المصادر:
(١) اليعقوبى: كتاب البلدان، المكتبة الجغرافية العربية، جـ ٧.
(٢) ابن سرابيون: وصفه للعراق وبغداد، نشره وترجمه G. le Strange في مجلة الجمعية الملكية الأسيوية عام ١٨٩٥.
(٣) الخطيب البغدادي Salmon: L'introduction topographique a I'histoire de Bahgdadh.
(٤) الاصطخرى وابن حوقل والمقدسى، المكتبة الجغرافية العربية، طبعة ده غويه، ج ١، جـ ٢، جـ ٣.
(٥) البلاذرى، طبعة ده غويه، ص ٢٩٤ وما بعدها.
(٦) بنيامين التطيلى Itinerariym طبعة Adler في Jew. Quart. Review، سنة ١٩٠٥ م، ص ٢٩٣ وما بعدها.
(٧) ابن جبير، طبعة ده غويه، ص ٢١٧ وما بعدها.
(٨) ياقوت: المعجم، مادة بغداد وفي مواد أخرى كثيرة.
(٩) مراصد الاطلاع، طبعة جوينبول.
(١٠) رحلة ابن بطوطة، طبعة - De fremery و Sanguinetti، جـ ٢، ص ١٠٠ وما بعدها.
(١١) حمد الله مستوفى: نزهة القلوب طبعة بومباى، انظر سياست نامه، الملحق، طبعة شفر Schefer، ص ١٤٦ وما بعدها.
(١٢) Les six vayages: Tavernier أترخت سنة ١٧١٢ م.
(١٣) Reisebeschreibung: C. Niebuhr. جـ ٢، ص ٢٩٣ - ٣٢٩.
(١٤) Erdkunde: Ritter، جـ ١١، ص ٧٩٠ - ٩٢٤.
(١٥) Memoir on the prov-: J.F. Jones ince of Baghdad . في Selections from the records of Bombay Government، ص ٤٣، المجاميع الحديثة، ص ٣٠٤ وما بعدها.
(١٦) Description du: Rousseau Pachalik de Baghdad
(١٧) Culturgeschichte: V.Kremer، جـ ٢، ص ٤٥ وما بعدها.
стр. 1717
(١٨) Die alte Landschaft: M. Streck Babylonien
(١٩) Baghdad during: G. le Strange the Abbasid Caliphate
(٢٠) Ja Turquie d'Asie: Cuinet جـ ٣، ص ٨٩، وما بعدها.
(٢١) Vom Mittelm-: V. Oppenheim eer zum persischen Golf، جـ ٢، ص ٢٣٦ وما بعدها.
(٢٢) La Perse d'aujourdh'hui: E. Aubin ص ٤٠٥ وما بعدها.
(٢٣) Archaeolo-: Sarra & Herzfeld - gische Reise im Euphrat-und Tigris Geheil وأهم المراجع عن تاريخ المدينة هي تواريخ العوب التي سبق أن أشرنا إليها، كالطبرى واليعقوبى، وابن الأثير. وانظر أيضًا:
(١) Recueil de textes relatifs a l'his- toire des Seljouc الكتاب الثاني.
(٢) رشيد الدين: تاريخ المغول، طبعة Ouatremere
(٣) أبو الفرج: تاريخ السريان.
أما عن المدينة في عهدها المتأخر فانظر:
(١) Histoire de Bagdad: C. Huart dans les temps moderns والمراجع التي أوردها في مقدمته لهذا الكتاب.
تعليق على مادة "بغداد" بغداد حديثًا
ترك الترك بغداد ليلة الحادي عشر من مارس سنة ١٩١٧ وليس فيها من الحضارة والعمران ما يستحق الذكر. ولولا المبانى التي شادها مدحت باشا والى بغداد (١٨٦٩ - ١٨٧٣ م) والشارع العام الوحيد الذي بدأ بفتحه خليل باشا في عام ١٩١٦ م، لقلنا إنهم تركوا بغداد ولا أثر لهم فيها يذكر. ودخلها الإنكليز في اليوم التالي فأتموا فتح الشارع المذكور وشرعوا في تنظيمها تنظيمًا عصريًا جديدًا، فقد أناروها بالكهرباء وبلطوا بعض الجادات بالزفت وأقاموا بعض البنايات المهمة، وقام الحكم الوطنى فيها في ٢١ آب سنة ١٩٢١، فأخذت هذه العاصمة القديمة تسترجع ما اندثر من مجدها
стр. 1718
وما غبر من عزها، وهي تمتد اليوم من الأعظمية إلى الكرادة الشرقية بمسافة خمسة عشر ميلا تزينها القصور الشاهقة والبنايات الفخمة، وتتخللها البساتين الكثيرة والحدائق النضرة، ويخترقها دجلة كما كان في السابق فيشطرها شطرين يسمى الأيمن منها بالرصافة ويدعى الثاني بالكرخ، وقد أقيمت عليه عدة أجسر بعضها حديدى والبعض الآخر مقام على قوارب من حديد، وتخترقها من الشمال إلى الجنوب جادتان فسيحتان مبلطتان تقوم على جوانبهما عدة دور ومخازن وتقطعهما جادات فرعية مبلطة ومنارة بالكهربية. وتعد نفوسها حسب إحصاء عام ١٩٣٧ (٣٦٧٤٥٠) نسمة عدا الأجانب. وكانت المنازل في بغداد تبنى مفتوحة بالآجر الأصفر على الطريقة الشرقية، أما الآن فإنها تبنى مغلقة على الطراز الأوربى الحديث. ويستعمل البغداديون الآن الحديد والأسمنت وسائر المواد الأوربية المتينة في معظم منشآتهم.
ودور العلم في بغداد على اختلاف درجاتها كثيرة، وكذا المطابع والمكتبات العامة والخاصة، ويصدر فيها من الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية والنشرات الثقافية عدد لا يستهان به، وتمتد منها خطوط حديدية إلى بعض الأنحاء تبلغ مسافتها نحو ألف ميل وتنزل في مطارها الكبير جل الطائرات المارة على طريق بغداد إلى إيران والهند وأوربا، وتسير في جاداتها وشوارعها ما لا يقل عن الثلاثة آلاف سيارة ومركبة.
وتجارة المدينة واسعهَ جدًّا وأسواقها حافلة بأنواع البضائع الأجنبية والشرقية وفيها عدة شركات ومصارف أجنبية ومصانعها المختلفة والكثيرة تمون الجيش والشرطة وطلاب المدارس بأنفس المنتوجات المحلية وكذا التبغ والسكاير وبعض الحاجيات الطفيفة.
وفيها دور للآثار القديمة لا بأس بها: ومن الآثار العباسية التي لا تزال ماثلة للعيان، منارة جامع الخلفاء المعروفة اليوم بمنارة سوق الغزل وبعض غرف من قصر المأمون في القلعة المدفعية وجدر من المدرسة
стр. 1719
المستنصرية الشهيرة ومراقد معروف الكرخى ومنصور الحلاج وجنيد والشيخ عبد القادر الكيلانى وأبي حنيفة النعمان بن ثابت والشيخ عمر السهروردى وغيرها.
ومن مبانى بغداد الفخمة الحالية قصر الزهور والمطار المدني والبلاط الملكى والمستشفى الملكى ودور الحكومة وقصور الوزراء والأمراء وبيوت المتمولين ومحطات البث اللاسلكى ودور السينما وبعض الفنادق الكبرى.
وبغداد فضلا عن كونها عاصمة العراق ومقر البرلمان فهي مركز لواء بغداد الذي تتبعه عدة أقضية، فالعراق يقسم الآن إلى (١٤) لواء، ولكل لواء أقضيته ولكل قضاء نواحيه. ورأس الإدارة في اللواء هو المتصرف، وكان هذا يعين بإرادة ملكية بناء على اقتراح وزير الداخلية ومصادقة مجلس الوزراء، أما رأس الإدارة في القضاء فهو القائمقام وكان هذا يعين بإرادة ملكية أيضًا بناء على ترشيح الوزير المختص. وأما رأس الإدارة في الناحية فهو المدير وهذا يعين من قبل وزارة الداخلية فقط.
السيد عبد الرزاق الحسيني
+ بغداد: تقع بغداد على ضفتى نهر دجلة على خط عرض ٣٣ ْ ٢٦ ١٨ َ شمالا، وخط طول ٤٤ ْ ٢٣ ٩ َ شرقا. وقد ظلت هذه المدينة -منذ إنشائها في القرن الثامن الميلادي- مقرا للخلافة العباسية حتى سقوطها، والعاصمة الثقافية للعالم قرونًا؛ وأصبحت بعد عام ١٢٥٨ هـ قصبة لولاية، وظلت تحت الحكم العثمانى حاضرة ولاية بغداد، ثم أصبحت عام ١٩٢١ م عاصمة العراق الحديثة.
التاريخ
بغداد من الأسماء الجاهلية، ولاسمها صلة بالمحلات السابقة في هذا الموضع. ولقد أدرك هذه الحقيقة كتاب العرب، فاخذوا يبحثون، كما هي العادة، عن أصوله الفارسية (انظر المقدسي: البدء جـ ٤، ص ١٠١؛ ابن رسته، ص ١٠٨). وتتضارب آراؤهم في تفسير هذا الاسم، وأشيع هذه الآراء أنه يعني "عطية الله" أو "هبة الله" (أو الوثن، انظر تاريخ الخطيب البغدادي: جـ ١، ص ٥٨ - ٥٩، طبعة القاهرة؛ ياقوت: ج ١، ص ٦٧٨ - ٦٧٩؛ أبو الفداء،
стр. 1720
ج ١، ص ٢٩٢؛ ابن الجوزي: المناقب، ص ٦؛ البكرى، جـ ١ ص ١٦٩؛ ابن الفقيه، مخطوطة مشهد، ورقة رقم ٢٩ ب). ويميل الكتّاب المحدثون بوجه عام إلى تفضيل هذا الاشتقاق الفارسى (انظر , Introduction: Salmon ص ٢٣ - ٢٤؛ Baghdad: Le Strange، ص ١٠ - ١١؛ Landschaft: Streck جـ ١، ص ٤٩ - ٥٠، Paikuli: Harzfeld، ص ١٥٣؛ W. By Nile and Tigris: Budge جـ ١، ص ١٧٨؛ JRIA، جـ ١ ـ، ص ٤٦ - ٩٤). ويميل آخرون إلى القول بأن الاسم من أصل آرامى ومعناه "بيت الأغنام أو حظيرتها" (ى. غنيمة، وأ. الكرملى في لغة العرب، جـ ٤، ص ٢٧؛ جـ ٦، ص ٧٤٨. لاحظ إشارة الطبري إلى سوق البقر في موضع بغداد، جـ ٣، ص ٢٧٧). ويفضل دلتش Delitzsch الرأى القائل بأن الاسم من أصل آرامى دون أن يفسر المعنى (Paradies: Delitzsch. ص ٢٠٦، ٢٣٨). وثمة وثيقة شرعية ترجع إلى عهد حمورابى (١٨٠٠ ق. م) يرد فيها ذكر مدينة بكدادو (Schorr: Altbabylonische Rechtsurkunden تعليق رقم ١٩٧، س ١٧). وهذا يدل على أن الاسم كان يستعمل قبل حمورابى، وعلى وجه التحديد قبل أن يتعرض لأى تأثير فارسى محتمل. والحق إن كلمتى "بَك" و "حُو" كان يعبر عنهما بالرسم نفسه. ومهما يكن من شيء فإن هناك حجرا من معالم الحدود يرجع إلى عصر الملك الكَسى (١) نزيماروتاش (١٣٤١ - ١٣١٦ ق. م) يرد فيه ذكر مدينة بيلارى Pilari على ضفة "نهرشَرّى" في ناحية بكدادى (- De Mor Delegation en perse: gan، ج ١، ص ٨٦ - ٩٢) , هذا بالإضافة إلى أن ذكر بكداثا هرارا عديدة في التلمود يجعل كلمة "بك" أرجح في القراءة (- Ober Landschaft Babylonien: meyer, سنة ١٩٢٩، ص ١٤٧ وما بعدها، Jewish En- cyc، مادة Baghdad). وهناك حجر آخر من معالم الحدود يرجع إلى عهد الملك البابلى مردخ أبالدين (١٢٠٨ - ١١٩٥ ق. م) يتردد فيه ذكر مدينة بغداد (Delegation en perse، جـ ٣، ص ٣٢ - ٣٩).
стр. 1721
ولقد قام الملك أداد -نيرارى الثاني ٩١١ - ٨٩١ ق م) بنهب محلات من بينها بكدا (دو) Synchronistic History ٢٠٠ K BI = L ١٢ , جـ ٣.
وأصبحت بغداد في القرن الثامن ق. م محلة آرامية، ويذكر تكلات بلَصر - tiglatpilas ser الثالث (٧٤٥ - ٧٧٢ ق. م) بكدادو في معرض حديثه عن قبيلة آرامية (Paradies: Delitzsch، ص ٢٣٨)
ومن الإنصاف، والحالة هذه، أن نسلم بأن اصول الاسم يكتنفها الغموض. ولا يغير من الموقف معرفة أن الإيرانيين استعملوا كلمة "بك" حوالي القرن الثامن ق. م للدلالة على "رب" وانها كانت تظهر في أسماء الأشخاص) Reallexiknn. جـ ١، ص ٣٤١).
