في العام التالي فهاجمه الأزابكة من جديد وهزموه في بخارى ثم في غَجْدوان واضطروه إلى أن ينسحب إلى كابل سنة ٩٢٠ هـ (١٥١٤ م)، وعلى أثر ذلك عدل بابر عن فتح الشمال وبدأ يحقق الخطة التي نضجت عنده منذ زمن طويل وهي تأسيس دولة له في الهند بعد أن فتح قندهار سنة ٩٢٨ هـ (١٥٢٢ م). وكان إبراهيم لودى سلطان دهلى قد نشب النزاع بينه وبين زعماء الأفغان، فاستغل بابر هذه الفرصة واستولى على لاهور سنة ٩٣٠ هـ (١٥٢٤ م) ثم تولى ملك إبراهيم بعد أن انتصر عليه في وقعة بانيت التي حدثت في يوم الجمعة ٨ من رجب سنة ٩٣٢ هـ (٢٠ إبريل سنة ١٥٢٦ م) وقتل إبراهيم في هذه الوقعة. واتخذ بابر "آكَرا" حاضرة لملكه. واضطر إلى محاربة الزعيم الراجبوتي "رانسنكَه" أمير "جيتور" وأفغان جاونبور وملك البنغال: وتوفى بابر بالقرب من آكَرا في ٦ من جمادى الأولى سنة ٩٣٧ هـ (٢٦ ديسمبر سنة ١٥٣٠ م) وخلفه في الملك ابنه الأكبر "همايون".
وكان بابر قائدا جسورًا ذا شجاعة لا تبارى، ولما تسلق أسوار سمرقند واستولى عليها للمرة الثانية لم يكن معه إلا ٢٤٠ رجلًا. وكان عبوره لجبال هندوكش في عز الشتاء من الأعمال العظيمة. وقد وصف الهند وصفًا يدل على شدة عنايته بالتاريخ الطبيعي. وكان بابر شاعرًا صنف ديوانًا بالتركية "ديوان تركى" ومجموعة من المثنويات تسمى "مبين" (انظر Berezine: Chrestomathie Zeitschr. d. Deutsch Morgenl: Sprenger, turqure Gesellsch. جـ ١٦، سنة ١٨٦٢ ص ٨٧).
وخلف بابر أيضًا وصفًا لمغامراته في مذكراته (بابر نامه) التي كتبها بالتركية أو باللغة الجغتائية. ويظهر من اختلاف الأسلوب أن هذه المذكرات لا بد أن يكون أملاها المؤلف على نساخ ثلاثة متعاقبين، وقد نشر نصها إلمنسكى Ilminski في قازان سنة ١٨٥٧ م من
стр. 1507
نسخة نسخها Kehr في سنة ١٧٣٧ م؛ ونشرت السيدة "أنيت بيفردج": . Mrs Annette S. Beveridge مخطوطًا كان يملكه السير سالار جنكَل الحيدرابادى (انظر سلسلة كَب التذكارية جـ ١، سنة ١٩٠٥ م، ومعه فهرسان). وترجم "بابر نامه" إلى الفارسية عبد الرحيم ميرزا خان بن بيرام خان سنة ١٥٩٠ م ثم ترجمت هذه الترجمة إلى الإنكليزية بواسطة ليدن وإرسكين J. Leyden و W. Erskine سنة ١٨٢٦ م أما الترجمة الفرنسية التي قام بها باقيه ده كورتاى Pavet de Courteille وطبعها في باريس سنة ١٨٩١ م فهي مأخوذة عن نسخة إلمنسكى Iliminski . وفي مذكرات بابر فراغ يرجع إلى رغبة المؤلف في إغفال ذكر بعض الحوادث التي ليس في صالحه ذكرها، أو إلى الحوادث نفسها التي حدثت له خلال حياته الحافلة بالمغامرات.
المصادر:
(١) C. Defremery في Journal des Savants سنة ١٨٧٣ م.
(٢) Beveridge A.S في مجلة الجمعية الأسيوية الملكية Journal of the .Royal AS. Soc أعداد يولية سنة ١٩٠٠ م، ١٩٠٢ م وأكتوبر ١٩٠٥ م ويناير ١٩٠٦ م، ونشرت منفصلة باسم The Haydarabad Codex of the Babarnama
(٣) Babur und Adu' L- Fazl: F. Teufel Zeitschr d. Deutsch MorgenL Gesellsch جـ ٣٧، ص ١٤١, وما بعدها.
(٤) Babar: Lane- Poole طبعة أكسفورد سنة ١٨٩٩ م.
(٥) Islam: A. Muller, جـ ٢، ص ٣٢٨ وص ٣٣٠ وما بعدها وص ٣٥٣ وما بعدها، وص ٣٧٣، ٤٠٥ - ، ٤١٤
(٦) Grundr d. iran Philil جـ ٢، ص ٣٦١ - ٣٦٣.
[إيوار Ci. Huart]
стр. 1508
بابل
هي مدينة بابل القديمة على شاطئ الفرات، على خط عرض ٣٢ - ٤١ - ٣٠ شمالا وخط طول ٤٤ - ٢٣ - ٣٠ شرقي كرينوش.
كان لمدينة بابل القديمة عند المسلمين -وعندنا أيضًا- شأن أعظم من شأن المدينة التي كانت لاتزال موجودة في صدر الإِسلام. وكل ما يعرفه المسلمون عن بابل مأخوذ من ثلاثة مصادر: يهودية أو فارسية أو مسيحية. ولسنا نعرف في وضوح ما إذا كانت معلوماتهم التي يمكن ردها إلى الكتاب المقدس قد وصلت إليهم على يد اليهود أو النصارى.
وقد قيل إن آدم نفسه بعد خروجه من الجنة وكذلك قابيل وهابيل كان مقامهم في بابل، وقيل إنهم كانوا في المدينة البوزنطية ببيلون أو بابليون في الفسطاط (ياقوت، جـ ١، ص ٤٥) التي ترد أيضًا إلى نفس العهد القديم كما جاء في التوراة. وروى أن نوحًا بن كوش بن حام وأبناءه استقروا في بابل بعد الطوفان (ابن خرداذبه، ص ٧٧، الطبري، جـ ١، ص ٢١٧، ياقوت، جـ ١، ص ٤٤٢، ٤٤٧). ويقول ابن الفقيه، (ص ١٩٦) إن أول مدينة بنيت في العالم هي حَرّان والثانية بابل. وينسب برج بابل إلى النمروذ ويسمى "المجدل" (البكرى ص ١٣٦). وقيل إن الله فرق أبناء نوح في الأرض من بابل وفيها تبلبلت الألسن، وصلة اسم بابل بهذه القصة من الناحية اللغوية أمر معروف (انظر سفر التكوين، الإصحاح ١١، فقرة ٩؛ ابن رسته، ص ١٠٨، المسعودى: كتاب التنبيه، ص ١٩٧، البكرى، المصدر المذكور آنفًا). ويقال إن بابل كانت مقام النمروذ بن كنعان وهو أول من ملك الأرض واستشار المنجمين وشق القنوات (انظر ابن خرداذبه ص ٧٧، ابن الفقيه ص ١٩٩؛ الإصطخري، ص ١٠١، ٨٦٠، المسعودى: كتاب التنبيه ص ٩٤، وص ١٠٥، ١٠٦ نقلا عن التوراة؛ مروج الذهب في مواضع متفرقة).
وكان إبراهيم في عهد النمروذ، ولد في حرّان وجاء به أبوه وهو صغير إلى أرض بابل وكان يسكنها لابان فعاش فيها ثم رحل عنها بعد أن تزوج فيها (انظر الطبري، جـ ١، ص ٢٥٢ وما بعدها). وبالرغم من اختلاف هذه
стр. 1509
القصة عن رواية التوراة ينبغي أن نعدها من أصل يهودى، شأنها في ذلك شأن الروايات التي تتحدث عن تاريخ بابل في عهدها المتأخر.
وكانت بابل مقر بُخْت نصر الذي دمر بيت المقدس وقال اليهود أسارى إلى مدينته (انظر ابن الفقيه، ص ٢١٨, الطبري، جـ ١، ص ٦٩٢، المسعودى: التنبيه، ص ١٠٥، ١٠٦، ياقوت، جـ ١، ص ٤٤٨). وما روى عن مقتل بلشصر بن أولمرودخ بن بخت نصر على يد المقوقس الميدى يمكن أن يرد أيضًا إلى مصادر سريانية (الطبري، جـ ١، ص ٢١٦) وكثيرًا ما ترد أسماء النمروذ وبخت نصر وسنحاريب -وهي أسماء بابلية- في الكتب والأزياج (المسعودى: كتاب التنبيه، ص ١٠٥). وكان المسلمون يطلقون على أهل بابل القدماء تارة اسم الكلدانيين وتارة اسم الكنعانيين أو النبطيين (الإصطخري، ص ١٠١؛ ياقوت، جـ ١ ص ٤٤٧).
وكانت الأساطير الإيرانية أيضًا قبل الإسلام تربط بابل بتاريخ الأبطال الذين وردوا في تلك الأساطير الإيرانية والقصص الوارد في الكتاب المقدس، وكان جيومرت هو الذي بسط سلطانه من دنباوند إلى بابل، وقالوا إن جيومرت هو آدم (الطبري، جـ ١، ص ١٤٧).
ويقول الطبري (جـ ٢، ص ١٧١) إن أوشهنك بني مدينة بابل ومدينة الشوش وهو أول من قطع الشجر وبنى البناء. وقيل إن الذي بناهما هو طهمورث (١) (ابن الفقيه، ص ٣١٩؛ الطبري، جـ ١، ص ١٧٥ عن ابن هشام الكلبي؛ حمزة، ص ٣٠، ٢٩). وروى أن جمشيد كان ينتقل من دنباوند إلى بابل في يوم واحد كما كان ينتقل سليمان من بيت المقدس إلى تحت جمشيد في إصطخر (انظر الطبري، جـ ١، ص ١٨٠)، ويقول الأبستاق إن الضَحَاك عدو جمشيد كان يحكم بابل (الإصطخري، ص ٨٦٠؛ ياقوت جـ ٦، ص ٤٤٨ نقلًا عن يزدجرد بن مهبنداز) وكان أفريدون يقيم في بابل أيضًا.
وممن ملك بابل من الدولة الكيانية كيكاوس ولهراسب وبشتاسب
стр. 1510
(الطبري، جـ ١، ص ٥٩٧، ٦٤٢ - ٦٧٤)، وذكر حمزة في كتاب سير الملوك (ص ٣٥) أن كيكاوس هو الذي بني برج بابل. وروى أن رستم البطل المعروف كان يقيم في بابل.
وقد عرف العرب شيئًا عن ذهاب الإسكندر إلى بابل، وما رووه عن هذا الأمر أقرب إلى الحقائق التاريخية وإن كان مستقى من قصة الإسكندر كما نقلت إلى اللغة السريانية. ويذكر الطبري (جـ ١، ص ٨١٣) أنه أخذ في هذا عن روايات النصارى، وما روى عن قتل الإسكندر لدار ابن دارا وعن إقامة الإسكندر ببابل يمكن أن نرده أيضًا إلى مصدر ساسانى، أي إلى قصة الإسكندر في اللغة الفهلوية المنقولة عن السريانية، ونجد هذه الرواية أيضًا في كتاب سير الملوك لحمزة (ص ٤٠) وفي كتاب الإصطخري (ص ١٤٥). والأخبار الخاصة بذهاب بني أرسك إلى بابل وما روى عن قيام القديس توما بالدعوة فيها أصلها سريانى أيضًا (الطبري، جـ ١، ص ٧٠٢ وما بعدها، ص ٧٣٨) أما الأخبار التي ذكرت أن بابل كانت ملكا للساسانيين فإنا نجد أصلها في "خداى نامه" (الطبري، جـ ١، ص ٨١٣؛ الإصطخري، ص ١٤٥؛ المسعودى: كتاب التنبيه، ص ١٤٥، ١٥٠؛ مروج الذهب، ف ٧) ونجد في الإصطخري (ص ١٤٥) الملاحظة التاريخية الوحيدة المبتكرة حين يذكر أن الساسانيين ومن بعدهم العرب اتخذوا بابل مقرًا لهم لموقعها بالنسبة للإمبراطورية الرومانية ولأنها في وسط العالم الإِسلامي.
