الأصيلى، وبأصل الحافظ مؤرخ الشام أبي القاسم بن عساكر، وبأصل مسموع على أبي الوقت، وذلك بحضرة سيبويه وقته الإِمام جمال الدين بن مالك بدمشق سنة ست وسبعين وستمائة، وقد بالغ ﵀ في ضبط ألفاظ الصحيح جامعا فيه روايات من ذكرناه راقما عليه ما يدل على مراده. ولقد أبدع فيما رقم، وأتقن فيما حرر وأحكم، ولقد عول الناس عليه في روايات الجامع لمزيد اعتنائه وضبطه ومقابلته على الأصول المذكورة وكثرة ممارسته له حتى أن الحافظ شمس الدين الذهبي حكى عنه أنه قابله في سنة واحدة إحدى عشرة مرة.
ولكونه ممن وصف بالمعرفة الكثيرة والحفظ التام للمتون والأسانيد كان الجمال بن مالك لما حضر عند المقابلة المذكورة إذا مر في الألفاظ ما يتراءى أنه مخالف لقوانين العربية، قال للشرف اليونينى: "هل الرواية فيه كذلك؟ " فإن أجاب بأنه منها شرع ابن مالك في توجيهها حسب إمكانه.
نبأ وفاته
ولما رجع إلى بخارى نصبت له القباب على فرسخ من البلد واستقبله عامة أهلها حتى لم يبق مذكور. ونثر عليه الدراهم والدنانير، وبقى مدة يحدثهم، فأرسل إليه أمير البلد خالد بن محمد الذهلى نائب الخلافة العباسية يتلطف معه ويسأله أن يأتيه بالصحيح ويحدثهم به في قصره، فامتنع البخاري من ذلك وقال لرسوله: "قل له أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضر إلى مسجدى أو دارى. فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعنى من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة أنى لا أكتم العلم".
فحصلت بينهما وحشة. فأمره الأمير بالخروج عن البلد فدعا عليه وكان مجاب الدعوة فلم يأت شهر حتى ورد أمر الخلافة بأن ينادَى على خالد في البلد، فنودى على خالد على أتان، وحُبس إلى أن مات، ولم يبق أحد ممن ساعده إلَّا ابتلى ببلاء شديد.
ولما خرج البخاري من بخارى كتب إليه أهل سمرقند يخطبونه إلى بلدهم فسار إليهم، فلما كان بخرتنك وهو على
стр. 1612
فرسخين من سمرقند، بلغه أنه وقع بينهم بسببه فتنة، فقوم يريدون دخوله، وآخرون يكرهونه، وكان له أقرباء بها فنزل عندهم حتى ينجلى الأمر، فأقام أياما فمرض حتى وجه إليه رسول من أهل سمرقند يلتمسون خروجه إليهم، فأجاب وتهيأ للركوب وليس خفيه وتعمم، فلما مشى عشرين خطوة أو نحوها إلى الدابة ليركبها، قال: أرسلونى فقد ضعفت، فأرسلوه، فدعا بدعوات ثم اضطجع فقضى، فسال عرق كثير لا يوصف. وما سكن عنه العرق حتى أدرج في أكفانه. وكان ذلك ليلة السبت، ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين عن اثنتين وستين سنة إلَّا ثلاثة عشر يوما.
المصادر:
(١) طبقات الشافعية الكبرى للسبكى، الجزء الثاني.
(٢) مقدمة فتح الباري للحافظ العسقلانى.
(٣) الجزء الأول من إرشاد السارى، شرح صحيح البخاري للعلامة القسطلانى.
محمد فؤاد عبد الباقي
بدر
وتسمى أيضا بدر حنين: بُلَيدة إلى الجنوب الغربي من المدينة على مسيرة ليلة من الشاطئ، وهي عند ملتقى طريق المدينة بطريق القوافل الذاهبة من الشام إلى مكة. وفي الوقت الذي زار فيه بوركارت Burckhardt هذه البليدة وجد أن بعض مساكنها من اللبن وبعضها الآخر من الحجر ويحيط بها سور متهدم من الطين، أما أهلها فجلهم من البدو وليس للكثير منهم فيها إلَّا أكواخهم لأنهم يقضون الليل في خيام على سفوح التلال. وكانت بدر في عهد النبي ﷺ محطة يقف عليها المسافر ليسقى إبله، كما كان يقام بها سوق كل عام.
وقد أصبح لهذه البليدة أول مرة أهمية تاريخية بفضل الموقعة التي نشبت فيها بين المسلمين وأهل مكة في السابع عشر أو التاسع عشر من رمضان للعام الثاني من الهجرة. وقد أدى إلى قيام هذه الوقعة عدة حوادث
стр. 1613
متعاقبة، تنحصر أهميتها في أنها وطدت سلطان النبي وكانت سببا في انتشار الإسلام بعد ذلك. والحق إن مقدرة النبي الفائقة تجلت بأجلى بيان في هذه الموقعة، فقد نفخ في روح أتباعه الذين هالهم التقاوهم الفجائى بأهل مكة فاكتسحوا أعداءهم الذين يفوقونهم في العدد. وجاء في قصيدة حمزة أن المكيين كان عددهم ألف مقاتل في حين لم يزد عدد المسلمين على ثلثمائة رجل.
وليس من اليسير كل اليسر أن نتمثل في أذهاننا سير هذه الموقعة مستعينين بوصف بوركارت، وعلى كل فإن ما روى له في هذا المكان عن هذه الموقعة لا يفسر لنا روايات المتقدمين. فهر يذكر أن بدرا تقع في سهل تحده من الشمال والشرق الجبال الوعرة، ومن الجنوب تلال صخرية، ومن الغرب كثبان رملية متنقلة. وينساب من الجبال القائمة إلى الشرق جدول غزير المياه في مجرى صخرى فيروى حراجا مترامية الأطراف من النخيل وبساتين ومزارع إلى الجنوب الغربي من تلك البليدة. وتحول الرمال الكثيفة دون عبور التلال الغربية التي ينبسط وراءها سهل جدب يصل إلى الشاطئ ولا ينبت فيه سوى نباتات الأرض الملحة.
وشاهد بوركارت على مسيرة ميل تقريبا جنوبي البليدة قبور المسلمين الثلاثة عشر الذين استشهدوا في وقعة بدر، ويذكر ابن إسحاق أن النبي وقف هو والمسلمون عند الماء الذي على أقرب منحدر للمدينة بينما وقف المكيون على منحدر مقابل له (انظر سورة الأنفال، الآية: ٤٢) "إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم" (أي على ساحل البحر)، وقد حجب كثيب العَقَنْقَل المكيين عن أعين المسلمين، ويفصل هذا الكثيب عن بدر وادي يَلْيَل، ويروى الواقدي أن المسلمين كان وجههم شطر الغرب بينما كان أهل مكة يواجهون الشرق والشمس في أعينهم. وبدأ المكيون الموقعة في الصباح فتسلقوا العقنقل منحدرين إلى الوادي في حين أمر النبي أصحابه ألا يهاجموا عدوهم إلَّا إذا أذن لهم، وعلى هذا
стр. 1614
فينبغى أن نبحث عن ساحة القتال عند سفوح التلال الشرقية المجاورة. ولابد أن الآبار كانت في هذا الموضع وهي الآبار التي هدمها المسلمون إلَّا أقربها إلى العدو وبنوا عليه حوضا وأقاموا عريشا للنبي، وألقوا بقتلى عدوهم في واحد من الآبار التي خربوها.
ويروى المقدسي أن بدرا بليدة مساحلة للبحر تشتهر بنخيلها، وفيها ماء النبي ومكان الموقعة المشهورة وبعض مساجد بناها ملوك مصر، ويذهب البكرى إلى أنها ماء وبها عينان ينمو عندهما الموز والكرم والنخيل، ويقول إنها على مسيرة ثمانية وعشرين فرسخا من المدينة، ويذكر المسعودى أنها على مسيرة ميلين وثمانية بُرُد من المدينة، ويرى البكرى أن بين بدر وثغر الجار ستة عشر ميلا، أما ياقوت فيقول إن بينهما مسيرة ليلة واحدة.
المصادر:
(١) Reisen in Arabien: Burckhardt عام ١٨٣٠, ص ٦١٤ - ٦١٩.
(٢) Travels in Arabia: Doughty ص ١٦٠.
(٣) البكرى: المسالك والممالك، طبعه فستنفلد، ص ١٤١.
(٤) المقدسي: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣، . ص ٨٢ - ٨٣.
(٥) المسعودى: المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٨، ص ٢٣٧.
(٦) ياقوت: المعجم، طبعة فستنفلد، جـ ١، ص ٤٢٧ وما بعدها.
(٧) الواقدي، ترجمة فلهوزن، ص ٣٧ - ٩٠.
(٨) ابن سعد، طبعة سخاو، جـ ١، ص ٦ - ١٨.
(٩) الطبري، طبعة ده غويه، جـ ١، ص ١٢٤١ وما بعدها.
(١٠) تاريخ اليعقوبى، طبعة هوتسما، جـ ٢، ص ٤٥ - ٤٦.
(١١) Annali dell Islam: Caetani، جـ ١، ص ٤٧٢ وما بعدها.
(١٢) Buhl في , Orientalische Studien جـ ١، ص ٧ - ١٣.
[بول fr. buhl]
стр. 1615
+ بدر أو بدر حنين: بليدة جنوبي غرب المدينة على مسيرة ليلة من الساحل، وعند ملتقى طريق يخرج من المدينة بطريق القوافل الذي كان يسير من مكة إلى الشام، وهي تقوم في سهل طوله خمسة أميال (ثمانية كيلومترات)، وعرضه ميلان ونصف الميل (٤ كيلومترات) يحيط به تلال وعرة وكثبان رملية، كما كانت بدر قاعدة لسوق.
وببدر نشبت في اليوم السابع عشر (أو التاسع عشر أو الواحد والعشرين) من رمضان في السنة الثانية للهجرة (الموافق الثالث عشر أو الخامس عشر أو السابع عشر من مارس سنة ٦٢٤ م) أول وقعة كبيرة في تاريخ النبي ﷺ . ولدينا عن هذه الوقعة تفصيلات وافرة جاءت بها المصادر المتقدمة، ومع ذلك فإن من العسير أن نسوق بيانا واضحا بالمعركة والحوادث التي أدت اليها. والذي عليه الرأى الغالب أن أقدم وأوثق رواية في هذا الشأن هي الرسالة التي بعث بها عروة بن الزبير إلى الخليفة عبد الملك (أورده الطبري، جـ ١، ص ٢٨٤ وما بعدها) وقد بلغ النبي أنباء بأن قافلة غنية بحملها كانت عائدة من الشام إلى مكة يقودها سفيان بن حرب زعيم عشيرة أمية، فجمع قوة تزيد قليلا عن ثلثمائة مقاتل (حوالي ثمانين من المهاجرين والباقي من الأنصار) وتقدم حتى اقترب من بدر آملا أن يقطع الطريق على القافلة. أما أبو سفيان فقد أرسل إلى مكة في طلب قوة تحمى القافلة وهي تعبر الإقليم الذي يسهل بلوغه من المدينة. ويقال إن المكيين قضوا أكثر من أسبوع في طريقهم من مكة إلى بدر، ومن ثم فإن أبا سفيان لا بد أن يكون قد أرسل في طلب هذه القوة قبل ذلك بوقت، وإن كانت المصادر تؤكد أنه لم يفعل ذلك إلَّا بعدما سمع بأن محمدا ﷺ يعد العدة لقطع الطريق على القافلة.
وكانت القوة المكية التي يقودها أبو جهل المنتمى إلى عشيرة مخزوم، تتألف من حوالي ٩٥٠ رجلا من جميع عشائر قريش. وقد تلقوا قبل أن يبلغوا بدرا رسالة من أبي سفيان أنه استطاع أن
стр. 1616
يخدع المسلمين بشق سبيله شقا متخذا طريقا أدنى للساحل من الطريق المألوف. ومع ذلك فإن أبا جهل مضى قدما إلى بدر غير مستمع إلى معارضة بعض الشيوخ وانسحاب رجال جيشه من عشيرتى زهرة وعدى، وراح يستعرض قوته، ولا شك أنه كان يحس هو وأنصاره أنهم من القوة بحيث لا يجرؤ النبي على مهاجمتهم (سورة الأنفال، الآية ٤٩).