وأطلق المنصور على مدينته اسم مدينة السلام تيمنًا بجنة الخلد (القرآن: سورة الأنعام، آية ١٢٧؛ سورة يونس، آية ٢٥). وكان هذا هو الاسم الرسمى الذي يكتب في الوثائق والسكة والأوزان الخ. واستعملت من الاسم صيغ مختلفة وبخاصة بغدان وتسميات مثل مدينة أبي جعفر، ومدينة المنصور، ومدينة الخلفاء، والزوراء (ابن الفقيه، ورقة رقم ٢٩ ب، ياقوت، جـ ١، ص ٦٧٨؛ ابن رسته، ص ١٠٨). ويبدو أن الزوراء اسم قديم كما يقول الفخرى (الفخرى، ص ١٤٥، انظر المستوفى: نزهة القلوب، ص ٤١)، ومن شاء الاطلاع على التفسيرات المتأخرة فلينظر المسعودى (كتاب التنبيه والأشراف، طبعة القاهرة، ص ٣١٢ ياقوت، جـ ٢، ص ٩٥٤). ويروى المصنفون العرب أن المنصور شيد مدينته في موضع كانت تقوم فيه محلات جاهلية أهمها قرية بغداد (انظر الطبري، جـ ٢، ص ٢٧٧. جـ ١، ص ٢٠٦٧، ابن الجوزي: المناقب، ص ٧، اليعقوبى: البلدان، ص ٢٣٧)، على الضفة الغربية لنهر دجلة شمالي قناة الصراة (الطبري جـ ٣، ص ٢٧٧). ويرى البعض أنها قرية بادورَيا، ويشيرون إلى سوقها السنوية (الخطيب، جـ ١، ص ٢٥ - ٢٧، ابن الجوزي: المناقب، ص ٦، اليعقوبى: البلدان، ص ٢٧٥). وسوف يعيننا هذا على أن نفسر لم أصبحت الكرخ من بعد حيا للتجار، ولقد كانت هناك محلات قديمة، جلها آرامية، على
стр. 1722
الجانب الغربي في جوار الكرخ، ومن بين هذه المحلات: الخَطابية (بجوار باب الشام) والشَرفانية، وشماليها الوردانية التي أصبحت في نطاق ربع الحربية، ومنها سونايا قرب ملتقى قناة الصراة بنهر دجلة (أصبح اسمها فيما بعد "العتيقة") وقَطفْتا عند الطرف الذي تصب فيه قناة رفَيل في نهر دجلة، وبراثا حيث تتفرع قناة كرخايا من قناة عيسى، وكانت تقوم ثلاثة محلات صغيرة بين قناة كرخايا وقناة الصراة وهي: سال، وورثالا (ربع القلاعين فيما بعد) وبَنَاوْرَى أما الكرخ نفسها وكلمة كرخا الآرامية معناها بلدة حصينة) فتتخذ اسمها من قرية أقدم منها تنسبها الروايات الفارسية إلى سابور الثاني (٣٠٩ - ٣٧٩ م، المستوفى، ص ٤٠، وانظر الطبري، جـ ٣، ص ٢٧٨ - ٢٧٩ الخطيب البغدادي، ص ٢٧، ٣٣، ابن الأثير حـ ٢ ظظظ، ص ٢٤٢، ص ٣٤٣ ياقوت، جـ ٣، ص ٦١٣، ابن الجوزي المناقب، ص ٧).
ويقول إكسنيفون إن الإكمينيين كانوا يملكون بساتين فسيحة في ناحية بغداد (عند سِتاكَة Sittake) ويشير المصنفون العرب إلى بستانين منها (انظر الخطيب البغدادي، ص ٢٨، المستوفى، ص ٤٠) وكان قرب مصب نهر عيسى قصر بناه الساسانيون (قصر سابور)، وشيد المنصور فيما بعد قنطرة في موضعه، أما القنطرة العتيقة القائمة فوق قناة الصراة، جنوبي غرب باب الكوفة فقد بناها الساسانيون، وعلى الجانب الشرقي سوق الثلاثاء ومقبرة الخيزران، ويرجعان إلى العصر الجاهلى وكان في المنطقة نفسها أديرة شيدت في الجاهلية ملو دير مارفثيون (الدير العتيق) حيث شيد قصر الخلد، ودير بستان القسس، ودير الجاثليق الذي دفن بالقرب منه الشيخ معروف (الطبري، جـ ٣، ص ٢٧٤، ٢٧٧، ابن الفقيه، ورقة رقم ٣٦ - ٣٧ أ: الخطيب البغدادي، ص ٤٦ - ٤٨ المسعودى، التنبيه والإشراف، ص ٣١٢. الذهبي: دول الإسلام، جـ ١، ص ٧٦، المستوفى، ص ٤٠).
ولم يكن لأى محلة من هذه المحلات القديمة شأن من الناحيتين السياسية أو التجارية، وعلى هذا الأساس يمكن أن
стр. 1723
تعد مدينة المنصور منشأة جديدة، وما أكثر ما خلط الرحالة الأوربيون في القرون الوسطى بين بغداد وبابل، كما خلطوا في بعض الأحيان بينها وبين سلوقية، وترد في أخبارهم باسم بابل وبابلّونيا إلخ، والتسمية الأخيرة الخاطئة لبغداد شائعة كذلك في التفاسير التلمودية لشيوخ العشائر البابلية (في العصر العباسى)، وفي مصنفات اليهود المتأخرين، وكان يبتروده لا فالة الذي عاش في بغداد (١٦١٦ - ١٦١٧ م) أول من دحض هذا الخطأ الذي فشا في عهده، وكان الناس في الغرب حتى القرن السابع عشر يعرفون بصفة عامة اسم بغداد بالصيغة المحرّفة بلدخ - Bal dack (بَلْدَكو Baldcco) وربما كانت مشتقة من الصيغة الصينية للاسم (انظر Medieval Re-: neider Bretsch searches جـ ١، ص ١٣٨، جـ ٢، ص ١٢٤، رحلات ماركوبولو Travels Morco Polo " طبعة فرامبتون Frampton, ص ٢٩، ١٢٦).
وحول العباسيون أبصارهم إلى الشرق، وأخذوا يبحثون عن عاصمة جديدة ترمز لدولتهم، فانتقل السفاح أول خلفاء بنى العباس من الكوفة إلى الأنبار، وانتقل المنصور إلى الهاشمية بالقرب من الكوفة، بيد أنه سرعان ما أدرك أن الكوفة النزاعة للشغب والمتعصبة للعلويين لها أثر سيئ على جيشه، وفي الوقت نفسه كان من السهل اقتحام الهاشمية كما ثبت من فتنة الراوندية (انظر ياقوت، جـ ١، ص ٦٨٠ - ٦٨١، الطبري، جـ ٣، ص ٢٧١ - ٢٧٢، الفخرى، طبعة القاهرة، ص ١٤٣)، ومن ثم أخذ يبحث عن موقع استراتيجى.
ووقع اختياره على موقع بغداد بعد استقصاء دقيق، لاعتبارات عسكرية واقتصادية ومناخية، فهو يقوم في سهل خصب صالح للزراعة على ضفتى النهر كلتيهما، وعلى طريق خراسان، وعند ملتقى عدة طرق للقوافل، وفيه تقام أسواق شهرية، مما يوفر المبرة للجيش والناس. وكانت هناك شبكة من القنوات تفيد منها الزراعة، ويمكن أن تكون بمثابة تحصينات للمدينة، وهذا الموضع في وسط بلاد الجزيرة، وينعم بجو صحى معتدل، وهو خال من
стр. 1724
البعوض إلى حد لا بأس به (اليعقوبى، ص ٢٣٥ - ٢٣٨, الطبري، جـ ٣، ص ٢٧١ - ٢٧٥، ياقوت، جـ ١، ص ٦٧٩ - ٢٨٠، المناقب، ص ٧ - ٨، المقدسي، أحسن التقاسيم، ص ١١٩ - ١٢٠، ابن الأثير، جـ ٥، ص ٤٢٦ - ٧، ابن الجوزي، ص ٧، اليعقوبى، جـ ٢، ص ٤٤٩، الفخرى، ص ١٤٣ - ١٤٥)، وثمة قصص موضوعة عن فضائلها، وكيف أن القدر اختار المنصور لبنائها، ووجدت هذه القصص رواجا فيما بعد (انظر اليعقوبى، البلدان، ص ٢٣٧. الفخرى، ص ١٤٤ الطبري، طبعة القاهرة، جـ ٦، ص ٢٣٤ - ٢٣٥، ابن الجوزي: المناقب، ص ٧ - ٨).
وقدر لبغداد أن ترث بابل وسلوقية وطيسفون وأن تخملها جميعًا.
ويصف اليعقوبى (٢٧٨ هـ = ٨٩١ م) وابن الفقيه (٢٩٠ هـ = ٩٠٣ م) بغداد في عصر متقدم وصفًا تفصيليًا، بينما يصف سهراب (حوالي عام ٩٠٠ م) شبكة القنوات في المنطقة، وتبدو المدينة بتحصيناتها وتخطيطها الداخلى كأنها حصن كبير، فقد كان هناك أولًا خندق عميق، عرضه ٤٠ ذراعًا (= ٢٠.٢٧ مترًا)، يحيط بالمدينة، ثم رصيف من الآجر، ثم السور الأول، وارتفاعه ١٨ ذراعًا (٩ أمتار) عند القاعدة، يليه رحبة عرضها ٥٦.٩ مترًا (= ١٠٠ ذراع، وفيما يختص بالمقاييس انظر كتاب الخراج للريس) تركت خالية لأغراض الدفاع، ويليها السور الرئيسى من الآجر وارتفاعه ٣١.١٤ مترًا وسمكه عند قاعدته ٥٠.٢ مترًا وعند القمة ١٤.٢٢ مترًا، وبه أبراج عظيمة يبلغ عددها ٢٨ برجا بين كل بابين ما عدا الأبراج الواقعة بين بابى الكوفة والبصرة ففيها ٢٩ برجا، وبنيت، على كل باب، قبة تطل على المدينة، تحتها مساكن للحراس، ثم تليها رحبة عرضها ١٧٠.٧٠ مترا شيدت فيها بيوت، ولم يكن يسمح فيها بالبناء إلا للقواد والموالى المخلصين، ومع ذلك فقد كان لكل طريق بابان وثيقان يمكن إغلاقهما، وكان يلي ذلك سور ثالث بسيط يحيط بالرحبة الداخلية الفسيحة، حيث لم يشيد فيها سوى قصر الخليفة (باب الذهب)، والمسجد الجامع، والدواوين، ودور لأولاد الخليفة،
стр. 1725
وسقبفتين، إحداهما لصاحب الحرس والأخرى لصاحب الشرطة، وقسمت المدينة إلى أربع مناطق متساوية، يقسمها طريقان يبدآن من أبوابها المتساوية الأبعاد، وذلك لضمان الإشراف على المدينة وتيسير حركة المواصلات في الداخل، ومع طرق القوافل في الخارج، وكان باب خراسان (ويسمى أيضًا باب الدولة) جهة الشمال الشرقي، وباب البصرة جهة الجنوب الغربي، وباب الشام جهة الشمال الغربي، وباب الكوفة جهة الجنوب الشرقي، وكان على من يريد أن يصل إلى الدائرة الداخلية أن يعبر خندقا وأن يمر بخمسة أبواب، اثنان منها في السور الخارجى، وبابان ضخمان في السور الكبير وباب في السور الداخلى (انظر اليعقوبى: البلدان، ج ١، ص ٢٣٨ - ٢٤٢, الطبري، جـ ٣، ص ٣٢٢ - ٣٢٣ ابن الجوزي: المناقب، ص ٩ - ١٠؛ الخطيب البغدادي، ص ٩ - ١٢ ابن الأثير، جـ ٥، ص ٤٢٧ - ٤٢٨، ص ٤٣٩، اليعقوبى، جـ ٢ ص ٤٤٩ ابن الفقيه، مخطوطة، ورقة رقم ١٣٣).
وروعيت في التخطيط أيضًا التقاليد الإمبراطورية القديمة، يؤيد ذلك وجود حجاب بين الخليفة وبين شعبه، والتخطيط الفخم للقصر والمسجد لإظهار عظمة الدولة الجديدة، وتوزيع الناس على ربوع منفصلة يمكن إغلاقها وحراستها بالليل.
ووزع المنصور على بعض مواليه وقواده المخلصين قطائع بجوار الأبواب خارج المدينة، ومنح جنوده الأرباض لكى يبنوا عليها دور، لهم، ووهب لبعض آل بيته أطراف المدينة (اليعقوبى، جـ ٢، ص ٤٤٩. ٤٥٠، انظر ابن حوقل، ج ١، ص ٢٤٠).
وكانت القبة الخضراء تحفة تفخر بها المدينة المدورة، وارتفاعها ٤٨.٣٦ مترًا، وكانت تنهض شامخة فوق القصر، وعلى قمتها تمثال على شكل فارس يمتطى صهوة جواده. وقد خرت هاوية عام ٣٢٩ هـ (٩٤١ م) في ليلة عاصفة، وربما نزلت عليها صاعقة (الصولى: الراضى، ص ٢٢٩، ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٦، ص ٣١٧ - ٣١٨، المناقب، ص ١١؛ أبو المحاسن، جـ ٣،
стр. 1726
ص ٢٧٠، الخطيب، ص ١١)، ومهما يكن من شيء فإن أسوارها ظلت قائمة فترة أطول، ثم تهدمت آخر الأمر عام ٦٥٣ هـ (١٢٥٥ م؛ ابن الفوطى، ص ٣٠٣؛ سبط ابن الجوزي؛ مرآة الزمان، جـ ٨، ص ٦٧). واستخدم في بناء باب الذهب الرخام والحجر وموه بابه بالذهب، وظل المقر الرسمى زهاء نصف قرن، ومع أن الرشيد انصرف عنه فإن الأمين اضاف إليه جناحا جديدا، وأنشأ حوله "ميدانا" وتعرض للكثير من الدمار إبان حصار بغداد عام ١٩٨ هـ (٨١٤ م)، ثم بطل استعماله مقرًا رسميًّا وأهمل (انظر ابن القوطى، ص ٣٠٣).
وشيد جامع المنصور بعد القصر ولهذا انحرف قليلًا عن القبلة (انظر الطبري، طبعة القاهرة، جـ ٦، ص ٢٦٥، ابن الأثير، جـ ٥، ص ٤٣٩)، وهدمه الرشيد عام ١٩١ هـ (٨٠٧ م) وأعاد بناءه بالآجر، ووسع عام ٢٦٠ - ٢٦١ هـ. (٨٧٥ م) وزيدت مساحته أخيرًا عام ٢٨٠ هـ (٨٩٣ م)، وأضاف المعتضد إليه صحنا آخر وجدد منه أجزاء (المنتظم، جـ ٥، ص ٢١، ١٤٣)، وكان للمسجد مئذنة (الخطيب، جـ ٥، ص ١٢٥) احترقت عام ٣٠٣ هـ (٩١٥ م، المنتظم، جـ ٦، ص ١٣٠)، ثم أعيد بناؤها انظر ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٧، ص ٢٨٤)، وقد ظل المسجد الجامع في بغداد في عهد الخلافة، وغمره الفيضان عام ٦٥٣ هـ (١٢٥٥ م)، وقدر له أن يبقى بعد هذا الفيضان وغزوة المغول.
