص ٣ - ٤٩، ٥٢ - ١٣١. (٣) الفهرست، ص ١٤٠ - ١٤٣. (٤) Barbier de Meynard: انظر مقاله عن إبراهيم بن المهدى فى المحلة الآسيوية سنة ١٨٦٩، ص ٢٠١ - ٣٤٢. (٥) Culturgesch des Orients: Von Kremer جـ ٢، ص ٧١ وما بعدها. (٦) Abu Nowas: Ahlwardt، ص ١٣ - ١٤. (٧) Gesch. d. arab. Litt: Brockelmann جـ ١, ص ٧٨. [تورى C. C. Torre]

стр. 110

أبرهة هو أبراهام فى اللغة الإثيوبية، الملقب بالأشرم، وهو حاكم إثيوبى لليمن حوالى منتصف القرن السادس الميلادى. كان أبرهة فى الأصل - كما روى بروكوبيوس Procoppius. عبدا لرجل رومانى من أدوليس Adulis، قام على رأس ثورة ضد ملك إثيوبيا [الحبشة] "إله أصبحة" (١)، وأسر حاكم اليمن وقتئذ إسمفايوس Esimiphaeus (أو سُميفع كما ورد فى نقوش "حصن الغراب")، وهزم الجيش الذى أنفذ لمحاربته مرارا، وبعد موت الملك خضع لخلفه وأدى له الجزية فاعترف به واليًا من قبله. وتعد سنة ٥٣١ م مبدأ حكمه، وكان إسمفايس لا يزال وقتذاك حاكما، وتتفق القصص العربية فى صورها المختلفة مع ما ذكره بروكوبيوس عن أبرهة من أنه حارب قائدًا اسمه "أرياط" أنفذه إليه ملك إثيوبيا، ثم تصالح مع هذا الملك آخر الأمر، ومن ثم فإن من الخطأ البين أن يكون الملك الإثيوبى- كما ذكر فى أعمال القديس أريثاس Arethas- قد نصب ذلك النصرانى الورع أمبراميوس Am- bramios نائبا له على بلاد اليمن فى وقت مبكر يرجع إلى عام ٥٢٥ م (عقب فتحها مباشرة)، ولقد أمدتنا الصدفة أخيرا بتفصيلات وافية عن أبرهة بفضل "نقوش السد" [سد مأرب] Damm- Inschrift التى كشفها كليزر. E Glaser ونشرها. ويُطلق أبرهة على نفسه فى تلك النقوش: "الأمير التابع لملك الحبشة، ملك سبأ وريدان وحضر موت ويمنات (٢) وعرب النجاد وعرب السهول". وكان أهم حادث فى حكمه -كما تذكر تلك النقوش- هو مجئ بعض الوفود إلى سد مأرب عام ٦٥٧ م

стр. 111

(وفقا للتقدير الشائع عام ٥٤٢ م. ووفقا لتقدير كليزر يحتمل أن يكون عام ٥٣٩ م) ومن بينها وفود الدولتين المتنافستين بوزنطة وفارس. ولما نشبت الحرب الكبرى بين هاتين الدولتين المتنافستين عام ٥٤٠ م لم يشترك أبرهة فيها بادئ الأْمر رغم ما بذله إمبراطور بوزنظة من جهد فى كسبه إلى جانبه. ولم يقتنع أبرهة بذلك إلا متأخرا فاكتفى بالقيام بهجمة على الفرس، إلا اْنه سرعان ما تخلى عن ذلك كما يقول بروكوبيوس. ونستطيع أن نجد صلة بين هذه الحرب التى لا يمكن أن تكون قد وقعت قبل عام ٥٧٠ م وبين تلك القصص العربية التى تعتمد على القرآن (سورة الفيل) وتشير إلى حملة أبرهة الفاشلة على مكة والكعبة. وإلى جانب هذا النسيج من القصص المعتمد على القرآن، رواية ضعيفة مؤداها أن وباء الجدرى كان قد انتشر فى ذلك الوقت، ويمكن الافتراض بأن هذا الوباء كان سببا فى تقهقر أبرهة أو على الأقل كان ذريعة له إلى العدول عن تلك الغزوة الشاقة. وعام هذا الحادث الذى يعرف "بعام الفيل" نسبة إلى الفيلة التى استخدمها أبرهة هو عام ٥٧٠ م كما تقول المصادر المتأخرة، ويعد هذا العام فى القول الشائع عام مولد النبى، إلا أن نولدكه Noldeke قد اعترض بحق على ما تقدم: لأننا لو قبلنا ذلك لما كانت هناك بين حملة أبرهة على مكة وغزو الفرس لبلاد العرب الجنوبية عام ٥٧٠ م فسحة من الوقت يحكم فيها أبرهة وأولاده. وقد ذهب فلهوزن Wellhausen إلى أن ما يروى عن حملة "تُبَّع" على المدينة لم يكن فى الواقع إلا مرحلة أولى من مراحل حملة أبرهة المشار إليها. وتؤيد النقوش التى تقدم ذكرها والتى تبتدئ بصلاة للثالوث ما قاله مؤرخو اليونان وما ورد فى القصص العربية من أن أبرهة كان نصرانيا. وكنيسة مأرب التى ذكر تدشينها فى تلك النقوش كانت تضارع الكنيسة التى شيدها أبرهة فى صنعاء، تلك الكنيسة التى لابد أنها كانت بناء لا نظير له كما يقول العرب. المصادر: (١) الطبري، جـ ١، ص ٩٣٠ - ٩٤٥. (٢) ابن هشام (طبعة فستنفلد) جـ ١، ص ٢٨ - ٤١.

стр. 112

(٣) الأغانى، جـ ١٦، ص ٧٢. (٤) Die Chroniken der stadt: Wustenfeld Mekke، جـ ١، ص ٨٨ وما بعدها. (٥) De bello Pers: Procopius، جـ ١، ص ٢٠. (٦) Gesch. de. Perser u. Ara-: Noldeke ber sur Zeit der Sassaniden، ليدن سنة ١٨٧٩، ص ٢٠٠ - ٢٠٥. (٧) Skizzen und Vorarbeit-: Wellhausen en، جـ ٤، ص ٧ وما بعدها .. (٨) Mordtmann فى مجلة. Zeitschr. d. Deutsch Morgenl. Gesellsch.، المجلد ٣٥، ص ٦٩٨. (٩) Glaser مجلة Mitteilungen der Vorderasiat. Gesellsch. سنة ١٨٩٧، ص ٣٦٠ - ٤٨٨. (١٠) Winkler فى مجلة Orient. Li- teratuzreitung جـ ١، ص ٢١ وما بعدها. (١١) Praetorius فى مجلة ٣ Zeitschr. der Deutsch. Morgem. Gesellsch. المجلد ٥٣، العدد الأول، ص ٢ وما بعدها. (١٢) Muir: The life of Mahomet(الطبعة الأولى)، جـ ١، ص ٢٦٢ وما بعدها. (١٣) Essai sur: Caussin de Perceval l'histoire des Arabes Avant l' Islamisme جـ ١، ص ١٣٨ - ١٤٥. (١٤) A nnali dell'Islam: Caetani، جـ ١، ص ١٤٣ - ١٤٨. [بول F. Buhl] + أبرهة: ملك نصرانى على بلاد العرب الجنوبية فى القرن السادس الميلادى. وترجع شهرته فى الكتب الإسلامية إلى الرواية التى تقول إنه قاد حملة يمنية على مكة (أشير إليها فى القرآن، سورة الفيل) فى العام الذى ولد فيه النبى حوالى سنة ٥٧٠ م. وتفصيلات حياة أبرهة كما رواها المؤرخون المسلمون قوامها قصص ترد فى أصلها إلى الأدب الشعبى ألصقت من غير مراجعة بشخصية عظيمة. وإذا شئنا معلومات وثيقة وجب أن نرجع إلى بروكوبيوس وإلى النقوش الحميرية. يقول بروكوبيوس إن الملك هلسثياوس ملك الحبشة (إلئصحة فى. النقش، إستانبول ٧٦٠٨ مكرر) غزا بلاد العرب الجنوبية بعد عام ٥٣١ م

стр. 113

بسنوات قلائل، وقتل ملكها وأقام عليها حاكما ألعوبة فى يده اسمه إسمفايوس (سميفع فى النقوش) ثم عاد إلى الحبشة. وحدث من بعد أن أولئك الأحباش الفارين من جيشة الذين بقوا فى بلاد العرب الجنوبية قد انتقضوا على إسمفايوس ونصبوا على العرش أبرهة الذى كان فى أصله مولى لتاجر رومى (بوزنطى) من أدوليس. وأنفذ هلسثياوس حملتين على العصاة باءتا بالخيبة، واحتفظ أبرهة بالعرش. وحاول يوستنيانوس مرات أن يغرى أبرهة بالهجوم على الفرس، فلم يفز منه بطائل، ذلك أنه إنما سار بعض الطريق شمالا ثم ارتد. وظل أبرهة يرفض أداء الجزية للحبشة طيلة حياة هلسثياوس، ولكنه رضى بأن يؤديها لخلفه. ومصدرنا العمدة فى النقوش هو نقش أبرهة الطويل على سد مأرب (Corpus inscr. sem جـ ٤، ص ٥٤١). ويسجل هذا النقش: إخماد فتنة أيدها ابن للملك المخلوع إسمفايوس سنة ٦٥٧ من التاريخ السبئى (بين سنتى ٦٤٠ و ٦٥٠ م)؛ وإصلاحات للسد أجريت فى أخريات هذه السنة؛ واستقبال بعثات سياسية من الحبشة وبوزنطة، وفارس، والحيرة، ومن قبل الحارث بن جبلة شيخ العرب؛ وإتمام إصلاحات السد فى السنة التى تليها. وثمة نص آخر (Ryckmans)، ص ٥٠٦، انظر La Museon، سنة ١٩٥٣، ص ٢٧٥ - ٢٨٤) اكتشف فى "مريغان" شرقى الوادى الأعلى "تثلث"، يسجل هزيمة ألحقها أبرهة بقبيلة مَعَدّ من عرب الشمال سنة ٦٦٢ من التأريخ السبئي. ويبدأ نص مأرب كما يلي: "بفضل قدرة الله وكرمه ورحمته ومسيحه والروح القدس (رح قدس) ". ولعل مما يدل على التفريق الطائفى أن إسمفايوس الذى كان بلا شك من القائلين بالطبيعة الواحدة مثل مولاه الحبشى، قد استعمل صيغة أخرى غير هذه: "باسم الله وابنه المسيح الظافر والروح القدس (نفس قدس) "، ومن الجائز أن أبرهة كانت له ميول نسطورية. واللقب الذى اتخذه أبرهة مطابق للقب أسلافه المباشرين وهو: "ملك سبأ وريدان وحضر موت ويمنات وعرب النجاد وعرب السهول"، ولكنه يلقب نفسه فى