والظاهر أن النبي لم يعلم بالحملة التي كان يقودها أبو جهل حتى مساء اليوم السابق للمعركة حين اعتقل بعض رجاله سقاء مكيا عند آبار بدر. وكان معسكر المكيين لا يزال بعد بعيدا عن الأنظار خلف تل من التلال. وكان مثل هذا اللقاء خليقا بأن ييسر على النبي أمر إقناع أنصاره بالقتال، ذلك أن الانسحاب في مدر هذه الظروف كان أمرا يخدش الشرف. وفي صبيحة اليوم التالي بادر محمد ﷺ بالاستيلاء على الآبار، وملأها جميعا بالرمال إلَّا البئر التي هي أقرب الآبار إلى العدو، وأقام عندها رجاله. وبذلك اضطر العدو إلى أن يقاتل في سبيل مورد للماء يركن إليه، ولم يكن له في ذلك اختيار. وكل ما يمكن أن يقال عن سير المعركة أنه كان ثمة مبارزات فردية أعقبها اشتباك عام بين الجيشين، وأما الشيء المحقق فهو أن المكيين نزلت بهم هزيمة فادحة، فقد قتل منهم نحوا من سبعين رجلا (من بينهم أبو جهل ونيف وعشرة من وجوههم) وأسر قرابة سبعين أسيرا أفتُدوا بعد بمبالغ كبيرة، ولم يقتل من المسلمين إلَّا خمسة عشر رجلا تقريبا. وكان ذلك نكبة على المكيين، ولكنها لم تكن نكبة تعجزهم عن الحركة. صحيح أن فقد كثير من وجوههم كان خطيرًا، ولكن فقدان هيبتهم ربما كان هو أفدح ما أصابهم. وكان استرداد هذه الهيبة يقتضيهم أن يثأروا من النبي، على حين أن ذلك كان بالنسبة للمسلمين تأييدا لإيمانهم أفاءه الله عليهم (سورة الأنفال، الآية: ١٧, ٤٣)، وقضى النبي وقتا طويلا يدعو ربه فيستجيب الله له ويعده بالنصر (سورة الأنفال، الآية ٧، ٩) ويرى المسلمون في
стр. 1617
ذلك عقابا طالما أنذر به الكافرون، ومن يومها أصبحت مكانة النبي نفسه في المدينة أقوى بكثير. وأصبح من شهدوا بدرا من المسلمين، ويقال لهم "البدريون"، يعدون طبقة الأشراف ذوي الفضل، ويقال إنهم كانوا في معظم ما ورد عن "ديوان" عمر الطبقة العليا بين المسلمين.
ونهض النبي بحملة ثانية على بدر في شعبان أو ذي القعدة سنة ٤ هـ (يناير أو أبريل سنة ٦٢٦) تحقيقا لوعد وعبد به أبا سفيان عندما انسحب من أحد. وكان لدى محمد ﷺ ولدى المكيين قوات أكبر. ولكن لم يحدث قتال بين الفريقين.
وقد ذكر بدرا الجغرافيون الذين كتبوا عن جزيرة العرب مثل ياقوت (جـ ١، ص ٥٢٤) والبكرى (ص ١٤١) والمقدسى (ص ٨٢) والمسعودى (ص ٢٣٧). ودرس الرحالة بورخارت j.L Burchardt موقع بدر على ضوء المعركة التي وعاها في ذهنه) سنة ١٨٣٠, ص ٦١٤ - ٦١٩).
المصادر:
(١) المعركة: ابن هشام، ص ٤٢٧ - ٥٣٩.
(٢) الواقدي، ترجمة فلهاوزن، ص ٣٧ - ٩٠.
(٣) الطبري، جـ ١، ص ١٢٨١ - ١٣٥٩.
(٤) Annali: Caetani جـ ١، ص ٤٧٢ - ٥١٨.
(٥) Das Leben Muhammeds: fr. Buhl ليبسك سنة ١٩٣٠, ص ٢٣٨ - ٢٤٥.
(٦) Muhammed: W. Montgomery Wattat Medina أوكسفورد سنة جـ ١٩٥٦، ص ١٠ - ١٦.
(٧) The Battlefields of: M. Hamidullah , the Prophet Muhammad ووكنغ سنة ١٣٧٣ هـ = ١٩٥٣, ص ١١ - ١٧.
خورشيد [مونكومرى وات W. Montgomery Watt]
стр. 1618
بديع
من أسماء الله الحسنى. وكلمة بديع في معنى اسم المفعول يكون القصد منها "مُخْتَرَع" Discovered أو مبتدع، وهي من مصطلحات علم البلاغة وتدل على صور الكلام وأجناسه، ومن ثم كان علم البديع فرعا من علوم البلاغة. والشاعر ابن المعتز هو أول من ألف بالعربية في هذا الموضوع. وكلف الشعراء المتأخرون باستعمال جميع المحسنات البديعية في القصيدة الواحدة. وتعرف مثل هذه القصائد بالـ"بديعيات". وممن اشتهر بنظمها صفي الدين الحِلّي وابن حجة وغيرهما (انظر كتاب حاجى خليفة، Mehren: Rhetorik der Araber ص ٩٧).
تعليق على مادة "بديع ":
كانت كلمة بديع بمعناها الاصطلاحى في علم البلاغة تشمل المحسنات البلاغية والتشبيه والاستعارة وغير ذلك لأن علم البديع أول من وضع فيه كتبا سماه "البديع" هو ابن المعتز وقد جمع سبعة عشر نوعا منها الاستعارة والكناية والتجنيس وغير ذلك مما هو داخل الآن تحت علم البيان وعلم البديع وعلم المعاني، لأن تخصيص مسائل هذه العلوم ومعرفة حدود كل لم يعرف حينذاك، فإن أول ما عرف منها "البديع" حتى جاء عبد القاهر الجرجانى فحدد موضوعات المعاني والبيان. فعلوم البلاغة على أيام عبد القاهر تميزت وانفصلت وكان ذلك في القرن الخامس الهجرى، ثم جاء بعده السكاكى المتوفى عام ٦٢٦ هـ فألف كتابه "مفتاح العلوم" جعله في النحو والصرف والمعانى والبيان والبديع فانمازت الحدود ووضحت الرسوم، ولم يأت بعده من زاد شيئًا من أصول علوم البلاغة الثلاثة إلَّا ما كان من علم البديع، فإن علماء مصر والشام قد زادوا على ما وضعه أهل المشرق فيه. وقد أوصله ابن أبي الإصبع المصري المتوفى عام ٦٥٤ هـ إلى التسعين وأضاف إليها من مستخرجاته ثلاثين وسمى كتابه "تحرير التحبير" في البديع، ثم زادت
стр. 1619
الأنواع البديعية عن ذلك كثيرا حتى وصلت إلى مائة وأربعين نوعا.
واول من نظم قصيدة سرد فيها أشكال البديع وسميت من ثم "بديعية" الشاعر صفى الدين الحلى المتوفى عام ٧٥٠ هـ ومطلع بديعيته:
إن جئت سلعا فسل عن جيزة العلم ... وأقر السلام على عرب بذى سلم
جمع فيها مائة وأربعين نوعا وجعل كل بيت منها مثالا شاهدا لذلك النوع وذكر اسم النوع البديعى إلى جانب البيت وسمى منظومته "الكافية البديعية" وله عليها شرح لطيف، وتلاه عز الدين الموصلى المتوفى في حدود عام ١٣٩٧ م ومطلع بديعيته:
براعة تستهل الدمع في العلم ... عبارة عن نداء المفرد العلم
وعقبة تقى الدين بن حجة الحموى المتوفى عام ٨٣٧ هـ (١٤٣٣ م) ومطلع بديعيته:
لي في ابتداء مدحكم يا عرب ذي سلم ... براعة تستهل الدمع في العلم
والتزم فيها تسمية النوع وعلق عليها شرحا مطولا أصبحت به بديعيته سفرا جليلا سماه "خزانة الأدب"، وتلاه عبد الغنى النابلسى المتوفى عام ١١٣٤ هـ (١٧٣١ م) (ونظم بديعيتين لم يلتزم في أولاهما تسمية النوع والتزمها في الثانية، ومطلع الأولى:
يا منزل الركب بين البان فالعلم ... من سفح كاظمة حييت بالديم
ومطلع الثانية:
يا حسن مطلع من أهوى بذى سلم ... براعة الشوق في استهلالها ألمى
وسمى منظومته "نسمات الأسحار".
ثم هناك بديعيات أخرى بعد ذلك. وكل هذه البديعيات من بحر البسيط وعلى روى الميم وكلها في مدح النبي وفي مدح أصحابه.
عبد الوهاب حمودة
بديع الزمان
(٣٥٨ - ٣٩٨ هـ) أبو الفضل أحمد بن الحسين بن سعيد بن يحيى بن
стр. 1620
بشر، ولقبه بديع الزمان، وهو شاعر وكاتب رشيق العبارة، قرأ في بلده همذان على أحمد بن فارس وغيره من النحاة.
وفي سنة ٣٨٠ للهجرة ذهب إلى الري، حيث نال الحظوة لدى الصاحب ابن عباد فترة من الزمان، ثم خرج منها إلى جرجان حيث عاش في رعاية أبي سعيد محمد بن منصور.
وفي سنة ٣٨٢ للهجرة ذهب إلى نيسابور ودخلها فقيرا مجردا إذ خرج عليه اللصوص في الطريق وسلبوا ما كان معه. ولقيه أبو بكر الخوارزمى شيخ الأدباء في عصره على غير ما كان يحب، وما لبث أن دعى ليناظره في فروع الأدب في جمع من الناس. وقد ذكر لنا في وصفه لهذه الحادثة أنه انتصر على أبي بكر (ترجم هذا الوصف فون كريمر V. Kremer في - Kul turgesch، جـ ٢، ص ٤٧١ وما بعدها) وإن كان هذا يبدو محلا للشك. وأذاعت هذه الحادثة صيته، ولما توفى الخوارزمى بعد ذلك بسنوات خلفه بديع الزمان في مكانته. ووجد حماة له في خراسان وسجستان وغزنة، ثم استقر به الأمر في هراة، وهناك تزوج من ابنة الحسين بن محمد الخشنامى.
ويظهر أن مقامات البديع، وهي إحدى مصنفاته، قد أهداها إلى خلف بن أحمد أمير سجستان الذي نجد وصف رعايته للبديع في الرسالة رقم ١٧٣. وكانت كلمة "مقامة" قبل بديع الزمان معناها "العظة" (انظر: مروج الذهب، ص ٤٣١) أو الخطبة (انظر: الجاحظ: كتاب البلغاء ص ٢١٨, س ١٣). فلما أطلقها بديع الزمان على ما أنشأ أصبح لها ما يشبه معنى الكلمة اليونانية "ميمه" ومعناها "الحوار الممتع". ويزعم الهمذانى أنه أنشأ أربعمائة مقامة ليست واحدة منها كالأخرى. وهذا الزهو لا يبرره ما بقى لنا من مجموعة مقاماته التي تشتمل على إحدى وخمسين مقامة، بعضها يشبه البعض الآخر.
وموضوع هذه المقامات في العادة هو "الكدية" أي إعمال الحيلة لكسب المال، وفيها يظهر البطل شيئًا من العلم والفصاحة والبداهة. ويحسن أن نقول إن بعض المقامات تصف الحياة في
стр. 1621
بغداد في عهده، أما البعض الآخر فيتكلم عن تاريخ قديم مثال ذلك:
المقامة التي يظهر فيها الشاعر ذو الرمة، والمقامة التي تتحدث عن محمد بن إسحاق الصَّيْرى المتوفى في سنة ٢٧٥ للهجرة، والمقامة التي تصور مشهدا في حياة سيف الدولة المتوفى سنة ٣٥٦ هـ.
وموضوعات هذه المقامات تتضمن المناظرة في الدين، والمواعظ والأحاجى الشعرية، كما تتضمن أيضًا حيل الشحاذين واللصوص. ويذهب الحُصْرى إلى أن مقامات بديع الزمان أخذ فكرتها عن الأربعين حديثًا لابن دريد (انظر: زهر الآداب، جـ ١، ص ٢٥٤. طبعة ٣٠٥ هـ).
أما رسائل بديع الزمان، ويبلغ عددها ٢٣٣ رسالة، فأغلبها مكاتبات خاصة بذل في تدبيجها من الجهد ما يجعلها جديرة بالنشر. وأغلب الذين كتبت إليهم هذه الرسائل كانوا من ذوي المجد والشهرة، وإن كان لا يذكر منهم الآن إلَّا القليل مثل: المؤرخ ابن مسكويه والأديب أبي بكر الخوارزمى.