ويطلق العرب أيضًا اسم بابل على المدينة والإقليم. وقد سماها الفرس والنبط بابَيل (المسعودى: كتاب التنبيه، ص ٣٥) أو بافيل أو بابلون كما ذكر ياقوت (جـ ٣، ص ٦٣٠) ويقول المسعودى في المصدر المذكور إن الكلدانيين كانوا يسمونها خُنيرَث، وذكر البكرى هذا أيضًا. أما الحمدانى فقال إنهم كانوا يسمونها خَيتارَث. ويظهر أن الفرس كانوا قد أطلقوا اسم بابل على الإقليم الرابع مرادفًا لاسم إيرانشهر. ويقول ابن خرداذبه إن بابل قلب إيرانشهر وقلب العالم (انظر أيضا الطبري، جـ ١، ص ٢٢٩، الإصطخري، ص ١٠). وإقليم بابل أوسط الأقاليم، ولهذا كان أشرفها (ابن الفقيه، ص ٦؛ ابن رسته، ص ١٥٢؛ المسعودى: كتاب التنبيه، ص ٦). ويصف المسعودى في
стр. 1511
كتاب التنبيه (ص ٣٢) حدود بابل فيقول إن حدها الغربي يمتد إلى الثعلبية وهي أول محطة في الطريق الواصل من الكوفة إلى مكة، وحدها الشرقي نهر بَلْخ، أما الشمالي فبين نصيبين وسنْجار، والجنوبى وراء الدَيبُل من ساحَل المنصورة من بلاد السند. ويطلق العرب عادة أرض بابل على إقليم بابل (ابن حوقل، ص ١٦٧) وأرض بابل إنما يقصد بها العراق. ويصف ياقوت في كتابه (جـ ١، ص ٤٤٧) أرض بابل فيجعلها أضيق شقة من وصف المسعودى لها، فيقول إنها بين دجلة والفرات، بلغت من دجلة إلى أسفل كسكر (واسط) ومن الفرات إلى ما وراء الكوفة وموضعها هو الذي يقال له السواد. ويقول ياقوت في فقرة أخرى إن الأنبار، مدينة على الفرات، حد بابل من ناحية الشمال.
قلنا إن اسم بابل يطلق على المدينة وعلى الإقليم، وفوق هذا فإنه يطلق أيضًا على الطسوج السادس من آستان بهقباذ العليا في التقسيم الإدارى للعراق الذي أخذ عن العرب (ابن خرداذبه، ص ٨ - ١٠؛ قدامة، ص ١٣٦؛ ياقوت، جـ ١، ص ٧٧٠). ويروى هذا الإقليم نهر سُورَى أحد فروع الفرات الذي يجرى في وسط مدينة بابل (ابن سرابيون، جـ ٦، نقل عنه أبو الفداء". وكانت بابل حاضرة للإقليم إلى عهد ابن سرابيون حوالي سنة ٩٠٠ م، وحدث في مدينة بابل "يوم العرب" عندما ذبح المثنى قيل الفرس سنة ١٣ هـ (٦٣٤ م، الطبري، جـ ١، ص ٢٤٢٢، ٢١٧٧، ٢١١٧).
أما المكان المسمى عَقْر بابل، وهو الذي سقط فيه يزيد بن المهلب بعد فتنة البصرة سنة ١٠٢ هـ (٨٢٠ م) فهو مكان آخر موضعه بالقرب من كربلاء على الطريق الواصل إليها من الكوفة. والكتاب المتأخرون أمثال الإصطخري وابن حوقل عرفوا بابل على أنها قرية صغيرة فحسب، وهي تقوم على الطريق الواصل من بغداد إلى الكوفة الذي يعبر الفرات عند جسر بابل (المقدسي، ص ١٢١). ويسرد ياقوت أسماء عدة مدن يقول إنها في أرض بابل نذكر منها: الأميرية وبُرْس وبَرْملاحة والجامعَين وهي: الحلة وشالها والغامرية ومدينتان باسم كوثى. ولم يذكر اليعقوبى أنه كان في عهده من مدن بابل إلا الصرح التي كان
стр. 1512
فيها قصر لبختنصر وكورة شنوار التي ذكرها نقلًا عن نصر الإسكندرى المتوفى سنة ٦٥٠ هـ. وعندما تكلم اليعقوبى عن خُطَرْنية وزاقف ذكر ناحية بابل وسماها "طسوج". ولم يكتب لهذا التقسيم البقاء طويلًا، فإنه عندما تولى العباسيون الخلافة أنشئوا في أول عهدهم مدينة بغداد وأوجدوا تقسيما جديدًا هو أرض العراق، أما بابل والأماكن المتصلة بها فأصبحت من كورة بغداد.
وعندما يتحدث ياقوت والقزوينى عن بابل ويقصّان حكايات عجيبة عن المدن السبع التي كانت تتألف منها بابل والعجائب السبع التي كانت توجد فيها فإنهما يقصان ما يظهر أنه كان من الأساطير المحلية التي اتصلت بآثار المدينة. ونجد أن ما ورد من القصص في القرآن وفي الكتاب المقدس عن بابل قد أدخل أيضًا في أساطير تلك البقاع. وعندما يذهب المسافر إلى بابل كان يؤخذ لمشاهدة جب دنيال أو الجب الذي سجن فيه الملكان هاروت وماروت إلى يوم القيامة (سورة البقرة، الآية ١٠٣) وصلى على في بابل ولعنها (المقدسي، ص ١١٦). وبين الأطلال الموجودة قصر بختنصر الشمالي الذي لايزال يسمى باسم بابل، وقد وجد منقوشا على آثاره نماذج عديدة من الشعر العربي في القرون الوسطى. ولما أنشأ العرب مدينة بابل أقاموها في موضع المدينة القديمة ومن ثم استمر الاسم القديم خلال العصور. وتسمى الأطلال الأخرى الموجودة في العصر الحاضر بالقصر وهي أطلال قصر ببيلون، وأطلال عمران بن علي، وفيها ضريح لولى من الأولياء أقيم مكان معبد المدينة القديم، وأطلال حُمَيرَة التي اكتشف فيها مسرح من العهد اليونانى المتأخر، وقد استعملت أنقاض الآثار منذ قرون في بناء المساكن، وكان أول من ذكر ذلك القزوينى، ولهذا سميت بابل باسم المجلبة أو المقلوبة كما ذكر بوشامب Beauchamp . ومع أن موقع مدينة بابل كان يعرفه الشرقيون منذ القدم إلا أن علماء الغرب أخذوا يستعيدون كشفه منذ القرن الثامن عشر.
المصادر:
نذكر إلى جانب المصادر التي ألفها المؤرخون والجغرافيون العرب:
стр. 1513
(١) Lands of the East-: G. le Strange ern Caliphate ص ٤٢.
(١) الكاتب نفسه: Ibn Serapion في. Tourn. of the Roy. As. Soc سنة ١٨٩٥ م.
(٣) Babylonien nach den: M. Streck garab Ceographen في مواضع مختلفة.
(٤) Explorations in: H. V. Hilprecht Bible Lands during the XIXth century، أدنبره سنة ١٩٠٣ م.
[هرزفلد Ernest hersfeld]
+ بابل: درج الكتَّاب العرب القدماء على إطلاق اسم بابل على مدينة بابيلون وبلاد بابيلونيا على السواء. وتقوم أطلال المدينة على بعد ٥٤ ميلا جنوبي بغداد تماما، على طريق بغداد- الحلَّة. على أن هؤلاء الكتاب قد اختلفوا فىَ تعيين حدود هذه البلاد، فبعضهم توسعوا في حدودها حتى شملت رقعة مترامية الأطراف، وقصر آخرون حدودها على مساحة أصغر. ويرى المؤرخون والجغرافيون المسلمون أن مدينة بابل الأصلية كانت قد دمرت قبل الفتح الإِسلامي بزمن طويل، وكان في موضعها وقتذاك قرية صغيرة تحمل اسم بابل أيضًا. ويقال إن هذه القرية ظلت قائمة حتى العصر العباسى في القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادي) فابن حوقل، مثلًا، يقول إن بابل كانت في عهده قرية صغيرة، كما يلاحظ "أنها أقدم أبنية العراق ونُسب ذلك إليها لقدمها، وكانت ملوك الكنعانيين وغيرهم يقيمون بها، وبها آثار أبنية أحسبها أن تكون في قديم الأزمان مصرًا عظيمًا".
ويذكر أبو الفداء عن بابل الرواية السابقة التي أوردها ابن حوقل، ويردف قائلًا: "وببابل ألقى إبراهيم الخليل في النار، وهي اليوم مدينة خراب، وقد صار في موضعها قرية صغيرة".
ووصف القزوينى في القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادي) أطلال بابل وتحدث عن اقتطاع الناس لأحجارها واستخدامها في بناء بيوتهم - وهو عمل ظل الناس يمارسونه إلى سنوات قليلة خلت. ويقول فيما يرتبط بهذا الموضوع: "بابل: اسم قرية كانت على شاطئ نهر من أنهار الفرات بأرض العراق في قديم الزمان، والآن ينقل الناس آجرّها. بها جب يعرف بجب دانيال، ﵇، يقصده اليهود
стр. 1514
والنصارى في أوقات من السنة وأعياد لهم، ذهب أكثر الناس إلى أنها هي بئر هاروت وماروت".
ويشير البكرى إلى برج بابل، الذي يسميه "المَجَل" ويقول، مقتفيًا أثر كتاب أقدم منه إن هذا البرج (الذي يعرفه علماء الآثار المحدثون باسم زكورت) بناه النمروذ في بابل وأنه كان يرتفع نحو ٥٠٠ ذراع شاهقا في السماء، وأن هذا البناء هو البرج الصحيح الذي ورد ذكره في القرآن، (سورة النحل، آية ٢٦)، وفيما يلي النص القرآنى الكريم: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
ولقد ثار الكثير من الجدل بين الكتَّاب المسلمين حول تاريخ بابل وحقيقتها، على أن ياقوت الحموى يلخص مختلف الآراء والأساطير السائدة بينهم حول هذه المدينة. مثال ذلك أنه يقال إن نوحا كان أول من بني هذه المدينة وسكنها بعد الطوفان. ويقول الفرس في رواية يزدجرد بن مِهْماندار إن الملك الضحاك هو الذي شيد هذه المدينة، ويقول ابن الكلبي إن مساحة المدينة كانت ١٢ فرسخا في مثلها، وأن نهر الفرات كان يجرى تحت أسوارها إلى أن حول بختنصر مياهه إلى مجراها الحالى إلى حين احتياطا من انهيار محتمل تتعرض له أسوار المدينة، وأن بابل استمرت في الازدهار حتى دمرها الإسكندر الأكبر.
والمعلومات التي كانت بين أيدينا عن تاريخ بابيلون وحضارتها بعد سقوطها كانت شديدة الاضطراب بالغة التناقض، كما سبق أن بينًا. والواقع أنه لم تكن هناك مراجع محققة في هذا الموضوع سوى القصص الواردة في العهد القديم والأخبار التي رواها بعض المؤرخين الإغريق من العصر القديم، وقصص البطولة الشائعة في القرون الوسطى التي نقلها أناس ينقصهم الاطلاع. ولم تكتشف الحقائق الصحيحة عن هذه المدينة حتى وصول علماء الآثار إلى أطلالها في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، وقد ألقوا الضوء على عدد لا يحصى من البقايا والتحف من بينها ألواح مكتوبة بالخط المسمارى، ولما حلوا رموز هذه الكتابات تكشفت كل الحقائق بالفعل عن هذه المدينة
стр. 1515
ووضعت الأمور في نصابها. وهكذا قضت على الأخبار العديدة السابقة التي تشبه الأساطير وليس لها أساس من الواقع، وحلت محلها الآن حقائق ثابتة توجد في كثير من المصنفات عن هذه المدينة بلغات أوروبية مختلفة.
المصادر:
(١) الطبري، جـ ١، ص ٢٢٩؛ جـ ٢، ص ١٠٥٦، ٢٧٧.
(٢) ابن الأثير، جـ ٢، ص ٣٠٧، ٤٠١، ٤٠٠، ٣٩٨، ٣٩٧، ٣٩٥؛ جـ ٤، ص ٣٧٢، ٣٥١؛ جـ ٥، ص ٤٣٨، ٤٣٩.
(٣) اليعقوبي، جـ ١، ص ٢٣٥، ٣٢١.
(٤) المسعودى: مروج الذهب، جـ ٢، ص ١٨٦.
(٥) الكاتب نفسه: التنبيه، ص ٣٥.
(٦) الإصطخري، ص ١٠.
(٧) ابن حوقل، ص ٢٤٤.
(٨) أبو الفداء: تقويم، ص ٣٠٣.
(٩) القزويني: آثار البلاد وأخبار العباد، ص ٢٠٢.
(١٠) البكرى (طبعة السقا)، جـ ١، ص ٢١٨.
(١١) ياقوت، انظر مادة بابل.
(١٢) ابن عبد الحق: مراصد، (طبعة طوغان Togan)، ص ٢٣.
(١٣) ج. عوض: آثار العراق، في سومر، جـ ٥، سنة ١٩٤٩ م، ص ٧٢ - ٧٣.
