Полный текст (10 087 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
على أيام بنى أمية إلَّا في مناسبة واحدة سُلم فيها عامل من المسلمين إلى النصارى فعذبوه. أما في موضوع حق العم في ولاية الأمر فقد كان البحترى يفضل العباس ويذكر قيامه بالسقاية التي يفسرها الشاعر تفسيرا مصيبا كل الصواب فيقول إنها حق الاستسقاء (جـ ١, ص ٢١ - ٢٣) كما يذكر خدمات الموالى من الفرس للإسلام ومساواتهم للعرب، ووصف خدمات العباسيين للعلويين وصفا نهج فيه نهج المنصور (جـ ١, ص ٦٣). ويكلف البحترى بوصف القصور، مثل قصر الزوَ والقصور التي شيدها المتوكل، وجوسق المعتز وقصر المعتمد المعروفين بالمعشوق والمشوق، وأطلال إيوان كسرى التي زارها صحبة ابنه أبي الغوث، وله فيها قصيدة رائعة (جـ ١، ص ١٠٨) كما وصف الأسطول (جـ ١، ص ٢٥٧) والعيون التي شيدتها أم المعتز لسقاية الحجيج (جـ ٢, ص ١٤٦) وحروب الموفق وقواده في ثورة الزنج.
وكان البحترى، شأن الغالبية من أهل طبقته، يلتمس بالشعر العون على خراجه (جـ ١, ص ١٠٦, ١٢٧, ١٨٩) أو مساعدته فيما يتصل بضياعه (جـ ١، ص ١٥٠، جـ ٢، ص ١٥٢) أو يشكو العمال الذين يحاولون اغتصاب أملاكه (جـ ٢, ص ١٥٣) أو يشكو قلة أعطياته (جـ ٢, ص ٢٥٧) أو إخلاف ما وعبد به (جـ ١, ص ٢٢٢). ونحن نراه في الأغانى يتوسل للحصول على المال بطريقة فريدة: هي إغراء إخوانه بشراء عبد له اسمه نسيم ثم يشكو فراقه بحرارة حتى يعاد إليه، ويدل على هذا مجموعة من القصائد مدح بها إبراهيم بن المدبر (جـ ١، ص ١٧٩, ١٨١).
ويقال إن البحترى عندما أدركته الوفاة أوصى بأن تحرق أهاجيه. ويرى صاحب الأغانى أن ذلك ذهب بخير شعره، ومع هذا فقد بقى منها عدد ليس بالقليل يتضح منه أنه اتبع الطريقة الشائعة في الحصول على الصلات، وهي تهديد الذين يرفضون مدائحه بالهجاء حتى أننا نجد في ديوانه
стр. 1542
أشخاصا مدحهم وهجاهم، ولكنه كان يصدر في أحوال أخرى عن بواعث غير انتظار الهبة، مثال ذلك مدحه لابن طولون فإنه لم يكن لاعتبارات شخصية فحسب، وإنما كان لبواعث سياسية أيضًا، وقد هجا من لداته الشعراء على بن الجهم (جـ ٢، ص ٨٨, ٩٩, ١٠٧) والحسن بن رجاء (جـ ٢، ص ١٠٧) بينما كان حسن الصلة بالشاعر دعْبِل (جـ ٢، ص ١٧٧). وهاجم النحاة في إحدى قصائده (جـ ٢، ص ١٣٢) وهجا النصارى في أكثر من موضع (جب ٢، ص ٩٦, ١١٢).
والنقاد يضعون البحترى مع أبي تمام والمتنبي كثالث الفحول الثلاثة في العهد العباسى، وقد خاض هؤلاء النقاد في موضوع الموازنة بين البحترى وأبي تمام. ويقول شاعرنا إن جيده أقل من جيد أبي تمام ورديئه أحسن من رديئه. ويخصص المسعودى عدة صفحات من كتابه للبحث في هذا الموضوع، كما فصل الكلام فيه الحسن بن بشر الآمدى في كتاب عنوانه "الموازنة بين أبي تمام والبحترى" وهو يهم بتحيزه الظاهر للبحترى. أما النقاد الغربيون فهم على الأرجح يرون أن البحترى أقل تالقًا من المتنبي وأكثر شاعرية من أبي تمام بكثير.
وينسب صاحب الفهرست للبحترى غير ديوانه كتاب معاني الشعراء وكتاب الحماسة ومنه مخطوط في ليدن نسخ ونشر عام ١٩٠٩ م وطبع الديوان في الاستانة عام ١٣٠٠ هـ اعتمادا فيما يظهر على مخطوط يرجع تاريخه إلى عام ٤٢٤ هـ، وهذه النسخة مرتبة بأسماء الأشخاص والأسر الذين قيل الشعر فيهم، ولو أن هذا الترتيب لم يكن مرعيا على الدوام، وفي مكتبة فينا نسخة مشابهة لهذه (فهرس، جـ ١، ص ٤٣٦). ورتب الصولى القصائد على حروف المعجم، ويوجد جزء من هذه النسخة في مكتبة ميونخ (رقم ٥٠٨) ويقال إن علي بن حمزة الأصفهانى رتب القصائد على الموضوعات ترتيبًا بارعًا (ياقوت معجم الادباء، جـ ٥، ص ٢٠٠، الفهرست، ص ١٦٥). ويسمى الديوان أحيانا باسم "سلاسل الذهب" وقد طبعت فقرات من شرح أبي العلاء
стр. 1543
لهذا الديوان، وهو الشرح المعروف "عبث الوليد" في المقتبس. ويذكر أبو العلاء في رسائله التي نشرت بأوكسفورد (ص ٩٠) وصفًا عجيبًا هو أن البحترى كانت له قدما ديك.
المصادر:
(١) الأغاني: جـ ١٨، ص ١٦٧ - ١٧٥.
(٢) ابن خلكان: ترجمة ده سلان, جـ ٣، ص ٦٥٧ - ٦٦٦.
[مركوليوث A.S. Margoliouth]
أبو عُبادة الوليد بن عبيد الله: شاعر عربي من أصحاب الدواوين ومن أعيان القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي: ٢٠٦ - ٢٨٤ هـ = ٨٢١ - ٨٩٧)، ولد في منبج، ويروى أنه ولد في القرية المجاورة "حرْدفْنَة، لأسرة تنتص إلى بُحْتر وهي بطن من طيى، ولم يقطع البحترى صلته قط تماما ببلده حيث شاء الحظ، الذي اجتمع في حياته العملية الطويلة كلها شاعرًا للبلاط، على أن يتيح له الحصول على ملك خاص به، بل هو قد استغل أيضًا أصله القبلى في إنشاء صلات تعود عليه بالفائدة.
وقد خص البحترى باكورة شعره الذي نظمه بين عامي ٢٢٣ - ٢٢٦ هـ (٨٣٧ - ٨٤٠ م) بمدح قبيلته، والتمس مولى يستظل به فوجده في شخص القائد الطائى أبي سعيد يوسف بن محمد المعروف بالثَغْرى، وقد لقى في دار الثغرى لأول مرة الشاعر أبا تمام الذي كان يزعم هو أيضًا أنه من طيئ. وقد اجتذبت موهبة الشاب هذا الشاعر فأوصى به أول الأمر فيما يظهر أعيان معرة النعمان وزكَّاه لهم شاعرًا مداحًا فجعلوا له راتبًا قدره أربعة آلاف درهم، ولكن لم ينته إلينا أي شعر له من هذه الفترة.
ومهما يكن من شيء فإن البحترى لم يتوان عن اللحاق بأبى تمام في حاشية مولاه مالك بن طوق والى الجزيرة، ثم تبعه إلى بغداد حيث استطاع بفضل حضوره دروس أشهر العلماء، وخاصة ابن الأعرابى، ومجاهدته في التخلق بأخلاق عاصمة البلاد، أنى يهيئ نفسه لمدح أكابر
стр. 1544
الشخصيات آملا أن يتقرب بذلك إلى الخليفة.
على أنه لم ينل في هذا السبيل إلَّا أقل النجاح مع ابن الزيات، فاستعاض عن خيبته معه باللحاق بأسرة من قبيله هي أسرة بنى حُمَيد، وكان بعض أفرادها قد استقر في بغداد، وأهدى بعض قصائده إلى زعيمهم أبي نَهْشَل، ثم غادر العراق في الوقت الذي غادره فيه أبو تمام سنة ٢٣٠ هـ (٨٤٤) ليعود إلى الثغري الذي كان وقتذاك في الموصل.
ولم يحزن البحترى على وفاة أبي تمام سنة ٢٣١ هـ (٨٤٥ م) على خلاف كل التوقعات، مع أن أبا تمام كان هو أول من شجعه وأول من دربه على قول الشعر، وكان هذا هو أول مثل على جحود. ووصوليته اللذين أكدهما بالدليل الوافر من بعد.
وما إن تولى المتوكل الخلافة حتى عاد البحترى إلى بغداد، واستطاع بفضل وساطة ابن المنجّم الحميدة أن ينال الحظوة لدى الفتح بن خاقان، وقد قدمه الفتح إلى المتوكل، والراجح أن ذلك كان سنة ٢٣٤ هـ (٨٤٨ م). ومن ثم بدأت تنتظر البحترى حياة مشرقة شاعرًا للبلاط.
وقد شاب صلة البحترى بالفتح فتور عابر بفعل التحاسد الذي لم يكن منه بد، ومع ذلدُ كان البحترى ينعم دائما برعاية الفتح الذي أهدى إليه البحترى ديوانه "الحماسة" وعددًا من مدائحه، ومدح البحترى أيضًا عدة شخصيات كبيرة في الدولة، ولكنه خص الخليفة بمعظم شعره. وكان في حياته على علاقة وثيقة به، ينعم بعطفه، ويؤيد سياسة الحكومة حتى إن تعارضت مع آرائه الشخصية التي كان يشوبها هوى مع الشيعة، ويجاهر بفضائل العباسيين وحقوقهم. وكان شعره في هذه الفترة يتضمن كثيرا من الإشارات إلى الحوادث السياسية مثل التمرد الذي وقع في دمشق سنة ٢٣٦ هـ (٨٥٠ م) والفتنة التي نشبت في أرمينية سنة ٢٣٧ م (٨٥١ م) وفتنة حمص سنة ٢٤٠ هـ (٨٥٤ م)، وزيارة الخليفة دمشق سنة ٢٤٤ هـ (٨٥٨ م)، وبناء المتوكلية ما بين سنتى ٢٤٥ - ٢٤٦ هـ (٨٥٩ - ٨٦٠ م) وغير ذلك من الحوادث.
стр. 1545
وكانت مقدمات قصائده في النسيب موجهة حتى ذلك الحين إلى امرأة تقليدية موهومة هي هند، وهنالك ظهرت في أشعاره امرأة حقيقة هي عَلْوَة بنت زرَيقة التي كانت تعيش في حلب وكانت لها دار ريفية بهذه الكورة في بطياس، ولا شك أنه جرى على لقائها في أسفاره إلى الشام، ذلك أن إقامته في العراق لم تكن دائمة بحال، ومن الجائز أنه كان يكن لها هوى عظيمًا، ولو أنه سخر منها في قصيدة فيهاشئ من الفحش.
وعلى الرغم من اهتمامه لاغتيال المتوكل والفتح سنة ٢٤٧ هـ (٨٦١ م). كما أخبر المسعودى عنه، فإنه رأى من الأحرص أن يعتكف في منبج، ولكنه سرعان ما ظهر بعد ذلك بقصيدة في مدح المنتصر، ثم وجه مدائحه بعد إلى الوزير أحمد بن الخصيب، وقد وقع بالصدفة في زمن متأخر عن هذا أن البحترى لم يتردد في تحريض المستعين على هذا الوزير. وذاق البحترى حلاوة الشهرة مرة أخرى في ظل المعتز، وقد مدحه بجملة من قصائده بدت فيها أصداء الاضطراب الذي كان يروى ثرى ولايات الدولة بالدم، على أن ذلك لم يمنعه بحال من الترحيب بالمهتدى كأن شيئًا من ذلك لم يحدث، ولم يعقه من أن يصبح إلى حين شاعر التقى بغية التسرية عن الخليفة الجديد.
وأفلت شهرة البحترى في عهد المعتمد، فقد أثارت سياسة هذا الخليفة المالية في نفسه بعض القلق على ثروته، وكانت آخر قصيدة قالها في مدح خليفة هي تلك التي مدح بها المعتضد سنة ٢٧٩ هـ (٨٩٢ م).
