٧ - وكثيراً ما عمدوا إلى العزل ليحولوا دون ولادة الإماء، ولهذا نجد كثيراً من الجدل فى العزل عند كلامهم على أم الولد.
وقد جمع فنسنك Wensinck أهم مراجع الحديث المتعلقة بهذا الموضوع فى كتابه: Handbook of early (١) .Mohamenedan Tradition
وحسبنا أن نقول هنا أن العزل عن الإماء كان جائزاً. ويجوز للسيد أن ينكر أبوته لابنه من أم الولد حتى لا يجعلها أم ولده (٢)، ويرجع هذا إلى ما كان عليه الحال فى الجاهلية (انظر الفقرة الأولى من هذه المادة).
وهذه المسألة لم يوضع لها حكم قاطع، كما هى الحال فى الاعتراف بأبوة الابن من الزوجة الشرعية (انظر فنسنك: كتابه المذكور، مادة "ولد" ومادة "لعان")، ومع هذا فقد حاولوا تقييد حق الأب فى إنكار أبوته لابنه من أم ولده. وتنسب إلى عمر وإلى ابن عمر أحاديث تنفى حق أى رجل وطئ جاريته فى إنكار أبوته لابنها حتى لو احتج فى هذا بأنه عمد إلى العزل، أو قال بإمكان وجود أب آخر للولد. اتفق على هذا المالكية والشافعية. أما الأحناف فيذهبون إلى أن أبوة الولد وصفة الأمة باعتبارها أم ولد إنما تقوم على اعتراف السيد. ويوردون فى صدد هذا بعض الأحاديث التى تذكر أن ابن عباس وزيد بن ثابت أنكرا أبوتهما للأولاد الذين أنجباهم من أمتيهما بحجة استعمالهما للعزل.
وقد ناقش الطحاوى هذا الموضوع وأورد الأحاديث الخاصة به (انظر الطحاوى: كتابه المذكور - ص ٦٦ - ٦٨). ولا خلاف بين المسلمين على أن الولد الذى يولد للرجل من أمته حر متى ثبتت أبوته له. وكان هذا أمراً مسلما به
стр. 1192
فى الجدل الذى ثار حول أم الولد، واعتبر حجة لعدم جواز بيعها.
وطبيعى أن نستنتج من هذا أن اعتراف الأب بأبناء التسرّى (انظر الفقرة الأولى من هذه المادة) كان قبيل الإسلام عُرفاً يتبعه العرب. ويظهر أن استمرار النزاع فى أبوة ابن السرية نشأ فى الواقع عن تحسن مركز أم الولد فى الإسلام تحسناً كبيرا على حساب سيدها.
٨ - وقد ذكرت التعاليم الفقهية تفصيلات فى أم الولد نجملها فيما يلى:
كل أمة وإن كانت على غير الإسلام، أنجبت ولداً من سيدها. ولو بعد وفاته، تعتبر أم ولد وتصبح حرة متى توفى عنها سيدها. فلا يجوز بيعها وفاء لدين على ميراثه، ولا تعتبر جزءاً من ثلث التركة الذى يجوز الوصية فيه.
وإذا أوصى لها سيدها بجزء من ماله فلها أن تحصل عليه. يدل على ذلك ما جرى عليه العرف منذ عهد عمر (انظر الدارمى: وصايا، باب ٣٧) (١).
وجميع أبناء أم الولد، شرعيين كانوا أم غير شرعيين، الذين تلدهم من غير سيدها بعد حملها منه، ويصبحون أحراراً كذلك بالطريقة نفسها. أما الذين تلدهم من سيدها فيولدون أحراراً وتكون الأمة أم ولد خلال الحمل أيضاً.
واختلفت الآراء فى إجهاض أم الولد؛ واختلفت كذلك فى زواج الرجل من أمة غير مسلمة وحملها منه ثم بيعه لها، وكذلك فيما إذا أحبل الرجل أمة مملوكة لابنه. وعندها يكون متوقعاً أن تصبح أم الولد حرة فإنها تبعا لذلك لا يجوز بيعها أو إجارتها. وإذا اقترفت جرماً فإن بيع سيدها لها لا يعفيه من تحمل تبعه عملها. وتظل أم الولد فى غير ذلك أمة لا حق لها فى التملك. وما يدفع من الدية أو الأرش لما يلحقها من الضرر يكون من حق سيدها. وتختلف الآراء فى زواج سيدها منها دون رضاها. وعلى أية حال، فإن للسيد وَطْأها وإستخدامها وأخذ أجر عملها. ولكن المالكية يرون أنه لا يجوز للسيد أن يرهقها بالعمل (٢)، ويقولون إنه لا يملك
стр. 1193
تأجيرها. واختلفت الآراء كذلك فى المركز الشرعى لأم الولد المكاتبة وغير المسلمة إذا دخلت فى الإسلام. ومن المسلّم به جواز بيع أم الولد سداداً لدين على سيدها استدانه قبل أن تحمل منه، وهى فى رأى الأحناف والمالكية تفقد حقها فى الحرية أيضاً إذا قتلت سيدها عمداً، ويرى الأحناف أنها فى هذه الحالة تكون عرضة للقصاص، أما إذا كان القتل عن غير عمد فلا يصيبها شئ. ويذهب المالكية إلى أن أم الولد إذا قتلت سيدها عمداً تصبح أمة لورثته ولهم أن يقتلوها أو يبقوا عليها. فإذا أبقوا عليها تجلد مائة جلدة وتسجن سنة. أما الشافعية فيرون أنها ينبغى أن تدفع الدية فى كلتا الحالتين. ولكن الحنابلة اختلف قولهم: فهناك رواية تقول بدفعها لدية لا تزيد على ثمنها أو ديتها، ورواية أخرى تقول بدفع ثمنها فقط. ولا يختلف رأى الإمامية من الشيعة عن هذا كثيراً (انظر Querry: Droit musulman جـ ٢، ص ١٤٧ وما بعدها).
(٩) وفى الفقه الإسلامى تفرقة دقيقة بين الزواج والتسرى تبلغ من الدقة درجة يستحيل معها أن يتزوج السيد من أمة. ومن النادر الخروج على هذه القاعدة، ويقال أن شداد بن حكيم المتوفى عام ٢١٠ هـ -وهو من أصحاب زُفَر- كان إذا ابتاع أمة تزوج منها بحجة أنها ربما كانت حرة (انظر عبد القادر: الجواهر المضيئة، جـ ١، رقم ٦٦٨؛ ابن قُطلوبغا، طبعة فلوكل، ص ٨١). وذكر صاحب الفهرست (ص ٢٧، س ١٥) فى تحفظ: أن الطحاوى المتوفى عام ٣٢٢ هـ, صنّف كتاباً جّوز فيه الزواج من الإماء (والراجح أنها إماء الزوج نفسه). ولا يمكننا التحقق من صحة هذه القصص فالقصة الأولى وردت ضمن مجموعة من الحكايات وتقوم الثانية على السماع لا غير.
وليس من الضرورى أن نتلمس آثار العرف الجاهلى القديم فى تحول التسرى إلى الزواج (انظر الفقرة الأولى من هذه المادة) فى هذه القصص.
فقد تفسر القصة الأولى بما يبديه رجال الدين عادة من تحفظ كبير فى
стр. 1194
أمور الدنيا (١). وقد تُعلّل القصة الثانية بالمجاملة التى تنسب إلى الطحاوى عند كلامه عن الأمراء.
(١٠) وبالرغم من تحسن مركز أم الولد خلال تطور الفقه الإسلامى، فقد ظل النفور من زواج الأمة وإيلادها، وهو نفور قديم، قائماً أمداً طويلا. وهناك حديث من الأحاديث التى تذم التسرى ظل إلى زمن البخارى (إيمان، باب ٣٧؛ عتق، باب ٨؛ مسلم، إيمان، حديث ١، ٥، ٧) وهذا الحديث لاشك فى أن خصوم العباسيين هم الذين وضعوه ثم حُرِّف عن معناه، وكان فيه آخر صدى للاتجاه الجاهلى القديم؛ وتغيرت الأحوال الاجتماعية عنه تغيراً تاماً فتقررت المساواة المطلقة بين الأبناء الذين يولدون من زوجة حرة وبين أبناء السرية منذ عهد طويل.
المصادر:
(١) ابن قدامة: المغنى، جـ ١٢، ص ٤٨٨ وما بعدها.
(٢) Le Berceau de I'Islam: Lammens ص ٢٧٦ - ٣٠٦.
(٣) Kinship and Mar-: Robertson Smith riage in early Arabia، الطبعة الثانية، ص ٨٩ - ٩١.
(٤) Wellhausen: N.G.W، سنة ١٨٩٣ م، ص ٤٣٥ وما بعدها.
(٥) Mekka: Snouck Hurgronje. جـ ٢، ص ١٣٦.
(٦) Wensinck: - Handbook of Early Mu hamnedan Tradition .
(٧) Handleiding: Juynboll الطبعة الثالثة، ص ٢٣٦ وص ٢٣٨.
(٨) Handbuch: Juynboll، الطبعة الثانية، ص ٢٠٦ وص ٢٣٦.
(٩) Muhammedanisches Recht: Sachau، ص ١٢٧ وص ١٦٦ وما بعدها.
(١٠) Instituzioni: Santillana، جـ ١، ص ١٢٣ وما بعدها.
(يوسف شاخت Joseph Schacht]
تعليق على مادة "أم الولد"
انظر إلى كاتب المادة كيف يجزم بأنه لاشك فى أن خصوم العباسيين هم الذين وضعوا هذا الحديث! ولو ذهبت
стр. 1195
تسأله عن دليله على ما يقول لسكت، أو لأتى لك بكلمات جوفاء لا تنطبق على أى قاعدة علمية أو تاريخية، ثم اسأله ما علاقة العباسيين بهذا الحديث حتى يكون تاريخهم أو سيرتهم أو سياستهم دليلا على وضعه فى زعمه؟ . إن للحديث النبوى قواعد وضعها أئمة الحفاظ، وهى أوثق القواعد العلمية وأدقها فى الإثبات التاريخى، وقد احتاطوا أشد الاحتياط فى نقد رواة الأحاديث، وفى نقد ما رووه، وإنما يدرك قيمة عملهم ويستوثق منه ويطمئن إليه قلبه - من مارس قواعدهم وتشبعت نفسه منها، وصار له فيها ملكة فنية، كما يكون ذلك فى كل علم من العلوم.
وبعد: فإن الحديث الذى يجزم الكاتب بوضعه حديث صحيح جداً، اتفق على روايته البخارى ومسلم فى كتابيهما الصحيحين، وهما أصح الكتب بعد القرآن الكريم، وهما اللذان لا مطعن فى صحة حديث من أحاديثهما عند العارفين من أهل العلم، وقد رواه غيرهما أيضاً بأسانيد صحيحة. وهو حديث سؤال جبريل ﵇ للنبى ﷺ عن أمور الإسلام والإيمان وعن أشراط الساعة، وفيه أن من أشراطها "أن تلد الأمة ربها" أى تلد المملوكة سيدها. وفى شرح هذا الحديث كلام طويل، والحديث معروف لأكثر المسلمين، فقد رواه البخارى (جـ ١، ص ١٠٥. ١٥٥، فتح البارى، طبعة بولاق) من حديث أبى هريرة، ورواه مسلم أيضاً (جـ ١، ص ١٧ - ١٨) من حديث عمر بن الخطاب، ونقله النووى من حديث عمر فى الأربعين النووية، وهو الحديث الثانى منها. وعن ذلك اشتهر عند الكافة حتى العوام، وحديث أبى هريرة رواه البخارى أيضاً فى مواضع أخرى من صحيحة. ورواه أيضاً ابن ماجه، ورواه أبو داود والنسائى من حديث أبى ذر وأبى هريرة، وحديث عمر رواه أيضاً أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه وأبو عوانة وابن خزيمة فى صحيحيهما، وكذلك الإمام أحمد فى مسنده والطبرانى، وقد ورد الحديث
стр. 1196
أيضاً من رواية أنس بن مالك، رواه البزار بإسناد حسن. ومن حديث جرير بن عبد الله البجلى، رواه أبو عوانة فى صحيحه، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث أبى عامر الأشعرى، رواهما الامام أحمد فى مسنده. وانظر تفصيل الكلام على طرقه وأسانيده فى شرح العينى على البخارى (جـ ١، ص ٢٨٣ - ٢٨٤) وفى شرح الأربعين لابن رجب (ص ١٦ - ١٧) وفى كثير من كتب السنة وشروحها. فهؤلاء الرواة الثقات والأئمة والصحابة كلهم فى نظر كاتب المادة كذابون وضّاعون، لماذا؟ . لأنه يعتقد أنهم خصوم للعباسيين.