стр. 114

نص مأرب بلقب آخر إلى جانب ذلك وهو "عزلى ملكن أكعزين"، ولا نجد كلمة عزلى فى غير هذا النص، ولم يهتد أحد بعد إلى تفسير مرض لهذه العبارة. وقول كونتى روستينى Conti- Rossini بأن معناها هو: "الملك الشجاع من (قبيلة) أكعزى" بعيد الاحتمال من حيث الإعراب، كما أن تفسير كليزر Glazer بأن العبارة تدل على "نائب الملك الحبشى" لا تتمشى مع الفقرة التالية من النص التى تتحدث عن أبرهة وهو يستقبل بعثة سياسية حبشية بلا تفريق فى المعاملة بينها وبين بعثة بوزنطة وبعثة فارس. أما اقتراح ريكمانز بأن تقرأ العبارة "عتلى ملكن" ومعناها "عظمة الملك" بدلا من عزلى ملكن فجدير بالنظر. ومن هنا فصاعدًا تلتزم المصادر الوثيقة الصمت فلا نجد بعد إلا القصة الواردة فى المصادر الإسلامية، والراجح أنها تدخل فى باب الأساطير، وهى تقول إن الباعث على الحملة على مكة كان هو غيرة أبرهة من معبد مكة ومحاولته أن يستبدل به كنيسة فى صنعاء فتصبح كعبة بلاد العرب جميعا. وإذا كان أبرهة قد شن حقا مثل هذه الحملة (لم يشر القرآن إلى اسم قائدها) فإننا نجد لأغراضه منها تفسيرا أقرب من ذلك إلى الاحتمال، وهو أن تقربه من الحبشة فى عهد خليفة هلسثياوس قد حمله على اصطناع سياسة حيال فارس أشد عدوانا، وأن تلك الحملة كانت المرحلة الأولى من مراحل هجوم مدبر على أملاكُ فارس. على أن الحملة ثبت فشلها، وكل ما كان لها من أثر هو أنها حملت الفرس على القيام بغزوتهم التى تمت بعد ذلك بسنوات قلائل بقيادة وَهْرِز وانتهت بتخريب مملكة بلاد العرب الجنوبية القديمة. ويؤكد كتاب Martyrium Arethae أن الذى نصب أبرهة على العرش هو الملك الحبشى إليسباس (والشائع أنه هو هلسثياوس عند بروكوبيوس) بعيد وفاة ذى نواس. وثمة مصادر كنسية أخرى، مثل كتاب Leges Homeritarum المنسوب إلى أسقف ظفار، تذكر مثل هذه الأخبار. وهذه الرواية للحوادث التى تتضارب فى أساسها مع كل من بروكوبيوس والنقوش، يجب أن نعدها

стр. 115

مصدرا غير تاريخى مبعثه التباس فى الأسماء أو تزييف اتخذ بغرض المناظرة. المصادر: (١) الطبرى، جـ ١، ص ٩٣٠ - ٩٤٥. (٢) ابن هشام، جـ ١، ص ٢٨ - ٤١. (٣) الأغانى، جـ ١٦، ص ٧٢. (٤) لبيد، ١٩، ٤٠. (٥) قيس بن الخطيم (طبعة كوفالسكى)، ١٤، ١٥. (٦) Essai sur: Caussin de Perceval I'histoire des Arabes avant I'islamisme جـ ١، ص ١٣٨ - ١٤٥. (٧) Gesch. d. Perser u.: Th. Noldeke Araber zur Zeit d. Sassaniden، ص ٢٠٠ - ٢٠٥. (٨) De bello Persico: Procopius جـ ١، ص ٢٠. (٩) Mitt. d. vorderas. Gesch.: E. Glazer سنة ١٨٩٧، ص ٣٦٠ - ٤٨٨. (١٠) L'institution mon-: J. Ryckmans archique en Arabie merideonale avant l'Islam ص ٢٣٩ - ٢٤٥، ٣٢٠ - ٣٢٥. (١١) الكاتب نفسه: Le Museon، سنة ١٩٥٣، ص ٣٣٩ - ٣٤٢. (١٢) Storia d'Etiopea: C. Conti-Rossini، ص ١٨٦ - ١٩٥. (١٣) Notes on the Mu-: A.F.L.Beeston reighan inscription في BSOAS، جـ ١٥، لوحة ٢. خورشيد [بيستون A.F.L.Beeston] إبليس هو اسم الشيطان، والراجح أن هذه الكلمة تحريف للكلمة اليونانية ديابلس ويشتقها فقهاء اللغة العرب من الأصل بلس: "لأنه أبلس من رحمة الله"، وقد سمى أيضا "الشيطان"، و"عدو الله" أو "العدو". على أن الشيطان ليس اسم علم، ويرد فى القرآن غالبا عند الكلام عن بدء الخلق (سورة البقرة الآية ٣٢؛ سورة الأعراف الآية ١٠؛ سورة الحجر، الآية ٣١ وما بعدها؛ سورة بنى إسرائيل، الآية ٦٣؛ سورة الكهف، الآية ٤٨؛ سورة طه، الآية ١١٥؛ سورة ص، الآية

стр. 116

٧٤ وما بعدها) (١)، متمردا على خلق آدم ومغويا لحواء فى الجنة. ذلك أنه بعد أن خلق الله آدم من طين، ونفخ فيه من روحه أمر الملائكة أن يسجدوا له، فسجدوا إلا إبليس، إذ استكبر، وهو المخلوق من نار، أن يسجد لآدم الذى خلق من طين؛ ولذلك طرد ولعن، ولكنه توسل أن يمهل فلا ينال جزاءه إلا يوم الحساب فأجيب إلى ذلك كما جعل له سلطان يغوى به كل من لا يصدق فى إيمانه بالله من عباده. ولما كان آدم وحواء فى الجنة أغواهما إبليس فأكلا من ثمرة الشجرة. وقد جمع النبى ﵇ فى هذا المقام بين قصتين مستقلتين: قصة خلق آدم، وقصة غواية حواء فى الجنة. ومن الملاحظ أن الشيطان يعرف دائما بإبليس فى قصة الخلق؛ على أنه فى قصة الجنة يعرف على الأقل بالشيطان حين لا يشار إليه بضمير. وتستند قصة إبليس إلى الروايات النصرانية، ففى الفصل الخامس عشر من "حياة آدم وحواء" (Apokryphen: Kautzsch) يروى أن ميكائيل أمر الملائكة بأن يعبدوا آدم، فاعترض إبليس بأن آدم أقل منهم شأنا وأحدث سنًا، وأبى ذلك هو وقومه فأنزلوا إلى الأرض. وقد جاء فى كتاب " Schatzhohle (٢) " (طبعة Bezold ص ١٥ وما بعدها من النص السريانى العربى) أن الله جعل لآدم سلطانا على جميع المخلوقات. ولهذا وقّره الملائكة إلا إبليس الذى ركبته الغيرة وقال: يجب أن يعبدنى أنا الذى خُلقت من نور وهواء، أما هو فقد خلق من طين، فطرد من الجنة هو وقومه، وعرف من ثم بالشيطان. وقد نمقت الروايات الإسلامية الوصف الذى وصف به فى القرآن وزادت عليه خلالا شتى، بعضها معروف مشهور، وصادفت فى ذلك صعوبة كان عليها أولا أن تجد لها حلا، وهى أن القرآن عد إبليس من الجن كما عده أيضا من الملائكة، وكلا النوعين صنفان مختلفان من المخلوقات.

стр. 117

ويقول الزمخشرى: إن إبليس ليس إلا "جنيا" وإن الملَك فى القرآن يطلق على الصنفين (الكشاف) تفسير الآية ١١٥ من سورة طه)؛ ولكن قيل أيضا: إن إبليس كان من رؤساء الملائكة. ويذهب آخرون إلى أن الجن كانت قبيلة من الملائكة، وإنما سموا الجن لأنهم خزّان الجنة (الطبرى، التاريخ، جـ ١، ص ٨٠)، وقد خلق هؤلاء الجن من نار السموم (سورة الحجر، الآية ٢٧) أما الملائكة فقد خلقت من نور (الطبرى: المصدر المذكور، ص ٨١). وكان الجن يسكنون أول الأمر الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضا، فبعث الله إليهم إبليس، الذى كان يعرف آنئذ باسم عزازيل أو الحارث، فى جند من الملائكة فقاتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بأطراف الجبال. على أن روايات أخرى تقول: إن إبليس كان من الجن سكان الأرض، ثم سباه الملائكة الذين أرسلهم الله لقتال الجن العصاة وردوه إلى السماء، وكان صغيرا (المصدر المذكور، ص ٨٤). وسمى إبليس أيضا حَكَما قبل عصيانه، ذلك أن الله جعله قاضيا بين الجن فلم يزل يقضى بينهم ألف سنة، ثم دخله الكبر فألقى بذور الشقاق والاضطراب بين الجن، وظلوا على الشقاق ألف سنة أخرى، فبعث الله عند ذلك نارا أحرقتهم. ولكن إبليس لاذ بالسماء وظل عبدا مطيعا لله حتى خلق آدم (المصدر نفسه، ص ٨٥؛ المسعودى: مروج الذهب، جـ ١، ص ٥٠ وما بعدها). على أن ثمة روايات أخرى فى استكبار إبليس؛ فيروى الطبرى (المصدر المذكور، ص ٨٣) أنه أحس بالكبر وبفضله على سائر الملائكة فقال الله له: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (سورة البقرة، الآية ٢٨)؛ ويزيد الطبرى أن إبليس كان من أشراف الملائكة يحكم الجن سكان الأرض، وكان له سلطان سماء الدنيا، ثم عصا ربه فسماه شيطانا رجيما. وقد جاء فى مناقشة الحديث لقصة الجنة كيف احتال إبليس ليدخل الجنة. والقول الشائع فيه، وهو قول نجده أيضا عند كتاب النصارى، أنه استعان على ذلك بالحية. وذكرت بعض المراجع أنه احتال على جميع الحيوانات فخاب سعيه؛ وتقول مراجع أخرى: إنه بدأ

стр. 118

بالطاووس الذى كان رآه مرة على أبواب الجنة، ووعده بأن يذكر له ثلاث كلمات تعصمه من الموت إذا سمح له بالدخول؛ ولكن الطاووس أبى وروى ما وقع له للحية. وأباحت الحية لابليس أن يجلس بين فكيها (وفى رواية آخرين فى بطنها) ودخلت به الجنة. وكان إبليس وثيق الصلة بحواء؛ وراح عندئذ يتحدث إليها من فم الحية، وأنبأها بثمرة الشجرة التى تضمن لها الخلود فيما رواه له ملك من الملائكة. فلما مضت حواء إلى الشجرة ظهر لها إبليس فى صورة ملك. ويقول آخرون: إنه قدم لها ثمرة الشجرة بنفسه، فكان ما كان مما هو معروف مشهور، وطرد إبليس وآدم وحواء من الجنة وحلت عليهم اللعنة (يجعل القرآن طرد إبليس بعد قصة الخلق)، وكتب على الحية أن تزحف على بطنها بعد أن كانت دابة جميلة من ذوات الأربع، وكذلك أنظر إبليس إلى يوم يبعثون، وكتب عليه أن يعيش بين الخرائب والقبور وأماكن القاذورات، وأصبح طعامه من اللحم الذى يتقرب به إلى الأصنام، وشرابه الخمر، ولهوه الموسيقى والرقص والشعر، وزاد عدد أعقابه على بنى آدم سبعة أضعاف. ويلقى إبليس يوم الحساب فى نار جهنم هو وجنوده والغاوون، ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [أى الآلهة وعبدتهم]. ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ (سورة الشعراء، الآية ٩٤ وما بعدها)؛ وعبارة القرآن هنا تذكرنا بإنجيل متى (الإصحاح الخامس والعشرون، الآية ٤١): "ثم يقول أيضا للذين عن اليسار اذهبوا عنى يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لابليس وملائكته". ولكن إبليس فى الوقت نفسه يحتال على الناس بحيل كثيرة ويضلهم إلا المؤمنين (سورة سبأ، الآية ١٩). وما الهاتف الذى يتردد فى الأدب العربى إلا صوت إبليس فى كثير من الأحوال؛ مثال ذلك: ما قيل من أنه هتف بعلى يحذره من تغسيل النبى؛ ثم هتف به هاتف آخر رده إلى الصواب (الثعلبى: قصص الأنبياء، ص ٤٤). وقد أتاح الله ليوحنا المعمدان مرة أن يلقى إبليس، وسأل يوحنا إبليس متى يتمكن من بنى آدم فأجابه: "حين يأكلون ويشربون حتى يمتلئوا"، ومن ثم صح عزم يوحنا على ألا يبلغ فى طعامه أو شرابه هذا المبلغ.