وموضوع هذه الرسائل في العادة أمور خاصة كطلب إعادته بعض الكتب، أو الشكوى من خراجه، وبعضها يتناول مسائل أعظم خطرا كالرسالة رقم ١٦٧ التي تصف انتشار الزندقة الشيعية.
وقد اختار الثعالبى (يتيمة الدهر، جـ ٤, ص ١٩٥ - ٢٢٤) منتخبات من شعر البديع أوردها في يتيمته، واختار غيرها ياقوت وذكرها في معجمه، أما الديوان الذي نشره في القاهرة عبد الوهاب رضوان ومحمد شكرى سنة ١٩٠٣ م فلا يشتمل إلَّا على ٨٤ صحيفة، وأغلب قصائد البديع أنشاها في مدح سادته.
طبعات المقامات:
طبعت في الآستانة سنة ١٢٩٨ هـ, وفي بيروت سنة ١٣٦٧ هـ وهي طبعة منقحة وعليها شرح للشيخ محمد عبده، وطبعت في القاهرة حوالي سنة ١٩١٠ م وعليها شرح لمحمد محمود الرافعي.
طبعات الرسائل:
أما الرسائل فطبعت في الآستانة سنة ١٢٩٨ هـ, وفي القاهرة سنة
стр. 1622
١٣٠٤ هـ على هامش خزانة الأدب لابن حجة، وطبعت في بيروت سنة ١٨٩٠ م وعليها شرح لإبراهيم أحدب الطرابلسى.
وقد أحصى بروكلمان ما كتب في اللغات الأوربية عن الهمذانى (جـ ١، ص ٩٤). وترجمة البديع التي ذكرها ياقوت في معجم الأدباء (جـ ١، ص ٩٤ - ١١٨) أخذ معظمها عن الثعالبى ونقل بعضها عن كتاب تاريخ همذان لشيرويه.
[مركوليوث D .. S. Margoliouth]
براءة
كلمة عربية معناها الخلاص من الشيء أو التحرر منه. ويستعملها أهل الشام بمعنى: امتياز أو جواز سفر أو إجازة علمية. ومن هذا القبيل البراءة (برات) التي تمنحها الحكومة العثمانية إلى الأساقفة قبل مباشرتهم لأعمال منصبهم.
وقد وردت هذه الكلمة بآية لها شأنها في صدر سورة براءة، وفيها يأمر الله المؤمنين على لسان نبيه ﷺ بالحج وبرعاية العهد في الأشهر الحرم. فالزمخشرى يقول إنه كان هناك عهد بين المسلمين وبين مشركى مكة وغيرهم من العرب، ثم إن المشركين نقضوا هذا العهد إلَّا أناسًا منهم هم بنو ضَمْرَة، وبنو كنانة، فقرأ محمد ﷺ على المؤمنين الآية التي نزلت عليه، وهي "براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين" ويفسر المسعودى هذه الآية في كتابه التنبيه والإشراف (ص ٣٦٠) فيقول: "ثم وجه النبي ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ في ذي الحجة ليحج بالناس ونزلت عليه سورة براءة فبعث بسبع آيات من صدرها مع على بن أبي طالب وأمره أن يقوم بها على الناس بمنى إذا اجتمعوا وقال: أذن في الناس أنه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو له إلى مدته. وأجل الناس أربعة أشهر من يوم تنادى ليرجع كل قوم إلى مأمنهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمّة".
стр. 1623
وتقول الروايات إن هذه الحوادث وقعت سنة تسع للهجرة.
المصادر:
- Oordns: Noldeke Geschichts des Schwally الطبعة الثانية، ص ٢٢٢.
[كاراده فو B. Carra de Vaux]
١ - براءة هذا الاسم مشتق من الأصل العربي برء الذي يستعمل في كثير من الأحيان للدلالة على المعنى العام: "الخلاص، الإعفاء" (من واجب أو من تهمة -ومن ثم "البراءة"- من خطر أو مسئولية) وهو معنى يتكرر في القرآن. ويرتبط بهذا فكرة "البرء من داء، الشفاء" الذي يعبر عنه هذا الأصل أيضًا في اللغة العربية الفصحى. وثمة، بلا شك، سبب وجيه يحملنا على أن ندرك أن برء بمعنى خلق مأخوذ من اللغة السامية الشمالية، وهو معنى قرآنى أيضًا حين يكون الحديث عن الله (Qoran: Jeffery ج Foreign vocabulary of the باروده سنة ١٩٣٨, ص ٧٦).
وترد كلمة "براءة" مرتين في القرآن، فهي تدل بلا ريب في الآية ٣ من سورة القمر على "الأمان، الحِل" على أن تفسيرها حين ترد في بداية سورة التوبة (وبراءة هي أيضًا اسم من الأسماء التي تطلق على هذه السورة) أمر فيه بعض المشقة: "براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين"، والآية التالية التي تجعل العهد أربعة أشهر قد تثير الافتراض بأن الإشارة هنا إلى "الأمان والإمهال". على أن التفسير المأثور يشرح هذه "البراءة" على أساس من الآيتين ٣، ٥ اللتين تجعلان الله والرسول بريئين من المشركين (انظر ترجمة بلاشير للقرآن وتعليقاته) وعلى ذلك فإن البراءة تشير إلى "النكث بالعهود" وهو ضرب من النبذ من الجماعة أو الإخراج من حظيرة الدين تكون معقّباته المخيفة هي النقيض تماما للأمان: "والحق إن "برئ" هو المصطلح الذي يطلق على شخص أو أشخاص قطعوا كل علائقهم بشخص أو بجماعة، والغالب أن ينصب ذلك على إخوانهم في القبيلة. ويدخل المصطلح براءة في تلك العبارات التي تدل على
стр. 1624
"الإقصاء أو الإبعاد من حماية الشرع" و"يمين البراءة" هي اليمين التي ذمها الحديث (انظر بخاصة: أبا داود: السنن، رقم ٣٢٥٨) وإن كانت قائمة اليوم، ومحصلها أن يحلف شخص أنه يكون بريئا من دين الإسلام ومن أمان الله إذا كانت يمينه باطلة. ويقول الشيعة بالبراءة من أعداء على وذريته، وهذه البراءة تقابل الولاء لهذا البيت (وعلى خلاف الشعيرة الكاملة لبراءة الولاية انظر ذم المذهب الحنبلي في - La pro fession de: H. Laoust foi d'ibn Batta، دمشق سنة ١٩٥٨، ص ١٦٢).
والأحوال المخزية [للمشركين] التي اقترنت بكلمة براءة على ضوء هذا المفهوم تبرر في قول بعض فقهاء المسلمين أنه لم يكتب في أول سورة التوبة باسم الله على خلاف سائر السور.
ويرد في مصطلح الفقه "براءة الذمة" أو "البراءة" فحسب أي "البراءة من الالتزام بشيء"، مثال ذلك أن "بيع البراءة" هو البيع الذي يخلو من الضمان فيكون فيه البائع محررا من أي التزام في حالة وجود عيب في السلعة يبيح في الأحوال العادية فسخ البيع (انظر Instituzioni: Santillana جـ ٢، ص ١٤٩ عن وجود تشابه عجيب في الصيغ بهذا الشأن بين مصر الإسلامية وتوسكانيا المسيحية)، ومن ثم يستعمل مصطلح "تبرئة" استعمالات مختلفة للدلالة على جميع ضروب الأفعال المعلنة لشيء أو المرتّبة له التي تحلّ من المسئولية. ويمكن أن نذكر "التبرئة" المتبعة الآن بين بدو مراكش، وهي "غرامة يؤديها والدا القاتل لوالدى القتيل نظير استمراره في العيش بين ظهرانى القبيلة" (Textes: Loubignac arabes des Zober، باريس سنة ١٩٥٢، ٣٥٩). وانظر أيضًا الاستعمال المماثل لبراءة > براه الملحوظ في إقليم بيت لحم (حدّاد des Deutschen Pa- Zeitschrift laestinavereins , في سنة ١٩١٧، ص ٢٣٣).
ويمكن أن نذكر في هذا المقام المصطلحات المشتقة من براءة:
(١) "المبارأة" وهي ضرب من الطلاق يتم بموافقة الطرفين يبرئ
стр. 1625
الزوج والزوجة نفسيهما بنزول الجانبين عن كل مالهما من حقوق (Grundzuege: Bergstraesser-Schacht, ص ٨٥، jnstiuzioni: santillana جـ ١، ص ٢٧٢, ابن رشد: بداية، طبعة القاهرة سنة ١٩٣٥, جـ ٢، ٦٦، وهو يسوق تعريفا دقيقا بالمقارنة ببعض صيغ الطلاق الأخرى).
(٢) "الاستبراء" وله مدلولان متمايزان كل التمايز (أ) استبرأ الجارية: لا يمسها حتى تبرأ رحمها ويتبين حالها هل هي حامل أو لا، وذلك قبل انتقالها إلى سيد آخر (ب) فعل يأتيه المرء بيده اليسرى ليستفرغ بقية البول وينقى موضعه ومجراه حتى يبرئهما منه، أو الاستنجاء الذي يجب أن يعقب إزالة الضرورة (لسان العرب، جـ ١، ص ٢٥، أبو الحسن: على رسالة ابن أبي زيد، طبعة القاهرة سنة. ١٩٣٠, جـ ١، ص ١٤٤).
وننتقل بعد إلى النظرية العامة في الفقه كما نجدها في الكتب القديمة، فنجد أن فكرة البراءة فيها ماثلة في القاعدة التي يرتضيها أهل السنة بعامة ويؤيدها مذهب الأشعرى وهي: "الأصل براءة الذمة" ومعنى هذا بحسب الرأى الذي يأخذ به المرء أنه لا التزام يقيده إلَّا ما حدده الله, أو أنه في حالة غياب الدليل على العكس فإن القول الطبيعي هو البراءة من الالتزام.
و"البراءة الأصلية" بالمعنى الأول تشمل فكرة دينية، وهي أنها تناقض نظرية المعتزلة التي تقوم على مفعولية الأحكام في جملة من الأفعال الإنسانية، وترى أن جميع الأفعال الأخرى السابقة للشريعة المنزلة والتي لا تخضع للتقويم العقلى تكون جميعها غير شرعية (في رأى البعض) أو جميعها مباحة (في رأى آخرين) أو ليست لها صلاحية شرعية (في رأى فريق ثالث، انظر الغزالى. المستصفى طبعة القاهرة سنة ١٩٣٧, جـ ١, ص ٤٠ - ٤٢, ١٢٧ - ١٣٢, أو انظر أحسن من ذلك. الآمدى. الإحكام، طبعة القاهرة سنة ١٩١٤) , وهذان الكتابان يرفضان نظرية المعتزلة. إلَّا أن علماء أهل السنة جميعًا أو يكادون (ويذكر في هذا المقام استثناءان لذلك عند المالكة ذكرهما
стр. 1626
الباجي في الإشارات، طبعة تونس سنة ١٣٥١ هـ, ص ١٢٣, ١٣٠ - ١٣١, وينادى بحث Lapanne-Joinville في - tra vaux Semaine Internat. Droit Mustman، باريس سنة ١٩٥٢، ص ٨٥ بتصويبات معينة) يرون أن الأحكام الشرعية تقوم على الإطلاق وبلا استثناء على الشريعة المنزلة. وقبل نزول هذه الشريعة وفي خارج نطاقها لا يكون لأفعال الإنسان "حكم". وهذا الضرب من العزوف من حيث المبدأ عن الحكم، وهو عزوف يجب ألا يلتبس بالإباحة، ينكر فكرة قيام أي التزام.
أما بالمعنى الثاني الذي لم يحاول المؤلفون مع ذلك أن يفرقوا بينه وبين المعنى الأول (والخلط واضح في كتب الشافعية والحنفية المسماة "الأشباه والنظائر": انظر السيوطي، طبعة القاهرة سنة ١٢٩٨ هـ, ص ٢٩) فإن "البراءة الأصلية" سواء اقترنت بمبدأ "استصحاب حال" أو لم تقترن فإنها تدعم من حيث النظر حلولا لا حصر لها (سواء كانت قواعد فقهيه حاسمة أو فروضا فقهية فحسب)، وذلك في ميدان الفقه كله (Lapanne-Joinville: بحثه المذكور، ص ٨٢ - ٨٨, Brunchvig في Levi Della Studi Vide جـ ١، ص ٧٥).
