← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

(٤) Histoire des Mon-: C. D'Ohsson gols لاهاى وأمستردام، سنة ١٨٣٥، جـ ٤، ص ٦٦٧ وما بعدها، ٧١٤، ٧٢٠. (٥) History of the Mongols: H. Howarth، لندن سنة ١٨٧٦ - ١٨٨٨، جـ ٣، ص ٦٠٥ وما بعدها، ٦٢٢ وما بعدها. (٦) عباس العزاوى: تاريخ العراق، بغداد سنة ١٩٣٥، ص ٤٩٣ - ٤٩٦، والفهرس. (٧) Die Mongolen in Iran: B. spuler . الطبعة الثانية، برلين سنة ١٩٥٥، الفهرس خورشيد [سافورى R. M. savory] البغوي أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفَرّاء: مؤلف عربي وفقيه شافعى وحجة في الحديث ومن أصحاب التفاسير، ولقب أيضًا بمحيى السنة وركن الدين. ولد في بغَ أو بَغْشوُر من أعمال خراسان (ياقوت، جـ ١، ص ٦٩٥). ودرس في مَرْو الروذ على القاضي أبي على الحسين بن محمد بن أحمد المروذى، ولم يغادر هذه المدينة التي اتخذ منها وطنًا ثانيًا له، وتوفى بها بعد أن نيف على الثمانين في شوال عام ٥١٦ هـ (ديسمبر ١١٢٢ م) وتقول روايات أخرى إن وفاته كانت في شوال عام ٥١٠ هـ (فبراير ١١١٧ م). وللبغوى مجموعة من الفتاوى لم تصل إلينا ضمنها فتاوى شيخه: وقد كتب أيضًا موجزًا في الفقه سماه "التهذيب في الفروع" (انظر فهرست دار الكتب المصرية، جـ ٣، ٢١٢)، . وطبع تفسيره المسمى "معالم التنزيل" على الحجر ببلاد فارس في أربعة مجلدات، ولم يذكر مكان الطبع أو تاريخه. وطبع أيضًا في بومباى في مجلدين عام ١٣٠٩ هـ (١٨٩١ م) كان نصيبه الرواج والانتشار. وجمع البغوي الأحاديث النبوية كلها في كتابه "شرح السنة" (Ahlwardt: .Verzeichms der arab. Hss. der Kgl Bibliothek zu Berlin، رقم ١٢٩٥ - ١٩٢٦). وترجع شهرته في العالم الإسلامي إلى مصنفه في الحديث المعروف "مصابيح السنة" وقد جمعه من كتب السنة السبعة الصحيحة، وبوبه على أبواب، وقسم الأحاديث في

стр. 1787

كل باب إلى ثلاث طبقات: صحيحة أخذها من البخاري ومسلم، وحسنة أخذها من السنن، وغريبة وضعيفة (١)، وطبع هذا المصنف بالقاهرة عام ١٢٩٤ هـ (١٨٧٧ م) في مجلدين، ثم طبع عام ١٣١٨ هـ (١٩٠٠ م) وجاء محمد بن عبد الله الخطيب التبريزى فرتب هذا المصنف ترتيبًا جديدًا وأتمه عام ٧٣٧ هـ (١٣٣٦ م) وسماه "مشكاة المصابيح". وهو الآن كثير الذيوع لشموله وسهولة ترتيبه. إذ أنه يمد المسلم القليل الحظ من العلم بمجاميع الحديث القديمة متحاشيًا الإسناد الكثير المتعب مع توخى الإرشاد وتجنب التعالم (Muhammed.Studien: J.Goldziher جـ ٢، ص ٢٧٠، ٢٧١) وطبع هذا الكتاب عدة مرات في دلهى وبومباى وكلكتة وكاسان، وطبع على الحجر بسانت بطرسبرغ عام ١٨٨٩ - ١٨٩٩ م في مجلدين، ونقله إلى الإنكليزية A.N. Matthews، كلكتة عام ١٨٠٩ م. وألف التبريزى "كتاب أسماء المشكاة" وهو تراجم للرجال المذكورين في "المشكاة" وأتمه في ٢٠ رجب سنة ٧٤٠ هـ (٢٢ يناير عام ١٣٤٠ م)؛ انظر Nicholson في مجلة الجمعية الأسيوية الملكية، سنة ١٨٨٩ م. ص ٩١٠). ونذكر من بين شروح هذا الكتاب شرح ابن حجر الهيتمى المتوفى عام ٩٧٤ هـ (١٥٦٦ م) الذي طبع بالقاهرة عام ١٣٠٩ هـ (١٨٩١ م) في خمسة مجلدات (٢). وشرحه بالفارسية عبد الحق الدهلوى المتوفى عام ١٠٥٢ هـ (١٦٤٢ م) وطبع هذا الشرح في كلكتة وشنسورة عام ١٢٥١ - ١٢٥٩ هـ (١٨٣٥ - ١٨٤٣ م). المصادر: (١) ابن خلكان، بولاق سنة ١٢٩٩ هـ" رقم ١٧٧، طبعة فستنفلد ١٨٤. (٢) السبكي: طبقات الشافعية، طبعة القاهرة عام ١٣٢٤ جـ ٤، ص ٢١٤ - ٢١٧. (٣) السيوطي: طبقات المفسرين، طبعة Meursinge، ص ١٢ رقم ٣٤. (٥) Gesch.edr arab.: Brockelmann Lit جـ ١، ص ٣٦٣. [بروكلمان C. Brockelmann]