стр. 119

وقيل فى تكاثر إبليس: إنه يبيض بيضتين كلما غشيه السرور إذ يعصى بنو آدم ربهم، وتخرج صغاره من هذا البيض. وقيل أيضا: إنه رزق عضو الذكر وعضو الأنثى، وإنه ينكح نفسه. المصادر: علاوة على المراجع المذكورة فى صلب المادة: (١) تفاسير القرآن للآيات التى استشهد بها. (٢) Billische Legenden der Mu-: Weil selmanner، ص ١٢ وما بعدها. (٣) Neue Beitrage zur Semi-: Grunbaum tischen Sagenkunde، ص ٦٠ وما بعدها. (٤) الديار بكرى: الخميس، القاهرة ١٢٨٣ هـ، جـ ١، ص ٣١ وما بعدها. (٥) البخارى: صحيح، باب "صفة إبليس وجنوده". خورشيد [فنسنك A.J.Wensinck] تعليق على مادة "إبليس" - ١ - تحميل القرآن ما ليس فيه قال الكاتب: "ويرد -أى إبليس- فى القرآن غالبا عند الكلام على بدء الخلق ... متمردا على خلق آدم، ومغويا لحواء فى الجنة" ثم عاد فزاد ذلك تفصيلا بمثل قوله: "وكان إبليس وثيق الصلة بحواء، وراح عندئذ يتحدث إليها من- فم الحية، وأنبأها بثمرة الشجرة ... فلما مضت حواء إلى الشجرة ظهر لها إبليس فى صورة ملك، ويقول آخرون إنه قدم لها ثمرة الشجرة بنفسه .. الخ". وردُّ اللاحق من هذا القول على السابق يفهم منه تحميل القرآن ما ليس فيه من أمر حواء فى قصة الخلق وما تفصل أوصافه مصادر أخرى غير إسلامية، أو مصادر إسلامية لا يلزم القرآن شيء مما فيها؛ وأقل ما فى كلام الكاتب وهو تقريره: أن إبليس يرد فى القرآن مغويا لحواء، ليس مما يتحمله القرآن، حتى مع قطع النظر عن كل التفصيلات الأخرى لهذا الإغواء. وبيان ذلك أن الآيات التى استشهد بها الكاتب، وعين أرقامها فى سورها، لم يذكر فيها اسم حواء مطلقا، كما لم يذكر فى غيرها من آيات القرآن هذا الاسم, وإنما ذكرت زوج آدم. وبعد هذا

стр. 120

لم يرد فى الحديث عن إغواء الشيطان، فى هذه الآيات، أن الإغواء كان لزوج آدم وحدها، بل كان الإغواء -حسبما ورد فى القرآن- إما لآدم وزوجه, وإما لآدم نفسه؛ وهكذا نجد فى الآيات: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. و: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا﴾ ... ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا﴾ ... الآيات، فإغواء الشيطان، كما هو صريح هذه الآيات، لهما؛ لا لحواء وحدها ولا لحواء أولا. وقد تذكر الوسوسة لآدم وحده كما فى سورة طه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ .. الآية؛ وهكذا نرى بحق ألا يضاف إلى القرآن شئ من إجمال أو تفصيل عن حواء وإخراجها آدم من الجنة، و ... و ... مما يقال به عن رأى القرآن فى المرأة؛ كما لا يضاف إلى القرآن شئ من إجمال أو تفصيل عن بقية الأساطير المتصلة بهذه القصة، كالذى كتب على الحية أن تزحف على بطنها، بعد أن كانت دابة جميلة من ذوات الأربع. ومهما تكن تلك الأساطير قد وجدت مكانا، بل مكانا فسيحا، فى كتب التفسير الإسلامية، فليس يسوغ لعالم يبحث أن يورد الآيات التى عدها الكاتب من سورة البقرة، والأعراف، والحجر، والإسراء، والكهف، وطه، وص، شواهد على إغواء إبليس لحواء؛ ثم يورد معها بعد ذلك ما ذكره من تفاصيل هذا الإغواء المزعوم. -٢ - فساد المنهج بالغرض قال الكاتب: "وقد جمع النبى فى هذا المقام بين قصتين: قصة خلق آدم، وقصة غواية حواء فى الجنة"، وواضح ما فى هذا التعبير من أن الأمر من صنع النبى؛ وهو ما نرى التعرض له هنا مما لا يجيزه البحث العلمى ولا يحتمله منهج التفكير والتناول السليم، دون نظر ما إلى أى اعتبار ديني، أو شعور تعصبى؛ فكما أنا لا نريد من الكاتب أن يقرر عقيدة الإسلام فى أن هذا القرآن موحى من الله، كذلك لا نقبل

стр. 121

منه أن يتعرض لغير عقيدة المسلمين فى أن القرآن ليس وحيا إلهيا؛ لأن المقام ليس مقام الحديث عن العقائد، لكنه مقام التقرير الدراسى لحقائق فى الثقافة الإسلامية بعامة، أو فى تعبير القرآن بخاصة، وهى تورد دون إشارة ما إلى العقيدة فى القرآن موافقة للإسلام أو مخالفة له، بأن يقول: وهذا جمع بين قصتين، أو يقول: وقد جمع -بالبناء للمجهول- فى هذا بين قصتين ... أو ما يماثل ذلك فيؤدى الملاحظة التى لاحظها، دون تعرض لعقيدته هو ضد هذا القرآن، أو عقيدة غيره فى جانب القرآن. وهذه الظاهرة -من حيث المنهج الصحيح- آفة القوم فى تناولهم؛ وقد علق عليها غير مرة فى ترجمة هذه الدائرة؛ ولا أعرض لها هنا إلا من الناحية المنهجية المحضة، تنزيها للبحث حين يبحثون هم، وللتعليق حين نعلق نحن على الصبغة الاعتقادية، والاندفاع المتعصب؛ وتطهيرا له من الغمز واللمز، مهما يكن قد وقع من المحظور فى تناولهم هم، أو كان تناولهم هذا كله ليس إلا خدمة لمثل هذه الأغراض ... ووفاء بعذر خير من عذر بغدر؛ كما قال الأولون عندنا، وكما نرجو أن ننهج نهجهم. -٣ - إفساد الصلة بين الأديان قال الكاتب: "تستند قصة إبليس إلى الروايات النصرانية": كما قال أيضًا: "عبارة القرآن هنا تذكرنا بإنجيل متى (الإصحاح الخامس والعشرين، الآية ٤١) ... ورد اللاحق من عبارته إلى السابق منها، يشعر بأنه يؤكد بها ما يريد تقريره من استناد قصة إبليس فى القرآن إلى الرواية النصرانية. وهذه كذلك هى خلتهم فى الحرص على تقرير الأخذ، والاستناد، والتأثر، ما أشبه ... ونسألهم باسم منهج البحث والدرس السليم: فيم هذا الاستناد إلى الروايات النصرانية؟ ! والمسألة معروفة فى غير دين من الأديان؛ قد تحدث عن إبليس والشياطين؛ وفى هذه الأديان ما هو أسبق من النصرانية وأقدم، فبأى حجة يقرر هذا الاستناد إلى الروايات النصرانية بخاصة! !

стр. 122

وإلى جانب ذلك كله، هذا الاتصال بين الأديان، وتتابعها فى تقرير حقائق واحدة، وهو ما يكرره القرآن مرارا، ويقرر به وحدة التدين، وتصديقه لما بين يديه؛ فلم لا تكون هذه من الأشياء المشتركة بين الأديان المتواصلة، التى صدرت عن أصل واحد، لغاية واحدة! ! ولمَ نفسد هذه الصلة بين الأديان بالحرص على تقرير أصالة واحد منها، وأخذ الثانى عنه، أو استناده إليه، أو تأثره به! ! إن هذا الإفساد للصلة بين الأديان ليس من المنهج الاجتماعى الصحيح، ولا هو من خير البشرية فى شئ! ! ولا موضع للحرص الخاص عليه إلا بقدر ما يخدم الرغبة السيئة فى التفريق، وإشاعة البغضاء التى هى شر كلها. وفى هذا اللفت كفاية لما فى صنيع القوم، من الدخل المنهجى، والقصد من الدراسة إلى ما ليس من الخير، ولا من المصلحة فى شئ؛ وليست بنا حاجة ما إلى إثارة شئ من الجدل الديني، والتعصب المذهبى لأنه ليس من العلم فى شئ ولا من خير الناس فى شئ. -٤ - ضيق النظرة نقل الكاتب لقاء يوحنا المعمدان لإبليس وسؤاله إياه، متى يتمكن من بنى آدم، وإجابته إياه، بأن ذلك حين يأكلون ويشربون. وهو استرسال من الكاتب فيما قصد إليه من الاستناد إلى الروايات النصرانية، والتذكير بإنجيل متى ... إلخ مما أشرنا إليه فى الفقرة السابقة؛ وأريد لأبين أن هذا الاتجاه قد ضيق نظرة الكاتب، ولم يدعه يرجع إلى الثقافة الإسلامية نفسها عن مثل هذه المعانى التى عنى بها فى المادة؛ ولو قد اتسع نظره فى تلك الثقافة الإسلامية، التى يكتب دائرة معارفها، لوجد فيها من الغرض لهذا المعنى ما هو أعمق نظرا، وأسلم تناولا من مقابلة إبليس وسؤاله، وإجابته الخيالية، فهذا الحكيم الترمذى يخرج هذا المعنى فى آفة الأكل والشرب، وتمكن إبليس بواسطتها من الإنسان؛ فنجد لإخراجه صورة حكمية أفضل من هذا الحوار المصطنع مع إبليس، إذ يقول الترمذى: " ... وذلك أن