على أن كلمة "براءة" قد استعملت استعمالا متزايدا بمعنى حسى للدلالة على وثائق مكتوبة مختلفة الأنواع (والجمع "براءات" أو "براوات") بحكم تطور في المعنى يبدأ بفكرة "الأداء" وإن شئت الدقة فهي بلا شك " الأداء المالى والإدارى" (الخوارزمى: مفاتيح العلوم (١)، طبعة القاهرة سنة. ١٩٣٠, ص ٣٧ Islamic Taxation: Lokkegaard، كوبنهاغن سنة ١٩٥٠، ص ٥٩ , iran in fruethislam. Zeit.: Spuler فيسبادن سنة ١٩٥٢، ص ٣٣٨ - ٤٥٨).
ويرد المعنى الأول في نصوص المعاملات التي تتعلق بالمكوس الجمركية، وفي المعاهدات التي كانت تبرم مع الدول المسيحية منذ القرون الوسطى، وخاصة ما كان يبرمه منها الحفصيون (بين القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين) وكان اللفظ يرد فيها بالنسخ اللاتينية أو الرومانية
стр. 1627
Traits de Paix et de: ) , Arabra, Albara Commerce Mas-Latrie باريس سنة ١٨٦٦ - ١٨٧٢، ارجع إلى الحاشية). ويستطيع المرء كذلك؛ أن يحيى في هذه المواضع بمعنى "الرخصة الرسمية" التي اكتسبتها الكلمة. وما إن حل هذا الوقت حتى أصبحت تستخدم فيما نستطيع أن نسميه "رخصة، شهادة، إجازة" وهي الألفاظ التي نطلقها على مختلف الوثائق المكتوبة التي تصدر من الهيئات الأدارية أو تقدم إلى هذه الهيئات، مثال ذلك "المطالبة المالية أو أمر الأداء"، "جواز سفر" (Suppl.: Doz' ج ١, ص ٦٣) و"علامة يرفقها " الأمين" بسلعة (السقطى: Manuel de Hisba . طبعة كولان وليفى بروفنسال، باريس سنة ١٩٣١, ص ٦١)، و"التماس أو عريضة تقدم للسلطان" (Berbere Orientale: Brunschvig, ج ٢، ص ١٤٤, تعليق ٣). وقد جمعت لغات شبة جزيرة أيبيريا واحتفظت بمعان من هذا القبيل مثل الكلمة القطلونية albara والكلمة القشتالية: albala, والكلمة البرتغالية: alvara . N WA
وتعرف اللغة العربية الفصيحة المحدثة المصطلح "براءة التنفيذ" الذي يطلق على البراءة التي تمنح للقنصل، و"براءة الثقة" التي تطلق علي أوراق الاعتماد الدبيلوماسية (انظر معجمى Wehr, و Bercher).
وفي العربية العامية بشمالى إفريقية يشيع استعمال: براءة) برا، والغالب أن يكون ذلك بصيغة التصغير "بريّة" ومعناها "الخطاب، أو الرسالة أو التذكرة" فحسب (ومن ثم الكلمة البربرية برات ولها نفس هذا المعنى). أما في فاس فقد أدى تطور معنى "بريّة" إلى إطلاقها في العربية علي فطيرة مرقوقة على هيئة فطيرة تطوى كطى الرسالة (Textes arabed de: Brunot Rabat, ج ٢، الحاشية، باريس سنة ١٩٥٢, ص ٤٠).
ويجب علينا آخر الأمر أن نذكر المصطلح الكثير الشيوع في الشرق وهو"ليلة البراءة" بالتركية "برات كيجه سى" وبالفارسية: "شب برات" وهو يطلق علي ليلة النصف من شعبان، وتعد من الأعياد الدينية (انظر البحث
стр. 1628
الذي قدمه ح. خ. أردم: برات كيجه سى حقنده بر تدقيق، أنقره سنة ١٩٥٣). وقد فات المعنى الدقيق لهذه الكلمة هنا عن الكاتب لأن جميع التفاسير التي تسوقها التفسيرات المأثورة أو العلماء الغربيون ليست مقنعة، وهي: "الأمان" (لأولئك الذين كتب لهم الحظ السعيد في هذه الليلة)، و"الوحي" (نزل به جبريل على محمَّد ﷺ ) و"الخلق" (للكلمة: ويشير هذا هنا إلى اللفظ العبرى "بريئة" انظر بلسنر، في دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة الأولى، مادة "رمضان"). ولعل من المناسب أولًا لتوجيه البحث الاشتقاقي أن نفصل بقدر ما يسعنا من دقة في أمر قدم المصطلح والظروف المحيطة بمنشئه، ذلك أننا لا نجده شائعا في نصوص القرون الوسطى التي تتناول الاحتفال بليلة النصف من شعبان.
والاستعمال الإدارى للمصطلح في ظل الأتراك العثمانيين قد تطور بصفة خاصة بصيغة "برات" (انظر ما يلي) التي يميزون بينها وبين صيغة براءت.
المصادر:
ذكرت في صلب المادة.
خورشيد [برنشفيك R. Brunvschvig]
(٢) وقد طور الخوارج موضوع "البراءة" بما يعرف عنهم من غيرة دينية وتوكيد لانفصالهم عن غيرهم، فالبراءة عندهم، على خلاف الولاية التي هي الواجب العقيدى للتضامن وبذل العون المفروض على المسلم، هي واجب إنكار كل من لا يستحق هذا الاسم، ونستطيع أن نجد عند مؤرخى الفرق جميعًا التطبيقات الخاصة التي أخذت بها الفرق المتعددة إزاء مبدأ "البراءة". ونحن إنما نستطيع أن نهتدى إلى عرض مباشر كامل لهذه المسألة عن طريق علماء الأصول الإباضية. وأقدم نص انتهى إلينا هو لأبي زكرياء الجناونى (القرن السادس الهجري = القرن الثاني عشر الميلادي) وهو يفرض على البالغ الرشيد أن يبرأ من: (أ) الكافرين في الدنيا والآخرة، أحياء أو أمواتا، معروفين أو مجهولين. (ب) "الإِمام الظالم" (ج) "المذمومين" في القرآن،
стр. 1629
و"الموصوفين بالمعصية". (د) المرء المعروف بشخصه الذي يرتكب الكبيرة.
والحكم في أمر أطفال الأشخاص الذين تجوز عليهم البراءة يرجأ حتى يبلغوا سن الرشد. و"البراءة" تبطل إذا كفَّر عنها المذنب بالتوبة.
المصادر:
(١) أبو زكرياء الجناونى: كتاب الوضع في الفروع، القاهرة سنة ١٣٠٣ هـ, ص ١١٠ وما بعدها.
(٢) Ueber die religioesen: Sachau -Anschauungen der Ibaditischen Mu -hammedaner in Oman und Ost Afrika Mitteilungen des في Semi- fuer Orientalische Sprachen, nars Westasiatische Studien سنة ١٨٩٩, ص ٦٧ وما بعدها.
(٣) L'Aqida des Amadhites: Motylinski في. Rec. XIV Congr des Or ص ٤٠٩ وما بعدها.
خورشيد [روبيناتشى R. Rubinacci]
براق
أطلق هذا الاسم الذي يتصل بالبرق في الأثر للدلالة على ما امتطاه النبي ليلة المعراج.
وقد أشير في القرآن (سورة الإسراء، الآية الأولى، سورة النجم، الآيات من ١ - ١٨) إلى رؤيا للنبي رأى فيها أنه حُمل من مكة إلى بيت المقدس، وصعد من هناك إلى السماء. والحيوان الذي امتطاه النبي لا يصفه القرآن ولا يذكر اسمه، ولكن المفسرين يقولون إن محمدا كان في تلك الليلة في الحجر بالبيت الحرام وجاءه جبريل بالبراق.
وقد وشّيت هذه الأسطورة كثيرا وأصبحت موضوعا من الموضوعات المحبوبة التي توحى إلى الشعراء ومصورى المنمنمات. وهناك أوصاف مستفيضة للبراق تصوره على هيئة فرس لها رأس امرأة وذيل طاووس. ويوجد مقال قيم عن هذا الموضوع في Magasin Pitteresque (١٨٧٦ م، ص ٣٠٤)، أعيد فيه نشر منمنمة فارسية عجيبة.
стр. 1630
وقد نشرت صورة أخرى للبراق في نفس المجلة (سنة ١٨٨٤ م، ص ٤)، أخذت عن مخطوط أويغورى مشهور يشتمل على ترجمة القصيدة الفارسية عن ليلة المعراج المنسوبة لفريد الدين العطار (طبعة Pavet de Courteille, وانظر أيضًا، أبو الفدا، والبخاري إلخ)، وقد امتطى البراق أيضًا إبراهيم عندما ذهب لزيارة ابنه إسماعيل في منفاه بمكة (انظر الطبري: تاريخ الفرس، ترجمة زوتنبرغ، ج ١، ص ١٦٥).
[كارا ده فو B. Carra de Vaux]
تعليق على مادة "براق "
في حديث الإسراء والمعراج أن النبي ﷺ ليلة أسرى به أتى بدابة "دون البغل وفوق الحمار أبيض، يضع خطوه عند أقصى طرفه" وهذا هو الوصف الوارد في الأحاديث الصحاح للبراق. وهي أحاديث لا شك في صحتها عند أهل العلم بالحديث. بل هي في جملتها متواترة قطعية الثبوت. وهذا الوصف وصفه به النبي ﷺ ، ليس من أقوال المفسرين كما يزعم كاتب المادة. وإن لم يصدق هو وأمثاله ذلك فلا شأن لنا بإقناعهم، إذ أن هذه الشئون من الغيب الذي لا يدخل تحت الحس والمشاهدة، فلا يؤمن به إلا من يؤمن بأصل الإسلام، وبنبوة محمَّد ورسالته، فمن شاء أن يناظر فليناظر على أصل الإِسلام أولًا.
وقد كان لكاتب المادة مندوحة أن يتحاشى الألفاظ الجافة في تعبيره.
وهذا البراق ليس حيوانا كما يظن الكاتب من ظاهر لفظ "دابة" الذي عبر به عنه في الأحاديث, لأنه من أمور الغيب التي أخبرنا بها النبي ﷺ مما وراء هذه المادة التي في متناول الحس البشرى. ولا يستطيع العقل الإنسانى أن يفهم مدلول هذه الأشياء الخارجة عن نطاق قوته التي منحت له: إلا بالتعبير عنها بألفاظ تدل على مدلولات مما يُحَس ويُرى ويشعر، كما جاء وصف الجنة والنار في القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وكما جاءت بعض أوصاف في الأديان السابقة، على لسان الأنبياء قبل نبينا, صلى الله عليهم أجمعين.
стр. 1631
إن هذه الأمور الغيبية إنما أمرنا بالإيمان بها كما وردت، لا نتكلف أن نصورها بأكثر مما عبر عنها الله في كتابه أو رسوله في سنته، وقد جعل الله من أول فضائل المؤمنين أنهم (الذين يؤمنون بالغيب) فيصدقون رسولهم فيما أخبرهم، مما غاب عن حسهم وقصرت عقولهم عن إدراكه، وليس بضارهم شيئًا أن يؤمنوا به، بل في الإيمان به كل الخير: ثقة النفس بالله، والاعتراف بقدرته وضعف الإنسان فيتبع أوامر ربه كلها، فيما فهم وما لم يفهم، وفيما أحب وفيما كره ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [سورة البقرة آية ١ - ٣].
والمثل على ذلك حاضرة. يأمر أحدنا طفله بأمر كله لطفله نفع ورضى، والطفل يعجب لأبيه، ويرى أمره أحيانا مخالفا عقله الصغير, وليس بمستطيع أن يدخله في نطاق تصوره، ومع ذلك يأبى أبوه إلا أن يلزمه الطاعة ولعله في بعض الأمور لو خالف أبا كان فيها هلاكه.
ويرى الرجل العاقل أشياء من عمل من هم أكبر منه عقلا وعلما، ينكرها ويجزم بأنها خطأ لا صواب فيه، ثم إذا أمكن لغيره أن يفهمه علتها أو ملابساتها علم أنه أنكر صوابا. وأن العلة إنما كانت في قصور فهمه.
وإنا لنقرأ كثيرا عن أبحاث الراصدين من علماء الفلك فنجد فيها أخبارا عما ظهر لهم من الرصد والحساب من أبعاد الكواكب من الأرض التي نعيش عليها, لا يمكن للرجل العادى الذي لم يدرس هذه العلوم أن يتصورها (بعض الكواكب يبعد عن الأرض ٢٢٠ ألف سنة ضوئية، أي باعتبار أن الضوء يسير في الفضاء بسرعة ١٨٦ ألف ميل في الثانية الواحدة) وإنما يصدّق بها ثقة بالعلماء الذين بحثوا ونقبوا، وقد يكون الخطأ في حسابهم جللا, ولعل الغلطة في رقم من أرقام حسابهم تنتج فروقا بما لا يتصور عده من ملايين الأميال.