(١٤) Excavntions: R. Koldewey The at Babylon (ترجمة A.S Johns، لندن سنة ١٩١٤ م).
(١٥) Discoveries in A. H. Layard the ruins of Nineveh and Babulon, لندن سنة ١٨٥٣ م.
(١٦) Ruined Cities of Iraq: S. Lloyd. أوكسفورد سنة ١٩٤٢ م، ص ١١ - ٢٠.
(١٧) The Tower of Babil A. Parrot (ترجمة E- Hudson. لندن سنة ١٩٥٥ م).
(١٨) Memoirs on the: C. J. Rich Ruins of Ancient Babylon، لندن سنة ١٨١٨ م.
(١٩) Bablon (Reallexikon: E. Unger (Assvriologie der، جـ ١، ص ٣٣٠ - ٣٩٦.
آدم [عوض G. Awad]
стр. 1516
باشا
" باشا": كلمة تركية مأخوذة من الكلمة الفارسية "بادشاه"، والراجح أنها تأثرت بالكلمة التركية "باصقاق" وهي تدل على أعلى الألقاب الرسمية التي كانت مستعملة في تركية إلى عهد قريب وما زالت مستعملة في بعض الممالك الإسلامية التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية. وكلمة باشا تستعمل دائمًا مع اسم العلم شأنها في ذلك ألقاب الشرف في أوربا، إلا أنها تذكر بعد الاسم. أما ألقاب الشرف في أوربا فتذكر قبله. ويستعمل على هذا النحو أيضًا لقبا بك وأفندى وهما أقل شأنًا من لقب باشا، ويختلف هذا اللقب عن الألقاب الأوربية في أنه لا يورث ولا يترتب عليه مرتبة للزوجات ولا يقترن ذكره بذكر إقطاع من الإقطاعات، فهو ذو طابع عسكرى أكثر منه إقطاعى. ولم يكن منح هذا اللقب مقصورًا على العسكريين وحدهم، بل كان يمنح أيضًا لبعض كبار الموظفين المدنيين من غير رجال الدين.
وظهر لقب باشا أول ما ظهر في القرن الثامن الميلادي. ومن العسير أن نحدد على وجه الدقة استعماله الأصلي، وعلى آية حال فإن هذا اللقب كان في بادئ أمره يدل على معنى غامض هو"المولى"، وسرعان ما فقد هذا المعنى (انظر ديوان تركى سلطان ولد" ص ١٤، سنة ٧١٢ هـ = ١٣١٣ م، ففي هذا الديوان تضرع إلى الله بعبارة "أي باشا" أي يا مولاى): وفي هذا العهد كان لقب باشا مثل لقب سلطان يمنح للنساء أحيانًا (إسماعيل حقى: كتابلر، سنة ١٩٢٧، الفهرس؛ قادم باشا: سلجوق باشا). وقد حدث هذا المنح مرة واحدة في القرن التاسع عشر الميلادي وذلك في حالة أم الخديو. وفي عهد سلاجقة الأناضول كان لقب باشا - من حيث هو اختصار "بادشاه" ومشابه لسلطان- ينعم به من وقت لآخر على بعض رجال الدين الذين كانوا في الوقت نفسه رجال حرب والذين لم نعرف بعد تاريخهم معرفة وافية. ونستدل من سلسلة
стр. 1517
النسب التي ربط بها عاشق زاده نفسه أن هذا اللقب كان مستعملا بالفعل في النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي. ويروى عالى أفندي أن مخلص الدين موسى بابا وإلياس شيخ مخلص أو مخلص باشا قبضا على أزمة السلطة في إقليم قره مان أو غلى بعد هزيمة السلطان السلجوقى غياث الدين كيخسرو الثاني سنة ١٢٤٣ م (History of Ottoman Potery: Gibb جـ ١، ص ١٧٧).
ويظهر أنه حدث في آخر القرن الثالث عشر الميلادي أن أضيف لقب باشا إلى أسماء بعض أمراء الدويلات التركية والتركمانية التي اقتسمت حكم آسية الصغرى وكان عددهم محدودًا. وكانوا إما حكامًا وإما أعضاء من الأسر الحاكمة. وكان الأمر على هذه الحال أيضًا في إمارات تكه وآبدين ودكيزلى وقيزيل أحمدلى (انظر مادة "الأتراك") ولعل الأمر كان كذلك أيضًا في إمارات الأناضول الصغيرة (انظر ما ذكرة على باشا عن صاروخان فيما نقله شهاب الدين بن العمرى: "التعريف" واستشهد به القلقشندى في كتابه صحيح الأعشى، جـ ٨، ص ١٦، س ١٤).
ولقب اثنان من أسرة عثمان بلقب باشا: هما علاء الدين بن عثمان وسليمان بن أورخان.
وقصة علاء الدين هذا غامضة جدًّا، فهناك شخصان مختلفان بهذا الاسم أحدهما علاء الدين بك ابن عثمان والآخر علاء الدين باشا وزير عثمان، ويظهر أنهم خلطوا بين الاثنين (انظر حسين حسام الدين: علاء الدين بك، أربع مقالات منشورة في تاريخ عثمانى انجمنى مجموعة سى، السنة الرابعة عشرة والسنة الخامشة عشرة) ونضيف إلى هذا أن علاء الدين أو واحدا من الاثنين اللذين عرفا بهذا الاسم ربما كان يلقب ب "بكلربكى" أيضًا [(انظر تاريخ أوروج الإخبارى، طبعة بابكر ص ١٥، س ١٥)] ومهما يكن من أمر هذه المشكلة التي لم تحل فإنه يبدو من المؤكد أن لقب باشا أنعم
стр. 1518
به على بعض السياسيين منذ عهد طويل (انظر ما ذكر عن سنان باشا في عهد أورخان، ومادة "الأتراك").
وعلى أي حال فإن لقب باشا سرعان ما أصبح إمتيازًا لطبقتين من أصحاب المناصب: الأولى حكام الأقاليم "بكلربكية" والثانية وزراء القصبة، ثم أنعم بهذا اللقب بعد ذلك على أصحاب المناصب المماثلة.
وفي النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي (سنة ١٣٥٩ أو سنة ١٣٦٢؟ ) كان لا له شاهين الذي يقول المؤرخون العثمانيون إنه كان أول "بكلربكى العثمانلى" قد منح لقب باشا في الوقت الذي أسند إليه فيه هذا المنصب، ثم منح هذا اللقب إلى بكلربكى الأناضول، وبهذا احتفظ بفكرة وجود اثنين من البكلربكية أحدهما في الشرق والآخر في الغرب. وكلما كبرت الدولة أنشئ فيها مناصب جديدة وأعطى اللقب إلى أصحاب هذه المناصب من الولاة (البكلربكية).
وكان الأمر على هذا فيما يختص بالوزراء الذين كان أولهم، كما جاء في رواية المؤرخين العثمانيين، جاندارلى خليل الملقب بخير الدين باشا (٧٧٠ هـ = ١٣٦٨ - ١٣٦٩ م) وارتفع عدد الوزراء الذين كانوا يسمون إلى عهد أحمد الثالث "قبه وزيرلى" إلى ثلاثة ثم إلى تسعة ومنح لقب وزير إلى كبار الموظفين مثل قبودان باشا النشانجى والدفتر دار وأصبح هذا اللقب شيئًا فشيئا من ألقاب الشرف وكان يقترن بلقب باشا. على أنه لم يكن في القصبة نفسها إلى وزير واحد لاغير واستمر ذلك وقتا طويلًا فأصبح لقب باشا في أرفع مدلولاته يطلق مجردًا على كبير الوزراء الذي سمى فيما بعد "أولى وزير" أو "صدر أعظم" ومن ثم لقب "باشا قابيسى" الذي استبدل به فيما بعد الباب العالى أي مقام كبير الوزراء.
ولم يزد عدد من كان يلقب بلقب باشا في أول الأمر زيادة سريعة. وقد ذكر دارامون D' Aramon أربعة أو خمسة من الباشاوات أو الوزراء
стр. 1519
الباشاوات، وفي الوقت الذي كتب فيه (سنة ١٥٤٧ م) كان يوجد ثلاثة من الباشاوات لا غير وهم: أياز وكوزلجه قاسم وإبراهيم وكلهم من أصل نصرانى. والواقع أنه يشير بهذا إلى من كان منهم في القصبة وحدها. أما في الولايات فقد أصبح عددهم كبيرًا، وكانوا طبقتين متمايزتين: الأولى طبقة الباشاوات أصحاب ثلاثة من ذنب الجواد وكانوا يلقبون بلقب "توغ" أو وزير، ومرتبتهم هذه أصبحت شيئًا فشيئا من مراتب الشرف وكانت تمنح في الولايات حي قضت على رتبة البكلربكى. والثانية طبقة الباشاوات أصحاب ذنبي الجواد أو"الميرميران" وهي رتبة فارسية كانت في أول الأمر مرادفة للكلمة التركية بكلربكى وللكلمة العربية أمير الأمراء ثم أصبحت أقل شأنا على مر الزمن. هذا إلى أن قدماء بكوات السناجق كانوا من حيث النظر أصحاب ذنب جواد واحد ولكنهم رقوا إلى رتبة الميرميران وبهذا أصبحوا بدورهم من الباشاوات.
وبعد "التنظيمات" منح لقب باشا إلى الأربعة الأوائل من تسعة من أصحاب المناصب المدنية وهم: "وزير، وبالا، وأولى، وثانية صنف أولى" وإلى مثلهم من رجال الجيش وهم: "مشير" وبرنجى فريق، ولوا" وكذلك إلى الأعيان (٣ روم وإيلى بكلربكى و ٤ ميرميران). وكان يلقب بلقب باشا من غير مبرر من الناحية العملية أصحاب رتبة "مير الأمراء" بعد اعتزالهم العمل، وفي هذه الحالة كان اللقب شرفيًا لأصحاب الرتبة السادسة.
وبعد سقوط آل عثمان ألغيت الرتب واحتفظت الجمهورية التركية بلقب باشا للعسكريين وحدهم، وقد ألغى هذا اللقب المجلس الوطنى الكبير بأنقرة في ٢٦ من نوفمبر سنة ١٩٣٤ م واستبدل بلقب باشا لقب جنرال وبلقب مشير لقب مارشال. وكان الأوربيون ينطقون هذه الكلمة أول الأمر باشا Basha ولم ينطقوا بها باشا Pasha إلا في القرن السابع عشر الميلادي، وكانت تكتب في الإيطالية Basica وفي اللاتينية Bassa
стр. 1520
وفي الفرنسية Bacha أو باسا Bassa وفي الإِنجليزية باشو Bashaw. بصرف النظر عن اختلاف رسمها.
وكان الأمر على عكس هذا في اللغة اليونانية، فإن كلمة باشا هي الأقدم ويرجع تاريخها إلى القرن الرابع عشر الميلادي ولعل اليونانية تأثرت باللغات الأوربية إذ نجد فيها أيضًا. كلمة باشا في القرن السادس عشر الميلادي (انظر mediae et infimae Glorsarium: Ducange Graecitatis، انظر الكلمة اليونانية "مباسياس").
ويرجع نطق الأوروبين لهذه الكلمة "باشا" إما إلى تأثرهم باللغة العربية في مصر أو إلى خلط بين كلمة باشا وبين اللقب التركى القديم باشا (انظر آخر هذه المادة).
أصل كلمة باشا:
سنتحدث فيما يلي عن الآراء المختلفة التي قيلت في أصل هذه الكلمة:
١ - قيل إن أصلها باى شاه بالفارسية ومعناها قدم الملك، وقد بني هذا التأويل على أساس أن الفارسية القديمة كان فيها موظفون يسمون باسم عيون الملك، وتجد هذا التأويل في قاموس تريفو Trevoux، مادة bacha. وقد بعثه من جديد فون هامر - von Ham mer . ولسنا نرضى بهذا الرأى.
٢ - وقيل إن أصلها هو الكلمة التركية باش بمعنى رأس أو زعيم، وقد ذهب إلى هذا أنطوان جيفروى Antoine Geuffory في - description: Leun Brieve (١٥٤٢) chavius, de la cour du grand Turc Pandecs historiae turcicat في ملحق حولياته عن سنة ١٥٨٨، وانظر كذلك قاموس تريفو وملحق - Barbier de Mey nard . ولسنا نرضى بهذا الرأى أيضًا.
