← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وما من شك في أن معتمد المتعرف لرأى الإسلام في البعث هو القرآن والسنة، ثم اجتهاد المجتهدين ذوي الرأى السليم، وهذا كله مبسوط في أمكنته، وكله يؤكد أن ثمة بعثا لتجزى كل نفس بما عملت في دنياها، وإلا كانت حياة الناس عبثا من العبث. ولا ضير أن يكون الإسلام مسبوقا بهذا، فالإسلام دين الفطرة جاء ليقر الفطرة السليمة. ثم إن ما جاء مع البعث من مقتضيات كالميزان والصراط ونحوهما فللك صور إلى الله تعالى حقيقتها وهو القادر على كل شيء. وأما ما يضفيه خيال المتخيلين على هذه الأشياء فما هو مما يحسب. على الدين. إبراهيم الأبيارى بعل بَعْل: كلمة سامية قديمة، بله سامية أصلية، وجوهر معناها "سيد أو مالك"، وقد توسع في استعمالها فأصبحت تدل على "إله محلى" (مخَصب الأرض) و"زوج" (في مجتمعٍ السيادة فيه للرجال). وفي القرن الماضي جذب و. ر. سميث W. R. Smith الأنظار بشدة إلى أهمية المعنى الأخير في كتابه "القرابة والزواج في الجزيرة العربية قديمًا" (Kinship and Marriage in Early Arabia، كمبردج سنة ١٨٨٥، الطبعة الثانية، لندن سنة ١٩٠٣)، بيد أنه لم يستطع أن يدعم صحة ما أورده في بحثه من أن العرب استعاروا اللفظ نفسه من الساميين الشماليين. وظلت المعاني المختلفة للكلمة قائمة في اللغة العربية الفصحى، قياما اقترن بحيوية كانت تتفاوت وفقا للمراد والعصر والموطن. ١ - أما فيما يتصل بكلمة بعل بمعنى "سيد" فإن اللغة العربية الفصحى استغنت عنها بمرادفات متعددة، وهي لذلك تباين الكلمة العبرية بَعَل، فلا تظهر في كثير من الكلمات المركبة. وظلت تستعمل بمعنى "زوج"، والراجح أن الفضل في ذلك إلى أنها وردت في ثلاث آيات من القرآن الكريم (سورة البقرة، آية ٢٢٨, سورة هود، آية ٧٢؛ سورة النور، آية ٣١، وفيها ذكرت مرتين) بصيغتى المفرد والجمع (بعولة وتستعمل بعد ذلك في اللغة

стр. 1682

العربية الفصحى عادة بصيغة بعول أو بعال). وكان إدراك الناس لمعنى "السيد" لا يزال قويًّا: وكلمة بعلى "زوجى" في سورة هود (آية ٧٢) تعبر عن كلمة "أدونى" الواردة في التوراة (على لسان سارة، سفر التكوين، الإصحاح ١٧، آية ١٢؛ تَرْجُوم أوْنكلُوس: ربُّونى). وتستخدم اللغة العربية الفصحى في المؤنث صيغتى بعل أو بعلة، واشتقت من هذا المعنى المتعلق بالزواج صيغ فعلية عديدة. ٢ - وساعد القرآن الكريم في سورة الصافات آية ١٢٥ (قصة إلياس؛ انظر سفر الملوك الأول، الإصحاح ١٨، مادة "إلياس") مساعدة أكثر تحديدا على ألا يغيب عن أذهان المسلمين أن "بعلا" هو صنم، على الرغم من الاختلاف بين المفسرين. والحق أن الفكر الإسلامي لا يرحب بقبول هذا المعنى، وإن ظهر عرضا في آراء مصنفى القرون الوسطى فيما يرتبط باشتقاق كلمة بعلبك مصحوبا بتفاصيل خيالية تتعلق بوجود صنم قديم في هذا المكان. وفوق ذلك فإن مما يلفت النظر بقاء فكرة الرب بعل لا شعوريا في الحالتين الآتيتين: (أ) الفعل بَعلَ والصفة بَعل أي "دهش"، والأصلَ فيهما، كما أوَضح نولدكه Noeldeke (في Zeitschr. der Deutsch. Morgenl. Gesells " سنة ١٨٨٦، جـ ٤٠، ص ١٧٤ "تقمصه بعل". (ب) بُعْل وبعلى لفظان يحملان معنى أرض لا تسقى: فهناك بيت من الشعر ينسب إلى الصحابى عبد الله بن رَوَاحَة (لسان العرب، جـ ١٣، ص ٦٠) يقول فيه: ... هنالك لا أبالي نَخْلَ بَعْلٍ. ولا سَقْى ... (١) وفي عبارة من هذا القبيل ربما تَكون كلمة بعل قد احتفظت بشيء من معناها الأصلي، لم يدركه صاحب لسان العرب: وهو أن الإله بعل (وهو ذكر) يخصب الأرض (وهي أنثى) بمياه المطر أو المياه الجوفية. وإن الموازنة بين أرض تسقى (بألفاظ مشتقة من نفس المصدر مطر سقى) و "دار بعل أو حقله" تتضح بجلاء في التَّرْجُوم والتَّلْمُود- jas Dict of the Talmud: trow؛ مادة b'l بعل وسقى؛ Lectures on the re-: W.R. Smith ligion of the Semites, لندن سنة ١٩٢٧،

стр. 1683

انظر الفهرس؛ Arbeit: G. Dalman und Sitte in Palaestina كوتر سلوح سنة ١٩٣٢، جـ ٢، ص ٣٢ - ٣٣). ومهما يكن من أمر فإننا نصادف لفظ بعل في اللغة العربية الفصحى إبان القرون الأولى من الهجرة في مناسبات عديدة، ينفرد بمعنى "أرض مزروعة لا تسقى". وليس في عبارة مركبة تخضع لكثير من التأويل. وتوجد بهذا المعنى في كتب الفقه، وبخاصة فيما يرتبط بضريبة العشور (الزكاة أو الصدقة) التي تفرض على الإنتاج الزراعى. والحق أن الشريعة الإسلامية، عند الشيعة وأهل السنة على السواء، تنص على تخفيض هذه الضريبة إلى نصف العشر أو إلى جزء من عشرين جزءًا، عندما يتوقف نمو المحصول على رى صناعى، يستلزم شيئًا من الجهد، وفي مقابل هذا تكون الزكاة بالفعل عشر الناتج، عندما يكون من أرض بعل، ويرد اللفظ مرتبطا بالموضوع نفسه في أحاديث منقولة عن موطأ مالك. (القرن الثاني الهجرى = الثامن الميلادي" انظر الباجى: المنتقى، حـ ٢، ص ١٥٧ - ١٥٨)، ويرد مرارا في القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي) في كتب الفقه مثل كتاب الأم للإمام الشافعي (حـ ٢، ص ٣٢) ومدونة سحنون المالكي (حـ ٢، ص ٩٩، ١٠٨). وترد هذه الأحاديث بنصها تقريبا في سنن أبي داود (السنن: رقم ١٥٩٦ - ١٥٩٨)، ويرويها القدماء من المتخصصين في الأموال وخراج الأرض (القرن الثالث- الرابع الهجرى = القرن التاسع- العاشر الميلادي): يحيى بن آدم (كتاب الخراج، طبعة القاهرة سنة ١٣٤٧ هـ,، رقم ٣٦٤ - ٣٩٥، بينما ورد في نسخة أخرى كاشفة، رقم ٣٨١ "ما سقاه بعل"، هكذا ورد النقل في كتاب فتوح البلدان للبلاذرى، ص ٧٠)، وأبو عبيد بن سلام (كتاب الأموال، طبعة القاهرة سنة ١٣٥٣ هـ، رقم ١٤١٠ - ١٤١١) , وقدامة بن جعفر (كتاب الخراج، الجزء السابع، فصل ٧، تحقيق ده غويه، حاشية على كتاب البلاذرى، فتوح البلدان، ص ١٤، أما كتاب مفاتيح العلوم للخوارزمى الذي يتناول هذا الموضوع فليس إلا ملخصا لهذا المصنف)، والأمر كذلك في الفقه

стр. 1684

الفاطمى الذي كان قد استقر في إفريقية (القرن الرابع الهجرى = العاشر الميلادي): والقاضي النعمان (دعائم الإسلام، طبعة القاهرة سنة ١٩٥١، حـ ١، ص ٣١٦). ومن الطبيعي أن ينسحب هذا المفهوم على كثير من المصنفات المتأخرة. وتثير هذه النصوص، فيما يتعلق باستعمال كلمة بعل التفسيرين الآتيين: (أ) يبدو أن الكلمة ترتبط بتقاليد أهل المدينة، وكذلك أهل اليمن، والظاهر أنها لم تكن معروفة في التقاليد العراقية القديمة (ولعل هذا يرجع إلى أن العراق في الأصل بلاد اعتمدت على الري)، ولا يستخدم المذهب الحنفي، وقد نشأ أصلا في العراق، هذه الكلمة عادة، مع أنه يقرر القاعدة المتبعة في هذا الشأن، مثله في ذلك مثل المذاهب الأخرى. (ب) أن الأحاديث التي تتضمن هذه الكلمة تدرجها في عداد الأراضي المذكورة فيما سبق، وفيها تبدو الأرض البعل متميزة عن الأراضي التي ترويها مياه الينابيع أو المطر أو القنوات. ومع ذلك فإن بين المفسرين وأصحاب المعاجم من يتشبث بأن كلمة "بعل" تطلق على كل الأراضي المزروعة التي لا تسقى، في حين أن آخرين، تأثروا بحرفية الأحاديث، وربما بمعانى اللفظ في اللهجات المختلفة، يقدمون مجموعة من التفسيرات، تدور حول فكرة الأرض التي لا تسقى في حالة الجفاف: ويرى البعض أن الكلمة لا تنطبق إلا على الأحوال التي يحصل فيها النبات على الماء بوساطة جذوره الممتدة تحت السطح وحدها (ثمة دليل تفصيلى في لسان العرب، الموضع المذكور، وانظر أيضًا Lectures .: W. R. Smith، ص ٩٨ - ٩٩؛ Islamic Taxa-: Lokkegaardy tion كوبنهاغن سنة ١٩٥٠، ص ١٢١). ويوجد بين الكلمات التي تحمل المعنى نفسه أو ما يقاربه، وهي كثيرا ما تحل محل كلمة بعل أو تقترن بها في الاستعمالات التي ذكرناها فيما سبق، ما ينبغي أن نعنى بشانه عناية خاصة بكلمة عَشَّرى (مثل ما ورد في صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب ٥٥) وهو لفظ يصعب علينا أن نحجم عن تفسيره على ضوء اسم الإله عَثْتَر (= عشتروت أو عشتار)، وعَثْتَر إله نجمى من مجمع الآلهة في الجزيرة العربية وجنوبيها

стр. 1685

وله تأثير على خصوبة الأرض، وكان في بعض الأوقات يوصف باسم بعل Etudes sur les religions semi-: Lagrange tiques، باريس سنة ١٩٠٣، ص ١٣٣ - ١٣٦؛ Handbuch der al: Nielsen tarab Altertumckunde . كوبنهاغن سنة ١٩٢٧، حـ ١، الفهرس؛ Jamme في Le Museon سنة ١٩٤٧، ص ٨٥ - ١٠٠؛ G. Ryckmans: في Atti. Accad Lincei، سنة ١٩٤٨، ص ٣٦٧؛ الكتاب نفسه: - Les religions Arabes Preisla miques، الطبعة الثانية، لوفان سنة ١٩٥١، ص ٤١ وفي مواضع متفرقة؛ Jamme في Brillant and Aigrain: Hist des Religions [١٩٥٦]، حـ ٤، ص ٢٦٤ - ٢٦٥). وهناك شواهد على إدغام الثاء والتاء وتحويلهما إلى ثاء مضعفة في اللغة العربية الفصحى، ولا شك أن المقابلة المعنوية لكلمة بعل هنا تثير الدهشة. ولابد أن نلاحظ ورود كلمة بعل، بنفس المعنى، في بعض الروايات الخاصة بالشروط التي يُؤثر أن النبي ﷺ قد فرضها باعتبارها شريعة تطبق على الأرض في العام التاسع الهجرى سواء على واحة دومة الجندل (على يد قائده أكَيدر بن عبد الملك) أو على قبائل بنى كلب (على يد قائدهم حارثة بن قَطَن؛ انظر: - Cae Annali: tani، العدد ٢، حـ ١، ص ٢٥٩ - ٢٦٩ [وقد ناقش هذه الواقعة Mssil في Arabia Deserta. نيويورك سنة ١٩٢٧، ملحق رقم ٧؛ وبحث بقلم W.M. Watt عنوانه محمد في المدينة Mu- hammad at Medina، أكسفورد سنة ١٩٥٦، ص ٣٦٢ - ٣٦٥). كما نلتقى به مرة أخرى فيما يرتبط بالخراج في الرسائل الكبرى الخاصة بالشريعة في القرن الخامس الهجرى (الحادي عشر الميلادي): الأحكام السلطانية تأليف أبي يعلى الحنبلي (طبعة القاهرة سنة ١٩٣٨، ص ١٥١) والماوردي الشافعي (ترجمة فانيان Fagnan . الجزائر سنة ١٩١٥، ص ٣١٤). ومن رأيهما في حساب هذه الضريبة مراعاة مورد الماء: وهو أربعة أضرب من الأرض المزروعة، من بينها نجد أن الأرض البعل تتحدد بدقة على وجه التقريب كما قلنا من قبل، في مقابل الأرض المسقية أو الأرض التي يرويها المطر ريا كافيا.