وهنالك ترك البحترى العراق، وأصبح شاعر البلاط مرة أخرى في ظل خمارويه بن طولون، ثم عاد إلى مسقط رأسه حيث أدركته المنية بعد مرض طويل سنة ٢٨٤ هـ (٨٩٧ م).
وقد اقتصر البحترى -أو كاد - في بدء حياته الشعرية على نظم القصائد في التفاخر أو في وصف تجواله في الصحراء، وثمة مثل مشهور على ذلك هو القصيدة المشهورة التي قالها في الذئب (جـ ٢، ص ١١٠)، على
стр. 1546
أنه ما إن أصبح شاعر البلاط حتى غدا المديح هو القالب الغالب على شعره. وبهذا احترم البحترى القالب الثلاثى للقصيدة، وربما لم يشذ عن ذلك إلَّا في نهاية حياته، وراح يرسم صورة تقليدية لرعاته المختلفين. على أن مديحه تسمو به في توفيق أوصاف رائعة (وخاصة في وصفه الإيوان) وهنا يقف البحترى نسيج وحده لا يبارى بفضل تذوقه المرهف للخيال الشعرى والتفصيلات الطلية التي يسوقها. ولم يخص البحترى قصيدة كاملة بوصف قصر هو إيوان كسرى إلَّا متأخرًا (انظر عبد القادر المغربي في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، سنة ١٩٥٦, ص ٧٧ - ٨٨, ٢٤١ - ٢٥٢، ٤٢٧ - ٤٣٦, ٥٧٧ - ٥٨٥). والأفكار التي يبسطها البحترى في مجموعها خالية من الابتكار، إلَّا أن مزيته الفريدة هي أسلوبه الذي يتميز بمفرداته البسيطة وشعره الموسيقى الفخم، وقد وضعه هذا الأسلوب فوق شعراء البلاط الآخرين الذين كتب عليه أن ينافسهم أول الأمر.
وتفوق البحترى أيضًا في الرثاء، ولكنه قلما كان يوفق في الهجاء، ذلك أن الهجاء عنده كان لا يعدو أن يكون حصيلة للمدح, وهو في الأغلب الأعم موجه إلى راع سابق مرجولم يحقق آماله. وثمة واقعة جاءت في قصة من القصص هي أنه أوصى ابنه وهو على فراش الموت بأن يعدم جميع أهاجيه. وقصائد المناسبات قليلة في ديوانه. وكذلك فإن موضوعات الحب لانجدها إلَّا في مقدمات قصائده، وكانت هذه المقدمات لا تعدو أن تكون نزولا منه على سنة فاشية هي أن يتغنى بمحامد بعض المراهقين.
والنقاد الغربيون الذين كانوا إلى ذلك لايهتمون بالبحترى إلَّا اهتمامًا قليلا، يسلكونه في عداد الشعراء المحدثين من القدماء، وهذا الوضع يناسبه كل المناسبة. أما النقاد المشارقة فإنهم يجعلونه هو وأبا تمام والمتنبي من أهم شعراء العصر العباسى. والمقارنة بينه وبين أستاذه أبي تمام موضوع من موضوعات المناقشة المحببة بعد أن كان مثارًا للخلاف حتى
стр. 1547
في حياة البحترى نفسه. ويرى البحترى ذاته أن جيده أقل من جيد أبي تمام ورديئه أحسن من رديئه. وقد تناول هذا الموضوع بالتفصيل في كتابين يجنح كل منهما إلى تفضيل واحد منهما على الآخر، وهما: "أخبار أبي تمام" للصولى (القاهرة سنة ١٣٥٦ هـ = ١٩٣٧ م) و"الموازنة بين أبي تمام والبحترى" للآمدى (القاهرة سنة ١٣٦٣ هـ = ١٩٤٤ م).
ويشارك البحترى معظم زملائه في أنه لا يكف عن السؤال ولا يتورع عن آية وسيلة يحصل بها على المال. وهذا الجشع إلى جنى المال أفسد معدنه الخلقى وأدى به إلى المصانعة ليساير بحقارة تذبذب السياسة الدينية للخليفة الذي كان راعيه.
وقد أكسبه نجاحه شاعرًا للبلاط عداوات مرة بين منافسيه، مع أنه كان فيما يظهر على صلات طيبة بالشاعر الشيعى دعبل. وطبيعى أن يؤدى به هذا النجاح إلى الاتصال بالشخصيات البارزة في الدولة من وزراء إلى قواد، إلى ولاة، إلى رجال بلاط وكتاب سر، وعلماء. وأتاحت له صلاته أيضًا أن يتابع كثيرًا من الوقائع السياسية التي نسمع صداها في الديوان، وهذا الأثر له قيمة وثيقية لا تنكر علاوة على قيمته الأدبية (انظر Les allusions: M. Canard ae la guerre byzantine chez les poetes Abu Taromam et Buhtun في Byzanceet les Arabes: Vassiliev جـ ١، بروكسل سنة ١٩٣٥, ص ٣٩٧ - ٤٠٣)، والحق إنه ذيل قصير لأخبار ذلك العهد، فهو يزيد عليها تفصيلات في كثير من الأحيان، أو يصف آثارا، أو يذكر وقائع أغفلها المؤرخون فيما يبدو.
وقد طبع الديوان في الآستانة سنة ١٨٨٢. ثم طبع في بيروت وفي القاهرة سنة ١٩١١، ولكن هذه الطبعات أميل إلى الخطأ والنقصان، ومن ثم فإننا نرحب كل الترحيب بظهور طبعة جديدة تعتمد على المخطوطات المختلفة وخاصة المخطوط المحفوظ في المكتبة الأهلية بباريس، وقد نشر شرح للديوان كتبه أبو العلاء المعرى بعنوان "عبث الوليد" في دمشق سنة ١٣٥٥ هـ (١٩٣٦ م).
стр. 1548
أما كتابه "الحماسة" فلم نعثر إلَّا على مخطوط واحد منه، وهو محفوظ في جامعة ليدن، ويشهد هذا بعدم نجاح هذا الديوان الشعرى الذي جمعت فيه الأشعار بحسب موضوعاتها لا بحسب أنواعها مثل حماسة أبي تمام. وثمة ثلاث طبعات منه إحداها في ليدن سنة ١٩٠٩, والثانية في بيروت سنة ١٩١٠, والثالثة في القاهرة سنة ١٩٢٩.
وينسب للبحترى أثر ثالث هو "معاني الشعر" أو "معاني الشعراء" وهو مفقود.
المصادر:
(١) الأغانى، جـ ١٨، ص ١٦٧ - ١٧٥.
(٢) ابن المعتز. طبقات الشعراء، لندن سنة ١٩٣٩, ص ١٨٦ - ١٨٧.
(٣) المسعودى: مروج الذهب، الفهرس.
(٤) ابن خلكان، ترجمة ده سلان، جـ ٣، ص ٦٥٧ - ٦٦٦.
(٥) ياقوت: معجم الأدباء، جـ ١٩، ص ٢٤٨ - ٢٥٨.
(٦) أبو العلا المعرى: رسالة الغفران، في مواضع مختلفة.
(٧) the letters of: margoliouth Abu'l-Ala . أوكسفورد سنة ١٨٩١, في مواضع مختلفة.
(٨) الحصرى: زهر الآداب، الفهرس.
(٩) الفهرست، طبعة القاهرة. ص ٢٣٥.
(١٠) ابن رشيق: العمدة، في مواضع مختلفة.
(١١) - Deutsch Morgenl Ge Zeitschr der .sells، سنة ١٨٩٣, ص ٤١٨ - ٤٣٩, ٧١٥ - ٧١٧.
(١٢) ج. كنعان: البحترى، حياة من غير تاريخ.
(١٣) طه حسين: من حديث الشعر والنثر، القاهرة من غير تاريخ (١٩٣٢؟ )، ص ١١٣ - ١٣٣.
(١٤) محمد صبرى: أبو عبادة البحترى، القاهرة سنة ١٩٤٦.
(١٥) ع. رستم: طيف الوليد، أو حياة البحترى، القاهرة سنة ١٩٤٧.
стр. 1549
(١٦) سيد العقل: عبقرية البحترى، بيروت سنة ١٩٥٣.
(١٧) Brockelmann، قسم ١، ص ١٢٥.
(١٨) وثمة رسالة ممتازة عنوانها Un poete arabe du Ille si ٦ cle de I'hegrie (.LXe s. de J.C) قدمها لنيل الدكتوراه من السوربون سنة ١٩٥٣ صالح الأشتر، ولم تنشر بعد.
خورشيد [بلًا Ch. Pellal]
تعليق على مادة البحتري
ثانى اثنين رفعا اسم قبيلتهما "طيئ" في عالم الشعر على كثرة ما أنجبت هذه القبيلة الكبيرة من شعراء سبقوهما بأجيال مثل عامر بن جُوَين وحاتم وغيرهما، ومن لحقوا بهما بعد ذلك بأجيال منهم الطِّرِمَّاح وغيره. وعُرفا في كتب الأدب "باسم الطائَّيين": الأول أبو تمام حبيب بن أوس، والثاني أبو عُبادة الوليد بن عُبيدْ بن يحيى بن عُبيدَ فكان بعض الكتاب يقولون عن الأول: الطائى الكبير، وعن الثاني: الطائى الصغير، تمييزا لهما. وعُرف شاعرنا بهذه الكنية "أبو عُبادة" إلَّا أن أبا الفرج وياقوتا الحموى وابن الخطيب البغداديّ قد ذكروا في كتبهم: الأغانى، ومعجم الأدباء، وتاريخ بغداد، أنه كان يكنى: أبا الحَسن، وأبا عُبادة، فأشير عليه في أيام المتوكل بأن يقتصر على أبي "عبادة" فإنها أشعر، ففعل. ونقل ابن خِلِّكان في وفيات الأعيان هذا.
وقد اختلف كثيرون ممن أرَّخوا لهذا الشاعر في الموضع الذي وُلد فيه، وفي تاريخ ميلاده.
قال بعضهم - ومنهم ياقوت الحموى في "معجم الأدباء" (١٩: ٢٤٩) - إن مولده كان في مدينة "منبج" الواقعة في الشمال الشرقي من حلب في شمال الجمهورية السورية، وكانت تعرف عند الروم باسم "هيرابوليس Heirapolis وقال بعض آخر - منهم ياقوت الحموى أيضًا - الذي ذكر في "معجم البلدان" (٢: ٢٣٩ ليبزج) إن مولد البحترى كان في قرية "حُرْدفْنَة" التي ذكرها في حرف (الحاء) وضبطها بالعبارة فقال: "بالضم ثم السكون، وضم الدال، وسكون الفاء، وفتحِ النون، وهاء"، وقال إنها "من قرى منْبِج من أرض الشام".
стр. 1550
وقال ابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان" إنه "ولد بمنبج، وقيل بزردفنه، وهي قرية من قراها. ونشأ وتخرج بها". ثم عاد فضبطها بالعبارة فقال: وزردفنه، بفتح الزاى وسكون الراء، وفتح الدال المهملة، وسكون الفاء، وفتح النون، وبعدها هاء ساكنة، وهي قرية من قرى منبج بالقرب منها.
فأما الاختلاف في تاريخ مولده، فقد صادفتنا - عند تحقيق ديوانه - روايات مختلفة، تتقدم في بعض الروايات سنوات أو تتأخر عن قول الجمهرة من المؤرخين له.
فقد ذكر ياقوت في "معجم البلدان" أن مولده كان في سنة ٢٠٠ هـ في أول أيام المأمون وهو بخراسان. ثم قال: "ذكر ذلك أبو غالب همام بن الفضل بن المهذب المعرى في تاريخ له"، وعقب فقال: "وقال غير ابن المهذب، ولد البحترى في سنة ٢٠٥ هـ".
إلَّا أن ياقوتا نفسه ذكر في "معجم الأدباء" أن ولادة البحترى كانت سنة ست ومائتين.
وذكر ابن خلكان في كتاب "وفيات الأعيان" أن ولادته كانت سنة ٢٠٦، وقيل سنة ٢٠٥.
وقد أخذنا في تحققنا لديوان البحترى - عندما تصدينا لتأريخ قصائده - بالقول الذي رجح سنة ٢٠٤ هـ تاريخا لمولده (انظر مقدمتنا لديوان البحترى صفحة ٣١ طبعة دار المعارف سنة ١٩٦٣) وهو التاريخ الذي أخذ به الأستاذ مركوليوث أيضًا في مادة "البحترى" في دائرة المعارف الإسلامية.