ثم يريد الكاتب فى آخر المادة أن يوهم بأن الحديث الذى ظل إلى عصر البخارى ومسلم (منتصف القرن الثالث الهجرى) وضعه خصوم العباسيين، وأن ذلك دليل على التفرقة فى نظر المسلمين فى ذلك العصر بين أبناء الحرة وبين أبناء الأمة. وهذا رمى بالقول على عواهنه، لا يؤيده أى نص تاريخى، ولا أى نظر سليم، بل كان المسلمون -من أول الأسلام، فى عهد النبىى ﷺ ، ثم من بعده فى سائر عصور الإسلام- لا يفرقون بين أبنائهم من الحرائر والإماء، وآية ذلك أن إبراهيم كان الابن الوحيد للنبى ﷺ فى أواخر حياته، وكان بهذه الصفة معززاً مكرماً، وقد حزن الرسول ﷺ والمسلمون أشد الحزن عند موته طفلا. وأن أكثر الصحابة فى عصره وبعد عصره كان لهم أبناء من الحرائر والإماء، ولم نسمع شيئاً عن التفرقة بينهم. وانظر تراجمهم فى كتاب (الطبقات الكبير) لابن سعد تجده يذكر فى ترجمة كل صحابى أبناءه - إن كان له عقب - ويذكر أم كل واحد منهم، حرة أو أمة، على قدم المساواة، وانظر ترجمة سيد التابعين وسيد المسلمين فى عصره، وهو (زين العابدين على بن الحسين بن على بن أبى طالب) فى طبقاته ابن سعد (جـ ٥ ص ١٥٦) وفى ابن خلِّكان (جـ ١، ٤٠٣) وفى التهذيب (جـ ٧، ص ٣٠٤).
أحمد محمد شاكر
стр. 1197
أمير المسلمين
لقب كان المرابطون أول من اتخذه، للتمييز بينه وبين لقب " أمير المؤمنين " وكان يلقب به الأمراء المستقلون، على أن المرابطين ظلوا يعترفون بسلطان العباسيين ولم يفكروا فى أن يخلعوا على أنفسهم لقب الخلافة، فأسسوا بهذا منصبًا أشبه بالخلافة وجعلوا لهم لقباً خاصاً. وجاء أمراء إفريقية والأندلس بعد ذلك فاتخذوا لأنفسهم تارة لقب أمير المسلمين، وتارة لقب أمير المؤمنين، وبهذا استطاعوا أن يزعموا لأنفسهم الحق فى تولى خلافة مستقلة، أو الاعتراف بسلطان أجنبى عليهم.
المصادر:
(١) califiens: M. van Berchem Titres d'Occident فى المجلة الأسيوية، السلسلة العاشرة، جـ ٩، ص ٢٤٥ - ٣٣٥.
[فنسنك A.J.Wensinck]
أمير المؤمنين
كان عمر بن الخطاب أول من لقب بهذا اللقب، وحذا حذوه فى الشرق الخلفاء من بنى أمية ومن بنى العباس، وكذلك خصومهم الذين ادعوا الخلافة لأنفسهم كالعلويين والقرامطة والفاطميين. ولم يبدأ صغار الأمراء فى الشرق فى اتخاذ هذا اللقب إلا بعد أن سقطت بغداد عام ٦٥٦ هـ (١٢٥٨ م).
وانتشر استعمال هذا اللقب فى المغرب فاتخذه بنو رستم والأغالبة وبنو زيرى وبنو حمّاد، والأمويون بعد سنة ٣١٦ هـ. (٩٢٨ م). واتخذه كذلك بعض صغار الملوك فى الأندلس. أما الملوك الذين ظلوا يعترفون بسلطان العباسيين كالمرابطين فقد اكتفوا بأن اتخذوا لأنفسهم "أمير المسلمين" أما الموحدون خصوم المرابطين فقد أقاموا فى إفريقية خلافة مستقلة ولقبوا أنفسهم بلقب أمير المؤمنين، وفعل ذلك إلى حد ما أيضاً بنو حفص والمرّينيون وبنو زيّان. وظل شرفاء المغرب وسلاطين الترك يتخذون هذا اللقب.
ويمكننا أن نضيف إلى هذا أن عبد الله بن جحش لقب بهذا اللقب فى سريته إلى نخلة فى العام الثانى للهجرة.
المصادر:
(١) califiens: M. van Berchem Titres d'Occident فى المجلة الأسيوية،
стр. 1198
السلسلة العاشرة، جـ ١١، ص ٢٤٥ - ٣٣٥ وفيه إحصاء بالمصادر.
[فنسنك A.J. Wensinck]
+ أمير المؤمنين: لقب اتخذه عمر ابن الخطاب بعد بيعته بالخلافة. وأمير، من حيث هو مصطلح يدل على شخص وكل إليه القيادة (الأمر) وخاصة القيادة العسكرية، يدخل بهذا المعنى العام فى تركيب "أمير المؤمنين" للدلالة على قواد الحملات الإسلامية المختلفة سواء فى حياة الرسول أو بعدها مثل: سعد بن أبى وقاص الذى قاد جيش المسلمين فى قتاله الفرس فى القادسية. على أن الأرجح أن اتخاذ عمر له يمكن أن نربطه بالآية القرآنية: ﴿ ... أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ... ﴾ (سورة النساء، الآية ٥٩). وقد اقتصر استعمال "أمير المؤمنين" منذ هذا الوقت حتى نهاية الخلافة كنظام، لقباً للخليفة من حيث المراسم السياسية، وكان إطلاقه على حاكم يتضمن عند أهل السنة مطالبة بالخلافة سواء بمعنى الخلافة العام (كما كانت الحال عند الأمويين والعباسيين والفاطميين والشيعيين) أو من حيث هو يتضمن سلطة إسلامية مستقلة (كما كانت الحال عند الأمويين فى الأندلس منذ سنة ٣١٦ هـ = ١٩٢٨ م. [انظر Trente-Sept let- E. Levi-: Provencal tres officielles almohades فى Hesp سنة ١٩٤١، ص ١ وما بعدها] وعدد من بيوت الحكم الصغرى فى الأندلس قبل الغزو الموحدى وبعده. وكانت الخلافة المؤمنية قد طالب بها أمراء بنى حفص بإفريقية منذ سنة ٦٥٠ هـ (١٢٥٣ م)، ولم يلبث سلاطين المماليك بمصر أن اعترفوا بها باعتبارها الخلافة العامة بعد زوال الخلافة العباسية ببغداد سنة ٦٥٦ هـ (١٢٥٨ م) وظلوا على ذلك حتى أقاموا الفرع الجديد من الخلافة العباسية فى مصر وفى المغرب نازع الحفصيين دعواهم فى الخلافة بنو مرين فى مراكش الذين اتخذوا أيضاً لقب "أمير المؤمنين" فى القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) وتبعهم فى ذلك جميع من خلفهم من الأسر الحاكمة فى مراكش.
وقد فسر الفقهاء السياسيون لقب "أمير المؤمنين" بمعنى عام دون الإشارة بخاصة إلى تولى أمر الجهاد ما ظل حق إعلان الجهاد فى يد الخليفة. على أن ارتباطه بتطبيق الجهاد فعلا ظل
стр. 1199
قائماً فى الدوائر الإسلامية الأخرى وخاصة بين الزيدية، وبهذا المعنى استعمله السلاطين العثمانيون الأولون أحياناً (انظر H.A.R.Gibb فى المصادر)، ولكن هذا اللقب لم يتخذه خلفاؤهم رسمياً من حيث هو يتضمن حقاً فى الخلافة العامة حتى بعد فتح السلطان سليم الأول مصر ٩٢٢ هـ (١٥١٧ م). وبهذا المعنى أيضاً اتخذه كثير من أمراء الجيوش الإسلامية فى غربى إفريقية، ولا يزال مستعملا لقباً لخلفائهم فى شمال نيجيريا.
أما بين الشيعة، فإن الإمامية بعامة، يقصرون هذا اللقب على علىّ بن أبى طالب، ويطلقه الإسماعيلية على الخلفاء الفاطميين بحسب عقيدة كل فرقة فى كل واحد منهم. وأما الزيدية فتجعل الحق الشرعى فيه لكل علوى يسعى إلى دعم حقه بقوة السلاح (ومن ثم استعمال أئمة اليمن للقب فى الوقت الحالى) (١). وأما الخوارج فلم يستعملوا هذا اللقب إلا نادرًا، ويستثنى من ذلك بنو رسم أصحاب تاهرت.
ومن النادر أن يطلق هذا اللقب مجازًا على أئمة العلماء، ومن أمثلة ذلك: شُعْبَة بن الحجاج الذى لقّب: "أمير المؤمنين فى الرواية" (أبو نُعَيَمْ: حلية الأولياء، جـ ٧، ص ١٤٤) , والنحوى أبو حيّان الغرناطى الذى لقب: "أمير المؤمنين فى النحو" (المقَّرى: نفح الطيب = Analectes ص ٨٢٦).
المصادر:
(١) Titres cali-: M. van Berchem fienns d'Occident فى. Jour. As، سنة ١٩٠٧، جـ ١، ص ٢٤٥ - ٢٣٥.
(٢) Institutions de Droit: E. Tyan public muselman، ١ عن الخلافة، باريس سنة ١٩٥٤، وخاصة ص ١٩٨ وما بعدها.
(٣) Some Considera-: H.A.R. Gibb .. tions etc فى Archives d'Histore et de Droit Orientate جـ ٣، فيترن سنة ١٩٤٨، ص ٤٠١ - ٤١٠.
(٤) انظر أيضاً الكتب العامة تحت مادة "خليفة".
خورشيد [جب H.A.R. Gibb]
стр. 1200
أمية بن أبى الصلت
شاعر عربى من قبيلة ثقيف، كان يعيش فى الطائف، وأبوه أبو الصلت عبد الله، وأمه رقُيَّة بنت عبد شمس ابن عبد مناف. وهو حفيد أبى سفيان وابن عم عُتْبَة وشيبة اللذين قتلا فى وقعة بدر، ويمتُّ بصلة وثيقة إلى بيوتات قريش فى مكة.
وتدل قصيدة له فى رثاء القرشيين الذين قتلوا فى بدر (أوردها ابن هشام، ص ٥٣١ وما بعدها) على أنه كان حيا فى سنة ٦٢٤ م والمروى أنه توفى فى العام الثامن أو التاسع للهجرة. والأخبار مختلفة فى موقفه بالنسبة للنبى وللإسلام، ولعل الأرجح أنه لم يلق النبى، وأبى أن يصدق بدعوته، يؤيد هذا ما يتجلى فى قصيدته المذكورة من عطف على قريش.
والقصائد والمقطوعات التى وصلت إلينا منسوبة إلى أمية، والتى جمعها شولتس F.Schulthess وزاد عليها باور E.Power يمكن قسمتها بحسب موضوعها قسمين كبيرين. أصغرهما يتكون من قصائد وأبيات قيلت فى مدح أشخاص، وبخاصة فى مدح رجل من أغنياء مكة هو عبد الله بن جُدْعان، وهى لا تختلف فى جوهرها عن نظائرها عند غيره من شعراء العرب القدماء. أما القسم الأكبر الذى يبدأ بالقصيدة الثالثة والعشرين من طبعة شولتس F_Schulthess، فيدل دلالة كاملة على النزعة التى يمكن تسميتها بالحنيفية، وأساسها القول بإله واحد هو "رب العباد". ونرى فيها صوراً شبيهة بالوحى عن مقام الله وملائكته، وحكايات عن الخلق وآراء تتعلق بيوم القيامة والجنة والنار. وفيها دعوة إلى عمل الخير وإشارات إلى عِبَر أخذ بعضها من أخبار العرب، عن عَاد وثمود، وبعضها من قصص التوراة عن الطوفان وإبراهيم ولوط وفرعون.
وابن أبى الصلت مولع إلى جانب هذا برواية الحكايات على السنة الحيوان. ونلاحظ فى شعره أيضاً
стр. 1201
ذكراً للأعمال السحرية (كالسحر للاستسقاء - انظر القصيدة الرابعة والثلاثين قرب آخرها).