стр. 1686

ويستخدم الجغرافي المُقَدَسى الكلمة في ثلاث مناسبات في القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادي؛ المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٣، ص ١٩٧، ٤٧٤) ويتناول الإنتاج الزراعى قرب الرَمْلَة والإسكندرية وفي السند، وهو يستعملها دائما في صيغة (على البعل) وهذا لا يكفى، على آية حال، للدلالة على استخدام الكلمة خارج بلاد الشام وفلسطين وهي مسقط رأس الكاتب. وفي هذه المنطقة الجغرافية حيث "الزراعة على البعل هي الأساس التقليدى للاستغلال الزراعى، على الرغم مما يتوهمه الناس من وفرة الماء فيها" (Paysans de Syrie: J. Weulersse, ياريس سنة ١٩٤٦، ص ١٤٤) نجد في الوقت الحاضر: أرض بعل تقابل أرض سقى كما في الأزمنة السابقة) G- Dal-) man. المصدر المذكور، ص ٣٠؛ وأشار إلى ذلك بالفعل E. Meier . في Zeitschr. der Deutsch. Morgenl. Gesells، سنة ١٨٦٣، جـ ١٧، ص ٦٠٧). ونذكر هنا حالة خاصة باستخدام هذه الكلمة في مصر أيام القرون الوسطى، فقد كان هناك في القاهرة أيام المماليك وربما في أيام الفاطميين من قبل، بستان قرب الخليج، أصبح بعد متنزها عاما، يسمى بستان البعل، ثم "أرض البعل"، (انظر المقريزى: الخطط، طبعة بولاق سنة ١٢٧٠ هـ، جـ ٢، ص ١٢٩. وهنا نراه يستعمل صراحة كلمة بعل بمعناها الجغرافي). وجدير بالذكر أن مسلمي الأندلس "مثل الفلاحين الأسبان اليوم تماما ... كانوا يفرقون بين أرض السكانو - Seca no (البعل بالعربية) وأرضَ الركاديو Regadio (السقى بالعربية)، فالأولى يحتفظ بها خصيصا لزراعة الحبوب" Hist. Esp. Mus: Levi Provencal باريس سنة ١٩٥٣، جـ ٣، ص ٢٧٠). ويؤكد ابن العَوام (القرن السادس الهجرى = الثاني عشر الميلادي) الخبير المشهور في الفلاحة بإشبيلية وجود هذه التفرقة (كتاب الفلاحة، طبعة بانكويرى - Ban queri، مدريد سنة ١٨٠٢، جـ ١، ص ٥). وقد ظهرت هذه التفرقة في العقود، وبخاصة عقود المغارسة: فنحن نجد -مثلًا- أن صيغة التوثيق التي وضعها ابن سلمون، في كتاب العقد المنَظَّم (طبعة القاهرة سنة ١٣٠٢ هـ،

стр. 1687

جـ ٢، ص ٢١ - ٢٢) في القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادي) تتضمن صيغتى بعلى وَسقَوى. ويبدو أن هاتين النسبتين تتحولان في الواقع إلى اسمين في الأزمنة الحديثة على الأرجح في مناطق معينة، وذلك على منوال كلمة عثَّرى. وقد لوحظ وجود كلمة بعلى جنبا إلى جنب هي وكلمة عَثَّرِى في لهجات أهل جنوبي الجزيرة العربية: Landberg: Glossaire Datinois، ليدن سنة ١٩٢٠، جـ ١، ١٨٦) حيث نرى أن كلمة أثرى يجب أن تعدَل، على وجه اليقين تقريبًا، إلى كلمة عَثَّرى. وليس من اليسير على الدوام أن نحدد، من أول نظرة، هل كلمة بَعْلى تستعمل الآن، صفة أو اسما في الشرق وفي شمالي إفريقية. وهي في الغالب ترتبط -أكثر من كلمة سقوى التي تدل على نقيضها- باسم خضر من الخضروات أو الفواكه: وتؤكد في هذه الحالة صفة الجودة، ففي مدينة فاس تطلق الصيغة المؤنثة بَعْليَة على ثمرة تين ريَانة، بينما يوصف بَكلمة بَعْلى أي رجل بخيل، قاس شحيح كالأرض التي تحمل الاسم نفسه (معلومة قدمها ل. برونو L. Brunot) . وكما هي الحال في كثير من العناصر الأخرى التي يتألف منها معجم الألفاظ التي تتردد في مفردات لغة الحديث العربية، نرى أن من دواعي الأسف ألا نعرف بدقة كافية المناطق التي تستعمل فيها فعلا كلمتا بَعْل وبَعْلى، وهما كلمتان غير معروفتين في مناطق مترامية الأطراف يتحدث فيها الناس باللغة العربية. وإن التوزيع الدقيق لهاتين الكلمتين يزودنا بمعارف تمثل وجهات نظر مختلفة. د. يونس [ر. برنشفيك R. Brunschvig] تعليق على مادة "بعل " جاء في المقال أن كلمة بعل سامية قديمة أصيلة، بمعنى سيد أو مالك أو زوج ثم أصبحت تدل على إله محلى. وأما كلمة "بعل" فإنها عربية أصيلة، ليس فيها شية من العجمة، وإن ادعى كاتب المادة أنها سامية، وأنها "بعل"؛ وسنذكر الأدلة على ذلك قوية واضحة إن شاء الله.

стр. 1688

فقد ذكر الطبري -إمام المفسرين- "وللبعل في كلام العرب أوجه: يقولون لرب الشيء: هو بعله، يقال: هذا بعل هذه الدار، يعني ربها، ويقولون لزوج المرأة: بعلها. ويقولون لما كان من الغروس والزروع مستغنيا بماء السماء ولم يكن سقيا: هو بعل، وهو العذى". قال الراغب الأصفهانى في غريب القرآن (ص ٥٤): بعل: البعل هو الذكر من الزوجين، قال الله : (وهذا بعلى شيخا)، وجمعه بعولة، نحو فحل وفحولة. قال تعالى: ﴿وبُعُولَتُهن أحقُّ بردهِن﴾؛ ولما تصور من الرجل الاستعلاء على المرأة فجُعل سائسها والقائم عليها، كما قال تعالى: (الرجالُ قوامون على النساء): - سُمى باسمه كل مُسْتَعْلٍ على غيره. فسمى العرب معبودهم الذي يتقربون به إلى الله بعلا (١) لاعتقادهم ذلك فيه، في نحو قوله تعالى: ﴿أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين﴾. ويقال أتانا بعل هذه الدابة، أي المستعلى عليها. وقيل للأرض المستعلية على غيرها: بعل، ولفحل النخل: بعل، تشبيها بالبعل من الرجال، ولما عظم حتى يشرب بعروقه: بعل، لاستعلائه: قال ﷺ ، فيما سقى بعلا العشر، ولما كانت وطأة العالى على المستعلى عليه مستثقلة في النفس قيل: أصبح فلان بعلا على أهله، أي ثقيلا لعلوه عليهم. وبنى من لفظ البعل: المباعلة والبعال، كناية عن الجماع، وبعل الرجل يبعل بعولة واستبعل فهو بعل ومستبعل إذا صار بعلا. واستبعل النخل عظم. وتصور من البعل الذي هو النخل قيامه في مكانه فقيل: بعل فلان بأمره: إذا دهش وثبت مكانه ثبوت النخل في مقره، وذلك كقولهم: ما هو إلا شجر، فيمن لا يبرح". وهذا النص عند الراغب يجمع معاني هذا الحرف، وهو أدق النصوص، لأنه يردها كلها إلى معنى واحد، تفرعت عنه المعاني الأخر، وهو من دلائل عروبة الكلمة، فإنا إذا وجدنا العرب استعملوا كلمة، ثم أكثروا من تصريفها والاشتقاق منها، والانتقال من معانيها إلى أنواع مختلفة باختلاف الأوزان،

стр. 1689

وانتقلوا بها إلى معان تشبه أن تكون بينها وبين المعنى الأول علاقة-: علمنا أن الكلمة أصيلة عندهم، ومن لغتهم، فإذا وجدناهم خرجوا من هذا إلى تقليب حروفها بالتقديم والتأخير، واستعملوا تقاليب المادة أو أكثرها، بإعادة معنى جديد في كل تغيير منها - كان في ذلك اليقين والجزم، وارتفعت كل شبهة في أنها عربية. وقد صنع العرب في هذا الحرف كل ذلك، فاشتقوا من مادة "بعل" ما نقلناه عن الراغب وغيره، ثم استعملوا تقاليبها كلها: قدموا اللام على العين، فقالوا "بَلِع" الشيء بْلَعا، وابتلعه ابتلاعا، وقالوا: رجل "بلع" كثير الأكل، إلى آخر هذه المادة. ثم قدموا العين على الباء، فقالوا: رجل "عَبْل" إذا كان غليظا، والمصدر "العبالة" و "العبولة"، وهكذا. ثم أخروا الباء بعد العين واللام، فقالوا: "العلب" وجمعه "عُلوَب" وهو الأثر في الجسد، واشتقوا منه فعلا، وقالوا: "العلبة"، و"استعلب" الجلد: إذا غلظ، وغير ذلك. ثم أخروا الباء بعد اللام والعين، فقالوا: لَعِب" ومشتقاتها. ثم قدموا اللام قبل الباء والعين فقالوا: "ذهب به ضَبْعا لَبْعًا" أي باطلا. فها هي الصور العقلية كلها في تقليب هذه الحروف الثلاثة (ب ع ل) بالتقديم والتأخير، استعملها العرب جميعا، وإذا ذهبنا نبحث فيما يخرج منها بتغيير بعض الحروف بما يقاربها في المخرج كما إذا أبدلنا من الباء فاء مثلًا- وجدنا الصور الست فيها مستعملة كلها: (فعل، فلع، عفل، لفع، لعف، علف). وكذلك إذا وضعنا بدل العين حاء، وجدنا تقاليب المادة مستعملة كلها: (بحل، بلح، حبل، لبح، لحب، حلب). وكذلك إذا وضعنا الفاء والحاء بدل الباء والعين: (فحل، فلح، حفل، لفح، لحف، حلف). وهكذا مما لو تتبعناه تفصيلا طال الأمر جدا. فليس من المعقول بعد هذا أن يكون في كلمة "بعل" آية شبهة من العجمة، والنقول التي فيها أن الكلمة بمعنى

стр. 1690

"الرب" لغة أهل اليمن لا تنافى هذا، فاليمنية عربية، وكثير من الألفاظ التي تفردت باستعمالها عرفت قبل الإسلام في مضر، وقليل منها لم يعرفه سائر العرب، ثم عرف بعد، وكلها لغة واحدة. هذا إلى أنى أدهب إلى ما ذهب إليه الشافعي وأبو عبيدة: أنه ليس في القرآن كلمة واحدة غير عربية، حاشا الأعلام. وانصر هذا القولَ وأجزم بأنه الحق، وإن خالفتُ فيه كثيرًا من الأصوليين واللغويين. قال الشافعي في [كتاب الرسالة] (في الفقرات ١٣١ - ١٣٦، ص ٤١ - ٤٢ من طبعة الحلبى بتصحيحى): "فالواجب على العالمين ألا يقولوا إلا من حيث علموا. وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به، وأقرب من السلامة له، إن شاء الله. فقال قائل منهم: إن في القرآن عربيا وأعجميا. والقرآن يدل على أن ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب. ووجد قائل هذا القول من قَبِل ذلك منه، تقليدًا له، وتركًا للمسئلة له عن حجته، ومسئلة غيره ممن خالفه، وبالتقليد أغفَل من أغفل منهم، والله يغفر لنا ولهم". وبعد أن أقام الحجة لقوله، وردّ قول مخالفيه، اعتذر عن بدء كتابه بهذا البحث، وقال (في الفقرة ١٧٠، ص ٥٠): "فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة: نصيحة للمسلمين، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه، وإدراك نافلة خير لا يدعها إلا من سفه نفسه، وتركَ موضعَ حظه، وكان يجَمع مع النصيحة لهم قياما بإيضاح حق، وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين من طاعة الله، وطاعة الله جامعة للخير". وقال أبو عبيدة، فيما نقله عنه أبو منصور الجواليقى في [كتاب المعرب] (ص ٤ من طبعة ليبسك سنة ١٨٦٧): "من زعم أن في القرآن لسانا سوى العربية فقد أعظَمَ على الله القول". بقيت الشبهة من أن في اللغة السامية كلمة "بَعَل" بمعنى مالك الشيء. وأما وجود الكلمة في اللغة السامية، فإنه لا يدل على نقلها منها إلى العربية. وليس اشتراك أصل مادة في لغتين متجاورتين متقاربتين كالسريانية مع