٣ - وقيل إنها مأخوذة من الكلمة التركية "باش أغا" وذكر في تأييد هذا أن معنى هذه الكلمة الأخ الأكبر، وهذا الرأى هو الذي كان يقبله الترك إلى وقت قريب (محمَّد ثريا: سجل عثمانى، جـ ٤، ص ٧٣٨: شمس الدين سامى: قاموس تركى، انظر مادة باشا) وهو
стр. 1521
ينهض على أن سليمان باشا وعلاء الدين باشا كانا على التوالى أكبر أبناء أورخان وعثمان. وقد نبه عالى أفندي في كتابه "عنه الأخبار" الذي صنفه بين سنة ١٥٩٣ م وسنة ١٥٩٩ م (ص ٤٩، س ٢٣) وكذلك عثمان زاده أحمد تائب المتوفى سنة ١٧٢٤ م إلى هذا الاستعمال بين التركمان (انظر كتاب حديقة الوزراء، طبعة استانبول، سنة ١٢٧١، ص ٤، س ١٦).
ويقول أيضًا هيدبورن (: Manuel Heidborn, de Droit Public et Administratif Ottoman فينا سنة ١٩٠٨، ص ١٨٦) إن كلمة باشا معناها عند يونان قره مان الأخ الأكبر، ولكن يظهر أنه لا يوجد ما يؤيد هذه الأقوال الفردة. وقد أقر هذا الاشتقاق بعض مصنفى المعاجم من الترك مثل أحمد وفيق (انظر كلمة باشه) وصلاحى، وقالوا إن اشتقاق هذه الكلمة كان على درجتين: فإن كلمة باشا أخذت من اللقب التركى "باشا" وهذا كان معناه في أول الأمر "باش آغا". وسنتكلم على لقب "باشا" هيا فيما بعد، ويظهر أنه جاء بالفعل من كلمة باش آغا ولكنه لا صلة له بكلمة "باشا" كما ظننت أول الأمر.
٤ - وقيل أيضًا إن كلمة "باشا" مأخوذة من اللفظ الفارسي "باد شاه" ومعناه ملك، قرر هذا الرأى القاموس التركى الروسى الذي صنفه بودا كوف Boudaguv سنة ١٨٦٩، ثم أيدته من جديد دائرة المعارف الروسية التي أصدرها بروكهاوس وإفرون Brockhaus and Efron . وهو الرأي الوحيد الذي يمكن التسليم به مع إمكان تأثره بالقول الوارد في الفقرة الخامسة.
وكان "ديربلو" " d.Herbelot" قد أبدى مثل هذا الرأى من قبل عند كلامه على كلمة " pascha" بمناسبة هجائها مع حرف يم في آخرها. وهذا الرأى ينهض على استعمال كلمتى سلطان و"باد شاه"؛ إذ أنهما في الغالب تقعان بعد الاسم إذا أطلق على أشخاص من ذوي المرتبة السامية في عالم الدين كالدراويش مثلًا (انظر Giese: تركيات مجموعات سى، جـ ١، سنة ١٩٢٥.
стр. 1522
ص ١٦٤). ويظهر أننا نستطيع أن نستعين بكلمة "بادشاه" فنفسر العبارة الغامضة التي قالها أورخان لعلاء الدين باشا والتي وردت في عاشق باشا زاده (طبعة Giese، ص ٣٤ - ٣٥): يقول له أورخان "ستكون "باشا" بالنسبة إلى" وكان قد سأله قبل ذلك بأسطر قليلة أن يكون "جوبان بادشاه) أي راعيًا لشعبه.
ومن وجه آخر نلاحظ أن لقب "باشا" يستعمل في كثير من الأحيان لا كمرادف لكلمة "بادشاه" فقط وإنما باعتباره مرادفا لكلمة "شاه" أيضًا. وفيما يلي أمثلة على ذلك.
فشجاع الدين سليمان من دولة قيزيل أحمدلى يلقب "بادشاه" في كتاب ابن بطوطة (طبعة - Dfremety et San guinetti، جـ ٣، ص ٣٤٣)، وورد لقب سليمان باشا في كتاب التعريف بالمصطلح الشريف الذي صنفه شهاب الدين ابن العمرى (طبعة القاهرة، سنة ١٣١٢ هـ، ص ٤) مرسومًا "باشا" حسب الكتابة العربية لهذا اللقب، وورد كذلك أيضًا في "منجم باشى" (ج ٣، ص ٣٠). وقد لقب إبراهيم بن سليمان وخليفته بلقب "شاه" في كتاب ابن العمرى وبلقب "باشا" في "منجم باشى". ولقب سليمان باشا ابن أورخان بلقب الشاه سليمان في "دستور نامه أنورى" (طبعة مكرمين خليل، ص ٨٣ - ٨٤). وقد ذكر ابن العمرى علي بن جيجك الحاكم الإيلخانى لمدينة بغداد المتوفى سنة ١٣٣٦ باسم على باشا. ويقول "نظمى زادة", في "كلشن خلفاء" (طبعة الآستانة، سنة ١١٤٣) إنه ذكر في بعض المخطوطات باسم "على شاه" وذكر أيضًا باسم "على بادشاه" (انظر Histoire: Huart de Bagdad، ص ١٠).
ويلقب حكام الدويلات الصغيرة في اللغات الشرقية بلقب بادشاه، ولم يتطور هذا اللقب في تلك البقاع إلى كلمة باشا، ولكنه أصبح "باتشا" بين القرغيز و"بوتشو" بين الأزابكة.
٥ - وقيل إن هذا اللقب مأخوذ من
стр. 1523
الكلمة التركية "باصقاق" (وقد رسمت: باشقاق؟ وباشقان؟ ) ومعناها حاكم أو صاحب الشرطة (انظر قاموس Pavet de Courteille وكذلك قاموس Bou- dagov مادة "باسم"). ويقول فولرز إن هذه الكلمة من اللغة الخوارزمية وإنها انتقلت إلى بلاد الفرس في عهد الدولة الإيلخانية، وكانت تطلق عند المغول على المندوبين والولاة الذين أوفدوهم إلى الأقاليم التي فتحوها في الغرب وبخاصة في بلاد الروسيا. والاشتقاق المسلم به لهذه الكلمة هو أنها مأخوذة من الفعل "باصمق" ومعناه يضغط، يحسد، يظلم، يكره. ونلاحظ أن كلمة "باصقاق" كانت تطلق على أحد الموظفين ومعناها ظالم أو مغتصب (انظر دائرتى المعارف الروسية والبولندية). وكانت المهمة الأولى لهذا الموظف جباية الضرائب والخراج. ومهما يكن من غرابة هذا التفسير للقب صاحب هذا المنصب فإنه يؤيده التشابه الموجود في كلمة "داروغه" في لغة المغول تلك الكلمة التي تقابل كلمة "باصقاق" في لغة الترك. ويمكننا أن نوازن كلمة "داروغه" بالكلمة المغولية "داروخو" وهي فعل مرادف لكلمة "باصمق" بمعنى يكره. وقد تكون هذه هي الاشتقاقات الشائعة.
ويقول شيفر في الطبعة التي أصدرها لكتاب Voyage de M. d'Aramon (ص ٢٣٨)، هامش ٣) إن الاشتقاق الذي ذكره جيفروى Geuflroy لكلمة باشا وهو أنها مأخوذة من الكلمة التركية "باش" خطأ. فإن باشا صيغة مخففة لكلمة "باشكاك" أو "باشكاك"ومعناها حاكم عسكرى. ويترجم كاربينى Carpini الكلمة المغولية "باصقاق" بكلمة "باسفاتى" (وردت في المخطوطات باسكاتى وباستاسى، انظر - The Texts and versions of John de Pl. Ca rini .. ، ولندن، طبعة Hakluyt. سنة ١٩٠٣، ص ٦٧). وفي هامش طبعة سنة ١٥٩٨ وفي طبعة Hakluyt الشرح الآتي: "باشا كلمة تترية يستعملها الترك". وهذا الشرح فيه أيضًا خلط بين كلمة باصقاق وكلمة باشا
стр. 1524
وليس من المستحيل أن يكون الترك أنفسهم قد خلطوا بالفعل بين كلمة "بادشاه" (باشا) وبين كلمة "باصقاق" التي ترادف الكلمة المغولية "دارغه". وقد ذهبنا إلى هذا الرأى حتى قبل أن نرى تعليقات شيفر Schefer وطبعة هكلويت Hakluyt . ويمكننا أن نلاحظ أن لقب باشا. وهو لم يرد في المصادر الفارسية كما يقول محمَّد القزوينى، أطلق إما على أهل الأناضول الخاضعين بالفعل أو بالاسم للمغول أو على عمال المغول الإيلخانية، مثل وإلى بغداد الذي أسلفنا ذكره (انظر ما ورد في "بزم ورزم" لعزيز بن أردشير الأستراباذى عن بيسر على باشا، طبعة كوبريلى: ص ٢٨٢٩، ص ٨). ومما يسهل علينا تفسير هذا الخلط ورود كلمة "باصقاق" وإن كانت لا ترد إلا نادرًا (الجويني: تأريخ جهان كشا، ١٢٦٠ هـ" طبعة محمَّد قزوينى، جـ ٢، ص ٨٣، تعليق رقم ٩؛ وفي هذه الفقرة إشارة إلى عامل خوارزمى كان موجودا سنة ٦٠٩ أي قبل الفتح المغولى).
ويمكننا أن نفترض أنه لولا التأثير الذي حدث من خلط لقب "باصقاق" ولقب باشا لما كان لهذا اللقب الأخير الأهمية التي أصبحت له.
لقب باشا عند الترك:
ينبغي ألا نخلط بين هذا اللقب -أي باشا- ولقب باشا الذي تحدثنا عنه، أو بينه وبين النطق العربي أو الشرقي القديم للقب باشا. وكان لقب باشا يستعمل بعد اسم العلم ويطلق على الجند وصغار الضباط وبخاصة الإنكشارية، ويظهر أنه أطلق أيضًا على وجوه الأقاليم (Thesaurus: Meninski. جـ ١، عمود ٢٩٤، ٦٦٢، فصل ١٨؛ Onomasticon، عمود ٤٢٧؛ ومادة باشا في Viguier Elements de la `d'Herbelot Jangue Turque سنة ١٧٩٠ ص ٢١٨، ٣٢٧، ٣٠٩؛ Zenker ص ١٦٤، عمود ٢، ومن الراجح أن يكون قد أخذ عن- Voy anges: De La Mottraye Meninski, سنة ١٧٢٧، جـ ١، ص ١٨٠، تعليق؛ أوليا جلبى، جـ ٥، ص ٢١٦، ١٠٧: نعيما،
стр. 1525
جـ ٥، ص ٧١، إسماعيل حقى: كتابلر، سفربشه، ص ٤١، ٨). ونجد أن بولاى له جوز Boullaye-Le-Gouz يميز أيضًا في كتابه (Novages سنة ١٦٥٧، ص ١٥٢، ٥٩) اللقب عن بشه ويترجمه بكلمة مسيو Monsieur . وقد ذكر ميننسكى Menincki أيضًا في كتابه سالف الذكر كلمة "بشى" ولاحظ أنها غير كلمة "بش" التي يتلوها حرف "الياء" وهو ضمير الغائب في حالة الإضافة، وكان ميننسكى Meninski يجيد التركية إجادة تمنعه من الخطأ في هذا. أما كلمة نش التي ذكرها خلوروس Chloros فهي مأخوذة من كلمة بشه (انظر أحمد وفيق باشا: زوراكى طبيب، الفصل الأول، المشهد الثاني؛ وقد أطلقها في هذا الموضع على امرأة من قبيل التهكم) على أن ميننسكى Meninski كان ينطقها مع هذا "بشه" وكما أن أصحاب المعاجم قد خلطوا بين كلمة باشا وكلمة باشا، فقد ظن بعضهم أن الكلمة الأولى معناها أيضًا الأخ الأكبر (انظر محمَّد صلاحى: قاموس عثمانى، جـ ٢، ص ٢٩١ وما بعدها، وقد أخذ عنه Chloros) . وأظن أن في الأمر مسألتين مختلفتين وأن كلمة باشا تستعمل حقيقة محل كلمة باش أغا بمعنى كبير الأغوات وهو لقب عسكرى. ويقول روهرك Roehrip إن جماعة "القواص" ويسمون أيضًا الإنشكارية أو الياساقجى، كان يطلق عليهم كذلك اسم "باش آغا". وتجد المعاني الأخرى لكلمة "باش اغا"، كما تجد تفصيلات أوفى عن بعض النقط الواردة في هذه المادة في mtnaire des Arvhines rurques du CaireL: J. Deny .