أما تاريخ وفاته فقد تأرجح عند هؤلاء المؤرخين بين سنوات ٢٨٣, ٢٨٤, ٢٨٥ هـ. وقد أخذنا -كما أخذ الأستاذ مركوليوث أيضًا - بالتاريخ الوسط. مات بالسكتة -كما يذكر ياقوت - في موطنه "منبج" سنة ٢٨٤ بعد أن عاش فترة طويلة في العراق، وقد بلغ الثمانين من عمره.
وقد عاش طفولته وصباه متنقلا بين منبج وحلب، حيث عرف في حلب صاحبته "علوة" التي ردد ذكرها في شعره مرات كثيرة، وظل يحن إليها
стр. 1551
لأنها كانت أول غرامه، ويحن إلى دارها التي كانت في وسط حلب، فقد قال ياقوت وهو يذكر حلب في "معجم البلدان" (٢: ٣٠٧ ليبزج): "وفي وسط البلد دار علوة صاحبة البحترى".
ثم أخذ يضرب منذ عام. ٢٢٠ هـ في البادية يأخذ عن أهلها. وقد عثرنا على قصيدة له لم يسبق نشرها من ٤٥ بيتا أشار أبو العلاء المعرى في كتابه "عبث الوليد" إلى ثلاثة أبيات منها هي الأول والثالث والتاسع. وقد أشار البحترى في الأبيات: الثالث والرابع والخامس إلى سنه - وقتذاك - وإلى عزمه على السير في مناكب الأرض (القصيدة ٤٢٥، صفحة ١٠٨١، دار المعارف):
وقائلة، والدمع يصبغ خدها ... رويدك يابن الست عشرة كم تسرى!
فقلت: أحق الناس بالعزم والسرى ... طلاب المعالى صاحب الست والعشر
مقام الفتى في الحى حيا مسلما ... معافى مقام ذلة بالفتى يزرى
وخلال تشريقه وتغريبه راكبا أعجاز الكواكب على حد تعبيره في القصيدة ٢٨ (صفحات ٧٨ - ٨٢ طبعة دار المعارف) ينتهى به المطاف إلى رحبة مالك بن طوق التغلبى مادحا له.
وهذه الرحبة بين الرقة وبغداد على شاطئ الفرات. ونجده يذكر لنا في البيت العاشر من هذه القصيدة سنه وقتذاك فيقول:
عشرون قصرها الصبا، وأطالها ... ولع العتاب بهائمٍ لم يعتب
أي أن هذه القصيدة مما نظم الشاعر عام ٢٢٤ هـ.
وقد مدح مالك بن طوق بقصيدة أخرى لم يسبق نشرها في الطبعات السابقة للديوان، بلغت أبياتها ٤٦ بيتًا، أثبتناها في طبعتنا برقم ٨٠٦ (الديوان ٢١٢٧ - ٣١٣٢). وتاريخها هو تاريخ أختها.
وفي عام ٢٢٥ نراه يمدح أحمد بن إبراهيم الآزدى بقصيدتين لم يسبق نشرهما أيضًا: القصيدة ٧٩٩ (صفحة ٢١١٠ - ٢١١٣) بيتا، والقصيدة ٩٠١ (صفحة ٢٣٧٠ - ٢٣٧٢) من ١٧ بيتا.
стр. 1552
ونرجح أنه قطع في هذه الرحلة ست سنوا هـ ألهمته كثيرًا من الصور، وحركت شاعريته، وصقلت لغته. وفي هذه الحقبة نظم قصيدته الدالية المشهورة في "الذئب" (القصيدة ٢٨٩، ص ٧٤٠) التي رجحنا أنه قالها حوالي عام ٢٢٦ هـ. وقد جعلت قوة سبك هذه القصيدة بعض الناس يشكون في أنها من شعره. فقد ذكر كشاجم ذلك في كتابه "المصايد والمطارد" (١٠٧ - ١٠٨) حيث يقول: " ... وقد شُكَّ فيها أنها له لقربها من ألفاظ الأوائل ومعانيهم". وجاء في الدلِوان في تقديم القصيدة أن أبا الغوث - ابن البحترى - قال لأبيه إن الناس يقولون هذه القصيدة، لأبي تمام. فقال "يابنى! قد ضرط أبوك أحسن من هذه القصيدة". كما نظم أيضًا قصيدته الرائية التي رثى فيها قومه (القصيدة ٤٠٨ صفحة ١٠٢٩). وقصيدته الدالية رقم ٢٤٧ صفحة ٥٩٠) التي يفخر فيها بأسرته ويذكر أسماء أجداده.
حتى إذا كانت سنة ٢٢٧ وجدنا البحترى قد تعرف إلى أبي جعفر القمى فمدحه، وأشار في مديحه له أنه ينوى أن يشد الرحال إلى رجل من قبيلته كان يرابط على الثغور غازيا ومدافعا هو القائد العربي الطائى الصامتى، من بنى الصامت بطن من طيئ: أبو سعيد محمد بن يوسف ابن عبد الرحمن، من أهل مرو, وكان يعرف باسم "الثغرى" نسبة إلى ملازمته للثغور، وكان من قواد حميد الطوسى في حربه مع بابك الخُرَّمى، ثم صار بعد مصرع حميد من قادة الجيوش عند المعتصم، وكانت أول هزيمة لأصحاب بابك على يده سنة ٢٢٠ هـ، فقد قال البحترى لأبي جعفر القمى وهو يمدحه (القصيدة ٦٧٤ في البيت ٤١ منها صفحة ١٧٥٠ طبعة دار المعارف بتحقيقنا):
إني أريد أبا سعيد والعدى ... بينى وبين سحابهِ المتهللِ
مُضَر الجزيرة كلها، وربيعة الـ ... ـخابور توعدنى، وأزْدُ الموصلِ
والتقى الشاعر الطائى الثاني بهذا القائد الطائى الذي مدحه من قبله الشاعر الطائى الأول أبو تمام، وكان هذا اللقاء سنة ٢٢٧ هـ في السنة التي مات فيها الخليفة العباسى المعتصم بن
стр. 1553
الرشيد فعزى أبا سعيد فيه بالقصيدة رقم ٣٤٨ (الديوان ٨٨٢) وأشار في هذه القصيدة إلى الخليفة الجديد الواثق بن المعتصم. كما أشار إلى موقف لأبي سعيد أحبط فيه مؤامرة دبرها العباس بن المأمون مع بعض قواد المعتصم هن الأتراك، فحفظ بالقضاء على هذه المؤامرة الخلافة للواثق.
وظلت صلة البحترى بأبى سعيد يمدحه بالقصيدة بعد القصيدة ذاكرًا أمجاده، مشيدا ببطولته، مسجلا الوقائع والمعارك التي خاضها هذا الرجل، حتى لتعد قصائده وقصائد أبي تمام في هذا البطل المصدر العربي الوحيد حيث أغفلت كتب التاريخ العربي تسجيل هذه الأحداث مع خطورتها، على حين سجلها مؤرخو الروم، وقد ذكر فازيليف في كتابه "العرب والروم" الشيء الكثير هن معارك هذا البطل، ولما مات أبو سعيد سنة ٢٣٦ فجأة في عهد المتوكل رثاه البحترى. وكان قد مدح ابنه يوسف بن محمد بعدد من القصائد أيضًا.
وفي هذه الحقبة من سنوات ٢٢٨ - ٢٣٣ هـ كانت صلاته قد توطدت بأسرة حميد الطوسى، هم طائيون مثله، كما اتصل بأسرة الحسن ابن سهل، وبخاصة ابنه إبراهيم بن الحسن الذي قال فيه أكثر هن عشر قصائد، منها ثلاث عاتبه فيها، وهو الذي اشترى منه غلامه "نسيم".
كما اتصل بأمير البحر أحمد بن دينار بن عبد الله بالقصيدة رقم ٣٨٧ (ديوانه ٩٨٠) وبالمقطوعة ٤٠٦ (الديوان ١٠٢٥) التي سماه فيها أمير البحر. أما قصيدته الأولى فقد سجل فيها موقعة بحرية غزا فيها ابن دينار بلاد الروم، ولم تذكر لنا كتب المؤرخين العرب شيئًا عن هذه الموقعة التي يرى بعض مؤرخى الإفرنج مثل ماريوس كانار أنها كانت في أول خلافة المتوكل سنة ٢٣٢ هـ. وقد تناول الدكتور زكى المحاسنى ذكر هذه الموقعة في كتابه "شعر الحرب في أدب العرب".
وقال أبو هلال العسكرى في "ديوان المعاني" (٢: ٦٣): "ولم يصف احد هن المتقدمين والمتأخرين القتال في المراكب إلَّا البحترى". وذكر أن الصولى قال: "سمعت عبد الله بن المعتز يقول: لو لم
стр. 1554
يكن للبحترى إلَّا قصيدته السينية في وصف إيوان كسرى، فليس للعرب سينية مللها، وقصيدته في البركة "ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها"، واعتذاراته في قصائده إلى الفتح التي ليس للعرب بعد اعتذارات النابغة إلى النعمان مثلها، وقصيدته في دينار بن عبد الله التي وصف فيها ما لم يصفه أحد قبلها أولها "ألم تر تغليس الربيع المبكر" ووصف حرب المراكب في البحر - لكان أشعر الناس في زمانه، فكيف إذا أضيف إلى هذا صفاء مدحه ورقة تشبيهه.
وقد ذكر فيها ألفاظ" الأسطول" و"النوتى", و"العلاة" وقد أراد بها البرج الذي يعتليه ربان السفينة، و"الاشتيام"، وهو رئيس المركب، وهذه اللفظة قال عنها المعرى إنها كلمة لم يذكرها المتقدمون من أهل اللغة، فإذا سئل من ركب البحر عنها قال: البحريون الذين يسلكون بحر الحجاز يسمون رئيس المركب "الاشتيام"، فإن كانت الكلمة عربية فهي الافتعال من شام البرق لأن رئيس المركب يكون عالما بشئون البروق والرياح ويعرف من ذلك ما لا يعرفه سواه، وذكرها الطبري في تاريخه (أخبار سنة ٢٥١) فقال: "دخل من البصرة عشر سفائن بحرية تسمى البوارج في كل سفينة اشتيام". وورد بحاشية "أمالى المرتضى" (١: ٩٤ الحلبى): والاشتيام. رئيس المركب، كلمة نبطية. وقال الدكتور زكى المحاسنى إن الكلمة في أصلها رومية.
وارتفع بصر البحترى إلى ما فوق مستوى هؤلاء الرجال، وعبر أفقهم إلى ما بعد هذا الأفق حيث كان يطمح في الوصول إلى بلاط الخلافة منذ أن ولى الواثق أمورها في سنة ٢٢٧ هـ الذي أشار إليه إشارة تمجيد في قصيدته التي عزى بها أبا سعيد في موت المعتصم. ونجده في بغداد حيث مقر الخلافة العباسية متجها ببصره أولًا إلى الرجل الأول في شئون الحكم في هذه الحقبة: محمد بن عبد الملك الزيات، وكان شاعرًا أديبا استوزره المعتصم سنة ٢٢٥ هـ ثم بقى وزيرًا للواثق، واستبقاه المتوكل فترة حين تولى الخلافة بعد أخيه الواثق سنة ٢٣٢ ثم
стр. 1555
قتله سنة، ٢٣٣ فمدح البحترى ابن الزيات بالقصيدة رقم ٢٥٩ (صفحة ٦٣٢ - ٦٣٨) دار المعارف. وأشار في البيت العشرين منها إلى الواثق.
وفي بغداد نجد البحترى قد عقد صلة وثيقة بينه وبين أبي نوح عيسى بن إبراهيم بن نوح كاتب الفتح بن خاقان، وكان يخطب ود أبي نوح هذا ليصل من ذلك إلى الفتح بن خاقان صفى الخليفة المتوكل والذي يشغل المنصب الذي يعرف الآن بوزير شئون القصر. فمدح أبا نوح بخمس قصائد منها القصيدة التي دعا فيها له وللفتح بالشفاء، وكانا قد مرضا معًا. ومن ثم اتصل بالوزير الفتح بن خاقان، وبدأت مدائحه فيه تبلغ حد الروعة حتى بلغت تسعًا وعشرين قصيدة منها قصائد في العتاب هي أرق ما صاغ شاعر في هذا الباب.
وألف له كتاب "الحماسة" فزاد في أبوابه وفي مختاراته عما ضمه كتاب "الحماسة" الذي ألفه أبو تمام.