стр. 1691

العربية، أو العبرية مع العربية: بدالّ على أن إحداهما أخذت الكلمة من الأخرى، إلا إذا ثبت يقينا أن احدى اللغتين أقدم من الأخرى وأسبق. والسريانية من اللغات القديمة، وكانت لغة إبراهيم النبي ﵇، ولم يثبت من وجه قاطع أنها أقدم من العربية، حتى يكون ما فيها من المتفق مع العربية أصلا له. وقد وجدنا بحثا فيه جيدا للحافظ الكبير العلامة ابن حزم في (كتاب الإحكام في أصول الأحكام؛ جـ ١، ص ٣١ - ٣٢) قال: "إن الذي وقفنا عليه وعلمناه يقينًا أن السريانية والعبرانية والعربية، التي هي لغة مضر وربيعة، لا لغة حمير-: لغة واحدة، تبدلت بتبدل مساكن أهلها، فحدَث فيها جرْس كالذي يحدث من الأندلسى إذا رام نغمة أهل القيروان، ومن القيروانى إذا رام نغمة الأندلسى، ومن الخراساني إذا رام نغمتها. ونحن نجد من سمع لغة أهل فَحص البَلوط، وهي على ليلة واحدة من قرطبة، كاد أن يقول أنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة. وهكذا في كثير من البلاد، فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبديلا لا يخفى على من تأمله. ونحن نجد العامة قد بدلت الألفاظ في اللغة العربية تبديلا، وهو في البعد من أصل للك الكلمة كلغة أخرى ولا فرق، فنجدهم يقولون في العنب: العينب، وفي السوط: أسْطَوْط، وفي ثلاثةَ دنانير، ثلاثدّا. وإذا تعرب البربرى فأراد أن يقول الشجرة قال: السجرة. وإذا تعرب الجليقى أبدل من العين والحاء هاء، فيقول: مهمد، إذا أراد أن يقول محمد. ومثل هذا كثير. فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية أيقن أن اختلافها إنما هو من نحو ما ذكرناه، من تبديل ألفاظ الناس، على طول الأزمان، واختلاف البلدان، ومجاورة الأمم وأنها لغة واحدة في الأصل". هذا ما قال ابن حزم، وهو قوى جدا، وواضح معقول، لا تنقضه أوهام الواهمين، ولا أهواء ذوي الأغراض. ولكن ابن حزم بعد ذلك انتهى إلى نتيجة لا نوافقه عليها، إذ لم يقم عليها دليل صحيح، فإنه قال: وإذ قد تيقنا ذلك فالسريانية أصل للعربية وللعبرانية معًا، والمستفيض أن أول من تكلم بهذه العربية إسماعيل ﵇،

стр. 1692

فهي لغة ولده، والعبرانية لغة إسحاق ولغة ولده، والسريانية بلا شك هي كانت لغة إبراهيم - صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم - بنقل الاستفاضة الموجبة لصحة العلم، فالسريانية أصل لهما". ووجه نقدنا لابن حزم: أن إسحاق بن إبراهيم، فمن البعيد جدا أن تكون له لغة خاصة غير لغة أبيه، وإلا فبماذا كانا يتخاطبان ويتفاهمان؟ وليس من السهل اعتقاد أن إسحاق اخترع لغة أخرى لنفسه بجوار لغته التي نشأ عليها، إنما المعقول أن تكون العبرانية لغة نشات عن السريانية على توالى الأزمان في بني إسرائيل بعد أن هاجر إبراهيم من العراق إلى الشام، ثم تطورت مع تجاور الأمم وتغاير اللهجات، حتى صارت لغة قائمة بنفسها. وأما الشأن في إسماعيل فشئ آخر: المعقول أيضًا أن لغته كانت لغة أبيه السريانية، ونزح به أبوه إلى مكة فأسكنه بين أمة موجودة -كانت في ذلك الزمان- هي الأمة العربية، وقد كانت لها لغة تتفاهم بها ولابد، ومن الظاهر جدًّا أن تكون هي اللغة العربية، الباقية فيهم إلى اليوم وإلى ما شاء الله. وليس من المستساغ ادعاء أنه قد كانت لهذه الأمة لغة غير لغتها المعروفة، ثم تنوسيت ودرست، ونشئوا على لغة غيرها، لأنه لم يأت بذلك خبر، ولا قام عليه دليل. ثم بماذا كان يخاطب إسماعيل هؤلاء الناس الذين نزل بجوارهم؟ أيعقل أن يخترع لغة ثم يفرضها عليهم فرضا، حتى يدعوا لغتهم إليها؟ ! ) ظن أن المعقول المفهوم أن يتعلم هو لغتهم، إذ صار بجوارهم، وواحدا منهم، وكان طفلا رضيعًا، ثم أصهر إليهم، وولد فيهم، وبقى ببلدهم إلى أن مات، ثم كان ولده منهم. فإن لم تكن العربية أقدم من السريانية، فإنها على الأقل كانت بجوارها معروفة لقوم معروفين، ويحتمل جدا أن تكونا متقاربتين، وأن يكون الخلاف بينهما قليلا كالخلاف بين اللهجات المتعددة في اللغة الواحدة، حتى كان ميسورا لإبراهيم وإسماعيل وهاجر أن يفهموا العرب ويفهموهم. أما أن تكون العربية فرعا من السريانية أو العبرية فلا.

стр. 1693

والذي شبّه على ابن حزم في هذا أنه سمع أخبارًا سماها "مستفيضة" أن أول من تكلم بهذه العربية إسماعيل، وليس لهذا أصل صحيح، بل ورد فيه أثر رواه الحاكم في المستدرك جـ ٢، ص ٥٥٢ - ٥٥٣) عن ابن عباس، وهو اثر ضعيف الإسناد جدًّا، والثابت الصحيح ينفيه، ففي صحيح البخاري (جـ ٦، ص ٢٨٥ - ٢٨٦) حديث لابن عباس عن النبي ﷺ في قصة إبراهيم وإسماعيل، وفيه أن إسماعيل وهاجر بقيا وحدهما بجوار زمزم، حتى مرت بهم رفقة من جُرْهم، وأنهم استأذنوا في النزول عندها فأذنت، ثم قال في الحديث: "فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشبّ الغلام وتعلم العربية منهم إلى آخر الحديث، فهذا نص صريح صحيح، عن خبر الصادق ﷺ أن إسماعيل تعلم العربية من جرهم. وبعد: فإذا كانت كلمة "بعل" العربية لها شبه بكلمة في نحو معناها من اللغات السامية، فليس معنى هذا أن العرب أخذوها منهم، ولا يدل على أن ما في القرآن الكريم مأخوذ من التوراة. أحمد محمد شاكر بغداد (العراق) " بَغْداد": حاضرة العراق (بابل) (١) في الوقت الحاضر، وقد كانت فيما مضى قصبة العباسيين الزاهرة وعاصمة العالم الإسلامي، وهي الآن أعظم البلاد شأنًا في الولاية المعروفة بالاسم نفسه والتي كان يحكمها باشا فيما سلف، ويخترقها دجلة، وهي على خط عرض ٣٩ ْ ١٩ َ شمالا وخط طول ٤٤ ْ ٤٤ َ شرقي كرينوتش. ١ - تاريخها اسم بغداد -ونطقه الشائع الآن "بُغداد"- فارسى من غير شك، ومعناه عطية الله أو هبته. وقد روى في

стр. 1694

العصور الوسطى بصيغ مختلفة، منها بَغْدان وهي أكثرها ذيوعًا M. Streck: Babyylonien؛ جـ ١، ص ٤٩ De Geoje المجلة الأسيوية، السلسلة العاشرة، جـ ٣، سنة ١٩٠٤ م، ص ١٥٩). وكان الناس يفضلون دائما هذا الاسم الجاهلى بغداد (١) " أما الاسم الذي أطلقه المنصور على المدينة التي أنشأها وهو "مدينة السلام" أو "دار السلام" فقد انحصر استعماله في الشئون الرسمية بصفة عامة، ومن ثم ضربت السكة به، وقد أخذ منه اللفظ اليونانى إيرونومولس. وتضاربت أقوال كتاب العرب تضاربًا كبيرًا في أصل هذا الاسم الأخير ومعناه، ولعل المنصور تفاءل به فاختاره لحاضرة ملكه. ومن المؤكد أن دار السلام فيها إشارة إلى الجنة، لأننا نجد بعد ذلك أن بغداد أصبحت أحد المواضع الأربعة التي أطلق عليها المسلمون جنة الأرض، وهذه المواضع هي الأبلّة وغوطة دمشق ووادي بَوّان ببلاد فارس وبغداد،

стр. 1695

ومهما يكن من شيء فإن الفرس قد فهموا مدينة السلام أو دار السلام على هذا المعنى، وشاهد ذلك أنهم نقلوه إلى لغتهم فقالوا "بهشت آباذ" أي موضع الجنة، أو الجنة العامرة إذا شئت التدقيق. وهم يستعملون هذه التسمية في الشعر غالبا كما يفعل الأتراك الذين نقلوها عنهم. وتنسب بغداد أحيانا إلى مَنشئها فيقال "المنصورية". ولها اسم آخر يشوبه الإبهام هو "الزَوْراء" ولعله صيغة عربية لكلمة إيرانية قديمة أكسبها خضوعها للصور القياسية الشائعة معنى جديدًا Baghdad: Le Strange) . ص ١١، Babylonien: Streck، جـ ١، ص ٥٠؛ Salmon، تاريخ الخطيب البغدادي، ص ٩٤؛ Die Ab-: P. Schwarz basiden-Residenz Samarra ليبسك ١٩٠٩، ص ٣٨ وما بعدها). وكثيرًا ما خلط الرحالة الأوربيون في القرون الوسطى بين بغداد وبابل كما خلطوا في بعض الأحيان بينها وبين سلوقية وطيسفون. فقد وردت بغداد في مؤلفاتهم باسم بابل Babel وبابَلونيا Babellonia وغيرهما من الأسماء المشابهة؛ وإطلاق هذه التسمية الأخيرة على بغداد شائع في التفاسير التلمودية لشيوخ العشائر البابلية في العصر العباسى وفي مصنفات اليهود المتأخرين. وكان بترو دلا فاله Pietro della Valle الذي عاش في بغداد بين عامي ١٦١٦ و ١٦١٧ م أول من دحض هذا الخطأ الذي فشا في عهده. وكان الغربيون إلى القرن السابع عشر الميلادي يعرفون بغداد بالصيغة المحرفة بلدخ Baldach أو بلدتشو Baldacco. ومن المحقق أنه كانت هناك محلة منذ عهد سحيق في المكان الذي أصبح بعدُ مقر الخلافة. فقد وجد كل من رولنسون H. Rawlinson عام ١٨٤٨ م وأوبيرت J. Oppert عام ١٨٥٣ وبونيون وهاربر Pognon- Harper عام ١٨٨٩ م قطعًا من الآجر نقش عليها اسم بختنصر الثاني مأخوذة من محجر لا يزال جزء منه باقيا إلى اليوم على الضفة الغربية لدجلة (١) (H.Rawlinson

