← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الفضل بن الربيع، وكان قد بدأ منذ وقت طويل يهتم به، ثم أقامه زيادة على ذلك حاجبا سنة ١٧٩ هـ (٧٩٥ م) مكان محمَّد بن خالد البرمكى. وكان لهذا الوجيه الجديد نفوذ متزايد في البلاد، وقد أدرك بعين بصيرته أوجه قصور خصومه وأثار حنق الرشيد عليهم. وكذلك لم تكن صلات الخليفة بأبناء يحيى على وئام في جميع الأحوال، ذلك أن الخليفة لم يكن يحبذ السياسة المنحازة إلى العلويين التي كان يسير عليها الفضل الذي لم يكن فيما يبدو قد رزق المرونة المأثورة عن أبيه. وأقصى الفضل عن السلطة سنة ١٨٣ هـ (٧٩٩ م) قبل أن تحل النكبة بالبرامكة فتدول دولتهم بأربع سنوات. وحتى جعفر -الذي كان ينعم فيما يظهر بثقة الخليفة التامة وبقى سلطانه عليه مدة أطول من سائر البرامكة- لم يأمن شكوك مولاه الجموح وقد عنّف مرة على إساءة استخدام سلطته. وكان من المألوف جدًّا بطبيعة الحال أن يتعدل موقف الرشيد من البرامكة أثناء السبعة عشر عاما من سيادتهم، فقد قنع الخليفة عند ولايته الخلافة في سن الثالثة عشرة بأن يسير على نصيحة والدته ويعفى نفسه من بعض المسؤوليات بإيكالها ليحيى. على أن هذا الموقف الذليل بدأ يثقل عليه، واشتد ذلك عليه منذ زادت رغبته في فرض إرادته بمرور السنين، على حين راح البرامكة يملئون معظم مناصب الدولة الجليلة بأقاربهم ومواليهم ويعدون العدة لإقامة ما يشبه الوزارة الوراثية، فأصبحوا بذلك دولة داخل الدولة، وهم قد جمعوا في الوقت نفسه ثروة ضخمة أثارت طمع مولاهم وأصبح كرمهم الذي صار مضرب المثل يستلفت الأنظار باستمرار. وإذا كانت الأسباب المختلفة كافية لتبرير سقوطهم، فإن وحشية المعاملة التي حلت بجعفر كانت بلا شك جزاء للحب الذي أفاءه عليه الخليفة والذي كان من شأنه أن يؤجل الخاتمة المحتومة التي نزلت به. على أن التهم التي رمت البرامكة أيام سطوتهم بالزندقة في بعض الأحيان، ليس لها فيما يبدو نصيب في النكبة التي حلت بهم، بل إن هذه التهم لم يكن لها فيما يظهر أي أساس من الحقيقة. صحيح

стр. 1647

أن هؤلاء الكتّاب الإيرانيى الأصل قد أظهروا اهتمامًا خاصًّا بالروائع الأدبية التي وفدت من إيران والهند، وكذلك بالمباديء المختلفة في الفلسفة والدين وأبدوا الميل إلى الاستماع إلى مناقشتها, ولكن هذه الأمور كانت من الأذواق التي فشت في المجتمع البغدادي لهذا العصر ولم تلازمها بالضرورة آراء متزندقة. زد على ذلك أن البرامكة قد هيأوا أنفسهم تماما للأخذ بما جرى عليه عرف البلاط العباسى الذي كانوا يعيشون فيه. لقد كانوا يقدرون كل التقدير الشعراء والكتاب العرب، وأبدوا -شأن كثير جدًّا من الموالى- حبا للظهور بمظهر الكرم مستلهمين التقاليد البدوية. ومع أنهم اتخذوا في كثير من الأحيان موقف التراضى حيال سكان الولايات أو نحو بعض الدول الخاضعة للدولة، إلا أنهم لم يحاولوا فيما يظهر أن يؤثروا المأمون -ابن المرأة الفارسية- على أخيه. وهم فيما يبدو قد خدموا أولًا الخلافة في كفاية وإخلاص مهدئين خواطر الناس في إيران الشرقية، ومخمدين للفتن التي نشبت في الشام بل في إفريقية، محققين إخضاع المنتقضين بما فيهم العلويون، موجهين أداة الحكم في نظام وأمان، كافلين للدولة موارد هامة، ناهضين بالمرافق العامة (مثل قناة القاطول وقناة سيحان)، رافعين للمظالم بالعدل والقسطاس على هدى ما حكمت به الشريعة، معززين القضاء بإنشاء منصب قاضي القضاة. ولا شك أنهم بتصرفهم وسلوكهم قد عجلوا بصبغ البلاد بالصبغة الإيرانية التي بدأت تتضح منذ قيام العصر العباسى، نافثين في الوزارة طابعا لم يَن عن أن يجذب أنظار المقلدين الذين جاءوا بعدهم، على إنه بالرغم من الامتيازات الجديدة التي منحت لهم وهيبتهم الخارقة فإن سلطانهم كان مسألة شخصية إلى حد كبير، شأنها شأن المأساة التي أودت بهذا السلطان، ولا يبدو لنا أنهم سعوا بحال إلى تغيير الوزارة على نسق ساسانى نظرى. ولم يكن نشاط البرامكة مقصورا على السياسة والحكم فحسب، فهم قد حققوا أيضًا أمورًا هامة في ميدانى الثقافة والفن. ذلك أنهم بلا شك سلكوا مسلك الرعاة للشعراء، يوزعون العطايا

стр. 1648

بين مدّاحيهم على يد جهاز خاص أقاموه لهذا الغرض بالذات، وهو "ديوان الشعر"، وكانوا يرعون العلماء ويجمعون المتكلمين والفلاسفة في دورهم ويعقدون بينهم مجالس ظلت شهرتها باقية. كانوا يشجعون الفنون، وكانوا هم أنفسهم أرباب العمارة الكبار، خلفوا قصورا عدة في بغداد، أصبح أشهرها، وهو قصر جعفر، مقر الخلافة من بعد. وكذلك لم يختف سلطان البرامكة بسقوطهم، بل هو قد ظل نافذا في السنين التالية على يد وزراء وكتاب تسلموا السلطة في عهد المأمون، وكان معظم هؤلاء مواليهم وتابعيهم السابقين كما هي حال الفضل بن سهل المشهور. ومن المعروف حقا أن وزراء الرشيد كانوا أيام ظهور البرامكة يجمعون حولهم طائفة من الكتاب ذوي الكفاية البارزة لم يستطع الخلفاء الذين أتوا بعده أن يستغنوا عنهم. ونجد أخيرا كتب الأدب تشيد بخصالهم الحميدة المشهورة وتبالغ في ذلك بعض المبالغة أحيانا (حكمة يحيى وما رزق من موهبة التنبؤ بالحوادث، وترفع الفضل وكرمه المبذول، ورشاقة أسلوب جعفر)، على حين نجد بعض القصص، مثل تلك التي دخلت من بعد في كتاب ألف ليلة وليلة، تضفى الشهرة على شخصية جعفر الوزير وصحبته للرشيد. المصادر: (١) Les Barmecides: L. Bouvat (٢) Le Vizirat Abbaside, D. Sourdel (٣) الجهشيارى: كتاب الوزراء والكتّاب، الفهرس. (٤) ابن عبد ربه: العقد الفريد، طبعة القاهرة سنة ١٩٥٤ - ١٩٥٣، ج ٣، ص ٢٦ - ٣٤. (٥) الطبري: الفهرس. (٦) اليعقوبي، الفهرس. (٧) ابن خلكان، هذه المادة. ٤ - أفراد آخرون من أسرة البرامكة كان ليحيى أخٌ هو محمَّد بن خالد الذي كان حاجبا منذ عام ١٧٢ هـ

стр. 1649

(٧٨٨ م) إلى عام ١٨٩ هـ (٧٩٥ م) , وهو الوحيد من أفراد الأسرة الذي أمسك عنه الخليفة عند سقوط الأسرة. وقد كان له -علاوة على الفضل وجعفر- ابنان آخران هما محمَّد وموسى، وكانا أقل من ذلك تألقا إلا أنّه كان لهما شأن في البلاط. وقد اشتهر موسى بالشجاعة في الحرب، وكان واليا على الشام سنة ١٧٦ هـ (٧٩٢ م). وقد ألقى بهذين الأخوين في السجن سنة ١٨٧ هـ (٨٠٣ م) هما وأبوهما وأخوهما, ولكن أطلق سراحهما الأمين الذي أبدى نحوهم الكرم والسماحة، وظل موسى بالعراق وحارب في جيش الخلافة، ثم انحاز إلى المأمون فأقامه بعد ذلك واليا على السند. وتوفى موسى سنة ٢٢١ هـ (٨٣٥ م) تاركا ابنا يدعى عمران خلف أباه وأبلى البلاء الحسن في عدة حملات. أما محمَّد فقد انضم إلى بلاط المأمون في مرو، وفيه خلفه ابنه محمَّد وابن أخيه العباس بن الفضل. ونذكر من سلالة البرامكة العديدين واحدا اشتهر بالموسيقى والأدب ألا وهو أحمد بن جعفر الملقب بجَحْظَة وهو حفيد موسى بن يحيى والصاحب الحميم للخليفة المقتدر. المصادر: (١) Les Bermecides: L. Bouvat, ص ١٠١ وما بعدها. (٢) الجهشيارى: كتاب الوزراء والكتاب، طبعة القاهرة، ص ٢٩٧ - ٢٩٨. ٥ - النسبة: البرامكة حمل هذه النسبة أيضًا أشخاص لا ينتسبون إلى أسرة البرامكة. والطائفة الأولى من هؤلاء تشمل موالى البرامكة وأرقاءهم الخصيان وأحفادهم. أما الآخرون فكانوا سكانا لذلك الحي من بغداد الذي أطلق عليه اسم البرامكة. ويشمل هؤلاء المغنية دنانير، والأديب محمَّد بن الجهم، وفلكيا شهد حصار صمالو ووزيرا للسامانيين، ورسولا للغزنويين. وقام في زمن متأخر عن ذلك عدد من الأسر زعمت أنها تنتسب للبرامكة (مثل شربداران في خراسان، وبرامك في توات). ونجد أخيرا قبيلة منها

стр. 1650

أولئك المسميات في مصر بالغوازى، واللاتى ظللن إلى عهد قريب في مصر، وتزعم هذه القبيلة أنها من نسل البرامكة. المصادر: (١) Les Bermecides: L. Bouvat، ص ١٠٥ وما بعدها. خورشيد [سوردل D. Sourdel] البراهمة كان أبو الريحان البيروني الأفضل بل الأوحد من بين المؤلفين العرب الذين وقفوا على أسرار الهند البرهمية، ومصنفه الجليل عن الهند (طبعة وترجمة سخاو سنة ١٨٨٨ م، وطبعت الترجمة حديثًا سنة ١٩١٠ م) يشهد بأنه درس تلك البلاد دراسة توافرت له فيها مواهب لا نظير لها في ميادين الفلسفة والأدب والعلوم. وهو حجة في حديثه عن طبقات الهند والبراهمة وعن طريقة معيشتهم وماهية كتبهم ودينهم وعلومهم. وقد درس البيرونى اللغة السنسكريتية ونقل منها إلى العربية طائفة من كتبها، وكان ملما بكتب الهنود المقدسة وهي البيذ والبراناث - Ve das Puranans ومطلعًا على كل شيء حتى علم العروض السنسكريتى. أما علم ما وراء المادة عند البرهمية فقد كان محيطا بدقائقه إحاطته ببعض أساطيرهم. وله أبحاث في موضوع بيضة براهم (١) ومختلف أدوار حياة العالم وفي موضوع الكليا واليوجا والتناسخ والثواب على الأعمال في العوالم المختلفة وفي النجاة. وقد ألف البيرونى كتابه هذا في مدينة غزنة، أعنى في بقعة كان بها كثيرون من السكان الهنود (حوالي سنة ١٠٣٠ م) وكان قد تنقل من قبل في بلاد البنجاب. وإذا استثنينا هذا المصنف الجليل فإن معلومات مؤرخى العرب عن مذهب البرهمية وعن الهند شحيحة جدا. أما التفصيلات الوافية أو المعلومات