ويعكس تخطيط بغداد أفكارا اجتماعية، فقد كان لكل ربع شخص مسؤول، وكانت تقيم به بصفة عامة جماعة متجانسة، من الناحية العنصرية (فرس، وعرب، وخوارزمية)، أو من الناحية المهنية، وكان للجنود منازل خارج الأسوار، تقوم بصفة عامة شمالي المدينة وغربيها، بينما كان التجار والصناع يتركزون جنوبي قناة الصراة في الكرخ (انظر ابن الفقيه، مخطوطة، ورقة رقم ٣٧ ب، ٣٣ ب، ٢٩ ب).
وللأسواق شأن كبير في تخطيط بغداد، ولقد كانت تقوم في مبدأ الأمر طاقات في كل طريق من الطرق الأربعة
стр. 1727
من السور الكبير إلى السور الداخلى، وفيها أقيمت حوانيت، ومن ثم قامت أربعة أسواق (انظر الطبري، جـ ٣، (ص ٣٢٢). يضاف إلى هذا أن الخليفة أمر بأن يكون لكل منطقة من المناطق الأربع خارج السور رحبة تسمح بإقامة الأسواق فيها بحيث يكون في كل منطقة سوق كبيرة (اليعقوبى: البلدان، ص ٢٤٢). ودفعت اعتبارات الأمن المنصور إلى أن يأمر بإزالة الأسواق من المدينة المدورة عام ١٥٧ هـ (٧٧٣ م) ونقلها إلى الكرخ، فقد أراد أن يبعد العامة من المشاغبين عن المدينة وأن يتأكد من أن أبواب الأحياء لا تترك مفتوحة خدمة للأسواق بالليل، كما أمر باتخاذ الحيطة حيال آية جواسيس يمكن أن يتسربوا إلى المدينة. ورسم خطة لبناء الأسواق بين قناة الصراة وقناة عيسى (الطبري جـ ٣، ص ٣٢٤ - ٣٢٥، ابن الجوزي، المناقب، ص ١٣ - ١٤، ياقوت، جـ ٤، ص ٢٥٤).
وكان لكل حرفة أو تجارة سوقها المنفصلة أو دربها، وكانت بين أسواق الكرخ سوق للفاكهة وسوق للقماش، وسوق للطعام، وسوق للصيارفة، وسوق للوراقين، وسوق للأغنام (اليعقوبى: البلدان، ص ٢٤١، ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٥٣، الإصطخري، ص ٢٤١، ابن حوقل، ص ٢٤٢، الخطيب، ص ٢٢، ٣١، ٦٧، ابن الجوزي: المناقب، ص ٢٦ - ٢٨). ومع نمو المدينة نسمع عن تجار أتوا من خراسان وما وراء النهر ومرو وبلْخ وبُخارى وخوارزم، وكانت أسواقهم في حي الحربية، ولكل جماعة من هؤلاء التجار نقيب وشيخ (اليعقوبى: البلدان، ص ٢٤٦ - ٢٤٨)، ويبدو أنه كان لكل حرفة شيخ تختاره الدولة (انظر الدورى: تاريخ العراق الاقتصادى، ص ٨١).
وثمة رواية تذهب إلى أن المنصور أراد أن يهدم جانبا من القصر الأبيض في طيسفون لاستخدام الآجر في مبانيه، ولكنه كف عن ذلك لأن النفقات لا تبرر القيام به. وهناك خبر آخر ينسب إلى المنصور أنه صاحب فكرة ترميم ذلك القصر، بيد أنه يقول إن الوقت لم يتسع أمامه لإنجازه، وكلتا الروايتين من آثار مناظرات الشعوبية، فقد شيدت المدينة خاصة بالآجر.
стр. 1728
ويقول اليعقوبى إن الخطة وضعت عام ١٤١ هـ (٧٥٥ م)، اليعقوبى: البلدان، ص ٢٣٨) بيد أن العمل لم يبدأ إلا في غرة جمادى عام ١٤٥ هـ (٢ أغسطس عام ٧٦٢ م) خبر الخوارزمى الوارد في كتاب الخطيب البغدادي، ص ٢، انظر Wiet، واليعقوبى، ص ١١، تعليق رقم ٤)، واشترك في وضع خطة المدينة أربعة من المهندسين المعماريين، وكان حجاج بن أرطاة المهندس المعمارى للمسجد (الطبري، طبعة القاهرة، جـ ٦، ص ٢٦٥, ٢٣٧، اليعقوبى، ص ٢٤١).
وحشد المنصور ١٠٠.٠٠٠ عامل وصانع للعمل في إنشائها (اليعقوبى، ص ٢٣٨، الطبري، جـ ٣، ص ٢٧٧). وشقت قناة من نهر كرخايا إلى الموقع لتزويد الناس بالماء للشرب ولأغراض البناء (اليعقوبى، ص ٢٣٨)، ويبدو أن القصر والمسجد والدواوين على الأقل قد تم بناؤها عام ١٤٦ هـ (٧٦٣ م). وأن المنصور انتقل إلى بغداد (الطبري، جـ ٣، ص ٣١٣، الخطيب البغدادي، ص ٢). وما إن حل عام ١٤٩ هـ (٧٦٦) حتى اكتمل بناء المدينة المدورة (الطبري، جـ ٣، ص ٣٥٣، الخطيب، ص ٢ - ٣).
والمدينة المدورة التي شيدها المنصور نموذج فريد في تخطيط المدن، فقد كانت مدورة، قلبها على أبعاد متساوية من المناطق المختلفة ومن اليسير التحكم فيها أو الدفاع عنها، ويعد هذا التخطيط في نظر الروايات العربية فريدًا في بابه (اليعقوبى، ص ٢٣٨، ابن الفقيه، ورقة رقم ٣٣ ب، الخطيب البغدادي، ص ٦٧، الذهبي: دول الإسلام، جـ ١، ص ٧٦). ومهما يكن من شيء فإن الخطة المدورة ليست من الخطط غير المألوفة في الشرق الأدنى، فتخطيط أرُك يكاد يكون مدورًا) (Altertumskunde: V. Christian جـ ٢، جدول رقم ١٣). والمعسكرات الحربية الآشورية أحيار مدورة يحيط بها سياج، ويحصى كرزويل Creswell إحدى عشرة مدينة كانت بيضاوية الشكل أو مدورّة، من بينها حران أكبتانا وهتره، ودار بجرد، وهناك شبه عجيب بين داربجرد ومدينة المنصور في تخطيطهما (Early Muslim: Creswell Arch الموجز، ص ١٧١ - ١٧٣، Meissner
стр. 1729
Babylonien and Assyrien جـ ١، جدول رقم ١٦١).
من المحتمل أن المهندسين المعماريين للمدينة المدوّرة كانوا يعرفون مثل هذه الخطط، ويشير ابن الفقيه إلى أن اختيار التخطيط انحصر بين المربع والدائرة وأن الأخيرة أقرب إلى الكمال (البلدان، مخطوطه، ورقة رقم ٣٣ ب)، ومهما يكن من شيء فإن فكرة الحصن المدور هي التي أدت، على الأرجح، إلى هذا التخطيط، ويقول الطبري: "وجعل (المنصور) أبوابها أربعة، على تدبير العساكر في الحروب" (الطبري، طبعة القاهرة، جـ ٦، ص ٢٦٥).
وهناك أخبار متضاربة عن أبعاد مدينة المنصور، فيذهب خبر إلى أن المسافة بين باب خراسان وباب الكوفة ٨٠٠ ذراع (= ٤٠٥.١٢ مترًا) ومن باب الشام إلى باب البصرة ٦٠٠ ذراع (٣٠٣.١٢ مترًا، الخطيب البغدادي، ص ٩ - ١١، ابن الفقيه، مخطوطه، ورقة رقم ٣٣ ب). وفي خبر آخر عن وكيع أن المسافة بين كل بابين ١٢٠٠ ذراع (٦٠٨.٢٨ مترًا، الخطيب، ص ١١). والحق إن كلا الخبرين يقدر حجم المدينة تقديرًا أقل من الواقع، وفي خبر ثالث أورده رباح، أحد من شيدوا المدينة، أن المسافة بين كل بابين ميل واحد أو ٤٠٠٠ ذراع مرسلة أو ١٨٤٨ مترًا: د الريس، ص ٢٧٨, الخطيب البغدادي، ص ٨، وقد أورد ابن الجوزي هذا التقدير في كتابه: المناقب، ص ٩، ياقوت، جـ ١، ص ٢٣٥، أبو المحاسن، جـ ١، ص ٣٤١، الإربلّى: التبر، ص ٥٤). ويؤكد هذا التقديرَ القياس الذي نفذ تلبية لأوامر المعتضد وورد في خبر لبدر المعتضدى (الخطيب البغدادي، ص ٥، أبو المحاسن، جـ ١، ص ٣٤١) , وطبقا لهذا القياس يكون قطر المدينة ٢٣٥٢ مترًا، أما اليعقوبى فإنه يقدر المسافة بين كل بابين خارج الخندق بمقدار ٥٠٠٠ ذراع أسود (أو ٢٥٣٤.٥ مترًا)، وهذا التقدير هو الأرجح في ضوء هذه المعلومات (البلدان، ص ٢٣٨ - ٢٣٩).
وتضاربت الأخبار عن نفقة المنصور على بناء المدينة، فخبر يقدر النفقات بمبلغ ثمانية عشر ألف ألف، والمفهوم
стр. 1730
أنها من الدنانير (الخطيب البغدادي، ص ٥، ابن الجوزي: المناقب، ص ٣٤، ياقوت، جـ ١، ص ٨٦٣, الأربلى: التبر، ص ٥٤٣). وفي خبر ثان أنها مائة ألف ألف درهم أبو المحاسن، جـ ١، ص ٣٤١). ومهما يكن من شيء فإن البيان الرسمى الذي يستند إلى وثائق الخلافة يقرر أن المنصور أنفق على المدينة المدورة أربعة آلاف ألف درهم وثمانمائة وثلاثة وثمانين درهما (الطبري، جـ ٣، ص ٣٢٦، المقدسي، أحسن التقاسيم، ص ١٢١، الخطيب البغدادي، ص ٥ - ٦، انظر أيضًا ابن الأثير، جـ ٥، ص ٤١٩، ابن الجوزي: المناقب، ص ٣٤)، وفي وسعنا أن نصل إلى هذا التقدير إذا أخذنا في الحسبان انخفاض أجر العمل وأثمان الميرة ودقة المنصور في الإشراف على حساباته.
وفي عام ١٥٧ هـ (٧٧٣ م) شيد المنصور قصرًا على نهر دجلة أسفل باب خراسان، تحيط به بساتين فسيحة، وأطلق عليه اسم قصر الخلد، وكان الموضع الذي أقيم به خاليا من البعوض مشهورًا بطيب هوائه، ولقد أطلق عليه هذا الاسم تيمنا بجنة الخلد (الطبري، جـ ٣، ص ٣٧٩، الخطيب، ص ١٤، ياقوت، جـ ٢، ص ٧٨٣، ابن الجوزي: المناقب، ص ١٢، ابن الأثير، جـ ٦، ص ٧٢، ابن الفقيه، ورقة رقم ٣٧ ب).
ولم تلبث الاعتبارات الاستراتيجية والسياسية التي انتهجها المنصور بتقسيم الجيش، والافتقار إلى الأرض الفضاء أن حملت الخليفة على إقامة معسكر لولى عهده المهدي على الضفة الشرقية لنهر دجلة. وكان معسكر المهدي - وقد أطلق عليه فيما بعد الرصافة تيمنا باسم قصر بناه الرشيد- حيث شيد القصر والمسجد، بمثابة النواة تحيط بها بيوت القواد والأتباع، وسرعان ما وجد الجانب التجارى مجالا له في أسواق باب الطاق، أما الجانب العسكرى فيبدو بوضوح في قيام سور وخندق يحيطان بمعسكر المهدي، وقد بدأ العمل فيه عام ١٥١ هـ) وانتهى عام ١٥٧ هـ (٧٧٣)، وكانت الرصافة في موضع يكاد يكون مقابلا لمدينة
стр. 1731
المنصور (اليعقوبى: البلدان ص ٢٥١ - ٢٥٣ الإصطخري، ص ٨٣ - ٨٤، الخطيب البغدادي، ص ٢٣ - ٥، ابن الجوزي: المناقب، ص ١٢ - ١٣، المقدسي، ص ١٢١، أبو المحاسن، جـ ٢، ص ١٦، ياقوت، جـ ٢، ص ٧٨).
واتسعت رقعة بغداد بسرعة فزادت مبانيها ونشطت فيها الحركة التجارية وازدادت ثروة وسكانًا، وتكالب الناس على السكنى في شرقي بغداد، فقد اجتذبتهم هبات المهدي ثم عطايا البرامكة الذين كان لهم حي خاص عند باب الشماسية (اليعقوبى: البلدان، ص ٢٥١، الأغانى، طبعة بولاق، جـ ٦، ص ٧٨، جـ ٥، ص ٨، ابن خلكان طبعة بولاق، جـ ٢، ص ٣١١)، وشيد يحيى البرمكى قصرًا فخمًا وأطلق عليه الاسم المتواضع قصر الطين (الأغانى، جـ ٥، ص ٨). وشيد جعفر قصرًا عظيمًا فاخرًا أسفل شرقي بغداد، أصبح فيما بعد من نصيب المأمون، وامتدت رقعة الجانب الشرقي في عهد الرشيد من باب الشماسية (المواجه لباب قطربل) إلى المخرم (وحدها الجنوبي قنطرة المأمون الحديثة، اليعقوبى: البلدان، ص ٢٥٣ - ٢٥٤)، ومن جهة أخرى فإن الأمين عاد من قصر الخلد، حيث كان يقيم الرشيد، إلى قصر باب الذهب، وجدده وأضاف إليه جناحًا، وأحاطه بمربع (انظر الجهشيارى، طبعة القاهرة، سنة ١٩٣٨، ص ١٩٣، ابن الأثير، جـ ١١، ص ١٥٢). وشيدت الملكة زبيدة مسجدًا على نهر دجلة (نسب إليها) قرب القصور الملكية ومسجدًا رائعا آخر في قطيعتها شمالي المدينة (ياقوت، جـ ٤، ص ١١ ابن خلكان، ص ١٨٨، المستطرف، طبعة بولاق، جـ ١، ص ٢٨٩) وشيدت أيضًا قصرًا أطلقت عليه اسم القرار قرب قصر الخلد (انظر الخطيب، جـ ١ ص ٨٧).