стр. 1696

في Encycl. Britan، مادة بغداد، المجلد الثاني، ص ٢٣٤، عمود ١؛ Herodotus: G. Rawlinson، لندن ١٨٥٢، جـ ١، ص ٥١٣؛ Exped.: J. oppert Scientif، جـ ١، ص ٩٢؛ The: Harper Academy ١٨٨٠، رقم ٨٧٧، ص ١٣٩). وهناك بقايا بناء يشبه هذا المحجر أسفل المدينة الحالية بالقرب من قناة الحِرَ. وليس لدينا حتى اليوم دليل يؤيد الزعم القائل بأن بغداد رسمت في النقوش المسمارية بصيغة "بكدادو" لأننا إذا أخذنا بهذا أصبح في مقدورنا أن نقرأ "حُدَ دو" بدلا من "كُدُرّو" وهو الاسم المشكوك فيه لمكان ظهر لأول مرة على حجر من معالم الحدود للملك البابلى "مردخ بلادان" الأول الذي حكم من عام ١١٩٤ إلى ١١٨٢ ق م Scheil: Deleg. en Perse , جـ ٦، ١٩٠٥، ص ٣١ وما بعدها؛ Mitt. der Vorderas: Streck Ges، جـ ١١، ص ٢٢٧) زد على هذا أنه ليس من المعقول أن اسما لا شك في إيرانيته يرجع إلى مثل هذا العهد السحيق، كما أن ما ذهب إليه ليتمان Littmann من أن هذا الاسم ورد في نقوش ثمود مشكوك فيه (Euting، رقم ٥٦٥، Mitt.der Vorderas Gas: Littmann، جـ ٤، ص ٢٨)، ونجد من جهه أخرى أنه من المقطوع به أن هناك إشارتين في التلمود إلى بغداد في العصر الجاهلى، فقد وردت فيه بصيغة. (انظر Beitr. z. Geogr. u.: Berliner .Ethnogr. Baby loniens im Talmud u Midrasch، برلين سنة ١٨٨٣، ص ٢٥) ويمكن الرجوع إلى بحث بلوشيه - Blo chet فيما يختص باحتمال ورود بغداد في نص يهلوى باسم بكداد) Bolchet في Recueil de Travaux جـ ١٧، ص ١٧٠). ووضعت مدينة "ثلثى" في موقع بغداد بمصور بطلميوس (بطلميوس، جـ ٦، ص ١) كما أن مدينة ستاكى التي وردت بمصنف أكسينفون (Anabasis، ٤، ١٣) كانت مجاورة لموقع بغداد (انظر R. Kieperl في Formae orbis antipul جـ ٥ عام ١٩١٠، ص ٦). ومن الخطأ أن نقول إن إسكى بغداد التي فوق سامراء هي أصل مدينة بغداد الحالية، استنادًا إلى أن

стр. 1697

كلمة إسكى معناها بالتركية قديم. وإن كانت هذه التسمية لم تنشأ إلا منذ عهد قريب، فقد جرت العادة بأن تسمى الأطلال باسم المدينة الشهيرة التي تجاورها، وشاهد ذلك قولنا إسكى موصل. ويطلق اسم بغداد على مكان آخر فقط في المشرق هو تل بغداد في الجنوب الشرقي من الرها أسفل خط عرض ٣٧ شمالا.) Reise in Syr.: Sachau u. Mesop، ص ٢١٦). وأجمع كتاب العرب على أن المنصور لم يشيد مدينته في إقليم خلو من السكان، وذكروا بيانا كاملًا بأسماء محلات جاهلية أخذت تندمج تدريجًا في الأماكن التي شملتها العاصمة العباسية فيما بعد. وكانت بغداد أهم هذه الأماكن، وهي قرية نصرانية من أعمال بادوريا على الضفة اليسرى لدجلة، ويلوح أنها كانت تشمل المدينة المدوّرة التي بناها المنصور، كما أنها أضحت نواة لحاضرة العباسيين الجديدة، بل إن بغداد قد أخذت اسمها الشائع منها. ويجب أن نبحث عن معظم المحلات القديمة التي كان جل سكانها من النصارى الآراميين في النصف الجنوبي الذي أصبح فيما بعد الجانب الغربي للمدينة التي على الضفة الغربية لدجلة، في نطاق الحى الكبير الذي به السوق الكبيرة، أي في الكرخ وما جاور الكرخ شرقا وغربا. وفي هذا الإقليم قرى أصلها ساسانى نذكر منها ما يلي: بيَاورَى أو بَناوري ويال وشَرْوانية؛ وسونايا (وقد أصبح اسمها فيما بعدَ "العَتيقة")؛ ووَرْدانية؛ وورْثال أو ورْثالا. وأخذت مدينة الكرخ اسمها من قرية قديمة سابقة لها في العهد أسسها الملك الساسانى سابور الثاني الذي حكم من عام ٣٠٩ إلى ٣٧٩ م. وكلمة الكرخ تقابل في الآرامية كلمة كرخا ومعناها مدينة. وكانت "بَراثا" التي على مسافة من الشمال الغربي للكرخ بليدة قائمة بذاتها قبل عهد العباسيين، ولكن الجانب الغربي من بغداد اتسع بمرور الزمن فاحتضنها. وكانت قريتا الخطابية والشَرفانيّة موجودتين في النصف الشمالي من هذا الجانب قبل أن يحل عهد المنصور. وقد عرف هذا النصف فيما بعد بحى الحربية.

стр. 1698

ويقول أكسينفون إن الإكميئيين كانوا يملكون حدائق فسيحة في إقليم بغداد عند ستّاكه Sittake . وهذا القول ينطبق أيضًا على ملوك الفرس المتأخرين. وأنشئت عمائر في حديقتين من هذه الحدائق الساسانية فكونتا حيين هما دار عمارة بن حمزة وبستان القَسّ. وابتنى الساسانيون بالقرب من مصب نهر عيسى قصرًا أطلق عليه فيما بعد اسم "قصر عيسى". وأقيم في عهدهم قنطرة وصلت هذه البقعة بالضفة الشرقية لدجلة. وفي هذا المكان أقيم فيما بعد جسر من القوارب وصل بين قصر الخلفاء وقصر عيسى. وكان هناك جسر آخر مشيد في الجاهلية فوق قناة الصراة في الجنوب الغربي من الكوفة، ويعرف هذا الجسر بالقنطرة العتيقة. ولا يوجد من الأماكن التي في شرقي دجلة ما يرجع عهده إلى ما قبل العباسيين سوى سوق الثلاثاء عدى نهر المُعَلَّى ومحدة المُخَرم، وهي أول محلة سكنت في عهد عمر بن الخطاب. وليست هناك صلة بين سوق الثلاثاء وثالثا المذكورة في بطلميوس (جـ ٥، ص ١٩)، لأن ثلثى لا ثالثا هو الموضع الذي يتفق وموقع بغداد في مصور بطلميوس. ويؤكد كتاب العرب أيضًا أن المكان الذي أصبح فيما بعد مقبرة الخيزرانية كان قبل عهد المنصور مقبرة للمجوس. ولا شك في أن معظم أديرة النصارى التي ازدهرت في بغداد إبان العهد الساسانى قد شيد في الجاهلية، ولدينا من الشواهد الأصلية ما يفيد أن قصر الخلفاء المعروف بالخلد على الضفة الغربية لدجلة شيد مكان دير قديم، وأن مكانا من الأمكنة التي عند ملتقى الصراة بدجلة قد أنشئ لمثل هذا الغرض، كما نستدل من الاسم الذي أطلق عليه في عصور متأخرة وهو "الدير العتيق". ولم يكن لمحلة من هذه المحلات القديمة الكائنة في الموقع الذي قامت عليه بغداد فيما بعد أي شأن من الناحيتين السياسية والتجارية. ولذلك فإننا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن المدينة التي ابتناها المنصور ثانى خلفاء العباسيين كانت مؤسسة جديدة بمعنى الكلمة.

стр. 1699

وجرت العادة في المشرق أن يعقب تغير الأسرة الحاكمة انتقال مقر الحكم، وقد كان من المتعين على العباسيين بصفة خاصة أن يتخلوا عن دمشق قصبة أسلافهم التي ظلت على ولائها للأمويين، لأن هذه المدينة كانت قريبة من حدود الروم كما كان مركزها القاصى ناحية الغرب لا يلائم دولة تمتد أراضيها من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر السند. ومن السهولة بمكان أن نتوقع أن تنقل الأسرة الحاكمة الجديدة مقر ملكها من الشام، وهو إقليم فقير ضئيل الشان. إلى العراق الغنى بموارده الطبيعية. زد على هذا أن إقليم العراق قدر له أن يكون حلقة الاتصال بين العالم السامى والعالم الإيرانى فأصبح بذلك واسطة العقد بين العنصرين الرئيسيينَ اللذين تألفت منهما الجماعة الإسلامية. ومما يجدر ذكره أيضًا أنه فضلا عن أن جل قوة العباسيين كانت في فارس لاعتمادهم على جند خراسان، فإنه لا شك في أنه كانت لهم مصلحة خاصة في نقل حاضرتهم ناحية المشرق، وما إن قاموا بتأسيسها حتى غدت ذات خطر في السياسة والثقافة. وإنا لنجد أيضًا أن السفاح أول خلفاء بنى العباس قد اتخذ مقره على ضفتى الفرات فلم يختر البصرة أو الكوفة، وهما المدينتان الكبيرتان اللتان كانتا موجودتين منذ الفتح الإسلامي الآول للعراق. وبديهى أن هذا لم يأت عفوًا. فقد كان أهل الكوفة نزاعين إلى الشغب هواهم مع العلويين، أما البصرة فكانت لا تصلح حاضرة للدولة بالنسبة لموقعها في الجنوب. وكذلك فضل السفاح الهاشمية بالقرب من الأنبار. وشيد خلفه المنصور مقرًا له بهذا الاسم على مقربة من الكوفة ولكنه سرعان ما تخلى عنه لأنه كان مجاور، للكوفة البغيضة إلى نفسه لتعصبها للعلويين، وبحث المنصور عن مكان جديد يصلح مقرًا لحكمه وجنده، واختار آخر الأمر بقعة على دجلة فوق مصب نهر عيسى، وهو أكبر قناة هن قنوات الفرات، وكان في هذه البقعة كما سبق أن بينا قرية تعرف ببغداد وعدة محلات صغيرة أخرى. ويجدر بنا أن نعترف بأنه قد تحقق الطالع الذي أنبأ الخليفة بحسن هذا

стр. 1700

الموقع وصلوحه لتشييد حاضرته الجديدة، والحق أن الخليفة لم يكن أمامه أطيب منه، لأن الأرض الخصبة التي تمتد بين دجلة والفرات عند اقتراب أحدهما من الآخر حيث تصل بينهما قنوات صالحة في بعض أجزائها للملاحة فتألف من هذا كله مجموعة مائية منظمة، وحيث يصب ديالى (١) في دجلة فيكون ممرا طبيعيا يمكن بواسطته الوصول إلى الهضاب الإيرانية المرتفعة، هذه الأرض كانت على الدوام موطنا للحضارة ومهدًا للثقافة الشرقية القديمة ومركزًا للتجارة وملتقى عدة طرق تصل بين مختلف الأمم. فقد تعاقبت في هذه البقعة الحواضر العظيمة مثل بابل وسلوقية وطيسفون، وورثت مدينة الخلفاء الجديدة هذه الحواضر، وكانت على مسيرة يوم (سبعة فراسخ أو حوالي أربعين كيلو مترًا) من طيسفون العاصمة التي سبقتها في الزمن مباشرة. والحق أن امتداد البطائح في المجرى الأسفل للفرات جنوبي بابل وصعوبة الاتصال الملاحى المتزايدة بالخليج الفارسى يفسر لنا لماذا كان موقع العاصمة منذ العهد السلوُقى يختار دائمًا على نهر دجلة. وضع المنصور أول حجر في بناء عاصمته الجديدة عام ١٤٥ هـ (٧٦٢ م) وجمع العمال من بابل وغيرها، ويقال أن عددهم بلغ مائة ألف، فأتموا في أربع سنوات انشاء مدينة عظيمة على الشاطئ الغربي لدجلة وفق خطة تجعلها مدوّرة وبنى في وسطها قصر الخليفة المعروف بباب الذهب أو القبة الخضراء، والمسجد الجامع، وجلبت معظم الأحجار اللازمة للبناء من أطلال طيسفون المجاورة، وقد نشأت المدينة بمعناها الحقيقي حول نواة مدورة ثم قسمت إلى أحياء ضفصلة وسرعان ما اتسعت اتساعًا كبيرًا، ومن الواضح أن المنصور قد شعر سريعًا أنه منعزل في قصره لتزايد السكان من حوله، أو لعله لم يكن آمنا على نفسه، فشيد بعد بضع سنوات من بناء المدينة المدورة