هذا كله في عقل إنسانى أمام عقل إنسانى، فماذا نرى في عقل إنسانى ضعيف أمام قدرة الخالق وعلمه الذي
стр. 1632
يحيط بكل شيء؟ ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [سورة الكهف: ١٠٩].
وأما ما نقله الكاتب من أن بعض الناس تخيل صورة البراق فصوره أو وصفه فذلك شيء لا يعرفه الإِسلام ولا المسلمون، ولسنا نعبأ إلا بالبراءة منه.
وقد تعرض الكاتب للإشارة إلى الإسراء والمعراج وعبر عنهما بأنهما رؤيا للنبي ﷺ ، وله شيء من العذر في هذا، إلا في نسبته إلى النبي، فإن الأحاديث الصحيحة المتواترة صريحة في أنهما لم يكونا في عالم الرؤيا، إنما كانا في اليقظة، بالجسم والروح، وكان هذا موضع الإعجاز، وكان هذا مما أنكرته قريش، ومما ارتد بسببه بعض ضعفاء الإيمان إذ ذاك، ولم تكن قريش لتكذب رجلًا يدعى أنه يرى رؤيا في المنام، فإن هذا مما يمكن أن يكون لكل إنسان، إنما هم ينكرون شيئًا معجزًا خارجا عن حدود القدرة البشرية، وكاتب المادة إنما تبع في كلامه بعض من أخطأوا من الكاتبين الإِسلاميين فزعموا أن الإسراء والمعراج بالروح، توهما منهم لحديث زعموه عن عائشة أنها ما فقدت جسم رسول الله ﷺ ليلة الإسراء، وهو حديث لا أصل له ولا إسناد. بل هو حديث مكذوب مفترى، وعائشة كانت حين الإسراء طفلة صغيرة، والنبي ﷺ إنما دخل بها بالمدينة، والإسراء كان بمكة قبل الهجرة.
أحمد محمَّد شاكر
البرامكة
١ - أسرة فارسية من أبنائها الوزراء الأولون من الفرس للخلافة الإِسلامية ، وليس "برمك" اسم شخص، وإنما هو لقب يطلق على الموبذ في "نوبهار" وهو منصب ديني وراثى. وكانت الأراضي الملحقة بالمعبد في يد أبناء هذه الأسرة أيضًا، ومساحتها حوالي ٧٤٠ ميلا مربعا (طولها ثمانية فراسخ وعرضها أربعة) أي أكبر قليلا من مساحة إمارتى ليب Lippe وشامبورغ ليب Schaumburg-Lippe معا. وظلت هذه الضياع، أو جزء منها، في
стр. 1633
حوزة البرامكة إلى عهد متأخر. ويقول ياقوت في حديثه عن قرية "روان" (١) الكبيرة والكثيرة الخير شرقي بلخ إنها كانت ليحيى بن خالد بن برمك (ج ٢, ص ٩٤٢). و"نوبهار" اسم مشتق من كلمتين سنسكريتيتين هما "نفا" و"فهاراه" ومعناهما المعبد الجديد، قال بذلك الحاج الصينى هوان جوانغ في القرن السابع لميلاد المسيح Memoires sur les contrees occidentales), ترجمة St. Gulien . ج ١، ص ٣٠ وما بعدها Histoire de la vie de Hiouen-Thsang, ص ٦٤) بل لقد عرف هذا المعبد بعض جغرافيى العرب مثل ابن الفقيه (طبعة ده غويه، ص ٣٢٢) الذي قال إن نوبهار تعبد فيه الأوثان وليس بيتا من بيوت النار، وإذا أغفلنا بعض مبالغات ابن الفقيه فإننا نجد أن وصفه ينطبق تماما على المعبد البوذى.
ولقد حاول الفرس أن يربطوا بين هذه الأسرة الفارسية الأصل وبين ما أثر عن الدولة الساسانية لأسباب لا تخفى، فجعلوا المعبد البوذى بيتا من بيوت النار (ياقوت، ج ٤، ص ٨١٩ وما بعدها) ونسبوا إنشاءه إلى ملوك الفرس الأقدمين، كما زعم موابذته أنهم من سلالة وزراء آل ساسان (سياستنامه، طبعة Schefer ص ١٥١) ولعل هذه المزاعم لم تنشأ قبل عهد هارون الرشيد ثم ذاعت في المؤلفات المتأخرة التي لم تتأثر بها الروايات المحلية فحسب "فضائل بلخ في - Chres tomathie persane: Schefer ج ١، ص ٧١) بل تأثر بها العلماء المحدثون أيضًا (A literary History of: Browne Persia, ص ٢٥٧).
وليس من المستحيل أن يكون ابن المقفع، وهو فارسى الأصل، قد وضع أقوالًا كهذه، والحق إن معاصره خالدا لم يكن له من النفوذ أيام أبي العباس والمنصور ما كان ليحيى في عهد هارون الرشيد، ولكن مكانته وكرمه الذي جر المنافع على أهل بيته جميعًا كانا يغريان بوضع الروايات الفارسية التي تعظم من شأن البرامكة (ابن الفقيه، ص ٣١٧).
стр. 1634
ويقول البلاذرى (طبعة ده غويه، ص ٤٠٩) أن النوبهار خرب في عهد معاوية، والراجح أن ذلك كان بُعيد عام ٤٢ هـ الموافق ٦٦٣ - ٦٦٤ م Marquart: Emamshah (ص ٦٩). ويقول الطبري إن الأمير نيزك، وهو من أهل البلاد، صلى في نوبهار في زمن متأخر يرجع إلى عام ٩٠ هـ (٧٠٨ - ٧٠٩) وليس لدينا عن آخر البرامكة أبي خالد وأسلافه إلا روايات أسطورية، ولم يستطع ابن خلكان نفسه أن يجزم بإسلام برمك، ويذهب ابن الفقيه (ص ٣٢٤) إلى أن خالدا هو ابن برمك هذا من ابنة أمير صغانيان، ويروى الطبري (ج ٢، ص ١١٨١) (في حديثه عن حملة قتيبة بن مسلم على العصاة في بلخ عام ٨٦ هـ الموافق عام ٧٠٥ م أن زوج الموبذ كانت من السبايا. وأنها أمضت ليلة مع عبد الله أخي قتيبة وأنها حملت بخالد في هذه الليلة، ثم أطلق سراحها مع بقية الأسرى. وظاهر مما أضافه الطبري عن أصل هذ القصة أنها من وضع أبناء عبد الله، لتشريف هذا البيت الفارسي بالدم العربي، كما ذهب البعض، أو لتقريب البيت العربي من البرامكة أصحاب الحظوة عند الخلفاء. ومن المحتمل أن نجد في هذه القصة التاريخ المضبوط لولادة خالد. أما وفاته فقد ذكر أنها كانت عام ١٦٥ هـ الموافق ٨٧١ - ٧٨٢ م، ومعنى ذلك أنه كان في الخامسة والسبعين عندما بلغته الوفاة. وكان أبوه برمك مبرزًا في الفلك والفلسفة والطب، وهو الذي عالج الأمير مسلمة بن عبد الملك من داء ألم به (الطبري، المصدر المذكور). ويستدل من هذا على أن برمك ترك موطنة ورحل إلى دار الخلافة، وكان ذلك؛ كما تقول روايات متأخرة، في عهد الخليفة عبد الملك عام ٨٦ هـ الموافق ٧٠٥ م، وهو العام الذي توفي فيه الخليفة. ويظهر أنه عاد إلى موطنه بعد ذلك. وفي عام ١٠٧ هـ (٧٢٥ - ٧٢٦ م) أعاد، بأمر الوالى أسد بن عبد الله، بناء بلخ التي كانت قد خربت (الطبري، ج ٢، ص ١٤٩٠).
ولا نعرف عن ولادة خالد وتعلمه إلا القليل، وليس هناك من الأخبار ما يدلنا على تاريخ تقربه من الخليفة أبي العباس، أو سبب هذا التقرب الذي بلغ من الوثوق حدًّا جعل زوج كل من
стр. 1635
الخليفة ووزيره ترضع ابنة الأخرى (الطبري، ج ٢، ص ٨٤٠). وبعد عام ١٣٢ هـ الموافق ٧٤٩ - ٧٥٠ م أسند إلى خالد الإشراف على ديوان الخراج. وتقول بعض المصادر إنه كان يلقب بالوزير وقتذاك (المسعودي: التنبيه والإشراف، ص ٣٤٠ - ٣٤٢ Frag. Hist Arab, طبعة ده غويه، ص ٢١٥، ص ٢٦٨) ويظهر أنه كان أول الكتاب الذين حملوا لقب الوزارة. ولم يذكر الوزير أبو سلمة على أنه أول "وزير لبيت محمَّد" بين الكتاب. ولعله كان وزيرًا بالمعنى الذي يفهم من هذه الكلمة في القرآن (سورة طه، آية ٢٩ وما بعدها) أو بالمعنى الذي ورد على لسان أبي بكر في المصادر التاريخية (الطبري، ج ١، ص ١٨١٧، س ٦٦, ص ٢١٤٠، س ١١). بل لم يكن خالد نفسه وزيرًا بالمعنى الذي كانت تحمله هذه الكلمة فيما بعد. ولم تقف شهرته عند القدرة في الحكم والسداد في المشورة بل تعدت دلك إلى البراعة في الحرب. وانضم تحت لواء أبي مسلم وقائده قحطبة بن شبيب مناصرًا آل محمَّد ومحاربًا دولة بني أمية. واستعمل على طبرستان بين عامي ١٤٨ هـ (٧٦٥ م) و ١٥٢ هـ (٧٦٩ م) وخرّب أثناء دلك مَصْمَغَان في جبل دَمَاوَنْد (Eranshahr: marquart, ص ١٣٨) ويقال إن أهل طبرستان بعد هذا الانتصار نقشوا على دروعهم صورة خالد وسلاحه (ابن الفقيه، ص ٣١٤). وفي عام ١٦٣ هـ (٧٧٩ - ٧٨٠ م) ظهرت براعتة الحربية في الاستيلاء على صمالو، وهو من حصون الروم, مع أنه كان قد طعن في السنن (الطبري، ج ٣، ص ٤٩٧).
وأول ما نجد خالدًا يشير على الخليفة المنصور في قصة تخطيط بغداد عام ١٤٦ هـ الموافق ٧٦٣ - ٧٦٤ م, وفي تنازل عيسى بن موسى عن حقه في ولاية العهد عام ١٤٧ هـ الموافق ٧٦٤ - ٧٦٥ م. وتنسب له مبان كثيرة ببغداد، كما ينسب له تخطيط مدينة المنصورة في طبرستان أثناء ولايته عليها؛ وقد نصب قبيل وفاة المنصور عاملا على الموصل بعد أن طلب إليه الخليفة أن يدفع ٢.٧٠٠.٠٠٠ درهم، كما نصب ابنه يحيى على آذربيجان.
стр. 1636
ويقال إن أهل الموصل لم يوقّروا عاملا كما وقروا خالدًا، مع أنه لم يكن يلجأ إلى القسوة قلط في تأديبهم. ويذهب المسعودى (المروج، ج ٦ ص ٣٦١) إلى أن أحدًا من أبنائه لم يضارعه في نبل خصاله.
ويذكر ابن خلكان أن ابنه يحيى توفي في الثالث من المحرم عام ١٩٠ هـ (التاسع والعشرين من نوفمبر عام ٨٠٥ م) بالغًا من العمر السبعين أو الرابعة والسبعين، فيكون قد ولد بلا ريب عام ١٢٠ هـ (٧٣٨ م) أو قبل ذلك ببضع سنين، وهو -على خلاف أبيه- لم يشتهر إلا بأنه كان عاملا ووزيرًا، فلم يرو عنه غزو أو فتح. وأهم ما خلفه من الأعمال قناة سيحان بالبصرة (الطبري، ج ٣، ص ٦٤٥، البلاذرى، ص ٣٦٣). وعهد إليه الخليفة المهدي بتأديب ابنه هارون عام ١٦١ هـ (٧٧٧ - ٧٧٨ م) وبعد عام ١٦٣ هـ (٧٧٩ - ٧٨٠ م) كان يحيى يشرف على ديوان الرسائل لولى العهد الذي استعمل على الغرب (أي جميع الولايات غربي الفرات) بما في ذلك أرمينية وآذربيجان وتعرضت حياته للخطر في الفترة القصيرة التي حكم فيها الخليفة الهادي، لاتصاله الوثيق بهارون الذي رغب خصومه في إرغامه على النزول عن حقه في ولاية العهد. ولكن ما كاد هذا يصل إلى الخلافة حتى استوزر يحيى، وكان لا يزال يدعوه "يا أبت"، وأعطاه سلطة لا حد لها. ومكث يحيى يحكم بمعاونة ولديه الفضل وجعفر سبعة عشر عامًا (٧٨٦ - ٨٠٣ م). أما ابناه الآخران موسى ومحمد فيندر أن يرد لهما ذكر.