стр. 1788

تعليق على مادة "البغوي " (١) ليس هذا النقل مطابقًا بالدقة لصنيع البغوي في المصابيع، لأنه قسم أحاديث الكتاب في كل باب إلى قسمين فقط: صحاح وحسان، ثم قال في الحسان: "وأكثرها صحاح بنقل العدل عن العدل، غير أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين في علو الدرجة" من صحة الإسناد إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن. وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه". فيفهم من هذا أنه لم يجعل قسمًا خاصًّا للغريب والضعيف، بل هو داخل قسم (الحسان) عنده، وأن الغرابة والضعف ليسا إلى الدرجة التي تمنع الأخذ بما ذكره في الحسان. ثم هذا التقسيم للبغوى اصطلاح خاص به، ليس موافقًا لمصطلح أهل الحديث، بل هو اصطلاح غير صواب، لأنه يخلط الأمر على القاريء، فإن كثير من كتب السنن الثلاث التي أخذ منها الحسان- وهي أبو داود والترمذي والنسائي- أحاديث صحيحة جدًّا، لا تقل في الصحة عن درجة ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وقد انتقد كثير من المتقدمين صنيع البغوي هذا وآبانوا عن خطئه، وإن كان اصطلاحًا خاصًّا به. (٢) هذا غلط من الأستاذ المستشرق بروكلمان" ويظهر أنه سها عن النقل، إذ أن شرح ابن حجر الهيتمى على مشكاة المصابيح مجلد واحد فقط، واسمه (فتح الإله في شرح المشكاة)، وهو مخطوط بدار الكتب المصرية (رقم ٣٥٤ حديث) ولم يطبع قط فيما نعلم، لا في مصر ولا في غيرها. أما المطبوع في مصر سنة ١٣٠٩ في خمسة مجلدات فهو (مرقاة المفاتيح لمشكاة المصابيح) تأليف العلامة ملا على ابن سلطان محمد الهروى القارى المتوفى بمكة في شوال سنة ١٠١٤ هـ (فبراير سنة ١٦٠٦ م) وهو شرح نفيس معروف، وقد أدرك العلامة بروكلمان غلطه هذا فأصلحه في الملحق الأخير لكتابه في تاريخ آداب العرب الصادر في العام الماضي، وقد أطلعنى عليه بعض الإخوان العارفين باللغة الألمانية. أحمد محمد شاكر.