ملاحظة على النطق:
يمد في كلمة باشا المقطع الأخير منها، أما كلمة باشا فيمد فيها المقطع الأول وهذا يوضح تخفيف الحركة الأخيرة في باشى كما ذكرنا من قبل. [دنى J.Deny] استمر اللقبان التركيان "آغا وباش آغا" يستعملان في بلاد الجزائر، وأطلقا فيها على بعض قادة (زعماء) القبائل
стр. 1526
الكبيرة أو على زعماء القبائل المتحالفة، وقد أسبغت عليهم الإدارة الفرنسية في تلك البلاد صفة رسمية، أما لقب باشا فقد اختفى منها بينما بقى مستعملا بين شرفاء مراكش، وظهر هذا اللقب بينهم في القرن السادس عشر الميلادي عندما تأثرت بعض التأثر حكومة السعديين بالمؤثرات التركية. وفي بداية عهد الحماية الفرنسية في مراكش اندثر لقب باشا ولم يكن يطلق إلا على بعض زعماء القبائل مثل قبيلة شراكة في شمالي فاس، وقبيلة عبده الأحمر على شاطئ المحيط الأطلسي، واحتفظت الدولة الحامية بهذا اللقب عن غير قصد فحل رسميا في القرى محل لقب "قائد". وهذا اللقب الأخير يفضل أصحاب القضايا إطلاقه على القاضي. وفي منطقة النفوذ الفرنسى. وكذلك في منطقة النفوذ الأسباني كان يوجد باشاوات في جميع البلاد المزودة بالمجالس البلدية. وينطقون في تلك البلاد اللقب باشا ويجمعونه على باشاوات.
"باشالق": كلمة تركية لها معنيان، أولهما: منصب الباشا أو لقبه (انظر مادة "باشا"). وثانيهما: الإقليم الذي يحكمه الباشا في الولايات.
وقد منح بعض الولاة الذين كانوا يعرفون باسم "سنجق بكى" أو "ميرلوا" لقب باشا فسميت الولايات التي يحكمونها (كالسنجق أو اللوا) بـ "باشالق".
وفي أوائل القرن التاسع عشر الميلادي كان سبعون سنجقًا من السناجق البالغ عددها ١٥٨ يطلق عليها "باشالق": منها ٢٥"باشا سنجغى" أي السناجق التي فيها حاضرة الإيالة مقر حكم الوالى. وللتوسع في هذا الموضوع انظر Mouradgea d'Ohasson Tableau: general . [دنى J. Deny]
стр. 1527
الباطنية
اسم يطلق على: (أ) الإسماعيلية في العصور الوسطى بسبب تركيزهم على الباطن، والباطن يعني ما وراء ظاهر التنزيل: (ب) ثم يطلق بدرجة أقل خصوصية على أي فرد يرمى باطراحه للمعنى الظاهر لمثل هذه النصوص مؤثرا الباطن.
(أ) وبين الإسماعيلية وبعض فرق من الشيعة تتصل بهم ظهر طابع متميز من التأويل وهو تفسير للتنزيل قد يسمى باطنيا، وكان رمزيا أو مجازيا في منهجه فرَقيا في أغراضه يصدر عن أصحاب الحدود في الفرقة أنفسهم وهو مستور. وكل فروع الإسماعيلية وكذلك شعبها الدرزية احتفظت بالتأويل الباطنى في صورة أو في أخرى، ويظهر أن الطريقة المشابهة للإسماعيلية -ونعنى بها النُصيرية- هي بقية من حلقات الباطنية المرتبطة بالأئمة الاثنى عشرية الذين أتوا بعد ذلك.
وثمة مظاهر يمكن أن نجد لها نظائر في هذا النوع من التأويل بين الغنوصيين. على أن أصول هذا التأويل المباشرة إسلامية، ويمكن أن نرد بدايات هذا التأويل إلى غلاة الشيعة أيام القرن الثاني الهجرى (الثامن الميلادي) مثله في ذلك مثل التأويل الرمزى المنسوب إلى الإمامية من الشيعة الاثنى عشرية المتأخرين. (إذ فيه ما فيه من سمة رمزية وفرقية، كما أن فيه شيئًا من السرية).
ويقال إن أبا منصور العجلي ذهب إلى القول بأن السماوات ترمز إلى الأئمة وإلى أن الأرض هي أتباعهم، وتنسب إليه الفكرة التي تحل القضية، وهي أنه على حين كان الرسول هو الذي جاء بنص القرآن كان الإمام وحده هو المنوط بتأويله؛ ناطقا يعلن العقيدة الحقة جهارًا، وصامتا يؤولها للصفوة.
ويمكن وصف منهج الباطنية في عبارات من أفكار أربعة جوهرية: باطن، تأويل، خاص وعام، وتقية، وكل منها
стр. 1528
مما يلتزم به سلفا أيا كان المذهب الذي يدعى إليه.
وكان من المسلم به عندهم أن كل نص منزل له معناه الباطن الذي يقابل الظاهر، ولم يكن هذا قاصرًا على فقرات هي مجازية على آية حال، ولكن على فقرات تاريخية، وفقرات الوعظ، وأحكام الشرع والمعاملات، وعلى كل إنسان، أو فعل أو غاية تذكر، فكان يجب أن يأخذ هذا كله مأخذا رمزيا، والأشياء الرمزية كانت في كثير من الأحيان تشرح واحدة واحدة من حيث هي موضوعات مطروحة للموافقة والطاعة والكراهية وما أشبه ذلك حسب موقعها من الكلام، غير أنه في بعض الأحيان كانت تقرأ قصص وحكايات بأكملها باعتبارها رمزيات توسع فيها. وقد استخدم بلا حرج العدد الرمزى والحرف الرمزى، وكان الإجراء نفسه مطبقا أيضًا على الكتب المنزلة غير الإسلامية، بل وعلى الطبيعة بأسرها، إذ أن الباطن كان يمثل عالما باطنيا ينطوى على حقيقة روحانية خفية مقابلة لحقيقة الظاهر، وهو العالم العادى المرئى، الذي يحجبه ويخفيه، والمهمة الحقة لكتاب منزل هي أن تشير إلى ذلك العالم الخفى حتى حين يحتفظ به مستورًا وراء رموز.
والتأويل الذي هو تخليص باطنى من نص ظاهر كان على هذا أساسيا كالتنزيل، وكان كذلك قائمًا على الوساطة الإلهية، ويجب أن يكون لكل نبي جاء بتنزيل "وصيّ" (وفي حال محمَّد كان الوصى "على") هو الذي أعطى التأويل يبسطه إلى القلة الجديرة بذلك بينه وبينها، أي إلى أفراد الفرقة الذين ارتضوا حُجِّيته.
ومن ثمة كان الناس جميعًا منقسمين إلى خاصة، وهم الصفوة الذين يعرفون الباطن، وإلى عامة وهم الكثرة الجاهلة. وكان الخاصة هم هؤلاء الذين يُحتفل بدخولهم في الفرقة أي يلقنون المعرفة والطاعة للإمام الذي هو الممثل لعلى والمصدر الثقة الوحيد للتأويل في أي جيل. وبين الإسماعيلية
стр. 1529
كان يتوسط بين الإمام وبين المبتدئ الداخل في الفرقة طبقات (حدود من المشايخ) وكان البادئ يلقن (الباطن) على مراحل (يختلف عددها) وعلى نحو يُملى إملاء.
ولم يكن الباطن باطنا لخفائه فحسب بل لسريته، ومعرفته يجب ألا يلقنها الإمام للعامة الذين يأخذون بالظاهر خشية أن يساء فهمها على نحو يخرج بها الخروج كله عن المحجّة.
وقول الشيعة بالتقية قد أعيد تفسيره تبعًا لذلك بحيث يتضمن وجوب ألا يُكشف عن الباطن لأى شخص من غير شيوخ الفرقة بصرف النظر عن التعرض لأى خطر من الإضطهاد. ومن ثمة رأى البعض أن اصطناع الظاهر في الشريعة- حتى في صورته الشيعية الصريحة- أصبح يعد تقية من حيث احتفاظه بالباطن مستورًا.
والتأويل (كما نعرفه في صورته الإسماعيلية) لم يبلغ أي وحدة دقيقة في الرأى بالرغم من وجود طبقات من المشايخ ذوي الحجة، ذلك أن الكتاب المختلفين كانوا يختلفون اختلافًا كثيرًا في تفسيرهم الباطنى لأى فعل من أفعال العبادات بل إن الكاتب نفسه كان يدلى في بعض الأحيان بتفسيرات كثيرة في الكتاب الواحد نفسه، ولذلك فإن المعنى الباطن لفريضة الزكاة قد رؤى أنه الخمس من دَخْل المرء يجب أداؤه للإمام أو أن المرء يجب عليه أن يعطى كل ما يفيض من دخله للفقير أو أن الثروة الحقة هي المعرفة فحسب، والذي حققه التأويل هو أنه أحل مذهبًا يبدو أنه يغوص إلى ما وراء الخلافات الشكلية بين الجماعات الدينية المتنازعة بدعاواها العقائدية ليبلغ بذلك حقيقة عامة أعمق، وقد أضفى الإسماعيلية على التأويل مشربا واحدا وذلك باستخدامه في أغراض ثلاثة كبيرة مترابطة، فهو يمثل تصورا للكون وهو يفسر علم الآخرة تفسيرا تاريخيا يقوم على الدين والدورات (وأحيانا بالتناسخ) وأخيرًا فهو يبرز طبقات المشايخ للفرقة الذين تقابل درجاتهم على تفاوت الدرجات العديدة للتصور الإفلاطونى المحدث للكون.
стр. 1530
والرغبة في التحلل السفسطائى من العقائد المسلم بها عامة أن إلى قيام نزعة ملحة تهدف إلى السمو بالباطن سموًا جوهريًا، وفي مذهب الإسماعيلية الفاطمى الرسمى اعتبر أن كلا من الظاهر والباطن له ميادينه الخاصة المناسبة، على الأقل في مسائل العبادات والشرعيات الملزمة للداخل في الطريقة. ولكن كانت ثمة بين الباطنية معاودة متكررة لنبذ معنى الظاهر كلية على الأقل في أحكام العبادات على إعتبار أنها نافلة لكل من يعرف الإمام ومن ثم الباطن، وهذا حدث مثلًا بين الإسماعيلية النزارية بعد سنة ٥٥٩ هـ (١١٦٤ م). وهؤلاء الذين نبذوا الظاهر كلية قد جروا أيضًا في الأكثر على السمو بالوصى (على) لأن التأويل عندهم كان أحق من التنزيل، وكان هذا موقف النصيرية.
ويظهر أن الحركة الباطنية تركت آثارا بين جماعات متأخرة مثل الحروفية والرَوْشَنَيِة والبابية الذين أخذوا بالتفسير الرمزى وإن كان ذلك في بعض النصوص المختلفة بعض الاختلاف.
وكذلك أثرت اصطلاحات التأويل وتصوراته بعد أن تجردت من طائفيتها في رمزية الفكر الصوفى، ومع ذلك فلعل المواقف الجوهرية التي اتخذتها الباطنية كان لها فوق ذلك كله أثر في جعل أهل السنة من المسلمين أكثر تشككا في أي لون من ألوان التأويل الرمزى، وعلى هذا النحو جعل الغزالي الباطنية الإسماعيلية في كتابه "القسطاس المستقيم" مبدأ الخلاف في تحليله للحدود الشرعية للتأويل عامة.
(ب) واستخدم الكتاب السنيون فيما بعد المصطلح "باطنية" في جدلهم ليجرَحوا أي كتَاب يرون أنهم قد جاوزوا التسليم بالمعنى الباطنى للتنزيل إلى أنكار المعنى الظاهر مقتصرين في ذلك على المعنى الباطن، وعلى هذا النحو فإن ابن تيمية لم يرم بالباطنية الشيعة الباطنية فحسب، بل رمى أيضًا بعض الصوفية وكذلك بعض الفلاسفة مثل
стр. 1531
ابن رشد، والصوفيون عامة يرون أن ثمة معاني باطنية وافرة في القرآن يتدبرها من أوتى نفسا متأملة بحق. ولكنهم كانوا عامة حريصين على أن يجانبوا اتخاذ موقف يمكن أن ينعت بأنه باطنى بهذا المعنى، فابن عربي مثلًا الذي يتسم تفسيره للتنزيل في كثير من الأحيان بالتحرر خاصة. يدفع عن نفسه تهمة الباطنية على أساس أنه يقول بالظاهر مع الباطن.
المصادر:
(١) Die Richtungen der: ١. Goldziher islamischen Koranauslegung ليدن سنة ٩٢٠ الفصلان ٤، ٥.
(٢) Etude preliminair: H Corbin في ناصر خسرو: كتاب جامع المكمتين، طهران وباريس سنة ١٩٥٣.