стр. 123

العدو لما غره -أى آدم- حتي أكل من الشجرة وجد السبيل إلى معدته بتلك الأكلة، التى أطاعه فيها، فجعله مستقره" .. (رسالة حقيقة الآدمية ص ٥١)، وفى الكلام بقية صالحة فى تفسير نجاسة ما يخرج من هذا المستقر ... إلخ، ولو اتسع نظر الكاتب لاستغنى عن مقابلة إبليس ومحادثته بهذا التخريج الطيب، الذى يربط المسألة بفعله إبليس الأولى، وإغرائه لآدم. -٥ - قرب التناول كتب هذه المادة رجل من وجوه القوم وأساطينهم فتناولها تناولا قريبًا، أورد فيه أساطير متعددة، عن قصة الإغراء، وعن بيض إبليس الذى تخرج منه صغاره؛ وكان المرجو أن يتناول الفكرة عن إبليس فى حياة الإنسانية وتدينها، وكيف جاءت هذه الفكرة فى القرأن الكريم والثقافة الإسلامية، فيخدم بذلك التاريخ الثقافى العام، وتاريخ الثقافة الإسلامية الخاص، بما يليق أن يصدر عن مثله من الباحثين. وربما كانت الأغراض الخاصة التى أشرنا إليها هى التى تصرفه وتصرف مثله عن هذا التناول العميق المجدى ... ولكنا رغم كل شئ نستمع وننصت .. ونشعر فى الوقت نفسه بما ينبغى أن يكون عليه البحث القيم فى تلك الثقافة الإسلامية، ونرجو أن يتم لها مع الأيام. [أمين الخولى] ابن الأبّار أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبى بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد ابن أبى بكر القُضَاعى، ويعرف بابن الأبار: مؤرخ ومحدث، وأديب وشاعر عربى، سليل قضاعة الذين نزلوا "أنْدَة" أرض أجدادهم بالأندلس؛ ولد فى بَلَنْسيَة فى ربيع الثانى عام ٥٩٥ هـ (فبراير ١١٩٩ م). وتلقى العلم على أبى عبد الله بن نوح، وأبى جعفر الحصّار، وأبى الخطاب بن واجب، وأبى الحسن بن خْيرَة، وأبى سليمان بن حَوْط، وأبى عبد الله محمد بن عبد العزيز ابن سعادة وغيرهم.

стр. 124

وظل أكثر من عشرين عامًا على اتصال وثيق بأبى الربيع بن سالم أعظم محدثى الأندلس، وهو الذى حبب إليه إتمام كتاب "الصلَة" لابن بَشْكُوال. وكان كذلك كاتب سر والى بلنسية أبى عبد الله محمد بن أبى حَفْص بن عبد المؤمن بن على، ثم كاتب سر ابنه أبى زَيْد، ثم أخيرًا كاتب سر زَيّان بن مَرْدَنيش. ولما حاصر ملك أرغونة "دون جايم" Don Jayme مدينة بلنسية فى رمضان عام ٦٣٥ هـ (إبريل - مايو ١٢٣٨ م) أوفد ابن الأبار فى مهمة سياسية إلى سلطان تونس أبى زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبى حفص ليقدم إليه وثيقة يعترف فيها سكان بلنسية وأميرها بسيادة الدولة الحفصية، فلقى السلطان فى ٤ من المحرم عام ٦٣٦ هـ (١٧ أغسطس ١٢٣٨ م) وأنشده قصيدة سينية يلتمس فيها مساعدته للمسلمين فى الأندلس. ثم رجع إلى بلنسية، ولكنه سرعان ما غادرها مع جميع أفراد أسرته إلى تونس قبل سقوط بلنسية فى أيدى المسيحيين، أو بعده بأيام قلائل، وذلك فى صفر ٦٣٦ هـ (سبتمبر - أكتوبر ١٢٣٨ م). ويذكر ابن خلدون أنه ذهب توًا إلى تونس، بينما يؤكد الغُبْرِينى أنه ذهب أولًا إلى "بجَاية" حيث اشتغل بالتدريس مدة من الزمن. ولقد أحسن سلطان تونس استقباله، وأصبح كاتب سره، وناط به رسم طغرائه وألقابه فى أعلى الرسائل والمنشورات السلطانية وتحت البسملة. ولم يلبث أن عُزل من هذا المنصب وأسند إلى أبى العباس الغَسّانى، وكان لا يشق له غبار فى كتابة الخطوط المشرقية التى كان السلطان يفضلها على الخط المغربى. وترك ذلك فى نفس ابن الأبار أثرًا عميقًا، ولكنه ظل بالرغم من التحذير المتكرر يضع الطغراء السلطانى على الوثائق التى كان يكتبها. واعتكف فى داره وألف كتابه المسمى "إعتْاب الكُتّاب" وأهداه إلى السلطان، فعفا عنه وأعاده إلى منصبه. ويرجع الفضل فى عودته إلى وساطة المستنصر بخاصة لدى أبيه السلطان. ولما مات أبو زكريا

стр. 125

وخلفه ابنه المستنصر، قرَّب ابن الأبار واستمع لنصحه، ولكنه أغضبه وحاشيته بسلوكه حتى اضطر آخر الأمر إلى تعذيبه. ووُجد بين ما صودر من مصنفاته قصيدة فى هجاء السلطان أغضبته غضبًا شديدًا فأمر به أن يقتل طعنًا بالحراب. ومات ابن الأبار فى صبيحة الثلاثاء ٢٠ من المحرم ٦٥٨ هـ (٦ يناير ١٢٦٠ م)، وفى اليوم التالى أحرق رفاته ومصنفاته وأشعاره وإجازاته العلمية فى محرقة واحدة. وصنف ابن الأبار - وهو الملقب "بالفأر" لأسباب مجهولة- عدة كتب فى التاريخ والحديث والأدب والشعر، لم يبق منها إلا المصنفات الآتية: ١ - كتاب التكملة لكتاب الصلة، (طبعة كودرا Coderal، مجريط ١٨٨٩ م). ٢ - المعجم فى أصحاب القاضى الإمام أبى على الصَدَفى (طبعة كودرا، مجريط ١٨٨٦ م) ٣ - كتاب الحُلَّة السيراء (طبع بعضه دوزى فى ليدن ١٨٤٧ - ١٨٥١ م، كما نشر بعضه ميلز فى Beitr.Zur Gesch. der westl. Ara- ber ميونخ ١٨٦٦ - ١٨٨٧ م). ٤ - تحفة القادم (Bibl.: Casiri Arab. Hsp جـ ١، رقم ٣٥٤, ٢؛ - Der Les Manuscrits arab. de l' Es-: enbourg curial، رقم ٣٥٦، ٢). ٥ - إعتاب الكتاب (Casiri: فهرسة المذكور، رقم ١٧٢٦). المصادر: (١) الغُبْرينى: عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء فى المائة السابعة ببجَايَة، الجزائر ١٣٣٨ هـ، ص ١٨٣. (٢) ابن شاكر الكتبى: فوات الوفيات، بولاق ١٢٩٩ هـ، جـ ٢، ص ٢٢٦. (٣) المَقَّرى: نفح الطيب، القاهرة ١٣٠٢ هـ، جـ ١، ص ٦٣١. (٤) الزَرْكَشى: تاريخ الدولتين

стр. 126

الموحِّدية والحَفْصيَّة، ترجمة فانيان Fag- nan، ص ٣٦، ٣٨، ٤٨. (٥) ابن خلدون: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر فى تاريخ العرب والعجم والبربر، ترجمة ده سلان de Slane، جـ ٢، ص ٣٠٧، ٣٤٧ - ٣٥٠. (٦) Geschichtschr. der: Wustenfeld Araber ص ١٢٨، رقم ٣٤٤. (٧) Scriptorum arab. loci de: Dozy Abbadides جـ ٢، ص ٤٦. (٨) Pons Boigues: -Ensayo bio bibliografio ص ٤٠٩. (٩) Bibliotheca Arabigo-: Codera Hispana, جـ ٤ (مقدمته "للمعجم" و"التكملة"). (١٠) Poesie und unst de: von Schack Araber جـ ١، ص ١٤٢ ومابعدها. (١١) Gesch. der arab.: Brockelman Litt جـ ١، ص ٣٤٠ وما بعدها. (١٢) Litterature arabe: Huart ص ٢٠٤. [محمد بن شنب] ابن أبى أصيبعة مُوَفَّق الدين أبو العباس أحمد بن القاسم السعدى الخَزْرَجى: طبيب ومصنف فى السير، ولد بدمشق عام ٦٠٠ هـ (١٢٠٣ م) وتعلم الطب فيها، ثم فى القاهرة بالبيمارستان الناصرى؛ ونخص بالذكر من أساتذته ابن البيطار [انظر هذه المادة] العالم بالنبات. وفى عام ٦٣٤ هـ (١٢٣٦ م) شغل موفق الدين منصبًا فى أحد بيمارستانات القاهرة، ولكنه استبدل به فى العام التالى منصب طبيب الأمير عز الدين أيْدُمُر فى صَرْخَد، ومات فى هذه المدينة عام ٦٦٨ هـ (١٢٧٠ م). وأهم مصنفات ابن أبى أصيبعة كتابه فى تراجم الحكماء والأطباء المشهورين، الذى صنفه للوزير أبى الحسن بن غَزّال السامرى باسم "عيون الأنباء فى طبقات الأطباء" وقد نشره فى القاهرة عام ١٢٩٩ هـ \ ١٨٨٢٠ م) ميلر Miiiller ونشرت مقدمة له فى كونكز برغ ١٨٨٤ م.

стр. 127

المصادر: (١) Histoire de la Medecine: Leclerc Arabe جـ ٣، ص ١٨٧ وما بعدها. (٢) uber Ibn Abi Ocaibi'a: A. Muller und seine Geschichte der Arzte فى أبحاث مؤتمر المستشرقين الدولى السادس المجتمع بليدن، جـ ٢، ص ٢٥٩ وما بعدها: وهناك مقالات أخرى: انظر المصادر التى ذكرها بروكلمان فى كتابه. Geschichte etc، جـ ١: ص ٣٢٦. تعليق على مادة "ابن أبى أصيبعة" إن ترجمة حياة ابن أبى أصيبعة لا تعرف إلا من إشاراته القصيرة الواردة فى كتابه العظيم "عيون الأنباء فى طبقات الأطباء": كان جده خليفة ابن يونس الخزرجى فى عام ٥٦٢ هـ من أتباع صلاح الدين عندما كان هذا البطل أميرًا وقائدًا فى خدمة عمه شيركوه. وولد ابنه الأكبر سديد الدين القاسم فى القاهرة عام ٥٧٥ هـ، وولد ابنه الأصغر رشيد الدين على فى حلب عام ٧٥٩ هـ وأصبح الاثنان من الأطباء المبرزين. وكانت دراسة الطب مزدهرة بنوع خاص فى مصر والشام، حيث أسس حكام قادرون (أمثال نور الدين بن زنكى وصلاح الدين) البيمارستانات فى دمشق والقاهرة، وشجعوا دراسة الطب ورجاله بكل الوسائل الممكنة. وكان من بين العلماء الأعلام الذين وفدوا من بغداد إلى دمشق والقاهرة "عبد اللطيف بن يوسف" الذى أصبح صديقًا حميمًا لخليفة بن يونس الخزرجى والذى درس لولديه اللذين كانا يطلبان العلم كذلك على الفيلسوف الطبيب اليهودى موسى بن ميمون. وقد درس القاسم "الكحالة" على أبى حجاج يوسف السبتى فى البيمارستان الناصرى بالقاهرة وأصبح كحالًا شهيرًا. وفى ٦٠٦ هـ أبرأ الملك العادل سيف الدين من رمد شديد: والتحق منذ ذلك الحين ببلاط سلاطين الشام، وعين ناظرًا للكحالين: وتوفى فى دمشق عام ٦٤٩ هـ. وكان ابنه أحمد -الذى ولد فى حدود عام ٥٩٥ هـ فى القاهرة، والذى لقب باسم جده "ابن أبى أصيبعة"- شابًا موهوبًا