стр. 1651

الصحيحة فلا وجود لها حيث يخيل أن هناك من الأسباب ما يدعو إلى توافرها. من ذلك أنك لا تجد لها أثرا في كتاب المسعودي ولا في كتاب الشهرستانى على الرغم من تخصص الشهرستانى في علم الفرق والطوائف والمذاهب الدينية ومن إلمامه بشيء ولو يسير عن البوذية، كما لا تجدها في الأساطير التي أخرجتها لنا الهند مثل كتاب كليلة ودمنة، ولا في أحاديث الأسفار والرحلات المسطورة عن الهند بخاصة كالرحلة الموسومة "بعجائب الهند" وكتاب "سلسلة التواريخ". وينبغي أن نلاحظ هنا أن جزيرة سيلان هي البقعة الوحيدة من بلاد الهند التي كانت معرفة العرب بأحوالها أقل منها بأحوال البقاع الأخرى. ولقد أورد المسعودي اسمى اثنين من مؤلفى العرب صنفا في موضوع الفرق الهندية، وهما أبو القاسم البلخى والحسن بن موسى النوبختى، وقال هذا المؤرخ إن البراهمة من نسل برهمان وهو ملك مترهب وعالم، عقد مجمعا من الحكماء وسن بمعونتهم قواعد الدين، ووضع نظرية الأدوار الفلكية واخترع أرقام العدد وحسب مقدار حركة المبادرة السنوية للاعتدالين. وفي قول برهمان هذا أن عمر العالم ١٢٠٠٠ دور مقدار كل دور ٣٦٠٠٠ سنة، وأنه -أي العالم- ينمو ويتسع في الأدوار الأولى ثم يضمر ويتضاءل وتبطؤ حركته في الأدوار الأخيرة. ومن قوله في موضع آخر إن دورة العالم تقدر بسبعين ألف سنة وتسمى "هزروان". وفي كتاب كليلة ودمنة لا يبدو بيدبا البرهمى إلا في ثوب الرجل الحكيم صاحب الرأى السديد والنظر الثاقب البعيد. ويقول مؤلف الكتاب عن بيدبا إنه كان فاضلا حكيما يعرف بفضله ويرجع في الأمور إلى قوله. ويقول مؤلف كتاب الأسفار والرحلات إنه كان بين الهنود رجال وقفوا حياتهم على الدين وعلماء يسمون بالبراهمة وكان من بينهم شعراء يعيشون في قصور الملوك وعلماء في الفلك وفلاسفة ومنجمون، ويضع الشهرستانى علماء النجوم والعرافين في مصاف البراهمة. أما كتب الأسفار فاهتمامها بالزهاد أكثر منه بالبراهمة، فقد وصفت طرائف حياتهم وصفا حسنا وقالت عنهم إنهم يتخذون من الجماجم البشرية زقاقا لهم وتسمى عندهم باسم بيكرجى أو بيكور تصحيف كلمة بهكشو (انظر كتاب عجائب الهند، Merveilled de l' Inde طبعة فإن درليث Van der Lith, الفهرس). ويطلق سعدى الشاعر الفارسي وغيره اسم البراهمة على عبدة النار (انظر: بستان، طبعة باربيه ده مينار Barbier de Meynard, ص ٣٣١). [كارا ده فو B. Carra de Vaux]

стр. 1652

برهان الدين أحمد برهان الدين أحمد، القاضي: والى سيواس، ومن أقدم شعراء آل عثمان الغنائيين. ولد في قيسارية عام ٧٤٥ هـ (١٣٤٤ م) من أسرة جلها من القضاة. وأتم دراسته في حلب ثم استقر بمدينة أرزنجان. ونشأت بينه وبين أمير هذا البلد صلة ودمتين وتزوج ابنته، ثم دب الخلاف بينهما فقتله برهان الدين ونصب نفسه مكانه، واستولى على سيواس وقيسارية وقاتل جيشا أنفذه إليه مماليك مصر عام ٧٨٩ هـ (١٣٨٧ م) ولكنه باء بالهزيمة. وبعد عشر سنوات، أي في عام ٧٩٩ هـ (١٣٩٦ م) استعان بالجيوش المصرية على الخلاص من قبائل التركمان التي كانت تناوشه. ولقى برهان الدين حتفه عام ٧٩٩ أو ٨٠٠ أو ٨٠١ هـ (١٣٩٧ - ١٣٩٩ م) في نضاله مع قره عثمان المقلب بقره يولق من تركمان القطيع الأبيض. ويمكننا أن نستبعد رواية سعد الدين التي يزعم فيها أن قره عثمان لم يلتق بالقاضي برهان الدين إلا بعد فراره من وجه بايزيد الأول سلطان آل عثمان إلى جبال خربوط. وصنف برهان الدين في الأصول، ونظم القصائد باللغات العربية والتركية والفارسية. وقد استطاع المتحف البريطانى الحصول على ديوانه عام ١٨٩٠ م. وهو مخطوط فريد نسخ عام ١٨٩٠ م. وأطراف أجزاء هذا الديوان هو مجموعة الرباعيات المعروفة بـ "تيوغ" وقد وزنت طبقا لعدد المقاطع وزنا مستقلا عن مقدارها (بارماق حسابى). والأثر الفارسي واضح فيها، ولكن لغتها قديمة وفيها كلمات كثيرة من اللغة التركية الشرقية. ولا يزال قبر برهان الدين موجودا بسيواس وعليه العام المرجح لوفاته وهو ٧٩٩ هـ الموافق ١٣٩٧ م (انظر Girenard: المجلة الأسيوية، المجموعة التاسعة، المجلد ٢٧, عام ١٩٠١ م, ص ٥٥) وكذلك نجد في مدينة سيواس قبر ابنه محمَّد جلبى المتوفى ٧٩٣ م (١٣٩١ م) وقبر ابنته حبيبة الملقبة بسلجوق خاتون لأن جدة برهان الدين

стр. 1653

لأبيه كانت حفيدة السلطان السلجوقى كيكاوس الثاني (Corpus: Van Berchem Enscript ionum Arabicarum, المجلد الثالث، ص ٥٠). وتوفيت حبيبة عام ٨٥٠ هـ (١٤٤٦ م) ولا تزال سيرتها التي كتبها عزيز بن أردشير الأستراباذى باللغة الفارسية مخطوطة في مكتبة آيا صوفيا تحت رقم ٣٤٦٥. المصادر: (١) ابن حجر العسقلانى، وقد نقل عنه كب Gibb في كتابه History of Otto- man poetry ١، ص ٢٠٤ وما بعدها, وترجمة الشعر موجودة في ص ٢١٤ وما بعدها، والنص في ج ٦، ص ١٦ وما بعدها. (٢) p.Melioranski, النص وترجمة عشرين رباعية واثنى عشر تيوغ Vostotshniya zamietki) ص ١٣١ وما بعدها). (٣) سعد الدين تاج التواريخ, ج ١، ص ١٣٣ ج ٢, ص ٤١٠. [إيوار Cl. Huart] + برهان الدين أحمد، القاضي: شاعر من شرقي آسية الصغرى (يكشف في آثاره عن خصائص من اللهجة الآذرية) ورجل علم وتقلبات وعواصف، وكان قاضيا فوزيرا فأتابك فسلطانًا. ولد برهان الدين في الثالث من رمضان سنة ٧٤٥ (٨ يناير سنة ١٣٤٥ م) في قيسارية (وهي الآن قيصرى) وأبوه شمس الدين محمَّد كان قاضيا من الجيل الثالث انحدر من صلب قبيلة سالور الأوغوزية التي كانت تنزل في الأصل خوارزم. وتلقى برهان الدين تعليما كاملًا في فروع المعرفة المألوفة، على أبيه أول الأمر، ثم في مصر ودمشق وحلب، وعاد إلى مسقط رأسه سنة ٧٦٦ هـ (١٣٦٤ - ١٣٦٥) حيث آنس الأمير القائم بالحكم غياث الدين أرتنا في هذا الشاب البالغ إحدى وعشرين سنة كل ما يرضيه حتى أنه رفعه إلى مرتبة القاضي (في مكان شمس الدين محمَّد الذي كان قد توفي قبل ذلك بعام) بل أعطاه يد ابنته. ولم يقف الأمر ببرهان الدين عند هذا

стр. 1654

الحد إذ اشترك سرًّا في فتنة البكوات التي قتل فيها حموه سنة ٧٦٧ هـ (١٣٦٥ - ١٣٦٦ م) وقد لعب دورًا هاما في عهد الأمراء العاجزين من أسرة أرتنا الذين خلفوا حماه: وزيرا وأتابك حتى نادى بنفسه سلطانا في البلاد الخاضعة في البلاد الخاضعة لبيت أرتنا سنة ٨٧٣ هـ (١٣٨١ - ١٣٨٢؛ انظر إسلام أنسيكلوبيدياسى، الكراستين ٣٢, ٣٠٩)، واتخذ قاعدة لحكمه في سيواس مع ممارسة حقوق السلطان (ضرب السكة باسمه وذكر هذا الاسم في الخطبة). وقد حفلت السنوات الثمانى عشرة التي تولى فيها السلطنة بالصراع المتصل المتصل مع البكوات المنقضين في الداخل وبالحروب مع جيران أقوياء مثل القره مانية والعثمانية. وكان برهان الدين دائما أبدا مغامرا مقداما إلى حد لا يتصوره العقل، ومن ثم حارب جيشا مصريا متفوقا عليه فنزلت به الهزيمة سنة ٨٧٩ هـ (١٣٨٧ م) على أنه سرعان ما لجأ إلى عون مماليك مصر أنفسهم ليعينوه على الآق فويونلى الذين كانوا يشقون طريقهم من الشرق، وهنالك قاتل مع الآق قويونلى بك أماسية وبك أرزنجان المنتقضين. وحلت اللحظة الحاسمة حين أمر بقتل شيخ مؤيد والى قيسارية المتمرد، وهو فعل أسخط عليه قره يولق عثمان بك الآق قويونلى. وتوفى برهان الدين في معركة مع الزعيم الآق قويونلى في قره بل، على أن سعد الدين يقول إن ذلك كان في جبال خربوط التي كان برهان الدين قد فر إليها أمام السلطان بايزيد الأول وثمة بعض الأخبار كتبت ببواعث أخرى (ابن عربشاه، شلدبرغر - Shild beger) نقول إن برهان الدين وقع في أيدى القره يولق وقتل في ذي القعدة سنة ٨٠٠ (يولية- أغسطس سنة ١٣٩٨) ونجد تواريخ أخرى لوفاته في المصادر، والنقش الذي على قبر برهان الدين الذي لا يزال قائما في سيواس لا يحمل أي تاريخ. وفي سيواس أيضًا تثوى عظام ابن برهان الدين: محمَّد جلبى المتوفى سنة ٧٩٣ هـ (١٣٩١ م) وابنته حبيبة سلجوق خاتون المتوفاة سنة ٨٥٠ هـ

стр. 1655

(١٤٤٦ - ١٤٤٧ م) التي سميت بهذا الاسم لأن جدة أبيها كانت من حيث العصب حفيدة سلطان سلاجقة الروم كيكاوس الثاني (Van Berchem في Cla، ج ٣، ص ٥٠). ومن العجيب أن برهان الدين كان يجد من خلال حياته التي قضاها في اضطراب سياسى وحربى متصل، الوقت الكافي والسكينة النفسية اللذين يتيحان له أن يشارك مشاركة فعالة في ميدان العلم والشعر: وكتبه في الفقه التي كتبها بالعربية هي: "ترجيح التوضيح" الذي ألفه في شعبان من سنة ٧٩٩ هـ (مايو سنة ١٣٩٧)؛ "إكسير السعادات في أسرار العبادات" وهو كتاب لا يزال ينال التقدير حتى الآن بين العلماء. وأهم من هذا كله: "ديوان" برهان الدين الذي يشتمل على ١٥٠٠ قصيدة من الغزل (دون أن ترتب الترتيب الأبجدى المألوف أو يكون لها (مخلص)، وعشرون رباعية، و ١١٩ تيوغا (وهذه باللهجة التركية الشرقية) وبعض الأبيات القائمة برأسها. وعروضه كمتى وهو يكشف في عدد من المواضع عن عيوب في الوزن كانت خليقة بألا تقع قط من بعد وثمة مصاريع كمية نجدها في التيوغ مع مصاريع مقدرة بالمقاطع وبرهان الدين شاعر حب دنيوى، وتقل في شعره النفحات الصوفية وهو يتبع في الغزليات من حيث الموضوع والبيان تقاليد الشعر الفارسي الغنائى وبرهان الدين شاعر بحق، ومع ذلك فقد ظل الشاعر فيه مجهولا لدى كتب التذكرات (وإنما نجد عند بعض المؤرخين إشارات موجزة إليه يقال فيها إنه كتب أيضًا شعرا بالعربية والفارسية، مثل كتاب كب في الشعر العثمانى، ج ١، ص ٢٠٨) ولم يكن له سلطان في ممارسة الشعر في آذربيجان أو عند العثمانيين. المصادر: (١) خص كتاب "بزم ورزم" بحياة برهان الدين بصفة عامة، وهذا الكتاب معروف باسم "مناقب قاضى برهان الدين"، وقد تم تأليفه سنة ٨٠٠ هـ = ١٣٩٨ م، وهو بقلم زميل له يدعى عزيز