стр. 1701

قصرًا آخر على دجلة خارج أسوار المدينة وإلى الشرق منها: هو قصر الخُلْد. ولا يعتبر المنصور مشيد الجانب الغربي من بغداد، أي المدينة التي على الضفة اليمنى لنهر دجلة فحسب، بل إنه يعتبر أيضًا مشيد القسم الشرقي الذي بنى بعد الأول. وفي عام ١٥١ هـ (٧٦٨ م) شيد عدة مبان في شمالي المدينة لولده وولى عهده المهدي، وأهم هذه المبانى قصر الرصافة. ولم يكن المنصور يقصد بحال أن ينشئ حاضرة الدولة في بغداد بل كان غرضه أول الأمر هو إقامة مدينة على مقربة من الكوفة يعسكر فيها جنوده الخراسانيون، ولذلك قسم الأراضي التي حولها إلى قطاعات وزعها بين أقاربه ومواليه وقواد جيشه، وفعل مثل هذا عندما ابتنى الرصافة. وقد أورد اليعقوبى والخطيب البغدادي بيانًا بهذه الإقطاعات. وينقسم تاريخ بغداد الذي يبدأ بالمنصور إلى عهدين عظيمين: الأول عهد بنى العباس الذي دام خمسمائة سنة، وكانت فيه بغداد -فيما خلا فترة تبلغ خمسة وخمسين عامًا- قصة دولة إسلامية عظيمة شاسعة الأطراف، وغدت مركز الحياة العقلية وأهم مركز تجارى للشرق الأدنى، وكسفت شمسها حواضر الولايات في العالم الإسلامي بل إنها احتلت أرفع مكان في العالم المتمدين في ذلك العهد بفضل اتساعها وازدهارها وثروتها. أما العهد الثاني فيبدأ بسقوط الخلافة العباسية إلى وقتنا هذا، ولم تكن هذه المدينة في هذا العهد سوى حاضرة ولاية من الولايات، اللهم إلا فترات كانت خلالها المشتى المختار لبعض الإيلخانية. وهكذا كانت حالها إبان الحكم التركى، فقد ظلت مدة طويلة عالية المكانة باعتبارها قصبة أكبر ولايات الترك وأهمها: كانت تعادل مصر أو تأتى بعدها. وتقلصت رقعة ولاية بغداد منذ ذلك الحين، وضعف لذلك سلطانها السياسي وانحصرت أهميتها شيئًا فشيئًا في الناحية التجارية، واستعادت في هذه الناحية الكثير من مجدها القديم وظلت محتفظة به إلى يومنا هذا. والحق إن تاريخ بغداد بأكمله في عهدها الأول هو في الواقع تاريخ بنى العباس، ولذلك

стр. 1702

فإنه يجدر بنا في هذا المقام أن نقتصر على فذلكة خاصة بتطور التاريخ المحلى لهذه المدينة بمعناه الضيق. بلغت بغداد أزهى عصورها في القرن الذي أعقب وفاة المنصور، أو بوجه أدق في عهد خلفائه الخمسة من المهدي إلى وفاة المأمون، أي من عام. ١٥٩ إلى ٢١٨ هـ (٧٧٥ - ٨٣٣ م)، إذ كانت مساحة المدينة خمسة أميال مربعة أو ستة في الوقت الذي أرتقى المهدي فيه العرش، ولما نقل هذا الخليفة بلاطه إلى الرصافة، أي الحى القائم على الشاطئ الشرقي لدجلة، اتسع هذا القسم من المدينة سريعا، واستقرت هناك في الوقت نفسه الأسر الغنية وأتباعها من العبيد والموالى الذين يبلغون بضعة آلاف، وشيدت في هذا القسم قصور فخمة أجملها القصر الذي كان مسرحًا للهو والسرور وهو قصر أسرة البرامكة المشهورة ذات الحول والطول الذي انتقل إلى بيت الخلافة بسقوط هذه الأسرة الفجائى، وأصبح بذلك نواة المبانى العظيمة التي كان يتألف منها قصر الخلفاء على الشاطئ الشرقي لدجلة، وفي بداية حكم الرشيد، ولعله أزهى عهود المدينة، أصبح القسم الشرقي ينافس في الاتساع القسم الغربي. وبعد عامين من وفاة الرشيد اشتجر الخلاف بين ولديه الأمين والمأمون. وحوصرت بغداد لأول مرة في تاريخها ودام هذا الحصار أربعة عشر شهرًا. وحوالى نهاية عام ١٩٦ هـ (٨١٢ م) أطبق جند هرثمة وطاهر، قائدى المأمون، على الأمين في بغداد وعزل هرثمة الجانب الشرقي الذي لم يكن يحميه سوى سور سرعان ها أزاله، بينما عسكر طاهر أمام باب الأنبار فسيطر بذلك على الجانب الغربي، وحدثت مناوشات بين جنود الأخوين المتقاتلين، ودب الشجار بين جنود الحامية والسكان اليائسين، وامتلأ زمن الحصار بالدسائس والغدر على اختلاف أنواعه ورزح الجانب الغربي تحت المجانيق، وتخرب الجزء الأكبر من نصفها الشمالي المعروف بالحربية. ووجد الخليفة نفسه آخر الأمر منعزلا في قصر الخلد على شاطئ دجلة، وها لبث أن وقع في الأسر وهو يحاول الفرار، وقتل في أوائل عام ١٩٨ هـ

стр. 1703

(٨١٣ م) وبموته رفع الحصار وأصبحت بغداد المزدهرة خرائب ورمادًا لأول مرة في تاريخها. فقد دمرت النيران أحياء بأكملها وأتت على سجلات الدولة كلها، ولم ينتعش الجانب الغربي الذي كان أكثر تعرضا للنيران من سواه بل أنه لم يعد إلى ما كان عليه من اتساع. والطبرى هو المصدر الذي ينبغي الرجوع إليه في أخبار الحصار الأول لاستفاضة روايته ولما أورده في وصف المدينة من التفاصيل الدقيقة القيمة، أضف إلى ذلك أن ما ذكره الطبري هو أقدم ما وصل إلينا في هذا الموضوع (الطبري، جـ ٣ ص ٨٦٤ - ٩٢٥؛ Gesch. der Chalifen: Weil ص ١٩٠ وما بعدها؛ Mueller: Der Islam جـ ١، ص ٥٠١ وما بعدها؛ Baghdad: Le Strange , ص ٣٠٣، ٣٠٦، وما بعدها). وأثار موت الأمين سخط أهل بغداد، وتمكن إبراهيم بن المهدي العباسى بفضل الخلاف بين الناس الذي اتخذ صورة الشغب من أن يستولى على بغداد ويصبح صاحب الأمر فيها ما يقرب من عامين، غير أن خيانة قواده أجبرته على تسليم المدينة وزمام الحكم إلى الخليفة المأمون. وقد ألحق الحصار الذي حدث في عهد الأمين ضررًا جسيما بقصرى الخليفة، وهما قصر الذهب في سرة مدينة المنصور المدورة وقصر الخلد على دجلة، فنقل المأمون مقر الحكم إلى الجانب الشرقي من المدينة، واستولى على قصر البرامكة السابق ذكره وبسط في رقعته. وفي عهد خلفه المعتصم الذي حكم من عام ٢١٨ إلى عام ٢٢٧ هـ (٨٣٣ - ٨٤٢ م) قدر لبغداد أن تنزل عن مركزها الممتاز باعتبارها حاضرة الدولة إلى بليدة ضئيلة الشأن هي سامراء على مسيرة ثلاثة أيام من منبع النهر، وذلك لمدة خمس وخمسين سنة. فتحولت سامراء في طرفة عين إلى مقر فخم للخلافة. والسبب المباشر لنقل مقر الخلافة إلى هذه المدينة عام ٢٢١ هـ (٨٣٦ م) هو أن أهل بغداد أسخطتهم قسوة الجند الخليط من الترك والبربر الذين غدوا في عهد المعتصم جيشا عدته حوالي سبعين ألف مقاتل، لأن الاحتفاظ بمثل هذه الحامية الكبيرة في حاضرة الدولة أمر محفوف بالصعاب، ويلوح أن

стр. 1704

حرمان بغداد من بلاط الخليفة وعمال الدولة لم يحل بينها وبين التقدم؛ وكانت هذه النقلة تشعر بأنها لحست الحظ موقوته لا يرجى استمرارها طويلا. وكان يحكم بغداد خلال هذه الفترة عمال معظمهم هن أسرة بنى طاهر القوية النفوذ. وفي هذه الفترة التي تعرف بالعصر السامرائى في تاريخ الخلافة حدث الحصار الثاني لبغداد الذي شغل من عام ٢٥١ هـ (٨٦٥ م) تقريبًا. وأخد استبداد العمال في سامراء يشتد شيئًا فشيئًا، وكان الترك يقتتلون فيما بينهم، ففر المستعين إلى بغداد في القسم الأصغر من جنده، أما القسم الأكبر من الجنود الترك فقد بقى في سامراء وبايعوا المعتز ابن عم المستعين بالخلافة، ولم يجد المستعين فسحة من الوقت يتم فيها السور حول الجانب الشرقي بأسره والجانب الغربي من بغداد، إذ فاجأه المعتز على رأس جيش وبدأ يحاصر الحاضرة القديمة. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها المحاصرون في الدفاع عن أنفسهم خوفًا من عودة الحكم التركى الباطش واستماتتهم في الدفاع، فإن المستعين بضعفه وتردده اضطر إلى التسليم آخر الأمر بشروط مهينة، وتنازل عن كل حق له في الحلافة. وبينما قضى الحصار الأول الذي حدث في عهد الأمين على ادهار الجانب الغربي من بغداد إلى الأبد فإن الحصار الثاني الذي حدث في عهد المستعين أصاب الجانب الشرقي بأضرار جسيمة، وتخربت أهم أحيائه كالرصافة والشماسية والمخرم وأعيد بناء أجزاء منها فقط بعد ذلك (انظر أخبار هذا الحصار الثاني في الطبري، جـ ٣، ص ١٥٥٣ - ١٥٧٨، weil: كتابه المذكور جـ ٢، ص ٣٨٥ وما بعدها، Mueller: كتابه المذكور جـ ١، ص ٥٢٨، Le Strange كتابه المذكور، ص ٣١١ وما بعدها)، وظلت الأمور بعد الحصار على اضطرابها وسادت القلاقل وأعمال الشغب في الأعوام ٢٤٩ هـ (٨٦٣ م) و ٢٥٣ هـ (٨٦٧ م) و ٢٥٥ هـ (٨٦٩ م) بنوع خاص. (Weil: كتابه المذكور، جـ ٢، ص ٣٨١ وما بعدها، ص ٤٠٢ وما بعدها ص ٤١٢).

стр. 1705

وأخذ مركز الخليفة في سامراء يتحرج شيئًا فشيئًا لأنه كان في الواقع تحت رحمة القواد من مرتزقة الترك، ولذلك فإن المعتمد سابع الخلفاء بعد المعتصم هجر قصر الخلافة عام ٢٧٩ هـ (٨٩٢ م)، وهو القصر الذي اختاره سلفه المعتصم وجعل بغداد حاضرة الدولة للمرة الثانية، ولم يكن يزعجها الترك والبربر الذين كان يحزم أمرهم أخوه الموفق: وظلت حاضرة للدولة لا تنازعها في ذلك مدينة اخرى حتى سقطت دولة بنى العباس. وبين رجوع الخلفاء إلى الحاضرة القديمة ودخول أمراء بنى بويه خمسون عامًا امتازت بامتداد قصر الخليفة امتداد، عظيما في الجانب الشرقي، وأظهر الخلفاء الثلاثة الذين تولوا بعد المعتمد -وهم المعتضد والمكتفى والمقتدر- نشاطًا فائقًا في هذا السبيل، وشيدت في العهد نفسه عدة قصور وحدائق شغلت نحو ثلث مساحة الجانب الشرقي بأسره، وكانت تفصلها أسوار عن بقية المدينة، وسرعان ما انشأت أحياء جديدة مكتظة بالسكان حول الحى الفسيح الذي يشغله قصر الخليفة. وساد السلام بغداد في عهدى الخليفتين الحازمين المعتضد والمكتفى، إذ أن الجند من الأتراك لم يجسروا على رفع رءوسهم في هذه الحقبة، ولكن ما إن مات المكتفى حتى أخذت سلطة الخلفاء في التدهور السريع، وازدادت القلاقل على مر الأيام في العاصمة وبخاصة فتن الجند المصحوبة بالحرائق وأعمال السلب والشغب مما أدى إلى اضمحلالها السريع ... [شترك M. Streck] وتحسنت الأحوال عندما استولى على بغداد معز الدولة أحمد الديلمى البويهى عام ٣٣٤ هـ (٩٤٥ م) وجمع في يده ما كان للخلفاء من سلطان، واستمر الحكم في بيته أكثر من قرن، واستولى الأمير البويهى في الجزء الشمالي من الجانب الشرقي على قصر الأمير السابق مؤنس وبنى هو وحلفاؤه من ذوي الميل الفني على توالى الزمن عدة قصور فخمة في ذلك الجزء من المدينة الذي أصبح قفرًا منذ حصار عام ٢٥١ هـ وقد عرفت جميع هذه القصور باسم "دار المملكة": ومما تجدر الإشارة