والآراء الدينية ومعالجة هذه الموضوعات فى كلام أمية مطابقة لما جاء فى القرآن إلى حد كبير. ويكاد الاتفاق يقع كلمة كلمة فى كثير من الأقوال (انظر أبحاث Frank-Kamentzky)، ولهذا أثيرت بالطبع مسألة اعتماد أحد القولين على الآخر فيذهب إيوار Huart إلى أن أشعار أمية بن أبى الصلت التى تتضمن قصصاً من قصص التوراة مذكورة عند المقدسى فى "كتاب البدء" -وهو الكتاب الذى نسب خطأ إلى البلخى - هى من المصادر الصحيحة التى استمد منها القرآن رأساً. على أن صحة نسبة هذه القصائد إلى أمية أمر مشكوك فيه، شأن أشعاره فى ذلك شأن الشعر العربى القديم بوجه عام. ولكن لا توجد أسباب قوية تدعو إلى الشك فى نسبة مجموع القصائد التى تناقلها الرواة منسوبة إلى أمية، اللهم إلا القصائد التى أضيفت اليها فى العصر الإسلامى، والتى تروع الإنسان بما فيها من محاباة (كالقصيدة الثالثة والعشرين فى مدح محمد) وقصائد أخرى فطن الرواة إلى أنها غير صحيحة النسبة إليه.
أما القول بأن محمدا ﷺ قد اقتبس شيئاً من قصائد أمية فهو زعم بعيد الاحتمال، لسبب بسيط هو أن أمية كان على معرفة أوسع بالأساطير التى نحن بصددها كما كانت أساطيره تختلف فى تفصيلاتها عما ورد فى القرآن، وفى هذا حجة أيضاً على أن أمية لم يقتبس شيئاً من القرآن الكريم وإن كان هذا غير مستحيل من الوجهة التاريخية؛ فقد ورد فى إحدى الروايات (الأغانى، جـ ٣، ص ١٨٧ س ١٠) أن أمية كان أول من قرأ كتاب الله. ويمكن أن نعلل مشابهة قصائد أمية لما جاء فى القرآن بحقيقة لا تحتمل شكا: هى أنه فى أيام البعثة المحمدية، وقبلها بقليل من الزمان، انتشرت نزعات فكرية شبيهة بآراء الحنيفية، واستهوت الكثيرين من أهل الحضر، وخصوصاً فى مكة والطائف، وكانت تغذيها وتنشطها تفاسير اليهود للتوراة،
стр. 1202
وأساطير المسيحيين، مما كان معروفاً ومتداولا فى تلك البقاع وجنوبى الجزيرة فى جهات متفرقة منعزلة. ويعلل لنا هذا ما يعرض من اختلاف بين ما جاء فى القرآن وما ورد فى أشعار أمية.
وأمية وغيرهما من رجال الدين -كزيد بن عمرو وورقة ومسلمة- اقتبسوا جميعاً من مصادر واحدة، سواء أكانت مدونة كما يرى شولتس Schulthess أم مروية كما ذهب إليه نولدكه Noldeke. (انظر المصادر) وقد أبان تور أندريا Tor Andrae حديثاً أنه ليس بين قصائد أمية الدينية ما هو صحيح النسب إليه، وأنه يجب أن يعتبر من انتحال مفسرى القرآن الأولين وهم القصاص كالسدُّى وابن عباس وغيرهما.
المصادر:
(١) توجد شذرات من الديوان المفقود وعليها شرح لمحمد بن حبيب فى الخزانة، جـ ١، ص ١١٩ وما بعدها.
(٢) المقدسى: كتاب البدء، طبعة كليمان إيوار.
(٣) كتاب الأغانى، جـ ١، ص ١٩٩ وما بعدها.
(٤) وتوجد معلومات كثيرة متفرقة فى كتاب الحيوان للجاحظ وفى القواميس (وثبت المصادر يوجد كاملا فى ديوان أمية طبعة شولتس Schulthess).
(٥) Or Studien' No: Fr. Schulthess . J deke-Festschr - عام ١٩٠٦، ص ٧١ - ٨٩.
(٦) الكاتب نفسه: Umaija ibn Abis Salt die Gedicht fragmente، طبعة ليبسك سنة ١٩١١، وقد راجعها الأستاذ عدد ٢٨، ص ١٥٩ Z.A. فى Noldeke وما بعدها.
(٧) The Poems of Umayya b.: E.Power suggestions and، Abi'l Salt, additions rectifications فى M.F.O.B جـ ١ (سنة ١٩٠٦) ص ١٤٥ وما بعدها.
(٨) Unters. uber: J.Frank - Kamenetzky U.B. abi'l Salt deas Verhaltins der dem Qoran Zugeschriebenen Ged. Zun
стр. 1203
طبعة كيرشهاين سنة ١٩١١ (رسالة جامعية).
(٩) Mem_ de l'Acad. des in-: Cl. Huart scriptions et Bells-lettres، سنة ١٩٠٤؛ الكاتب نفسه فى T.A. سنة ١٩٢٤، ص ١٢٥ - ١٦٧.
(١٠) Die Entstehung des: Tor Andrae Islams und das Christentum فى - Kyr kohistorik Arrsskrift، أيسالا سنة ١٩٢٦، ص ٤٨ وما بعدها.
[هـ. هـ. براو H.H. Brau]
تعليق على مادة
"أمية بن أبى الصلت"
لدينا دليل عظيم الخطر يدل على أن النبى ﷺ لم يقتبس من أمية بن أبى الصلت ولا من غيره ما أتى به من القرآن الكريم، ولم يكن شعر أمية ولا غيره مصدراً من مصادره. ذلك الدليل هو أن النبى ﷺ أتى بالقرآن وفيه من أخبار الأولين ما لم يكونوا يعلمون، وفيه من المواعظ والنذر مالا عهد لهم به، وقد تحداهم وجعله دليلا على أنه من عند الله. وقد اجتهد المخالفون المعاصرون للتنزيل أن يجدوا للقرآن مصدراً فلم يفلحوا، وقد جعلوا من مصادره رجلا أعجمياً كان بمكة. قال الله مبيناً قيلهم ومفنداً ما قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.
فلو كانت مشابهة بين شعر أمية والقرآن لجعله المشركون مصدراً من مصادره أو على الأقل لقالوا إن الأخبار التى نذكرها وتقول: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ قد ذكرها أمية بن أبى الصلت فى شعره، ولكنهم لم يجعلوها مصدراً من مصادره ولم يقولوا له شيئاً مما ذكرناه. فهذا يدلنا على أنه لم تكن مشابهة بين شعر أمية والقرآن المجيد، وهذا الدليل يخرج بنا إلى نتيجة أخرى وهى أن الأشعار المنسوبة إلى أمية فى أخبار القرون الأولى وما شابه ذلك ليست له بل نحله الرواة إياها، وإنك تقف على ذلك إذا قرأتها فستدرك فيها الصنعة وسترى فيها ضعف المولدين ولا ترى فيها قوة الجاهلين.
محمد عرفة
стр. 1204
بنو أمية
هم بيت الخلافة من سنة ٤١ إلى ١٣٢ هـ (٦٦١ - ٧٥٠). ويسمون الأمويين لأن معاوية بن أبى سفيان الذى أسس دولتهم كان سيد الفرع الأكبر من أبناء أمية بن عبد شمس. وبعد أن خرجت الخلافة من هذا الفرع على أثر وفاة معاوية الثانى، بقى للدولة اسمها القديم لأن الخلافة إنما انتقلت لسيد فرع آخر، هو مروان بن الحكم بن أبى العاص. ولكى يتيسر للقارئ متابعة الموضوع وفهمه سنذكر فيما يلى أسماء خلفاء بنى أمية وتاريخ ارتقاء كل منهم عرش الخلافة:
معاوية بن أبى سفيان: تولى الخلافة فى ربيع الأول أو الآخر أو جمادى الأولى عام ٤١ هـ (يولية - سبتمبر سنة ٦٦١ م).
يزيد بن معاوية: تولى الخلافة فى رجب عام ٦٠ هـ (أبريل سنة ٦٨٠).
معاوية (الثانى) بن يزيد: تولى الخلافة فى ربيع الأول عام ٦٤ هـ (نوفمبر سنة ٦٨٣).
مروان بن الحكم: تولى الخلافة فى ذى القعدة عام ٦٤ هـ (يونية سنة ٦٨٤).
عبد الملك بن مروان: تولى الخلافة فى رمضان عام ٦٥ هـ (أبريل سنة ٦٨٥).
الوليد بن عبد الملك: تولى الخلافة فى شوال عام ٨٦ هـ (أكتوبر سنة ٧٠٥).
سليمان بن عبد الملك: تولى الخلافة فى جمادى الآخرة عام ٩٦ هـ (فبراير سنة ٧١٥).
عمر (الثانى) بن عبدالعزيز: تولى الخلافة فى صفر عام ٩٩ هـ (أكتوبر سنة ٧١٧).
يزيد (الثانى) بن عبد الملك: تولى الخلافة فى رجب عام ١٠١ هـ (فبراير سنة ٧٢٠).
هشام بن عبد الملك: تولى الخلافة فى شعبان عام ١٠٥ هـ (يناير سنة ٧٢٤).
الوليد (الثانى) بن يزيد الثانى: تولى الخلافة فى ربيع الثانى عام ١٢٥ هـ (فبراير سنة ٧٤٣).
стр. 1205
يزيد (الثالث) بن الوليد بن عبد الملك: تولى الخلافة فى رجب عام ١٢٦ هـ (أبريل سنة ٧٤٤).
إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك: تولى الخلافة فى ذى الحجة عام ١٢٦ هـ (أكتوبر سنة ٧٤٤).
مروان الثانى بن محمد بن مروان: تولى الخلافة فى صفر عام ١٢٧ هـ (ديسمبر سنة ٧٤٤).
ويسمى الأستاذ فلهاوزن - Well hausen كتابه المأثور عن العصر الأموى "الإمبراطورية العربية"، وهو يريد بهذا أن يبين أن الخلافة الأموية تتجلى فيها محاولة العرب أن يمكنوا سلطانهم فى الدنيا كدولة، على حين أن أمر الدين كان ثانوياً فى هذه المحاولة. على أن الصورة العامة التى رسمها فلهاوزن لتاريخ بنى أمية لا تزال صحيحة وإن كان قد مضى عليها ثلاثون عاماً.
وقد فصَّل "لامنس" Lammens فيما كتبه من بحوث كثيرة مملوءة بالعلم الغزير الصورة الإجمالية التى وضعها فلهاوزن، والتى تمثل الحقائق من بعيد تمثيلا تقريبياً. ووفق "كايتانى" Caetani فى تفصيل إشارة أخذها عن فينكلر تفصيلا علميًا قد يكون مبالغاً فيه، وقد بين ما نشأ عن تعاظم شأن العرب بعد دخولهم فى الإسلام، وتكلم على الهجرات المسلحة التى قامت بها قبائل الصحراء إلى شمالى جزيرتهم ليستوطنوا بلادًا أكثر خصوبة من بلادهم. على أنه مع هذا كله لا يزال المؤرخون المحدثون الذين يكتبون فى تاريخ الأمويين يتتبعون الهيكل الذى وضعه فلهاوزن.
وإذا كان فى الصورة الشائقة التى رسمها هذا المؤرخ ما يحسن تعديله فذلك هو أنه علا فى تقدير الناحية السياسية لتاريخ العرب، كأنما يجب على الباحث أن يسلم بأن خلفاء بنى أمية أرادوا بأعمالهم التى حفظها لهم التاريخ أن يحققوا ما كانوا يشعرون به شعورًا قوياً من آراء قومية سياسية خالصة (انظر ملاحظات Becker فى Ist جـ ٩، ص ٩٥ - ٩٩). ونحن وإن كنا لا نشك فى أن العرب كانوا يشعرون بقوميتهم، ولاسيما فى العصر الأموى (انظر Muh .st.: Goldziher جـ ١، ص
стр. 1206
١٠١ - ١٤٦)، فإننا اليوم مقتنعون بأن تأثير العنصر اللاشعورى فى إظهار ما كمن من جهود الفرد لا يقل عن تأثير العنصر الشعورى، ويجب فى هذا الأمر أن نقرر أن فلهاوزن ومن ترسم آثاره تحيّفوا من شأن العامل الدينى. فالحق إنه إذا كانت نزعات أهل التقى بعيدة كل البعد عن سلائل أشراف مكة الذين حاربوا الإسلام فى أوائل حياته، وإذا كان يجب على الإنسان أن يسلم بأن فى بقاء السلطان فى أيديهم بقاء لسادة الجاهلية ولنزعات من كان يشتغل بالتجارة فى تلك البلاد، فلا شك فى أننا نستهدف لأن نخطئ الحق فى تاريخ بنى أمية إذا تجاهلنا أن انتصار الحركة العربية انتصارًا لم يسمع بمثله من قبل إنما تم تحت لواء الدين الذى جاء به القرآن الكريم. ولا يستطيع مفكر، حتى أحدث المفكرين وأشدهم غلوًّا فى الشك، أن يتجاهل هذه الحقيقة التى لا يمكن الفرار منها.