وامتدت رقعة الجانب الغربي بين باب قَطْرَبُّل في الشمال وحى الكرخ، الذي اتسعت رقعته بدوره حتى وصل إلى قناة عيسى الكبرى (وتصب هذه القناة في نهر دجلة عند تلول خَشْم الدورة)؛ ووصلت جهة الغرب إلى المُحَوَّل تقريبًا (المشرق، سنة ١٩٣٤، ص ٨٩؛ انظر القصيدة التي في كتاب
стр. 1732
ياقوت، جـ ١، ص ٦٨٦؛ المسعودى، جـ ٦، ص ٤٥٤؛ الطبري، جـ ٣، ص ٨٧٤، ٨٧٦). ويتغنى الشعراء بجمال بغداد، ويصفونها بأنها "جنة الله في أرضه". وقد اشتهرت ببساتينها الرائعة وريفها النضير، وقصورها الفخمة الشامخة المزينة بزخارف فاخرة على الأبواب وفي القاعات، ورياشها البديعة الثمينة (انظر الطبري، جـ ٣، ص ٨٧٣، ٨٧٤؛ القال: الأمالى، جـ ٢، ص ٢٣٧؛ ياقوت، جـ ١، ص ٦٨٦).
وتلقت بغداد ضربة قاسية إبان النزاع الذي اشتجر بين الأمين والمأمون. ووصلت الحرب إلى المدينة عندما ضرب عليها حصار دام أربعة عشر شهرًا. (المسعودى، جـ ٦، ص ٤٥٦). وأحنق صمود المدافعين طاهرًا فأمر بهدم دورهم، ودمرت أحياء كثيرة "ما بين دجلة ودار الرقيق (شمالي باب خراسان)، وباب الشام وباب الكوفة إلى الصراة وأرجاء أبي جعفر وربض حُمَيد ونهر كرخايا والكُناسة" (الطبري جـ ٣، ص ٨٨٧). وشملها الخراب على يد الغوغاء والخارجين على القانون والعيارين. وتعرض للتدمير الشديد قصر الخلد وقصور أخرى، وهي الكرخ وبعض الربوع الواقعة على الجانب الشرقي. ويعبر عن ذلك الطبري والمسعودى فيقولان: "وكثر الخراب والهدم حتى درست محاسن بغداد" (انظر الطبري، جـ ٣، ص. ٩٢٥ - ٤٩٦؛ المسعودى جـ ٦، ص ٤٥٤ - ٤٥٩؛ ابن الأثير، جـ ٦ ص ١٨٨ وما بعدها). وظلت الفوضى والقلاقل تضرب أطنابها في بغداد إلى أن عاد المأمون من مرور عام ٢٠٤ هـ (٨١٩ م). وأقام المأمون في قصره ووسع رقعته حتى لقد أضاف إليه حلبة للسباق وحيرًا للوحوش (حديقة للحيوان) وأحياء لمواليه المخلصين (ياقوت، جـ ١، ص ٨٠٧). ثم وهب هذا القصر للحسن ابن سهل - ليصبح اسمه الحسنى - الذي أوصى به لابنته نوران. وانتعشت بغداد من جديد في عهد المأمون. وشيد المعتصم قصرًا في الجانب الشرقي (اليعقوبى، ص ٢٢٥؛ انظر الخطيب، ص ٧٤). ثم قرر أن يبحث عن عاصمة جديدة لجيشه التركى الجديد، فقد كانت بغداد شديدة
стр. 1733
الازدحام لا تتسع لجنوده، وكان الأهلون وفرق الجند القديمة يكنون العداء لجنود الأتراك، وخشى أن يحدث ما يكدر صفو الأمن. وفقدت بغداد أيام سامراء (٨٣٦ - ٨٩٢ م) اهتمام الخلفاء بها (انظر اليعقوبى، جـ ٢، ص ٢٠٨؛ الإربلّى، ص ١٦١) ولكنها ظلت أكبر مركز للتجارة والنشاط الثقافى.
وعانت بغداد أيضًا من القلاقل التي أثارها الأتراك، عندما انتقل إليها المستعين من سامراء، وحاصرتها قوات المعتز طوال عام ٢٥١ هـ (٨٦٥ - ٨٦٦ م). وامتدت رقعة الرصافة في هذه الفترة إلى سوق الثلاثاء (حتى شارع السموأل الحديث). وأمر المستعين بالله بتحصين بغداد ومد السور القائم على الجانب الشرقي من باب الشماسية إلى سوق الثلاثاء، والسور القائم على الجانب الغربي من قطيعة أم جعفر حول الربوع حتى قناة الصراة وحُفر حولها خندق طاهر المشهور (الطبري، جـ ٣، ص ١٨٥١). ودمرت أثناء هذا الحصار منازل وحوانيت وبساتين خارج السور الشرقي لضرورات الدفاع (الطبري، جـ ٣، ص ١٥٧١) وتعرضت للدمار الشديد الأحياء الشرقية من الشماسية والرصافة والمخرم.
وعاد المعتمد أخيرًا إلى بغداد عام ٢٧٨ هـ (٨٩٢) وكان قد طلب من بوران قصر الحسنى، بيد أنها جددته وأثثته ليليق بخليفة، وسلمته له (انظر ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٥، ص ١٤٤). ثم قام المعتضد بإعادة بناء القصر عام ٨٢٠ هـ (٨٩٣ م) ووسع رقعة أراضيه وأضاف إليه أبنية جديدة وشيد سجونا فوق مطاميره. وأضاف حلبة سباق ثم أحاط المنطقة بسور خاص وقدر له أن يصبح دار الخليفة، وظل بعد إضافة بعض المبانى إليه، مقره الرسمى (الخطيب البغدادي، ص ٥٢؛ ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٦، ص ٥٣؛ المناقب، ص ١٥؛ التَّنوخى: نشوار المحاضرة، جـ ٨، ص ١٥، أبو المحاسن، جـ ٣، ص ٨٥؛ الإربلَى، ص ١٧٣).
ثم وضع أساس قصر التاج على مقربة من نهر دجلة، بيد أنه رأى فيما بعد أنه يتعرض للكثير من الدخان من
стр. 1734
ناحية المدينة، فقرر أن يشيد قصرًا آخر على بعد ميلين ناحية الشمال الشرقي. وشيد قصر الثريا الشاهق العظيم ووصله بقصر (الحسنى) بنفق، وأحاطه ببساتين، وجلب إليه الماء من قناة موسى (انظر وصف ابن المعتز له في ديوانه) طبعة بيروت سنة ١٩١٣، ص ١٣٨ - ١٣٩) وأمر أيضًا بألا يزرع حول بغداد أرز أو نخيل ليبقى الهواء نقيًا خالصًا (انظر ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٥، ص ١٤٢). وبقى قصر الثريا في حالة جيدة حتى عام ٤٦٩ هـ (١٠٧٣ - ١٠٧٤ م) وهنالك اكتسحته مياه الفيضان ودمرته (ابن الجوزي المناقب، ص ١٥؛ ياقوت، جـ ١، ص ٨٠٨).
وبدأ الخراب في المدينة المدورة وقتذاك. وأمر المعتضد بهدم سور المدينة، ولكن ما إن هدم قسم صغير منه حتى علت أصوات الهاشميين بالشكوى، لأنه كان يرمز إلى مجد العباسيين، فتوقف المعتضد عن هدمه. ومهما يكن من شيء فإن الناس وسعوا بيوتهم شيئًا فشيئًا على حساب السور، وأدى هذا، آخر الأمر، إلى هدم السور وخراب المدينة (التنوخى: نشوار المحاضرة، جـ ١، ص ٧٤ - ٧٥).
وشيد المكتفى (٢٨٩ - ٢٩٥ هـ = ٩٠١ - ٩٠٧ م) قصر التاج وزوده بأبهاء وقباب ورصيف على نهر دجلة. وبنى قبة شامخة نصف دائرية على أراضيه بحيث يستطيع أن يبلغ قمتها ممتطيا ظهر حمار (الخطيب البغدادي، ص ٤٨، الأربلّى، ص ١٧٥؛ ياقوت، جـ ١، ص ٨٠؛ ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٥، ص ١٤٤). وفي عام ٢٨٩ هـ. (٩٠١ م) هدم المكتفى السجون الملحقة بالقصر وبنى "جامع القصر" الذي أصبح ثالث مسجد جامع في المدينة حتى عهد المقتدر (ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٦، ص ٣؛ الخطيب البغدادي، ص ٦٢).
ولقد أضاف المقتدر (٢٩٥ - ٣٢٠ هـ = ٩٠٨ - ٩٣٢ م) مبانى جديدة إلى القصور الملكية وزينها على نحو يفوق الوصف، ووجه عناية خاصة لـ"حير الوحوش" أي حديقة الحيوان (انظر الخطيب البغدادي، ص ٤٨، ٥٣). وقد
стр. 1735
أورد الخطيب وصفًا تفصيليًّا مدهشًا لعام ٣٠٥ هـ (٩١٧ - ٩١٨ م). وكان السور المتين الذي يحيط بالقصور والممر السرى الذي يصل ديوان المقتدر بأحد الأبواب من الوسائل الدفاعية الضرورية (انظر الخطيب، ص ٥١). ومن عجائب بغداد "دار الشجرة"، وفيها شجرة من الفضة في بركة واسعة لها ١٨ فرعًا وأغصان متعددة، عليها طيور وعصافير من الفضة أو مموهة بالذهب، تغرد في أوقات. وعلى كل جانب من البركة ١٥ تمثالًا لفرسان يمتطون صهوات جيادهم ويتحركون في اتجاه واحد وكأنما يطارد بعضهم بعضًا (ص ٥٤). وهناك بركة أخرى من الزئبق مساحتها ٣٠ × ٢٠ ذراعًا تسبح فيها أربعة قوارب مموهة بالذهب وحولها بستان يفوق الوصف. وكان حير الوحوش يضم كل أنواع الحيوان، ففيه بيت الأسود ويضم مائة أسد. وهناك قصر الفردوس بأسلحته الشهيرة. وقد أحصيت القصور فكانت ثلاثة وثلاثين قصرًا داخل نطاق الأراضي الملكية (انظر الخطيب، ص ٥٣ - ٥٥؛ ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٦، ص ١٤٤).
وبلغت بغداد أوج ازدهارها في ذلك العهد؛ فقد امتد الجانب الشرقي منها خمسة أميال (الميل الواحد = ١٨٤٨ مترًا) من الشماسية إلى دار الخلافة في القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادي؛ الاصطخرى، ص ٨٣). ويقول طيفور المتوفى عام ٨٩٣ م إن الموفق أمر بقياس أبعاد بغداد قبل عام ٢٧٩ هـ (٨٩٢ م)، فوجد أن مساحتها ٤٣.٧٥٠ جريبا منها ٢٦.٢٥٠ جريبا في شرقي بغداد و ١٧.٥٠٠ جريب في غربي بغداد (ابن الفقيه، ورقة رقم ٤٤ ب). انظر ابن حوقل، جـ ١، ص ٢٤٣). وتذهب رواية أخرى لطيفور أن مساحة شرقي بغداد في عهد الموفق كانت ١٦.٧٥٠, جريبا (الجريب الواحد = ١٣٦٦ مترًا مربعًا) وأن مساحة غربي بغداد كانت ٢٧.٠٠٠ جريب؛ وهذا التقدير هو الأرجح لأن غربي بغداد ظل حتى ذلك الوقت أهم من شرقيها. وفي رواية أخرى أن المساحة قدرها ٥٣.٧٥٠ جريبا منها ٢٦.٧٥٠ جريبا في الشرق و ٢٧.٠٠٠ جريب في
стр. 1736
الغرب (الخطيب، ص ٧٤). والراجح أن الرقم الأخير يمثل المساحة في عهد المقتدر عندما اتسعت رقعة بغداد في الشرق اتساعًا كبيرًا، ويكاد يكون طول بغداد من ناحيتيها في كل هذه الأخبار واحدًا. وبالنسبة للرقم الأول يقدر طول بغداد كما أورده الإصطخري وطيفور، عام ٢٧٩ هـ (٨٩٢ م). بنحو ٧ كيلو متر وربع وعرضها بنحو، ٦ كيلو متر ونصف، بينما كان طولها في عهد المقتدر (٣٢٠ هـ - ٩٣٢ م) حوالي ٨ كيلو متر ونصف وعرضها حوالي ٧ كيلو متر وربع.