стр. 1656

بن أردشير الاستراباذى (المتن الفارسي نشر في إستانبول سنة ١٩٢٨) وقد قدم له بالتركية كوبريلتى زاده فؤاد، انظر Storey، ج ٢/ ٢، ص ٤١٠. (٢) Das Werk des: H. H. Giesecke Aziz Ardachir Asterbadi, ليبسك سنة ١٩٤٠, ولعله فيما يقول بابنكر (Babinger في G.O.W، ص ٥) هو عين "تاريخ القاضي برهان الدين السيواسى" في أربعة مجلدات لعبد العزيز البغدادي (حاجى خليفة، رقم ٢٧٣). (٣) أحمد توحيد: قاضى برهان الدين أحمد في تاريخ عثمان أنجمنى مجموعة سى، جـ ٥ (سنة ١٣٣٠ هـ = ١٩١١ - ١٩١٢)، ص ١٠٦ - ١٧٨, ١٠٩ - ٢٣٤, ١٨٢ - ٢٩٦, ٢٤١ - ٣٠٧, ٣٤٧ - ٣٥٧؛ جـ ٥ (سنة ١٣٣١ هـ = ١٩١٢ - ١٩١٣) ص ٤٠٥ - ٤٠٩, ٤٦٨ - ٤٧٨. (٤) Na tle: Dr. S. Rymkiewiczowa - eppoki) Tworczoshch Burhanaddina ije go dzialalnoshci (أي قدرة برهان الدين الخلاقة في ضوء زمانه وأثره)، وارسو, رسالة دكتوراه سنة ١٩٤٩, ولم تنشر بعد. (٥) خليل أدهم: دول إسلامية، إستانبول سنة ١٩٢٨, ص ٣٤٨ - ٣٨٨. (٦) Ottoman Poetry: Gibb, جـ ١، ص ٢٠٤ - ٢٢٤ (وهو يعتمد على كتاب "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" لابن حجر العسقلانى، المتن حيدر اباد، سنة ١٣٤٨ - ١٣٥٠ هـ = ١٩٢٩ - ١٩٣٢؛ جـ ٦، النصوص، ص ١٦ - ٢٠). (٧) كوبريلى زاده محمَّد فؤاد وشهاب الدين سليمان: يكى عثمانلى تاريخ أدبياتى، جـ ١، إستانبول سنة ١٣٣٢ هـ = ١٩١٣ - ١٩١٤ م) ص ١٦٩ - ١٧٣ (مع نماذج من النص). (٨) عثمانلى مؤلفلرى، جـ ١، ص ٣٩٦. (٩) ميرزا بالا قاضى برهان الدين في إسلام أنسيكلوبيدياسى، الكراسة ٥٥ (سنة ١٩٥٢). ص ٤٦ - ٤٨ (وهو مقال ممتاز).

стр. 1657

(١٠) Istoria Turciyi i: A . Krymskiy yeya literaturi جـ ١، موسكو سنة ١٩١٦ ص ٢٧٠ - ٣٧٩. (١١) وثمة مادة كثيرة أيضًا في: الكاتب نفسه: Istoriya Turechchini ta yiyi pis'menstua جـ ٢/ ٢، كييف سنة ١٩٢٧. (١٢) Storia de la lit-: A.Bombaci Turca teratura، ميلان سنة ١٩٥٦، ص ٢٩٣. (١٣) ماضى أوغلى: قاضى برهان الدين في أرايش، رقم ٩، سنة ١٩٥٧، ص ٤ - ٥ (وهو مقال مشهود يورد في إيجاز كثير بداية وختام مخطوط لندن، مع نماذج عن المتن بالحروف اللاتينية). (١٤) ويمكن أن نجد إشارات إلى برهان الدين هنا وهناك في المصادر التاريخية: انظر مقالتي أحمد توحيد وميرزا بالا المذكورتين آنفا. (١٥) وانظر أيضًا: P.Melioranskij: -Otriuoki iz diuana Achmeda Burhan ed Vostochniye Zametki, .Dina Siuasskogo Spb، سنة ١٨٩٥, ص ١٣١ - ١٥٢ (نص وترجمة ٢٠ رباعية و ١٢ تيوغا). (١٦) قاضى برهان الدين غزل ورباعياتندن برقسمى وتيوغلرى، استانبول سنة ١٩٢٢ مع مقدمة بقلم جناب شهاب الدين بك (وهو ناقص، انظر محمَّد فؤاد كوبريلى في تركيات مجموعة سى، جـ ٢، ص ٢٢٠ و - Babing er في GOW، ص ٤. (١٧) قاضى برهان الدين ديوانى، جـ ١، إستانبول سنة ١٩٤٤ (صورة طبق الأصل من المخطوط الفريد الموجود بالمتحف البريطانى، القسم الشرقي رقم ٤١٢٦، وتاريخه سنة ٧٩٦ هـ (١٣٩٣ - ١١٣٩٤ م) وهو مخطوط رائع، الراجح أنه أعد لأمير الشعراء نفسه ويكشف على هامشه عن تصويبات بخطه). (١٨) محرم إركين: قاضى برهان الدين ديوانى أوزرنده بركرامر دغه سى في تورك ديلى وأدبياتى دركيسى، جـ ٣/ ٤، إستانبول سنة ١٩٥١، ص ٢٨٧ - ٣٢٧. (١٩) نهاد ثارلان. قاضى برهان الدينده تصوف في المصدر المذكور. جـ ٨ سنة ١٩٥٨، ص ٨ - ١٥. خورشيد [ريبكا J. Rypka]

стр. 1658

بسملة تطلق على صيغة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: البسملة أو التسمية، ويروى الزمخشرى أن قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاءها لم يعتبروا البسملة آية على رأس الفاتحة وغيرها، وهم يذهبون إلى أنها وضعت هذا الموضع لا لغرض سوى الفصل بين السور تبركًا، وهذا هو رأى أبي حنيفة أيضًا، ومنه يتضح السبب في أن أتباعه لا يجهرون بالبسملة في صلاتهم. ولكننا نجد من جهة أخرى أن فقهاء مكة والكوفة وقراءهما يعتبرون البسملة آية على رأس الفاتحة وغيرها وهم لذلك يجهرون بها، وهذا هو رأى الشافعي، يعتمد فيه على أن القدماء دونوا البسملة على الصحف التي كتبت فيها آي الذكر، ولم يكتبوا كلمة "آمين": وإنا لنشاهد الناس في كل مكان لا يبدأون فعلا هامًا ما لم يصدر باسم الله، ثم إننا نلاحظ بصفة خاصة أن العرب الأقدمين كانوا يصدرون دعواتهم لحفلات الزواج بقولهم "بالرفاء والبنين" أو "باليُمن"، ويذهب الزمخشرى إلى أنهم كانوا يصدرون هذه الدعوات باسم اللات أو العُزَّى. وأنزل الله على لسان نبيه نوح: "وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربى لغفور رحيم" (سورة هود، آية ٤١). ويذهب الزمخشرى بصفة خاصة إلى أن الرحمن والرحيم من الصفات الغالبة ومعناهما العطف والحنو، وهو مجاز عن إنعامه على عباده، وإن الزيادة في بناء الرحمن على الرحيم لزيادة المعنى، وذكر الزمخشرى أيضًا بعض استعمالات للرحمن والرحيم، فأوردهما تارة من الأسماء وتارة من الصفات. وللبسملة في نظر التقاة فضائل عظيمة، ويقال إنها كتبت على جنب آدم وعلى جناح جبريل وعلى خاتم سليمان وعلى لسان عيسى. Magie: V.Doutte) L'Afrique du Nord et Religion dans ٢١١). والبسملة حلية يكثر استعمالها في المخطوطات والزخارف المعمارية. [كارا ده فو B, Carra de Vaux]

стр. 1659

تعليق على مادة بسملة هذه المسألة من أهم مسائل الخلاف بين القراء والمحدثين والفقهاء، وألف فيها الكثيرون كتبًا خاصة، فمن ذلك كتاب "الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف" للإمام الكبير أبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ وهو جزء في ٤٢ صفحة، وقد طبع في مصر سنة ١٣٤٣ هـ, وكتاب لأبي محمَّد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي، ذكره النووي في المجموع، وقال إنه مجلد كبير، ولخص أهم ما فيه، وألف فيها أيضًا ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والبيهقي والخطيب. وقد جمع الحافظ الزيلعى في: نصب الراية أكثر ما ورد فيها من الآثار والأقاويل في مقدار يصلح كتابًا مستقلا (١٦٨: ١ - ١٩١ من طبعة الهند، و ٣٢٣: ١ - ٣٦٣ من طبعة المجلس العلمي سنة ١٣٥٧ هـ) وكذلك النووي في المجموع، كتب فيها مقدارًا وافيًا. واستيعاب ما قالوه لا يسعه المقام هنا، لكنى أقول فيها كلمة أرجو أن أوفق إلى أن تكون القول الفصل، إن شاء الله. اتفق المسلمون جميعًا على أن البسملة جزء من آية في سورة النمل، ثابتة ثبوت التواتر القطعى الموجب لليقين. ثم اختلف الفقهاء وغيرهم بعد ذلك: هل هي آية من كل سورة من سور القرآن الكريم سوى براءة؟ أو هي جزء من آية؟ أو هي آية مستقلة نزلت مع كل سورة -براءة- لافتتاحها وللفصل بينها وبين غيرها؟ أو هي آية من الفاتحة فقط؟ أو ليست آية أصلًا، لا في الفاتحة ولا في غيرها؟ فنقل العلماء عن مالك والأوزاعي وابن جرير الطبري وداود أنهم ذهبوا إلى أنها ليست في أوائل السور كلها قرآنا، لا في الفاتحة ولا في غيرها. وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وهو رواية عن أحمد، وقول لبعض أصحابه، واختاره ابن قدامة في المغني. وقال أحمد: هي آية في أول الفاتحة وليست قرآنا في أوائل باقي السور،

стр. 1660

وهو قول إسحاق وأبي عبيد وأهل الكوفة وأهل مكة وأهل العراق، فيما نقله العلماء، وهو أيضًا رواية عن الشافعي. وقال الشافعي وأصحابه: هي آية من كل سورة سوى براءة. وحكاه ابن عبد البر عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء وطاوس ومكحول. وحكاه ابن كثير عن أبي هريرة وعن سعيد بن جبير والزهري, وهو رواية عن أحمد. وادعى أبو بكر الرازي الجصاص في أحكام القرآن الكريم أن الشافعي لم يسبقه أحد إلى هذا القول. وذهب أبو بكر الرازي الجصاص إلى أنها آية في كل موضع كتبت فيه في المصحف، وليست آية من الفاتحة ولا من غيرها، وإنما أنزلت لافتتاح القراءة بها وللفصل بين كل سورتين -سوى ما بين الأنفال وبراءة- وهو المختار عند الحنفية، قال محمَّد بن الحسن: "ما بين دفتى المصحف قرآن"، وهو قول ابن المبارك ورواية عن أحمد وداود، وقال الزيلعى في نصب الراية: "وهذا قول المحققين من أهل العلم". ونسبة هذا القول إلى الحنفية استنباط فقط، فقد قال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٨: ١): "ثم اختلف في أنها من فاتحة الكتاب أم لا: فعدها قراء الكوفيين آية منها, ولم يعدها قراء البصريين، وليس عند أصحابنا رواية منصوصة في أنها آية منها، إلا أن شيخنا أبا الحسن الكرخى حكى مذهبهم في ترك الجهر بها، وهذا يدل على أنها ليست منها عندهم, لأنها لو كانت آية منها لجهر بها كما جهر بسائر آى السور". وقال شمس الأئمة محمَّد بن أحمد بن أبي سهل السرخسيّ في المبسوط (ج ١ ص ١٦): "وعن معلى قال: قلت لمحمد -يعني ابن الحسن-: البسملة آية من القرآن أم لا؟ قال: ما بين الدفتين كله قرآن. قلت: فلم لم تجهر؟ فلم يجبنى، فهذا عن محمَّد بيان أنها آية أنزلت للفصل بين السور، لا من أوائل السور، ولهذا كتبت بخط على حدة، وهو اختيار أبي بكر الرازي ﵀، حتى قال محمَّد ﵀: يكره