стр. 1789

بقي بن مخلد أبو عبد الرحمن: محدث ومفسر مشهور من قرطبة، ولعله من أصل مسيحى، ولد سنة ٢٠١ هـ (٨١٧ م) وتوفي سنة ٢٧٦ هـ (٨٨٩ م). وقد زار بقى- مثل الكثيرين من مسلمي الأندلس - أهم حواضر المشرق حيث أم مجالس أكبر فقهاء المذاهب وخاصة ابن حنبل. ولما عاد بقى إلي قرطبة أظهر من استقلال الرأي في مسائل العقائد (عده البعض شافعيًّا وقيل إنه هو الذي أدخل مبادئ المذهب الظاهرى في الأندلس) والمعارضة للتقليد حتى إنه لم يلبث أن وجد فقهاء المالكية ينظرون إليه في عداء، بل هو قد أوشك أن يحكم عليه بالموت بتهمة الزندقة، وإنما يدين بنجاته إلي تدخل الأمير محمد الأول (٢٣٨ - ٢٧٣ هـ = ٨٥٢ - ٨٨٦ م الذي أباح له أن يلقى في حرية تعاليمه المنتقاة من المذاهب المختلفة. وأهم كتبه، وكلها مفقودة، تفسير للقرآن الكريم عده ابن حزم أعلى مرتبة من تفسير الطبري، و "مسند" صنف فيه الأحاديث بحسب موضوعاتها تحت أسماء الصحابة الذين رووها ورتب هذه الأسماء بحسب الترتيب الهجائى. وبقيّ الذي كتب ترجمته الأمير عبد الله الزاهد- قد اشتهر في آخر حياته بالتقوى التي تكاد تبلغ مبلغ الولاية، ويعده ابن حزم في ميدان الحديث، نظيرًا للبخارى وغيره من أعلام المحدثين. المصادر: (١) ابن بشكوال: ، رقم ٢٧٧ (٢) الضبى، رقم ٥٨٤ (٣) ابن الفرضى رقم ٢٨١ (٤) ابن عساكر تاريخ دمشق، جـ ٣، ص ٢٧٧ - ٢٨٢ (٥) ابن حزم: الرسالة (الترجمة الفرنسية بقلم Pellat في Al-Andalus، سنة ١٩٥٤، الفصلان ١٧، ٣٥ (٦) ابن عذارى: البيان، جـ ٢، ص ١١٢ وما بعدها (٧) النبهى: مرتبة، في مواضع مختلفة (٨) الخشنى: القضاة، الفهرس

стр. 1790

(٩) المقرّى: Analectes، الفهرس (١٠) Studien Muh: I. Coldziher جـ ٢ ص، ٢٦٠ (١١) الكاتب نفسه: Zahinten ص ١١٥ (١٢) M-Asin palacios: Abenmasarra y su escuela ص ٢٩، تعليق ٤١٢ (١٣) Hist.: E.Levi-Provencal .Esp Mus, الفهرس. (١٤) Brockelmann القسم ١، ص ٢٧١، والإشارات الواردة في. H d'ibn: Laousti profssion de fai La Batta، دمشق سنة ١٩٥٨، ٢٠، التعليق. خورشيد [بلا Ch. pellat] البكري أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن محمد، ويبدو أن هذا هو الصيغة التي تحظى بأكبر قدر من القبول لاسم المؤلف المزعوم أو الراوي الأخير للقصص التاريخية التي تتناول السنوات الأولى للإسلام والذي ينسب إليه أيضًا فضل تأليف مولد وسيرة قصصية لحياة محمد [ ﷺ ]. وترد أقدم سيرة خُصَ بها في كتاب للذهبي يسمى الميزان (طبعة القاهرة سنة ١٣٢٥، جـ ١، ص ٥٣). ويتحدث الذهبي ساخطًا عن البكرى ويصفه بأنه كاذب وملفق لقصص غير حقيقية تضمها كتب ميسورة عند الوراقين (والمظنون أنها للقى رواجًا كبيرًا). وإذا نظرنا بعين الاعتبار إلى المزيد من الحقائق التي تقول إن مخطوطًا لأحد مصنفاته (Vatican Borg رقم ١٢٥) يرجع إلى عام ٦٩٤ هـ (١٢٩٥ م) وأن الكتاب الذين أدركوا أواخر القرن الثالث عشر الميلادي استشهد بهم في سيرة النبي (Verzeichniss der Arab.: Ahlwardt Hss . Zu Berlin , رقم ٩٦٢٤) فإن، البكرى يكون قد عاش فيما يبدو في النصف الأخير من القرن الثالث عشر. وإذا كان هذا الاستنتاج يجب أن يظل حاليًا موضوعًا للتأمل العميق فإنه لا يوجد دليل مقنع يدعو إلى الشك في الصفة التاريخية لشخصية البكرى التي