ولابد أن خلفاء بنى أمية -كأهل عصرهم وبلادهم- كانوا يعتقدون فى قرارة نفوسهم أن انتشار الدين الإسلامى ونمو سلطانهم السياسى صنوان لايفترقان. ولابد أنهم كانوا على يقين من أن خصومهم السياسيين من الشيعة أو من الخوارج كانوا أيضًا خصومًا للسنة النبوية. وقد وعت لنا الكتب التى خلفها لنا المؤرخون ما يدل دلالة لا يتطرق إليها الشك على اقتناع خلفاء بنى أمية بذلك.
وإذا كانت التواريخ التى كتبت بعد سقوط دولتهم، والتى كان أصحابها متأثرين بالآراء السائدة بين أهل التقى، تقرن ذكر الأمويين بالسخط واللعنة، فينبغى ألا ننسى حقيقة لاريب فيها: هى أن الإسلام إنما توطدت أركانه ديناً تدين به الأمم فى أيام حكمهم، وكان بعض ذلك بتأثيرهم.
على أن التاريخ الذى تغلب عليه روح الدين، والذى أصبح تاريخ الإسلام الرسمى فى عهد بنى العباس يعيب على الأمويين أشياء كثيرة، حتى أنه يرميهم بالتقصير فى أداء الفرائض الدينية، وأنهم نبذوا روح الدستور الإسلامى فى الحكم، ذلك الدستور
стр. 1207
الذى أقامه محمد ﷺ على أساس الدين، وأنهم أحلوا الملك محل الخلافة. وفى هذه التهمة نجد صدى الروح الدينية التى لا تجعل السلطان على الأرض إلا لله.
وفى الحق أن نظام الحكم العربى، حتى أيام أبى بكر وعمر، كان بعيدا عن الانطباق على المثل الأعلى للحكم الدينى الذى وضعته المذاهب الفقهية فيما بعد. وقد أبان هذه الحقيقة لامانس وكايتانى فيما كتبا من بحوث. غير أن هذين الصحابيين الجليلين كان لهما مكانة عظيمة. فحال ذلك، فى أول عهد الخلافة، دون نشوء نظرية دستورية تعارض النظام القائم، وإن لم يفلح فى إسكات المعارضة التى تركزت فى على ابن أبى طالب. فلما جاء عثمان كان حكمه دليلا على الانتصار الصريح لحزب بنى أمية الذى تحيّف من حق السابقين الأولين إلى الإسلام. وهنا فقط بدأ الناس يلاحظون الأمر الواقع الذى كان يخالف الحق، والذى هيأ لأولئك الذين ناصبوا الإسلام العداء عند بدء دعوته، أن يقطفوا هم ثمار هذا الدين الجديد. وكان الناس يعتبرون ذلك خروجاً على "حقوق الله" قضى به أصحابه على العمل الذى وضعه النبى ﷺ وتنكروا له.
ويسهل علينا أن نرى أن اتفاق الرأى على مقاومة النظام الجديد قد جمع بين الغضب الذى كان يجيش فى نفوس أهل الورع من أبطال الدين الفتى وشهدائه، وبين مطامح إيجابية لقوم حاولوا أن يحفظوا لأسرة النبى ﷺ وأهله المقام الممتاز الذى جعله لهم مؤسس الدولة الجديدة التى تقوم على أساس من الدين. وقد وجد الذين كانوا يريدون أن يجعلوا شرعية الحكم مستمدة من الدين، وكذلك الذين كانوا يرون أن شرعية الحكم مقصورة على أسرة النبى ﷺ ، وجد هؤلاء وأولئك فى على بن أبى طالب بطلا يؤيدونه جميعاً. وكان لعلى أن يزهو بنجاح مبدئى عندما بويع بالخلافة فى المدينة، ثم تغلب على الكوفة واحتلها، وسرعان ما أحرز النصر فى البصرة على طلحة والزبير وعائشة الذين اتحدوا عليه، وكذلك تغلب حزبه فى مصر، وخيل
стр. 1208
للناس أن هذا كله قد وضع فى يده السلطان على بلاد العرب كلها.
وكان علىّ فى نزاعه مع معاوية يمثل حقوق الدولة ضد ما يطالب به معاوية والأمويون من الثأر لمقتل عثمان. ولكن الموقف الذى وجد علىّ نفسه فيه، إثر هوادته مع قتلة عثمان، هو الموقف الذى استغله معاوية بمواهبه السياسية العالية استغلالا تجلى فيه الدهاء، وسرعان ما قسم خصوم بنى أمية قسمين جديدين: فهناك الخصومة الدينية التى لا تقبل المصالحة، والتى بلغت أوجها فى مذاهب الخوارج والمتطرفين، وهناك أيضاً الشيعة الذين كانوا يبررون دعوتهم بقولهم إن الخلافة يجب أن تكون فى بيت النبى- ﷺ . وكان هذا الانقسام من حسن طالع الأمويين، فمثلوا دور المعتدلِين الذين أرادوا أن يحافظوا على القانون والنظام أمام حروب العصابات التى كانت تبيد العراق، وجعلوا البلاد قادرة على أن تجنى ثمرات الفتوح.
ولكن، متى رشح الناس معاوية لمنصب الخلافة بصفة جدية فعلية؟
لا تزال هذه النقطة غامضة، وآراء المؤرخين فيها مختلفة، فمنهم من يقول أنه رشح للخلافة منذ بدأ النزاع بينه وبين على، أى فى عام ٣٧ هـ، ومنهم من يجعل ذلك بعد وفاة علىّ عام ٤٠ هـ، وأيًّا ما كان الأمر فإن هذا الترشيح أثار مشكلة غاية فى الدقة والحرج: ذلك أن السلطة العليا على المؤمنين قد أسندت إلى رجل لم يكن من بين أصحاب النبى ﷺ السابقين. والاختلاف فيما يقرره المؤرخون فى هذا الأمر هو فى ذاته شاهد على الاضطراب الذى كان سائدًا بلا شك حينما أفضى سياق الحوادث فجأة إلى حل يخالف العرف المتبع فى تنصيب الخليفة. والحق إن سخط الفقهاء الذين لايأبهون لما تقضيه حاجات التطور التاريخى له ما يبرره من حيث النظرية الشرعية. فإن خلافة معاوية فاتحة عهد. جديد من كل وجه فى تاريخ الإسلام الدستورى: فلم يعد الخليفة هو المنفِّذ لسنة النبى ﷺ ، الذى شاهدها من أول أمرها وعمل على استمرارها، بل صار لمنصبه شأن أكبر من ذلك، إذ أصبح الشخصية البارزة فى العالم العربى،
стр. 1209
وكبير سادة القبائل من حيث القوة الحربية. وأصبح من حيث نفوذ أسرته ومن حيث مكانته الشخصية ملكاً على الحقيقة وإن لم يكن الملك لقبه الرسمى، أو هو حاكم على نظام الطغاة كما فهمه اليونان. وهذا هو الموقف الغامض الذى ظل قرناً من الزمان، أعنى طوال العصر الأموى، وهو الذى مهد السبيل للدعاية الشيعية التى قدر لها أن تنتهى بفوز المبدأ الشرعى وبسقوط "الدولة" العربية.
ومن العسير علينا أن نحكم على مقدار شعور معاوية بصعوبة الموقف. وإذا اقتصرنا على بعض مظاهر سياسته، وهى فى العادة سياسة يتجلى فيها الحذق وبعد النظر، فإننا نميل إلى أن نستخلص من ذلك أنه لم يقدر كل ما يمكن أن يكون للعامل الدينى من شأن فى النزاع السياسى. على أننا لا ننكر أنه حاول أن يصالح أبناء خصمه على، فأفلح مع الحسن ولكنه كان أقل توفيقا مع الحسين. وكان معاوية فى الجملة شديد التقدير والاحترام لأسرة النبى [ ﷺ ] جميعاً: علويين وعباسيين، وللأنصار الذين كانوا يفخرون بأنهم "أنصار النبى" [ ﷺ ]
على أن معاوية لم يذهب إلى حد الإغضاء عن فرض يمين الولاء على من كان يرتاب فى أمرهم (لعنة أبى تراب)؛ وهذا عمل ممقوت يشبه أن يكون مقدمة لمحنة العباسيين، وقد أحفظ قلوب الناس على بنى أمية فأسروا لهم البغضاء، وكان ضرره عليهم أكبر من نفعه لهم.
ثم إن معاوية أخطأ بأن أطلق يد زياد بن أبيه فى العراق يتبع سياسة قمع لا تعرف الرحمة، وهى سياسة تخالف السياسة التى جرى عليها معاوية، والتى يستطيع أن يجرى عليها بنفسه فى العراق بما كان يعرف من أسرار اللين الذى يجد سبيله إلى القلوب.
ومما هو جدير بالملاحظة أن معاوية لم يذهب بنفسه إلى العراق طوال مدة حكمه البالغ عشرين سنة، ولم يوثق بينه وبين أهلها علاقات شخصية.
وكان معاوية إلى جانب هذا مقيدًا فى الشام بمشكلات خطيرة جلبها عليه تنظيم الدولة، وأول هذه المشكلات تنظيم علاقة الحاكم بأسرته وبالقبائل.
стр. 1210
ولم يقصِّر معاوية -جرياً على عادة العرب، أو خضوعاً لشعور إنسانى عام - فى أن يرى أن قرابته أفادوا كثيراً من الحظ الذى أصابه. ولكنه كان يحذر من الوقوع فى الخطأ الذى وقع فيه عثمان، فلم يصبح أسيراً لقبيلته. ومما هو جدير بالملاحظة أن أهم الولايات أسندت إلى ولاة من غير بنى أمية. ولا عبرة بزياد بن أبيه الذى كان حاكم العراق المستبد، فإن قرابته لمعاوية قرابة وهمية خالصة. وهو إذا كان قد ولى أخاه عتبة على مصر بعد وفاة عمرو بن العاص، فإنه عندما مات عتبة، ولم يكد يمضى عليه فى هذا المنصب عام كامل، لم يعين أموياً آخر مكانه.
وقد أظهر معاوية كل ما عنده من مواهب سياسية عالية فى أمر علاقته برؤساء القبائل الذين كانوا يستنفزهم أتفه الأمور للخروج والعصيان. وهؤلاء الرؤساء -على ما فيهم من قلة الاستعداد للخضوع إلى سلطان رجل من قريش، أو لما لأمير المؤمنين من مكانة دينية- جعلوا منصب الخليفة شبيها بمنصب الحاكم الأوروبى فى عهد الإقطاع.
وكانت غاية معاوية من صبره وطول أناته فى العمل على أن ينال تأييد رؤساء القبائل وانضمامهم إلى صفه -وما كان فى مقدوره أن يقضى بالقوة على نفوذهم- هى أن يقوى سلطانه من جهة، وأن يبلغ من جهة أخرى الغاية الكبرى التى أراد أن يحققها قبل وفاته، وهى مبايعة رجال القبائل لابنه يزيد. وقد أفلح فى أخذ يمين البيعة منهم قبل أن يوافيه الأجل، وبهذا نجح فى جعل الخلافة وراثية. وهذا هو الذى يجب أن نعتبره أكبر نجاح محسوس لسياسة معاوية، وإليه يرجع الفضل فى بقاء خلافة الأمويين قرناً رغم الثورة التى وقعت بعد موت يزيد.
ولكن الموقف ظل مزعزعاً حتى بعد أن توطد المبدأ الذى يجعل الخلافة فى بيت بنى أمية بصفة جدية قاطعة! على أن هذا المبدأ إنما اكتسب بفضل ما كان لمعاوية من مكانة شخصية. وآية ذلك أنه لم يكد يموت حتى هبّ الحسين ليرفع لواءه باعتباره صاحب الحق الشرعى فى الخلافة؛ على حين ظهر عبد الله بن الزبير بمظهر المدافع عن حق جزيرة
стр. 1211
العرب التى أحاق بها الإهمال، وعن ذكرى الصحابة الأولين. وكان انتهاء أمر الحسين بمأساة قتله فى كربلاء، تلك المأساة التى تركت ذكرى للاستشهاد فى سبيل الله استغلها خصوم الأمويين فيما بعد. وقضى مقتل الحسين على معارضة العلويين قضاء وقتيا، وكان مركز الأمويين خليقا بأن يزداد قوة لو أن الأجل امتد بيزيد، أو لو أنه ترك ابنا كبيراً يخلفه عن جدارة واستحقاق بدلا من معاوية الثانى الذى كان لا يزال طفلا. على أنه إذا كان يزيد على غير ما ينسبه له أهل الورع من المؤرخين من فساد فى الخلق وضعف فى الدين، فلا شك أنه لم يكن له ما كان لأبيه من صفات ممتازة، وإن لم تكن تعوزه الهمة ولا الذكاء لمواصلة أعمال أبيه.