стр. 1661

للحائض والجنب قراءة البسملة على وجه قراءة القرآن الكريم لأن من ضرورة كونها قرآنًا حرمت قراءتها على الحائض والجنب، وليس من ضرورة كونها قرآنًا الجهر بها، كالفاتحة في الأخريين". وقد استدل كل فريق لقوله بأحاديث. منها الصحيح المقبول، ومنها الضعيف المردود. وأما أئمة القراءات فإنهم جميعًا اتفقوا على قراءة البسملة في ابتداء كل سورة، سواء الفاتحة أو غيرها من السور، سوى براءة. ولم يرو عن واحد منهم أبدًا إجازة ابتداء القراءة بدون البسملة. وإنما اختلفوا في قراءتها بين السور أثناء التلاوة، أي في الوصل: فابن كثير وعاصم والكسائى وأبو جعفر وقالون وابن محيصن والمطوعى وورش من طريق الأصبهانى-: يفصلون بالبسملة بين كل سورتين، إلا بين الأنفال وبراءة. وحمزة يصل السورة بالسورة من غير بسملة، وكذلك خلف، وجاء عنه أيضًا السكت قليلًا -أي بدون تنفس- من غير بسملة. وجاء عن كل من أبي عمرو وابن عامر ويعقوب وورش من طريق الأزرق-: البسملة والوصل والسكت بين كل سورتين سوى الأنفال وبراءة. وكل من روى عنه من القراء العشرة حذف البسملة روى عنه أيضًا إثباتها، ولم يرد عن أحد منهم حذفها رواية واحدة فقط. وهؤلاء هم أهل الرواية المنقولة بالسماع والتلقى، شيخا عن شيخ في التلاوة والأداء. وقد اتفقوا جميعًا على قراءتها أول الفاتحة وإن وصلت بغيرها. قال إمام القراء أبو الخير بن الجزرى في كتاب النشر في القراءات العشر": (٢٦٢: ١): "ولذلك لم يكن بينهم خلاف في إثبات البسملة أول الفاتحة، سواء وصلت بسورة الناس قبلها، أو ابتدئ بها، لأنها لو وصلت لفظًا فإنها مبتدأ بها حكمًا، ولذلك كان الواصل هنا حالًا مرتحلا".

стр. 1662

ولا خلاف بين أحد من أهل النقل وأهل العلم في أن جميع المصاحف الأمهات، التي كتبها عثمان ابن عفان، وأقرها الصحابة جميعًا دون ما عداها -: كتبت فيها البسملة في أول كل سورة، سوى براءة، وأن الصحابة -رضوان الله عليهم- إذ جمعوا القرآن في المصاحف جردوه من كل شيء غيره، فلم يأذنوا بكتابة أسماء السور ولا أعداد الآى، ولا (آمين)، ومنعوا أن يجرؤ أحد على كتابة ما ليس من كتاب الله في المصاحف، حرصا منهم على حفظ كتاب الله، وخشية أن يشبه على أحد ممن بعدهم فيظن غير القرآن قرآنا، فهل يعقل مع هذا كله أن يكتبوا مائة وثلاث عشرة بسملة زيادة على ما أنزل على رسول الله؟ ! ألا يدل هذا دلالة قاطعة منقولة بالتواتر العملى المؤيد بالكتابة المتواترة على أنها آية من القرآن في كل موضع كتبت فيه؟ ! والقاعدة الصحيحة عند أئمة القراء أن القراءة الصحيحة المقبولة هي: ما صح سنده ووافق رسم المصحف ولو احتمالا وكان له وجه من العربية؛ وأنه إذا فقد شرط من هذه الشروط في رواية-: كانت قراءة شاذة أو ضعيفة أو مردودة. وقد ذهب بعض القراء إلى أن التواتر شرط لصحة القراءة. والحق أنه شرط في إثبات القرآن، وأما القراءة فيكفى فيها صحة السند مع ما سبق. وهذا الذي اعتمده إمام القراء ابن الجزرى وغيره. ولكن لم يخالف واحد منهم في اشتراط موافقة رسم المصاحف، وفي أن القراءة التي تخالفه قراءة غير صحيحة ولو صح سندها. فإذا سلكنا جادة الإنصاف في تطبيق القواعد الصحيحة على الأقوال والقراءات السابقة، وتنكبنا طريق الهوى والعصبية-: علمنا علمًا يقينا ليس بالظن، أن القول الذي زعموا نسبته إلى مالك ومن معه، في أنها ليست آية أصلا -: قول لا يوافق قاعدة أصولية ثابتة، ولا قراءة صحيحة، وأن قراءة من قرأ بإسقاطها في الوصل بين السور قراءة غير صحيحة أيضًا، لأنها فقدت أهم شرط من شروط صحة القراءة، أو هو الشرط الأساسي في صحتها، وهو موافقة رسم المصحف،

стр. 1663

وظهر أن الحق الذي لا يتطرق إليه الشك، ولا يستطيع مجادل أن ينازع فيه: أنها آية في كل موضع كتبت فيه في المصحف. وأما أنها آية من السور المكتوبة في أولها أو آية مستقلة، فإنه محل نظر وبحث، والذي يظهر لي ترجيح أنها آية من كل سورة كتبت في أولها، أي من جميع سور القرآن سورة براءة، وأنه لا يجوز لقارئ أن يقرأ آية سورة من القرآن -سوى براءة- من غير أن يبدأها بالتسمية التي هي آية منها في أولها، سواء أقرأها ابتداء أم وصلها بما قبلها، وهذا الذي اختاره الشافعي ﵁، فيما نقله عن العلماء، وهو الذي يفهم من كلامه الذي نقلنا آنفا عن كتابه "الأم". وبعد: فقد يبدو للناظر بادئ ذي بدء أن يتكره هذا القول وينكره لما فيه من الحكم على بعض أوجه القراءات السبع بعدم الصحة، لما شاع بين المتأخرين والعامة، من أن هذه القراءات السبع متواترة تفصيلا، بما فيها من بعض الاختلاف في الحروف وبما فيها من أوجه الأداء، وهذه شائعة غير صحيحة، بدأ القول بها بعض متأخرى العلماء، ثم تبعه فيها غيره، ثم أذاعها عامة القراء وعامة أهل العلم، من غير نظر صحيح، ولا حجة بينة، وقد ردها كثيرون من أئمة القراء والعلماء، قال أبو شامة المقدسي: "ونحن وإن قلنا: إن القراءات الصحيحة إليهم نسبت، وعنهم نقلت-: فلا يلزم أن جميع ما نقل عنهم بهذه الصفة، بل فيه الضعيف، لخروجه عن الأركان الثلاثة". وقال إمام القراء الجاحظ أبو الخير ابن الجزرى في كتاب النشر (١: ٩ - ١٠) "كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها-: فهي القراءة الصحيحة, التي لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق

стр. 1664

عليها: ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم. هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الإِمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الدانى، ونص عليه في غير موضع الإمام أبو العباس أحمد بن عمار طالب، وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوى، وحققه الإِمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبى شامة، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه؛ قال أبو شامة ﵀ في كتابه المرشد الوجيز: فلا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمة السبعة، ويطلق عليها لفظ الصحة، وأن هكذا أنزلت-: إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم بل إن نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة، فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف، لا عمن تنسب إليه، فإن القراءات المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى "المجمع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجتمع عليه في قراءتهم، تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم". ولم يكن الأئمة السابقون من العلماء يحجمون عن نقد بعض قراءة القراء السبعة وغيرهم، بل كثيرًا ما حكموا على بعض حروفهم في القراءة بأنها خطأ، وقد يكون الناقد هو المخطئ، ولكنه ينقد عن علم وحجة، فلا عليه إن أخطأ، ولو كانت حروف القراء كلها متواترة تفصيلا كما يظن كثير من العلماء وغيرهم-: لكان الناقد لحرف منها خارجًا عن حد الإِسلام، ولم يقل بهذا أحد، والعياذ بالله من أن نرمى أمثالهم بهذا. فمن أمثلة ذلك أن إمام المفسرين وحجة القراء أبا جعفر محمَّد بن جرير الطبري رد قراءة حفص عن عاصم من السبعة ويعقوب من العشرة في قوله تعالى في سورة الحج (آية ٢٥): (سَواءً العاكف فيه والبادِ) بنصب "سواءً" فقال في تفسيره (١٠٣: ١٧): "وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأه

стр. 1665

"سَوَاء) نصبا، على إعمال (جَعَلْنَا) فيه، وذلك وإن كان له وجه من العربية فقراءة لا أستجيز القراءة بها, لإجماع الحجة من القراء على خلافه". وقد رد الطبري والزمخشرى، وهما إماما العربية والتفسير-: قراءة ابن عامر في قوله تعالى في سورة الأنعام (آية ١٣٧): (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم .. ) فقال الطبري (٨: ٣٣): "وقرأ ذلك بعض قراء أهل الشام (وكذلك زُيِّن) بضم الزاى (لكثير من المشركين قَتلُ بالرفع (أولادَهم) بالنصب (شركائهم) بالخفض، بمعنى: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم ففرقوا بين الخافض والمخفوض بما عمل فيه من الاسم، وذلك في كلام العرب قبيح غير فصيح، وقد روى عن بعض أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيد قراءة من قرأ بما ذكرت من قراءة أهل الشام-: رأيت رواة الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه". وقال الزمخشرى في الكشاف (٢: ٤٢): "وأما قراءة ابن عامر (قتلُ أولادَهم شركائهم) برفع القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء، على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف-: فشئ لو كان في مكان الضرورات، وهو الشعر، لكان سمجًا مردودًا، كما سمج ورد * زج القلوص أبي مزاده * فكيف به في الكلام المنثور! فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته! ! ". وقد أطال الإمام ابن الجزرى في النشر القول في الرد على الطبري والزمخشرى في نقدهما هذا الحرف على ابن عامر، وعقد لذلك فصلًا نفيسًا (٢٥٤: ٢ - ٢٥٦)، ولسنا بصدد تحقيق الصواب في هذا الخلاف هنا، ولا ينبغي أن نحكم بالخطأ على ابن عامر، إنما نريد أن ندل على أن المتقدمين لم يكونوا يرون أن وجوه القراء في حروفهم متواترة كلها، وإلا كان في الإقدام على إنكار بعضها جرأة غير محمودة. وكذلك أنكر أبو إسحاق الزجاج حرفا من قراءة حمزة في قوله تعالى في سورة الكهف (آية ٩٧): (فما

стр. 1666

اسْطاعوا .. ) إذ قرأها بتشديد الطاء كما في النشر وغيره من كتب القراءات، قال في لسان العرب (١١٢: ١٠): "وكان حمزة الزيات يقرأ (فما اسْطَّاعوا) بإدغام الطاء والجمع بين ساكنين. وقال أبو إسحاق الزجاج: من قرأ بهذه القراءة فهو لاحن مخطئ، زعم ذلك الخليل ويونس وسيبويه وجميع من يقول بقولهم". ولذلك كله لا نرى علينا بأسًا أن نقول: إن قراءة من قرأ بحذف البسملة بين السور في الوصل قراءة غير صحيحة، إذ هي تخالف رسم المصحف فتفقد أهم شرط من شروط صحة القراءة، وأن البسملة آية من كل سورة في أولها سوى براءة، على ما ثبت لنا تواترًا صحيحًا قطعيًّا من رسم المصحف. أحمد محمد شاكر بشار " بشار" بن برد: شاعر من شعراء العصر العباسى الأول، عاش في البصرة وبغداد وهو من أصل فارسى، وكان للمدائح التي كالها للخليفة المهدي أثر كبير، فقد كانت سببًا في غض النظر عن مساوئه من ودّ المعتزلة وميل للزرادشتية وجنوح إلى المجنون. فلما تمادى في غيه وهجا الوزير يعقوب بن داود قتل عام ١٦٧ هـ (٧٨٣ م). وتدل الروايات التي كانت شائعة حتى القرن الثالث الهجري، والتي سجلها صاحب "الأغانى" على أثره القوى وشهرته الواسعة. المصادر: (١) الأغانى، طبعة بولاق، جـ ٣، ص ١٩, ٧٣؛ جـ ٦، ص ٤٧ - ٥٣ وفي مواضع مختلفة. (٢) ابن خلكان، طبعة فستنقلد، رقم ١١٠. (٣) Culturgeschichtliche: A.v. Kremer streifzuge، ص ٣٧ وما بعدها. (٤) Muhammedanische: Goldziher Studien , جـ ١، ص ١٦٢. (٥) Gesch. d. arab.: C .Brockelmann lit، جـ ١، ص ٥٧٤. [هل J. Hell]