وكان الفضل المولود عام ١٤٨ هـ (٧٦٥ - ٧٦٦ م) أكبر ابني يحيى وأعظم من أخيه شأنًا واستُعمل بين عامي ١٧٦ هـ (٧٩٢ - ٧٩٣ م) و ١٨٠ هـ (٧٩٦ - ٧٩٧ م) على الولايات التي كانت تشمل الجبال وطبرستان ودُنْباوَنْد وقومِس كما استعمل مدة من الزمن على أرمينية وآذربيجان وكذلك على خراسان من عام ١٧٨ هـ (٧٩٤ - ٧٩٥ م) إلى ١٧٩ هـ (٧٩٥ - ٧٩٦ م). ويقول اليعقوبى (تاريخه، ج ٢، ص ٥١٦) إنه لم يوفق في حروبه في
стр. 1637
أرمينية، أو في داغستان بنوع خاص. وتنسب إليه في خراسان أعمال ليس من المعقول أن يكون قد قام بها في مدة ولايته القصيرة على هذه البلاد. ويقال إنه جند للخليفة ٥٠٠.٠٠٠ من الخراسانيين اأرسل عشرين ألفا منهم إلى بغداد وظل الباقون في خراسان (الطبري، ج ٣، ص ٦٣١) وأنه أحرز عدة انتصارات باهرة وشيد الكثير من المساجد والرباطات وحفر قناة جديدة في بلخ Chrestomathie: Schefer Persane، ج ١ ص ٨٨, ٧١) وشيد مسجدًا جامعًا جديدًا في بخارى، وهو أول من أدخل القناديل في المساجد في رمضان (نرشخى. طبعة Schefer, ص ٤٨). ويروى المسعودى (المروج، ج ٦، ص ٣٦٣) أن الفضل عكف في الأيام الأولى لولايته على اللهو والصيد ولم ينته عن ذلك إلا بعد أن جاءه كتاب من أبيه.
أما جعفر الذي استفاضت شهرته في القصص فيما بعد، والمولود عام ١٥٠ هـ (٧٦٧ م) والذي كان في السابعة والثلاثين من عمره عند ما بلغته الوفاة، فإن الناس لم يمتدحوا منه إلا حسن خطه وبلاغة منطقة وعلمه بالفلك، ويؤثر عنه أنه كان مثلًا يحتذى في اتخاذ الأزياء، وهو أول من استعمل رباط الرقبة لطول عنقه (الجاحظ: البيان والتبيين، ج ٢ ص ١٥١) وترد أسباب صلته بالخليفة -ولم يكن أبوه يحيى راضيًا عنها- إلى رذيلة مشهورة في الشرق (الطبري، ج ٣، ص ٦٧٦ م). ويبدو أن جعفرًا لم يفارق الخليفة إلا في رحلة قصيرة إلى الشام عام ١٨٠ هـ (٧٩٦ - ٧٩٧ م) لكي يصلح بين قبائل العرب التي كان يقاتل بعضها بعضًا، كما فعل أخوه موسى قبل ذلك بأربعة أعوام، ومع هذا فقد أسرف في التعبير عن حزنه لفراق الخليفه ورغبته في العودة إليه (الطبري، ج ٣، ص ٦٤٢). واستعمله الخليفة على ولايات واسعة عدة مرات، ولكنه لم يكن يذهب إليها، وإنما كان يحكمهما دائما نوّاب من قبله. ولا نستطيع أن نجزم من المصادر التي بين أيدينا بأنه أشرف على شئون الدولة بنفسه باعتباره وزيرًا أو نعين المبانى والأعمال التي قام بها. ولا يدل على نفوذه إلا ظهور اسمه على سكة الخليفة.
стр. 1638
ولم يكن لأبيه نفسه من سعة النفوذ خلال الأعوام السبعة عشر التي قضاها في الحكم ما يروى عنه، وكان عليه في الأعوام الأولى لحكمة أن يعرض شئون الرعية على الخيزران أم الخليفة المتوفاة سنة ١٧٣ هـ الموافق ٧٨٩ - ٧٩٠ م، فلما توفيت احتجز الرشيد الخاتم من جعفر وعهد بجانب كبير من أمور الرعية إلى الفضل بن الربيع وهو الذي نافسهم وخلفهم على دست الوزارة فيما بعد. وفي عام ١٧٩ هـ الموافق ٧٩٥ - ٧٩٦ م خلف الفضل محمدًا بن خالد البرمكى في الحجابة وكان استعمال علي بن عيسى بن ماهان على خراسان مخالفًا لرغبة الوزير (الطبري، ج ٣، ص ٧٠٢). وفي حجة عام ١٨١ هـ (أوائل عام ٧٩٨ م) أجيب إلى طلبه في اعتزال الحكم والبقاء في مكة (الطبري، ج ٣، ص ٦٤٦)، ولكنه عاد إلى بغداد في العام التالي، ويظهر أنه تسلم أزمة الحكم مرة أخرى.
ويتضح من هذه الأقوال أن نكبة البرامكة سبقتها تمهيدات من زمان طويل، ولم تكن راجعة إلى رغبة فجائية للخليفة. ففي الليلة الأولى من صفر عام ١٨٧ هـ (٢٩ يناير عام ٨٠٣ م) قتل جعفر بأمر الخليفة وأعقب ذلك زج يحيى وأبنائه الثلاثة الآخرين في السجن وصودرت أملاكهم وأعطى الأمان لأقارب الوزير، ولم يلحق بمحمد بن خالد، أخي يحيى، وأسرته مكروه؛ ثم أمر الرشيد فعلق رأس جعفر على جسر بغداد الأوسط, كما علق نصفا جسمه على الجسرين الآخرين، واحتجز الوزير وأبناؤه في مدينة الرَقَّة. ومات يحيى والفضل قبل الخليفة، ولا نعرف شيئًا عن مصير موسى ومحمد. ويظهر أن عِمْران بن موسى كان الحفيد الوحيد للوزير البرمكى الذي برز في الشئون العامة، فقد ذكر في حوادث سنة ١٩٦ هـ الموافق ٨١١ - ٨١٢ م أنه دافع عن المدائن بلد آل ساسان أمام جيش المأمون (الطبري، ج ٣، ص ٨٥٩ وما بعدها)؛ ثم ورد ذكره مرة أخرى سنة ٢١٦ هـ (٨٣١ م) نائبًا لعامل السند (المصدر السابق، ج ٣، ص ١١٠٥). كما ذكر أبو القاسم عباس بن محمَّد
стр. 1639
البرمكى على أنه واحد من آخر وزراء الدولة السامانية (Turkestan: Barthold wepochu mongolskago nachestuija ج ٢، ص ٢٧٨ متبعًا رواية الكرديزى) ولم يرد ما يفيد نسبته إلى هذه الأسرة، وفي القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) نجد حسن البرمكى الدانشمندى قد أسفر عدة مرات بين الدولة الغزنوية وبلاط الخليفة (البيهقي، طبعة مورلى Morely, ص ٤٤١ وما بعدها). أما محمَّد بن جهم البرمكى المترجم المشهور لكتاب "خداى نامه" فالراجح إنه كان واحدًا من موالى البرامكة، كما ذهب البعض، وكذلك كان المنجم الذي ذكره الطبري (ج ٣، ص ٤٩٧ وما بعدها) في حوادث سنة ١٦٣ هـ (٧٧٩ - ٧٨٠ م).
ولا تساعدنا المعلومات التي بين أيدينا في إحصاء أعمال البرامكة وتقدير فضائلهم ومساوئهم. والشائع أنهم كانوا مسلمين معروفين بالتقى اشتهروا بحجهم وبالمبانى التي شيدوها، بيد أن خصومهم يتهمونهم بعدم الاحتفال بالإسلام وتعاليمه، فقد أورد الجاحظ ببيتين من الشعر في كتابه "البيان والتبيين" (ج ٢، ص ١٥٠) لشاعر مجهول - وإن كان ابن قتيبة قد نسبهما في "عيون الأخبار" (ص ٧١، طبعة بروكلمان) للأصمعى اللغوي- قال فيهما:
إذا ذُكر الشرك في مجلس ... أنارت وجوه بني برمك
وإن تليت عندهم آية ... أتوا بالأحاديث عن مروك (١)
(انظر فيما يختص بهذا الكتاب مصنف حمزة، طبعة Gottwaldt، ص ٤١). وقال شاعر آخر (البيان والتبيين، وعيون الأخبار، المصدران المذكوران) عن نفسه:
стр. 1640
إن الفراغ دعاني ... إلى ابتناء المساجد
وإن رأيى فيها ... كرأى يحيى بن خالد
ويقال أن المنصور اتهم وزيره خالدا بأن هواه مع الفرس (الطبري، ج ٣، ص ٤٢). ويقول الطبري (ج ٣، ص ٥٧٢ وما بعدها) إن الهادي اتهم يحيى بالكفر، والراجح أن يكون الرشيد قد أوقع بالبرامكة لتهم مثل هذه، ولكن شيئًا من هذا لم تذكره المصادر. ومما يدل على أن سقوط البرامكة له صلة بالعودة إلى تعاليم الإِسلام الحقة أن السكة بعد سنة ١٨٧ هـ لم تكن تحمل اسم الخليفة أو ولى عهده كما كانت الحال منذ عهد المهدي.
ولم ينكر أحد من أنصار البرامكة أنهم لم يغنوا الدولة فحسب، بل أغنوا مواليهم أيضًا، وكان المؤرخون يميلون دائما لأهل القلم لأسباب واضحة، ولذلك فإن التاريخ, حتى الذي برئ من التحيز للفرس، أسرف في مدح البرامكة الذين كانوا يعتبرون منشئى هذه الطبقة، وسكت عن كثير من مساوئهم. ويجب ألا نعتمد كثيرا على ما يقال من أن عهد هارون الرشيد كان العصر الذهبي للخلافة الإِسلامية (الطبري، ج ٣، ص ٥٧٧ وما بعدها) أو أن الرشيد أحسن الحكم طالما كان البرامكة معه كما زعم بعض المؤرخين (المسعودى: التنبيه، ص ٣٤٦, Frag. .Hist. Arab, ص ٣٠٩)، ومع هذا فإن الرواية الشائعة تؤيد حكم المؤرخين في الحالتين. أو أنهم استطاعوا أن يوطدوا النظام في ولاية عربية خالصة كولاية الشام.
المصادر:
(١) ضياء الدين برنى: زخبار برمكيان، في: Chrestomathie persone Schefer ج ٢ ص ٢ - ٥٤.
(٢) المسعودي: مروج الذهب، ج ٦, ص ٣٦١ وما بعدها، ص ٣٨٦ وما بعدها.
(٣) ابن خلكان: ترجمة ده سلان، ج ١، ص ٣٠١ وما بعدها.، ج ٢، ص ٤٥٩ وما بعدها، ج ٤، ص ١٠٣ وما بعدها.
стр. 1641
(٤) الطبري، انظر الفهرس. (انظر كذلك المصادر المذكورة بصلب المادة).