الأبيارى [هودجسون M.G.S. Hodgson]
الباقلاني
أبو بكر بن علي بن الطيب: مؤلف عربي وعالم من علماء الكلام، قرأ على أبي العباس بن مجاهد الطائى البصري تلميذ أبي الحسن الأشعرى. وتوفى لسبع بقين من ذي القعدة سنة ٤٠٣، (٦ من يونيه سنة ١٠١٣)، وكانت وفاته ببغداد، واشتهر الباقلانى بما كتبه في الجدل والمناظرة، وقد مزج علم الكلام بآراء جديدة أخذها عن الفلسفة اليونانية أو ربما أخذها عن عقائد الكنيسة الشرقية، مثل ذلك: قوله في الذرة والخلاء وأن العرض لا يقوم بعرض وأن العرض لا يبقى وحدتين من الزمن، ولم يبق من مصنفاته إلا "كتاب في إعجاز القرآن"، طبع في القاهرة سنة ١٣١٥ هـ (١٨٩٧ م) ويروى السيوطي في كتابه "الإتقان" (طبعة القاهرة سنة ١٢٨٧ هـ، جـ ٢، ص ١٤٤) نقلا عن ابن العربي أن كتاب الباقلانى هو أحسن ما كتب في موضوعه. وذكر ابن حزم في كتابه المسمى الفصل أن الباقلانى صنف كذلك كتاب "الاستبصار في القرآن" وكتابا في مذاهب القرامطة.
[بروكلمان B. Crockelmann]
+ الباقلانى. القاضي أبو بكر محمد بن الطيب ابن محمد بن جعفر بن القاسم، وابن الباقلانى في معظم المصادر، ولكن الإستعمال الشائع يكتفى بالباقلانى، وعلى ذلك ابن خلكان: متكلم أشعرى وفقيه مالكى،
стр. 1532
ويقال إنه كان له الشأن الأكبر في تقعيد المذهب الأشعرى وإشاعاته.
ولا يعرف تاريخ مولده، أما وفاته فقد وقعت في ٢٣ ذي القعدة سنة ٤٠٣ (٥ يونيه سنة ١٠١٣ م"؛ ولد الباقلانى في البصرة، والظاهر أنه قضى معظم سنى بلوغه في بغداد: وذكر أنه زار بغداد وبلاط الروم، وتولى ردحا من الزمن القضاء في خارج بغداد؛ ودرس أصول الدين على تلاميذ الأشعرى، ويقال إنه اجتذب إلى دروسه الكثيرين. وتروى حكايات مختلفة لبيان براعته في الجدل، ولقد كان الباقلانى قاضيا وكاتبًا ومجادلا ومحاضرا، وهذه النواحى هي قوام حياته التي تعتمد معرفتنا بها على مصادر أقرب إلى النقصان، وقد زودنا القاضي عياض بثبت بآثاره (أضاف إليها أصحاب الفهارس ثلاثة عناوين) والمعروف أن ستة كتب من كتبه الاثنين والخمسين وصلت إلينا وهي: "إعجاز القرآن" وقد طبع عدة مرات ويعد من الكتب العمدة في هذا الموضوع؛ و"التمهيد" وهو أقدم ما لدينا من مثل على الرسالة تكتب في المناظرة الكلامية؛ و"لإنصاف" وهو جزءان: رواية في العقيدة السنية مع توضيحات مختصرة، ومناقشة تفصيلية لعدم خلق القرآن، والقدر, ورؤية الله؛ والشفاعة؛ و"المناقب" (غير كامل) وهو دفاع عن موقف مذهب السنة حيال الإمامة (الخلافة) و"الانتصار" وهو يعني أول ما يعني بسلامة النص القرآنى. وموضوع "البيان" (غير كامل) هو الإعجاز البيانى المثبت لدعوة النبوة.
ولا تمكننا دراسة هذه الآثار من أن نحدد بالدقة فضل الباقلانى في تطوير الكلام على مذهب الأشعرى، ذلك أننا لا نعلم العلم الكافي ما فعله في ذلك معاصروه وأسلافه مثل ابن فورَك وأبي إسحاق الإسفرايينى والأشعرى نفسه. ومن ثم فإن من الواضح الآن أن كثيرا مما يكون قد نسب إلى الباقلانى وجد من قبل في مصنف الأشعرى "كتاب اللمُع"، وقد قال ابن تيمية في الباقلانى إنه خير متكلمى الأشاعرة، لا يداينه سابق ولا لاحق (الشذرات، جـ ٣، ص ١٦٩)، ولكن هذا المديح ليس خالصا من الهوى: أما ما قرره ابن خلدون (المقدمة، جـ ٣، ص ٤٠) وما أكده ما كدونالد Development of muslim (Macdonald Theology ص ٢٠٠ - ٢٠١)
стр. 1533
فالظاهر أنه لا مبرر له، ذلك أن الباقلانى لم يستحدث قطعا مذهب الذرة ولا مذهب الأعراض. وثمة شاهد على أنه كان يتصف ببعض الأصالة في مناقشته للبيان المعجز. على أن المزايا الكبرى لكتبه كانت فيما يظهر ترد إلى التصنيف الذي يقوم على الحرص والدأب. أما بحوثه فيما وراء الطبيعة فلم تكن عميقة، ولكنه كان يعى في وضوح صحة الأحاديث وإمكان الإعجاز البيانى. ولا شك أنه فعل الكثير في سبيل نشر المذهب الأشعرى، وقد ذكره الكتاب المتاخرون مرارًا.
- كتبه الباقية:
(١) كتاب التمهيد، بروكلمان، قسم ١، ص ٣٤٩ (واقرأ: عاطف، ١٢٢٢) طبعة الخضيرى وأبي ريده، القاهرة سنة ١٣٦٦ هـ = ١٩٤٧, وهذه الطبعة تعتمد على مخطوط باريس فحسب، وتغفل عدة فصول هامة موجودة في المخطوطين المحفوظين في إستانبول.
(٣) الإنصاف، طبعة الشيخ الكوثرى، القاهرة سنة ١٣٦٩ هـ = ١٩٥٠ م.
(٣) إعجاز القرآن، انظر المصدر المذكور عن مخطوطاته وطبعاته.
(٤) مناقب الأئمة، دمشق، الظاهرية رقم ٦٦ تاريخ.
(٥) البيان عن الفرق .. إلخ توبنكن، M أ, جـ ٦ ص ٩٣.
(٦) الانتصار للقرآن، قره مصطفى باشا، إستانبول؛ وانظر طبعة القاهرة لكتاب التمهيد، ص ٢٥٨، تعليق ٦: وثمة ترجمة إنكليزية مع تعليقات للأجزاء من الإعجاز التي تتناول الشعر A Tenth - Century Document of Grunebaurn Arab Literary Theory and .. Cristicism, شيكاغو, ص ١٩٥٠
[مكارثى R. J Mc Carthy]
" بانت سعاد "
هي العبارة التي استهلت بها قصيدة نظمها كعب بن زهير في مدح الرسول محمد ﷺ . ونذكر في إيجاز الأسباب التي أدت إلى نظم هذه القصيدة فيما يلي: لما فتحت مكة سنة ٨ للهجرة حذّر بُجَير، وكان قد أسلم, أخاه كلبًا بالمصير الذي لقيه بعض الشعراء هناك، واستحثه على القدوم إلى المدينة أو التماس ملجأ في غيرها.
стр. 1534
وأجابه كعب بأبيات ينكر على أخيه إسلامه.
وهدد الرسول كعبًا فقدم آخر الأمر إلى المدينة يائسًا وقدم نفسه بين يدي النب [ ﷺ ] الذي كان وقتذاك جالسًا في المسجد بعد صلاة الصبح يحيط به صحابته. ونجح كعب في نوال العفو من النبي [ ﷺ ]، واعترافًا بجميل النبي [ ﷺ ] تلا كعب جهرة قصيدته المشهورة التي أشار فيها بكرم المحسن إليه. وسر النبي [ ﷺ ] أعظم السرور بالقصيدة وخلع على الشاعر "بردته". ومن ثم أطلق على القصيدة في كثير من الأحوال "قصيدة البردة".
القصيدة في ٥٨ بيتًا، وفيها نفس الخصائص العامة التي نجدها في مألوف قصائد الشعراء الجاهليين. وقد كتبت شروح عدة على هذه القصيدة، ونشرت القصيدة أول ما نشرت على يد لتّ lette في ليدن سنة ١٧٤٠, ثم نشرها فريتاغ Freytag مع ترجمة لاتينية في هال Halle سنة ١٨٢٣, كما نشرها نولدكه في كتابه (The Noeldeke -Delectus Veterum Carminum Arabicnr um, برلين سنة ١٨٩٠، ص ١١٠ وما بعدها). ونشرها باسيه Basset مع ترجمة فرنسية وشرحين (الجزائر سنة ١٩١٠) ونجد ترجمة إنكليزية لها في كتاب نيكلسون) Trans-: Nickolson lations of Eastern Poetry and prose كمبردج سنة ١٩٢٢).
وثمة أيضًا ترجمة إيطالية لها بقلم كابرييلى (Gabrieli .G، فلورنسة سنة ١٩٠١)، وترجمة ألمانية بقلم ريشر (Rescher .O، إستانبول سنة ١٩٥٠).
وقد ألهمت قصيدة كعب شاعرًا آخر فنظم في مدح الرسول [ ﷺ ] قصيدة مشهورة أخرى هي "قصيدة البردة"، وهذا الشاعر هو البوصيرى.
المصادر:
(١) ابن هشام، ص ٦٧ وما بعدها، ٨٨٧ - ٨٩٣ A.Guillaume =): The Life of Mohammad، أكسفورد، سنة ١٩٥٥، ص ٥٩٧ وما بعدها، وترجمة weil, جـ ٢، ص ٢٥٥ وما بعدها).
(٢) ابن قتيبة: الشعر، طبعة ده غويه؛ وطبعة أحمد محمد شاكر القاهرة سنة ١٣٦٤ هـ، ص ١٠٤ - ١٠٧.
(٣) الأغانى، جـ ١٥، ص ١٤٧ - ١٥١.
(٤) ابن حجر: الإصابة، مادة كعب بن زهير.
خورشيد [عنايت الله SH. Inayatullah]
стр. 1535
البتاني
(١) أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان البتَّانى الحرّانى الصابئ المعروف عند الغربيين في العصور الوسطى باسم Albatenius أو Albategni: من أكبر علماء الفلك عند العرب، ولد قبل عام ٢٤٤ هـ (٨٥٨ م). ويرجح كثيرًا أن مولده كان في حرَّان أو ما جاورها. ولسنا نعرف أصل النسبة "بتّانى" على التحقيق. وكانت أسرته قبلًا من الصابئة، ولذلك عرف بالصابئ مع أنه كان مسلمًا. وصرف معظم حياته في الرَقّة على الضفة اليسرى لنهر الفرات حيث استقرت عدة أسر حرانية.
ووقَّف نفسه على رصد الأفلاك من عام ٢٦٤ هـ (٨٧٧ م) واستمر على ذلك في دأب بقية حياته.
وذهب إلى بغداد في عمل له ومات في عودته منها عند قصر الجصن الذي لا يبعد كثيرًا عن دجلة ناحية الشرق بقليل على مقربة من سامرا، وكان ذلك عام ٣١٧ هـ (٩٢٩ م).
وتصانيف البَّتانى هي:
(١) "كتاب معرفة مطالع البروج فيما بين أرباع الفلك" أي مطالع نقط البروج التي ليست في وقت معلوم واحدة من الأوتاد الأربعة ويتناول هذا الكتاب الحل الرياضى للمسألة التنجيمية لاتجاه الراصد.
(٢) "رسالة في تحقيق أقدار الاتصالات" أي الحلول المضبوطة بحساب المثلثات للمسألة التنجيمية Projectio radiorum عندما تكون النجوم المقصودة لها خط عرض أي خارج فلك البروج.
(٣) شرح المقالات الأربع لبطلميوس.
(٤) الزيج، وهو أهم تصانيفه، لم يصل إلينا غيره، وبه نتائج رصود البتَّانى, وقد كان له أثر كبير، لا في علم الفلك عند العرب فحسب, بل فيه وفي حساب المثلثات الكبرى عامة في أوروبا خلال العصور الوسطى وأول عصر النهضة, وقد ترجمه إلى اللاتينية روبرتوس رتننسس Robertus Retinensis أوكتننسس, Ketenensis المتوفى في بمبلونة من أعمال أسبانيا بعد عام ١١٤٣ م، وضاعت هذه الترجمة؛ كما نقله إلى اللغة نفسها أفلاطون تيباستينوس Plato Tihastinus في النصف الأول للقرن الثاني عشر
стр. 1536
الميلادي، وقد نشر المتن من غير الجداول الرياضية في نورنبرغ عام ١٥٣٧ م، وفي بولونيا عام ١٦٤٥ م. وأمر ألفونس العاشر صاحب قشتالة (١٢٥٢ - ١٢٨٢ م) بأن يترجم هذا الزيج من العربية إلى الأسبانية رأسًا، ولهذه الترجمة مخطوط غير كامل في باريس.
وهناك ثلاث رسائل لا قيمة لها في التنجيم بقيت منها نسخة لاتينية في عدة مخطوطات، وقد وضع عليها اسم المؤلف هكذا: Bethem أو Boetem أو Bereni أو Bareni. وهي منسوبة خطأ للبتانى.