стр. 1706

إليه أن عضد الدولة أعاد بناء قصر الخلد الذي كان للمنصور وجعل منه بيمارستان، وأثارت ميول بنى بويه الشيعية في كثير من الأحيان عدة فتن. وبينما كان أهل الكرخ في الجانب الغربي على ما عرف عنهم من نشاط يميلون إلى التشيع. كانت الأحياء الأخرى يسكنها أناس معظمهم من أهل السنة، ولهذا لم يستطع البويهيون قط أن يعيدوا المدينة إلى ما كانت عليه في أزهى أيامها، ولو أن السبب الأساسي الذي من أجله فشلت جهودهم هو انقسام البيت البويهى نفسه بعد وفاة عضد الدولة عام ٣٧٢ هـ (٩٨٣ م) واقتتال أفراده, وانغمست بغداد في هذا النضال أكثر من مرة، وسادتها الفوضى في كثير من الأحيان، وكانت المعارك الدموية بين أهل السنة والشيعة وبين الترك والديلم، هي الصفة الغالبة على هذا العهد، وانتهز العامة فرصة هذه القلاقل فأعملوا السلب والنهب بما تشتهيه نفوسهم، واستمرت الأحوال على هذا المنوال إلى أن وزر ابن المُسْلمة للخليفة القائم بأمر الله، فطلب العوَن من طغرل بك السلجوقى، ودخل هذا بغداد عام ٤٤٧ هـ (١٠٥٥ م). وبعد مضى بضع سنوات، أي في عام ٤٥٠ هـ (١٠٥٩ م) شبت فتنة البساسيرى الذي أمر بأن تكون الخطبة باسم الخليفة الفاطمى، وعلى ذلك اضطر العباسيون إلى هجر المدينة، ولكن هذا الأمر لم يدم طويلًا، فما إن رجع طغرل بك بعد ذلك بعام حتى أجبر البساسيرى على مغادرة المدينة، استعاد الخليفة القائم سلطانه عليها. فأضحت الخلافة منذ ذلك الوقت في حماية آل سلجوق الأقوياء، ولم يكن أمراء هذا البيت يقطنون بغداد وقتذاك، بل إن ألب أرسلان لم يزر تلك الحاضرة قط، ولكنهم أقاموا من قبلهم حاكما عسكريًّا نيط به العملَ على استتباب الأمن في المدينة، وكان ملكشاه أول من زارها منهم. ولم يقتصر في ذلك على زيارة واحدة، بل زارها مرات، وعقد عزمه في سنيه الأخيرة على أن يجعل منها مشتى له، ولهذا الغرض أصلح قصر بنى بويه الذي أقام فيه، ووسَّعه ووضع أساس المسجد الجامع المعروف بجامع السلطان، وعاجلته منيته في سن

стр. 1707

مبكرة، فلم يستطع إتمامه، فأكمل بعد وفاته ببضع سنين عام ٥٢٤ هـ (١١٣٠ م)، وأقيمت في بغداد وفي غيرها من المدن عدة مدارس منها المدرسة النظامية التي أنشأها الوزير المشهور نظام الملك عام ٤٥٧ هـ (١٠٦٥ م) وسرعان ما ذاع صيتها وكانت في الجزء الجنوبي من الجانب الشرقي قريبة من ضفاف دجلة. واشتهر الخليفتان المقتدى، وحكم من عام ٤٦٧ إلى عام ٤٨٧ هـ (١٠٧٥ - ١٠٩٤ م) والمستظهر، وحكم من عام ٤٨٧ إلى عام ٥١٢ هـ (١٠٩٤ - ١١١٨ م) بشغفهما بإقامة العمائر، ففي أوائل حكم المستظهر بنى سورًا حول الجانب الشرقي لبغداد حيث يقيم الخلفاء، أي في الحى المعروف باسم الحريم وما جاوره من أحياء وهذا السور بأسره هو عين سور بغداد بصورته التي بقيت إلى وقت مدحت باشا في القرن الماضي. ويقول ابن حوقل (طبعة ده غويه، ص ١٦٤ تعليق، انظر، ابن الأثير، طبعة تورنبرغ، جـ ١١، ص ٢٦٠) إن الخليفة المستضئ، هو الذي بنى هذا السور عام ٥٦٨ هـ (١١٧٣ م) ولو أن المستظهر هو الذي بدأ بنايته على التحقيق. ويقول ابن جبير الذي وصف هذا السور بعد ذلك ببضع سنين أي عام ٥٨١ هـ (١١٨٥ م)، إن لهذا السور أربعة أبواب نذكرها مبتدئين من الجانب الذي يلي دجلة ناحية الشمال: (١) باب السلطان ويعرف الآن بباب المعَظَّم. (٢) باب الظفرَّية، ويعرف الآن بالباب الوسطانى. (٣) باب الحلْيَة، وهو الآن مسدود. (٤) باب البصلية، ويعرف الآن بالباب الشرقي، وقد أطلق عليه نيبور Neihuhr اسم قرا لق قابى (قرانلق قابى). وساد بغداد السلام بصفة عامة في القرنين الأخيرين من العهد العباسى، وكانت الحرائق بطبيعة الحال تشب كثيرًا بين الحين والحين، كما حدث في عام ٤٦٦ هـ (١٠٧٤ م) ٥٥٤ هـ (١١٥٩ م) و ٦١٤ هـ (١٢١٧ م) وغمرها الفيضان الخطر عدة مرات، ولم تكن

стр. 1708

الفتن وأعمال الشغب نادرة الحدوث، وكان المجرمون وقطاع الطريق يلقون الرعب في قلوب سكان المدينة، ولكن بغداد لم ترزح تحت حصار شديد الوطأة إلا مرة واحدة على يد السلطان محمد الثاني السلجوقى عام ٥٥١ هـ (١١٥٧ م) وقد قص علينا أخبار هذا الحصار على اختلافها شاهد عيان هو الكاتب والمؤرخ عماد الدين Recueil de textes retatifs a l'histoire des Seldinucides . جـ ٢، ص ٢٤٦ - ٢٥٥) واضطر هذا السلطان آخر الأمر إلى الارتداد عنها دون أن يظفر بطائل. وابتنى اثنان من الخلفاء المتأخرين منشآت لا تزال باقية إلى يومنا هذا، أولهما هو الخليفة الناصر لدين الله الذي رمم باب الحلية عام ٦١٨ هـ (١٢٢١ م) وزينه بنقشى كان أول من عرفنا به نيبور، ودرسه حديثًا كل من متوخ Mittwoch (في johrbuch der koen. preuss. Kunstsammlungen المجلد ٢٦، ص ١٩)، وبرشم) M. van Berchem في Archaeologische Reise in Euphrat-und Ti gris, Gebiet. Arabische Inschriften ص ٣٥). وقد فصل البحاثة برشم الكلام عن نقش رائع يزين حنيتى العقد الذي يعلو الباب -المسدود الآن- والمؤدى إلى البرج ويعرف الآن بباب الطلسم. أما الخليفة الثاني المستنصر بالله فقد ابتنى مدرسة نستدل من نقش نشره نيبور لأول مرة أنها بنيت عام ٦٣٠ هـ (١٢٣٢ - ١٢٣٣ م؛ M.Berchem , الكتاب المذكور، ص ٤٣). ولا تزال هذه العمارة قائمة على ضفة دجلة عند جسر القوارب، وهي الآن دار المكوس. والحق إن جزءًا كبيرًا من النقش القديم اختفى وحل محله نقش آخر جديد. وهناك نقش آخر للخليفة المستنصر على جامع الخلفاء يرجع تاريخه إلى عام ٦٣٣ هـ (١٢٣٥ - ١٢٣٦ م) واختفى هذا النقش الآن، وربما كانت مئذنة سوق الغزل القديمة التي لا تزال قائمة إلى اليوم هي مئذنة هذا الجامع. وقد نشر أوبنهيم Oppenheim صورة لهذا النقش في كتابه (Vom. Mitteimee zum pers Golf، جـ ٢، ص ٢٤٠) والراجح أن يكون الخليفة المستنصر قد رمم جامع الخلفاء وليس هو الذي شيده. ويقوم هذا

стр. 1709

الجامع وسط المدينة شرقي المستنصرية، ويقال إنه نفس جامع القصر الذي شيده الخليفة المكتفى الذي حكم من عام ٢٨٩ إلى عام ٢٩٥ هـ (٩٠٢ - ٩٠٧ م). وهو من أهم مساجد المدينة (Le Strange: كتابه المذكور، ص ٥٢٢ وما بعدها). ووصل هولاكو وجنوده من المغول والترك إلى أسوار بغداد في المحرم من عام ٦٥٦ هـ (يناير ١٢٥٨ م) وفي الرابع من صفر (١٠ فبراير) وجد المستعصم آخر خلفاء بنى العباس نفسه مضطرًا إلى التسليم دون قيد ولا شرط. وقتل بعد ذلك بعشرة أيام هو وأفراد كثيرون من أهل بيته بينما نهبت المدينة وأحرقت، ولكنها لم تخرب بأسرها كغيرها من المدن التي فتحها هولاكو، لأنه كان يريد أن يتخذ منها عاصمة له، فنجده على العكس من ذلك قد أمر بترميم عدد من العمائر التي أصابها التخريب أكثر من سواها، مثل جامع القصر الذي سلفت الإشارة إليه. ولما كنا لا نستطيع أن نفصّل القول في تاريخ بغداد هنذ فتحها المغول فسنقتصر على المعالم البارزة منه: كانت المدينة حتى عام ٧٤٠ هـ (١٣٣٩ - ١٣٤٠ م) تابعة للمملكة الإيلخانية أو الهولاكية وجعلت حاضرة للعراق العربي. وفي هذا العهد زارها الرحالة المشهور ابن بطوطة عام ٧٢٧ هـ (١٣٢٧ م) ومما يدعو إلى الأسف أن وصفه لها مأخوذ في جملته من ابن جبير (رحلة ابن بطوطة، طبعة باريس، جـ ٢، ص ١٠٠ وما بعدها). ويرجع وصف حمد الله مستوفى إلى هذا العهد أيضًا، أي إلى عام ٧٤٠ هـ (١٣٣٩ م). وفي عام ٧٤٠ هـ ظهر حسن بزرك واستقل بالأمر فيها وأسس الدولة الجلائرية، وقام بتشييد مدرسة تم بناؤها في عهد ولده أونس، ولعل هذا كان عام ٧٥٨ هـ (١٣٥٧ م)، وسميت المرجانية نسبة إلى أمير يدعى مرجان، ولا يزال بناؤها قائمًا، وقد نشرت النقوش التي عليه: نشر نيبور جزءًا منها ونشرها كلها برشم (كتابه المذكور ص ٤٥ وما بعدها). واستمر حكم الأسرة الجلائرية إلى عام ١٤١٠ م، وفي أيامها استولى

стр. 1710

تيمور على بغداد مرتين؛ الأولى عام ٧٩٥ هـ (١٣٩٢ - ١٣٩٣ م) ولم يلحق المدينة هن فتحه ضرر جسيم. أما في المرة الثانية، عام ٨٠٣ هـ، (١٤١٠ م) فقد ذُبح أهلها وخرب الكثير من المساكن والمنشآت العامة. ورجع السلطان أحمد الجلائرى إلى بغداد بعد وفاة تيمور عام ٨٠٧ هـ (١٤٠٥ م) وأصلح بقدر استطاعته الأسوار التي دمرها تيمور، ولم ينقض وقت طويل حتى قتله قره يوسف أمير القطيع الأسود من التركمان عام ٨١٣ هـ (١٤١٠ م) واستولى رجاله على المدينة، وظلت في حوزتهم إلى عام ٨٧٢ هـ) (١٤٦٧ - ١٤٦٨ م) وهنالك انتزعها منهم تركمان القطيع الأبيض يقودهم أوزون حسن. وفي عام ٩١٤ هـ (١٥٠٧ - ١٥٠٨ م) غزا الشاه إسماعيل الصفوى بغداد وظلت في حوزة خلفائه إلى عام ٩٤١ هـ (١٥٣٤ م). واستعاد الشاه طهماسب المدينة للصفويين من يد ذي الفقار عام ٩٣٦ هـ (١٥٣٠ م). وكان هذا الزعيم الكردى قد جعل الخطبة باسم السلطان سليمان الأول العثمانى أمدًا وجيزًا. وفي عام ٩٤١ هـ (١٥٣٤ م) دخل السلطان سليمان الأول مدينة بغداد، وظل يحكمها منذ ذلك الوقت وال من قِبل الأتراك إلى أن طلب الثائر بكير صوباشى معونة الشاه عباس الأول الصفوى فاستولى هذا على المدينة عام ١٠٣٣ هـ (١٦٢٣ م)، ولم يكن الترك عازمين بحال من الأحوال على ترك المدينة، فاستعادوها عام ١٠٤٨ هـ (١٦٣٨ م) بقيادة السلطان مراد الرابع نفسه. وسد مراد بهذه المناسبة باب الطلسم، ورمم عدة أضرحة مثل ضريح أبي حنيفة في قرية المعظم الحديثة على الشاطئ الشرقي لدجلة شمالي بغداد، وضريح عبد القادر الجيلانى بداخلها. وفي هذا العهد هبطت بغداد إلى الدرك الأسفل، ويقول تافرنييه Tavemiei عام ١٦٥٢ إن سكانها في ذلك الحين بلغوا ١٤.٠٠٠ نسمة فقط. وأضحت بغداد من جديد قصبة ولاية تركية يحكمها هي والبصرة وال واحد في بعض الأحيان، وقد زودنا كل من نيبور وإيوارببيان بأسماء هؤلاء