стр. 128

درس فيما بعد دراسة عملية وعلمية قيمة فى البيمارستان النورى، وتلقى الطب على رضى الدين الرحبى، وشمس الدين الكُلِّى (سمى كذلك لأنه كان يحفظ كُلِّيات قانون ابن سينا عن ظهر قلب)، وابن البيطار مؤلف جامع المفردات، وخاصة مهذب الدين عبد الرحيم بن على الدخوار (توفى عام ٦٢٨ هـ) الذى أنشأ مدرسة ممتازة من الأطباء وكان له فضل عظيم على دراسة الطب فى عصره. وكان زميله فى البيمارستان الطبيب اليهودى عمران ابن صدقة الذى كانت لديه مكتبة غنية بالكتب الطبية. وكانت سنو دراسة ابن أبى أصيبعة على هذين الأستاذين محببة إلى نفسه، ومن المحتمل أنه استغل إلى حد كبير كتب ابن صدقة فى تأليف تاريخه. وكان ابن أبى أصيبعة يقوم حينًا من الزمن بالكحالة فى البيمارستان الناصرى بالقاهرة حيث استفاد من دروس السديد بن أبى البيان الإسرائيلى، الطبيب والعالم بالأقراباذين، وهو مؤلف كتاب الأقراباذين المعروف: "الدستور البيمارستانى". وعلى هذا النحو استطاع ابن أبى أصيبعة أن يحذق الطب من ناحيته العملية، كما كان فى الوقت نفسه يكتب تاريخه المعروف عن الأطباء. وتمت أول نسخة من هذا الكتاب فى حدود عام ٦٤٠ هـ، ، ومنذ ذلك الحين أضاف المؤلف عدة زيادات وصلت بالتراجم إلى عام ٦٦٧ هـ أى قبل وفاة المؤلف بعام واحد، ولهذا السبب تختلف النسخ المخطوطة الموجودة فيما بينها اختلافا بينًا. ولم يكن ابن أبى أصيبعة كاتبًا مجيدًا، كما ينقص كتابه فى بعض الأحيان الإصابة فى النقد، وقد جعلت كثرة ما أورده من الشعر -ومعظمه ردئ- دراسة هذا الكتاب من الصعوبة بمكان. على أن لابن أبى أصيبعة فضلًا عظيمًا بما جمعه من أخبار فاق فيها غيره فى التاريخ الطبى والعلمى للقرون الوسطى فى الشرق (ولا يستثنى من ذلك ابن النديم وابن القفطى). وقد أمدنا فوق ذلك بشئ عن الطب الهندى واليونانى لم يكن ليصل إلينا بدونه، كما أمدنا بتفاصيل وافية عن الحياة الاجتماعية والعلمية فى العالم الإسلامى. لذلك أصبح كتابه مصدرًا عظيم الأهمية

стр. 129

مكملًا لما كتبه عظماء المؤرخين المسلمين فى التواريخ العامة. ويحتوى كتابه على نبذ كثيرة أخذت من كتب أخرى فقدت منذ أمد بعيد، مثال ذلك: نبذ من كتب جالينوس الطبيب اليونانى المشهور، وحنين النصرانى وابنه إسحاق، وعبيد الله بن جبرائيل بن بختيشوع. ومن المسلمين ابن جلجل، والمبشر بن فاتك، والدخوار وكثيرون غيرهم. ومن الواضح أن ابن أبى أصيبعة قد ترجم لأطبائه تراجم دقيقة، وأن ما أثبته من الكتب بلغ من الثقة حدًا كبيرًا. وهذه الكتب الوفيرة التى أثبتها فى آخر كل ترجمة من الأربعمائة ترجمة التى كتبها عن رجال الطب فى العصر الإسلامى تعطينا فكرة صحيحة عن هذا الإنتاج العلمى العظيم لكثير من هؤلاء العلماء وما وصلوا إليه فى بعض الأحيان من المعرفة الشاملة العجيبة. وقد اعتمد الكتابان الموثوق بهما اللذان كتبا عن الطب الإسلامى باللغات الأوروبية، وهما كتاب فستنفلد Wustenfeld بالألمانية، وكتاب لكلرك Leclerc بالفرنسية، كل الاعتماد على مصنف ابن أبى أصيبعة "عيون الأنباء". وقد بدأ بترجمة هذا المصنف مع التعليق عليه كثير من العلماء (ريسكه Reiske وسنكوينتى Sanguinetti، وحامد والى أفندى) ولكنهم لم يسيروا فى الترجمة إلا بضع صفحات، مع أن الأطباء والمؤرخيىْ الذين يكتبون فى التاريخ العام عن الشرق فى أشد الحاجة إلى مثل هذه الترجمة. ونستدل من أقوال ابن أبى أصيبعة نفسه أنه ألف ثلاثة كتب أخرى، ولكنها لم تصل إلى أيدينا، وهى "كتاب حكايات الأطباء فى علاجات الأدواء" و"كتاب إصابات المنجمين" و"كتاب التجارب والفوائد"، ولا بد أنها كانت سجلًا طريفًا لأقاصيص طبية ومشاهدات مهمة له ولأساتذته فى البيمارستان. أما كتابه الثالث "كتاب التجارب والفوائد" فإنه لم يتم. مصادر أخرى: (١) حاجى خليفة: طبعة فلوكَل، جـ ٤، ص ١٣٣، ص ٢٨٨ - ٢٨٩. (٢) أحمد عيسى بك: تاريخ البيمارستانات، القاهرة ١٩٢٨ م.

стр. 130

(٣) Opuscula nned-: Reiskii et Fabri ica، هال (بألمانيا) ١٧٧٦ م، ص ٤١ - ٦٣. (٤) Relation de l'Egypte: De Sacy par Abd al Latif, باريس ١٨١٠ م، ص ٤٧٨. (٥) Pusey , انظر تعليقاته فى Ca- talogus Bodleianus، جـ ٢، ص ١٢٦. (٦) Journ. Asialique: Sanguinetti المجموعة الثالثة، المجلد الخامس، ص ٢٣٢ وما بعدها. (٧) Uber Text und: A. Muller 'Sprachgebrauch von Ibn Abi Usaibia Geschichte der Aerzie فى Sitzungsber der Kgl. Bayer. Akad. d. Wissensch. Phil hist. Kl. ١٨٨٤ H. V. ميونخ ١٨٨٥ م، ص ٨٥٣ - ٩٧٨ (٨) حامد والى Drei Kapitel aus der: -Aerztegeschicte des Ibn Abi Osaibi' a In ,aug Diss برلين ١٩١٠ م. (٩) Geschichte der: J. Hirschberg Augenheilkunde im Mittelalter, ليبسك ١٩٠٥ م. (١٠) Arabian Med-: E.G. Browne icine, كمبردج سنة ١٩٢١ م. (١١) Science and: Max Meyerhof Medicine فى كتاب Legacy of Islam, أكسفورد ١٩٣١ م، ص وما بعدها. [ماكس ميرهوف Max Meyerhof] ابن الأثير يطلق هذا الاسم على إخوة من جزيرة ابن عمر يعدون من أشهر علماء العرب ومؤلفيهم. (١) أكبرهم مجد الدين أبو السعود السعادات المبارك ابن محمد، ولد عام ٤٤٥ هـ (١١٤٩ م) وتوفى بالموصل عام ٦٠٦ هـ). (١٣١٠ م) (انظر ابن الأثير: الكامل، جـ ٢١، ص ١٩٠)؛ وانصرف بخاصة إلى القرآن الكريم والحديث والنحو. وقد ذكر ابن خلكان مؤلفاته فى الوفيات (طبعة فستنفلد رقم ٥٢٤؛ وطبعة بولاق، ١٢٩٩ هـ, ص ٥٥٧ - ٥٥٨)، وياقوت فى إرشاد

стр. 131

الأريب، (طبعة مركوليوث، جـ ٦، ص ٢٣٨ وما بعدها). وبروكلمان (Gesch: Brockelmann، جـ ١، ص ٣٥٧) أما فيما يتصل بتاريخ حياته، فقد درس النحو على يد ابن الدهان فى الموصل، والحديث فى بغداد، ثم اتصل بخدمة الأمير "قيماز" الذى كان يحكم البلاد مدة طويلة من قبل سيف الدين غازى، وتولى ديوان رسائل خليفتى غازى "مسعود ابن مودود و"نور الدين أرسلان شاه". على أن أخاه يحدثنا بأنه تردد فى قبول هذا المنصب الرفيع ولم يقبله إلا نزولا على إرادة نور الدين؛ ثم عرض له مرض كف يديه ورجليه، ويقول ابن خلكان: إنه ألف معظم كتبه، إن لم يكن كلها، وهو على هذه الحال. وجعل من منزله رباطا للمتصوفة. (٢) وولد الأخ الثانى "عز الدين أبو الحسن على بن محمد" عام ٥٥٥ هـ (١١٦٠ م) فى الجزيرة، وتوفى فى الموصل عام ٦٣٠ هـ (١٢٣٤ م) وهو صاحب الكتاب المشهور "الكامل فى التاريخ" الذى يستشهد به كثيرا فى هذه الدائرة، وصنف كذلك تاريخا لأتابكة الموصل (نشر فى Recueil des Historiens arabes de Croisades جـ ٢)، كما صنف معجما مرتبا على حروف الهجاء عن الصحابة، عنوانه "أسد الغابة فى معرفة الصحابة، (طبعة القاهرة، ١٢٥٨ هـ) ولخص كتاب الأنساب للسمعانى بعنوان "اللباب"، وجاء السيوطى بدوره فوضع مختصرا لهذا الكتاب عنوانه: "لب اللباب" (طبعة veth. Lugd. Bat., عام ١٨٤٠ م). وأهم مؤلفاته جميعا كتابه فى التاريخ الذى انتهى بحوادث عام ٦٢٨ هـ؛ وهو مصنف له قيمة عظيمة (فيما يختص بالجزء الأول منه. انظر Brockelmann: Das Verhaltnis von Ibn-el-Atirs Kamil fit -errusul wal tarikhzu Tabaris Ahbar muluk). وتلقى عز الدين العلم فى الموصل وفى بغداد، كما رحل إلى بلاد الشام, ووقف بقية حياته على العلم الذى انقطع له. (انظر ابن خلكان: وفيات، طبعة فستنفلد Wustenfeld , رقم ٤٣٣؛