ووعده الفتح بن خاقان بأن يقدمه إلى الخليفة المتوكل، وهو الحلم الذي داعب خياله زمنًا طويلا ويظهر أن ثمة ظروفا شغلت الفتح عن الوفاء بهذا الوعد، فأثر هذا في نفس البحترى وأثار قلقه - وكان قد وطد صلته في محيط الفتح بأبى الحسن علي بن يحيى المنجم الذي كان يقوم بأمر مكتبة الفتح الضخمة، وكان نديما للمتوكل ومن خواصه وجلسائه - فبعث إلى ابن المنجم بقصيدته رقم ٤٦٠) الديوان ١١٣٢) التي يذكر فيها توحش بغداد لنزيلها، ويطلب من هذا الرجل أن يذكر الفتح بن خاقان بوعده ويقول له إنه قد مضى خميس خامس على وعبد ابن المنجم في تذكير الفتح حيث قدم عليه رجالا يراهم أدنى منه مرتبة أدبية.
ويبدو أنه كان يأمل منذ زمن في أن ينهض بهذا الأمر ابن قبيلته أبو سعيد الثغرى الطائى أو أحد بنى حميد الطائيين فلم يفعل، ثم عاوده الأمل حين اتصل بابن خاقان فتباطأ وشغل، فقال لابن المنجم في قصيدته:
لم يرع لي حق القرابة طيئ ... فيها، ولاحق الصداقة فارس
ويفى الفتح بن خاقان بوعده، ويقدم الشاعر إلى الخليفة، ويصبح شاعره
стр. 1556
الأول، ينتقل معه إلى دمشق حين انتقل إليها فترة ثم يعود معه، ويسجل أحداث عصره، وما أنشأ هذا الخليفة من قصور وغير ذلك، ويشاركه ووزيره الفتح مجالسهما حتى آخر يوم من حياتهما ويحضر اغتيالهما معًا ليلة الخميس الرابع من شوال سنة ٢٤٧ هـ.
وتستولى الفجيعة على الشاعر الذي شهد الحادث وشهد معه نجم سعده يأفل، فقد كان عهد المتوكل هو عهد الخير على هذا الشاعر، أنعم عليه الخليفة بالجزيل من الأعطيات، وأنعم عليه بمثلها وزيره الفتح، وحسده الشعراء على ما هو فيه من نعماء العيش ورفاهته حتى لقد ذكر الحصرى في كتابه "زهر الآداب" أن أبا العباس ثعلب كان يقول في هذه القصيدة: "ما قيلت هاشمية أحسن منها، وقد صرح فيها تصريح من أذهلته المصائب عن تخوف العواقب".
وقد رجحنا في تحقيقنا لهذه القصيدة (ديوان البحترى ١٠٤٥) أن الشاعر نظمها بعد مصرع المتوكل مباشرة أي في صبيحة الحادث، فإن إلى جانب التأثر السريع للحادث الذي شهده نجد أبياتا تنبيء عن أمله في أن يلي الخلافة المعتز دون المنتصر، أي يوم ٤ شوال سنة ٢٤٧ هـ، وقد أجمع المؤرخون على أن المنتصر كان شريكًا في التآمر على قتل أبيه لأن الوزير عبيد الله بن خاقان والفتح بن خاقان كانا يوغران قلب المتوكل على ابنه المنتصر ويرغبانه في عزله من ولاية العهد ليكون الأمر للمعتز، وكان المتوكل قد استمع لمشورتهما بأن يقوم المعتز في يوم جمعة بالصلاة بالناس، وفي الجمعة التالية حسنا له أن يصلى هو بالناس، فاستمال المنتصر إليه قواد الأتراك ودبروا معه مؤامرة تولاها بغا الشرابى، فأمر باغر التركى الذي كان يتولى حراسة الخليفة فدخل عليه ورجاله، وقد أخذ منه الشراب فضربوه بالسيف وكان معه الفتح فالقى بنفسه عليه فقتلوه.
وقد كشف الشاعر عن الرأس المدبر لهذا الحادث، ولم يخش العاقبة من
стр. 1557
تصريحه أو تلميحه فقال معرضًا بالمنتصر ولى العهد:
وهل أرتجى أن يطلب الدم واتر ... يد الدهر، والموتور بالدم واتره! ؟
أكان ولى العهد أضمر غدرة؟ ... فمن عجب أن ولى العهد غادره!
وصرح قبل ذلك بأمله في أن يكون المعتز خليفة أبيه المتوكل فغاب من كانوا يعملون على ذلك فقال:
ولا نصر "المعتز" من كان يرتجى ... له، وعزيز القوم من عز ناصره
وقد قلنا في شرح هذا البيت إن الذي نرجحه أنه لم يقصد بقوله "المعتز" صفة كما يرى بعض الشراح، وإنما قصد المعتز بن المتوكل، أي أن حزب المعتز لم يجد من يناصره امام المتآمرين لمصلحة أخيه المنتصر، فقد قضت المؤامرة على الفتح، وانتهز المتآمرون فرصة غياب الأمير طاهر ابن عبد الله بن طاهر في خراسان وكان يميل إلى المعتز.
وتنبه البحترى بعد أن افاق من الهول إلى ما قال وخشى مغبة تصريحه وتعريضه فخرج حاجا إلى مكة، ولم يخرج إلى بلده "منبج" كما ذكر الأستاذ مركوليوث معتمدا فيما يبدو على ما ذكره ابن خلكان، فهو في القصيدة التي مدح بها المنتصر بعد ذلك حين تشفع له عنده - وهي القصيدة الوحيدة التي قالها فيه لأن المنتصر مات بعد ستة أشهر من مصرع أبيه - يذكر حَجَّه (القصيدة رقم ٣٤٠، صفحة ٨٤٨).
حججنا البنية شكرا لما ... حبانا به الله في المنتصر
والبنية: الكعبة. وقد أشار المعرى في لزومياته (١: ٤٢٤) إلى حج البحترى في هذه الفترة فرارًا من بطش الخليفة الجديد لا أداء لفرض يدعو إليه، فقال أبو العلاء ساخرًا من رجل قام بالحج لوجه غير وجه الله:
حج من غير تقى صاحبنا ... كأخى بحتر عام المنتصر
ولكنه وجد في دعوة المنتصر إلى سلوك سياسة جديدة مع آل أبي طالب ما دفعه إلى أن يسجله حسنة للخليفة
стр. 1558
الجديد، فقد روى الطبري وابن الأثير في تاريخيهما أنه قال لعلي بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد عندما ولاه المدينة بعد عزل صالح بن وصيف عنها: يا على، إني أوجهك إلى لحمى ودمى: ومد جلد ساعده، وقال إلى هذا وجهتك فانظر كيف تكون للقوم، وكيف تعاملهم، يعني آل أبي طالب. وذكر الصولى ذلك في "أخبار البحترى" (١٠٠) ثم قال: إن المنتصر أحب أن يشهر فعله ذلك ويمدح به. فكان أول من فطن له البحترى ... فوصله وأجزل، ولم يكن يصل الشعراء إلَّا قليلا.
هنا ظهرت فرحة البحترى فأشار إلى ذلك في قصيدته، وكم هجا علي بن الجهم لأنه كان يسب علي بن أبي طالب، وكان المتوكل يحب ذلك. وقلنا في تعليقنا على المقطوعة رقم ٦٠ اليانية (الديوان ١٧٦) - وقد اختلف في أنه هجا بها مروان بن أبي حفصة، وذكرت بعض النسخ أنه هجا بها على بن الجهم. وتاريخ للك المقطوعة يرجع إلى ما بعد مقتل المتوكل أي إلى سنة حيث استطاع الشاعر في عهد المنتصر إلى إظهار تشيعه، وكان يكتم ذلك في عهد المتوكل. وله قصيدة أخرى رائية هجا بها علي بن الجهم لهذا السبب (المقطوعة ٤١٠ صفحة ١٠٣٨).
ومات المنتصر عام ٢٤٨ هـ: وخلفه المستعين ابن المعتصم أخو المتوكل فمدحه البحترى ولكنه لم يلبث أن هجاه. وقامت بين المستعين والمعتز ابن أخيه حروب انتهت بخلع المستعين عام ٢٥٢، لينهض بالأمر المعتز الذي كان الشاعر معه بقلبه منذ حياة أبيه، وكان المستعين قد حبسه هو وأخاه المؤيد مدة حكمه. وظل المعتز في الخلافة من أوائل عام ٢٥٢ حتى أواخر رجب عام ٢٥٥، والشاعر في بلاطه كما كان في بلاط أبيه، تحس في مدائحه له بصدق العاطفة وصفاء الشعور.
ويخلع المعتز ليبايع لابن عمه المهتدى محمد بن الواثق بالخلافة في أوائل شعبان سنة ٢٥٥، وما يكاد يبايع له حتى يحدث شغب، وتقوم خلال خلافته التي لم تزد على أحد عشر
стр. 1559
شهرا وبعض أيام، أحداث يشير إليها الشاعر في القصيدة ١٤٣ (الديوان ٣٦٩) التي مدح بها هذا الخليفة، فأما الشغب الذي حدث في أعقاب خلع المعتز فهو وثوب العامة بسليمان بن عبد الله ابن طاهر في بغداد، فكانت فتنة قتل فيها وغرق في دجلة وجرح آخرون ثم استقام الأمر بعد ذلك، وأما الأحداث التي أشار إليها الشاعر فهي قتل عبيدة العمروسى الشارى: قتله مساور بن عبد الحميد الشارى حين التقى معه به في جمادى الأولى سنة ٢٥٦ بالكحيل وكانا مختلفى الآراء، وقيام موسى بن بغا أمير الري بمحاربة مساور الشارى، ويشير مرة أخرى في القصيدة ٢٦٨ (الديوان ٦٧٤) التي مدحه بها إلى أحداث أخرى وقعت في العريش وفلسطين وقيام "مفلح" وهو قائد من قواد "الموالى" بمطاردة العصاة. وثمة قصيدة ثالثة قالها فيه هي رقم ٣٤١ (صفحة ٨٥٢)، وهو يشير في قصائده له إلى تقواه.
وتعود الخلافة بعد المهتدى إلى ابن من أبناء المتوكل هو المعتمد أحمد بن جعفر، ويظل في الخلافة من سنة ٢٥٦ إلى وفاته في سنة ٢٧٩ هـ أي ثلاثًا وعشرين سنة كان فيها كالمحجور عليه من أخيه الموفق الذي ولاه المعتمد أمور الناس ليفرغ هو إلى لذاته، فقوى أمر الموفق، كما قوى أمر ابن الموفق الذي تولى الخلافة بعد عمه المعتمد وتسمى باسم "المعتضد".
وقد سجل البحترى أحداث هذا العهد من حروب قام بها الموفق مع الزنج، وامتدت رقعة صلاته برجال الحكم في عهد المعتمد من وزراء وكتاب.
وضاقت به الحياة في بغداد على الرغم مما هو فيه من جاه يغبطه عليه آخرون, ويوغرون عليه الصدور، وأصبح حنينه إلى وطنه يشتد ويقوى عما كان عليه في عهد المعتز حين خاطبه بالقصيدة ٥٧٦ (الديوان ١٤٧٩ - ١٤٨٤) وسأله أن يسمح له بزيارة لا تستغرق أكثر من شهرين يطلع فيها على شؤون ضيعته بالشام التي أصبحت في حكم الضياع كاسمها من إهماله لها فيرم خلتها، فحقق له
стр. 1560
المعتز هذا الرجاء وقدم له من الهدايا ما حمل على "عشر من البرد" كما قال في قصيدته رقم ٥٩٥ (صفحة ١٥٣٤ - ١٥٣٨)، ثم زار موطنه الشام مرة أخرى خلال عام ٢٥٦ هـ وهناك قال قصيدته ٥٩٣ (الديوان ١٥٢٩) التي هجا بها أحمد بن طولون إرضاء لأحمد بن المدبر أخي إبراهيم بن المدبر ممدوحيه - ولكنه في عهد المعتمد، وبخاصة خلال تولى أبي الصقر إسماعيل بن بلبل وزير المعتمد، نراه يشتد به الضيق، ويستولى عليه السام من حياته في بغداد، ونحس من خلال إلحاحه على هذا الوزير بأن يسمح له بالرحيل إلى وطنه أنه كان كالمقيد في حريته، المحددة إقامته، فيقول له في البيت الأخير من القصيدة ٣٦٢ (صفحة ٩٨٦):
وأعتقت الرقاب، فمر بعتقى ... إلى بلدى، وأنت به جدير!