стр. 1711

الولاة) Hutoire de Bagdad daps: Huart les temps modernes، وأكمل إيوار هذا البيان حتى عام ١٢٤٧ هـ (١٨٣١ م). وفي هذا العهد ازداد رخاء المدينة وتضاعف عدد سكانها حتى وصل في بداية القرن التاسع عشر إلى ١٥.٠٠٠٠ نسمة لم يبق منهم بعد الطاعون الذريع الذي اجتاحها عام ١٨٣١ م سوى ٣٠.٠٠٠ نسمة. وتتميز مدة ولاية مدحت باشا من عام ١٨٦٩ إلى عام ١٨٧٢ م في تاريخ بغداد بأنها كانت عهد نهضة حقيقية، إذ تم خلالها مد خط تلغرافى وترام تجره الخيول يصل إلى الكاظمين وفتح مدارس وإقامة منشآت أخرى نافعة، كما عمد هذا الباشا إلى إزالة السور القديم. وعلى هذا فإنا لا نجد اليوم منها إلا أرضًا مرتفعة بها بقايا من الحصون القديمة. ووصل مدحت بين بغداد والبصرة بخط من القوارب البخارية بعد أن أعطى امتياز هذا الطريق وطريق الخليج الفارسى إلى شركة لنج للملاحة البخارية - Lynch Steam Navigation Com pany . والآمال العظيمة معقودة على إنشاء خط حديدى يصل بين آسية الصغرى والآستانة (١)، وبذلك توصل بغداد بالتجارة العالمية. وبغداد الآن مركز للتجارة مع جميع الأقطار المجاورة عامة وبلاد فارس خاصة. ويقدر أوبنهيم عدد سكان المدينة وضواحيها بـ ٢٠٠.٠٠٠ نسمة منهم ١٥٠.٠٠٠ من المسلمين وغالبهم من الشيعة. ويذهب كوينيه Cuinel إلى أن عددهم ١٤٥.٠٠٠ من الأنفس، وببغداد كذلك ٤٠.٠٠٠ يهودى و ١٠.٠٠٠ نصرانى معظمهم من الكاثوليك والأرمن الكرج. ٢ - تخطيط المدينة القديمة عرفنا من الإلمامة التاريخية السابقة أن بغداد الحديثة التي على الشاطئ الشرقي لدجلة لا تزال تشغل المساحة التي كانت تشغلها في العهد الأخير من خلافة بنى العباس. ومع ذلك فقد كانت هناك في هلك الأيام أحياء أخرى

стр. 1712

تفصل بعضها عن البعض أراض خربة تمتد إلى ما يعرف الآن بالمعظَّم بما فيه ضريح أبي حنيفة وغيره من أئمة المسلمين. وكانت في هذا المكان مقبرة من أقدم المقابر في بغداد نسبت إلى الخيزران أم الخليفة هارون الرشيد، وفيها قامت أضرحة الخلفاء المتأخرين. وإلى الجنوب من هذه المقبرة نشأت المدينة الشرقية القديمة المعروفة بالرصافة أو عسكر المهدي بما فيها قصره وجامع الرصافة، وهو من أهم المساجد التي شيدت في عهد الخلافة الإسلامية. وكانت تجاورها من الناحيتين الشرقية والجنوبية أحياء الشماسية ودار الروم والمخرم، وابتنى بنو بويه في هذا الحى الأخير دار المملكة، كما أن سلاطين آل سلجوق كانوا يسكنونه كلما زاروا بغداد، وابتنى فيه ملكشاه جامع السلطان الذي سبقت الإشارة إليه، بيد أنه لم يبق لهذا المسجد أثر، مثله في ذلك مثل مسجد الرصافة، مع أن المسجدين بقيا بعد الفتح المغولى. وكانت هذه الأحياء تشغل ما بين قرية المعظم وما يعرف الآن بباب المعظم وبينهما مسيرة نصف ساعة. وكان في المدينة الشرقية الحالية دار الخلافة، وكانت في الأصل جوسق جعفر البرمكى ثم انتقل إلى المأمون قبل اعتلائه الخلافة، ولم ينقل الخلفاء العباسيون مقرهم إليها إلا بعد رجوعهم من سامراء وشيدوا فيها عدة قصور أشهرها التاج. والمعتضد أول من وضع أساس هذه القصور، ولم يتم بناؤها إلا في عهد ولده وخليفته المقتفى، فهو الذي بنى المسجد الجامع الثالث، وإن كان هو الثاني من ناحية الترتيب التاريخي في المدينة الشرقية، وقد عرف بجامع القصر. وكان قصر التاج على ضفاف دجلة تحميه من الفيضان سدود، وإلى جانبه بنى المقتفى أيضًا قبة الحمار. وسبب تسميتها بهذا الاسم هو أن الإنسان يستطيع أن يصل إلى قمتها على ظهر حمار يسير في طريق يدور صعدًا حول البناء. وهذا النمط من أنماط البناء يذكرنا بالنمط الزقرتى القديم وله نظائر في أطلال سامراء، وفي بغداد

стр. 1713

نفسها مثال له هو ضريح الشيخ عمر السهروردى المتوفى عام ٦٣٢ هـ (١٢٣٤ م) الذي لا يزال قائمًا (انظر صورة هذا الضريح في كتاب فون أوبنهايم الذي سبق أن ذكرناه)؛ وكل هذه العمائر التي يقال إن عددها بلغ في عهد المقتدر ثلاثًا وعشرين عمارة كانت مدينة قائمة بذاتها تعرف بالحريم، فيها من حدائق الحيوان والميادين وغير ذلك. وقد فصل الخطيب البغدادي الكلام (طبعة Salmon ص ٤٩ وما بعدها، ص ١٣٢ من الترجمة) عن هذه العمائر عند وصفه لاستقبال المقتدر لسفارة الروم عام ٣٠٥ هـ الموافق ٩١٧ - ٩١٨ م (Guy le Strange في مجلة الجمعية الأسيوية الملكية عام ١٨٩٧ م، ص ٣٥ وما بعدها). وكان يحيط بالحريم كله سور له سبعة أبواب يضم ما يقرب من ثلث الجانب الشرقي لبغداد. وإذا أردت زيادة في التفصيل فإننا نحيلك إلى الفصول الخاصة في كتاب Le Strange عن بغداد، ومن الطبيعي أنه قد حدثت تغييرات كبيرة أصابت هذا الموضع على تعاقب القرون؛ مثال ذلك أن قصر التاج وقبة الحمار أتت عليهما النيران عام ٥٤٩ هـ الموافق ١١٥٤ م. ولم يبق لنا شيء ما تقريبًا من الجانب الغربي، وهو أقدم من الجانب الذي ذكرناه، اللهم إلا أضرحة قليلة، وعلى الرغم من أنها لم تبق في شكلها القديم فإنها ما زالت قيَمة جدًّا بالنسبة لتخطيط المدينة القديم، لأن بناءها أعيد في المواضع نفسها التي كانت تقوم عليها في الزمن الغابر، وهذه الأضرحة هي ضريح معروف الكرخى وضريحا الكاظمين الشيعيين الكبيرين ونعنى بهما الإمام السابع موسى الكاظم المتوفى عام ١٨٣ هـ (٧٩٩ م) والإمام التاسع محمد الجواد المتوفى عام ٢٢٠ هـ (٨٣٥ م). ولسنا في حاجة إلى ذكر الضريح المنسوب إلى زبيدة زوجة هارون الرشيد المتوفاة عام ٢٠٦ هـ (٨٣١ هـ) لأن ابن الأثير يقرر في جلاء أنها لم تدفن في هذا الموضع (ابن الأثير، طبعة تورنبرج، جـ ٩، ص ٣٩٥). والنقش الذي على هذا الضريح المؤيد لتلك الرواية الخاطئة والذي وصفه نيبور يرجع (١) إلى عام

стр. 1714

١١٣١ هـ (١٧١٨ م). ونستطيع أن نصرف النظر عن بعض الأضرحة الأخرى وعن رباط الدراويش الذي بناه قلج أرسلان وكتب عليه نقش تاريخه عام ٥٨٤ هـ (١١٨٨ م). وضريح الكاظمين على الضفة اليمنى لدجلة تجاه المعظم، وهو الآن مكان هام يتراوح عدد سكانه بين ٧٠٠٠ و ٨٠٠٠ نسمة ويربطه الترام ببغداد. وكان في هذا المكان خلال العصور القديمة مقبرة قريش بالقرب من باب التِبْن. وتخرب ضريح الكاظمين، ولكنه رمم عدة مرات بعد ذلك. ويوجد في هذا الموضع اليوم مسجد شيد في بداية القرن التاسع عشر له أربع مآذن وبرج للساعة. وقبة هذا المسجد ومآذنه مغطاة بقشرة من الذهب وبابه المرتفع مزين بالقاشانى الجميل، ويزوره سنويا أفواج من الشيعة، أما أهل السنة فقد كان لهم في الجزء الشمالي من الجانب الغربي مزار مشهور كانوا يحجون إليه في عهد الخلافة العباسية، وهو قبر أحمد بن حنبل. ويقول "له سترانج إن هذا الضريح زال عندما تخرب الحى الذي كان قائمًا فيه، ومنذ ذلك الوقت ظن الناس خطأ أن قبر ابنه عبد الله على ضفة دجلة هو قبر أبيه إلى أن زال هذا القبر أيضًا بفعل الفيضان. وكان حي الحربية يشغل بالتقريب المكان الذي بين الجزء الشمالي الأقصى من الجانب الغربي لبغداد وبين مدينة المنصور الأصلية، وكان هذا الحى يواجه الرصافة في الجانب الشرقي من بغداد، وكانت في هذه البقعة عدة أحياء أخرى تغيرت أسماؤها عدة مرات على مر العصور، ولا نستطيع هنا تفصيل القول فيها وحسبنا أن نقول إن هذا الجزء من بغداد قد وصل إلى درجة أصبحت أجزاؤه المأهولة بالسكان ضواحي قائمة بذاتها تفصلها بعضها عن بعض خرائب متسعة.

стр. 1715

ولم يبق أثر من مدينة المنصور، أي مدينة السلام أو الزوراء بما فيها من أسوار وأبواب، وموقعها الخاص الفريد الذي نعرف أدق تفاصيله هن أوصاف مؤلفى العرب كاليعقوبى والخطيب البغدادي يقتضي منا أن نسهب في الحديث عنه، ولكن يجدر بنا أن نمر عليه مر الكرام ونحيل القارئ إلى الفصول الأولى من كتاب له سترانج ولسنا ندهش من اختفاء هذه المدينة اختفاء تامًّا لأن العباسيين نقلوا دار المملكة إلى الجانب الشرقي عندما رجعوا من سامراء. ولم يعنوا بالمحافظة على الأسوار والعمائر العامة، اللهم إلا إذا استثنينا المسجد الجامع. ولم يحفل أحد بإعادة بناء ما خربه الفيضان والحريق والحصار والفتن، وفقدت المدينة جزءًا من سكانها. وبقى الجزء المجاور لباب البصرة من بغداد مدة أطول من غيره، ولذلك فإن الناس لم يعودوا يتحدثون في القرون الأخيرة قبل عام ٦٥٦ هـ عن مدينة المنصور، بل اقتصر حديثهم على حي باب البصرة. وكانت أجزاء المدينة المختلفة التي تمتد غربًا وجنوبًا حول مدينة المنصور تكوِّن المركز التجارى والصناعى في صدر العهد العباسى، لأن هذا الموقع كان ملائما. ففيه تكثر القنوات التي كانت -شأن الصراة ونهر عيسى- وسيلة هن الوسائل المباشرة للاتصال بالفرات، فاجتذبت إليها سكانًا يتميزون بالنشاط وحب العمل. وفي هذا الموضع وجدت ضاحية الكرخ التي كثيرًا ما ذكرت في تاريخ بغداد والتي كان بين أهلها من الشيعة وبين جيرانهم من الأحياء الأخرى معارك دموية، وبخاصة من يقطنون باب البصرة. وبقى هذا الجزء من المدينة إلى يومنا هذا. ويسمى الترك الجانب الغربي من بغداد باسم "قارشى ياقه" ومعناه بالعربية الجانب الآخر، وفي لهجة العراق "هذاك الجانب" [أي ذلك الجانب] والجسور المقامة على القوارب تيسر عبور دجلة في عصرنا هذا كما كان الحال في العصور المتقدمة، ولو أن مواضعها قد تغيرت في كثير من الأحيان.