стр. 1791

لا تستقر على قرار. وإذا كان لقب "الواعظ البصري" الذي كان يلقب به بين حين وآخر، يمكن الوثوق به فإنه كان يحيا حياة ناشطة في العراق. وليس من المحقق بحال أن جميع المصنفات المنسوبة إلى البكرى ترد إلى كاتب واحد بعينه. مثال ذلك أن سيرة النبي [ ﷺ ] تستشهد بأسماء حقيقية وكتّاب حقيقيين، بينما المصنفات الأخرى غامضة ومضطربة في إشاراتها إلى المصادر، وهي تؤثر الأسماء المختلفة في الحالات النادرة التي تذكر فيها أسماء الرواة، وفضلا عن هذا فالظاهر أن السيرة لم تكن معروفة بعد آنئذ للذهبي، وهناك إشارة إليها أضافها ابن حجر (في كتابه اللسان، جـ ١، ص ٢٠٢) في السيرة التي نقلها عن الذهبي. ولم يتيسر بعد تقصى العلاقة بين المصنفات المختلفة أو بين النسخ المهذبة، ولكى نصل إلى نتائج سليمة لا بد أن ندرس كل المخطوطات العديدة المحفوظة في مكتبات مشتتة تشتتًا كبيرًا. المصادر: تبدأ معرفة الناس بالبكرى في الغرب بما كتبه L. Marracci (١) انظر Raccolta di: C.A Nallino Scritti، جـ ٢، ص ١١٥. (٢) وانظر علاوة على هذا R.Paret Maghazi-Literatur Die Legendaere توبنكن سنة ١٩٣٠, ص ١٥٥ - ١٥٨. (٣) Brockelmann، جـ ١، ص ٤٤٥. (٤) بروكلمان، قسم ١، ص ٦١٦ (وهو أساسى في هذا الموضوع ولكن به أخطاء عدة شوهته). (٥) فتوى تحرم قراءة السيرة التي كتبها للنبي ﷺ ، أصدرها ابن حجر الهيثمي: الفتاوى الحديثة، القاهرة سنة ١٣٥٣ هـ = ١٩٣٤ م، ص ١١٦. وانظر علاوة على ذلك كتب المغازي والتاريخ. آدم [ف. روزنتال F. Rosenthal] + " البَكْرى" بن أبي السرور: اسم يطلق علي مؤرخين عربيين من الأسرة المصرية المشهورة التي تضم شيوخ الطريقة البكرية (من الشاذلية) محمد بن

стр. 1792

على الصديقى المصري، المتوفى عام ١٠٢٨ هـ (١٦١٩ م). وتضم مصنفاته علاوة على تاريخ عام في جزءين (عيون الأخبار، ونزهة الأبصار، وهو مختصر أيضًا في كتاب بعنوان تحفة [أو تذكرة] الظرفاء) تواريخ عدة عن الأتراك العثمانيين (فيض المنان، والدرر الأثمان في أصل منبع آل عثمان، والمنح الرحمانية، مع ذيل عن مصر عنوانه اللطائف الربانية) وتاريخ عن الفتح العثمانى لمصر (الفتوحات العثمانية) ومصنف عن محاولة قام بها محمد باشا والى مصر عام ١٠١٧ هـ (١٦٠٨ - ١٦٠٩ م) لإلغاء ضريبة تسمى حق الطريق (التفريج الكبرى في دفع [أو رفع] الطلبة). المصادر: (١) Brockelmann، جـ ٢، ص ٣٨٨. (٢) بروكلمان قسم ٢، ص ٤١٢. (٣) Geschichtsschrei- Wuestenfeld ber، رقم ٥٥٢. (٤): Babinger ص ١٤٧. (٥) حاجى خليفة، طبعة فلوكل Fluegel تعليقات أرقام ٢٦١٩، ٤٩٨١، ٨٤٥٨، ٩٣٢٥، ١٣١٥٢. (٦) إسماعيل باشا بغدادى: هداية العارفين إستانبول سنة ١٩٥٥، جـ ٢، ص ٢١٦. وبالنسبة لأبيه أبي السرور (المتوفى عام ١٠٠٧ هـ = ١٥٩٨ - ١٥٩٩ م) انظر المحبى: خلاصة الأثر، جـ ١، ص ١١٧. ٢ - محمد بن محمد بن أبي السرور، شمس الدين أبو عبد الله، ابن المؤرخ السابق، ولد حوالي عام ١٠٠٥ هـ (١٥٩٦ م) وتوفى حوالي عام ١٠٦٠ هـ (١٦٥٠ م). وله، إلى جانب تاريخ عام (سمير الأصحاب) وتاريخين عامين لمصر (الروضة المأنوسة، والروضة [أو النزهة] الزاهية في ولاة مصر القاهرة المعزية) تاريخ ثالث عن مصر عنوانه الكواكب السائرة يتناول بتفصيل أكبر العصر العثمانى حتى عام ١٠٤٥ هـ (١٦٣٤ م). وهذا المصنف، الذي لم ينشر بعد، ترجمة ده ساسى Le Liure des: S. De Sacy) EtOiles Errantes في Notices et Extraits des Manuscrits de La Bibliotheque du