стр. 1667

تعليق على مادة "بشار بن برد " بقيت جوانب من خصائص الحياة الأدبية عند بشار بن برد لم يتعرض لها الأستاذ بروكلمان. وأظهر تلك الجوانب هو اهتمام بشار بالمحسنات البديعية، وهو لم يخلق فنون البديع خلقا: فقد كانت معروفة منذ العصر الجاهلى، ولها شواهد كثيرة في القرآن والحديث، ولكنه وجه إليها أنظار الشعراء والكتاب والخطباء، وقد كان بالفعل شاعرا وكاتبا وخطيبًا. وكان لذلك التوجيه تأثير شديد في تلوين الأذواق الأدبية عند شعراء العراق، فقد فتن مسلم بن الوليد بتلك الفنون فتنة شديدة شهدنا أثرها عند الطائيّ أبي تمام الذي حلف لا يصلى حتى يحفظ ديوان مسلم بن الوليد. وكذلك يكون بشار مؤسس مدرسة البديع، ويكون مسلم وأبو تمام العمادين القويين لهذه المدرسة الأدبية. وقد اختل بناء هذه المدرسة فيما بعد حين انتسب إليها من لا يفقهون شيئًا في هندسة الألفاظ والمعانى، ولكن يكفى أن يكون من تلاميذها بديع الزمان والحريرى اللذان أتيا بالأعاجيب في هندسة النثر الفني. ولم تخل هذه المدرسة من فضل، حتى في أيام الانحطاط، فمن هذه المدرسة نشأ ناظمو البديعيات وشراح البديعيات، وهم قوم أبدعوا في نشر الثقافة الأدبية. وهناك جانب آخر هو قدرة بشار على جعل الشعر مادة أساسية في الحياة اليومية. فقد استطاع أن يقدم إلى أهل عصره جميع ما يشتهون، فكانت أشعاره زاد اللاعبين واللاهين من الفتيان والفتيات، وكانت كذلك مسلاة للباكيات والنائحات، وساعده على ذلك افتقاره بسبب عاهته إلى الأنس بجميع الناس من عوام وخواص، ورجال ونساء، فدخلت إلى ذهنه صور كثيرة من حياة المجتمع، واستطاع أن يصور الأفراح والأتراح تصويرًا يمتزج بالنفوس والقلوب. وقد راع معاصريه بهذه الألوان، فهم الذين أنكروا عليه أن يقول: ربابة ربة البيت ... تصب الخل في الزيت

стр. 1668

لها عشر دجاجات ... وديك حسن الصوت وقد أجاب بأن هذين البيتين قيلا في مدح امرأة عامية، وهما عندها أحسن من "قفا نبك" وهو جواب يدل على بصره بمقامات الكلام، فما يخاطب به العوام يختلف أشد الاختلاف عما يخاطب به الخواص. وحيرة بشار بين المذاهب السياسية والدينية منحته القدرة على التصرف في تلوين الكلام بألوان مختلفات، فهو يمثل عصره أصدق تمثيل، وهو صورة للشاعر المرتاب الذي يصارع الأمواج، في خضم القرن الثاني حين التقى البحران: بحر البداوة وبحر الحضارة في محيط الحياة الإِسلامية. وغرام الناس بمكايدته ومغايظته خلق منه داهية من الدواهى: فهو يواجه الناس بمخازيهم ومعايبهم بلا تحفظ ولا احتراس، وقد أمعن في ذلك وأسرف حتى انتهى إلى القتل. وانغماس بشار في حمأة الحياة اليومية جعله من أقدر الناس على النكتة، فهو شبيه كل الشبه بظرفاء القاهرة في هذه الأيام، والدعابات الآتية تشرح مذهبه في ذلك: مر برجل قد رمحته بغلته وهو يقول: الحمد لله شكرًا: فقال له بشار: استزده يزدك! ومر به قوم يحملون جنازة وهم يسرعون بها المشي فقال: ما لهم مسرعين؟ أتراهم سرقوه فهم يخافون أن يلحقوا فيؤخذ منهم! ودخل يزيد بن منصور على المهدي وبشار ينشده قصيدة مدح، فلما فرغ منها أقبل عليه يزيد فقال: ما صناعتك يا شيخ؟ فقال: أثقب اللؤلؤ. وهي كناية خبيثة لا يقدر عليها غيره في ذلك الموقف. ورفع إليه غلامه في حساب نفقته جلاء مرآة عشرة دراهم فقال: والله ما في الدنيا أعجب من جلاء مرآة أعمى بعشرة دراهم. والله لو صدئت عين الشمس حتى يبقى العالم في ظلمة ما بلغت أجرة من يجلوها عشرة دراهم.

стр. 1669

وعوتب على جمع الصلوات فقال: الذي يقبلها تفاريق يقبلها جملة. ولبشار فكاهات كثيرة، وهي تشهد بأنه وصل إلى غاية عالية من دقة الحس وبراعة الذوق. وكان بشار صلة بين القديم والجديد، القديم الذي يستمد قوته من الأخيلة البدوية، والجديد الذي يستمد قوته من الأخيلة الحضرية. ولكن أهل زمانه فيما يظهر لم يكونوا جميعًا راضين عما في أشعاره من طرافة الحديث، ومن هنا رأيناه يشكو وجوده في عصره. والرواة الذين عاصروا بشارًا جعلوه آخر من يحتج بشعره، ويقوى هذا الشاهد إذا تذكرنا أنهم استثنوا بشارًا لينجوا من لسانه الخبيث. والظاهر أن بلية بشار بفقد بصره جعلته شديد الشوق إلى مظاهر الحياة، فهو يلتمسها فيما يسمع وما يلمس. ومن أجل ذلك كان في تشبيبه ميالًا إلى الفتك, ولو حفظ شعره كله لكانت له منزلة بين كبار الماجنين. ويظهر أن انحراف بشار صرف الناس عن تدوين شعره فضاعت منه ألوف القصائد، ويتضح ذلك إذا تذكرنا مصير المؤلفين والشعراء والكتاب الذين ضاعت مصايرهم في غمرة الفتنة الأثيمة فتنة الشعوبية. وربما جاز أن يقال إن بشارًا لم يكن بفطرته خفيف الروح والذي يفقد خفة الروح يتناساه الناس عامدين. وجملة القول في بشار أنّه استطاع بذكائه وإحساسه وجبروته أن يكون شخصية باقية في الأدب العربي، ولعل شهوده للانقلاب الهائل في الدولة العربية وانتقالها من عهد إلى عهد كان له فضل في تنبه قواه العقلية والذوقية، فما كان ذلك الانقلاب إلا رجة خطيرة مزعجة توقظ الغافيات من الأذواق والأحاسيس. وأعظم الشعراء والكتاب والخطباء والمؤلفين هم الذين يشهدون عهود الانقلاب. والشر قد يكون بابًا إلى الخير في كثير من الأحايين. زكي مبارك

стр. 1670

+ بشار بن بُرد؛ أبو معاذ: شاعر عربي عراقى مشهور، عاش في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي). وأسرته أصلًا من طخارستان أو شرقي إيران. وقد أسر جده، وأخذ إلى العراق أيام الحملة التي قام بها المهلّب أما أبوه، الذي أعتقته في آخر الأمر سيدة عربية من بني عقيل تقيم في البصرة، فكان طيانًا في تلك البلدة. ولد بشار في البصرة، ولا يعرف تاريخ مولده على وجه التحقيق، ولعله كان حوالي عام ٩٥ أو ٩٦ هـ (٧١٤ - ٧١٥ م). وألحق نفسه ببنى عقيل وظل فترة طويلة من مواليهم، ولم يفته تمجيد ذكرياته عن إيران القديمة نظرا لميوله الشعوبية. وكانت هذه، ولا شك، وسيلة لا بأس بها لتحويل أنظار من نددوا به عن أصله الوضيع، الذي لم تستطع أن تخفيه القصة الخيالية التي ترددت عن نسبه الملكى (انظر ما ورد عن النسب الساذج الذي جعله كتاب الأغانى لبشار، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ١٣٥). ويقال إن موهبة الشعر ظهرت على بشار وهو في العاشرة من عمره (انظر الأغانى، جـ ٣، ص ١٤٣ و ١٤٤: عن رواية بصرية). وإذا لم يكن لبيئته البصرية الفضل في نمو هذه الموهبة، فإنها لا تستحق الذكر؛ ومحطة القوافل أو "المربّد" التي ظلت تحظى بهذه الأهمية حتى منتصف القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي؛ انظر Pellat: e Milien basrien ص ١٥٨ وما بعدها) كانت بالنسبة للفنان الشاب بمثابة مدرسة لا شك أنه قد استغرق في تراثها الشعرى الذي كان في عنفوانه في وسط الجزيرة العربية وشرقيها وقتذاك (انظر النادرة التي ذكرها كتاب الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ١٤٣ - ١٤٥، والتي تروى نبأ اللقاء الذي تم بين بشار وجرير التميميّ، وهو لا يزال بعد في أوج شهرته، ولا يمكن قبول رأى بروكلمان Brockelmann. قسم ١، ص ١٠٩ الذي يخط بينه وبين سميّ له يدعى جريرًا). وتجمع سيرة بشار بين آثاره في المدح والرثاء والهجاء. ومما يلفت النظر أن إصابته بالعمى منذ ولادته وقبحه الشديد لم يؤديا إلى،

стр. 1671

الإعراض عنه فقد عرف كيف يؤثر في الناس ويجعلهم يخشونه بفضل مدائحه ونوادره الشعرية. ويبدو لنا بشار من خلال الشذرات أو المقطوعات التي وصلتنا شاعرًا في بلاط عمال بني أمية من أمثال ابن هبيرة (الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ١٩٧ و ٢٣٦) أو سلم بن قتيبة في وقت لا يتجاوز عام ١٣٢ هـ = ٧٥٠ م، انظر المصدر السابق، ص ١٩٠) أو الأمير سليمان ابن الخليفة هشام (انظر الديوان، جـ ١، ص ٢٩١ - ٣٠٣)، بل إن لدينا قصيدة نظمها في مدح مروان، آخر من تولى الحكم من بني أمية (انظر الديوان، جـ ١ ص ٣٠٦ وما بعدها). والظاهر أن قيام العباسيين لم يحل دون ارتفاع مكانة الشاعر، وكان وقتذاك في السابعة والثلاثين من عمره. كان رجلًا شديد الفطنة فلم يتردد في أن يهيئ نفسه للظروف الجديدة. ومن الصعب أن نتتبع فعله هذا بالتفصيل، ولكن يقال إن قصيدة نظمها أصلًا في مدح إبراهيم بن عبد الله العلوى أنشدت آخر الأمر للخليفة العباسى المنصور (الأغانى، الطبعة الثالثة جـ ٣، ص ٢١٣ في آخرها)؛ انظر العسكري: ديوان المعاني، جـ ١، ص ١٣٦ وإذا صحت هذه الواقعة فإنها تعد علامة مميزة. وعاش بشار في بغداد منذ إنشائها عام ١٤٥ هـ (٧٦٢؛ انظر المرزبانى: الموشح، ص ٢٤٧ - ٢٤٨). وكانت مدائحه من وقتها توجه إما إلى شخصيات بارزة في البصرة مثل سليمان العبسى (وكان عاملا عليها عام ١٤٢ هـ = ٧٥٩ - ٧٦٠) أو ابنه (وكان عاملا حوالي عام ١٧٦ هـ = ٧٩٢ م؛ انظر الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ١٦٥ - ٧ و ٢٠٧، Pellat, ص ١٦٦, ٢٨٠) أو لشخصيات مثل عقبة ابن سَلْم (وكان عاملا عام ١٤٧ هـ = ٧٦٤ م؛ انظر الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ١٧٤ - ١٧٥، وانظر Pellat, الفهرس) أو ابنه نافع (وكان عاملا عام ١٥١ هـ = ٧٦٨ م؛ انظر الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ٢٣٠؛ وانظر Pellat, ص ٢٨١) وثمة نوادر عديدة تحملنا على القول بأن بشارًا كان يحظى