ويخاطبه أيضًا في البيت الأخير من القصيدة ٣٦١ (صفحة ٩١٢) بقوله:
وسواى الغداة تحدى مطايا ... هـ إلى منبج، وترحل عيره
كل هذا يتردد في أعماق نفس الشاعر في زمن استطعنا تحديده بعام ٢٦٩ هـ وكان أحمد بن طولون في ذلك الوقت في الشام حيث دخلت في حوزته سنة ٢٦٤ بلاد الشام والثغور واتسع ملكه حتى انتهى إلى الفرات، واقتصرت مملكة بنى العباس على العراق والجزيرة الفراتية حتى أنه أغرى الخليفة المعتمد بأن يهرب من سيطرة أخيه الموفق ويذهب إليه، وهم بالفعل، ولكنه أعيد إلى بغداد. في ذلك الحين كتب البحترى قصيدة إلى أحمد ابن طولون تفيض بالحسرة والندم على هجرته عن وطنه (القصيدة ٣٩ البائية صفحة) وفيها يقول:
فأصبحت في بغداد، لا الظل واسع ... ولا العيش غض في غضارته رطب
أأمدح عمال الطساسيج راغبا ... إليهم، ولى بالشام مستمتع رغب
وظلت سنتا ٢٦٩, ٢٧٠ سنتى الحنين وتحين الفرصة للانطلاق من هذا العذاب النفسى، ثم نراه متجهًا نحو إيوان كسرى - وهو على مسافة ٣٠
стр. 1561
كيلو مترا من بغداد جنوبا، ويعرف الآن باسم "طاق كسرى" وتسمى الناحية التي بها "ناحية سلمان باك" باسم الصحابى سلمان الفارسى. وكان الإيوان لم يزل قائما حتى أيام المكتفى في حدود سنة ٢٩٠ هـ. ويقف البحترى أمام هذا الإيوان وقفة الشاعر صاحب الحس المرهف فيراه ثابتا على الزمن، جلدا على الأحداث، فتنعكس صورة حياته على الإيوان، وتنعكس صورة الإيوان على نفسه. وتتألف الصورتان، وينظر إلى ما في نفسه من تزعزع، فيتماسك كما يتماسك أمامه هذا القصر على رغم ما مر به من أحداث وأزمان، ويرى في أعماق نفسه أنه يجب ألا يقل في تماسكه عن هذا الجماد. وتنطلق انفعالاته النفسية من مكمنها، فهو يصور أحزانه وآلامه وضيقه بالغربة في سبيل العيش. ثم يطابق بينه وبين هذا القصر الذي خلا من كل ما كان يجرى فيه من مباهج الحياة متجردا من بسط الديباج ومن ستور الدمقس، فيجد صورة حياته هو وقد رحل عن جاه عريض ومجد طال أمده في رحاب خلفاء العصر ووزرائه في بغداد. صورتان متماثلتان: جماد يتماسك على الزمن، وإنسان كاد أن يتهاوى، ولكنه يتماسك حين زعزعه الدهر التماسا لتعسه ونكسه.
هذه الصورة هي بذاتها الصورة التي عكسها علينا الشاعر في صباه في قصيدته عن "الذئب" (القصيدة رقم ٢٨٩) التي طابق فيها بينه وبين الذئب الذي طرقه جائعًا وهو يضرب في مجاهل الصحراء. كلاهما يضرب على غير هدى، وكاوهما جائع، عوامل الشر وعوامل الخوف تنتاب كلا منهما. وغريزة حب البقاء تستولى على كل منهما بالصورة التي تتفق مع لون دفاعه.
والقصيدتان صورتان من أروع ما حفظ لنا تراثنا الخالد وقصيدة الإيوان قد رأى بعض المحققين أن البحترى نظمها عقب مقتل المتوكل مباشرة. والحقيقة غير ذلك، فقد أثبتنا أنها نظمت بعد هذا الحادث بثلاث وعشرين سنة. أي حوالي سنة ٢٧٠ هـ، فإن البحترى لم يتجه إلى إيوان كسرى عقب مقلر المتوكل بل اتجه إلى الحجاز فحج كما ذكرنا ذلك من قبل.
стр. 1562
وقد بنينا تقديرنا لهذا التاريخ على ذكر "الإيوان" في شعر البحترى فوجدنا أنه وارد في قصائده التي حددنا لها تاريخا هو سنة ٢٧١ هـ أي بعد مروره بالإيوان مباشرة، فهو يقول في مدح ابن ثوابة في البيت ١٩ من القصيدة رقم ٥٠ (الديوان ١٤٥ طبعتنا):
قد مدحنا إيوان كسرى وجئنا ... نستثيب النعمى من ابن ثوابهْ
ويقول في القصيدة ٨٦٣ (صفحة ٢٢٩٤ - ٢٢٩٩٩:
زورة قُيِّضت لإيوان كسرى ... لم يُردها كسرى ولا إيوانه
ونراه قد اتصل برجال الحكم الطولونى فمدح من مدح، وهجا من هجا. ويبدو أن المقام لم يطب له في وطنه الشام، فنجده يبعث إلى أبي العباس بن المبرد بقصيدته الجيمية (القصيدة ١٦٧ صفحة ٤١٥) يمدح فيها أبا الصقر إسماعيل بن بلبل، ويسخر من أن الأيام ألجأته إلى أن يخاطب والى منبج بلقب "الأمير": وقد حددنا سنة ٢٧٥ تاريخا لهذه القصيدة، ونجد له قصائد أخرى في أبي الصقر حددنا لها سنة ٢٧٧ تاريخا لنظمها.
ونرى الصولى يروى لنا في أخبار البحترى أنه كان يجتمع بالمبرد سنة ٢٧٦ عند عبد الله بن الحسين القطربلى بداره بالخلد، وهي محلة على شاطئ دجلة.
على أننا نجد خبرا يرويه المرزبانى في "الموشح" (٣٤٢) يقول: "حدثني أحمد بن محمدين زياد قال: سألت أبا الغوث عن السبب في خروج أبيه عن بغداد، فقال لي: كان أبي قد قال في قصيدته التي رثى فيها أبا عيسى العلاء بن صاعد أبياتا وجد بها بعض أعدائه عليه مقالا، فشنع عليه أنه ثنوى، ودارت في الناس، وكانت العامة حينئذ غالبة ببغداد. فخافهم على نفسه. فقال لي: قم بنا يابنى حتى نطفئ عنا هذه الثائرة بخرجة نلم فيها ببلدنا، ونعود! قال: فخرجنا، وأقام فلم يعد". وهذه الأبيات تضمها قصيدة من حرف القاف لم يسبق نشرها في طبعات الديوان السابقة وهي القصيدة ٦٠٥ (الديوان
стр. 1563
١٥٥٢ - ١٥٥٤). ومعروف أن وفاة العلاءبن صاعد كانت سنة ٢٧٢ في الحبس، وقد حددنا للقصيدة سنة ٢٧٣ هـ.
ونحن في حيرة من هذا الخبر حين نرى أن الرجل رحل إلى بلده ولم يرجع في الوقت الذي نجد خبر المرزبانى أنه يجتمع مع المبرد سنة ٢٧٦ في دار القطربلى على شاطئ دجلة. فهل كان الرثاء متأخرا كثيرا عن سنة ٢٧٣ هـ التي حددناها تاريخا له؟ كما حدث عندما رثى أبا تمام الطائى المتوفى سنة ٢٣١ بأبيات رثى فيها دعبل بن علي الخزاعى المتوفى سنة ٢٤٦ (المقطوعة ٦٨٥ صفحة وهي مقطوعة لم يسبق نشرها في الطبعات السابقة، وردت في بعض مخطوطات الديوان كما رواها الصولى في "أخبار أبي تمام" (٢٧٤) وذكرتها مراجع أخرى كالموازنة ووفيات الأعيان والنجوم الزاهرة ومرآة الجنان وهبة الأيام وغير ذلك مما أثبتناه في تحقيقنا.
ولكننا نجده قبل موته بسنوات أربع - أي في سنة ٢٨٠ - يمدح رجال خمارويه بن أحمد بن طولون، ونجد قصائده في هذه الفترة قد بدات تتضاءل، وبدأ بريقها يخبو، وصفاؤها يتلاشى، وبدأ الوهن يسرى من جسده إلى نفسه، والشيب الغامر يتسرب من شعره إلى شعره، والمرارة في نفسه تملأ كيانه وتزعزع وجدانه. فهو في قصيدته ١٣٧ (الديوان ٣٥٥) التي قالها في جعفر بن عبد الغفار كاتب أحمد بن طولون يقول في لوعة وحسرة وإحساس بغربة الروح:
أنا بالشام، موطنى، غير أنى ... بعد عهد العراق فيها غريب
ويبدأ شعره يقل. فلم نجد له في سنة ٢٨٠ إلَّا هذه القصيدة والقصيدة ٤٦٦ (الديوان ١١٤٤) وهي قصيدة سينية هجا فيها قوما من أهل بلده. وفي سنة ٢٧١ نجد قصيدة واحدة هي القصيدة اللامية رقم ٧٢٢ (الديوان ١٨٧٨ - ١٨٨٠) التي مدح بها طغج بن جف مولى خمارويه. وهي قصيدة لم يسبق نشرها في الطبعات السابقة.
وفي سنة ٢٨٢ نجد مقطوعة من أربعة أبيات هجا بها رجلا من رجال
стр. 1564
خمارويه يقال له ابن أبي زنبور هي المقطوعة رقم ١٩٩ (صفحة ٤٧٨) صفحة قصيدة رقم ٤٢٣ (صفحة ١٠٧٧) التي مدح بها إسحاق بن نصير العبادى وكان كاتبا لخمارويه أيضًا.
ثم تسكن القيثارة التي عرفت ستين عاما، وهزت مشاعر العروبة لتنطلق أصداؤها في رحاب الزمان، ويسكن بعدها بعامين هذا الجسد الذي طوف بالبلاد يحمل هذه القيثارة العذبة.
أما ولده فليس اسمه "ثابت" كما ذكر الأستاذ مركوليوث، ولكنه "يحيى" سماه باسم جده. ويكنى أبا الغوث. ترجم له المرزبانى في معجم الشعراء، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد.
وقد ذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان أن للبحترى حفيدين من ولده يحيى هما عبيد الله، وأخوه أبو عبادة اللذان مدحهما المتنبي في قصائده، وكانا رئيسين في زمانهما. وقد ضم ديوان المتنبي القصيدتين: واحدة من قافية الدال. والأخرى من قافية الكاف.
أما ما ذكره أبو الفرج مما رواه جحظة عن أن البحترى ألقى قصيدة في حضرة المتوكل فضجر منه لأنه كان من أبغض الناس إنشادا يتشادق ويتزاور في مشيه مرة جانبا ومرة القهقرى ويهز رأسه مرة ومنكبيه أخرى ويشير بكمه ويقف عند كل بيت ويقول: أحسنت والله، ثم يقبل على المستمعين فيقول: مالكم لا تقولون أحسنت؟ هذا والله مالا يحسن أحد أن يقول مثله - هذه الصورة المشوهة لهذا الرجل لا نشك في أنها صادرة عن نفس تحمل للرجل حقدًا، ولو صحت لما حظى عند سبعة خلفاء ونائب خليفة وطائفة كبيرة من وزراء وكتاب وقواد هذه الحظوة التي نالها حتى كان من ندماء المتوكل - الذي قيل إنه ضجر منه - ولا تعدو حادثة تحريض المتوكل للصيمرى على هجوه في مجلسه عن أن يكون هذرا من ملك مخمور في جلسة عابثة مع حاشية منافقة تريد التقريب إلى قلب الملك في ساعة خماره لتشفى غلا كامنا في نفوسها نحو الشاعر المقرب إلى هذا الملك، وهي حاسدة له.
وحسبنا أن نذكر أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قد هاجم البحترى لأنه أحس في قصيدة وجهها البحترى
стр. 1565
إلى أبي العباس أحمد بن محمد ابن بسطام الذي كان يجتمع عنده الشاعران - تعريضا به فاندفع يهاجم البحترى ورد عليه البحترى بقصيدة. وقد كشفنا عن الأيدى الخفية وراء هذه المعركة في الكلمة التي ختمنا بها شعر البحترى في الجزء الرابع من ديوانه (٢٤٦٥ - ٢٤٩٣) فانكشف أن أصابع ابن الرومى كانت تؤجج نار هذه المعركة.