على أن تكوّن الإمبراطورية المترامية الأطراف لم يكن وليد خطة مرسومة أيام الفتوح الأولى. وعدم وجود منهج معين لإدارة هذه الممتلكات الواسعة المتباينة أحدث سلسلة من المشكلات لم يكن لمعاوية بد من معالجتها بما عرف عنه من نزوع إلى تناول الأمور على طريقة الواقعيين. وهناك قصة تقول إن عمر وضع دستوراً للحكم، ولكن هذه القصة إذا لم تكن من وحى الخيال، فإن الخطط التى وضعها عمر لا تمثل فى الواقع إلا بذرة ضغيرة للتنظيم المالى والمدنى اعتمدت عليها الإمبراطورية الإسلامية فيما بعد.
ومن أسف أننا نجد تاريخ حياة معاوية مملوءاً بالتفاصيل القصصية، ولكنه قاصر كل القصور فيما يتعلق ببيان الطريقة التى سار عليها فى إدارة الدولة. ولا نستطيع أن نعرف معاوية من حيث هو حاكم لدولة إلا من ملاحظات قليلة غير كافية.
وتراخت حركة الفتوح الإسلامية، فنشأ عن ذلك تلك المقاومة القوية التى قام بها الروم (البوزنطيون) لصد تقدم العرب بعد أن هددوهم فى آسية الصغرى وفى أوربا. على أن حملات المسلمين المتوالية التى وجهوها إلى آسية الصغرى والتى أظهرت سيوفهم أمام أبواب القسطنطينية، والإغارات البحرية التى قاموا بها فى بحر
стр. 1212
الأرخبيل وعلى شواطئ صقلية: كل هذه سجلت لهم انتصارات محلية لم تصل إلى نتيجة حاسمة. وكانت هجمات الأساطيل البوزنطية على شواطئ الشام يشد أزرها ثورات سكان الجبال فى لبنان قد جعلت معاوية يرى من الحكمة أن يوقع هدنة بشروط لا ترضى ما يشعر به العربى من الأنفة وعزة النفس (عام ٥٧ هـ).
وانتصر العرب فى الشرق أكثر مما انتصروا فى الغرب: فكانت جيوش المسلمين جادة فى اختراق سهول فارس الشرقية، وصارت مصر فى إفريقية قاعدة حربية تسيَّر منها الحملات إلى الغرب والجنوب. ولكنهم لم يملكوا فى هذه الجهات إلا قليلا من الأراضى امتلاكاً تاماً
كانت هذه الحملات -كما كان الحال من قبل- يوكل القيام بها إلى عمَّال الولايات، وكانت تتم بجهود القبائل التى استوطنت هذه الولايات بعد الفتوح الأولى، وهم المهاجرون. أما جيش الخليفة نفسه فكان يدخره للحروب التى يشنها على البوزنطيين ولحماية نفسه ممن قد يخرجون عليه فى بلاده. ويرجع الفضل فى انتصار بنى أمية فى الحرب الأهلية التى نشبت عام ٦٤ هـ إلى قيام هذه القوى موالية لهم أشد الولاء.
على أن معالجة المنية ليزيد مكنت ابن الزبير من الامتداد إلى بلاد العراق وتدخلت فى ذلك عداوة الشيعة التى كانت وحدها سبباً فى فتنة العراق فيما بعد. ثم حدث ما يحدث دائماً فى أوقات الأزمات، فإن جميع المشكلات التى اختفت وانكمشت أيام حكومة معاوية من غير أن ينتهى أمرها تماماً ظهرت من جديد فى صورة خطيرة ملحة: فهناك القبائل التى لا تخضع للسلطان بما فيها من نزعات العصبية والعناية بالمصلحة الخاصة، وهناك أمر العلاقة بين الشعوب المحكومة وبين المتغلبين عليها، يضاف إلى هذا تضارب المصالح والميول بين الشام والعراق ووسط جزيرة العرب.
وقد استطاع معاوية بدهائه أن يكبح جماح هذه القوى المتنازعة كلها، ولكنها استعادت كل قوتها بل هى قد زادت
стр. 1213
شدة بتأثير الحروب الدينية. وكان معاوية قبل موته قد نال تأييد قبيلة كلب العظيمة فى الشام بأن تزوج من ابنة بَحْدل بن أُنَيْف، وهى أم يزيد. واستمر تأييد هذه القبيلة للفرع الآخر من الأمويين وزعيمه الحكم بن أبى العاص بن أمية. وحلّ هذا الفرع محل بنى سفيان فى السيادة على القبيلة، ومع هذا فقد قامت محاولة ضعيفة كان غرضها حفظ الخلافة فى بنى سفيان بجعل خالد أخى يزيد الأصغر خليفة له.
ولما ولى الخلافة مروان بن الحكم، كان عند ذاك رجلا قد حنكته السنون؛ واستطاع فى حياته الطويلة أن يعرف المنازعات التى بين القبائل والمنافسات والدسائس التى وقعت بين الصحابة الذين كان كل منهم يريد ميراث النبى [ ﷺ ] لنفسه. ثم كان انتصار مرج راهط (عام ٦٤ هجرية) على قبيلة قيس التى أفلح ابن الزبير فى أن ينال تأييدها له فى ثورته. وكان هذا الانتصار سببًا فى أن دان الشام بالطاعة لمروان وانضمت إليه مصر بعد أن كان قد تغلب فيها الحزب المعادى لبنى أمية.
ولكن سرعان ما مات مروان بعد هذا النجاح الأخير فترك لابنه عبد الملك عبئًا عظيما، هو إخضاع وسط الجزيرة والعراق.
تبوأ عبد الملك منصب الخلافة على غير انتظار فظهرت منه نزعة جديدة إلى جعل الخلافة وراثية فى أبنائه بانتظام: وكان هذا هو برنامج معاوية، وهو مخالف تمام المخالفة لسنة العرب فى اعتبار السلطان من حق القبيلة فى جملتها. وكان أكبر غرض رمى إليه عبد الملك وكل من جاء بعده تقريبًا فى سياستهم الأسرية هو حفظ وراثة الملك فى أبنائهم وحرمان الأقارب منها.
ثم قامت الخصومات بين الخليفة وخصومه وبين هؤلاء وبين الثائرين من الشيعة والخوارج، وامتدت هذه الخصومات إلى أقصى بلاد فارس وخراسان، وتجلت فيها نزعات العصبية فى القبائل بكل قوتها. وكانت كل قبيلة تتخذ شارة لها لواء الفريق الذى تنضم إليه من بين المتخاضمين. وأكبر شاهد على هذا دواوين شعراء هذا العصر وما يقترن بها من قصص تاريخية.
стр. 1214
وفى وسط هذه الخصومات المضطربة ساعد عبد الملك حسن الحظ فوفق إلى رجلين من الطراز الأول فى المقدرة أحرزا له النصر: أحدهما المُهَلَّب وهو من شيعة ابن الزبير القدماء، ولكنه انضوى تحت لواء الغالب كما فعل زياد من قبل. والثانى رجل يفوقه فى سمو المواهب وفى الإخلاص هو الحجاج. نهض الحجاج بهمة لا رحمة فيهما ولا أنانية يريد أن يعيد للدولة سلطانها على جميع القبائل والأحزاب التى تريد السلطان لنفسها. وعقلية الحجاج تكاد تكون فى مظهرها غريبة عن الطبيعة العربية، وهو يشبه أن يكون طليعة أو صورة رائدة لوزير العصر العباسى، وكان يفوق أمثاله من رجال الاستبداد الذين جاءوا بعده.
لم يكن الحجاج يعرف سيدًا له غير الخليفة، أو مصلحة الدولة كما نقول فى العرف الحديث، ووطد العزم على أن يخدم سيده بكل الوسائل الممكنة. وقد أحاط المؤرخون اسمه بالكراهية متخذين مبررًا لهم من آراء الحجاج والوسائل التى لجأ إليها فى إنجاحها ويرى البعض أن الحجاج كان رجلا مؤمناً حقاً، وأنه كان من أنصار استمرار السنة النبوية فى إقامة الدولة على أساس دينى وهذه السنة تتصل بفكرة أن الحكم حق إلهى.
كانت خلافة عبد الملك كلها -بفضل نفوذ الحجاج القوى- لا تعدو العمل على إقامة ملكية مطلقة؛ والنزعة التى لم تكن الأيام قد تهيأت لها أيام معاوية، وإن كان زياد قد مهد لها قبل الحجاج، بدت ممكنة أيام عبد الملك الذى اتجه فى الكثير من أعماله المتواصلة إلى هذه الغاية. وأول شئ قام به هو إضعاف سلطان ولاة الأمصار وقطع علاقاتهم بالقبائل: وقد طبقت هذه السياسة بأكبر نجاح فى أقصى الولايات الشرقية وأبعدها عن مركز الخلافة، وفى تلك الولايات ظلت الروح الحربية فى القبائل حية بسبب الحروب التى شنت على الترك والفرس: قمع الحجاج حركة أتباع المهلب والأشعث التى أرادوا بها الحصول على الاستقلال، فمكّن الوحدة السياسية للدولة، وعمل على أن يجعل الولاة موظفين لا غير.
стр. 1215
وكان الحجاج يعتبر نفسه خادماً لسيده بالرغم من أنه كان يحكم نصف الإمبراطورية. وكان تأسيسه لمدينة واسط وإقامته للزنج فى بطائح البصرة وسائل قصد بها أن يضعف من شوكة العنصر القبلى، على أن مصر لم يتيسر إنزالها إلى هذه المرتبة وإتباعها لمركز الخلافة، لأنها كانت تتمتع بمركز مستقل بعض الاستقلال عن الحكومة المركزية منذ أيام عمرو بن العاص. وكان لمصر شأن أساسى فى سلامة الشام، فرأى عبد الملك أن يولى عليها أخاه عبد العزيز من غير رقيب، وأراد بهذا أن يحافظ على مبدأ الوحدة فى الإمبراطورية مع احترام رغبة المصريين فى الاستقلال. غير أن عبد العزيز رأى نفسه نائبًا عن الملك واعتبر هذا سلماً للخلافة.
وقام عبد الملك بأعمال أخرى أراد بها توحيد الدولة: فأنشأ نظام الإحصاء المالى وأراد به أولا أهل الذمة، ولكن الأمر انتهى بفرضه على المسلمين أنفسهم. ثم جعل اللغة العربية اللغة الرسمية للدولة، وأصلح نظام النقد، وشيد المبانى والأعمال الصحية ولاسيما فى العراق ومصر ووسط جزيرة العرب، واستطاع فى عشرين سنة تولى الخلافة فيها أن يظهر الإمبراطورية العربية بمظهر يقرب من الدولة الملكية شيئاً فشيئاً. وكان هذا عملا بالنظام الذى رسمته السنة الإسلامية الصحيحة.
وفى الحق إن نزعة عبد الملك إزاء الدين تمتاز بانتعاش روح التقوى، فى الظاهر على الأقل، وبالشدة فى معاملة غير المسلمين، وكانت هذه الشدة ناشئة إلى حد كبير عما تطلبته سياسة عبد الملك من مال. ونعتقد أنه أراد بها أن يتحاشى بقاء "دولة فى داخل الدولة".
ويجب أن نعتبر ما فعله عبد الملك من الحصول على تنازل أخيه عبد العزيز عن حقوقه فى الخلافة لأبناء الخليفة دليلا على نزعته إلى الملكية. فلما مات عبد العزيز زالت الصعوبة فخلص العرش للوليد بن عبد الملك. ولكن مشكلة وراثة الخلافة كانت تتجدد عند كل خليفة جديد، ولم ينته أمرها حتى فى عهد العباسيين.
стр. 1216
ونستطيع أن نقرر باختصار أن خلافة عبد الملك عملت على تقوية الامبراطورية العربية بقدر ما كانت تسمح الظروف. على أن انقسام الأحزاب المتطلعة للخلافة أيام ابن الزبير والأشعث شجع الخوارج على الفتنة ...
وبعد أن عادت إلى الدولة وحدتها ظهرت أساليب القمع الشديدة التى جرى عليها الحجاج فأضعفت حركة الخوارج، إن لم تكن قد قضت عليها قضاء مبرماً. أما الشيعة، وقد هزموا فى ميدان الكفاح الظاهر، فقد لجأوا إلى الدعوة السرية، ولم تثمر هذه الدعوة ثمرتها إلا بعد زمان طويل. وكانت دعوة الشيعة فى دورها السرى قد جمعت إليها عناصر كثيرة غير متجانسة كان من شأنها أن تطبع تطور السياسة الإسلامية والدين الإسلامى فيما بعد بطابع خاص. ولكن هذا كان سرًا لم تكشف عنه الأيام إلا فيما بعد. أما فى ذلك الحين فإن استتباب النظام فى الداخل أحدث انتعاشاً عظيما فى حركة الفتح، فقويت السياسة التى ترمى إلى توسيع الإمبراطورية. وهذه السياسة التى جرى عليها عبد الملك فى الشرق والغرب آتت أبهر نتائجها فى عهد خلفائه الأقربين. وأخمدت ثورة البربر العظيمة التى قام بتنظيمها كُسَيْلَة ومن بعده الكاهنة. وتوطد الحكم العربى فى شمالى إفريقية فقضى على ما بقى من الحكم البوزنطى ومهد السبيل لفتح الأندلس.