وهذا الموقع الجغرافي لبغداد ونشاط سكانها (انظر الجاحظ: البخلاء، ص ٣٩؛ التنوخى: الفرج بعد الشدة، جـ ٢، ص ١١) وتشجيع الدولة للتجارة (انظر اليعقوبى، ص ٥٩٠) وهيبة الخلافة، كل ذلك لم يلبث أن جعل بغداد مركزًا عظيمًا للتجارة (انظر الدورى: تأريخ العراق الاقتصادى، ص ١٤٣ - ١٥٧). وأصبحت الأسواق معلما جوهريا من معالم الحياة فيها، في الرصافة وفي الكرخ بصفة خاصة. وكانت لكل تجارة سوقها الخاصة بها، ومن بين للك الأسواق: سوق الفاكهة، وسوق القماش، وسوق القطن، وسوق الوراقين -وكان بها أكثر من مائة حانوت- وسوق الصيارفة، وسوق العطارين في الكرخ. وكانت هناك أسواق للتجار الأجانب في سوق باب الشام. وعلى الجانب الشرقي كانت تقوم أسواق شتى تضم سوق الطب لبيع الأزهار، وسوق للطعام، وسوق الصاغة، وسوق الغنم، وسوق الوراقين، وسوق التجار من الصين (اليعقوبى: البلدان، ص ٢٤١، ٢٤٦، ٢٤٨، ٢٥٤؛ الإصطخري، ص ٤٨، الخطيب البغدادي، ص ٢٢، ٦٥ وما بعدها , ٣٦، ٦٩؛ ابن الجوزي: المناقب، ص ٢٦، ٢٧ - ٨٠؛ ابن حوقل، ص ٢٤٢). وأقيم منذ عهد المنصور محتسب لمراقبة الأسواق ومنع الغش ومراجعة المكاييل والأوزان (انظر الخطيب ص ٢٠؛ الصابى: الرسائل، ص ١٤١ - ١٤٢). وكان المحتسب أيضًا يراقب الحمامات وله أن يلاحظ المساجد (الخطيب، ص ٧٨). كما كان يمنع أوجه النشاط المخزية.
стр. 1737
وكان لكل تجارة أو حرفة شيخ تعينه الدولة ولكل حرفة صانع وأستاذ (انظر إخوان الصفا، جـ ١، ص ٢٥٥؛ وانظر مقالات الجاحظ، طبعة السندوبى، ص ١٢٦). وكانت بغداد تصدر الأقمشة القطنية، والمنسوجات الحريرية، وبخاصة المناديل والميدعات والعمائم والبلورات المخروطة والفخار المزجج والزيوت المختلفة والأشربة والمعاجين (حدود العالم، ورقة ١١ أ؛ المقدسي، ص ١٢٨) كانت تصنع أيضًا قمصانا مختلفة الألوان، وعمائم من نسيج رقيق وفوطا مشهورة (الدمشقي: التجارة، ص ٢٦). وكانت قمصانها القطنية الرقيقة البيضاء لا نظير لها (ابن الفقيه، ص ٢٥٤)، وكانت منسوجات السَقْلَطون (قماش حريرى) والملْحَم والعتابى (من الحرير والقطن) هما اشتهرت به بغداد (حدود العالم، ص ٣٨؛ النويرى، جـ ١، ص ٣٦٩؛ أبو القاسم، ص ٣٥؛ المقدسي، ص ٣٢٣، ابن حوقل، ص ٢٦١). وكانت سيوف ممتازة تصنع في باب الطاق (عريب، ص ٥٠). واشتهرت بغداد أيضًا بمصنوعاتها الجلدية وبصناعة الورق (انظر ابن الفقيه، ص ٢٥١).
وكان تطور النظام المصرفى في بغداد -كما يتضح من الأعمال التي كان يقوم بها الصرافون والجهابذة- حافزا كبيرًا للتجارة والصناعة وكانت للصرافين أسواق خاصة، ولا سيما في الكرخ (انظر الجهشيارى، ص ٢٢٨)، وكانوا في مبدأ الأمر يقدمون خدماتهم للأهالى، على حين كان الجهابذة يعملون غالبا في خدمة الحكومة وموظفيها.
وأصبحت بغداد دولية من حيث سكانها، فقد كان أهلها أخلاطًا من شتى الأمم والألوان والنحل، ممن وفدوا إليها من أجل العمل والتجارة، ومن المجندين والأرقاء، أو ممن جاءوا لممارسة مهن أخرى. وجدير بالذكر أن عامة الناس بدأوا في القيام بدور هام في حياة بغداد (انظر ابن الأثير، جـ ٨، ص ٨٥ - ٨٦؛ مسكويه، جـ ١، ص ٧٤ - ٧٥؛ الإصفهاني: تأريخ، طبعة برلين، ص ١٣٠). أما عن ثورتهم على ارتفاع الأسعار عام ٣٠٧ هـ (٩١٩ م)
стр. 1738
وجهودهم للحفاظ على النظام عام ٢٠١ هـ (٨١٦ م) إبان الاضطرابات التي حدثت عقب مصرع الأمين فانظر الطبري (جـ ٣، ص ١٠٠٩ - ١٠١٠) وابن الأثير (جـ ٦، ٢٨٨ - ٢٢٩؛ جـ ٧، ص ١٣ - ١٤). (وبدأ نشاط العيارين والشطار في هذا العهد (انظر الطبري، جـ ٣، ص ١٠٠٨، ١٥٨٦؛ المسعودى، جـ ٦، ص ٤٥٧، ص ٤٦١ وما بعدها).
وليس من اليسير تقدير عدد سكان بغداد؛ ومن الواضح أن هناك مبالغات في تقدير عدد المساجد والحمامات (٣٠٠.٠٠٠ مسجد و ٦٠٠.٠٠٠ حمام في عهد الموفّق، و ٢٧.٠٠٠ حمام في عهد المقتدر، ١٧.٠٠٠ حمام في عهد معز الدولة، و ٥.٠٠٠ في عهد عضد الدولة، و ٣.٠٠٠ حمام في عهد بهاء الدولة (الخطيب، ص ٧٤ - ٧٦؛ ابن الفقيه، ورقة رقم ٥٩ ب؛ هلال الصابى: رسوم دار الخلافة، مخطوطة، ص ٢٧ - ٣٠). وقد أخصيت الحمامات عام ٣٨٣ هـ (٩٩٣ م) فوجد أن عددها ١.٥٠٠ حمام. وتؤكد الروايات أن كل حمام كان يكفى حوالي ٣٠٠ بيت (ابن الفقيه، ورقة رقم ٥٩ ب، ٦٠ أ؛ هلال الصابى، مخطوطة، ص ٢٩). وإذا كان متوسط عدد الأفراد في كل بيت خمسة، فإن عدد سكان بغداد يكون وقتذاك قد بلغ حوالي المليون ونصف المليون من النسمات. وأمر المقتدرُ سنانَ بن ثابت باختبار الأطباء، وألا يمنح الإجازة بمزاولة المهنة إلا لمن يصلح لها. وكانت النتيجة منح الإجازة لثمانمائة وستين طبيبًا (ابن الأثير، جـ ٨ ص ٨٥؛ ابن أبي أصيبعة، جـ ١، ص ٢٢١ وما بعدها , ٢٢٤، ٣١٠؛ القفْطى، ص ١٤٩ وما بعدها). فإذا أضَفنا إلى هؤلاء، من يعملون من الأطباء في البيمارستانات الحكومية والذين لم يحصلوا على إجازة بالعمل، فإن عدد الأطباء يصل -فيما يرجح- إلى الألف طبيب. وقد بلغ عدد المصلين يوم الجمعة الأخيرة من الشهر في مسجد المنصور ومسجد الرصافة ٦٤.٠٠٠ مصل مقدرا بالمساحة المخصصة للصلاة (ابن الفقيه، ورقة ٦٢ أ؛ انظر أيضًا الطبري، جـ ٣، ص ١٧٣٠). وقد أحصى عدد القوارب حوالي نهاية القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي)
стр. 1739
فوجد أنه ٣٠.٠٠٠ قارب (ابن الجوزي: المناقب، ص ٢٤). ونستطيع من هذه الأرقام ومن مساحة بغداد أن نقدر عدد سكان بغداد في القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادي) بمليون ونصف المليون من النسمات، ويتفق هذا الرقم مع ما يذكره الأتليدى، أحد المعاصرين.
وكانت في بغداد أحياء أرستقراطية مثل الظاهر، والشمّاسية، والمأمونية، ودرب عون؛ وأحياء فقيرة مثل قطيعة الكلاب ونهر الدَّجاج (أبو القاسم البغدادي، ص ٢٣، ١٠٦). وكانت البيوت من طابقين، أما بيوت العامة فمن طابق واحد. وكانت بيوت الأغنياء لها حمامات وتقسم عادة إلى ثلاثة أقسام يحيط بها سور: قسم للسيدات، وحجرات للضيفان، وقسم للخدم. وكانت البساتين تحظى بعناية خاصة (الأغانى، جـ ٢، ص ٧٣؛ جـ ٣، ص ٣١؛ جـ ٩ ص ١٤٤؛ جـ ٥، ص ٣٨؛ جـ ١٧، ص ١٢٩؛ هلال الصابى: رسوم دار الخلافة، ص ٣٢). وكانت السجاجيد والأرائك والستائر والوسائد عناصر ملحوظة في الأثاث (أبو القاسم، ص ٣٦). وكانت المراوح والبيوت المبردة خاصة والسراديب تستخدم في الصيف (انظر ج. مدور: حضارة الإسلام، ص ١١٧، ١٣٠). وكانت النقوش ورسوم الحيوان والنبات أو الوجوه الآدمية تزين المداخل (المصدر المذكور، ص ٢٩؛ أبو القاسم، ص ٣٦, ٧).
وثمة سمة خاصة من سمات الحياة في بغداد، هي العدد الضخم من المساجد والحمامات كما سبق أن أوضحنا.
وكانت بغداد المركز العظيم للثقافة، فقد كانت موئلًا للمذهبين الحنفي والحنبلى، وكانت مركزا للترجمات، في بيت الحكمة وخارجه، وموطنًا لبعض التجارب العلمية. وكانت مساجدها، وبخاصة جامع المنصور، مراكز كبيرة للدرس والتحصيل. وإن العدد الكبير من مكتبات الوراقين التي كانت تتحول أحيانًا إلى "صالونات أدبية" ليدل على مدى النشاط الثقافى.
وشعراؤها ومؤرخوها وعلماؤها أكثر من أن نحصيهم. وفي وسعنا أن نشير
стр. 1740
إلى تاريخ بغداد للخطيب لنرى العدد الكبير من العلماء، في ميدان واحد، الذين يرتبطون ببغداد. وكان العلم لا يلقى كل تشجيع من الخلفاء فحسب بل كان يلقاه من الوزراء والكبراء أيضًا. والحق إن فترة الإبداع في مجال الثقافة الإسلامية تقترن بمدينة بغداد. فقد أسست فيما بعد إبان هذه الفترة دور كتب عامة كانت مراكز للدرس والتحصيل، وأشهرها دار العلم التي أنشاها أبو نصر سابور بن أردشير. وعندما ظهر نظام المدرسة عقد لبغداد لواء الزعامة بمدرستيها النظامية والمستنصرية، وأثرت في نظام المدرسة، من جهة المناهج العلمية والهندسة المعمارية على السواء.
وحظيت البيمارستانات بالكثير من العناية، وبخاصة في القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي) والقرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادي). واشتهر من بينها بيمارستان السيدة (٣٠٦ هـ = ٩١٨ م) والبيمارستان المقتدرى (٣٠٦ هـ = ٩١٨ م) والبيمارستان العَضُدى ٣٧٢ هـ = ٩٨٢ م). كذلك أنشأ الوزراء وغيرهم البيمارستانات. وكان الأطباء يخضعون في بعض الأحيان لإشراف.
وكانت في بغداد ثلاث قناطر في عهد الرشيد (اليعقوبى، جـ ٢، ص ٥١٠). وكانت القنطرتان الشهيرتان تقومان قرب باب خراسان وفي الكرخ (انظر اليعقوبى، جـ ٢، ص ٥٤٢، الجهشيارى، ص ٢٥٤؛ الطبري، جـ ٣، ص ١٢٣٢). وبنى الرشيد قنطرتين في الشماسية، ولكنهما دمرتا إبان الحصار الأول لبغداد (ابن الجوزي: المناقب، ص ٢٠؛ ابن الفقيه، ورقة رقم ٤٢ أ). وظلت القناطر الثلاث قائمة حتى نهاية القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي؛ ابن الفقيه، ورقة رقم ٤٢ أ). ويبدو أن القنطرة الشمالية دمرت، ويتحدث الإصطخري عن قنطرتين فحسب (ابن الجوزي: المناقب، ص ٢٠، الإصطخري، ص ٨٤). وفي عام ٣٨٧ هـ شيد بهاء الدولة قنطرة عند سوق الثلاثاء (مشْرعة القطانين) لتصبح القنطرة الثالثة. وهذا يدل على تحول الاهتمام من شمالي
стр. 1741
بغداد إلى سوق الثلاثاء (ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٧، ص ١٧١؛ وانظر ابن الجوزي: المناقب ص ٢٠؛ الخطيب، ص ٧١ - ٧٢).
وكانت الحياة في بغداد تنعم بالاستقرار حتى عهد الأمين. وأظهر الحصار الأول لبغداد وجود عناصر مشاغبة بين العامة. وبدأ الفيضان والحريق أيضًا يقومان بدورهما اعتبارًا من الربع الأخير من القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي). وأتى الفيضان عام ٢٧٠ هـ (٨٨٣) على ٠٠٠ ر ٧ بيت في الكرخ. وعانت بغداد كثيرا من الفيضان عام ٢٩٢ هـ (٩٠٤ م) وعام ٣٢٨ هـ (٩٢٩ م؛ الطبري، جـ ٣، ص ٢١٠٥ ابن الأثير، جـ ٨، ص ٣٧١؛ أبو المحاسن، جـ ٣، ص ١٥٧، ٢٦٦) وفي عام ٣٧٣ هـ (٩٨٣ م) اكتسح الفيضان ما وراء باب الكوفة ووصل إلى داخل المدينة (الصولى: الراضى، ص ٢٧٨؛ الخطيب البغدادي، ص ١٦). ولا شك أن إهمال القنوات وبخاصة في عهد "أمير الأمراء" (٣٢٤ - ٣٣٤ هـ = ٩٣٥ - ٩٤٥ م) أدى إلى حدوث فيضانات كما أدى إلى خراب ناحية بادوريَا (مسكويه، جـ ٢، ص ١ - ٩؛ الصولى: الراضى، ص ١٠٦، ٢٢٥، ١٣٧ - ١٣٨) ومن ثم فإننا نجد الندرة في الحاجيات الضرورية والطاعون في حكم النادر قبل عام ٣٢٠ هـ) (٩٣٢ م) إلا أنهما تكررا بعد ذلك (انظر ابن الأثير، جـ ٧، ص ١٧٧، ١٨٧، ٣٣٨).