стр. 132

Geschichte: Brockelmann، جـ ١، ص ٣٤٥ وقد ذكر كتبا أخرى). (٣) وولد الأخ الثالث "ضياء الدين أبو الفتح نصر الله" عام ٥٥٨ هـ (١١٦٣ م) فى الجزيرة، وتوفى عام ٦٣٧ هـ (١٢٣٩ م) ببغداد. وترجع شهرته على الأخص إلى أنه كان من أصحاب الأساليب. أما كتابه فى البلاغة "المثل السائر فى أدب الكاتب والشاعر" (طبعة بولاق ١٢٨٢ هـ) فيعد من أهم المراجع فى العالم الإسلامى؛ وقد ذكر مؤلفاته الأخرى ابن خلكان وبروكلمان (Bockelmann، Gesch., جـ ١, ص ٢٩٧). وهو على خلاف أخيه المؤرخ، عاش عيشة كلها نشاط وحركة؛ قدمه القاضى الفاضل إلى صلاح الدين، واتصل بخدمته عام ٥٨٧ هـ وسرعان ما أصبح وزير الملك الأفضل بن صلاح الدين؛ ولما انتزعت دمشق من الملك الأفضل فرّ ضياء الدين بكل مشقة إلى مصر فى صندوق مقفل. وظل مختفيا حتى استقر الملك الأفضل فى سميساط التى عوض بها عن ملكه السابق. ولكن ضياء الدين لم يمكث بها سوى مدة قصيرة، ثم اتصل بخدمة صاحب حلب عام ٦٠٧ هـ (١٢١٠ م)، ولم يطل مقامه هناك فغادرها سعيا وراء حظه إلى الموصل؛ ثم إربل فسنجار. وفى عام ٦١٨ هـ (١٢٢١ م) كتب الإنشاء لصاحب الموصل ناصر الدين محمود. وتوفى أثناء إحدى رحلاته لبغداد. أما ولده شرف الدين محمد، فقد كان أيضا مؤلفا، توفى فى ريعان شبابه عام ٦٢٢ هـ (١٢٢٥ م). المصادر: (١) ابن خلكان: وفيات: طبعة فستنفلد WUstenfeld, رقم ٧٣٤. (٢) Brockelmann كتابه المذكور. (٣) انظر كولدسيهر Golaziher ومركوليوث Margoliouht فى المصادر التى ذكرها بروكلمان Brockelmann . وهناك مؤلفون آخرون يكنون بابن الأثير الدين أبى الفداء إسماعيل المتوفى عام ٦٩٩ هـ (انظر Brock- elmann، كتابه المذكور، جـ ١، ص ٣٤١؛ ويذكر كولدسيهر Goldziher مؤلفا آخر

стр. 133

فى Abhandlungen zur arab. Philologie جـ ١، ص ٧١). تعليق على مادة "ابن الأثير" (٢) أخذ ابن الأثير العلم عن شيوخ عصره بالجزيرة والعراق والشام، فسمع بالموصل من خطيبها أبى الفضل عبد الله بن أحمد الطوسى، وسمع ببغداد من أبى القاسم يعيش بن صدقة الفقيه الشافعى وأبى أحمد عبد الوهاب بن على الصوفى، وسمع بدمشق من زين الأمناء وغيره. وعاش ابن الأثير منقطعا إلى العلم تحصيلا وتدريسا وتصنيفا، وربما استسفره صاحب الموصل فى بعض الشئون السياسية لدى أولى الأمر ببغداد، كما يؤخذ من قول ابن خلكان: "وقدم بغداد مرارا حاجا ورسولا من صاحب الموصل". وقد روى عن ابن الأثير غير واحد من جلة العلماء. فابن خلكان يصرح بأنه عند ما لقيه فى صباه بحلب لازمه وتردد عليه، ويقول فى ترجمته أبو محمد التسترى: "وذكر شيخنا ابن الأثير فى تاريخه ... " وممن روى عنه أيضا الشرف بن عساكر وسنقر القضاعى اللذان يقول فيهما صاحب "طبقات الشافعية الكبرى"، "إنهما من أشياخ أشياخه". * * * لا شك أن كتاب "الكامل" الذى يقع فى اثنى عشر جزءا أجل تصانيف ابن الأثير وأشهرها. وكان جل اعتماده فى الأجزاء السبعة الأولى منه على أبى جعفر الطبرى، وقد اختصر الطبرى فحذف الأسانيد وترك الإسهاب واكتفى بالرواية الواحدة، على أن ذلك لم يمنعه من أن يستمد من مصادر أخرى كابن الكلبى والمبرد والبلاذرى والمسعودى ما ترك الطبرى عن قصد أو غير قصد، وذلك مثل أيام العرب قبل الإسلام والوقائع بين قيس وتغلب فى القرن الأول الهجرى، وغزو العرب السند، إلخ. وأما بقية أجزاء الكتاب فقد انتفع ابن الأثير فى تأليفها بكل المصادر العربية التى وصلت إلى يده، لذلك يعتبر كتابه بحق خلاصة وافية لما كتب

стр. 134

المسلمون فى تاريخهم السياسى حتى سنة ٦٢٨ هـ. وبعد: فابن الأثير مؤرخ يمتاز بشدة التثبت فيما ينقل، بل قد يسمو أحيانا إلى نقد المصادر التى يستمد منها، وله استدراكات وجيهة على الطبرى والشهرستانى وغيرهما من العلماء والمؤرخين الذين نقل عنهم. (انظر "وفيات الأعيان" لابن خلكان جـ ١، ص ٢٠٨, ٤٩٤ - ٤٩٥ طبع بولاق سنة ١٢٨٥ هـ؛ وكتاب "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكى جـ ٥، ص ١٢٧ طبع مصر سنة ١٣٢٧ هـ؛ و"الكامل" لابن الأثير جـ ١، ص ١٢٧ و ١٣١ طبع بولاق سنة ١٢٩٠ هـ). Das Varhaltnis von: Von C. Brockelmann Ibn El-Atirs Kamil Fit Tarich zu Tabaris Ahbar Errusul Wal Muluk. Strassburg, ١٨٩٠. عبد الحميد العبادى ابن الأحنف أبو الفضل العباس شاعر من شعراء بلاط هارون الرشيد، أجداده عرب من قبيلة حنيفة باليمامة، كانوا استقروا فى خراسان، ومع ذلك فإن الدماء الفارسية كانت تغلب عليه. وهو خال إبراهيم الصولى. ولقد صحب الرشيد فى حملاته على خراسان وأرمينية. ولما توفى حوالى عام ١٩٢ هـ (٨٠٨ م) عهد إلى المأمون بالصلاة عليه. ولكن المسعودى يعطينا رواية أخرى عن خاتمة هذا الرجل؛ كما تذكر بعض الروايات أنه عاش بعد وفاة الرشيد. وكل شعره فى الغزل والنسيب، أما أسلوبه فيميل إلى الصناعة والبعد عن الطبيعة. ولقد بزه معاصره أبو نواس وأطفأ شهرته، ولكنه مع ذلك كان يفوق أبا نواس فى شخصيته وسلامة ذوقه، وطُبع ديوانه مع ديوان ابن مطروح (الآستانة ١٨٨٨ م) وبه ترجمة للشاعرين اعتمد فيها على ابن خلكان. المصادر: (١) ابن خلكان، طبعة فستنفلد Wustenfeld رقم ٣١٩. (٢) الأغانى، جـ ٨، ص ١٥ وما بعدها.

стр. 135

(٣) ابن قتيبة: كتاب الشعر، طبعة ده غويه de Goeje, ص ٣٦٣, ٥١٨, ٥٢٥ - ٥٢٧. (٤) المسعودى: مروج الذهب، الفصل ١١٧. (٥) Geschichte etc.: Brockelmann جـ ١، ص ٧٤ وما بعدها، ص ٥١٤. [ت. هـ. فاير T. H. Weir] تعليق على مادة "ابن الأحنف" أوجز الكاتب فى تحليل شعر ابن الأحنف ونقده؛ ومن المهم أن نضيف إلى كلامه هاتين الخصيصتين: الأولى - وقوف ابن الأحنف عند غزل المؤنث فى عصر أبى نواس حين كان النسيب يفيض بالكلام عن الغلمان، حتى ليصعب أن نجد شاعرا خلا شعره من غزل المذكر. الثانية - قصر الهوى على محبوبة واحدة هى "فوز" فى عصر كان الهوى فيه من عبث النفس والقول، وكان الشعراء يغرمون بالطواف العابث فى رياض الجمال. أما الناحية التى غلبت على شعره فهى الإشادة بفضل الكتمان، وكنت أنتظر أن يقول القدماء "كتمان ابن الأحنف" كما قالوا "خيال البحترى" لإكثاره من الحديث عن الطيف. وشعر ابن الأحنف فى الكتمان كثير جدًا، وهو يفتن فيه افتنانا عجيبا، وإليك هذين البيتين: قد سَحَب الناس أذيال الظنون بنا ... وفرّق الناس فينا قولهم فرقا فجاهل قد رمى بالظن غيركمو ... وصادق ليس يدرى أنه صدقا وفى شرح شواهد ابن عقيل للعدوى (ص ٢٢ طبع الحلبى) أن ابن الأحنف مات هو وإبراهيم الموصلى والكسائى النحوى فى يوم واحد، فرفع ذلك إلى الرشيد فأمر المأمون أن يصلى عليهم فصفوا بين يديه فقال: من هذا الأول؟ : قالوا: إبراهيم الموصلى. فقال: أخروه، وقدموا العباس بن الأحنف: فقدم فصلى عليه. فلما فرغ وانصرف دنا منه هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعى فقال: يا سيدى! كيف آثرت العباس بن الأحنف بالتقدمة على من حضر؟ فأنشد المأمون:

стр. 136

وسعى بها ناس فقالوا إنها ... لهى التى تشقى بها وتكابد فجحدتهم ليكون ظنك غيرهم ... إنى ليعجبنى الحب الجاحد وإن صحت هذه الرواية كان ذلك دليلا على أن القدماء تنبهوا إلى فضل كلامه فى الكتمان. وكان لشعر ابن الأحنف ذكر عند علماء البلاغة حين يتكلمون عن الرقة والجزالة، واختار له أبو الهلال العسكرى ثلاثة أبيات (انظر الصناعتين، ص ٤٤، طبع الآستانة). ويمكن أن يقال إنه فى العصر العباسى كعمر بن أبى ربيعة فى العصر الأموى، فكلاهما قصر شعره على النسيب وتنزه عن المدح والهجاء. والفرق بينهما أن ابن أبى ربيعة عابث، أما ابن الأحنف فكان من المتيمين. وفى زهر الآداب كلمة نفيسة فى وصف شمائل ابن الأحنف (يجدها القاريء فى ص ٨٥، ٨٦، جـ ٤). زكى مبارك + وابن الأحنف، عباس أبو الفضل شاعر غزل من شعراء العراق توفى فيما يظهر بعد عام ١٩٣ هـ (٨٠٨ م) وتنتسب أسرته إلى عشيرة حنيفة العربية، من كورة البصرة، ولكنها نزحت إلى خراسان. ومع ذلك فإن أباه عاد إلى البصرة فيما يبدو، وهناك توفى على ما يقال سنة ١٥٠ هـ (٧٦٧ م؛ انظر الخطيب البغدادى، ص ١٣٣). ولد العباس حوالى ١٣٣ هـ (٧٥٠ م) ونشأ فى بغداد (ولا بد أن يكون هذا هو معنى الفقرة التى أوردها ابن قتيبة، ص ٥٢٥، وكلمات الصولى التى استشهد بها الخطيب، ص ١٢٨، وكلمات الأخفش التى رددها الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٨، ص ٣٥٣). ونحن لا نعلم شيئا عن أيام مراهقته ولا عن دراساته. ولا شك فى أنه بدأ يقرض الشعر فى سن مبكرة جدا، وشاهد ذلك حديث بشّار (المتوفى سنة ١٦٧ هـ = ٧٨٣ م) عن أول ما قال من الشعر ونعته إياه بالفتى أو الغلام (الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٨، ص ٣٥٥ وما بعدها؛ الخطيب، ص ١٣٠). وكل ما نعلمه عن تفصيلات حياته يظهره فى ثوب المقرب إلى الخليفة هارون الرشيد، على أن