هذا هو الشاعر الذي قال ابن الأثير في كتابه "المثل السائر" وهو يتحدث عنه: "وسئل أبوالطيب المتنبي عنه. وعن أبي تمام، وعن نفسه، فقال: أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحترى، ولعمرى إنه أنصف في حكمه. وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه: فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء، في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء. فأدرك بذلك بعد المرام، مع قرابة إلى الأفهام، وما أقول إلَّا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية، ورقى في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية".
وقال الثعالبى في كتابه "برد الأكباد" إن أبا القاسم الإسكافى قال: "استظهارى على البلاغة بثلاثة: القرآن، وكلام الجاحظ، وشعر البحترى". ودكر في كتابه "ثمار القلوب" أنه يضرب به المثل فيقال: "طبع البحترى" لأن الإجماع واقع على أنه في الشعر أطبع المحدثين والمولدين، وأن كلامه يجمع الجزالة والحلاوة والفصاحة والسلاسة. ويقال: إن شعره كتابة معقودة بالقوافى.
على أن ديوانه لم يظفر - على قوة شاعريته - بما ظفر به ديوان أبي تمام عند الأقدمين من كثرة الجمع والشرح والتعليق، ولكن ياقوتا الحموى قد قال في ترجمته لأبي جعفر محمد بن إسحاق الزوزنى البحاثى المتوفى سنة ٤٦٣ هـ بغزنة (من مدن أفغانستان الآن): "ولم أر من تصانيف البحاثى هذا شيئًا إلَّا شرح ديوان البحترى، ولعمرى إن هذا شيء ابتكره، فإني ما رأيت هذا الديوان مشروحا. ولا تعرض له أحد من أهل العلم، ولاسمعت أحدا قال: إني رأيت ديوان أبي عبادة البحترى مشروحا. وتأملته فرأيته قد ملئ علما، وحشى فهما، وذاك أن
стр. 1566
شروح الدواوين المعروفة كأبى تمام والمتنبي وغيرهما تساعدت القرائح عليها وترافدت الهمم إليها، وما أدرى له فيما اعتمده من شرح هذا الكتاب عمدة إلَّا أن يكون كتاب عبث الوليد للمعرى، وكتاب الموازنة للآمدى لا غير".
وذكر ياقوت أيضًا في ترجمة الآمدى من بين مؤلفاته بعد ذكر كتاب "الموازنة" أن له كتابًا عنوانه "معاني شعر البحترى"، وكذلك ذكر هذا ابن النديم في الفهرست والسيوطى في بغية الوعاة.
وقال ياقوت سورة ثالثة في ترجمة أبي حكيم عبد الله بن إبراهيم الخبرى - نسبة إلى "الخبر" من قرى شيراز بفارس - والمتو في سنة ٤٧٦ هـ إنه شرح الحماسة وديوان البحترى وعدة دواوين أخرى. وذكر ذلك السيوطي وابن مكتوم أيضًا.
وقال سورة رابعة في ترجمة علي بن زيد البيهقي المتوفى سنة ٥٦٥ هـ أن له "كتاب شرح شعر البحترى وأبي تمام" مجلد.
ولكننا لم نظفر بشيء من شروح الآمدى والبحاثى والخبرى وابن زيد البيهقي.
أما كتاب "عبث الوليد" الذي وضعه أبو العلاء المعرى، فليس شرحا وافيا لكل قصائد الديوان، ولكنه اختار بعض القصائد، واختار أبياتا من هذا البعض فعلق عليها، وقد أثبت في تعليقاته ما أصلحه من الغلط الذي وجد في النسخة التي قرئت عليه وكان مكتوبا في آخرها أنها بخط ظفر بن عبد الله العجلي. وقال: "ولم يمكن إثبات جميع الأغلاط لأن أكثرها غير مخل". وكان لكتاب "عبث الوليد" الفضل في توجيهنا نحو البحث عن شعر البحترى الذي لم ينشر في طبعات ديوانه السابقة.
وذكر ابن النديم في كتاب "الفهرست" أن للخالدين أبي بكر وأبي عثمان "كتاب اختيار شعر البحترى" ولا نعرف مصير هذا الكتاب وقد نشر الأستاذ عبد العزيز الميمنى الراجكوتى في (مجموعة الطرائف الأدبية) سنة ١٩٧٣ لعبد القاهر الجرجانى اختياره من دواوين أبي الطيب المتنبي
стр. 1567
والبحترى وأبي تمام. وهذا الاختيار يقوم على اختيار بعض أبيات من بعض قصائد هؤلاء الشعراء. وذكر فيما اختاره من شعر البحترى أبياتا من قصائده المفقودة التي لم يسبق نشرها في طبعات ديوانه السابقة.
كذلك وقع لنا اختيار آخر في كتاب مخطوط اسمه "السفينة" لابن مباركشاه المصري المتوفى سنة ٨٦٢, وقد وردت في هذا الاختيار أبيات من القصائد المفقودة أيضًا.
وقد انتفعنا بهذين الاختيارين في التحقيق.
أما الطبعات الثلاث التي سبقت طبعتنا فهي: الأولى: طبعت بمطبعة الجوائب بالآستانة سنة ١٣٠٠ هـ (١٨٨٢ م) في جزءين، الأول عدد صفحاته ٢٥٩، والثاني عدد صفحاته ٢٦٠ وبلغ عدد قصائدها ٥٦٠ قصيدة ومقطوعة تضم ١١٩٨٩ بيتًا.
وقد طبعت على المخطوطة المحفوظة بمكتبة كويريلى بالآستالنة برقم ١٢٥٢ وهي بخط علي بن عبيد الله الشيرازى. كتبها بمدينة تبريز سنة ٤٢٤ هـ ولكن هذه الطبعة غير مضبوطة بالشكل ولم تظفر بعناية في التصحيح فجاءت مليئة بالأخطاء والتصحيف والتحريف, على الرغم من أن المخطوطة التي نقلت عنها مضبوطة تمام الضبط، دقيقة خالية إلَّا في النادر من التصحيف، ولم ترتب على حروف المعجم، ولكنها رتبت بأسماء الأشخاص الذين وجهت إليهم القصائد، ثم اختلفت بعد ذلك عن مسارها الأول.
الثانية: طبعت في بيروت في المطبعة الأدبية سنة ١٩١١ وهي مضبوطة بالشكل الكامل، وعلق حواشيها الشيخ رشيد عطية، وهي في جزءين عدد صفحاتهما ٧٩٩ منقولة عن طبعة الجوائب، إلَّا أن ناشرها تصرف فيها بحذف بعض المقطوعات والأبيات التي رأى أنها منافية للآداب - وقد أخذت عليه ذللُ في حينه مجلة "المقتبس" - وبلغ عدد قصائدها ٥٤٠ قصيدة ومقطوعة تضم ١١٥٨٥ بيتا. وهي كطبعة الجوائب في ترتيب القصائد.
وشرح ناشرها بعض ألفاظها، ولكنه كان يبعد في الشرح عن المعنى الذي رمى إليه الشاعر، أو تغمض عليه أسماء
стр. 1568
بعض الرجال مثل "سيما الطويل الذي كان حاكما أنطاكية فضبطه "سيما الطويل" كمضاف ومضاف إليه، وقال إن "سيما: شارة ومخيلة وعلامة". كما فسر "الخابور" - وهو نهر الخابور - بأنه شجر. وغير ذلك.
الثالثة: طبعت في القاهرة بمطبعة هندية بالموسكى سنة ١٣٢٩ هـ (١٩١١ م) وجاء في صفحتها الأولى أنها منقولة عن نسخة مشكولة قديمة كتبت في سنة ٤٢٤ هـ بخط علي بن عبد الله الشيرازى (أي هي المخطوطة التي نشرت على أساسها طبعة الجوائب). ولكنها تختلف عن تلك الطبعة من حيث ترتيب القصائد. فقد جاء كذلك في صنفحتها الأولى أنها "مرتبة على حروف الهجاء"، وأنها "قوبلت على نسخة خطية بالكتبخانة الخديوية"، ولم يذكر رقم هذه المخطوطة التي قوبلت عليها، وذكر على هذه الصفحة أن الذي وقف على طبعها وضبطها وتصحيحها الشيخ عبد الرحمن البرقوقى. ومن المقدمة التي ألحقت بهذه الطبعة تبين لنا أنها روجعت على مخطوطة محفوظة بدار الكتب برقم (٢٧ م) وهي مخطوطة سقيمة مشحونة بالتحريف والتصحيف. ومع ذلك أخلَّت هدْه الطبعة ببعض المقطوعات التي وردت في المخطوطتين.
وهذه الطبعة محرفة كذلك وليست مضبوطة بالشكل ولا مذيلة بأقل تفسير. وقد نقصت منها بعض قصائد موجودة في الطبعتين السابقتين ولكنها زادت عليها بعض قصائد أخرى.
وبلغ عدد قصائد هذه الطبعة ٦١٠ قصيدة ومقطوعة تضم ١٢٣٠٣ أبيات.
طبعتنا: أما طبعتنا فقد رجعنا في تحقيقها إلى خمس عشرة نسخة مخطوطة صورناها من باريس، والآستانة، وهال (ليبزج)، وميونخ بألمانيا، والمدينة المنورة، والقاهرة، وهذه المخطوطات يختلف بعضها عن بعض في النقص أو الزيادة في عدد القصائد وعدد الأبيات، بل في ترتيب الأبيات كذلك، وأحيانا في مناسبة القصيدة. وقد اخترنا من هذه المخطوطات واحدة جعلناها أُمًا، وأخذنا بترتيبها.
стр. 1569
وهذه النسخة التي اخترناها هي المخطوطة المحفوظة بالمكتبة الأهلية في باريس برقم ٣٠٦٨. وهي أقدم مخطوطة وقعت لنا من الطبعة التي رتبت فيها القصائد على حروف المعجم إذ يرجع تاريخها إلى سنة ٦١٠ هـ كتبها بمدينة الموصل علي بن محمد بن أبي القاسم في جزءين، ضاع من آخر الجزء الأول بعض الأوراق التي تضم قصيدة على قافية السين لم يسبق نشرها فأوردت منها ٤٤ بيتا أكملنا بقيتها من مخطوطتين أخريين حتى بلغت ٨٤ بيتا إلى جانب أربع قصائد ومقطوعات من هذه القافية ضاعت من هذه المخطوطة في الأوراق المفقودة، ثم يبدأ الجزء الثاني منها بقافية الصاد.
وهذه المخطوطة تشترك مع بعض المخطوطات الأخرى التي رجعنا إليها في إثبات الكثير من شعر البحترى الذي لم يرد في مخطوطة كوبريلى وفي طبعات الديوان السابقة. وهو الشعر الذي أشار أبو العلاء المعرى إلى مطالع كثير من قصائده في كتابه "عبث الوليد" ولكن هذه المخطوطة نقص منها عدد من القصائد التي أثبتناها في طبعتنا عن مخطوطات أخرى تليها في التاريخ، كما أن بعض قصائدها كانت تنقص أبياتا أو كلمات من بعض الأبيات فأكملناها من غيرها.
وقد بلغ عدد قصائد هذه المخطوطة الأم ٨٣٥ قصيدة ومقطوعة، أضفنا إليها من المخطوطات الأخرى ٩٨ قصيدة ومقطوعة. وانفردت هي عن المخطوطات الأخرى بسبع وعشرين، اشتركت أخت لها في أربع عشرة منها. وقسمنا المخطوطات الخمس عشرة التي رجعنا إليها إلى أربع مجموعات:
١ - مجموعة رتبت فيها القصائد على الأشخاص، وعلى رأس هذه المجموعة مخطوطة كوبريلى، تتبعها سبع أخوات.
٢ - مجموعة مرتبة على حروف المعجم، على رأسها مخطوطة باريس التي اتخذناها الأم، وتسير في ركابها مخطوطة صورناها من ميونخ ولكنها غير كاملة، ثم مخطوطتان من دار الكتب بالقاهرة تختلفان أحيانا عنها في ترتيب قصائد كل قافية، وتتفقان أحيانا.
стр. 1570
٣ - مجموعة رتبت قصائدها على أبواب، كل باب في غرض بعينه كالمديح أو الفخر أو الرثاء، إلى آخر هذه الأبواب، وهما مخطوطتان إحداهما محفوظة بمكتبة الأستاذ الدكتور محمد صبرى تاريخها سنة ١٠٣٠ تفضل فأعارنيها. ويبلغ عدد قصائدها ٤٥٧، منها ٣٩ لم ترد في المخطوطات السابقة، والأخرى محفوظة بدار الكتب تاريخها ١٢٩٦ هـ.