[بارتولد W. Barthold]
٢ - خالد بن برمك
لا نكاد نعرف شيئًا عن نشاط خالد حتى ظهر حوالي نهاية العصر الأموى في صفوف الحركة الهاشمية، وهنالك وكل إليه توزيع الغنائم في جيش قَحْطَبةَ. ثم أقامه الخليفة الجديد السفاح بُعيد ذلك على ديوانى الجند والخراج، ثم عهد إليه الأشراف على هذا المكتب كله حتى لقد أصبح له -في قول مؤرخ من المؤرخين الإخباريين- شأن الوزير. وأحق بالخدمة الشخصية للخليفة، فأتاح له هذا شرف رؤية ابنته هو ترضعها زوجة السفاح على حين كانت زوجته هو أيضًا مرضعة لابنة مولاه. وظل خالد في عهد المنصور يلعب دورا هامًّا، دون أن يكون اليد اليمنى للخليفة كما تردد كثيرا على سبيل التأكيد. ويظهر أنه ظل عامًّا على الأقل مديرا لديوان الخراج، ولو أنه سرعان ما أقصى من الإدارة المركزية بفعل أبي أيوب المتآمر. وأقيم خالد واليا على فارس، ويبدو أنه قضى في هذا المنصب نحوا من سنتين. ثم نراه بعد ذلك في بغداد يقنع الخليفة -في قول رواية مشهورة- بالعدول عن تدمير إيوان كسرى، وقد اشترك سنة ١٤٧ هـ (٧٦٤ - ٧٦٥ م) في المناورات التي حملت عيسى بن موسى على النزول عن حقوقه في الخلافة، وبذل النصيحة لأبي عبيد الله معاوية الذي كان وقتذاك عائدًا من الري. وأقيم خالد من بعد واليا على طبرستان، وبقى فيها حوالي سبع سنين (وقد اشتهرت السكة التي ضربت باسمه بين سنتى ١٥٠ و ١٥٤ هـ = ٧٦٧ - ٧٧١ م) واستولى على حصن أستونا وَنْد قرب دَمَاوَنْد وحبب إليه سكان هذين الإقليمين حيث أقام المدينة الجديدة المنصورة. والراجح أن هذا هو الوقت الذي أصبح فيه حفيده الفضل بن يحيى أخا في الرضاع لهارون بن المهدي. والظاهر أنه قد فرضت عليه غرامة كبيرة آخر الأمر سنة ١٥٨ هـ (٧٧٥ م)، أي قبيل وفاة المنصور، ثم أعفى منها وأقيم واليا على إقليم الموصل، وكانت قد شبت في هذا الإقليم
стр. 1642
فتنة كرديه. ونجده في بداية خلافة المهدي في فارس, لظاهر أنه أبلى أيضًا البلاء الحسن كما فعل ابنه يحيى في نفس الوقت، وذلك في حصار صَمَالو بأرض الروم، ولو أنه توفي بعيد ذلك سنة ١٦٥ هـ (٧٨١ - ٧٨٢ م) في الخامسة والسبعين من عمره تقريبا.
المصادر:
(١) Les Barmecides: L. Bouvat، ص ٣٧ - ٤٣.
(٢) الطبري: الفهرس.
(٣) الجهشيارى: كتاب الوزراء والكتاب: الفهرس.
(٤) المسعودي: مروج الذهب، ج ٥، ص ٤٤٤.
(٥) ابن الفقيه، ص ٣١٤.
(٦) ياقوت، ج ١، ص ٢٤٤.
(٧) ابن خلكان، طبعة القاهرة، سنة ١٩٤٨, ج ١، ص ٢٩٥ - ٢٩٦.
(٨) Arab-Sassa nian Coins: J. Walker لندن سنة ٧٠٦, ١٩٤٦.
٣ - الوزارة وسقوط البرامكة
عندما اختار هارون الرشيد يحيى بنَ خالد وزيرًا كان له رصيد من الشهرة لا بأس به. وقد عاون يحيى أباه في ولايته على أقاليم مختلفة، ثم أقيم هو سنة ١٥٨ هـ (٧٧٥) واليا على آذربيجان. وكان لا يزال في صف خالد في فارس عند بداية عهد المهدي، وأصبح سنة ١٦١ هـ (٧٧٨ م) كاتب سر الأمير هارون ومؤدبه حالًا محل أبان بن صدقة، وقد صحب هذا الأمير في حملة صمالو, ووكل إليه بصفة خاصة مؤونة الجيش. وبعد ذلك بقليل بويع لتلميذه بأن يلي الخلافة بعد ولى العهد وأقيم واليا على الأقاليم الغربية وعلى آذربيجان وأرمينية، فكان يحيى يدير هذا الجزء من الإمبراطورية الإِسلامية. وثبت يحيى في منصبه بعد وفاة المهدي، إلا إنه وجد نفسه محل عداوة الخليفة الجديد الهادي، إذ اتهمه هذا الخليفة بنصرة هارون عليه وتشجيع هارون على تعزيز حقوقه في ولاية الخلافة، وهو أمر قدر له أن ينتهى بسقوط الهادي في وقت جد قريب. على أنه حدث في الليلة نفسها
стр. 1643
التي ألقى فيها يحيى في السجن ليلاقى حتفه كما أخبرنا، أن وجد الهادي ميتا، وثمة أقوال تذهب إلى أن الخيزران أم الخليفة التي كانت تؤيد هارون كانت لها صلة بموته.
ومهما يكن من شيء فإن هارون الرشيد قد بادر بمجرد بيعته إلى استدعاء يحيى وعهد إليه تدبير الأمور وفوضه تفويضا عاما في ممارسة السلطة. وتلقى هذا الكاتب المقتدر لقب الوزير، وأشرك من أول الأمر ابنيه الفضل وجعفرا في مباشرة الواجبات الإدارية والحكومية. وكثيرا ما كانا يتوليان الرئاسة معه، وكانا يلقبان أيضًا بلقب الوزارة فيما يظهر. وظل يحيى في منصبه سبعة عشر عاما، من سنة ١٧٠ هـ (٧٨٦ م) إلى سنة ١٨٧ هـ (٨٠٣ م)، وقد أشار بعض الكتاب إلى هذه الفترة بعبارة "سلطان آل برمك". واشتغل يحيى برد المظالم باسم الخليفة. كما كانت له سلطة اختيار كتابه الذين باشروا العمل وكلاء عنه، وكان يحيى من حيث العمل رأس الإدارة. بل إن وظيفة الخاتم التي أمسكت عنه في أول الأمر، سرعان ما وضعت تحت إشرافه. وكذلك تقول الروايات بأن الرشيد قد أسلمه خاتمه الخاص، دليلًا على السلطة الجديدة التي كان يباشرها الوزير. وهذا الخاتم الذي عهد به إلى جعفر قد عاد إلى يحيى من بعد، ولكنه نزل عنه عندما رحل للإقامة بمكة، ثم رد إلى جعفر بعد أن كان قد استرده يحيى بعد عودته من مكة.
ولم يقنع ابنا يحيى -الفضل وجعفر- بمجرد مؤازرة أبيهما في تولى السلطة وإنما باشرا أيضًا مسئوليات هامة. فقد كان للفضل، وهو أكبرهما فضلا عن كونه أخا هارون في الرضاع، شأن خطير في السنوات الأولى. ذلك أنه أقيم سنة ١٧٦ هـ (٧٩٢ م) , أو ربما قبل ذلك، على رأس الولايات الغربية لإيران، وأنفذه الخليفة لقتال يحيى بن عبد الله العلوى الذي كان قد افتتن. واستطاع أن يحمل يحيى هذا على الخضوع بالمفاوضة. وفي العام التالي أقيم الفضل واليا على خراسان فقام فيها بدور الموّفق والبناء، فقد هدّا من ثائرة إقليم كابل وجنّد هناك جيشا محليا أرسل بعضه، كما قيل، إلى بغداد. فلما عاد الفضل إلى
стр. 1644
البلاط ترك نائبا عنه يلي أمر ولايته التي ظل محتفظا بها حتى عام ١٨٠ هـ (٧٩٦ م). والظاهر أنه كان سنة ١٨١ هـ (٧٩٧ م) يلي أمر الحكم في غيبة أبيه. على أنه كان أول متفقد حظوة الخليفة، فقد أغضبه غضبا شديدًا فجرده هارون من جميع مناصبه إلا قيامه بتأديب الأمير محمَّد الأمين، وكان الرشيد قد أخذ البيعة على العهد إليه بالخلافة من بعده سنة ١٧٨ هـ (٧٩٤ م).
أما جعفر-الذي أغرم الكتّاب بتأكيد فصاحته وتضلعه في الفقه- فقد وكلت إليه سنة ١٧٦ هـ (٧٩٢ م) ولاية الأقاليم الغربية مع أنه ظل مقيما بالبلاط، ولم يتركه إلا سنة ١٨٠ هـ (٧٩٦ م) لإخماد الفتن التي نشبت في الشام، ثم أقيم بعد ذلك واليا على خراسان إلى حين، وعهد إليه حرس الخليفة كما عهد إليه منصب صاحب البريد وصاحب السكة والطراز (والحق إن اسمه يظهر على السكك التي ضربت في الشرق منذ سنة ١٧٦ هـ = ٧٩٢ م، ثم على السكك التي ضربت في الغرب بعد ذلك). وكان إلى ذلك مؤدبا للأمير عبد الله المأمون الذي عهد إليه بالخلافة بعد الأمين سنة ١٨٢ هـ (٧٩٨ م). وكان فوق ذلك كله صفيّ الخليفة، إن لم يكن ساقيه كما يزعم كثيرا.
أما وقد كان تأديب وليى العهد اللذين رتب لهما أن يقتسما بالفعل الإمبراطورية الإِسلامية موكلا إلى ابني يحيى، فإن السلطة كانت خليقة أن تبقى في يد آل برمك أمدا طويلا، لو أن الرشيد سمح بذلك. على أن الخليفة عندما عاد من الحج الذي أداه مع حاشيته سنة ١٨٦ هـ (٨٠٢ م) قرر فجأة أن يتخلص من سيطرتهم. ففي ليلة السبت غرة صفر سنة ١٨٧ (٢٨ - ٢٩ يناير سنة ٨٠٣) أمر بجعفر فقتل، وقبض على الفضل وإخوته، ووضع يحيى تحت المراقبة واستصفيت أملاك جميع البرامكة فيما عدا محمَّد بن خالد. وترك جثمان الفضل معروضا للناس في بغداد سنة. أما الفضل ويحيى نفسه -الذي كان قد أبدى الرغبة في أن يشارك ولديه مصيرهما- فقد حملا إلى الرقة سجينين. وهناك توفي يحيى في المحرم سنة ١٩٠
стр. 1645
(نوفمبر ٨٠٥) عن سبعين عاما، وتوفى الفضل في المحرم سنة ١٩٣ (نوفمبر سنة ٨٠٨ م) بالغا من العمر خمسة وأربعين عاما.
وهذه النكبة التي حلت بالبرامكة فاجأت معاصريهم فلم يستطيعوا أن يجدوا لها تفسيرا مقنعا، فابتدعوا أسبابا خرافية مثل قصة العبّاسة التي ظلت مدة طويلة تعلو على جميع الأسباب. وقد ظل الأصل في سقوطهم خفيًّا في بعضه على المؤرخين المحدثين، ولكن من العسير أن يقال إنه كان نتيجة لنزوة أصابت الخليفة فجأة. وحتى إذا كان هذا السقوط "قد دبر من قبل" كما قال بارتولد، فإنه يكون قد دبر قبل سقوطهم بوقت طويل، دبره خليفة فرض عليه أن يحتمل وصاية وزرائه في ضيق متزايد، خليفه اتهمهم في بعض الأوقات بالجرى على سياسة تناقض مصالحه هو.
ولم تكن وزارة البرامكة حقا هي عهد الوئام الكامل كما صورتها القصص بعد ذلك. إذ بالرغم مما قيل في هذا الموضوع فإن أسباب الخلاف كانت قائمة بين الخليفة ومؤدبه السابق الذي لم تكن يده قط مطلقة كل الإطلاق في الحكم. ذلك أنه لم يكن في السنوات الأولى مضطرًا، كما قال بارتولد من قبل، إلى الرجوع إلى الخيزران فحسب، وقد كانت تنصره دائمًا وهي بقيد الحياة، بل كان أيضًا مضطرا في كثير من الأحيان إلى الانصياع إلى رغبات الخليفة والالتجاء إلى تلك البراعة التي اشتهر بها كثيرا. بل إنه كان في بعض الأحيان لا ينجح في فرض آرائه. ثم إن الرجل الذي أقيم على خراسان خلفا للفضل سنة ١٨٠ هـ (٧٩٦) قد ولى على غير ما نصح. وكان الفضل يجد نفسه في أحيان أخرى مضطرا لأن يتذرع بحجج يأخذ فيها بأوساط الأمور إلى حد كبير. ومن ثم نجده يسرع بالخروج من بغداد إلى الرقة سنة ١٨٣ هـ (٧٩٩ م) ليصرف النظر عن غضب الخليفة على الفضل ولا يفلح في ذلك إلا على حساب إنكار مسلك ابنه. وقد حدث في وقت متقدم عن ذلك كثيرا أن كان للدسائس شأن في إضعاف مركزه، فقد كان الخليفة عند وفاة أمه متطلعا إلى إسباغ آيات الشرف على رجل حاشيته المصقول
стр. 1646
الفضل بن الربيع، وكان قد بدأ منذ وقت طويل يهتم به، ثم أقامه زيادة على ذلك حاجبا سنة ١٧٩ هـ (٧٩٥ م) مكان محمَّد بن خالد البرمكى. وكان لهذا الوجيه الجديد نفوذ متزايد في البلاد، وقد أدرك بعين بصيرته أوجه قصور خصومه وأثار حنق الرشيد عليهم.