стр. 1672

بالكثير من الرضا في عهد الخليفة المنصور, الذي اصطحبه فيما يرجح إلى مكة لأداء فريضة الحج (انظر الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ١٥٣ و ١٥٩ و ١٨٨ و ٢١٢، ٢٣٩ وبخاصة الديوان، جـ ١، ص ٢٥٧ و ٢٧٥ [قصيدة من ٢٩ بيتا] جـ ٢، ص ٢٤)؛ وتوترت العلاقات أخيرا بين الخليفة والشاعر (انظر ما يلي). ونحن ندين لهذه الصلات الرسمية بالكثير من المعلومات الثمينة عن حياة الشاعر. ولكن ليس من شك في أنها لا تبلغ من الأهمية مبلغ صلات بشار بالنحاة في البصرة مثل أبي عمرو بن العلاء أو أبي عبيدة أو الأصمعيُّ أو برجال الدين في تلك البلدة مثل الحسن البصري المتوفى ١٣١ هـ (٧٤٨ م؛ انظر المصدر السابق، ص ١٧٠). ولا شك أن عباراته الساخرة التي تعرض فيها لهذين الرجلين السابقين تتفق مع ذوقة في مشاركة المنبوذين بسبب سلوكهم أو عقائدهم. وبين أيدينا "أدب" فيه من القصص الفكاهى أكثر مما فيه من روائع الكلم، يصور هذا المظهر من حياة بشار، ويحكى مغامراته وسقطاته التي يكاد يدنس فيها الحرمات (ومن هذا القبيل ما ورد في الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ١٨٥ - ٨٦ وص ٢٣٣, وإن قصائده التي هجا فيها حمّاد عجْرَد لتدل على مدى قوة هذه الأواصر أحيانًا (انظر المصدر السابق، جـ ٣، ص ١٣٧ و ٢٠٥, ٢٢٣ في آخرها؛ الجاحظ: البيان، جـ ١، ص ٣٠). وإن مزاج الشاعر الحاد، وطبعه، وفوق ذلك كله حساسيته من ناحية لعاهته وخلو وفاضه يفسر لنا إلى حد كبير تنديده اللاذع بخصومه أو أعدائه، ومع ذلك يجب ألا يفوتنا أن هناك أسبابا أخرى تفسر لنا ما تنطوى عليه هذه الخصومات على المستوى المثالى من ضغينة. ومن هذه الأسباب الشعوبية (مثال ذلك ما ورد في الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ١٣٨ و ١٣٩، وبخاصة ص ١٧٤ - ١٧٥ فيما يتعلق بهجوه للشاعر البدوى عقبة بن رؤبة؛ انظر أيضًا المصدر السابق، ص ١٦٦, الفقرة الخاصة بهجوه لبدوي؛ وص ٢٠٣ - ٢٠٤ التي يلوم فيها أحد الأشراف

стр. 1673

الشاعر لأنه أثار الموالى على سادتهم العرب). ثم إن موقف بشار من مذهب المعتزلة يعكس رأيه المتذبذب في عطاء ابن واصل المتوفى ١٣١ هـ (٧٤٨ - ٧٤٩ م في البصرة)، إذ يهجوه بعد أن رأيناه يمتدحه من قبل (انظر الجاحظ: البيان، جـ ١، ص ١٦ أو ما بعدها؛ وانظر أيضًا الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ١٤٥ وما بعدها؛ وانظر قصائد الهجاء المقذعة التي تبادلها بشار وشاعر المعتزلة صفوان الأنصاري البصري، وفيما يختص بها انظر - Pel , Milieu basrien: lat ص ١٧٥ - ١٧٧ مع ترجمة لأبيات صفوان). أما آراء بشار الدينية فإنها لا تزال غير واضحة، ويبدو أنها قد تذبذبت، ثم إن بشارًا، كأى نهاز للفرص، قد أخفى رأيه الحقيقي. ولا شك أن التحفظات التي يبديها في الشعراء الذين يقدرهم مثل الكَميت أو السيد الحمْيَرى الذي عاش في البصرة من عامَ ١٤٧ هـ (٧٦٤ م) إلى عام ١٥٧ هـ (٧٧٣ - ٧٧٤ م؛ انظر الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ٢٢٥، جـ ٧، ص ٢٣٧ بيد أن الحقائق غير مؤكدة) تصلح للدلالة على أنه لم يكن شيعيا (ولكن انظر Pellat, ص ١٧٨، الذي يرى أن بشارا جمع بين آراء الشيعة من الكاملية، وفي هذا الموضوع انظر المصدر نفسه، ص ٢٠١). يضاف إلى هذا أن اتهام بشار بالزندقة والنوادر التي تصورها أكثر مما تثبتها تشير إلى تشبثة بآراء غير متجانسة، والحق إن بين هذه الآراء عقائد مانوية تخالطها صبغة زرادشتية قوية (انظر الجاحظ: البيان، جـ ١، ص ١٦: ذكر البيت المشهور الذي جاء فيه أن الأرض في ظلام والنار تتألق وأن النار عبدت منذ وجودها (١)؛ انظر الإشارة إلى تأييد بشار لهذا في معارضة صفوان المعتزلى، المصدر السابق، جـ ١، ص ٩٧، س ٧؛ انظر أيضًا الفهرست، ص ٣٣٨، س ١٠، الذي يسلك الشاعر بين الزنادقة المانويين في القرن الثاني الهجري الموافق الثامن الميلادي). ولكن إلى جانب هذه الاعتقادات يبدو أن بشارًا كان دائما يطوى

стр. 1674

جوانحه على تشكك عميق (انظر الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ٢٧٧, س ١ وما بعده؛ الديوان، جـ ٢، ص ٢٤٦) يمتزج بنظرة جبرية أدت به إلى التشاؤم والاعتقاد بمذهب اللذة (المصدر السابق ص ٢٣٢, ورواية عن ابن قتيبة: عيون الأخبار، جـ ١، ص ٤٠ في آخرها). واضطر بشار، مثل أقرانه، إلى أن يرجع إلى التقية وأن يقول بقول أهل السنة وأن يبدى غيرة الأتقياء مما يتعارض تعارضا تامًّا مع آرائه الحقيقية التي اقتنع بها (ومن هذا القبيل أبياته التي نظمها في هجاء ابن العوجاء الزنديق، الذي قتل في الكوفة: الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ١٤٧, وأخص من هذا كله البيت الذي ورد في الديوان، جـ ٢، ص ٣٦، س ٣ فهو يدل على التزام صارم بالإِسلام السُّنى). ولم يفلح حذره ذلك في إخفاء فضائح سلوكه ونوادره وزندقته. وأدت مؤامرة دبرت في البصرة إلى ضياع مكانته في نظر الخليفة المهدي (انظر أخبار نوادره في الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ٢٤٣ وما بعدها)، إذ تجاوزت ذلك إلى أمور أعظم شأنًا، أي إلى اضطهاد كل من شملهم لقب زنديق في عهد هذا الخليفة (انظر المصدر السابق، ص ٢٤٦ في آخرها وما بعدها، وبخاصة: Appunti Gabrieli, ص ١٥٨). وقبض على بشار وجلد، وألقى به في مستنقع في البطيحة (الطبري، طبعة القاهرة، حـ ٦، ص ٤٠١؛ الأغانى، الطبعة الثالثة، حـ ٣، ص ٢٤٧ - ٢٤٨)، حدث هذا عام ١٦٧ هـ أو ١٦٨ هـ (٧٨٤ - ٧٨٥ م) وكان الشاعر قد تجاوز السبعين من عمره وقتذاك (لا التسعين كما قيل بسبب خطأ في الرسم، انظر الأغانى، الطبعة الثالثة، حـ ٣، ص ٢٤٧ و ٢٤٩ ويورد الرقمين، ولا يظهر منهما إلا الثاني في كتاب الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، حـ ٧، ص ١١٨؛ ابن خلكان، حـ ١، ص ٨٨). واشتهر بشار في زمانه بأنه خطيب، وأنه يجيد كتابة الرسائل والنثر

стр. 1675

(الجاحظ: البيان جـ ١، ص ٤٩) ولكنه يدين بشهرته فوق كل شيء إلى مواهبه الشعرية. وكان إنتاجه من الشعر غزيرا متنوعا, ولكن مما يؤسف له أنه لم يصل إلينا في صورته الأصلية. ولما كان بشار كفيفا فإنه اعتمد على الرواة، الذين لا نعرف إلا أسماء أربعة منهم، وبخاصة خلف الأحمر (انظر الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ١٣٧ و ١٦٤, وجـ ٩، ص ١٨٩, ١٧٠, ١١٢) بيد أن أحدا منهم لم يكبد نفسه عناء جمع ديوان شيخه. وسرعان ما ضاعت مقطوعات كانت تنشد من حين إلى حين وقصائد أنشدت على البديهة ونوادر شعرية، وفي الوقت نفسه نسبت إلى بشار قصائد يكتنف صحتها الشك إلى حد ما (انظر الشرح على الديوان، جـ ١، ص ٣٠٩). ومن ثم لم تعرف آثار الشاعر، منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) إلا عن طريق مجموعات من أصحاب الدواوين أمثال هارون بن علي المتوفى عام ٢٨٨ هـ - (٩٠٠ - ٩٠١ م؛ انظر الفهرست، ص ١٤٤) أو أحمد بن أبي طاهر طيفور المتوفى عام ٣٨٠ هـ (٨٩٣ م) الذي جمع كتاب "اختيار شعر بشار" (انظر الفهرست، ص ١٤٧). ومن المعروف أن ابن النديم رجع، في الربع الأخير من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) إلى مجموعة من القصائد المختارة تشغل حوالي ألف صفحة (انظر الفهرست، ص ١٥٩ في آخرها). ومهما يكن من شيء فإنه يجب ألا يؤخذ في الإعتبار كتاب "الاختيار من شعر بشار" للأخوين الخالدين الموصليين فهو لم يذكر ضمن مصنفاتهما في كتاب ابن النديم (المصدر المذكور، ص ١٦٩) , ونحن لا نعرف هذا المصنف إلا من مختارات زودنا بها التجيبى (القرن الخامس الهجري - الحادي عشر الميلادي، طبعة العلوى، عليكره سنة ١٩٣٥). وثمة مخطوطة وحيدة من أصل شرقي (ترجع إلى القرن السادس الهجري - الثاني عشر الميلادى؟ )، تضم قصائد تنتهي بقواف من الألف إلى الياء، كانت الأساس الذي قامت عليه طبعة ابن عاشور (٣ مجلدات، القاهرة سنة ١٩٥٠ - ١٩٥٧)، وهي طبعة بعيدة كل البعد عن أن تستأهل الثناء. ومن

стр. 1676

هذا نرى أن آثار بشار لا يمكن أن تدرس إلا بحذر. وينظم بشار قصائد ثلاثية متكلفة بأسلوب قوى، وعلى الرغم من أن قصائده قد تكون تقليدية في الشكل والمضمون فإنها تخالف القصائد التي نظمها الجيل السابق. وإن الصرامة التي تتسم بها نوادره الشعرية تضعه في مصاف الهجائين في عهد بني أمية (ومن هذا القبيل ما ورد في الديوان، جـ ٢، ص ٦٦، هجاء لحمّاد عجرد، وكذلك الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ١٨٨ و ٢٠٢)، وهنا تجد أن ذوقه الجانح لزخرف الكلام أو سوق الجد في قالب الهزل يحمله على ابتداع أساليب جديدة (ومن هذا القبيل، قصيدته التي تحدث فيها بلسان حماره، الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ٢٣١ في آخرها). ولكن الراجح أنه حفر اسمه في ذاكرة الناس بمراثية. وكثيرا ما تجنح موضوعات قصائده الماجنة إلى أن تكون من قبيل شعر الغزل الذي يجب أن يعتبر تخليا عن تقليد تعد القصائد المنحولة المنسوبة إلى الأعشى ميمون نماذج مشكوكا فيها له، وتؤلف قصائده الغزلية جانبا هاما من هذا الإنتاج، وهي موجهة في الغالب إلى سيدة من البصرة تدعى عبْدة ولكنها موجهة أيضًا إلى بطلات أخريات لعل أسماءهن من وحى الخيال. وهذه القصائد تعبر حينا عن الواقع، (ومن هذا القبيل ما ورد في الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ١٥٥, ١٦٥, ١٨٢, ٢٠٠ إلخ) وحينا تغلب عليها براعة ممزوجة بالكياسة والرقة، قد أن فيما يبدو إلى استجابتين مختلفتين للصراع الأبدى في أعماق النفس الشرقية. وهناك قصائد يطرح فيها آراءه وهي شائعة أيضًا؛ وعلى الرغم من أن بشارًا ليس في الواقع متعمقا فإنه يتحاشى التفاهة ويستطيع أن يبدى ملاحظات ذكية. والتواؤم مع الظروف هو مفتاح أسلوب بشار، الذي يمكن أن يجمد على نمط بعينه ويصبح عتيقا في القصيدة (ومن هذا القبيل ما ورد في الديوان، جـ ١، ص ٣٠٦ وما بعدها) ولكنه ينطلق ويصبح حرا يفيض بالبهجة في قصائد الغزل، وفيها يترخص الشاعر في استخدام اللغة بجرأة (ومن هذا القبيل ما ورد في