٤ - مجموعة جمعت بين ترتيب نسختى الأبواب في ترتيبها في أولها. واختلفت عنها بعد ذلك في بعض قصائد متفرقة لا ترتبط بقافية أو غرض، ثم اتبعت في قسمها الأخير نظام الترتيب على القوافى. وهذه المجموعة تمثلها نسخة وحيدة حديثة محفوظة بمكتبة المستشرقين الألمان بمدينة هال (ليبزج) بألمانيا برقم ١٠١، وعدد أوراقها ٢٢٢. وكان المستشرق الكبير الأستاذ الدكتور كارل بروكلمان قد كتب إلى في سنة ١٩٥١ رسالة يذكر لي فيها أنه وجد نسخة في جمعية المستشرقين الألمان وهي من تركة الأستاذ سوسن SOCIN، وأنها حديثة ولا تاريخ لها ولا إشارة إلى أصلها. وقال في رسالته إنه قابلها على طبعتى الديوان - طبعة الجوائب وطبعة مصر - فوجد فيها كثيرا من الأشعار غير الموجودة في الطبعتين، وأنها مرتبه ترتيبا غير ترتيب أصل الطبعتين، وشاء فضله إلَّا أن يفهرسها لي ذاكرا مطالع القصائد والقطوعات التي لم ترد في المطبوع وعدد أبيات كل منها. وبعد سنوات تفضل على المستشرق الألمانى الأستاذ الدكتور يوهان فوك. Johann W Fuck فبحث عن هذه المخطوطة ثم أرسل إلي فيلما مصورا لها.
وهذه المخطوطة تضم ٣٤١ قصيدة ومقطوعة، انفردت بست عشرة قصيدة لم ترد في المخطوطات الأخرى.
وعلى هذه المجموعات الأربع سرنا في تحقيقنا للطبعة التي نشرتها "دار المعارف" في أربعة مجلدات، والخامس يعد للطبع متضمنا بعض مانسب للشاعر مما لم يرد في المخطوطات، ثم الفهارس.
ولقد بلغ عدد القصائد التي تضمها الطبعة التي حققناها ٩٣٣ قصيدة
стр. 1571
ومقطوعة تضم ١٥٩٥ بيتا، أي بزيادة ٣٧٢ قصيدة ومقطوعة عن طبعة الجوائب و ٣٩٣ عن طبعة بيروت، و ٣٢٣ عن طبعة مصر.
أما من حيث عدد الأبيات فإن الزيادة في طبعتنا بلغت كالآتى: ٣٩٦١ عن طبعة الآستانة (الجوائب). و ٤٣٦٥ عن طبعة بيروت، و ٣٦٤٧ عن طبعة مصر.
هذا غير الملحق الذي ضم طائفة كبيرة من الأبيات نسبت للبحترى في عدد من كتب الأدب، ولكننا لم نجدها في مخطوطات الديوان، فأثبتناها وفاء لواجب الأمانة العلمية، وإن كنا نشك في نسبة الكثير منها إلى البحترى.
وكان منهجنا في تحقيق الديوان منحصرا فيما يلي:
١ - مراجعة نصوص المخطوطات جميعها في كل بيت من أبيات القصيدة، ومقابلتها بعضها ببعض، ثم إثبات ما تتفق عليه أغلبية النسخ إذا كان نص المخطوطة الأم بعيدا عن طبع البحترى.
٢ - إثبات ما فات النسخة الأم من أبيات في مواضعها.
٣ - الإشارة أيضًا إلى الاختلاف في روايات النسخ.
٤ - تركنا بعض الأبيات التي انفردت بها بعض المخطوطات وتعذر علينا تقويمها أو تبين وجهها الصحيح على حالها، معقبين في الحواشى على ما نرى وجه الصواب فيه حتى لا نتحكم في وجه قد يكون بعيدا عن تقديرنا.
٥ - أضفنا في نهاية كل قافية ما ورد من قصائد أو مقطوعات في المخطوطات الأخرى مما لم يرد في النسخة الأم، وراعينا في إثبات ذلك أقدمية كل مخطوطة.
ثم أتبعنا اختلاف الروايات في الحواشى بشرح الكلمات أو توضيح المعنى إذا وجدنا ما يدعو إلى ذلك، ثم شرح الحادث التاريخي الذي يشير إليه البيت، والتعريف بالأعلام والأمم والقبائل والعقائد والمذاهب والملل والنحل وما يتصل بها من مراسم وأزياء، والأعياد والأيام المشهورة والوقائع والحروب وما يتصل بها من سلاح وأدوات والمواضع من بلدان وأنهار وجبال وآثار وما يشبه ذلك، ثم
стр. 1572
ما يتصل بالإنسان في حياته الاجتماعية من وظائفه ومجالس علمه وأنسه ولهوه وشرابه وزينته ولباسه، ومايصيبه من آفات وعلل, ثم كل ما يتصل بالظواهر الطبيعية في الأرض والسماء والحيوان والطير والزهر والمعادن والأحجار وما يتعلق بهذا كله. وأشرنا إلى ما ضمنه البحترى شعره من آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأبيات شعر وحكم وأمثال.
ثم أتبعنا ذلك جميعه بسرد تاريخي لنصوص أبيات البحترى في كتب الأدب المختلفة حسب أقدمية كل كتاب ليكون من ذلك موكب تاريخي للبيت وروايته على مر العصور.
وقدمنا حواشى القصائد بذكر موضع كل قصيدة من الطبعات الثلاث السابقات وبيان ما في كل منها من نقص مشيرين إلى المخطوطات التي روتها، ومعقبين ذلك بالترجمة للشخصية التي وجهت إليها القصيدة.
وحاولنا في تحقيقنا أن نحدد لكل قصيدة تاريخها، مستقرين ذلك من واقع الحوادث التي يشير إليها الشاعر، وقد يتفق أن يذكر حوادث قديمة اشترك فيها الممدوح في حين أن القصيدة لا ترجع إلى تاريخ تلك الحوادث، فنحاول التعمق في حياة الممدوح وصلة الشاعر به لنصل إلى التاريخ الحقيقي للقصيدة. وفي أحيان أخرى كنا نجعل ألفاظ الشاعر التي يستعملها ويتردد ورودها على لسانه وتراود خاطره في حقبة من الزمن أساسا يرتكز عليه تحقيق هذا التايخ، وبلغ عدد ما لم نستطع تحديد تاريخ قاطع له حوالي ٥٠ قصيدة من ٩٣٣.
أما كتاب "الحماسة" الذي اختاره من أشعار العرب للفتح بن خاقان معارضة لكتاب "الحماسة" الذي ألفه أبو تمام حبيب بن أوس، رواية أبي العباس أحمد بن محمد المعروف بابن أبي خالد الأحول عن أبيه عن البحترى، كما ورد في المخطوطة الوحيدة لهذا الكتاب المحفوظة بمكتبة كلية ليدن، فقد ذكره ياقوت في معجم الأدباء، وابن النديم في الفهرست وابن خلكان في وفيات الأعيان.
إلَّا أن البغدادي عبد القادر بن عمر قد شك في أن للبحترى حماسة فقال
стр. 1573
في "خزانة الأدب" (٣: ٥٩١ بولاق) وهو يذكر الشاهد السادس والخمسين بعد الستمائة - وهو بيت اختلف في نسبته - فقال: "قال العينى: البيت للنابغة الذبيانى، وقيل للنابغة الجعدى. والأصح أن قائله قيس بن الخطيم ذكره البحترى في حماسته". فعقب البغدادي على ذلك بقوله: "ولم نسمع أن للبحترى حماسة".
على أننا قد وجدنا البيت الذي قال العينى إنه في حماسة البحترى منسوب إلى قيس بن الخطيم، منسوبا فيها - في الباب السابع والعشرين بعد المائة - إلى عبد الله بن معاوية، وهو بهذه النسبة أيضًا في "مجموعة المعاني" التي لم يعرف مؤلفها، وهي مجموعة انتفعت بمختارات حماسة البحترى في كثير من أبوابها، ووجدناها تسير حتى في ترتيب المختارات على نسق الحماسة.
ولقد نشرت حماسة البحترى لأول مرة مطبعة بريل في ليدن بالتصوير على المخطوطة الوحيدة المحفوظة بمكتبة الجامعة في ليدن (هولاندة). وقد وضع لها الأستاذان جاير ومركوليوث فهرسين: واحدا للشعراء والآخر للقوافى.
وفي سنة ١٩١٠ نقلها طباعة بالمطبعة الكاثوليكية ببيروت عن الطبعة المصورة الأب لويس شيخو اليسوعى. ولكن هذه الطبعة الجديدة لم تميز بين ما هو مكتوب على جوانب الصفحات بخطوط مغايرة للأصل من عمل من تملكوها فأضافت ذلك إلى متن الحماسة، كما سقطت منها بعض المقطوعات الواردة في المتن، وسقطت أبيات من بعض المقطوعات علاوة على ما شابها من تحريف. ولم يتبين ناشرها أن في المخطوطة اضطرابا في ترقيم الأوراق فنشرها على علاتها حتى أن بعض المختارات جاءت في غير أبوابها، فأضيفت مثلًا أبيات للقتال الكلابى مضمونة اللام إلى أبيات للعباس بن مرداس.
ثم ظهرت لها طبعة أخرى سنة ١٩٢٩ نشرت في مصر عام ١٩٢٩, نقلها عن الأصل المصور وعلق عليها بعض حواش الأستاذ كمال مصطفى.
стр. 1574
ولكنه لم يتبين كذلك الاضطراب في أوراقها فوقعت طبعته في العيب الذي شاب طبعة شيخو - ولم يتنبه إليه أحد من قبل - واستدرك ناشر الطبعة المصرية بعض ما سقط من مقطوعات وأبيات في الطبعة البيروتية، ولكنه لم يستطع استيفاء ذلك كله، ولم ينف عنها الدخيل مما على جوانب الأصل المخطوط.
وقد قومنا هذا الاضطراب، وأعدنا ترتيب الصفحات، ورددنا المختارات إلى أبوابها الأصيلة، ونفينا عن الحماسة كل غريب أدخل عليها، وحققنا نسبة الأبيات إلى أصحابها وخرجناها وأوضحنا غريبها عندما تصدينا لتحقيقها.
وتتميز "حماسة البحترى" عن "حماسة أبي تمام" بالذوق الشاعرى الذي يتميز به البحترى عن غيره من رقة الشعور، ورهافة الحس، وصفاء الماء، وجلاء الرونق، حتى أنه إذا ما رجعنا إلى البيت أو الأبيات التي يختارها من قصيدة وجدنا أنها أجمل وأعذب وأروع ما في للك القصيدة.
وهي إلى جانب هذا التميز، تمتاز بكثرة الأبواب وتنوع الأغراض، وبالعدد الضخم من الشعراء والشواعر أصحاب هذه المختارات، وعدد المقطوعات التي تضمنتها.
إن حماسة أبي تمام لا تنطوى إلَّا على أحد عشر بابا تضم حوالي ٨٨٠ حماسية لقرابة ٤٣٠ شاعرا، في حين إن حماسة أبي تمام تنطوى على ١٧٤ بابا تضم ١٤٦٠ حماسية لأكثر من ستمائة شاعر. على أننا نجد الشاعرين أحيانا قد اختارا أبياتا بعينها.
أما ما ألفه الأقدمون عن البحترى فقد أحصينا ما ظهر منها ونشر، وما ذكرته بعض المصادر ولم يعرف مصيره:
١ - كتاب "الموازنة بين شعر أبي تمام والبحترى لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدى المتوفى سنة ٣٧٠ هـ، وقد نشرت له طبعات مختلفة في الآستانة وبيروت والقاهرة حتى قام الأستاذ السيد أحمد صقر فحقق جزءين نشرتهما دار المعارف سنة ١٩٦١ وسنة ١٩٦٥، وبقى قسم لم ينشر.
стр. 1575
٢ - وللآمدى كتاب آخر هو "معاني شعر البحترى" الذي أشرنا إليه من قبل، وهو مفقود.
٣ - كتاب "أخبار البحترى" لأبي بكر محمد بن يحيى الصولى المتوفى سنة ٣٢٥ هـ. وقد حققه الدكتور صالح الأشتر ونشر في مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق سنة ١٩٥٨.