أما فى الشرق فرغم أن الفتوحات الواسعة التى قام بها قتيبة بن مسلم لم تبدأ إلا عام ٨٦ هـ فى أوائل حكم الوليد، فإننا نجد المسلمين قد واصلوا التقدم فى آسية الغربية فى عهد عبد الملك. وكان من أعظم نتائج ذلك دخول الترك فى الإسلام، وكانوا سادة المستقبل. أما النزاع مع البوزنطيين فقد ظل من غير أن تتغير صبغته، ورغم أن العرب تقدموا فى أرمينية وأخضعوا كورها فإنهم لم يفلحوا فى تثبيت قدمهم فى آسية الصغرى، وكانت الأساطيل اليونانية لا تفتأ تغير على شواطئ الشام. ولكن الإسلام كان فى تقدم مطرد، ودخلت فى المدنية
стр. 1217
الإسلامية الناشئة شعوب وأجناس لم يكونوا كالفلاحين الآراميين أو القبط الذين قُضى عليهم أن يتعربوا دون مقاومة، أو يظلوا أقلية دينية لا روح لها، بل دخلت فى الإسلام أمم كالبربر والترك، وهى أمم حربية قوية البأس، شديدة التمسك بقوميتها، رضيت بقبول الإسلام ديناً. ولكنها لم تقبل العربية قومية لها. ويرجع الفضل فى معظم النجاح الذى أحرزه الإسلام فيما بعد إلى هاتين الأمتين اللتين تقع إحداهما على الطرف الشرقى من الإمبراطورية العربية، والأخرى على طرفها الغربى. واليهما أيضًا يرجع إحداث تغيير جوهرى فى المدنية الإسلامية.
وقد شهد الوليد فى خلافته ثمرة الجهود الطويلة التى بذلها عبد الملك وظلت شخصية الحجاج القوية تتعهدها. وانتصر المسلمون انتصارات عظيمة على يد مسلمة بن عبد الملك القائد الأموى الذى حاصر القسطنطينية، وموسى بن نصير فاتح الأندلس، وقتيبة بن مسلم.
ويدل الجامع الأموى بدمشق وغيره من العمائر الكثيرة العظيمة على مبلغ قوة الأمويين، ولكن مسألة وراثة الملك فتحت باب الأزمة من جديد، وتغلب فى هذه المرة المبدأ "العربى" فأسندت الخلافة إلى سليمان بن عبد الملك دون ابن الوليد، واستمر الكفاح بين الخليفة الذى أراد أن يجعل الحكم فى أبنائه وبين إخوته الذين أرادوا أن يجعلوه قائماً إلى آخر أيام بنى أمية، وكان من أثر ذلك أن انحطت مكانة الأسرة. ثم إن نتائج الإسراف الذى حصل فى عهد عبد الملك وابنه الوليد بدأت تشتد وطأتها على خلفائهم. وظهرت الأزمة الاقتصادية كما ظهرت مشكلة الموالى الذين دخلوا فى الإسلام. ثم جاء عمر ابن عبد العزيز، وأهل السنة يعتبرونه ممن أعز الله بهم الإسلام ويستثنونه من اللعنة التى ألحقوها بكل خلفاء بنى أمية. وأحسَّ عمر أنه لابد من سياسة تعتمد على إدماج العناصر المختلفة لتجنب نكبة خطيرة يكون فيها القضاء على مستقبل الإسلام وعلى مستقبل البيت الأموى. والأثر العميق الذى تركه عهد عمر فى تاريخ الإسلام -رغم أن مدة حكمه لم تزد على عامين- يدل على أن هذا الخليفة كان ذا صفات
стр. 1218
عالية. دقيق الحس فى إدراك الحقائق الواقعة.
ويدهشنا أن نرى فى هذا العصر نفسه نظامًا من المبادئ والأحكام الدينية بلغ حد الكمال مع أن طلائعه لم يكن قد مضى عليها أكثر من جيلين، وقد تكونت العقلية الدينية والفقهية فى الإسلام فى نهاية القرن الأول، وطبعت بطابع لم تكن لتفقده طوال العصور المتعاقبة. لأن هذا النظام كان يمثل تنفيذ ما نادى به محمد [ ﷺ ] واتتصار دعوته انتصارًا تامًا.
وحاول عمر بن عبد العزيز أن يوفق بين مطالب الدولة السياسية والمالية وبين احترام تقاليد الدين، وهو فى هذا له فضل السبق على العباسيين، وربما كان فيما فعله أصدق منهم إيمانًا. ورغم أننا يجب أن نعتبره قد أخفق فى أعماله المتعلقة بمستقبل الأسرة فإن إصلاحاته المالية مهدت السبيل إلى معاملة العرب والموالى على قدم المساواة، وساعدت أكثر من أى شئ آخر على إدماج سلالة الفاتحين بسلالة المغلوبين. ولاشك أن العصر الثالث فى مجد الدولة الأموية -وهو عهد هشام- يرجع إلى جهود عمر النافعة.
واستمرت الفتوح خلال العشرين سنة التى حكمها هشام سائرة على الخطة القديمة الشاملة؛ فاستمرت فى الغرب رغم ثورة البربر العظيمة عام ١١٣ هجرية، وفى الشرق أيضًا. وتقدم العرب حتى وصلوا إلى قلب بلاد الغال Gaul وبدأ البحر المتوسط يتحول إلى بحيرة عربية، وأخضع الترك للمرة الثالثة بعد أن بدءوا يحاولون التملص من نير الحكم العربى بعد عزل قتيبة وموته.
ولما مات هشام كانت الخلافة الأموية فى أوج عظمتها، ويكاد الإنسان لا يصدق أنه بعد أشهر قليلة وقعت الدولة -التى كان يظهر أنها بنيت بناءً محكمًا على سلطة الخليفة- فى هرج شامل، وذهبت فريسة للفوضى. ولا شك أن المؤرخين أصابوا إلى حد ما إذ جعلوا لفساد أخلاق الوليد الثانى تأثيراً عظيماً فى قلب النظام القائم ولكن أخطاء شخص واحد لا تكفى فى تعليل ظهور كل علامات الانحلال دفعة
стр. 1219
واحدة، وينبغى أن نلتمس الأسباب -كما هى الحال عادة- فى العوامل ذاتها التى أظهرت خلافة هشام فى مظهر الرخاء والتقدم.
استغل هشام إلى أقصى حد إصلاحات عمر المالية، وأثقل كاهل المسلمين وأهل الذمة من رعيته على السواء، تشهد بذلك الثورات التى كان سببها الضرائب الفادحة، وكان البؤس -وهو دائمًا قرين التطرف- سببًا فى إحياء مذهب الخوارج؛ ووصل هذا المذهب إلى الشام فكانت هذه ظاهرة جديدة لم يسبق لها مثيل. وفى الشام تمرد الجند الذين كانت تقوم على كواهلهم قوة الأمويين الحربية؛ فخرجوا على النظام ساخطين على نزعة الحكومة الظاهرة إلى الحكم الاستبدادى شيئاً فشيئاً. ثم ظهرت حركة الشيعة مرة أخرى فى العراق علانية، ويدل على ذلك المحاولة التى قام بها زيد بن على بن الحسين (١٢٣ هـ) ولكنها فشلت فشلا يرثى له.
وكان اتساع الفتوحات المتزايد سببًا فى أن أصبحت البلاد القاصية بعيدة عن إشراف السلطة المركزية. وظهرت السخائم القبلية ظهورًا عنيفًا واختلطت بالفوارق الدينية. ونجحت الدعاية الشيعية السرية نجاحًا سريعًا فى أقصى خراسان رغم جهود نصر بن سيار العظيمة لإيقافها. ونستطيع أن ندرك بعد هذا كله كيف أن تذمر الناس من فساد أخلاق الوليد وجد تربة خصيبة ينمو فيها ويستفحل أمره، وخصوصًا بعد أن نادى الوليد بتعيين ابنيه وارثين للخلافة بمجرد ارتقائه العرش؛ فكان ذلك قاضيًا على آمال الطامعين فى الخلافة من أبناء عبد الملك.
ثم ثار جند الشام والأردن فرفعوا يزيد الثالث إلى الخلافة؛ وقتل الوليد. ولم يفلح يزيد ولا أخوه إبراهيم الذى خلفه بعد شهور قليلة فى إخماد الفوضى التى كانت تنتشر فى جميع أجزاء الامبراطورية.
ثم نهض الخوارج وعلى رأسهم الدَّقاق بن قيس الشيبانى فاستولوا على الكوفة. ومرت سنوات قليلة كان يبدو فى أثنائها أن نجاة الدولة ستكون على يد أمير من البيت الحاكم بعيد عن أبناء القابضين على مقاليد الأمور، ذلك هو
стр. 1220
مروان بن محمد حفيد مروان بن الحكم.
كان مروان بن محمد حاكمًا لأرمينية، وأنشأ جيشا مواليًا له فى أثناء الحروب الطويلة التى انتصر فيها على البوزنطيين. جاء إلى الشام ليشد أزر أبناء الوليد فى المطالبة بحقوقهم، فلما وجد أن الغاصبين قتلوهم نادى بنفسه خليفة. وبعد شهور قليلة أخمد الثورة فى الشام، وقضى على المناوئين له من أعضاء البيت الأموى، ثم استولى على مصر والعراق، ومهمته فى السنين الثلاث الأولى من خلافته تشبه مهمة جده مروان وعمه عبد الملك من بعض الوجوه. ولكن الظروف كانت أقسى
عليه مما كانت عليهما: فقد انحلت عروة العصبية التى كانت تربط الأمويين، وضعفت شوكة أسرتهم، وزادت فى الوقت نفسه ثقة خصومهم فى النصر.
وعلى حين كان أسلافه يقاتلون جيوشًا ضعيفة العدة كجيوش ابن الزبير، أو عصابات يائسة كالتى كانت للشيعة الذين فروا من نكبة كربلاء، كان مروان يحارب جنودًا زادتها الحروب مع الترك صلابة، وكان يحارب جيوش خراسان الفارسية يقودها أبو مسلم الخراسانى، وكان بنو العباس من وراء ذلك يتأهبون للظهور فى الميدان.
وخلع الشيعة القناع عام ١٣٠ هـ: وسرعان ما فتحت فارس وخراسان، ثم احتل الغزاة العراق فى العالم التالى، وظهر العباسيون بدعوتهم فجأة، ونادوا بأبى العباس عبد الله خليفة فى الكوفة. ثم هزم هذا الخليفة الجديد مروان على نهر الزاب، وأرسل أعوانه يطاردونه فى الجزيرة والشام. وهزمه مرة أخرى فى مصر حيث قتل آخر خلفاء بنى أمية فى ٢٧ من ذى القعدة سنة ١٣٢ هـ (٧ من يولية سنة ٧٥٠ م)، وقتل أعضاء البيت الأموى.
وقامت فى الشام حركة لمساعدة أبى محمد السفيانى فلم تأت بطائل، وكان فرار عبد الرحمن بن معاوية بن هشام من المدينة إلى إفريقية ومنها إلى الأندلس ختام المأساة التى صاحبت سقوط أسرة معاوية ومروان.
ولا ريب فى أنه من المبالغة أن نقول إن سلطان العرب ينتهى بسقوط دولة الأمويين، وأن ندعى على بنى العباس
стр. 1221
أنهم صبغوا العالم الإسلامى بالصبغة الفارسية. فالحقيقة أن أسرة الخلافة بقيت عربية. وليس ذلك فحسب، بل ظل ولاة الأقاليم وقواد الجيش يختارون من العرب مدة تقرب من قرن. ومن جهة أخرى فإن من الحقائق الثابتة أن صبغ الإسلام بالصبغة الدولية -أى كون العرب لم يعودوا هم العنصر الفعال وحدهم فى تنظيم الدولة وترقية المدنية- كان قد بدأ قبل ذلك، ولو على الأقل فى صورة نظرية، عندما سوت إصلاحات عمر بن عبد العزيز بين العرب والموالى. ثم إن دخول هذه العناصر المتباينة فى الإسلام جعل لها نصيبًا فى تكوين المدنية الإسلامية التى يحق لنا أن نعتبرها عربية، وإن تكن الأبحاث التحليلية فى الخمسين سنة الماضية قد أثبتت أن معظم العوامل التى كونتها أجنبية. ذلك أن اللغة العربية ظلت تصبغ هذه المدنية بصبغة واحدة. وليس هذا فحسب بل إن العناصر المكونة لها امتزج بعضها ببعض تحت التأثير العربى، ولاشك أن الفضل فى طبع هذه المدنية المكونة من عناصر متنوعة بالطابع العربى يرجع إلى الأمويين.