وحدد البتانى في كثير من الدقة ميل الدائرة الكسوفية، وطول السنة المدارية والفصول، والمدار الحقيقي والمتوسط للشمس، كما أضحى مذهب بطلميوس القائل بثبات الأوج الشمسى مقيمًا الدليل على تبعيته لحركة المبادرة الاعتدالية، واستنتج من ذلك أن معادلة الزمن تتغير تغيرًا بطيئًا على مر الأجيال، وقد أثبت - على عكس ما ذهب إليه بطلميوس - تغير القطر الزاوى الظاهرى للشمس واحتمال حدوث الكسوف الحلقى. وصحح البتانى جملة من حركات القمر والكواكب السيارة. واستنبط نظرية جديدة تشف عن شيء كثير من الحذق وسعة الحيلة لبيان الأحوال التي يرى بها القمر عند ولادته. وضبط تقدير بطلميوس لحركة المبادرة الاعتدالية.
وله رصود جليلة للكسوف والخسوف اعتمد عليها دنثورن - Dun thorne سنة ١٧٤٩ في تحديد تسارع القمر في حركته خلال قرن من الزمان. وأعطى حلولًا رائعة بوساطة المسقط التقريبى لمسائل في حساب المثلثات وقد عرف هذه الحلول رجيو منتانوس المشهور Regiomontanus (١٤٣٦ - ١٤٧٦) وسار على منهاجها. [نالينو C.A. Nallinc]
تعليق على مادة "البتاني "
(١) الوضع الصحيح لهذا الاسم هو: أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان الحرّانى الصابئ المعروف بالبتانى، لا الحراني البتانى كما ذكر مؤلف المادة، وفي كتاب القاضي صاعد الأندلسى: أنه أبو جعفر محمد بن سنان بن جابر: قال القفطى في كتابه "أخبار العلماء": هو أحد المشهورين برصد الكواكب والمتقدمين في علم الهندسة وهيئة الأفلاك وحساب النجوم
стр. 1537
وصناعة الأحكام. وقد أجمع علماء الفرنجة المحققون على أنه كان أسمى مكانة من بطلميوس الفالوذى إذ احتوت مصنفاته شتات الحقائق الفلكية أكثر مما احتوته منها مصنفات الفلكى الإغريقى. ولهذا عدَّه لالند Lalande الفلكى الفرنسى الكبير المتوفى سنة ١٨٠٧ من الفلكيين العشرين المبرزين الذين أنجبهتم الإنسانية منذ خلق الله الخلق حتى الآن.
أما كتاب الزيج - وهو الرابع من مصنفاته التي سردها مؤلف المادة - فقد اشتهر بالصابئ فحسب، وقد ضمنه نتائج أرصاد للكواكب الثابتة لسنة ٢٩٩ هجرية ضمن ما قام به من الأعمال الفلكية المختلفة التي تتابعت من سنة ٢٦٤ إلى سنة ٣٠٦ أي مدة ٤٢ سنة.
وفي مكتبة الفاتيكان نسخة من هذا الزيج. وقد طبعه العلَّامه نللينو في العقد الأول من هذا القرن عن نسخة محفوظة في مكتبة الإسكوريال بالأندلس وترجم مرارًا إلى اللغة اللطينية وكذا إلى الأسبانية.
وكان البتانى يرصد في الرَقَّة على الضفة اليسرى من الفرات وموقعها على الدرجة السادسة والثلاثين من العرض الشمالي. وقد ذكر مؤلف المادة أنه وهو مقيم بتلك البلدة حدد بالدقة ميل "دائرة فلك البروج" يريد بهذه الدائرة ما اصطلح الفلكيون على تسميته بالدائرة الكسوفية.
والواقع أن البتانى حدد هذا الميل بـ ٢٣ درجة و ٣٥ دقيقة وهذا قصارى ما كان يبلغ إليه محقق من الدقة في زمن لم تكن الآلات الفلكية قد عرفت أو اخترعت وفيه كل الفخر له، لأن العلَّامة الفلكى لالند الآنف الذكر قام بحساب ذلك الميل بعد ألف سنة تقريبًا من وفاة البتانى فوجد أنه ٢٣ درجة و ٣٥ دقيقة و ٤١ ثانية أي بزيادة هذا الفرق من الثوانى لأنه أضاف إلى تقدير البتانى ٤٤ ثانية للانكسار ثم طرح منها ثلاث ثوان لاوختلاف الأفقى ولم يكن البتانى قد عمل لهما حسابًا.
والبتانى هو أول من كشف السمت azimuth والنظير nadir وحدد نقطتيهما من السماء، كما أنه أول من أبدل أوتار القسى بالجيوب في قياس المثلثات والزوايا.
"محمد مسعود"
стр. 1538
البجلي
الحسن بن علي بن وَرْسَنْد: مؤسس فرقة البجلية الموجودة بين البربر في مراكش، وذكر البكرى أن البجلى ابتدأ حياته تلك قبل وصول أبي عبد الله الشيعى (انظر هذه المادة) إلى إفريقية (قبل عام ٢٨٠ هـ = ٨٩٣ م). وكان البجلى من أهل نَفْطة، والتف حوله أتباع كثيرون من بنى لماس، أما مذهبه فهو شبيه بمذهب الروافض، إلَّا أنه يقول إن الإمامة لا تكون إلَّا في نسل الحسن، وهذا ما يذكره البكرى وابن حزم وهو يناقض ما ذكره ابن حوقل (طبعة ده غويه ص ٦٥) الذي يؤكد أن البجلى كان موسوى المذهب أعنى أنه كان يقول بإمامة موسى بن جعفر من نسل الحسين.
وقد حارب عبد الله بن ياسين فيما بعد البجلية وقضى عليهم.
المصادر:
(١) ابن حزم: الملل والنحل، جـ ٤، ص ١٨٣.
(٢) البكرى: كتاب المسالك والممالك طبعة ده سلان، ص ١٦١.
(٣) Friedlander Journal of the Amer
البحتري
أبو عُبادة الوليد بن عبيد: شاعر عربي ومن أصحاب الدواوين واعلام القرن الثالث الهجرى (٢٠٤ - ٢٨٤ هـ تقريبًا) ونسبته "البُحْتُرى" تدل على انه من بطن بُحْتُر من قبيلةَ طيئ التي كثيرًا ما فاخر بمحامدها. وكانت ولادته. وكانت ولادته في مَنْبِج، وفي رواية أخرى في قرية بالقرب منها اسمها زرْدَفْنَة. وهو يصف منبج حين يتحدث عنها بأنها وطنه، وكانت له فيها ضياع ورثها فيما يظهر ابنَه ثابتا الذي عاصر الاصطخرى. اما المرأة التي أكثر من ذكرها في غزله فاسمها علْوَة ابنة زُرَيقة، وهي من بُطْيَاس قرب حلب، وقد ذكرها في قصيدة مدح بها الفتح بن خاقان في غير المقدمة الغزلية لتلك القصيدة (الديوان، جـ ١، ص ٤٤)، وقال فيها إنها سخلته وهوى فؤاده" وإنه خلفها وراءه في الشام. وفي قصيدة أخرى هجاها وأفحش في هجائها (جـ ٢، ص ١٠٩)، وليس من شك إذن في وجودها التاريخي على عكس الأخريات فيما يرجح اللاتى ذكرهن في غزله. وتصل الروايات الوثيقة فيما يظهر بينه وبين شاعر طائى آخر من الفحول هو أبو
стр. 1539
تمام، ولو أن الأخبار التي ترويها عن لقائهما متباينة ويقال إن أبا تمام بعثه بوصية منه إلى أهل معرة النعمان منوها بأنه مداح فاستخدموه نظير أربعين ألف درهم، وهذا إذا صح دل على أن شعر هذه الفترة لم يرد في الديوان الذي ورد فيه ذكر قرية النعمان في الحديث عن ابن ثوابة (جـ ١، ص ١١٧) الذي لا شك أن الشاعر قد لقيه من بعد.
ويظهر من أشعاره الأولى الواردة في الديوان أنه مدح كثيرًا من الأسر الطائية الوجيهة مثل بنى حُميد الثلاثة: أبي نهشل (الأغانى، جـ ٩، ص ١٠٢) وأبي مسلم، وأبي جعفر - ومن الصعب أن نقول إن أبا جعفر هو عين الرجل الذي قتله بابك سنة ٢١٤ هـ - ومثل أسرة أبي سيد محمد بن يوسف المتوفى سنة ٢٣٦ والذي يقال إن البحترى لقى أبا تمام في بيته، وربما كانت القصيدة التي عزى فيها أبا سعيد في وفاة المعتصم أولى قصائد الديوان (جـ ١، ص ١٦٩. الراجح أن ذلك كان عام ٢٢٧ هـ). وأول من استظل به البحترى هو الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيات، وقد مدحه في عهد الخليفة الواثق (جـ ٢، ص ١٩٤) كما مدح بيت عبد الله بن طاهر الذي نُصب ابنه محمد أميرًا على بغداد عام ٢٣٧ هـ، وربما كانت القصيدة التي قالها فيه قد أنشئت بعد ذلك بأمد وجيز تهنئة له بهذا المنصب (جـ ٢، ص ١٢٥)، ومدح البحترى أيضًا ولدين آخرين من أولاد ابن طاهر هما سليمان وعبيد الله، كما مدح بعض أقارب لهم أبعد من ذلك.
ويظهر أن البحترى أصبح شاعر البلاط الأول مرة في عهد المتوكل عندما نال الحظوة لدى الفتح ابن خاقان الذي أهدى إليه ديوان الحماسة. وقد قال في المتوكل والفتح كثيرًا من قصائده ولو أن صلته بالفتح كانت تنصرم في بعض الأحيان. وعندما عهد الخليفة المتوكل بولاية العهد لأبنائه الثلاثة على التعاقب عام ٢٣٥ هـ أخذت مدائح البحترى تتحدث عن الأحداث التي
стр. 1540
وقعت في حكمه: مثل فتنة أرمينية عام ٢٣٧ هـ. وانتقال الخليفة مؤقتا إلى دمشق سنة ٢٤٣ هـ، وعودته للاحتفال بعيد النوروز، وبنائه للمتوكلية من عام ٢٤٥ - ٢٤٦ هـ. وقد أورد المسعود. رواية للبحترى ذكر فيها شهوده لمقتل سيديه، والحق إنه اعترف في مرثيته للمتوكل (جـ ١، ص ٢٨) بأنه حضر مصرعهما. ويعتذر عن عدم دفاعه عن سيديه بأنه كان أعزل لا سيف معه، وأنه دافع عنهما باليدين قدر استطاعته، وظل يعتبر القتيلين أهم أوليائه (جـ ٢، ص، ا ٦٣ جـ ١، ص ١١٢). ورجع الشاعر بعد هذا الحادث إلى منبج ولكنه سرعان ماعاد بقصيدة يمدح بها المنتصر. وظل شاعر البلاط في عهد المستعين والمعتز والمهتدى والمعتمد على التوالى، ويبدو أنه كان أثيرا عند المعتز الذي خصه بعدة قصائد بل توسط له عند ابنه عبد الله بن المعتز. والظاهر أن البحترى كانت قواه قد وهنت قبل خاتمة حكم المعتمد.
واتصال البحترى بالبلاط العباسى جعله يتصل بجميع أعلام الرجال في الدولة، وغالب الأسماء التي أوردها في ديوانه غير معروفة لنا. ومن الأعلام الذين ذكرهم الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان، والحسن بن مخلد، وسليمان بن وهب، وإسماعيل ابن بلبل وغيرهم من القواد والعمال مثل إبراهيم وأحمد ولدى المدبِّر، وأحمد بن طولون، ومالك ابن طوق، وأخيه محمد، ومن الوزراء أمثال ابن ثوابة، وأبي نوح، وعيسى بن إبراهيم وغيرهم. ومن رجال البلاط علي بن المنجم، وابن حمدون، والمبِّرد النحوي، وابن خرداذبه الجغرافي، وأبو العيناء الأديب، ولذلك فإن ديوانه تكملة قيمة لإخباريى هذا العصر، وهو يضيف إلى ذلك الكثير من التفصيلات، فأحيانًا يذكر الأسماء الكاملة للشخصيات، وأحيانا يسجل حوادث أغفلها المؤرخون فيما يظهر.