٤ - وورد قسم تناول فيه الصولى شعر البحترى في كتابه "أخبار أبي تمام"، الذي حققه الأساتذة خليل عاسكر ومحمد عبده عزام ونظير الإسلام الهندى. ونشرته لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة عام ١٩٣٧.
٥ - كتاب "طيف الخيال" الذي ألفه الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوى العلوى المتوفى سنة ٤٣٦ هـ. وقمنا بتجقيقه. ونشرته الإدارة العامة للثقافة بوزارة الثقافة بالقاهرة سنة ١٩٦٢ بالاشتراك مع دار إحياء الكتب العربية. وقد تناول في قسم كبير منه ما ذكره البحترى في شعره عن الطيف.
٦ - كتاب "عبث الوليد" الذي ألفه أبو العلاء المعرى المتوفى سنة ٤٤٩, وقام بتصحيحه واتعليق عليه محمد عبد الله المدني، ونشر في دمشق سنة ١٩٣٦.
وقد قمنا بتحقيقه على ضوء تحقيقنا للديوان وللمخطوطات التي ذكرت كثيرا من الشعر المفقود للبحترى الذي أشار إليه أبو العلاء في تعليقاته.
٧ - كتاب "المختار من شعر المتنبي والبحترى وأبي تمام" الذي وضعه عبد القاهر الجرجانى وحققه الأستاذ عبد العزيز الميمنى ونشره في مجموعة "الطرائف الأدبية" بالقاهرة سنة ١٩٣٧.
٨ - كتاب "السفينة" لابن مباركشاه المصري المتوفى سنة ٨٦٢ حيث اختار فيه طائفة من شعر البحترى، منها عدد من مقطوعاته المفقودة، وهو مخطوط.
٩ - كتاب "اختيار شعر البحترى" للخالديين أبي بكر محمد بن هاشم وأبي عثمان سعيد بن هاشم ذكره ابن النديم. وهو مفقود.
١٠ - كتاب "شرح شعر البحترى" لأبي جعفر محمد بن إسحاق الزوزنى البحاتى المتوفى سنة ٤٦٣. ذكره ياقوت. وهو مفقود.
стр. 1576
١١ - كتاب "شرح شعر البحترى وأبي تمام" الذي ألفه علي بن زيد البيهقي المتوفى سنة ٥٦٥ هـ ذكره ياقوت، ولم يعثر عليه.
١٢ - كتاب "سرقات البحترى من أبي تمام " لأحمد بن أبي طاهر. ذكره ابن النديم وياقوت، وهو مفقود.
١٣ - كتاب "سرقات البحترى من أبي تمام" لأبي الضياء بشر بن يحيى بن علي القينى النصيبى. ذكره ابن النديم وياقوت، وهو مفقود أيضًا.
هذا هو البحترى، الشاعر الذي عرف بأنه أبرع من وصف الطيف، وأبدع من وصف الخيل، والذي فضله معاصروه على أبي تمام كما يقول ياقوت في ترجمته له.
حسن كامل الصيرفى
بحر القلزم
البحر الأحمر. لم يستعمل العرب الأسماء القديمة التي تطلق على البحر الأحمر في حين أنهم عرفوا الاسم العبرى لبحر البوص (يام سوف) وأطلقوه خطأ على البحر الأحمر كله، وهم يطلقون عليه غالبا اسم بحر القلزم نسبة لمدينة القلزم التي كانت معروفة قديما لاسم كليسما Clysma في أقصى الشمال من هذا البحر بالقرب من مدينة السويس. أما اسم بحر الحجاز فهو شائع الاستعمال ومذكور في "المحيط" التركى وفي المصورات الجغرافية الحديثة، على حين أن اسم بحر السويس لا يطلق إلَّا على خليج السويس. أما خليج العقبة فيسمى خليج أيلة وهو يعرف الآن باسم بحر العقبة, وقد طغت الرمال على مدينتى أيلة وقلزم شأنهما في ذلك شأن جميع الثغور في الأراضي الجبلية المرتفعة.
وتذهب الرواية الإسلامية إلى أن البحر المحيط الذي يحيط بالعالم يتفرع منه بحركبير في الشرق وبحر آخر كبير في الغرب. وهذان البحران
стр. 1577
يقتربان بعضهما من بعض أشد الاقتراب عند القلزم والفرما (برزخ السويس)، والقسم المتوغل جهة الغرب من البحر الشرقي المعروف أيضًا باسم البحر الصينى أو البحر الهندى هو بحر القلزم وحد هذا البحر جهة الشمال معلوم، أما جهة الجنوب فيحده بوغاز باب المندب، ويعد البعض أيضًا خليج عدن والخليج البربرى (نسبة إلى بربرا) نهاية لبحر القلزم وقد وصف معظم الجغرافيين البلاد التي على شاطئ هذا البحر ابتداء من باب المندب وكان بوغاز باب المندب الضيق باعثا لقيام أسطورة من الأساطير تذهب إلى أن البحر الأحمر كان في سالف الأزمان أرضا خصبة فجاء ملك وقدً الجبل القائم عند باب المندب بقصد إغراق بلاد العدو بوساطة قناة صغيرة تتصل بالمحيط الهندى، غير أن مياه المحيط بأجمعها اندفعت إلى داخل هذه الأراضي فكونت بذلك بحرًا مكان البلاد المزدهرة.
وقد ذكرت المعلومات الآتية فيما يختص باتساع هذا البحر: يقطع المسافر طول هذا البحر في ثلاثين مرحلة كما يبلغ عرضه في أوسع نواحيه مسيرة ثلاثة أيام، أي أن طوله ١٥٠٠ ميل وعرضه ٤٠٠ ميل (يذكر البعض أن عرضه ٩٠ ميلا) والصحيح هو أن طول هذا البحر من السويس حتى باب المندب ٢٢٤٠ كليو مترا كما يبلغ عرضه في أوسع نواحيه ٣٥٠ كيلومترا.
ولبحر القلزم شهرة سيئة عند العرب بسبب الزوابع والصخور التي به (الحواجز المرجانية) وخاصة في الجزء الشمالي منه، ولهذا السبب تتجنب السفن التجارية السير فيه. وكانوا يخشون) يضا الملاحة عند الطرف الجنوبي لشبه جزيرة سيفاء بسيب اصطفاق الرياح التي تهب من ناحية شعبتيه الشماليتين وخاصة بالقرب من جزائر تيران التي كثيرا ما تعرف في
стр. 1578
المصادر العربية باسم تاران، وهي عند مدخل خليج العقبة وعند جبال التي هي عين جبيلات أو جبيلان على مدخل خليج السويس, وهم يذكرون أن فرعون مصر وجيشه هلكوا في تلك المنطقة من بحر القلزم، وتلك هي القصة التي ورد ذكرها كثيرا في القرآن الكريم. ويذكر القلقشندى (ضوء الصبح, ص ٢٢٥) والعمرى (التعريف، ص ١٢٣) أن بحر البوص يسمى بركة الغرندل وهي عين سرندلة أو أرندرة المذكورة في كتب الحجاج المسيحيين. وبسبب العواصف في هذا البحر فإن السفن كانت ولا تزال تسير بالقرب من الشاطئ في النهار فإذا ما أرخى الليل سدوله ألقت مراسيها منزوية بين الحواجز المرجانية. ومع ذلك فقد كانت التجارة مزدهرة منذ عهد قديم في البحر الأحمر. وفي بداية العهد الإسلامي كانت هناك قناة تربط النيل بالقلزم، وكانت السفن المحملة بالغلال تجرى ما بين الفسطاط و"الجار" ثغر المدينة. وكانت السفن التي تنقل التجارة ما بين أوروبا والهند والتي كانت في أيدى اليهود. نقطع برزخ السويس ثم تتابع السير في البحر الأحمر دون أن تقف بالسواحل المصرية حتى تصل إلى الحجاز وجدة، ومن هناك تتابع السير إلى الهند والصين. وفي عهد ازدهار الخلافة العباسية كانت تجارة التوابل العظيمة تأخذ عادة طريق بغداد، ولكنها تحولت كذلك نحو وادي النيل نتيجة للمكانة الهامة التي أخذت تحتلها مصر. وكانت عدن أهم مرسى لهذه السفن، ومن هناك تبحر نحو موانى الحجاز ونحو القصير وميناء قوص المصري، ثم كانت تذهب بعد دلك طيلة عدة قرون إلى ميناء عيذاب. ولم تصبح لمدينة الطور التي في الشمال عند سفح جبل سيناء أهمية كبرى إلَّا منذ نهاية القرن الثامن الهجرى (الوابع عشر المياودى)، وأدت حركة الحجاج إلى قيام الصلات القوية بين القصير وعيذاب والطور وجدد من
стр. 1579
جهة أخرى كما أدت إلى قيام الصلات بين جدة والموانئ الجنوبية. ويظهر أن حركة الملاحة في النصف الجنوبي من البحر الأحمر كانت في جميع الأوقات أنشط منها في الجزء الشمالي منه وذلك، بسبب الحضارة القديمة للأقاليم التي على شواطئه وكذلك بسبب اعتدال الرياح في لك النصف الجنوبي، وربطت الصلات القديمة بصفة خاصة ما بين اليمن والحبشة. وكان باب المندب والمناطق بالقرب منه بمثابة معبر مشهور أمام الشعوب المختلفة.
وقد درس كلونزنكر klunzinger في كتابه Oberaegypten شعوب البحر الأحمر وحركة هذا البحر وسير السفن فيه ونشاط ثغوره وفي لغة الأهالى الذين يسكنون شواطئ هذا البحر عدد من الألفاظ المستعملة بين أهل الشاطئ الشرقي لإفريقية والتي تشبه اللغة المستعملة بين أهل المحيط الهندى وقد حاولوا بمختلف أنواع السحر لتجنب الأهوال التي تكتنف السفر في ذلك البحر، تلك الأهوال التي كثيرا ما وصفها الرحالة العرب. ونجد بعضها مذكورا في - Archiv Fuer Religions wissenschaj (جـ ١١, عام ١٩٠٨, ص ١٥٧ وما بعدها).
والأماكن التي على بحر القلزم والتي سنذكرها فيما بعد تصطبغ بالصبغة الأسطورية. وهم يقولون إن جبل المغناطيس جنوبي القلزم يجذب الحديد، ولذلك فإن السفن التي تبنى في تلك الجهة لا يدخل الحديد في بنائها، وإن جزيرة الجساسة أو الجاسة عبارة عن حيوان يتلقط الأخبار بقصد إبلاغها إلى الدجال. ويتحدثون أيضًا عن الأسماك التي يبلغ طول الواحدة منها أكثر من مائتى ذراع والأسماك التي تشبه رءوسها رأس البومة وغير ذلك من الحيوانات البحرية العجيبة. وأساس هذه الروايات كلها
стр. 1580
إما أن يكون ملاحظات غير دقيقة وإما أن يكون من نسج الأساطير الشرقية مثل قصة الإسكندر.
المصادر:
(١) ياقوت: معجم البلدان، جـ ١، ص ٥٠٣، جـ ٤، ص ١٥٨.
(٢) المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣، ص ٢، جـ ٦، ص ١٥٣.
(٣) الإدريسي، طبعة دوزى وده غويه، ص ١٦٤, ١٩٥.
(٤) القلقشندى، ترجمة فستنفلد، ص ١٦٩.
(٥) القلقشندى: ضوء الصبح، ص ٢٢٤.
(٦) المقريزى: الخطط، جـ ١، ص ١٦ - ١٧.
(٧) ابن الوردى: جزيرة العجائب، القاهرة؛ عام ١٣١٦, ص ٩٦ - ٩٧.
(٨) Die to-: Bittner et Tomaschek pographischen Capitel des indischen Seesdiegels Mohit، فينا عام ١٨٩٧ م.
(٩) Bilder aus: C. B. Klunzinger Qberaegypten, per Wuste and derv roten Meer .
(١٠) Das Rothe Meer: Von Neimans -and kustenlaender un Jahre ١٨٥٧ in Han .delspolitischer Besiehung
(١١) .Zeitschr. d. Deutsch. Morgenl . Ces جـ ١٢ عام ١٨٥٨ م, ص ٣٩١ وما بعدها.
(١٢) Levantehandel: heyd.
(١٣) Der arabische Meer-: W.Weber busen، عام ١٨٨٨.
(١٤) Expedition "pola": S.M. Schiff in das Rothe Meer Denksch. d. Wiener . Akadenzie. Mathein. nat Ki جـ ٦٥، ٦٩).
[بيكر C.H. Becker]
следующие страницы →