ومن أسف أننا الآن لا نستطيع أن نتعرف بالتفصيل العوامل الأولى التى غرست البذور التى لم نر ثمراتها إلا فى عهد العباسيين.
على أننا نلاحظ أن المدنية الإسلامية بلغت أوج ازدهارها فى النصف الثانى من القرن الثانى، لا فى الدين وحده بل فى العلوم والفنون، وهذا يدل دلالة واضحة على أن انتقال العرب إلى المدنية لم يكن موقوتًا بمجئ بنى العباس، بل إنه بدأ قبل ذلك.
والذى يبهر الإنسان فى مدينة العصر الأموى وجود العالمين القديم والجديد جنبًا إلى جنب على نحو ما نلاحظه دائمًا فى عصور الانتقال: فكانت العقلية العربية وعادات العرب وشعر الفرزدق وجرير والأخطل لا تزال باقية مقبولة عند الناس، وعندما بدأت عناية أهل الحديث والمؤرخين واللغويين تتجه إلى الآثار الأدبية التى أوحت بها الصحراء والتى عرفوها من شواهد جليلة لعصر قد انقضى؛ بل إن النظام الإدارى الذى جرى عليه العباسيون هو فى جوهره نظام الأمويين الذى أنشأوه
стр. 1222
على أساس الأنظمة البوزنطية والساسانية. ونصيب يحيى ابن برمك فى إضافة شئ جديد أقل بكثير مما ينسبه له المؤرخون. ونختم القول فى هذا بأن الأمويين لم يستطيعوا أن يجعلوا الإمبراطورية العربية المترامية الأطراف وحدة متجانسة، وهذا هو الذى عجز العباسيون أيضًا عن تحقيقه. وقد استطاع هؤلاء أن يكملوا توحيد العالم الإسلامى من الوجهتين العقلية والمعنوية وكان الأمويون قد شرعوا فى هذا من قبل. ويستطيع القارى أن يجد تفصيل ما لم نستطع بحثه فى هذه المادة، فيما كتب عن أسماء الأشخاص والأماكن المتصلة بتاريخ هذا العصر.
المصادر:
لا نسطيع أن نذكر جميع المصادر التى يرجع إليها فى هذا الموضوع الواسع، ولذلك سنقتصر على الكتب التاريخية العامة. وقد ذكر ل. كايتانى مصادر تاريخ بنى أمية فى كتابه Chronographica Islamica, طبعة باريس، عام ١٩١٢، ص ٤٦١ - ١٦١٧، وهو كنز عظيم القيمة، ولكن ليس له فهرس. وفيه إلى جانب المصادر العربية جميع المصادر السريانية واليَونانية واللاتينية والأرمينية والصينية. وتوجد نصوص هامة حقًا لم تنشر حتى الآن، ولاشك أن أهمها مؤلف عظيم للبلاذرى اسمه "أنساب الأشراف"، لم ينشر إلا جزء صغير منه، نشره آلوارت (Anonyme arab.: W.Ahlwardt Greifswald ١٨٨٣. Cronik etc) وتقوم بنشر الكتاب الآن جامعة القدس، ونرجو أن نجد فيه بعض بقايا التاريخ الأموى التى طغى عليها مؤرخو بنى العباس المتعصبون، وبعض هذه البقايا حفظ فى تاريخ كتبه مؤرخ عربى أندلسى هو البياسى واسمه "الأعراب بالحروب فى صدر الإسلام" (انظر M.S. O. S.J. Horovitz سنة ١٩٠٧ ص ٢٢ - ٢٧) وهو كتاب جدير بالنشر. ونأسف لأننا لا نجد فى مؤلف كايتانى المتقدم ما يمكن أن يوصلنا إليه البحث العلمى فى دواوين الشعراء وما عليها من شروح، وأهمها النقائض لجرير والفرزدق. وربما نجد فى هذه الدواوين شيئاً لم نعرفه من قبل (وقد
стр. 1223
قام لامانس بأبحاث كثيرة من هذا النوع). وأوراق البردى مصدر آخر عظيم الأهمية وإن كان محدود المجال؛ وأهمها الأوراق التى تحمل اسم قرة بن شريك. وقد رأينا أن من الكتب العامة التى لها قيمة أساسية فى تاريخ العصر الأموى كتاب الأستاذ J. Wellhausen: الذى انتفع بكتاب الطبرى لأول مرة واسمه Das arabische Reich und sein sturz طبعة برلين، سنة ١٩٠٢، وكتابه Die religios- politischen Oppositionsparteiene im alten Im alten Islam (Abh.G.W.Gott.,V.,١٩٠١) Islam وكتابه Die Kampfe der Araber in mit den Romaern (nacrichten G.W. (١٩٠١,.der Zeit der Umaijaden Gott ولايقل شأن هذين الكتابين عن الكتاب الأول فيما يختص بناحيتين جوهريتين فى تاريخ العصر الأموى (: A Gibb H. The Arab Conquest in entral Asia طبعة لندن عام ١٩٢٣ James G., Forlony) Fund,II وفى هذا الكتاب دراسة جيدة لنقطة أخرى لها أهمية تاريخية عظيمة، ومن أسف أن فتوحات إفريقية لم تدرس على هذا النحو. وللأب لامانس بحوث كثيرة ومع أنها لا تشمل كل تاريخ الخلافة الأموية، فلا يستغنى عنها باحث لكثرة ما فيها من تفاصيل وللتعمق الشديد فى بحث المسائل التاريخية وهى: . Etudes: M.F.B.O sur le regne du Calife omaiyade Moawia I جـ ١ - ٣؛ Ziad Ibn Abihi vice-roi de I'Iraq R.S.O., جـ ٤، califat de Razid Le ,.Ire M.F.O.B جـ ٤ - ٦: le Etudes sur Omaiyades siecle des، بيروت ١٩٣٠.
وهناك مصادر أخرى منها مقالات C.H.Becker فى Islamstudien جـ ١ طبعة ليبسك ١٩٢٤ وكذلك كتابه Beitrage zur Geschichte Aegyptens unter dem Islam ج ٢ طبعة ستراسبورغ سنة ١٩٠٣، وهذان الكتابان ساعدا مساعدة عظيمة على إيضاح مكانة الخلافة الأموية فى التاريخ.
[ج. ليفى دى لا فيدا Levi de Vida]
الأمويون فى الأندلس
يقول المؤرخون العرب إن بنى أمية -أو بنى مروان، وهم أبناء الأمويين فى الشام- أسسوا إمبراطورية إسلامية فى بلاد الأندلس وحكموها من القرن
стр. 1224
الثامن إلى القرن الحادى عشر متخذين قرطبة عاصمة لهم.
وعودة الأمويين إلى الحكم فى أقصى المغرب من بلاد الإسلام بعد أن قضى عليهم العباسيون فى المشرق حادث من أروع الحوادث فى تاريخ العرب فى العصور الوسطى. وهذه الأسرة هى التى ساعدت على فصل بلاد الأندلس الإسلامية عن باقى بلاد العرب وجعلتها وحدة سياسية حقيقية، وهى التى طبعت هذه البلاد بالطابع الشامى فوق ما لها من مسحة اجتماعية خاصة. وبفضل همة أمرائها استطاعت أن تقاوم مشروعات العباسيين ثم الفاطميين. ولم تلن قناتها إلا أخيرًا بعد أن أنهكتها الحروب، لأنها أخفقت فى كبح جماح الجنود المرتزقة، ولم توقفهم عند حدودهم قبل أن يستفحل الأمر فمكنتهم من إقامة دكتاتورية وراثية إلى جانبها.
ويمكن أن نقسم تاريخ الأمويين فى الأندلس إلى ثلاثة عصور كبرى: (١) عمر الأمراء المستقلين فى قرطبة (٢) وعصر الخلافة (٣) وعصر تدهور الأسرة وسقوطها. وسنتكلم عن ذلك باختصار.
ثبت بتاريخ الأمويين فى الأندلس
(١) عبد الرحمن الأول الملقب بالداخل: حكم من ١٣٨ - ١٧٢ هـ (٧٥٦ - ٧٨٨ م).
(٢) هشام الأول: حكم من ١٧٢ - ١٨٠ هـ (٧٨٨ - ٧٩٦).
(٣) الحكم الأول: حكم من ١٨٠ - ٢٠٦ هـ (٧٩٦ - ٨٢٢).
(٤) عبد الرحمن الثانى: حكم من ٢٠٦ - ٢٣٨ هـ (٨٢٢ - ٨٥٢).
(٥) محمد الأول: حكم من ٢٣٨ - ٢٧٣ هـ (٨٥٢ - ٨٨٦).
(٦) المنذر: حكم من ٢٧٣ - ٢٧٥ هـ (٨٨٦ - ٨٨٨).
(٧) عبد الله: حكم من ٢٧٥ - ٣٠٠ هـ (٨٨٨ - ٩١٢).
(٨) عبد الرحمن الثالث الناصر لدين الله: حكم من ٣٠٠ - ٣٥٠ هـ (٩١٢ - ٩٦١).
(٩) الحكم الثانى المستنصر بالله: حكم من ٣٥٠ - ٣٦٦ هـ (٩٦١ - ٩٧٦).
стр. 1225
(١٠) هشام الثانى المؤيد بالله: حكم من ٣٦٦ - ٣٩٩ هـ (٩٧٦ - ١٠٠٩) ومن ٤٠٠ - ٤٠٣ هـ (١٠١٠ - ١٠١٣).
(١١) محمد الثانى المهدى: حكم من ٣٩٩ - ٤٠٠ هـ (١٠٠٩ - ١٠١٠).
(١٢) سليمان المستعين بالله: حكم من ٣٩٩ - ٤٠٧ هـ (١٠٠٩ - ١٠١٦).
(١٣) عبد الرحمن الرابع المرتضى: حكم من ٤٠٧ - ٤٠٩ هـ (١٠١٧ - ١٠١٩).
(١٤) عبد الرحمن الخامس المستظهر بالله: حكم فى ٤١٤ هـ (١٠٢٣).
(١٥) محمد الثالث المستكفى بالله حكم من ٤١٤ - ٤١٦ هـ (١٠٢٣ - ١٠٢٥).
(١٦) هشام الثالث المعتد بالله: حكم من ٣١٨ - ٤٢٢ هـ (١٠٢٧ - ١٠٣١).
(١) عصر الأمراء المستقلين فى قرطبة
يذكر المؤرخون فى العادة أن عبد الرحمن الأول بن معاوية بن هشام الذى يلقبونه بالداخل أسس إمارة أموية فى قرطبة عام ١٣٨ هـ (٧٥٦ م). وبينما بنو العباس يضطهدون أهله وعشيرته استطاع، وهو لايزال فتى، أن يفر خفية إلى فلسطين ومنها إلى مصر وإفريقية يصحبه مولاه بدر، وسرعان ما اضطر إلى الفرار من القيروان حيث تعرض لاضطهاد الوالى عبد الرحمن بن حبيب، وذهب إلى المغرب فلبث زمنًا فى تاهرت مقيما فى قصر بنى رستم. وأكرمته قبائل بربرية كثيرة منها مكناسة ونفزة. وظهرت من عبد الرحمن رغبة فى الاشتغال بالسياسة منذ أن وطئت قدمه أرض إفريقية. وكان يشجعه على ذلك مولاه بدر، ولكن مطامعه السياسية لم تجد فى المغرب أرضًا صالحة فاتجه نظره بالطبع إلى الأندلس.
كان عبد الرحمن رجلا قوى الاستعداد شديد الذكاء مرهف الحس فى الأمور السياسية فاستطاع أن يستغل المنافسات التى ظلت سنين عديدة فى إحداث شقة واسعة بين بنى قيس اليمانية الذين استوطنوا بلاد
стр. 1226
الأندلس. ثم إنه لم يجد مشقة فى كسب تأييد أتباع بنى أمية الذين جاءوا قبله ببضع سنين مع بلج بن بشر وكان عددهم يقرب من الخمسمائة انتشروا بين الجند فى البيرة وجيان جنوبى شرق الأندلس. وكان حاكم بلاد الأندلس فى ذلك الحين يوسف بن عبد الرحمن الفهرى، الذى كان يستمد سلطانه من زعيم بنى قيس فى الأندلس وهو الصَّميل الكلابى.