стр. 137

الرشيد لم يتخذه مداحا له بقدر ما اتخذه نديما يسامره فى ساعات فراغه. ومن الثابت فيما يبدو أن الشاعر صحب الرشيد فى حملاته على خراسان وأرمينية، ولكن الحنين إلى الوطن غلبه فأذن الخليفة له بالعودة إلى بغداد (الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ١، ص ٣٧٢). وكانت للعباس أيضا صلة بكبار عمال الدولة من البرامكة، وخاصة يحيى بن جعفر (الأغانى الطبعة الثالثة، جـ ٥، ص ١٦٨, ٢٤١). ونستطيع أن نذهب إلى أن بعض السيدات من حريم الخليفة كن يستحسن كثيرا أشعار ابن الأحنف مثل أم جعفر التى أجزلت له العطاء (الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٨، ص ٣٦٩). وقد رفع من مكانته رضى أصحاب السلطان عليه، وشاهد ذلك أن ابن أخته إبراهيم الصولى المتوفى سنة ٢٤٣ هـ (٨٥٧ م) وهو شاعر أيضا، كان كاتبا (انظر عنه المسعودى: المروج، جـ ٧، ص ٢٣٧ - ٢٤٥؛ الخطيب، ص ١٢٩؛ ويلاحظ أن إبراهيم كان عم أبى بكر الصولى المشهور. ولم يصل إلينا شئ تقريبا عن صلات ابن الأحنف الأدبية. والظاهر أنه كان على صلة سيئة بمُسلم بن الوليد (الخطيب، ص ١٢٨) وأبى هذيْل العلاف المعتزلى (الأغانى، جـ ٥، ص ٣٥٤). وتروى روايات مختلفة فى وفاته، فقيل إنه توفى سنة ١٨٨ هـ (٨٠٣ م؛ الأغانى جـ ٥، ص ٣٥٤) وكرر الخطيب (ص ١٣٣) رواية الأغانى؛ وقيل أيضا سنة ١٩٢ هـ (٨٠٧ م؛ الخطيب، ص ١٣٣، وياقوت، جـ ٤، ص ٢٨٣)؛ وقيل أن وفاته وقعت بعد عام ١٩٣ هـ (٨٠٨ م) كما فى رواية صديق له يقال إنه لقيه فى بغداد بعد وفاة الرشيد التى حدثت فى السنة نفسها (الخطيب، ص ١٣٣؛ ابن خلكان). ويحتمل أن سنه كانت وقتذاك حوالى الستين. ويقال إنه توفى وهو فى طريقه إلى الحج ودفن بالبصرة (الخطيب، ص ١٣٢ - ١٣٣؛ المسعودى, جـ ٧، ص ٢٤٧). وقد جمعت آثار ابن الأحنف بعد وفاته على يد "زُنْبُور، ثم جمع أبو بكر الصولى المختار منها (الفهرست، ص ١٦٣, ١٥١)، وترجم الصولى لابن الأحنف أيضا (المصدر المذكور،

стр. 138

ص ١٥١) ترجمة استخدمها بإفاضة أبو الفرج الإصفهانى فى ما كتبه من أخبار ابن الأحنف. وليست بين أيدينا معلومات عن الروايات فى شعره التى انتشرت فى خراسان فى حياة عبيد الله بن طاهر المتوفى سنة ٣٠٠ هـ (٩١٢ م؛ انظر الأغانى، جـ ٨، ص ٣٥٣) ولا يستطيع المرء أن يستبعد الفرض الذى يذهب إلى أن أبياتا لشعراء مجهولين قد ضمت إلى هذه الروايات عن خطأ. (انظر التفصيل الذى ذكره المرْزبانى، ص ٢٩٢). ومهما يكن من شئ فإن ياقوت (جـ ٤، ص ٢٨٤) يشير إلى أن مخطوطات عصره كانت متضاربة. وآثار ابن الأحنف محفوظة فى مخطوطين اثنين من المختار الذى صنعه الصولى. وقد اعتمدت طبعة استانبول التى تشوبها المآخذ على مخطوط ثالث لعله مفقود (طبعة إستانبول سنة ١٢٩٨ هـ = ١٨٨٠ م، وقد صدرت صورة منها طبق الأصل فى القاهرة - بغداد سنة ١٣٦٧ هـ = ١٩٤٧, انظر Diwan d'al Abbas b. al-Ahnaf: A Khursaji رسالة قدمت إلى كلية الآداب، باريس سنة ١٩٥٣). والمجموعة الموجودة من شعره قطع قصيرة فى معظمها، وربما كان بعضها مجرد مقتطفات من قصائد طويلة. وكان العباس بن الأحنف -كما أجمع كتاب سيرته المسلمون- لا يقول الشعر إلا فى غرض واحد هو الغزل (وانظر مثلا ابن قتيبة، ص ٥٢٥؛ الفهرست، ص ١٣٢؛ الأغاني، الطبعة الثالثة، جـ ٨، ص ٣٥٢). ويؤيد ذلك القطع التى بقيت بين أيدينا من شعره. فهو يظهر فيها ناسجا على منوال شعراء الحجاز أى عمر بن أبى ربيعة بعامة، وجميل والأحوص والعرجى بخاصة، وهم الذين كانت نزعات مدرستهم قد بدأت تستقر فى آثارهم وتتخذ قالبا مقررا. وعاد يظهر فى أشعار ابن الأحنف ذلك النهج النفسى للمحب الخاضع، بل بدت أيضا تلك الشخصيات المتوهمة للرقيب والواشي. وقد صورت المرأة التى يشيد بها فى صورة وقفت عند نمط معين، حتى إننا لنعجز عن القول: هل يعمد الشاعر إلى مجرد الجمع بين قوالب جامدة أم هو ينبعث من تجربة حقيقية. وليست كل

стр. 139

أشعاره مع ذلك تعبيرا عن الحب المثالى، إذ نحن نجد فيها (الديوان، طبعة استانبول، ص ١٤٨ - ١٥٠) عربدة مع قيان. وعلى كل فإن شعر ابن الأحنف على طرفى نقيض مع شعر أبى نواس الذى يشيع فيه التمجيد الشهوانى لمحبوبه. وفن العباس يغلب عليه التقليد وإلهامه يبعث الملالة فى النفس. على أنه يتحاشى فى أسلوبه المحسنات البلاغية التى لا غناء فيها، ولغته تشبه لغة أبى نواس فى بساطتها وتدفقها مع البعد عن الابتذال والإسفاف. ولا يمكن أن ننسب رواج شعر العباس من أول الأمر إلى مجرد وجود أثر هلينى فيه أو إلى توقير لسنة عربية قديمة فحسب، بل يجب أن نضع فى الاعتبار أيضا المجتمع الذى عاش فيه الشاعر، ذلك أن أشعار العباس قد تردد فيها نزوع الرشيد إلى الفنون وذوق نساء البلاط فكانت بذلك مادة مهيئة للملحنين والمغنين مثل إبراهيم الموصلى (انظر الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٦، ص ١٨٢؛ جـ ٨، ص ٣٦١, ٣٥٤ - ٣٥٦. على أن الرضا عليها من قبل أدباء كالجاحظ وابن قتيبة والمسعودى، ومحب للموسيقى مثل الخليفة الواثق، ورجل من الظرفاء مثل أبى بكر الصولى، ثم رجل صارم الخلق مثل سلمة بن عاصم (انظر ابن قتيبة: الشعر، ص ٥٢٥ وما بعدها، وخاصة الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٨، ص ٣٥٤ وما بعدها) ليدل على أن هذه الآثار الشعرية كان من الممكن أن يستحسنها جمهور له أذواق شتى. ومن العسير أن نحدد مكانة العباس بن الأحنف فى تاريخ الشعر العربى. هاذا كانت الأندلس الإسلامية قد قدرت هذا الشاعر المشرقى (انظر ابن حزم: طوق الحمامة، طبعة Bercher, ص ٢٨٥؛ La Poesie and alouse en arabe clas-: Peres sique au Xle siecle ص ٥٤, ٤١١) فإن المرء قد يجد فيه شاعرا من الشعراء الذين أثروا فى شعر الغزل الذى كانت تقدره هذه البلاد تقديرا عظيما. ومن ثم يكون شأنه فى تطور هذا الضرب من الشعر على أعظم جانب من الأهمية. وقد حاول نقاد من المشارقة حديثا مثل

стр. 140

فريد رفاعى والبهبيتى أن يكشفوا عما يمكن أن يبقى له قيمة خالدة فى شعر العباس. وقد وضع هل Hell وتورى Torrey فى دراستين ثاقبتين الشاعر فى بيئته ولاحظا أثره فى الأدب العربى. المصادر: (١) ابن قتيبة: الشعر، طبعة ده غويه: ص ٥٢٥ _ ٥٢٧. (٢) المسعودى: المروج، جـ ٧، ص ١٤٥ - ١٤٨. (٣) الأغانى، الطبعة الثالثة، فى مواضع مختلفة، جـ ٨، ص ٣٥٢ - ٣٧٢. (٤) المرزبانى: الموشح، ص ٢٩٠ - ٢٩٣. (٥) الفهرست، ص ١٣٢, ١٥١, ١٦٣. (٦) الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد، جـ ١٢، ص ١٢٧ - ١٣٣. (٧) ياقوت: إرشاد الأريب، جـ ٤، ص ٢٣٣ - ٢٣٤. (٨) ابن خلكان، رقم ٣١٩ (ناقلًا عن الخطيب والمسعودى). (٩) فريد رفاعى: عصر المأمون، جـ ٢، ص ٣٩٣ - ٣٩٩. (١٠) البهبيتى: تاريخ الشعر العربى القاهرة سنة ١٩٥٠ م، ص ٤٠١ - ٤٠٦. (١١) Al- Abbus i. Al-Ahmaf: J.Hell - der Minnsanger am Hofe Harun Al Rashids فى Islamica، سنة ١٩٢٦ م، ص ٢٧١ - ٣٠٧. (٢) The history of: C. C. Torrey Al-Abbas b. Al-Ahnaf and his fortunate verses فى. D. S. A سنة ١٨٩٤ م. ص ٤٣ - ٧٠. (١٣) Gesch der Arab.: Brockelmann Litt جـ ١، ص ٧٤، قسم ١، ص ١١٤. خورشيد [بلاشير R.Blachere]