стр. 1677

الديوان، جـ ٢، ص ٥، س ٧؛ ص ١٠، س ٣؛ ص ١٥، س ٢). والحق أن التأثير الغالب على بشار كان دائما يعود إلى التقليد الذي ورثه من شعراء البادية، وهو، من كثير من الوجوه، قريب من "مدرسة" الحجاز كما نراها في شعر عمر بن أبي ربيعة. ولكنه نجح في أن يثرى هذا التقليد بما ينطوى عليه عالمه الداخلى من ثراء وبالتجربة القاسية التي نشأت من آفته الجثمانية واحتكاكه بعالم تسوده البلبلة والفتن. وإن أهمية مكانة بشار في الفترة التي تحول فيها الشعر من مرحلة إلى أخرى في منتصف القرن الثاني الهجرى (الثامن الميلادي) لا يمكن المبالغة في تقديرها. وإن تأثير الرجل والفنان يؤكده ما أثاره من حماسة أو كراهية في قلوب معاصريه. وهو يعد على وجه الإجمال من مفاخر البصرة، بينما ينبعث رأى الخبراء من "الأحكام التقويمية" التي تنسب إلى أدباء من أمثال أبي عبيدة والأصمعى وخلف الأحمر وجمع من الآخرين (انظر الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، في مواضع مختلفة). ونحن نعرف من جهة أخرى حكم الجاحظ عليه (انظر البيان، الفهرس) وأخيرا فإن بشارًا كان له تأثير عميق في الجيل التالي من الشعراء، وهناك ما يثبت هذا الأثر في سير أبي العتاهية، والعباس بن الأحنف، وأبي نواس، وسلم الخاسر وكثير من الآخرين، وتؤكد هذه الحقيقة دراسة آثارهم. وقد أصبح في وسع النقاد الشرقيين أن يروا في بشار واحدا من أعظم الشعراء عند العرب. المصادر: (١) ابن قتيبة: الشعر (طبعة ده غويه)، ص ٤٧٦ - ٤٧٩، والفهرس. (٢) الجاحظ: البيان، طبعة هارون، ج ١، ص ٤٩ والفهرس (٢٤ إشارة إلى بشار). (٣) الأغانى، الطبعة الثالثة، جـ ٣، ص ١٣٥ - ٢٤٩؛ جـ ٤، ص ١٥ و ٢٨ - ٢٩، ٣٣ - ٣٤، ٧٠ - ٧٢؛ جـ ٦ ص ٢٢٧، ٢٢٩، ٢٣٧ والجداول. (٤) الفهرست، ص ٣٣٨. (٥) الخطيب البغدادي: تأريخ بغداد، جـ ٧، ص ١١٢ - ١١٨. (٦) المرزبانى: الموشح، ص ٢٤٦ - ٢٥٠.

стр. 1678

(٧) ابن خلكان، القاهرة سنة ١٣١٠ هـ، ج ١، ص ٨٩ - ٩٠، طبعة عبد الحميد (القاهرة)، جـ ١، ص ٢٤٥، تعليق رقم ١١٠. (٨) بالنسبة للمصادر الثانوية عن السير انظر Brockelmann، رقم ١، ص ٤٠. (٩) بالنسبة لأساس الموضوع انظر Renaissance -A. Meg . (١٠) Les Zindiq ... au debut de: G. Vadja la periode abbass. , في RSO جـ ١٧ (سنة ١٩٣٧)، ص ١٧٣ - ٢٢٩. (١١) Le milieu basrien et la: Ch. Pellat formation de Gahiz، باريس سنة ١٩٥٣، ص ١٧٦ - ٨ و ٢٥٦ - ٩ والفهرس. (١٢) دراسات خاصة عن هذا الشاعر قام بها La Poesie arab: Di Matteo e nel I secolo degli Abbasidi باليرمو سنة ١٩٣٥، ص ٩ - ١٢٤. (١٣) Appunti Su B.i.B: F. Gabrieli، في BSOS، جـ ٩ (١٩٣٧)، ص ٥١ - مقالات ورسائل باللغة العربية. (١٤) عباس محمود العقاد: مراجعات في الأدب، القاهرة سنة ١٩٢٥، ص ١١٩ - ١٥٨. (١٥) المغربي، في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق جـ ٩ (سنة ١٩٢٩)، ص ٧٠٥ - ٧٢٢. (١٦) طه حسين: حديث الأربعاء، جـ ١، ص ٢٣٢ - ٢٤٢. (١٧) حسين منصور: بشار بين الجد والمجون، القاهرة سنة ١٩٣٠. (١٨) حنا نمر: بشار بن برد، حمص سنة ١٩٣٣. (١٩) حمصى: بشار بن برد، في الرعد، دمشق سنة ١٩٤٩، ص ٤٧ - ٧٦. (٢٠) أحمد حسنين: بشار بن برد، شعره واخباره، القاهرة سنة ١٩٢٥، ص ١٠٩. (٢١) النويهى: شخصية بشار، القاهرة سنة ١٩٥٧، ص ٢٨٠. بالنسبة للنص وديوان بشار انظر المصادر الواردة في صلب المادة. آدم [د. بلاشير R. Blachere]

стр. 1679

بعث " بعث": لفظًا: يرسل، يحرك، واصطلاحا في العلوم الدينية، تعنى إرسال الأنبياء أو نشر الأموات. ومنذ البدء بشر محمد ﷺ بأن الحياة الثانية حق وبأن القصاص يكون مع نهاية هذه الحياة الدنيا بغتة (سورة الأنعام، الآية ٣١) تنذر به نفخة الصور (سورة الحاقة، الآية ١٣، ونفختان: سورة الزمر، الآية ٦٨ تتميز كل منهما عن الأخرى في حقيقتها) فتنشق القبور وكلهم يهرعون ليعرضوا على القصاص (سورة الزمر، الآية ٧٥؛ سورة الفجر، الآيتان ٢٢، ٢٣). والروح ليست خالدة طبعًا، وبقاؤها رهن بمشيئة الله، لذا فثمة آيات متأخرة (البقرة الآية: ١٤٨؛ آل عمران الآية: ١٦٣) تتضمن بقاء الروح وأن هؤلاء الذين يموتون في سبيل الله خالدون حقا في نعيم. والأخبار المتأخرة ليست إلا توسعا في تكرار هذه الأفكار ولا تكون كلا متصلا، فروح الرجل الصالح تترك البدن في يسر ولكن تلك التي للرجل الطالح تنتزع منه في ألم، والجسم يبلى في القبر غير الجزء الأدنى من عظم العمود الفقرى الذي إليه تتجمع الأجزاء الجوهرية من الجسم. وكثرة تبقى في القبر إلى يوم الفصل، وثمة قلة لا تتقيد بهذا، فالبعض يكون في البرزخ وعندما ينفخ إسرافيل في الصور تعود الدنيا هيولى وتعتم الشمس وينهض الناس من القبور على خلقتهم حفاة الأقدام عراة ثم يجمعون في مكان الفصل، سهل منبسط حيث لا موضع فيه ولا وراءه يغيب فيه الواحد، وقد يكون في هذه الدنيا، وقد يخلق خصيصا. وفي خبر آخر فالنفخة الأولى تأتى على كل واحد إلا إبليس والرؤساء الأربعة للملائكة، وتعيد النفخة الثانية الناس إلى الحياة. وتصهر حرارة الشمس كل شيء ويفيض فيض يكاد يبلغ الآذان. ويمكثون هناك ثلثمائة عام أو خمسين ألف عام لا طعام ولا شراب (الله أعلم). وأقسى من العذاب الجسمانى الفزع من الديّان، فسيشغل كل امرئ بنفسه ولا يعني بغيره، وسوف يلوذون بآدم [﵇] يسألونه شفاعته، ولا يستجيب لهم نبي من

стр. 1680

الأنبياء [﵇] ويحيلونهم إلى محمد ﷺ الذي يقبل المهمة ويستجيب إليه الرب . ومن صور الفصل الأخرى: الصراط، وهو أرق من الشعرة وأحد من السيف يمتد على جهنم ويمر المؤمنون عليه سالمين، بينما يتردى الكافرون؛ والموازين التي توزن بها دنيا الناس؛ والكتب التي فيها الأعمال طيبة أو سيئة. وسيحمل المذنبون آلات عملهم السيئ، التي شغلتهم عن الدين. ويعتقد البعض أن كل المخلوقات الحية سوف تبعث في اليوم الآخر. ومن الواضح أن الكثير من هذا سابق لمحمد [ ﷺ ]. فلقد عرف المصريون القدماء وزن الأرواح والكتب المسجلة، وعرف الفرس الصراط، وقد اختلطت الأفكار بعد، فبعض الناس يصبحون رمادا في قبورهم، وتطوف أرواحهم في الملكوت تحت سماء الدنيا وبعضهم يرقدون لا يعلمون شيئًا إلى أن يهبوا على الصور ثم يموتون الموتة الثانية، وبعضهم يمكثون شهرين أو ثلاثة في القبر ثم يطير الطير بأرواحهم إلى الجنة. وبعضهم يرقى إلى الصور ويظل فيه إذ ثمة كثرة من الأماكن الخفية فيها أرواح. المصادر: (١) محمد بن أبي شريف: كتاب المسامرة، ص ١٨٧. (٢) الغزالى: إحياء علوم الدين، مجلد ٤، باب ٨، فصل ٢. (٣) الكاتب نفسه؛ الدرة الفاخرة (La Perle Precieuse) , سنة ١٨٧٢ .. (٤) الثعلبي: عرائس المحالس. (٥) Muhammadanische Escha: Wolff: tologie سنة ١٨٧٢. الأبيارى [تريتون A.S.Tritton] تعقيب خير ما نعقب به على هذه المادة هو أن البعث -كغيره من أي موضوع دينى مشابه- صيغت حوله أقوال من نسج الخيال لا ترجع إلى سند يعول عليه. ومن كتبنا العربية التي عرضت لمثل هذه الموضوعات ما هو ملئ بهذا الخيال. وكاتبنا هنا اعتمد في الكثير على مرجع جعله عمدته، وهو العرائس للثعلبى، وقل قارئ لا يعرف ما فيه من عبث.