ولما رأى عبد الرحمن أن الوقت قد تهيأ لأن يدخل بلاد الأندلس مطالبًا بالحق فى الملك، غادر المغرب ونزل فى المنُكبَّ " Alminecar" فى ربيع الثانى عام ١٣٨ هـ (سبتمبر عام ٧٥٥) ولقى من الترحيب فوق ما كان يرجو، ووقف لمناهضة يوسف الفهرى. وبعد اجتماعات وحروب ومفاوضات -يستطيع القاريء أن يرجع إلى تفاصيلها فى كتب مؤرخى العرب- نودى بعبدالرحمن أميرًا فى العاشر من ذى الحجة عام ١٣٨ (١٥ مايو سنة ٧٥٦) فى مدينة قرطبة وهى المقر القديم لحكام العرب.
وحكم عبد الرحمن مؤسس الإمارة الأموية فى قرطبة مدة تزيد على ثلاثة وثلاثين عامًا، قضى أول هذه المدة فى توطيد مركزه فى العاصمة. وذاعت أخبار نجاحه فى بلاد المشرق كلها، فأتى إلى بلاد الأندلس سيل متدفق من أتباع الأمويين وأنصارهم ليقوموا بنصيبهم فى إعادة دولة بنى أمية فى الأندلس بعد أن سقطت فى الشام. ولكن سرعان ما نشأت اضطرابات سياسية كان لابد لأمير قرطبة من التغلب عليها، فكان عليه أولا أن يخضع يوسف الفهرى الذى لم يرضى بالهزيمة فحاول أن يستولى على قرطبة بعد أن جمع حوله فئة من الأتباع، ولكنه هزم ١٤١ هـ (٧٥٨ م) وقتل فى العام التالى فى إقليم طليطلة.
وظلت الفتن تنتشر فى كل نواحى الأندلس من وراء ستار، كما كانت الحال أيام الولاة. وكانت الاضطرابات تنشأ باستمرار يوقظها طوائف المولدين من الأسيان الذين دخلوا فى الإسلام حديثا. وفوق هذا كان البربر والعرب لا يلقون سلاحهم بسبب الأحقاد القبلية، فكان لابد لعبد الرحمن من أن يخمد
стр. 1227
فتن اليمانية وبنى فهر الذين انضووا تحت لواء العلاء بن مغيث الجذامى عام ١٤٦ هـ (٧٦٣ م)، ثم فتن البربر يقودهم شقيا الذى ثار فى شنتبرية عام ١٥٢ هـ (٧٦٩ م) وحال دون انتشار أى اضطراب فيها.
وفى النصف الثانى من حكم عبد الرحمن الأول اتحد بعض كبار العرب فى شرقى الأندلس واستنجدوا بشرلمان، فعبر شرلمان جبال البرانس بنفسه على رأس جيش، وحاصر سرقسطة عام ١٦٢ هـ (٧٧٨ م) ولكن سرعان ما اضطر إلى العودة إلى الرين، فرفع الحصار، ومنى فى رجوعه إلى فرنسا بالهزيمة المشهورة التى تقترن بذكرى رولاند والتى نشأت عن كمين نصبه له الباسك عند ممر رونسفو. وانتهز عبد الرحمن فرصة عودة شرلمان فحاصر سرقسطة بدوره واحتلها عا م ١٦٤ هـ (٧٨٠ م) ولكن احتلاله لها كان قصير الأجل. ثم وجه حملة ضد الباسك كللت بالنجاح.
ولما مات مؤسس الدولة الأموية الجديدة عام ١٧٢ هـ (٧٨٨ م) كانت مملكة قرطبة قد قامت على أساس قوى من الوجهة السياسية ومن حيث سيادتها لبقاع معينة، وصار لها جيش قوى. ونجاح ذلك الرجل الذى خرج على وجهه من الشام، وقدرته العجيبة على إنشاء مملكة لنفسه ونشر السلام فيها، نالا إعجاب كل مؤرخى العرب فلقبوه "صقر قريش".
وكان نشر السلام فى ربوع المملكة الجديدة أكبر همّ لخلفاء عبد الرحمن الأول. وبعد موته انتقل الحكم إلى ابنه هشام الأول فلم يزد حكمه على السبع سنين إلا قليلا، لأنه مات شابًا عام ١٨٠ هـ (٧٩٦ م).
وكان لابد له أولا من التغلب على إخوته الذين أرادوا الاستئثار بالحكم فأرسل حملتين صائفتين عامى ١٧٧ هـ (٧٩٣ م) و ١٧٩ هـ (٧٩٥ م) إحداهما ضد نربون والأخرى ضد جليقية Galicia. والمؤرخون يذكرون أن هشاما الأول كان أميرًا نبيلا جم الفضل، ويأسفون لأن حكمه لم يطل.
وجاء بعده ابنه الحَكم الأول فلبث فى الحكم ستة وعشرين عامًا،
стр. 1228
ولا نعرف على وجه اليقين إن كان هو الذى أدخل مذهب المالكية فى الأندلس أم أبوه. والمذهب الذى كان متبعًا حتى ذلك الحين فى تلك البلاد هو مذهب الأوزاعى، وأيا ما كان الأمر فإن الفقهاء لم يصر لهم شأن خطير وكلمة مسموعة عند الحاكم إلا عندما آل الأمر إلى الحكم.
وكان هذا الأمير -خلافًا لأبيه- قليل الميل إلى الفقهاء، وسرعان ما وقف فى وجههم وأثبت لهم قدرته على مخالفة آرائهم. ولكن الفقهاء صمموا على مقاومته فانضموا إلى فريق آخر من المتذمرين هم المولدون، وصاروا -إلى حد ما، وباسم الإسلام- أبطالا للقومية الأسبانية. وكان الحكم رجلا قوى الهمة ثابت العزم فأدت معارضتهم له إلى سلسلة من الإجراءات القاسية اتخذها الحكم بشدة لا هوادة فيها فى الجزء الأكبر من حكمه. وقامت أول فتنة فى قرطبة ذاتها عام ١٨٩ هـ (٨٠٥ م). فقام متآمرون من الأشراف يستحثهم الفقهاء، وحاولوا أن يخلعوا الحكم عن العرش ولكن مؤامرتهم اكتشفت، وقمع الحكم أولئك الثائرين بشدة عظيمة،
وفى العام التالى استولى الحكم على " Merida" ماردة، وأخمد فتنة أخرى فى قرطبة أراق فيها الدماء. وفى عام ١٩١ هـ (٨٠٧ م) وقعت فى طليطلة وقعة الحفرة المشهورة، وكان أهل هذه المدينة من أول الحكم الأموى فى ثورة لاتهدأ حتى تقوم، فأرسل الحكم اليهم عمروس ليحكم وكان من رجاله المخلصين، فنصب كمينًا لسادة طليطلة بعد أن أقر سيده هذه الخطة، ولم يحرج منه أحد على قيد الحياة.
على أن الذى يكشف عن عزيمة حفيد عبد الرحمن التى لا تلين هى وقعة الربض. ووطّن الحكم عزمه ليقضين على جراثيم الفتنة فى العاصمة قضاء مبرمًا، فجمع حوله حرسًا من الجنود المرتزقة يسمون "الخُرْس". وأقاموا حكم الإرهاب فى قرطبة، وظل التذمر فى زيادة مستمرة، وفى عام ٢٠٢ هـ (٨١٧ م) نشبت ثورة واسعة النطاق فى الضاحية الجنوبية للعاصمة على شاطئ الوادى الكبير، وذلك أن الفقهاء بزعامة
стр. 1229
يحيى بن يحيى أهاجوا الدهماء فقام هؤلاء يحاولون أن يأخذوا قصر الأمير، ولكن سرعان ما طوقتهم جنود الحكم وأخذوا عليهم السبل. وقرر الأمير لساعته أن ينفى من أرض الأندلس كل سكان ربض قرطبة الذين نجوا من المذبحة، فهاجر عشرون ألف أسرة ذهب ثلثاهم إلى مصر ومنها إلى "إقريطش"، وذهب الباقون إلى فاس واستوطنوا الحى الذى يسمى عدوة الأندلس. ثم هدم الربض وحظر على الناس أن يعيدوا بناء شئ فيه. وأثّر إخماد الفتنة -على هذه الطريقة العنيفة- فى العالم الإسلامى تأثيرًا كبيرًا حتى أن المؤرخين يسمون الحكم الأول "بالربضى".
وقد أنفق الحكم معظم أيام حكمه فى القضاء على الفتن الداخلية التى كان يوقد نارها المولدون المتذمرون يحرضهم الفقهاء من وراء ستار، واستطاع بهمته أن يتغلب على كل شئ. ولكن لما كان باله مشغولا بالمشاكل الداخلية دائمًا لم يستطع أن يحمى ثغور بلاده حماية كافية فى طول أيام حكمه؛ ولهذا نجد مملكتى أشتورية وجليقية تتقدمان نحو الجنوب تقدما واضحا، وانتزع دوق أكويتانيا برشلونة من يد المسلمين عام ١٨٥ هـ (٨٠١ م).
ثم جاء بعد الحكم ابنه عبد الرحمن الثانى فكان مخالفًا لأبيه كل المخالفة. وامتد حكمه من ٢٠٦ إلى ٢٣٨ هـ (٨٢٢ - ٨٦٢ م). وكان ضعيفًا جدًا، فلم يستطع أن يقبض على زمام الأمور. ونشأ عن عهد هذا الأمير الضعيف أن تجددت الحركة القومية. ففى عهده وجد المستعربون من أهل الأندلس الذين ظلوا على دينهم المسيحى أن فى قدرتهم أن يخرجوا على الأمير بتحريض إيولوجيو Eulogio والفارو- Al varo. فلما أرادت الحكومة الإسلامية أن تقمع ثورتهم هبط على الأندلس -وخصوصًا على قرطبة- بين عامى ٢٣٦ - ٢٣٨ هـ (٨٥٠ - ٨٥٢ م) سيل من المتطوعين يريدون الاستشهاد فى سبيل الدين، ودعا الأمير الأموى مؤتمرًا حاول أن يصد هذا التيار. وكان على الأمير -إلى جانب مقاومة
стр. 1230
الجماعات المسيحية المناوئة له- أن يتغلب على ثورات جديدة قام بها المولدون، فكان لابد له من أن يستعيد ماردة وطليطلة بالقوة.
وفى عهده أيضًا ظهر فى الأندلس لأول مرة النورمانديون الذين يسميهم المسلمون "المجوس". وفى عام ٢٣٠ هـ (٨٤٤ م) استولى غزاة النورمانديين على إشبيلية، وعقدت هدنة بين قائدهم وبين أمير قرطبة الذى أرسل إليهم سفيرًا هو يحيى بن الحكم الغزّال.
ولما مات عبد الرحمن الثانى عام ٢٣٨ هـ (٨٥٢ م) خلفه على عرش قرطبة ابنه محمد الأول، فحكم إلى عام ٢٧٣ هـ (٨٨٦ م)، وامتاز عهده بثورات داخلية متوالية كانت تزداد رغم قسوته؛ فقام المستعربون بثورة عند توليه الملك. وبدأ الأمير يضطهد الطوائف المسيحية فاستغاث مسيحيو طليطلة بليو أوردونيو الأول " Leo Ordono" فسير إليهم جيشًا على رأسه الكونت بيرزو " Bierz" وقطعت جنود المسلمين عليه الطريق عام ٢٤٠ هـ (٨٥٤ م) فى موقعة وادى سليط.
ولم تقف ثورات المسيحيين إلا عام ٢٤٥ هـ (٨٥٩ م) وبعد موت إيولوجيو وليوقريطيا " Leocritia". ولكن زادت القلاقل السياسية فى إمارة قرطبة، وأخذت حركات العصيان تظهر شيئاً فشيئا فى جميع الولايات التى كانت خاضعة نظريًا لقرطبة. وكان يقود هذه الحركات المولدون الذين ظهروا فى ثوب حكام مستقلين وأبطال قوميين. وظل أمراء قرطبة مشغولين حتى أول القرن العاشر بثورات أشراف المولدين وبدعاوى البيوتات العربية الكبيرة بعد ذلك.
وفى عهد محمد الأول بدأت ثورة طويلة الأجل فى جنوب غربى الأندلس كان على رأسها زعيم مستقل هو عمر ابن حفصون. وسرعان ما صار له السلطان المطلق على جميع البلاد الجبلية التى تقع بين رُنْدَة " Ronda" ومالقة. وأنشأ مقرًا له فى قلعة بباشتر " Bobastro" الحصينة، وظل ينازع الحكومة الإسلامية المركزية إلا فى فترات هدنة قصيرة. وسرعان ما اعترف الثائرون فى كل بلاد الأندلس أنه زعيمهم غير مدافع.