стр. 1793

Roi، جـ ١، سنة ١٧٨٨, ص ١٦٥ - ٢٨٠؛ وهناك ترجمة ألمانية عن النسخة الفرنسية نشرها G. Hanisch. هلدبر غر هاوزن سنة ١٧٩١) وأفاد منه على نطاق واسع مارسل (J.J. Marcel في كتابه Histoire d'Egypte. باريس سنة ١٨٤٨) مع تكملة لهذا الكتاب بقلم مصطفى بن إبراهيم (انظر Marcel في الموضع المذكور، ٢٥) تابع فيها الحوادث حتى عام ١١٦٨ هـ (١٧٥٤ م). وتضم مصنفاته الأخرى تاريخًا للفتح العثمانى لمصر (التحفة الهية) ومختصرًا لكتاب الخطط للمقريزى بعنوان قطف الأزهار (ينسب هذا المصنف أحيانًا إلى عمه محمد بن زين العابدين بن محمد بن علي، شمس الدين أبي الحسن، المتوفى عام ١٠٨٧ هـ[١٦٧٦]؛ انظر المحبى: خلاصة الأثر، جـ ٣، ص ٤٦٥)، وسيرة للصوفى الشيخ الأعجمى الكرانى (الدر الجمانى) ورسالة في التصوف (درر الأعالى). المصادر: (١) Brockelmann، جـ ٢، ص ٣٨٣. (٢) ص ٤٠٩. (٣) Geschichtsschrei-: Wuestenfeld ber، رقم ٥٦٥. (٤) Babinger: ص ١٨٨. (٥) المصادر التي ذكرت في صلب المادة. آدم [س. ج. شو Stanford J. Shaw] + " البكرى" عبد الله بن عبد العزيز بن محمد بن أيوب بن عمرو أبو عبيد: أقدم جغرافي أندلسى وصلت إلينا موْلفاته. وعاش البكرى في النصف الثاني من القرن الخامس الهجرى (الحادي عشر الميلادي). وهو من قبيلة بكر العظيمة التي كان لها شأن كبير بين القبائل العربية في غربي الأندلس. وكان جده محمد بن أيوب قاضى لَبْلةَ واليًا على شلطيش ووَلْبَه Huelva في خلافة هشام المؤيد الزموى، وقد حاول -شأن غيره من الولاة- أن يستقل بحكم هذه الإمارة عقب سقوط الدولة الأموية وفي فترة الاضطراب التي يسميها مؤرخو الغرب عصر ملوك

стр. 1794

الطوائف؛ ونجح محمد في محاولته هذه، ولكن ابنه عبد العزيز عجز بعد وفاته عن أن يثبت لهجمات المعتضد أمير إشبيلية الذي كان يحاول بسط سلطانه على الأندلس بأسرها. واضطر عبد العزيز إلى تسليم إمارته، وحمل أمواله وفر هو وولده البكرى سرًّا من شلطيش، ثم غادرها إلى قرطبة، وكانت هذه المدينة مستقلة في ذلك الوقت يحكمها طبقة من الأعيان بزعامة أسرة بنى جَهْوَر، وقد فتحت ذراعها لجميع الأمراء الذين اضطروا إلى الفرار من جوار أمير إشبيلية القوى. وأتم البكرى دراسته في قرطبة على أئمة علماء عصره. ولما توفى أبوه عام ٤٥٦ هـ (١٠٦٤ م) التحق بخدمة محمد ابن مَعْن أمير المَريّة الذي لقيه لقاء حسنًا وجعله بعد ذلك من صفوة خلصائه. وتابع البكرى دروسه في هذه المدينة وحضر على أعلامها ومن بينهم أبو مروان بن حَبّان. وفي عام ٤٧٨ هـ (١٠٨٥ - ١٠٨٦ م) صحب البكرى بصفته سفير أمير المرية المعتمد بن المعتضد أمير إشبيلية في ركوبه البحر إلى مراكش ليطلب عون يوسف بن تاشفين المرابطى على نصارى قشتالة. ويلوح أن البكرى عاد إلى قرطبة بعد غزوة المرابطين مهما يكن من شيء فقد توفى بها في سن متأخرة في شوال من عام ٤٨٧ (أكتوبر- نوفمبر ١٠٩٤ م) ودفن بمقبرة أم سلمة وكانت للبكرى شهرة الرجل الذي لايرى بأسًا في أن يجمع بين حب بنت العنب وحب الشعر والأدب. وحظى أشعار البكرى بالتقدير وإن كانت مؤلفاته في فقه اللغة والأدب هي التي حازت الإعجاب والثناء، وخلدت اسمه بين الناس. وينسب له مصنفو العرب المؤلفات الآتية: ١ - كتاب في أعلام نبوة نبينا محمد. ٢ - شفاء عليل العربية. ٣ - الأمثال السائرات: وهو شرح على كتاب الأمثال للقاسم أبي عبيد بن سلام. (٤) كتاب في اللآلى على كتاب الأمالى، وهو شرح على كتاب الأمالى لأبي على القالى (مخطوط وحيد في توبنكن Tuebingen).