أما ندرة هذه الحاجيات التي سادت عام ٣٠٧ هـ (٩١٩ م) فكانت نتيجة الاحتكار، وسرعان ما تُغُلبَ عليها. وقد حدث ذلك في الأعوَام ٣٢٣ هـ (٩٣٤ م) و ٣٢٦ هـ (٩٣٧ م) و ٣٢٩ هـ (٩٤٠ م) مع طاعون) و ٣٣٠ هـ (٩٤١ م) و ٣٣١ هـ (٩٤٢ م؛ مع طاعون) و ٣٣٢ هـ (٩٤٣ م) و ٣٣٧ هـ (٩٤٨ م) وأصبحت الحياة لا تطاق (الصولى: الراضى، ص ٦١، ١٠٤، ٢٣٦، ٢٥١؛ ابن الأثير جـ ٨، ص ٢٨٢، ٣١١؛ الإصفهانى: التأريخ، ص ١٢٥؛ أبو المحاسن، جـ ٣، ص. ٢٧٠، ٢٧٤). وفي عامي ٣٠٨ هـ (٩٢٠ م) و ٣٠٩ هـ (٩٢١ م) عانت الكرخ كثيرًا من الحرائق (ابن الأثير، جـ ٨، ص ٨٩، ٩٥). وامتدت نيران الكرخ عام
стр. 1742
٣٢٣ هـ (٩٣٤ م) إلى أحياء العطارين وباعة المروخ والصاغة وغيرهم، وكان في الوسع مشاهدة آثارها بعد ذلك بسنين عديدة (الصولى: الراضى، ص ٦٨).
وكان عهد بنى بويه شديد الوطأة بعض الشيء على بغداد. وأصلح معز الدولة عام ٣٣٥ هـ (٩٤٦ م) أول الأمر بعض القنوات في بادوريّا، وأدى هذا إلى تحسين أحوال المعيشة (مسكويه، جـ ٢، ص ١٦٥). وأعقبت هذا فترة من الإهمال، وأصبح كثير من القنوات التي كانت تروى غرب بغداد خرابًا. وقام عضد الدولة (٣٦٧ - ٣٧٢ هـ = ٩٧٧ - ٩٨٢ م) بتطهيرها، وأعاد بناء القناطر والأهوسة (مسكويه، جـ ٢، ص ٤٠٦؛ جـ ٣، ص ٦٩؛ ابن الأثير، جـ ٨، ص ٥١٨)، ولا نسمع بعد ذلك شيئًا عن مثل هذه الجهود.
وكانت أعمال البناء محدودة. وفي عام ٣٥٠ هـ (٩٦١ م) شيد معز الدولة قصرًا كبيرًا عند باب الشماسية وجعل أمامه ميدانًا فسيحًا وبه رصيف ميناء وبساتين جميلة. واستولى على الأبواب الحديدية السبعة للمدينة المدورة من أجل هذا القصر، وأنفق حوالي مليون دينار ((١١ مليون درهم). ومهما يكن من شيء فإن هذا القصر هدم عام ٤١٨ هـ (١٠٢٧ م؛ التنوخى: نشوار المحاضرة، جـ ١، ص ٧٠ - ٧١؛ ابن الأثير، جـ ٨، ص ٣٩٧ - ٣٩٨؛ جـ ٩، ص ٢٥٦). وأعاد عضد الدولة بناء بيت سَبُكْتَكين، حاجب معز الدولة في المخرم العليا، وأضاف إليه بساتين واسعة، وجلب إليه الماء بشق قنوات من نهر الخالص، وأنفق على ذلك أموالا طائلة، وأصبح دار الإمارة أو المقر الرسمى لبنى بويه (الخطيب البغدادي، ص ٥٨ - ٥٩؛ ابن الجوزي، المنتظم، جـ ٧، ص ٧٧ - ٧٨؛ مسكويه، جـ ٣، ص ١٢٤).
ووجد عضد الدولة أن بغداد قد أصبحت شائهة المنظر، فأمر بتجديد بيوتها وأسواقها وأنفق الكثير من الأموال لأعادة بناء مساجدها الجامعة، ورمم الأرصفة على ضفاف نهر دجلة وأمر الأثرياء بترميم بيوتهم على نهر دجلة، وغرس البساتين في الخرائب التي لا مالك لها. ووجد أن القنطرة
стр. 1743
الوسطى ضيقة واهنة فجددها ووسعها (ابن الأثير، جـ ٨، ص ٥٥٨؛ ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٧، ص ١١٤؛ مسكويه، جـ ٢، ص ٤٠٤ - ٤٠٦). وشيد عام ٣٧٢ هـ (٩٨٢ م) البيمارستان العضدى، وعين له الأطباء والمشرفين وأمناء المخازن، وزوده بكميات كبيرة من الأدوية والأشربة والآلات والأثاث. وحبست عليه الأوقاف للإنفاق منها على صيانته (ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٧، ص ١١٢ - ١١٤).
ومع ذلك فإن بغداد تدهورت في عهد بنى بويه (التنوخى: نشوار المحاضرة، جـ ١، ص ٦٦، وفيه يقول إن بغداد انكمشت عام ٣٤٥ هـ الموافق ٩٥٦ م إلى عشر ما كان عليه حجمها في عهد المقتدر). وأهملت مدينة المنصور ولم يعد فيها حياة وقتذاك (المقدسي، ص ١٢٠). وكان معظم الأحياء في غربي بغداد على هيئة زرية، كما كانت قد تقلصت، . وكانت الكرخ أعظم الأحياء ازدهارًا في غربي بغداد، وفيها كان التجار يتخذون حوانيت للتجارة. ولهذا فإن الجانب الغربي عرف آنئذ باسم الكرخ (ابن حوقل، جـ ١، ص ٢٤١ - ٢٤٢؛ المقدسي، ص ١٢٠).
وأما الجانب الشرقي من المدينة فكان أكثر ازدهارًا، وكان الكبراء يقيمون فيه عادة (انظر ابن حوقل، ص ٢٤٠). وكانت المناطق المزدهرة في هذا الجانب هي باب الطاق حيث السوق الكبرى ودار الإمارة في المُخرَم وقصور الخليفة في الطرف الجنوبي (انظر المقدسي، ص ١٢٠؛ ابن حوقل، جـ ١، ص ٢٤٠ - ١٤١؛ الإصطخر ى، ص ٨٤). ووصلت بعض الدور الصغيرة الشأن إلى كلواذَى. ورأى ابن حوقل أربعة مساجد جامعة هي: مسجد المنصور، ومسجد الرصافة، ومسجد براثا، ومسجد دار السلطان (ص ٢٤١). ثم أصبح مسجد القطيعة ومسجد الحربية عام ٣٧٩ هـ (٩٨٩ م) وعام ٣٨٣ هـ (٩٩٣ م) مسجدين جامعين (ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٧، ص ٦٧١؛ الخطيب البغدادي، ص ٥٣ - ٥٤؛ ابن الجوزي: المناقب، ص ٢١ - ٢٢؛ ابن الأثير، جـ ٩، ص ٤٨).
стр. 1744
وشاهد ابن حوقل قنطرتين، إحداهما في حالة سيئة (جـ ١، ص ٢٤١). ويبدو أنه كانت هناك ثلاث قناطر في عهد معز الدولة، إحداهما عند باب الشماسية (قرب قصره) والثانية عند باب الطاق والثالثة عند سوق الثلاثاء، ونقلت الأولى إلى باب الطاق، وأصبح هناك قنطرتان، ثم ساءت حال إحداهما (انظر ابن الجوزي: المناقب ص ٢٠).
وعانت بغداد كثيرًا من شغب العامة، ومن الخلافات الطائفية التي شجعها بنو بويه، ومن العيارين. وتتحدث مصادرنا كثيرًا عن جهل العامة واستعدادهم لتلبية أي دعوة، وفطرتهم الخيّرة وعدم احترامهم للقانون (انظر المسعودى، جـ ٥، ص ٨١، ٨٢ - ٨٣، ٨٥ - ٨٧؛ الغزالى: فضائح، ص ٥٣؛ ابن الجوزي. المناقب، ص ٣١ - ٣٢؛ البغدادي: الفرق، ص ١٤١). وفي عام ٢٧٩ هـ (٨٩٢ م) حظر المعتضد على القصّاص والعرّافين أن يجلسوا في الطرقات أو في المساجد ومنع الناس من أن يتجمعوا حولهم أو أن يدخلوا معهم في جدل (ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٥، ص ١٢٢، ١٧١).
وكان الحنابلة مصدر القلاقل قبل عهد بنى بويه، فقد حاولوا في بعض الأوقات أن يهذبوا الأخلاق بالقوة (انظر ابن الأثير، جـ ٨، ص ٩٢٢ - ٢٣٠ - ٨٤ - ٨٥، ١٥٧ - ١٥٨؛ الصولى: الراضى، ص ١٩٨). وازدادت في هذه الفترة الاضطرابات الطائفية، وتسببت في كثير من الخسارة في الأموال والأرواح. وأعلن بنو بويه أن العاشر من المحرم يعد يوم حداد عام وأمروا بإغلاق الأسواق، وشجعوا العامة على السير في مواكب مع النساء وهم يلطمون وجوههم (انظر ابن الجوزي، جـ ٧، ص ١٥). ومن جهة أخرى جُعل الغدير في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عيدًا تقام فيه الاحتفالات. وأدى هذا إلى أن يختار أهل السنة يومين مختلفين، يقع كل منهما بعد ثمانية أيام من اليومين المذكورين، (انظر ابن الأثير، جـ ٩، ص ١١٠). وأصبح من الحوادث المألوفة في هذا العصر، نشوب معارك بين الشيعة وأهل السنة، ابتداء من عام ٣٣٨ هـ (٩٤٩ م) حين تعرضت الكرخ للسلب والنهب (ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٦، ص ٣٦٣).
стр. 1745
وفي عام ٣٤٨ هـ (٩٥٩ م) نشبت معارك بين الفريقين أدت إلى التخريب وإشعال النار في باب الطاق (المصدر المذكور، ص ٣٩٠). وفي عام ٣٦١ هـ (٩٧١ م) أدت القلاقل في الكرخ إلى إحراقها وهلاك ١٧.٠٠٠ من أهلها وتخريب ٣٠٠ حانوت، وكثير من المنازل بفعل النيران (ابن الأثير، جـ ٨، ص ٢٠٧؛ انظر ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٧، ص ٦٠) وأحرقت النار عام ٣٦٣ هـ ـ (٩٧٣ م) جانبًا كبيرًا من الكرخ (مسكويه، جـ ٢، ص ٣٢٧).
ونشبت الفتن في كثير من الأحياء وشبت فيها النار مرارًا عام ٣٨١ هـ (٩٩١ م؛ ابن الأثير، جـ ٩، ص ٣١). وفي عام ١٠١٦ م احترق حيًّا نهر طابق وباب القطن وجانب كبير من حي باب البصرة (ابن الأثير، جـ ٩، ص ١٠٢؛ انظر أيضًا جـ ٨، ص ١٨٤, جـ ٩، ص ٢٥ - ٢٦، ٣٢، ٥٨). ودمرت أسواق كثيرة عام ٤٢٢ هـ (١٠٣٠ م) إبان الفتن (ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٨، ص ٥٥). وألحق العيارون- الذين نشطوا للعمل بصفة خاصة طوال الربع الأخير من القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادي) حتى نهاية هذا العهد- بالمدينة دمارًا أكبر وأشاعوا فيها البلبلة والاضطراب (فيما يختص بفعالهم أثناء الحصارين اللذين ضربا حول بغداد، انظر الطبري جـ ٣، ص ٨٧٧، ١٠٠٨ - ١٠١٠، ١٥٥٢، ١٥٥٦ - ١٥٥٧؛ المسعودى، جـ ٦، ص ٤٥٠ وما بعدها). ويسئ المؤرخون فهم طبيعة فعالهم ويظهرونهم بمظهر اللصوص والسرّاق، بيد أن فتنتهم إنما كانت وليدة الأحوال المعاشية القاسية التي كانوا يعانون منها إلى جانب الفوضى السياسية، وكانت ثورتهم موجهة ضد الأغنياء والحكام، وهذا يفسر لنا لمَ كان نشاطهم موجهًا أولًا ضدَ الأغنياء والأسواق والشرطة والأعيان (انظر التنوخى: الفرج بعد الشدة، جـ ٢، ص ١٠٦، ١٠٧ - ١٠٨؛ ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٧، ص ١٧٤، ٢٢٠؛ ابن الأثير، جـ ٩، ص ١١٥). ولقد تمسكوا بمباديء أخلاقية لم يحيدوا عنها مثل الشرف وإغاثة الفقراء والنساء والتعاون والصبر والجلد. وارتبط نظام الفتوة من بعد بحركتهم إلى حد ما (انظر ابن الجوزي: تلبيس إبليس، ص
стр. 1746
٣٩٢؛ القُشيرى: الرسالة، ص ١١٣ - ١١٤؛ ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٨، ص ٧٧، التنوخى: الفرج بعد الشدة، جـ ٢، ص ١٨٠).
وكان لهم نظام في القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادي)، ومن الألقاب التي كانت تطلق على زعمائهم، المتقدم والقائد والأمير، وكانوا يقيمون حفلات خاصة عند دخول أحد في زمرتهم (انظر المنتظم، جـ ٨، ص ٤٩، ١٥١، ١٧٨؛ مسكويه، جـ ٢، ص ٣٠٦؛ القشيرى: المصدر المذكور، ص ١١٣؛ التنوخى: الفرج، جـ ٢، ص ١٠٩). وعلى كل حال فقد انقسموا إلى شيعة وسنية (ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٨، ص ٧٨ - ٧٩).