стр. 141

ابن إسحاق أبو عبد الله محمد: مؤلف عربى وثَبْت فى الحديث. وهو حفيد يسار الذى أسر عام ١٢ هـ (٦٣٣ م) فى الكنيسة بعين التَمْر بالعراق ثم جلب إلى المدينة وأصبح من موالى قبيلة عبد الله بن قيس، وهناك شبَّ محمد؛ وقد انصرف إلى جمع الأخبار والقصص المتعلقة بسيرة النبى [ ﷺ ]. وسرعان ما اصطدم بأئمة الحديث أصحاب الرأى السائد فى المدينة، وعلى الأخص بمالك بن أنس الذى اتهمه بالتشيع وانتحال الكثير من القصص والأشعار التى أذاعها. لهذا ترك ابن إسحاق وطنه وذهب إلى مصر أولًا ثم إلى العراق، وأغراه الخليفة المنصور بالقدوم إلى بغداد حيث توفى عام ١٥٠ هـ (٧٦٧ م) أو ١٥١ أو ١٥٢ هـ. كما تقول بعض الروايات. ويظهر أنه دوّن سيرة النبى [ ﷺ ] فى كتابين: أولهما "كتاب المبتدأ" انظر الفهرست أو "مبتدأ الخلق" (انظر ابن عَدى فى ابن هشام، طبعة فستنفلد جـ ٢، ص ٨ من المقدمة ف ١، ص ٢٣) أو "كتاب المبدأ وقصص الأنبياء" (الحلبى، السيرة، جـ ٢، ص ٢٣٥) وهو تاريخ النبى [ ﷺ ] حتى الهجرة. وثانيهما كتاب "المغازى"، ويظهر أن هذا الكتاب- الذى هو أهم مؤلفاته- قد قلّل منذ القدم من شان مؤلفه "كتاب الخلفاء" وقد ظن "كاراباسك Karabacek أنه عثر على ورقة من النص الأصلى لسيرة النبى [ ﷺ ] بين مجموعة البردى الخاصة بالأرشيدوق "راينر" Rainer (انظر FUher durch die Sammlung رقم ٦٦٥). ومن جهة أخرى فإن كتاب المغازى الذى ينسب إلى ابن إسحاق والمحفوظ فى مكتبة "مدرسة كوبريلى" باستانبول (دفتر، رقم ١١٤٠) قد تبين أنه نسخة من كتاب ابن هشام (انظر Horovitz فى. Mitt. des Sem. fur. orient Sprachen جـ ١٠، Westas Stud ص ١٤) ويظهر أن الماوردى كان يعتمد على الأصل، فهو يروى عن المغازى فى

стр. 142

كتابه "الأحكام السلطانية" (طبعة إنكر Enger، ص ٦٥، س ١١ وما بعده، ص ٦٥ - ٦٦، ٦٧ - ٦٨, ٦٩) قصصًا توجد فى كتاب ابن هشام، ولكن فى صورة مقتضبة. ولا يزال كتاب المغازى باقيًا حتى اليوم فى الفقرات المسهبة التى أوردها الطبرى، ولكنه لا يوجد فى صورة قائمة بذاتها إلا فى اقتباس ابن هشام [انظر هذه المادة] الذى عرف كتاب المغازى عن طريق تلميذ مباشر لابن إسحاق هو زياد بن عبد الله البكّائى الكوفى. فقد جمع ابن هشام كتابى ابن إسحاق واختصرهما كثيرًا فى مواضع معينة, واستخلص منهما "كتاب سيرة رسول الله [ ﷺ ]، وأخرج الكتاب فى صورته الحالية فى القرن الرابع الهجرى للوزير المغربى وشرحه السهيلى المتوفى عام ٥٠٨ هـ (١١١٤ م) كما شرحه شرحًا سطحيًا جدا أبى ذر مصعب بن محمد بن مسعود المراكشى المتوفى عام ٦٠٤ هـ (١٢٠٧ م) بمدينة فاس. المصادر: (١) ابن قتيبة: كتاب المعارف، طبعة فستنفلد Wustcnfeld, ص ٢٤٧. (٢) الطبرى: ذيل المذيل، فى حوادث سنة ١٥٠ هـ , جـ ٤، ٣، ، ص ٢٥١٢. (٣) ابن خلكان: طبعة فستنفلد, رقم ٦٢٣, طبعة القاهرة ١٢٩٩ هـ، جـ ١، ص ٦١١. (٤) ياقوت: إرشاد الأريب, جـ ٦ , ص ٣٩٩ - ٤٠١. (٥) Sprenger فى Zeit schr: d. Deutsch Morg Ges, جـ ١٤ , ص ٢٨٨ - ٢٩٠. (٦) الكاتب نفسه فى Mi- Leben hamunedc, جـ ٣, ص ٧٠. (٧) Geschichte ds Qorans: Noldeke ص ١٤ Mohammed in Me-: Wellhausen dina, ص ١١. (٩) Weltgesohiohie: Ranke, المجلد الثانى، ص ٢٥٢.

стр. 143

(١٠) Geschic his-: Wustenfeld chreiber der Araber رقم ٢٨. (١١) Der islamische: M. Hartmann Orient جـ ١، ص ٣٢ وما بعدها. (١٢) Biographien uon: A. Fischer -Gewahrsmannern des Ibn Ishaq, haupt sachlich aus ad Dahabi ليدن ١٨٩٠ م، انظر Zeitschr. d. Deutsch. Morg، جـ ٤٦. ص ١٤٨ وما بعدها. (١٣) Das Leben Muhammed's nach Muhammed Ibn Ishak bearbeitet uon Abd al-Malik Ibn Hischam طبعة فستنفلد. F Wustenfeld، كوتنكن ١٨٥٨ - ١٨٦٠ م، وأعيد طبعها فى ليبسك، ١٨٩٩ م، وأعيد طبع السيرة فى بولاق ١٢٩٥ هـ وعلى هامش "زاد المعاد" لابن قيم الجوزية، القاهرة ١٣٢٤ هـ. (١٤) P. Bronnle: Die Commentat- oren des Ibn Ishaq und ihre Scholien, وهى رسالة جامعية، هال ١٨٩٥ م. (١٥) Die Kommentare des Suhaili -and des Abu dau dan zu den Uhud Gedichien in der Sira des Ibn Hisharn . Gll -٦٣٨) nach den Hdss (ed. Wust. I,. Leipzig en Berlin, Strassburg. Paris und نشرها A. Schaade رسالة جامعية، ليبسك ١٩٠٨ م (, Leipz. Sem. Stud. III a). (١٦) Commentary on Ibn Hischam's Biography of Muhammed to Abu Dzarr's -in Berlin Constantinople and The Escori al نشره Paul Bronnle فى Monumenis of Arabin Philology جـ ١، ص ٢، القاهرة ١٩١١ م. [بروكلمان C. Brovkelmann] ابن إياس (" أياس" فى اللهجة العامية) محمد ابن أحمد: أهم مؤرخ إخبارى عربى لعصر اضمحلال دولة المماليك، ولد عام ٨٥٢ هـ (١٤٤٨ م) ويظهر أنه توفى بالغًا من العمر ثمانين عامًا تقريبًا، لأن تاريخه ينتهي بحوادث عام ٩٢٨ هـ؛ أسرته من أصل تركى: وكان جده لأبيه

стр. 144

"إياس الفخرى" مملوكا تركيا يكنى باسم سيده "من جُنَيْد" بيع إلى السلطان الظاهر برقوق وألحق بمماليكه، ووصل إلى رتبة "داوادار" ثان. وقد بلغ جده لأمه رتبة أكبر فى سلم الوظائف الرسمية: فقد كان "أزدمر الخازندار" أحد الأرقاء الذين بيعوا في مصر. وشغل آخر الأمر أرفع المناصب فى القاهرة إبان حكم السلطان حسن والسلطان الأشرف شعبان، ثم ولى طرابلس وحلب ودمشق على التوالى. وكان والد ابن إياس فى القاهرة من "أولاد الناس" وهم نوع من "الرديف" عليهم القيام بالخدمة العسكرية عندما يأمر السلطان، ويعطون نظير ذلك قطائع من الأرض أو مبلغ ألف دينار أو راتبا سنويا (ألف درهم إبان حكم قايتباى) [انظر ابن إياس، طبعة بولاق، جـ ٢، ص ١٩٥ وفى مواضع مختلفة]. وكان أحمد بن إياس رجلا بارزا يتصل بكثير من الأمراء وأصحاب المناصب الرفيعة بالنسب أو بالمصاهرة. وأعقب أحمد بن إياس خمسة وعشرين ولدا، عاش منهم بعد وفاته ثلاثة ذكور وثلاث إناث، من بينهم مؤرخنا الذى نترجم له، وأخوه الذى كان رئيسا للمدفعية "زردكاش". وأهم مؤلفات ابن إياس تاريخه الإخبارى المفصل عن مصر، وعنوانه "بدائع الزهور فى وقائع الدهور"، وهو الوحيد من كتبه الجدير بأن تبقى له قيمة على الأيام، لأنه يتناول باختصار تاريخ مصر القديم إلى نهاية عصر الأيوبيين، ولكن المؤلف لم يتحرّ -فى الغالب- التحقيق فيما كتبه عن عصر المماليك حتى عهد قايتباى، بيد أنه توخى الإسهاب فى روايته للحوادث التى تبدأ باعتلاء قايتباى عرش السلطنة المصرية، وذكر تراجم كبار رجال الدولة، ووضع ثبتا شهريا بالوفيات. وإذا تعمقنا فى دراسة هذا الكتاب واجهتنا مسألة: هى أن هذا الكتاب قد بقى فى نسختين على ما يظهر، المختصرة، وهى يوميات المؤلف كما هو واضح، لأن الحوادث التى وقعت عام ٩٢١ هـ - مثلا -كما يؤخذ من النص- دونت بأكملها فى أول المحرم عام ٩٢٢.

стр. 145

وثمة دليل آخر هو أن النسخة المختصرة كتبت باللهجة الدارجة بينما النص المسهب للنسخة المطولة الموجود بمخطوط بلندن مصقول مهذب (انظر مقال فولرز Vollers المستفيض فى Revue d'Egypte , جـ ٣، ص ٥٥١). زد على ذلك أن وصف الحوادث التى وقعت بين عامى ٩٢٢ و ٩٢٨ هـ أكثر إسهابا منه فى أجزاء الكتاب المتقدمة، وقد يكون هذا الوصف المسهب جزءا من النسخة المطولة إذا كان ابن إياس هو الذى ألفه حقيقة. ومن العجيب أن الكلام عن حكم السلطان الغورى من ٩٠٦ - ٩١٢ هـ (مخطوط باريس) ومن ٩١٣ - ٩٢١ هـ (مخطوط بتروغراد) (١). لا يوجد فى النسخ الأخرى (ومن ثم لم يثبت فى طبعة القاهرة). وهذا ما دفع فولرز - Vol lers فى مقاله المشار إليه آنفا إلى استنتاج أن هذا الجزء من التاريخ لم يكن لابن إياس، ولكن من المحقق أن هذا الجزء بالذات من نتاج قلم هذا المؤرخ،
следующие страницы →