وتشمل القصائد التي قيلت في الخلفاء إشارات عدة إلى المنافسات التي كانت قائمة بين العباسيين والعلويين من جانب وبينهم وبين الأمويين من جانب آخر. ولم يترحم
стр. 1541
على أيام بنى أمية إلَّا في مناسبة واحدة سُلم فيها عامل من المسلمين إلى النصارى فعذبوه. أما في موضوع حق العم في ولاية الأمر فقد كان البحترى يفضل العباس ويذكر قيامه بالسقاية التي يفسرها الشاعر تفسيرا مصيبا كل الصواب فيقول إنها حق الاستسقاء (جـ ١, ص ٢١ - ٢٣) كما يذكر خدمات الموالى من الفرس للإسلام ومساواتهم للعرب، ووصف خدمات العباسيين للعلويين وصفا نهج فيه نهج المنصور (جـ ١, ص ٦٣). ويكلف البحترى بوصف القصور، مثل قصر الزوَ والقصور التي شيدها المتوكل، وجوسق المعتز وقصر المعتمد المعروفين بالمعشوق والمشوق، وأطلال إيوان كسرى التي زارها صحبة ابنه أبي الغوث، وله فيها قصيدة رائعة (جـ ١، ص ١٠٨) كما وصف الأسطول (جـ ١، ص ٢٥٧) والعيون التي شيدتها أم المعتز لسقاية الحجيج (جـ ٢, ص ١٤٦) وحروب الموفق وقواده في ثورة الزنج.
وكان البحترى، شأن الغالبية من أهل طبقته، يلتمس بالشعر العون على خراجه (جـ ١, ص ١٠٦, ١٢٧, ١٨٩) أو مساعدته فيما يتصل بضياعه (جـ ١، ص ١٥٠، جـ ٢، ص ١٥٢) أو يشكو العمال الذين يحاولون اغتصاب أملاكه (جـ ٢, ص ١٥٣) أو يشكو قلة أعطياته (جـ ٢, ص ٢٥٧) أو إخلاف ما وعبد به (جـ ١, ص ٢٢٢). ونحن نراه في الأغانى يتوسل للحصول على المال بطريقة فريدة: هي إغراء إخوانه بشراء عبد له اسمه نسيم ثم يشكو فراقه بحرارة حتى يعاد إليه، ويدل على هذا مجموعة من القصائد مدح بها إبراهيم بن المدبر (جـ ١، ص ١٧٩, ١٨١).
ويقال إن البحترى عندما أدركته الوفاة أوصى بأن تحرق أهاجيه. ويرى صاحب الأغانى أن ذلك ذهب بخير شعره، ومع هذا فقد بقى منها عدد ليس بالقليل يتضح منه أنه اتبع الطريقة الشائعة في الحصول على الصلات، وهي تهديد الذين يرفضون مدائحه بالهجاء حتى أننا نجد في ديوانه
стр. 1542
أشخاصا مدحهم وهجاهم، ولكنه كان يصدر في أحوال أخرى عن بواعث غير انتظار الهبة، مثال ذلك مدحه لابن طولون فإنه لم يكن لاعتبارات شخصية فحسب، وإنما كان لبواعث سياسية أيضًا، وقد هجا من لداته الشعراء على بن الجهم (جـ ٢، ص ٨٨, ٩٩, ١٠٧) والحسن بن رجاء (جـ ٢، ص ١٠٧) بينما كان حسن الصلة بالشاعر دعْبِل (جـ ٢، ص ١٧٧). وهاجم النحاة في إحدى قصائده (جـ ٢، ص ١٣٢) وهجا النصارى في أكثر من موضع (جب ٢، ص ٩٦, ١١٢).
والنقاد يضعون البحترى مع أبي تمام والمتنبي كثالث الفحول الثلاثة في العهد العباسى، وقد خاض هؤلاء النقاد في موضوع الموازنة بين البحترى وأبي تمام. ويقول شاعرنا إن جيده أقل من جيد أبي تمام ورديئه أحسن من رديئه. ويخصص المسعودى عدة صفحات من كتابه للبحث في هذا الموضوع، كما فصل الكلام فيه الحسن بن بشر الآمدى في كتاب عنوانه "الموازنة بين أبي تمام والبحترى" وهو يهم بتحيزه الظاهر للبحترى. أما النقاد الغربيون فهم على الأرجح يرون أن البحترى أقل تالقًا من المتنبي وأكثر شاعرية من أبي تمام بكثير.
وينسب صاحب الفهرست للبحترى غير ديوانه كتاب معاني الشعراء وكتاب الحماسة ومنه مخطوط في ليدن نسخ ونشر عام ١٩٠٩ م وطبع الديوان في الاستانة عام ١٣٠٠ هـ اعتمادا فيما يظهر على مخطوط يرجع تاريخه إلى عام ٤٢٤ هـ، وهذه النسخة مرتبة بأسماء الأشخاص والأسر الذين قيل الشعر فيهم، ولو أن هذا الترتيب لم يكن مرعيا على الدوام، وفي مكتبة فينا نسخة مشابهة لهذه (فهرس، جـ ١، ص ٤٣٦). ورتب الصولى القصائد على حروف المعجم، ويوجد جزء من هذه النسخة في مكتبة ميونخ (رقم ٥٠٨) ويقال إن علي بن حمزة الأصفهانى رتب القصائد على الموضوعات ترتيبًا بارعًا (ياقوت معجم الادباء، جـ ٥، ص ٢٠٠، الفهرست، ص ١٦٥). ويسمى الديوان أحيانا باسم "سلاسل الذهب" وقد طبعت فقرات من شرح أبي العلاء
стр. 1543
لهذا الديوان، وهو الشرح المعروف "عبث الوليد" في المقتبس. ويذكر أبو العلاء في رسائله التي نشرت بأوكسفورد (ص ٩٠) وصفًا عجيبًا هو أن البحترى كانت له قدما ديك.
المصادر:
(١) الأغاني: جـ ١٨، ص ١٦٧ - ١٧٥.
(٢) ابن خلكان: ترجمة ده سلان, جـ ٣، ص ٦٥٧ - ٦٦٦.
[مركوليوث A.S. Margoliouth]
أبو عُبادة الوليد بن عبيد الله: شاعر عربي من أصحاب الدواوين ومن أعيان القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي: ٢٠٦ - ٢٨٤ هـ = ٨٢١ - ٨٩٧)، ولد في منبج، ويروى أنه ولد في القرية المجاورة "حرْدفْنَة، لأسرة تنتص إلى بُحْتر وهي بطن من طيى، ولم يقطع البحترى صلته قط تماما ببلده حيث شاء الحظ، الذي اجتمع في حياته العملية الطويلة كلها شاعرًا للبلاط، على أن يتيح له الحصول على ملك خاص به، بل هو قد استغل أيضًا أصله القبلى في إنشاء صلات تعود عليه بالفائدة.
وقد خص البحترى باكورة شعره الذي نظمه بين عامي ٢٢٣ - ٢٢٦ هـ (٨٣٧ - ٨٤٠ م) بمدح قبيلته، والتمس مولى يستظل به فوجده في شخص القائد الطائى أبي سعيد يوسف بن محمد المعروف بالثَغْرى، وقد لقى في دار الثغرى لأول مرة الشاعر أبا تمام الذي كان يزعم هو أيضًا أنه من طيئ. وقد اجتذبت موهبة الشاب هذا الشاعر فأوصى به أول الأمر فيما يظهر أعيان معرة النعمان وزكَّاه لهم شاعرًا مداحًا فجعلوا له راتبًا قدره أربعة آلاف درهم، ولكن لم ينته إلينا أي شعر له من هذه الفترة.
ومهما يكن من شيء فإن البحترى لم يتوان عن اللحاق بأبى تمام في حاشية مولاه مالك بن طوق والى الجزيرة، ثم تبعه إلى بغداد حيث استطاع بفضل حضوره دروس أشهر العلماء، وخاصة ابن الأعرابى، ومجاهدته في التخلق بأخلاق عاصمة البلاد، أنى يهيئ نفسه لمدح أكابر
стр. 1544
الشخصيات آملا أن يتقرب بذلك إلى الخليفة.
على أنه لم ينل في هذا السبيل إلَّا أقل النجاح مع ابن الزيات، فاستعاض عن خيبته معه باللحاق بأسرة من قبيله هي أسرة بنى حُمَيد، وكان بعض أفرادها قد استقر في بغداد، وأهدى بعض قصائده إلى زعيمهم أبي نَهْشَل، ثم غادر العراق في الوقت الذي غادره فيه أبو تمام سنة ٢٣٠ هـ (٨٤٤) ليعود إلى الثغري الذي كان وقتذاك في الموصل.
ولم يحزن البحترى على وفاة أبي تمام سنة ٢٣١ هـ (٨٤٥ م) على خلاف كل التوقعات، مع أن أبا تمام كان هو أول من شجعه وأول من دربه على قول الشعر، وكان هذا هو أول مثل على جحود. ووصوليته اللذين أكدهما بالدليل الوافر من بعد.
وما إن تولى المتوكل الخلافة حتى عاد البحترى إلى بغداد، واستطاع بفضل وساطة ابن المنجّم الحميدة أن ينال الحظوة لدى الفتح بن خاقان، وقد قدمه الفتح إلى المتوكل، والراجح أن ذلك كان سنة ٢٣٤ هـ (٨٤٨ م). ومن ثم بدأت تنتظر البحترى حياة مشرقة شاعرًا للبلاط.
وقد شاب صلة البحترى بالفتح فتور عابر بفعل التحاسد الذي لم يكن منه بد، ومع ذلدُ كان البحترى ينعم دائما برعاية الفتح الذي أهدى إليه البحترى ديوانه "الحماسة" وعددًا من مدائحه، ومدح البحترى أيضًا عدة شخصيات كبيرة في الدولة، ولكنه خص الخليفة بمعظم شعره. وكان في حياته على علاقة وثيقة به، ينعم بعطفه، ويؤيد سياسة الحكومة حتى إن تعارضت مع آرائه الشخصية التي كان يشوبها هوى مع الشيعة، ويجاهر بفضائل العباسيين وحقوقهم. وكان شعره في هذه الفترة يتضمن كثيرا من الإشارات إلى الحوادث السياسية مثل التمرد الذي وقع في دمشق سنة ٢٣٦ هـ (٨٥٠ م) والفتنة التي نشبت في أرمينية سنة ٢٣٧ م (٨٥١ م) وفتنة حمص سنة ٢٤٠ هـ (٨٥٤ م)، وزيارة الخليفة دمشق سنة ٢٤٤ هـ (٨٥٨ م)، وبناء المتوكلية ما بين سنتى ٢٤٥ - ٢٤٦ هـ (٨٥٩ - ٨٦٠ م) وغير ذلك من الحوادث.
стр. 1545
وكانت مقدمات قصائده في النسيب موجهة حتى ذلك الحين إلى امرأة تقليدية موهومة هي هند، وهنالك ظهرت في أشعاره امرأة حقيقة هي عَلْوَة بنت زرَيقة التي كانت تعيش في حلب وكانت لها دار ريفية بهذه الكورة في بطياس، ولا شك أنه جرى على لقائها في أسفاره إلى الشام، ذلك أن إقامته في العراق لم تكن دائمة بحال، ومن الجائز أنه كان يكن لها هوى عظيمًا، ولو أنه سخر منها في قصيدة فيهاشئ من الفحش.
وعلى الرغم من اهتمامه لاغتيال المتوكل والفتح سنة ٢٤٧ هـ (٨٦١ م). كما أخبر المسعودى عنه، فإنه رأى من الأحرص أن يعتكف في منبج، ولكنه سرعان ما ظهر بعد ذلك بقصيدة في مدح المنتصر، ثم وجه مدائحه بعد إلى الوزير أحمد بن الخصيب، وقد وقع بالصدفة في زمن متأخر عن هذا أن البحترى لم يتردد في تحريض المستعين على هذا الوزير. وذاق البحترى حلاوة الشهرة مرة أخرى في ظل المعتز، وقد مدحه بجملة من قصائده بدت فيها أصداء الاضطراب الذي كان يروى ثرى ولايات الدولة بالدم، على أن ذلك لم يمنعه بحال من الترحيب بالمهتدى كأن شيئًا من ذلك لم يحدث، ولم يعقه من أن يصبح إلى حين شاعر التقى بغية التسرية عن الخليفة الجديد.
وأفلت شهرة البحترى في عهد المعتمد، فقد أثارت سياسة هذا الخليفة المالية في نفسه بعض القلق على ثروته، وكانت آخر قصيدة قالها في مدح خليفة هي تلك التي مدح بها المعتضد سنة ٢٧٩ هـ (٨٩٢ م).
وهنالك ترك البحترى العراق، وأصبح شاعر البلاط مرة أخرى في ظل خمارويه بن طولون، ثم عاد إلى مسقط رأسه حيث أدركته المنية بعد مرض طويل سنة ٢٨٤ هـ (٨٩٧ م).
وقد اقتصر البحترى -أو كاد - في بدء حياته الشعرية على نظم القصائد في التفاخر أو في وصف تجواله في الصحراء، وثمة مثل مشهور على ذلك هو القصيدة المشهورة التي قالها في الذئب (جـ ٢، ص ١١٠)، على