стр. 1681

وما من شك في أن معتمد المتعرف لرأى الإسلام في البعث هو القرآن والسنة، ثم اجتهاد المجتهدين ذوي الرأى السليم، وهذا كله مبسوط في أمكنته، وكله يؤكد أن ثمة بعثا لتجزى كل نفس بما عملت في دنياها، وإلا كانت حياة الناس عبثا من العبث. ولا ضير أن يكون الإسلام مسبوقا بهذا، فالإسلام دين الفطرة جاء ليقر الفطرة السليمة. ثم إن ما جاء مع البعث من مقتضيات كالميزان والصراط ونحوهما فللك صور إلى الله تعالى حقيقتها وهو القادر على كل شيء. وأما ما يضفيه خيال المتخيلين على هذه الأشياء فما هو مما يحسب. على الدين. إبراهيم الأبيارى بعل بَعْل: كلمة سامية قديمة، بله سامية أصلية، وجوهر معناها "سيد أو مالك"، وقد توسع في استعمالها فأصبحت تدل على "إله محلى" (مخَصب الأرض) و"زوج" (في مجتمعٍ السيادة فيه للرجال). وفي القرن الماضي جذب و. ر. سميث W. R. Smith الأنظار بشدة إلى أهمية المعنى الأخير في كتابه "القرابة والزواج في الجزيرة العربية قديمًا" (Kinship and Marriage in Early Arabia، كمبردج سنة ١٨٨٥، الطبعة الثانية، لندن سنة ١٩٠٣)، بيد أنه لم يستطع أن يدعم صحة ما أورده في بحثه من أن العرب استعاروا اللفظ نفسه من الساميين الشماليين. وظلت المعاني المختلفة للكلمة قائمة في اللغة العربية الفصحى، قياما اقترن بحيوية كانت تتفاوت وفقا للمراد والعصر والموطن. ١ - أما فيما يتصل بكلمة بعل بمعنى "سيد" فإن اللغة العربية الفصحى استغنت عنها بمرادفات متعددة، وهي لذلك تباين الكلمة العبرية بَعَل، فلا تظهر في كثير من الكلمات المركبة. وظلت تستعمل بمعنى "زوج"، والراجح أن الفضل في ذلك إلى أنها وردت في ثلاث آيات من القرآن الكريم (سورة البقرة، آية ٢٢٨, سورة هود، آية ٧٢؛ سورة النور، آية ٣١، وفيها ذكرت مرتين) بصيغتى المفرد والجمع (بعولة وتستعمل بعد ذلك في اللغة

стр. 1682

العربية الفصحى عادة بصيغة بعول أو بعال). وكان إدراك الناس لمعنى "السيد" لا يزال قويًّا: وكلمة بعلى "زوجى" في سورة هود (آية ٧٢) تعبر عن كلمة "أدونى" الواردة في التوراة (على لسان سارة، سفر التكوين، الإصحاح ١٧، آية ١٢؛ تَرْجُوم أوْنكلُوس: ربُّونى). وتستخدم اللغة العربية الفصحى في المؤنث صيغتى بعل أو بعلة، واشتقت من هذا المعنى المتعلق بالزواج صيغ فعلية عديدة. ٢ - وساعد القرآن الكريم في سورة الصافات آية ١٢٥ (قصة إلياس؛ انظر سفر الملوك الأول، الإصحاح ١٨، مادة "إلياس") مساعدة أكثر تحديدا على ألا يغيب عن أذهان المسلمين أن "بعلا" هو صنم، على الرغم من الاختلاف بين المفسرين. والحق أن الفكر الإسلامي لا يرحب بقبول هذا المعنى، وإن ظهر عرضا في آراء مصنفى القرون الوسطى فيما يرتبط باشتقاق كلمة بعلبك مصحوبا بتفاصيل خيالية تتعلق بوجود صنم قديم في هذا المكان. وفوق ذلك فإن مما يلفت النظر بقاء فكرة الرب بعل لا شعوريا في الحالتين الآتيتين: (أ) الفعل بَعلَ والصفة بَعل أي "دهش"، والأصلَ فيهما، كما أوَضح نولدكه Noeldeke (في Zeitschr. der Deutsch. Morgenl. Gesells " سنة ١٨٨٦، جـ ٤٠، ص ١٧٤ "تقمصه بعل". (ب) بُعْل وبعلى لفظان يحملان معنى أرض لا تسقى: فهناك بيت من الشعر ينسب إلى الصحابى عبد الله بن رَوَاحَة (لسان العرب، جـ ١٣، ص ٦٠) يقول فيه: ... هنالك لا أبالي نَخْلَ بَعْلٍ. ولا سَقْى ... (١) وفي عبارة من هذا القبيل ربما تَكون كلمة بعل قد احتفظت بشيء من معناها الأصلي، لم يدركه صاحب لسان العرب: وهو أن الإله بعل (وهو ذكر) يخصب الأرض (وهي أنثى) بمياه المطر أو المياه الجوفية. وإن الموازنة بين أرض تسقى (بألفاظ مشتقة من نفس المصدر مطر سقى) و "دار بعل أو حقله" تتضح بجلاء في التَّرْجُوم والتَّلْمُود- jas Dict of the Talmud: trow؛ مادة b'l بعل وسقى؛ Lectures on the re-: W.R. Smith ligion of the Semites, لندن سنة ١٩٢٧،

стр. 1683

انظر الفهرس؛ Arbeit: G. Dalman und Sitte in Palaestina كوتر سلوح سنة ١٩٣٢، جـ ٢، ص ٣٢ - ٣٣). ومهما يكن من أمر فإننا نصادف لفظ بعل في اللغة العربية الفصحى إبان القرون الأولى من الهجرة في مناسبات عديدة، ينفرد بمعنى "أرض مزروعة لا تسقى". وليس في عبارة مركبة تخضع لكثير من التأويل. وتوجد بهذا المعنى في كتب الفقه، وبخاصة فيما يرتبط بضريبة العشور (الزكاة أو الصدقة) التي تفرض على الإنتاج الزراعى. والحق أن الشريعة الإسلامية، عند الشيعة وأهل السنة على السواء، تنص على تخفيض هذه الضريبة إلى نصف العشر أو إلى جزء من عشرين جزءًا، عندما يتوقف نمو المحصول على رى صناعى، يستلزم شيئًا من الجهد، وفي مقابل هذا تكون الزكاة بالفعل عشر الناتج، عندما يكون من أرض بعل، ويرد اللفظ مرتبطا بالموضوع نفسه في أحاديث منقولة عن موطأ مالك. (القرن الثاني الهجرى = الثامن الميلادي" انظر الباجى: المنتقى، حـ ٢، ص ١٥٧ - ١٥٨)، ويرد مرارا في القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي) في كتب الفقه مثل كتاب الأم للإمام الشافعي (حـ ٢، ص ٣٢) ومدونة سحنون المالكي (حـ ٢، ص ٩٩، ١٠٨). وترد هذه الأحاديث بنصها تقريبا في سنن أبي داود (السنن: رقم ١٥٩٦ - ١٥٩٨)، ويرويها القدماء من المتخصصين في الأموال وخراج الأرض (القرن الثالث- الرابع الهجرى = القرن التاسع- العاشر الميلادي): يحيى بن آدم (كتاب الخراج، طبعة القاهرة سنة ١٣٤٧ هـ,، رقم ٣٦٤ - ٣٩٥، بينما ورد في نسخة أخرى كاشفة، رقم ٣٨١ "ما سقاه بعل"، هكذا ورد النقل في كتاب فتوح البلدان للبلاذرى، ص ٧٠)، وأبو عبيد بن سلام (كتاب الأموال، طبعة القاهرة سنة ١٣٥٣ هـ، رقم ١٤١٠ - ١٤١١) , وقدامة بن جعفر (كتاب الخراج، الجزء السابع، فصل ٧، تحقيق ده غويه، حاشية على كتاب البلاذرى، فتوح البلدان، ص ١٤، أما كتاب مفاتيح العلوم للخوارزمى الذي يتناول هذا الموضوع فليس إلا ملخصا لهذا المصنف)، والأمر كذلك في الفقه

стр. 1684

الفاطمى الذي كان قد استقر في إفريقية (القرن الرابع الهجرى = العاشر الميلادي): والقاضي النعمان (دعائم الإسلام، طبعة القاهرة سنة ١٩٥١، حـ ١، ص ٣١٦). ومن الطبيعي أن ينسحب هذا المفهوم على كثير من المصنفات المتأخرة. وتثير هذه النصوص، فيما يتعلق باستعمال كلمة بعل التفسيرين الآتيين: (أ) يبدو أن الكلمة ترتبط بتقاليد أهل المدينة، وكذلك أهل اليمن، والظاهر أنها لم تكن معروفة في التقاليد العراقية القديمة (ولعل هذا يرجع إلى أن العراق في الأصل بلاد اعتمدت على الري)، ولا يستخدم المذهب الحنفي، وقد نشأ أصلا في العراق، هذه الكلمة عادة، مع أنه يقرر القاعدة المتبعة في هذا الشأن، مثله في ذلك مثل المذاهب الأخرى. (ب) أن الأحاديث التي تتضمن هذه الكلمة تدرجها في عداد الأراضي المذكورة فيما سبق، وفيها تبدو الأرض البعل متميزة عن الأراضي التي ترويها مياه الينابيع أو المطر أو القنوات. ومع ذلك فإن بين المفسرين وأصحاب المعاجم من يتشبث بأن كلمة "بعل" تطلق على كل الأراضي المزروعة التي لا تسقى، في حين أن آخرين، تأثروا بحرفية الأحاديث، وربما بمعانى اللفظ في اللهجات المختلفة، يقدمون مجموعة من التفسيرات، تدور حول فكرة الأرض التي لا تسقى في حالة الجفاف: ويرى البعض أن الكلمة لا تنطبق إلا على الأحوال التي يحصل فيها النبات على الماء بوساطة جذوره الممتدة تحت السطح وحدها (ثمة دليل تفصيلى في لسان العرب، الموضع المذكور، وانظر أيضًا Lectures .: W. R. Smith، ص ٩٨ - ٩٩؛ Islamic Taxa-: Lokkegaardy tion كوبنهاغن سنة ١٩٥٠، ص ١٢١). ويوجد بين الكلمات التي تحمل المعنى نفسه أو ما يقاربه، وهي كثيرا ما تحل محل كلمة بعل أو تقترن بها في الاستعمالات التي ذكرناها فيما سبق، ما ينبغي أن نعنى بشانه عناية خاصة بكلمة عَشَّرى (مثل ما ورد في صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب ٥٥) وهو لفظ يصعب علينا أن نحجم عن تفسيره على ضوء اسم الإله عَثْتَر (= عشتروت أو عشتار)، وعَثْتَر إله نجمى من مجمع الآلهة في الجزيرة العربية وجنوبيها

стр. 1685

وله تأثير على خصوبة الأرض، وكان في بعض الأوقات يوصف باسم بعل Etudes sur les religions semi-: Lagrange tiques، باريس سنة ١٩٠٣، ص ١٣٣ - ١٣٦؛ Handbuch der al: Nielsen tarab Altertumckunde . كوبنهاغن سنة ١٩٢٧، حـ ١، الفهرس؛ Jamme في Le Museon سنة ١٩٤٧، ص ٨٥ - ١٠٠؛ G. Ryckmans: في Atti. Accad Lincei، سنة ١٩٤٨، ص ٣٦٧؛ الكتاب نفسه: - Les religions Arabes Preisla miques، الطبعة الثانية، لوفان سنة ١٩٥١، ص ٤١ وفي مواضع متفرقة؛ Jamme في Brillant and Aigrain: Hist des Religions [١٩٥٦]، حـ ٤، ص ٢٦٤ - ٢٦٥). وهناك شواهد على إدغام الثاء والتاء وتحويلهما إلى ثاء مضعفة في اللغة العربية الفصحى، ولا شك أن المقابلة المعنوية لكلمة بعل هنا تثير الدهشة. ولابد أن نلاحظ ورود كلمة بعل، بنفس المعنى، في بعض الروايات الخاصة بالشروط التي يُؤثر أن النبي ﷺ قد فرضها باعتبارها شريعة تطبق على الأرض في العام التاسع الهجرى سواء على واحة دومة الجندل (على يد قائده أكَيدر بن عبد الملك) أو على قبائل بنى كلب (على يد قائدهم حارثة بن قَطَن؛ انظر: - Cae Annali: tani، العدد ٢، حـ ١، ص ٢٥٩ - ٢٦٩ [وقد ناقش هذه الواقعة Mssil في Arabia Deserta. نيويورك سنة ١٩٢٧، ملحق رقم ٧؛ وبحث بقلم W.M. Watt عنوانه محمد في المدينة Mu- hammad at Medina، أكسفورد سنة ١٩٥٦، ص ٣٦٢ - ٣٦٥). كما نلتقى به مرة أخرى فيما يرتبط بالخراج في الرسائل الكبرى الخاصة بالشريعة في القرن الخامس الهجرى (الحادي عشر الميلادي): الأحكام السلطانية تأليف أبي يعلى الحنبلي (طبعة القاهرة سنة ١٩٣٨، ص ١٥١) والماوردي الشافعي (ترجمة فانيان Fagnan . الجزائر سنة ١٩١٥، ص ٣١٤). ومن رأيهما في حساب هذه الضريبة مراعاة مورد الماء: وهو أربعة أضرب من الأرض المزروعة، من بينها نجد أن الأرض البعل تتحدد بدقة على وجه التقريب كما قلنا من قبل، في مقابل الأرض المسقية أو الأرض التي يرويها المطر ريا كافيا.
следующие страницы →