стр. 1716

المصادر: (١) اليعقوبى: كتاب البلدان، المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٧. (٢) ابن سرابيون: وصفه للعراق وبغداد، نشره وترجمه G. le Strange في مجلة الجمعية الملكية الأسيوية عام ١٨٩٥. (٣) الخطيب البغدادي Salmon: L'introduction topographique a I'histoire de Bahgdadh. (٤) الاصطخرى وابن حوقل والمقدسى، المكتبة الجغرافية العربية، طبعة ده غويه، ج ١، جـ ٢، جـ ٣. (٥) البلاذرى، طبعة ده غويه، ص ٢٩٤ وما بعدها. (٦) بنيامين التطيلى Itinerariym طبعة Adler في Jew. Quart. Review، سنة ١٩٠٥ م، ص ٢٩٣ وما بعدها. (٧) ابن جبير، طبعة ده غويه، ص ٢١٧ وما بعدها. (٨) ياقوت: المعجم، مادة بغداد وفي مواد أخرى كثيرة. (٩) مراصد الاطلاع، طبعة جوينبول. (١٠) رحلة ابن بطوطة، طبعة - De fremery و Sanguinetti، جـ ٢، ص ١٠٠ وما بعدها. (١١) حمد الله مستوفى: نزهة القلوب طبعة بومباى، انظر سياست نامه، الملحق، طبعة شفر Schefer، ص ١٤٦ وما بعدها. (١٢) Les six vayages: Tavernier أترخت سنة ١٧١٢ م. (١٣) Reisebeschreibung: C. Niebuhr. جـ ٢، ص ٢٩٣ - ٣٢٩. (١٤) Erdkunde: Ritter، جـ ١١، ص ٧٩٠ - ٩٢٤. (١٥) Memoir on the prov-: J.F. Jones ince of Baghdad . في Selections from the records of Bombay Government، ص ٤٣، المجاميع الحديثة، ص ٣٠٤ وما بعدها. (١٦) Description du: Rousseau Pachalik de Baghdad (١٧) Culturgeschichte: V.Kremer، جـ ٢، ص ٤٥ وما بعدها.

стр. 1717

(١٨) Die alte Landschaft: M. Streck Babylonien (١٩) Baghdad during: G. le Strange the Abbasid Caliphate (٢٠) Ja Turquie d'Asie: Cuinet جـ ٣، ص ٨٩، وما بعدها. (٢١) Vom Mittelm-: V. Oppenheim eer zum persischen Golf، جـ ٢، ص ٢٣٦ وما بعدها. (٢٢) La Perse d'aujourdh'hui: E. Aubin ص ٤٠٥ وما بعدها. (٢٣) Archaeolo-: Sarra & Herzfeld - gische Reise im Euphrat-und Tigris Geheil وأهم المراجع عن تاريخ المدينة هي تواريخ العوب التي سبق أن أشرنا إليها، كالطبرى واليعقوبى، وابن الأثير. وانظر أيضًا: (١) Recueil de textes relatifs a l'his- toire des Seljouc الكتاب الثاني. (٢) رشيد الدين: تاريخ المغول، طبعة Ouatremere (٣) أبو الفرج: تاريخ السريان. أما عن المدينة في عهدها المتأخر فانظر: (١) Histoire de Bagdad: C. Huart dans les temps moderns والمراجع التي أوردها في مقدمته لهذا الكتاب. تعليق على مادة "بغداد" بغداد حديثًا ترك الترك بغداد ليلة الحادي عشر من مارس سنة ١٩١٧ وليس فيها من الحضارة والعمران ما يستحق الذكر. ولولا المبانى التي شادها مدحت باشا والى بغداد (١٨٦٩ - ١٨٧٣ م) والشارع العام الوحيد الذي بدأ بفتحه خليل باشا في عام ١٩١٦ م، لقلنا إنهم تركوا بغداد ولا أثر لهم فيها يذكر. ودخلها الإنكليز في اليوم التالي فأتموا فتح الشارع المذكور وشرعوا في تنظيمها تنظيمًا عصريًا جديدًا، فقد أناروها بالكهرباء وبلطوا بعض الجادات بالزفت وأقاموا بعض البنايات المهمة، وقام الحكم الوطنى فيها في ٢١ آب سنة ١٩٢١، فأخذت هذه العاصمة القديمة تسترجع ما اندثر من مجدها

стр. 1718

وما غبر من عزها، وهي تمتد اليوم من الأعظمية إلى الكرادة الشرقية بمسافة خمسة عشر ميلا تزينها القصور الشاهقة والبنايات الفخمة، وتتخللها البساتين الكثيرة والحدائق النضرة، ويخترقها دجلة كما كان في السابق فيشطرها شطرين يسمى الأيمن منها بالرصافة ويدعى الثاني بالكرخ، وقد أقيمت عليه عدة أجسر بعضها حديدى والبعض الآخر مقام على قوارب من حديد، وتخترقها من الشمال إلى الجنوب جادتان فسيحتان مبلطتان تقوم على جوانبهما عدة دور ومخازن وتقطعهما جادات فرعية مبلطة ومنارة بالكهربية. وتعد نفوسها حسب إحصاء عام ١٩٣٧ (٣٦٧٤٥٠) نسمة عدا الأجانب. وكانت المنازل في بغداد تبنى مفتوحة بالآجر الأصفر على الطريقة الشرقية، أما الآن فإنها تبنى مغلقة على الطراز الأوربى الحديث. ويستعمل البغداديون الآن الحديد والأسمنت وسائر المواد الأوربية المتينة في معظم منشآتهم. ودور العلم في بغداد على اختلاف درجاتها كثيرة، وكذا المطابع والمكتبات العامة والخاصة، ويصدر فيها من الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية والنشرات الثقافية عدد لا يستهان به، وتمتد منها خطوط حديدية إلى بعض الأنحاء تبلغ مسافتها نحو ألف ميل وتنزل في مطارها الكبير جل الطائرات المارة على طريق بغداد إلى إيران والهند وأوربا، وتسير في جاداتها وشوارعها ما لا يقل عن الثلاثة آلاف سيارة ومركبة. وتجارة المدينة واسعهَ جدًّا وأسواقها حافلة بأنواع البضائع الأجنبية والشرقية وفيها عدة شركات ومصارف أجنبية ومصانعها المختلفة والكثيرة تمون الجيش والشرطة وطلاب المدارس بأنفس المنتوجات المحلية وكذا التبغ والسكاير وبعض الحاجيات الطفيفة. وفيها دور للآثار القديمة لا بأس بها: ومن الآثار العباسية التي لا تزال ماثلة للعيان، منارة جامع الخلفاء المعروفة اليوم بمنارة سوق الغزل وبعض غرف من قصر المأمون في القلعة المدفعية وجدر من المدرسة

стр. 1719

المستنصرية الشهيرة ومراقد معروف الكرخى ومنصور الحلاج وجنيد والشيخ عبد القادر الكيلانى وأبي حنيفة النعمان بن ثابت والشيخ عمر السهروردى وغيرها. ومن مبانى بغداد الفخمة الحالية قصر الزهور والمطار المدني والبلاط الملكى والمستشفى الملكى ودور الحكومة وقصور الوزراء والأمراء وبيوت المتمولين ومحطات البث اللاسلكى ودور السينما وبعض الفنادق الكبرى. وبغداد فضلا عن كونها عاصمة العراق ومقر البرلمان فهي مركز لواء بغداد الذي تتبعه عدة أقضية، فالعراق يقسم الآن إلى (١٤) لواء، ولكل لواء أقضيته ولكل قضاء نواحيه. ورأس الإدارة في اللواء هو المتصرف، وكان هذا يعين بإرادة ملكية بناء على اقتراح وزير الداخلية ومصادقة مجلس الوزراء، أما رأس الإدارة في القضاء فهو القائمقام وكان هذا يعين بإرادة ملكية أيضًا بناء على ترشيح الوزير المختص. وأما رأس الإدارة في الناحية فهو المدير وهذا يعين من قبل وزارة الداخلية فقط. السيد عبد الرزاق الحسيني + بغداد: تقع بغداد على ضفتى نهر دجلة على خط عرض ٣٣ ْ ٢٦ ١٨ َ شمالا، وخط طول ٤٤ ْ ٢٣ ٩ َ شرقا. وقد ظلت هذه المدينة -منذ إنشائها في القرن الثامن الميلادي- مقرا للخلافة العباسية حتى سقوطها، والعاصمة الثقافية للعالم قرونًا؛ وأصبحت بعد عام ١٢٥٨ هـ قصبة لولاية، وظلت تحت الحكم العثمانى حاضرة ولاية بغداد، ثم أصبحت عام ١٩٢١ م عاصمة العراق الحديثة. التاريخ بغداد من الأسماء الجاهلية، ولاسمها صلة بالمحلات السابقة في هذا الموضع. ولقد أدرك هذه الحقيقة كتاب العرب، فاخذوا يبحثون، كما هي العادة، عن أصوله الفارسية (انظر المقدسي: البدء جـ ٤، ص ١٠١؛ ابن رسته، ص ١٠٨). وتتضارب آراؤهم في تفسير هذا الاسم، وأشيع هذه الآراء أنه يعني "عطية الله" أو "هبة الله" (أو الوثن، انظر تاريخ الخطيب البغدادي: جـ ١، ص ٥٨ - ٥٩، طبعة القاهرة؛ ياقوت: ج ١، ص ٦٧٨ - ٦٧٩؛ أبو الفداء،

стр. 1720

ج ١، ص ٢٩٢؛ ابن الجوزي: المناقب، ص ٦؛ البكرى، جـ ١ ص ١٦٩؛ ابن الفقيه، مخطوطة مشهد، ورقة رقم ٢٩ ب). ويميل الكتّاب المحدثون بوجه عام إلى تفضيل هذا الاشتقاق الفارسى (انظر , Introduction: Salmon ص ٢٣ - ٢٤؛ Baghdad: Le Strange، ص ١٠ - ١١؛ Landschaft: Streck جـ ١، ص ٤٩ - ٥٠، Paikuli: Harzfeld، ص ١٥٣؛ W. By Nile and Tigris: Budge جـ ١، ص ١٧٨؛ JRIA، جـ ١ ـ، ص ٤٦ - ٩٤). ويميل آخرون إلى القول بأن الاسم من أصل آرامى ومعناه "بيت الأغنام أو حظيرتها" (ى. غنيمة، وأ. الكرملى في لغة العرب، جـ ٤، ص ٢٧؛ جـ ٦، ص ٧٤٨. لاحظ إشارة الطبري إلى سوق البقر في موضع بغداد، جـ ٣، ص ٢٧٧). ويفضل دلتش Delitzsch الرأى القائل بأن الاسم من أصل آرامى دون أن يفسر المعنى (Paradies: Delitzsch. ص ٢٠٦، ٢٣٨). وثمة وثيقة شرعية ترجع إلى عهد حمورابى (١٨٠٠ ق. م) يرد فيها ذكر مدينة بكدادو (Schorr: Altbabylonische Rechtsurkunden تعليق رقم ١٩٧، س ١٧). وهذا يدل على أن الاسم كان يستعمل قبل حمورابى، وعلى وجه التحديد قبل أن يتعرض لأى تأثير فارسى محتمل. والحق إن كلمتى "بَك" و "حُو" كان يعبر عنهما بالرسم نفسه. ومهما يكن من شيء فإن هناك حجرا من معالم الحدود يرجع إلى عصر الملك الكَسى (١) نزيماروتاش (١٣٤١ - ١٣١٦ ق. م) يرد فيه ذكر مدينة بيلارى Pilari على ضفة "نهرشَرّى" في ناحية بكدادى (- De Mor Delegation en perse: gan، ج ١، ص ٨٦ - ٩٢) , هذا بالإضافة إلى أن ذكر بكداثا هرارا عديدة في التلمود يجعل كلمة "بك" أرجح في القراءة (- Ober Landschaft Babylonien: meyer, سنة ١٩٢٩، ص ١٤٧ وما بعدها، Jewish En- cyc، مادة Baghdad). وهناك حجر آخر من معالم الحدود يرجع إلى عهد الملك البابلى مردخ أبالدين (١٢٠٨ - ١١٩٥ ق. م) يتردد فيه ذكر مدينة بغداد (Delegation en perse، جـ ٣، ص ٣٢ - ٣٩).
следующие страницы →