وكذلك لم تكن صلات الخليفة بأبناء يحيى على وئام في جميع الأحوال، ذلك أن الخليفة لم يكن يحبذ السياسة المنحازة إلى العلويين التي كان يسير عليها الفضل الذي لم يكن فيما يبدو قد رزق المرونة المأثورة عن أبيه. وأقصى الفضل عن السلطة سنة ١٨٣ هـ (٧٩٩ م) قبل أن تحل النكبة بالبرامكة فتدول دولتهم بأربع سنوات. وحتى جعفر -الذي كان ينعم فيما يظهر بثقة الخليفة التامة وبقى سلطانه عليه مدة أطول من سائر البرامكة- لم يأمن شكوك مولاه الجموح وقد عنّف مرة على إساءة استخدام سلطته.
وكان من المألوف جدًّا بطبيعة الحال أن يتعدل موقف الرشيد من البرامكة أثناء السبعة عشر عاما من سيادتهم، فقد قنع الخليفة عند ولايته الخلافة في سن الثالثة عشرة بأن يسير على نصيحة والدته ويعفى نفسه من بعض المسؤوليات بإيكالها ليحيى. على أن هذا الموقف الذليل بدأ يثقل عليه، واشتد ذلك عليه منذ زادت رغبته في فرض إرادته بمرور السنين، على حين راح البرامكة يملئون معظم مناصب الدولة الجليلة بأقاربهم ومواليهم ويعدون العدة لإقامة ما يشبه الوزارة الوراثية، فأصبحوا بذلك دولة داخل الدولة، وهم قد جمعوا في الوقت نفسه ثروة ضخمة أثارت طمع مولاهم وأصبح كرمهم الذي صار مضرب المثل يستلفت الأنظار باستمرار. وإذا كانت الأسباب المختلفة كافية لتبرير سقوطهم، فإن وحشية المعاملة التي حلت بجعفر كانت بلا شك جزاء للحب الذي أفاءه عليه الخليفة والذي كان من شأنه أن يؤجل الخاتمة المحتومة التي نزلت به. على أن التهم التي رمت البرامكة أيام سطوتهم بالزندقة في بعض الأحيان، ليس لها فيما يبدو نصيب في النكبة التي حلت بهم، بل إن هذه التهم لم يكن لها فيما يظهر أي أساس من الحقيقة. صحيح
стр. 1647
أن هؤلاء الكتّاب الإيرانيى الأصل قد أظهروا اهتمامًا خاصًّا بالروائع الأدبية التي وفدت من إيران والهند، وكذلك بالمباديء المختلفة في الفلسفة والدين وأبدوا الميل إلى الاستماع إلى مناقشتها, ولكن هذه الأمور كانت من الأذواق التي فشت في المجتمع البغدادي لهذا العصر ولم تلازمها بالضرورة آراء متزندقة. زد على ذلك أن البرامكة قد هيأوا أنفسهم تماما للأخذ بما جرى عليه عرف البلاط العباسى الذي كانوا يعيشون فيه. لقد كانوا يقدرون كل التقدير الشعراء والكتاب العرب، وأبدوا -شأن كثير جدًّا من الموالى- حبا للظهور بمظهر الكرم مستلهمين التقاليد البدوية. ومع أنهم اتخذوا في كثير من الأحيان موقف التراضى حيال سكان الولايات أو نحو بعض الدول الخاضعة للدولة، إلا أنهم لم يحاولوا فيما يظهر أن يؤثروا المأمون -ابن المرأة الفارسية- على أخيه. وهم فيما يبدو قد خدموا أولًا الخلافة في كفاية وإخلاص مهدئين خواطر الناس في إيران الشرقية، ومخمدين للفتن التي نشبت في الشام بل في إفريقية، محققين إخضاع المنتقضين بما فيهم العلويون، موجهين أداة الحكم في نظام وأمان، كافلين للدولة موارد هامة، ناهضين بالمرافق العامة (مثل قناة القاطول وقناة سيحان)، رافعين للمظالم بالعدل والقسطاس على هدى ما حكمت به الشريعة، معززين القضاء بإنشاء منصب قاضي القضاة. ولا شك أنهم بتصرفهم وسلوكهم قد عجلوا بصبغ البلاد بالصبغة الإيرانية التي بدأت تتضح منذ قيام العصر العباسى، نافثين في الوزارة طابعا لم يَن عن أن يجذب أنظار المقلدين الذين جاءوا بعدهم، على إنه بالرغم من الامتيازات الجديدة التي منحت لهم وهيبتهم الخارقة فإن سلطانهم كان مسألة شخصية إلى حد كبير، شأنها شأن المأساة التي أودت بهذا السلطان، ولا يبدو لنا أنهم سعوا بحال إلى تغيير الوزارة على نسق ساسانى نظرى.
ولم يكن نشاط البرامكة مقصورا على السياسة والحكم فحسب، فهم قد حققوا أيضًا أمورًا هامة في ميدانى الثقافة والفن. ذلك أنهم بلا شك سلكوا مسلك الرعاة للشعراء، يوزعون العطايا
стр. 1648
بين مدّاحيهم على يد جهاز خاص أقاموه لهذا الغرض بالذات، وهو "ديوان الشعر"، وكانوا يرعون العلماء ويجمعون المتكلمين والفلاسفة في دورهم ويعقدون بينهم مجالس ظلت شهرتها باقية. كانوا يشجعون الفنون، وكانوا هم أنفسهم أرباب العمارة الكبار، خلفوا قصورا عدة في بغداد، أصبح أشهرها، وهو قصر جعفر، مقر الخلافة من بعد.
وكذلك لم يختف سلطان البرامكة بسقوطهم، بل هو قد ظل نافذا في السنين التالية على يد وزراء وكتاب تسلموا السلطة في عهد المأمون، وكان معظم هؤلاء مواليهم وتابعيهم السابقين كما هي حال الفضل بن سهل المشهور. ومن المعروف حقا أن وزراء الرشيد كانوا أيام ظهور البرامكة يجمعون حولهم طائفة من الكتاب ذوي الكفاية البارزة لم يستطع الخلفاء الذين أتوا بعده أن يستغنوا عنهم.
ونجد أخيرا كتب الأدب تشيد بخصالهم الحميدة المشهورة وتبالغ في ذلك بعض المبالغة أحيانا (حكمة يحيى وما رزق من موهبة التنبؤ بالحوادث، وترفع الفضل وكرمه المبذول، ورشاقة أسلوب جعفر)، على حين نجد بعض القصص، مثل تلك التي دخلت من بعد في كتاب ألف ليلة وليلة، تضفى الشهرة على شخصية جعفر الوزير وصحبته للرشيد.
المصادر:
(١) Les Barmecides: L. Bouvat
(٢) Le Vizirat Abbaside, D. Sourdel
(٣) الجهشيارى: كتاب الوزراء والكتّاب، الفهرس.
(٤) ابن عبد ربه: العقد الفريد، طبعة القاهرة سنة ١٩٥٤ - ١٩٥٣، ج ٣، ص ٢٦ - ٣٤.
(٥) الطبري: الفهرس.
(٦) اليعقوبي، الفهرس.
(٧) ابن خلكان، هذه المادة.
٤ - أفراد آخرون من أسرة البرامكة
كان ليحيى أخٌ هو محمَّد بن خالد الذي كان حاجبا منذ عام ١٧٢ هـ
стр. 1649
(٧٨٨ م) إلى عام ١٨٩ هـ (٧٩٥ م) , وهو الوحيد من أفراد الأسرة الذي أمسك عنه الخليفة عند سقوط الأسرة.
وقد كان له -علاوة على الفضل وجعفر- ابنان آخران هما محمَّد وموسى، وكانا أقل من ذلك تألقا إلا أنّه كان لهما شأن في البلاط. وقد اشتهر موسى بالشجاعة في الحرب، وكان واليا على الشام سنة ١٧٦ هـ (٧٩٢ م). وقد ألقى بهذين الأخوين في السجن سنة ١٨٧ هـ (٨٠٣ م) هما وأبوهما وأخوهما, ولكن أطلق سراحهما الأمين الذي أبدى نحوهم الكرم والسماحة، وظل موسى بالعراق وحارب في جيش الخلافة، ثم انحاز إلى المأمون فأقامه بعد ذلك واليا على السند. وتوفى موسى سنة ٢٢١ هـ (٨٣٥ م) تاركا ابنا يدعى عمران خلف أباه وأبلى البلاء الحسن في عدة حملات. أما محمَّد فقد انضم إلى بلاط المأمون في مرو، وفيه خلفه ابنه محمَّد وابن أخيه العباس بن الفضل.
ونذكر من سلالة البرامكة العديدين واحدا اشتهر بالموسيقى والأدب ألا وهو أحمد بن جعفر الملقب بجَحْظَة وهو حفيد موسى بن يحيى والصاحب الحميم للخليفة المقتدر.
المصادر:
(١) Les Bermecides: L. Bouvat, ص ١٠١ وما بعدها.
(٢) الجهشيارى: كتاب الوزراء والكتاب، طبعة القاهرة، ص ٢٩٧ - ٢٩٨.
٥ - النسبة: البرامكة
حمل هذه النسبة أيضًا أشخاص لا ينتسبون إلى أسرة البرامكة. والطائفة الأولى من هؤلاء تشمل موالى البرامكة وأرقاءهم الخصيان وأحفادهم. أما الآخرون فكانوا سكانا لذلك الحي من بغداد الذي أطلق عليه اسم البرامكة. ويشمل هؤلاء المغنية دنانير، والأديب محمَّد بن الجهم، وفلكيا شهد حصار صمالو ووزيرا للسامانيين، ورسولا للغزنويين.
وقام في زمن متأخر عن ذلك عدد من الأسر زعمت أنها تنتسب للبرامكة (مثل شربداران في خراسان، وبرامك في توات). ونجد أخيرا قبيلة منها
стр. 1650
أولئك المسميات في مصر بالغوازى،
واللاتى ظللن إلى عهد قريب في مصر، وتزعم هذه القبيلة أنها من نسل البرامكة.
المصادر:
(١) Les Bermecides: L. Bouvat، ص ١٠٥ وما بعدها.
خورشيد [سوردل D. Sourdel]
البراهمة
كان أبو الريحان البيروني الأفضل بل الأوحد من بين المؤلفين العرب الذين وقفوا على أسرار الهند البرهمية، ومصنفه الجليل عن الهند (طبعة وترجمة سخاو سنة ١٨٨٨ م، وطبعت الترجمة حديثًا سنة ١٩١٠ م) يشهد بأنه درس تلك البلاد دراسة توافرت له فيها مواهب لا نظير لها في ميادين الفلسفة والأدب والعلوم. وهو حجة في حديثه عن طبقات الهند والبراهمة وعن طريقة معيشتهم وماهية كتبهم ودينهم وعلومهم.
وقد درس البيرونى اللغة السنسكريتية ونقل منها إلى العربية طائفة من كتبها، وكان ملما بكتب الهنود المقدسة وهي البيذ والبراناث - Ve das Puranans ومطلعًا على كل شيء حتى علم العروض السنسكريتى. أما علم ما وراء المادة عند البرهمية فقد كان محيطا بدقائقه إحاطته ببعض أساطيرهم. وله أبحاث في موضوع بيضة براهم (١) ومختلف أدوار حياة العالم وفي موضوع الكليا واليوجا والتناسخ والثواب على الأعمال في العوالم المختلفة وفي النجاة. وقد ألف البيرونى كتابه هذا في مدينة غزنة، أعنى في بقعة كان بها كثيرون من السكان الهنود (حوالي سنة ١٠٣٠ م) وكان قد تنقل من قبل في بلاد البنجاب.
وإذا استثنينا هذا المصنف الجليل فإن معلومات مؤرخى العرب عن مذهب البرهمية وعن الهند شحيحة جدا. أما التفصيلات الوافية أو المعلومات