وحرص العيارون على أن يبقى الناس في فزع مستمر على حياتهم وأموالهم. وفرضوا مكوسًا على التجار في الأسواق وعلى المارة في الطرقات وسلبوا عابرى السبيل ودأبوا على اقتحام البيوت بالليل ونشروا يد التخريب بحد السيف والنار، وأحرقوا كثيرًا من الأحياء والأسواق وبخاصة باب الطاق وسوق يحيى (في شرقي بغداد) والكرخ، لأنها كانت وقفًا على الأثرياء. واضطر الناس إلى اغلاق بوابات حاراتهم، ولزم التجار جانب الحذر بالليل. وأدى الإخلال بالنظام والسلب والنهب إلى ارتفاع الأسعار (ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٧، ص ١٥١، ٢٢٠؛ جـ ٨، ص ٢١ - ٢٢، ٤٤، ٤٧ - ٥٠، ٥٤ - ٥٥، ٦٠، ٧٢ - ٧٥، ٧٩، ٨٧، ١٤٢، ١٦١). ودعا واعظ ربه عام ٤٢١ هـ (١٠٣٠ م) فقال: رباه! خلّص البلاد من الدهماء والرعاع. (ابن الجوزي: المنتظم جـ ٨، ص ٤٤). وكان البُرْخمى، وهو مقدم عيارين قبيح الصيت، يحكم بغداد في الواقع أربعة أعوام من سنة ٤٢٢ - ٢٢٥ هـ (١٠٣٠ - ١٠٣٣ م). وأعمل فيها يد السلب والنهب (المصدر السابق، ص ٧٥ - ٧٦). وكانت الحكومة حيالهم لا حول لها ولا طول (انظر ص ٤٩)، وتركوا وشأنهم، يفرضون الإتاوات والمكوس اتقاء شرهم (المصدر المذكور، ص ٧٨) وهجر خلق كثير أحياءهم ورحلوا عنها طلبًا للنجاة (المصدر المذكور، ص ١٤٢). وظل العيارون ينشرون الرعب
стр. 1747
والفزع حتى قيام السلاجقة (المصدر المذكور، ص ١٦١).
وفي عام ٤٤٧ هـ (١٠٥٥ م) دخل طُغْرِل بك بغداد. وانتهج السلاجقة السيَاسة تخالف على طول الخط السياسة التي سار عليها بنو بويه، وشجعوا أهل السنة (انظر كتاب أبي المحاسن، جـ ٥، ص ٥٩). واستولى البساسيرى، أحد العصاة، على بغداد عام ٤٥٠ هـ (١٠٥٨ م). باسم الفاطميين (انظر كتاب أبي الفداء، جـ ٢، ص ١٨٦؛ ابن القلانسى، ص ٨٧)، وهزمته قوات السلاجقة ولقى حتفه على يديها عام ٤٥١ هـ (١٠٥٩ م؛ أبو الفداء، جـ ٢، ص ١٨٧ - ١٨٨). واتخذت بغداد في هذا العهد، صورة لم تتغير بعد ذلك إلا قليلا.
ووسع طُغْرل بك عام ٤٤٨ هـ (١٠٥٦ م) رقعَة دار الإمارة، وهدم الكثير من المنازل والحوانيت، وأعاد بناء الدار وأحاطها بسور (ابن الجوزي، جـ ٨، ص ١٦٩). وأحرقت عام ٤٥٠ هـ (١٠٥٨ م) عن آخرها وأعيد بناؤها (ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٧، ص ٧٧٨) واصبحت تعرف باسم دار المملكة.
وأعيد بناؤها عام ٥٠٩ هـ (١١١٥ م) بيد أنها احترقت قضاء وقدرًا عام ٥١٥ هـ (١١٢١ م) وشيدت بدلا منها دار جديدة (ابن الجوزي: المناقب، ص ١٦: المنتظم، جـ ٩، ص ٢٢٣). ووسع ملكشاه مسجد المخرم القريب من القصر وأعاد بناءه عام ٤٨٤ هـ ١٠٩١ م) وأطلق عليه منذ ذاك اسم جامع السلطان؛ ورمم عام ٥٠٢ هـ (١١٠٨ م؛ ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٩، ص ١٥٩). وتم بناؤه آخر الأمر عام ٥٢٤ هـ (١١٢٩ م؛ أبوالفداء، جـ ٢، ص ٢١١، ابن الجوزي المناقب، ص ٢٣؛ أبو المحاسن، جـ ٥، ص ١٣٥).
وتركزت الحياة في شرقي بغداد حول قصور الخليفة. وشجع المقتدى (٤٦٧ - ٤٨٧ هـ = ١٠٧٤ - ١٠٩٤ م) البناء؛ وازدهرت الأحياء الواقعة حول القصور- مثل البَصليَّة والقطيعة والحلبة والأجمة إلخ. كما شيد أيضًا دار الشاطئية بجوار قصر التاج القديم (ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٨، ص ٢٩٣؛ ابن الأثير، جـ ١٠، ص ١٥٦؛ انظر le Strange، ص ٢٥٣؛ ابن الفوطى، ص
стр. 1748
٢١). وهدم قصر التاج عام ٥٢٤ هـ (١١٢٩ م) وأعيد بناؤه (ابن الجوزي: المنتظم، جـ ١٠، ص ١٤). وكانت هذه الأحياء غير مسورة وتعرضت كثيرًا للفيضان عام ١٠٧٠ م. وبنى المستظهر عام ٤٨٨ هـ (١٠٩٥ م) سورًا حول ما يسمى بحى الحريم. ثم أعاد المسترشد عام ٥١٧ هـ (١١٢٣ م) بناءه، وأقام به أربعة أبواب وجعل عرضه ٢٢ ذراعًا. وأحاط الفيضان بالسور عام ٥٥٤ هـ (١١٥٩ م) وأحدث فيه صدعًا ودمر كثيرًا من الأحياء. ورئب الصدع وشرع في حفر سد، أكمل فيما بعد حول السور (انظر ابن الجوزي: المناقب، ص ٣٤؛ الكاتب نفسه: المنتظم، جـ ١٠، ص ١٨٩، ١٩٠). وحد ثت محاولات أخرى لإعادة بناء السور أو ترميمه في عهدى الناصر والمستنصر (ابن الفوطى، ص ١٦, ١١١). وحدد هذا السور تخوم شرقي بغداد حتى نهاية العصر العثمانى.
وكانت بغداد في حالة ضعف وانحلال أثناء هذا العصر، وعاشت على مجدها الماضي. وطرأت تغيرات كثيرة على تخطيطها اعتبارً من النصف الثاني للقرن الخامس الهجرى (الحادي عشر الميلادي) فقد تخربت أحياء كثيرة في غربي بغداد، وأصبحت البساتين والبيوت السابقة خرابًا بلقعا (انظر الخطيب البغدادي، ص ٦٧؛ التنوخى: نشوار المحاضرة، جـ ١ ص ٧٤ - ٧٥).
ولعل هذا يفسر لنا الزيادة في عدد المساجد الجامعة. وأهملت الأحياء القديمة: الشماسية والرصافة والمخرم (انظر ابن حوقل، ص ٢٤١).
ويتحدث بنيامين التطيلى Benjamin of Tudela، الذي زار بغداد حوالي عام ٥٦٧ هـ (١١٧١ م) عن عظمة قصر الخليفة، بسوره وبساتينه وحير وحوشه وبركته. ويمتدح البيمارستان العضدى وأطباءه الستين ومصحته الخاصة بالمجانين. ووجد ٤٠.٠٠٠ يهودى في بغداد، لهم عشر مدارس (رحلة بنيامين Itinerary, طبعة وترجمة Asher .A، نيويورك، سنة ١٨٤٠ - ١٨٤٢ جـ ١، المتن ص ٥٤ - ٦٤؛ الترجمة ص ٩٣ - ١٠٥؛ الترجمة العربية بقلم أ. حداد. E.H. Haddad، بغداد سنة ١٩٤٥، ص ١٣١ - ١٣٨). ووصف ابن جبير بغداد عام ٥٨١ هـ
стр. 1749
(١١٨٥ م)، ولاحظ ما هي عليه من انحلال شامل وانتقد صلف أهلها (ص ٢١٨). وكان جزء كبير من الجانب الشرقي قد أضحى خرابا، ومع ذلك فقد كان فيه سبعة عشر حيا منفصلًا، كلها تضم حمامين أو ثلاثة أو ثمانية (ص ٢٢٥). وكان مقر الخليفة بما فيه من قصور فخمة وبساتين رائعة يشغل نحو ربع المساحة تقريبًا أو أكثر (ص ٢٢٦ - ٢٢٧). وكان هذا الجانب آهلا بالسكان وفيه أسواق عامرة (ص ٢٢٨). وكان القُرَيَّة أكبر الأحياء (من المحتمل جدًّا أنه كان بين قنطرة الأحراس الحديثة ورأس القرية) وعلى مقربة منه ربض المربعة (ولعله كان بالقرب من سيدى سلطان على الآن). وكان به ثلاثة مساجد جامعة هي جامع السلطان شمالي السور، ومسجد الرصافة على مسيرة ميل شمالي الأخير (ص ٢٢٨ - ٢٢٩) وجامع الخليفة. وكان به أيضًا حوالي ثلاثين مدرسة كلها تشغل مبانى رائعة، وحبست عليها أوقاف كثيرة وقدمت لها هبات للإنفاق منها على صيانتها ولمواجهة نفقات الطلاب. واشهرها مدرسة النظامية التي أعيد بناؤها عام ١١١٠ م (ص ٢٢٩).
ويصف بنيامين السور الذي بناه المسترشد، والذي كان يحيط بالشرقية، بأن له أربعة أبواب:
١ - باب السلطان جهة الشمال (سمى فيما بعد باب المعظم).
٢ - باب الظفرية (في الشمال الشرقي وسمى فيما بعد الباب الوسطانى.
٣ - باب الحلبة (في الشرق) وأصبح اسمه فيما بعد باب الطلسم.
٤ - باب البصيلة (في الجنوب) وعرف فيما بعد باسم الباب الشرقي. وأحاط السور بالشرقية على هيئة نصف دائرة يصل إلى نهر دجلة من الطرفين (ص ٢٢٩). ويتحدث عن حي ابى حنيفة الآهل بالسكان، بينما كانت الأحياء القديمة: الرصافة والشماسية والمعظم والمخرم خرابا بلقعا (انظر ص ٢٢٦؛ ابن حوقل، ص ٢٤١). وانتشر الخراب في غربي بغداد بكل مكان. ويتحدث بنيامين هنا عن حي الكرخ على اعتبار أنه مدينة مسورة وعن حي باب البصرة الذي كان يضم مسجد المنصور
стр. 1750
الجامع وما بقى من المدينة القديمة (ص ٢٢٥). وكان بجانب نهر دجلة حي الشارع الذي كان يؤلف هو والكرخ وباب البصرة والقرية أكبر أحياء بغداد (ص ٢٢٥). وبين حي الشارع وحى باب البصرة، حي سوق المارستان، وهو أشبه بمدينة صغيرة، وفيه البيمارستان العضدى المشهور، المزود بما يكفى من الأطباء والموظفين والمؤن (ص ٢٢٥ - ٢٢٦). ونوه بين الأحياء الأخرى بحى الحربية، بأعتباره في أقصى الشمال، وحى العتابية، المشهور بقماش العتابى، وهو نسيج من القطن والحرير (ص ٢٢٦). ويتحدث ابن جبير (ص ٢٢٩) عن ٢٠٠٠ حمام وأحد عشر مسجدًا جامعًا في بغداد.
وكانت هناك قنطرة واحدة قرب قناة عيسى، في عهد المسترشد (٥١٢ - ٥٢٩ هـ = ١١١٨ - ١١٣٤ م) ونقلت فيما بعد إلى باب القرية، وأقيمت قنطرة جديدة في باب القرية أيام المستضئ (٥٦٦ - ٥٧٥ هـ = ١١٧٠ - ١١٧٩ م)، وأعيدت القنطرة القديمة إلى موضعها قرب قناة عيسى. ولم يشهد ابن جبير إلا القنطرة الأولى، ولكنه يؤكد أنه كانت هناك عادة قنطرتان ويؤكد هذه الحقيقة ابن الجوزي، الذي كتب مصنفه قبل سقوط بغداد مباشرة (ابن الجوزي: المناقب، ص ٢٠، ابن جبير، ص ٢٢٥).
ويسوق ياقوت) (٦٢٣ هـ = ١٢٢٦ م) بعد ذلك بنصف قرن، بعض المعلومات المفيدة. فهو يصور غربي بغداد على أنه مجموعة من الأحياء المنعزلة، لكل منها سور وتفصله عن غيره أرض خراب بلقع. والأحياء المعروفة هي الحربية والحريم، والطاهرى في الشمال، وجهارسوج مع الناصرية والعتابين ودار القز في الجنوب الغربي، والمحول جهة الغرب، وقصر عيسى جهة الشرق، والقرية والكرخ في الجنوب. أما في شرقي بغداد فقد تركزت الحياة في الأحياء الواقعة حول "حريم دار الخليفة" الذي كان يشغل حوالي ثلث المساحة المحصورة بين الأسوار. وكان بين الأحياء الكبيرة المزدهرة حي باب الأزج باسواقه، والمأمونية التي تليه، وسوق الثلاثاء، ونهر المعلى والقُرية (ياقوت، جـ ١، ص ٢٣٢، ٤٤١، ٤٤٤، ٥٣٤، ٦٥٥؛ جـ ١، ص ٨٨،
стр. 1751
١٦٧، ٢٣٤، ٤٥٩، ٥١٢، ٧٨٣؛ ٩١٧؛ جـ ٣، ص ١٩٣ - ١٩٤، ١٩٧، ٢٣١، ٢٧٩، ٢٩١، ٤٨٩؛ جـ ٤، ص ١١٧، ٢٥٢، ٢٥٥، ٢٨٥، ٤٣٢، ٤٥٧، ٧١٣، ٧١٤، ٧٨٦، ٤٨١، ٤٨٥).
وازدادت المساجد الجامعة في الغربية (غربي بغداد) في هذا العصر، مما يدل على أن الأحياء كانت أشبه بالأحياء المستقلة. ويتحدث ابن الجوزي عن ستة منها عامي ٥٣٠ هـ (١١٣٥ م) و ٥٧٢ هـ (١١٧٦ م) علاوة على جامع المنصور (ابن الجوزي: المناقب، ص ٢٣؛ وانظر أيضًا ابن الفوطى). ورمم المستنصر مساجد الكرخ (ابن الفوطى، ص ١٥). وجدد جامع القصر عام ٤٧٥ هـ (١٠٨٢ م)، وجدده المستنصر مرة أخرى عام ٦٧٣ هـ (١٢٣٥ م؛ ابن الجوزي: المنتظم. جـ ٩، ص ٣؛ Le Strange، ص ٢٦٩). وشيد جامع القمرية (لا يزال قائمًا) عام ٦٢٦ هـ (١٢٢٨ م؛ ابن الفوطى، ص ٤).
ويتضح سلطان الصوفية من العدد الكبير من الرباطات التي شيدت في القرن الأخير من عهد الخلافة. وقد بناها الخلفاء أو أقاربهم (انظر ابن الفوطى، ص ٢، ٧٤، ٧٥، ٧٩، ٨٠، ٨٧، ١١٧ و ٢٦١؛ ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٩، ص ١١؛ ابن الأثير، جـ ١١، ص ٧٧، ١٢٣، جـ ١٢، ص ٢٧ و ٦٧ - ٦٨).
وحظى تأسيس المدارس (الكليات) بالكثير من العناية. ويمكن تفسير هذه الحركة باديء ذي بدء بالنهضة الدينية التي قامت بين الشافعية وبالحاجات السياسية والإدارية، بيد أنها استمرت حركة ثقافية. وشيد ابن جبير ثلاثين مدرسة في شرقي بغداد (ابن جبير، ص ٢٢٩؛ انظر أيضًا م. جواد، في مجلة كلية المعلمين العليا، بغداد، المجلد الخامس ص ١١٠ وما بعدها، والمجلد السادس ص ٨٦ وما بعدها). وأنشئت مدارس أخرى بعد زيارة ابن جبير (انظر ابن الفوطى، ص ٢٤ - ٢٥، ٥٣، ١٢٨، ٣٠٨؛ ابن الأثير، جـ ١١، ص ٢١١). وأشهرها مدرسة النظامية التي أنشئت عام ٤٥٩ هـ (١٠٦٦ م) ومدرسة أبي حنيفة التي أنشئت في العام نفسه (ابن الجوزي: المنتظم،
стр. 1752
جـ ٨، ولا تزال موجودة باسم كلية الشريعة)، والمستنصرية التي أنشأها المستنصر عام ٦٣١ هـ (١٢٣٣ م) وظلت قائمة حتى القرن السابع عشر. وتخصصت كل هذه المدارس في مذهب من المذاهب الأربعة ما عدا مدرستى المستنصرية والبشيرية (أنشئت عام ٦٥٣ هـ = ١٢٥٥ م) فقد كانتا تعنيان بتدريس فقه المذاهب الأربعة (انظر ابن الفوطى، ص ٣٠٨، ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٨، ص ٢٤٥ - ٢٤٦، ٢٤٦ - ٢٤٧؛ ابن الأثير، جـ ١٠، ص ٣٨؛ ابن الفوطى، ص ٥٣ - ٥٤، ٥٨ - ٥٩؛ انظر عواد في Sumer، جـ ١، سنة ١٩٤٥). وكان هناك مكتب للأيتام، أنشأه شمس الملوك (ابن نظام الملك؛ الإصفهانى: السلاجقة، ص ١٢٤ - ١٢٥). وشيدت دور ضيافة عام ٦٠٦ هـ (١٢٠٩ م) في جميع أحياء بغداد لتقديم الطعام للفقراء في رمضان (ابن الأثير، جـ ١٢، ص ٢٨٦؛ إشارات أخرى في المصدر نفسه، ص ١٨٤؛ ابن الفوطى، ص ٩٤).
وعانت بغداد أثناء هذه الفترة من الحريق والفيضان والفتنة. ففي عام ٤٤٩ هـ (١٠٥٧ م) أحرق حيا الكرخ وباب المحول ومعظم أسواق الكرخ عن آخرها. وفي عام ٤٥١ هـ (١٠٥٩ م) أحرق حي الكرخ وبغداد القديمة (ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٨، ص ٨١؛ ابن الأثير، جـ ١٠، ص ٥). وأحرقت الأحياء والأسواق القريبة من قناة المُعلَّى ودار الخلافة أكثر من مرة (ابن الأثير، جـ ١٠، ص ٣٥، ٦٧، ٣١٨؛ ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٨، ص ٢٤١؛ جـ ٩، ص ٦١، ١٤٨، ١٨٤؛ جـ ١٠، ص ٣٥). وانتشر الحريق عام ٥٥١ هـ (١١٥٦ م) من أحياء مجاورة إلى دار الخلافة والأسواق المجاورة له (ابن الأثير، جـ ١١، ص ١٤٣) , وشبت حرائق أخرى في تلك الأحياء عام ٥٦٠ هـ (١١٦٤ م) وعام ٥٦٩ هـ (١١٧٣ م) وعام ٥٨٣ هـ (١١٨٧ م؛ ابن الأثير، جـ ١١، ص ٢٧٠، ٣٧٢؛ المنتظم، جـ ١٠ ص ٢١٢).
وكان نشاط العيّارين كبيرًا إلى حد ما أيام السلاجقة. فقد أخذوا ينهبون الحوانيت والبيوت ويعبثون بالأمن (بالنسبة للفترة بين عامي ٤٤٩ هـ =
стр. 1753
١٠٥٧ م و ٥٣٧ هـ = ١١٤٢ م، انظر ابن الجوزي: المنتظم، جـ ٨، ص ١٣٩. ٢٣٤: ابن الأثير، جـ ١٠، ص ٢٠٤ و ٣٨٣؛ جـ ١١، ص ٢٩، ٣٦، ٥٩، ٦٣). ولم تنقطع فتن العامة ومعاركهم الطائفية (الحنابلة ضد الشافعية، وأهل السنة ضد الشيعة) وكانت سببًا في إزهاق الكثير من الأرواح وخراب الممتلكات. ويتحدث ابن الأثير عن صلح مؤقت عام ٥٠٢ هـ (١١٠٨ م) ويضيف قائلًا: "الشر منهم أي العامة) على طول الزمان". (جـ ١٠، ص ٣٢٩ انظر أيضًا جـ ١٠، ص ٨٠، ٢٥٩، ١٠٤، ١٠٨، ١٠٩، ١١٢، ١١٧، ١١٨). ولم تدم هذه الهدنة طويلًا، واستمرت المنازعات والمعارك وأصبحت مروعة في عهد المستعصم (ابن الأثير، جـ ١٠، ص ٣٦٠، جـ ١١، ص ٢٧١، ٣٤٤، جـ ١٢ ص ١٣٣، ٢١٦). وفي عام ٦٤٠ هـ (١٢٤٢ م) نشبت معارك بين حي المأمونية وحى باب الأزج الذي يضم سوق النظامية، وبين حي المحتارة وحى سوق السلطان، وبين حي قَطُفْتا وحى القُرَيَّة (في غربي بغداد)؛ وقتل كثيرون ونهبت حوانيت (ابن الفوطى، ص ١٧٥ - ١٧٧؛ انظر ابن أبي الحديد، جـ ٢، ص ٥٥٤). وما إن حل عام ٦٥٣ هـ (١٢٥٥ م) حتى كانت الأمور قد ساءت إلى حد كبير ونشبت معارك بين حي الرصافة (وسكانه من أهل السنة) وحى الخضيريين (وسكانه من الشيعة) وسرعان ما أيد أهالى حي باب البصرة حي الرصافة بينما أيد حي الكرخ الآخرين (ابن الفوطى، ص ٢٩٨ - ٢٩٩) وتدل هذه المعارك على نزعة التنافس بين الأحياء التي ازدادت بسبب ضعف هيمنة الحكومة. ولما تجددت المعارك بين حي الكرخ وباب البصرة قام الجند الذين أرشلوا لقمعها بنهب الكرخ فازداد الموقف سوءًا (المصدر المذكو ر، ص ٢٦٧ - ٢٧٧). وبلغت المعارك ذروتها عام ٦٥٤ هـ (١٢٥٦ م) عندما قتل أهالى الكرخ بعض خصومهم، وانضم الجند، الذين أرسلوا لحفظ النظام، إلى جماهير العامة ونهبوا الكرخ وأحرقوا بها عدة حوانيت وقللوا خلقا كثيرًا وسبوا النساء. وأعقب هذا الأخذُ بالثأر، ولكن أحدًا لم ينس المأساة (المصدر نفسه، ص ٣١٤ - ٣١٥). ونشط العيّارون
стр. 1754
نشاطًا كبيرًا في هذا العهد فنهبوا الحوانيت وسطوا على البيوت بالليل، بل إن مدرسة المستنصرية سرقت مرتين (ابن الفوطى، ص ٣٧٨، ٢٥٤، ٢٦٠، ٢٦٢).
وكانت الحكومة أضعف من أن تستطيع حفظ النظام. وتكرر حدوث الفيضان مما يدل على ضعف الحكومة وإهمال الري. وفي عام ٦٤١ هـ (١٢٤٣ م) وصلت مياه الفيضان إلى النظامية والأراضى المجاورة لها وخربت بعض الأحياء. وأحدق الفيضان بشرقى بغداد عام ٦٤٦ هـ (١٢٤٨ م) وهدمت مياهه جزءًا من السور ونفذت إلى أجنحة الحريم. وغمرت مياه الفيضان أيضًا الرصافة وسقط الكثير من بيوتها. وأغرق غربي بغداد وسقطت معظم المنازل اللهم إلا في جانب من باب البصرة والكرخ. وانهارت البيوت الواقعة على النهر ودخلت مياه الفيضان إلى بغداد عام ٦٥١ هـ (١٢٥٣ م) ثم دخلت مرة أخرى عام ٦٥٣ هـ (١٢٥٥ م) وهنالك انهار عدد كبير من المنازل وأتلف الزرع. وحدث أسوء فيضان عام ٦٥٤ هـ (١٢٥٦ م) عندما أحدقت مياه الفيضان بكلا الجانبين ووصلت إلى داخل الأسواق في شرقي بغداد ودار الخلافة والنظامية (ابن الفوطى ص ١٨٦ - ١٨٧، ٢٦٧، ٢٢٩، ٢٣٣، ٢٧٧، ٣٠٤، ٣١٧، ٣١٩). وهكذا تحالفت الطبيعة والإنسان على اضمحلال بغداد.
وغزا المغول بغداد بعد عامين. واستسلم الخليفة المستعصم يوم ٤ صفر عام ٦٥٦ هـ (١٠ فبراير عام ١٢٥٨ م) بلا قيد ولا شرط. وظل السيف يعمل في رقاب أهلها بلا تمييز ما يربو على أسبوع. وشاركتهم في هذا المصير المحزن أعداد كبيرة من أهالى الريف الذين تقاطروا إلى بغداد قبل الحصار. ويتراوح عدد من قتلوا بين ٨٠٠.٠٠٠ ومليونى نسمة، وأخذ عدد القتلى يرتفع بمضى الزمن (الفخرى، ص ١٣٠؛ ابن الفوطى، ص ٢٨١؛ الذهبي: دول الإسلام، جـ ٢، ص ١٢١؛ ابن كثير: البداية والنهاية، جـ ١٣، ص ٢٠٢). ويقول الرحالة الصينى تشأنغ ته سنة (١٢٥٩ م) إن
стр. 1755
عشرات الألوف من الناس قتلوا، ومن الواضح أنه استقى معلوماته من مصادر مغولية (Medie-: Bretschneidez val Researches، جـ ١، ص ١٣٨ - ١٣٩). ومن ثم يصعب تحديد أي رقم، ولكن الراجح أن عدد القتلى يتجاوز مائة ألف. وتخربت أحياء كثيرة بسبب الحصار أو السلب والنهب أو الحريق، ولم حرق مسجد الخلفاء وضريح الكاظميين (ابن الفوطى، ص ٣٢٧ - ٣٣٠؛ ابن العبرى، ص ٢٧). ومهما يكن من شيء فإن بغداد نجت من الدمار التام، ولعل الفتوى التي أكره العلماء على إصدارها بان كافرا عادلا خير من إمام ظالم قد ساعدت على النجاة من هذا الدمار التام. وقد أمر هولاكو قبل أن يغادر بغداد بإصلاح بعض المبانى العامة. فأعاد ناظر الوقف بناء جامع الخلفاء وعنى بإعادة فتح المدارس والرباطات (ابن العبرى ص ٤٧٥؛ ابن الفوطى، ص ٣٣٧). وعانت الثقافة كثيرًا ولكنها لم تقتلع من جذورها. وأصبحت بغداد حاضرة ولاية من جميع الوجوه.
وظلت بغداد حتى عام ٧٤٠ هـ (١٣٣٩ - ١٣٤٠ م) خاضعة لحكم الأيلخانية، يدير أمورها وال ومعه شحنة وحامية عسكرية (انظر ابن الفوطى، ص ٣٣١). وأحصى المغول سكان بغداد بالعشرات والمئات والآلاف لفرض الضرائب عليهم. وفرض على الجميع أداء ضريبة رءوس ما عدا المسنين والأطفال، وظلت هذه الضريبة تجبى نحو عامين (ابن الفوطى، ص ٣٣٩؛ انظر الجويني [ترجمة بويل Boyle]، جـ ١، ص ٣٤). وبدأت بغداد تنتعش شيئًا فشيئًا بعد أن عهد بإدارتها في الغالب للفرس؛ ويرجع الكثير من هذا الانتعاش إلى السياسة التي اتبعها عطاء ملك الجويني، وقد ظل واليا عليها فترة تقرب من ٢٣ عامًا (٦٥٧ هـ = ١٢٥٨ م -٦٨١ هـ = ١٢٨٢ م). وفي عهده أعيد بناء مئذنة جامع الخلفاء وسوق النظامية، ورممت مدرسة المستنصرية وأضيف إلى ذلك نظام مائى جديد (ابن الفوطى، ص ٣٧١). ورمم مسجد الشيخ معروف والقمرية (المصدر