стр. 1795

(٥) كتاب معجم ما استعجم. (٦) كتاب المسالك والممالك. ويظهر أن الكتاب الأول صنفه ليدفع عن نفسه تهمة الزندقة وعدم الاحتفال بالدين، وهي تهمة كثيرًا ما كانت توجه للعلماء في صدر العهد المرابطى وتجر على من يتهم بها أفدح الأخطار. أما المصنفات الثلاثة التالية فهي رسائل وشروح في فقه اللغة. والمعجم يبحث في الجغرافية القديمة، وهو بمثابة معجم للبلدان المشكوك في رسم أسمائها مما ورد في الحديث وفي المصنفات التاريخية القديمة وفي الشعر الجاهلى، ومعظمها يتعلق بجزيرة العرب أما النواحى الأخرى فترد فيه عرضًا. وقد نشر هذا الكتاب فستنفلد (Wuestenfeld, كوتنكن- باريس، في مجلدين، عام ١٨٧٦ - ١٨٧٧). وترجع شهرة البكرى بصفة خاصة إلى مصنفه "كتاب المسالك والممالك"، ولم يصل إلينا هذا المصنف كاملًا. وهو كمعظم المؤلفات الجغرافية التي ظهرت في العصور الوسطى كتب ليكون دليلا للمسافر الجائل. وهو في بعض أجزائه ينقل عن أمهات المصنفات القديمة التي لم تصل إلينا؛ ومع ذلك فإن البكرى في هذا الكتاب معلومات استمدها من خبراته الخاصة. وكان الكتاب في الأصل من عدة مجلدات تضم إلى جانب ما كان معروفًا من العالم لمسلمى القرن الخامس فصولا مستقلة في التاريخ والأنساب. ونقل المصنفون المتأخرون عنه كثيرًا. ولم يبق من هذا الكتاب إلا أخبار شمالي إفريقية وصفحات في صفة الأندلس ووصف لمصر أقل شأنًا من وصف المقريزى وإشارات عن العراق وماوراء النهر. وقد نشر ده سلان De Slane الجزء الخاص بإفريقية عام ١٨٥٧ م وترجمه عام ١٨٥٨ م. وظهرت لهذا الجزء طبعة منقحة في الجزائر عام ١٩١٠ م تحت إشراف حكومتها. ونشر وترجم كونيك Kunik وفون روزن Von Rosen قطعًا من الكتاب خاصة بالروس والصقلب (Izuiestija Al Bekri i drugich awtorof o i Slawjanach Rusi سانت بطرسبرغ عام ١٨٧٨).

стр. 1796

المصادر: (١) ابن بشكوال: الصلة، طبعة Codera مدريد سنة ١٨٨٣، جـ ٢، ص ٢٨٢ رقم ٦٢٨. (٢) السيوطي: بغية الوعاة، القاهرة، سنة ١٣٢٦ هـ، ص ٢٨٥. (٣) المَقَّرى: نفخ الطيب، ليدن سنة ١٨٥٨، جـ ٢، ص ١٢٤ وما بعدها. (٤) حاجى خليفة، طبعة فلوكل، جـ ١، ص ٤٣٥، جـ ٤، ص ٥٣، جـ ٥، ص ٥١٠، ٦٢٥، ٦٣٠. (٥) De Slane: مقدمته لوصف إفريقية الشمالية لأبي عبيد البكرى، الجزائر سنة ١٨٥٧. (٦) Dozy: Corrections sur Les textes du Bayanoll Mogrib، ليدن سنة ١٨٨٣ م، ص ١١٨ - ١٢٣. (٧) Ensayo Bio - Bib-: Pons Boigues liografico , مدريد سنة ١٨٩٨ ص ١٦٠ (٨) Gesch. der arab: Brockelmann Litt فيمار سنة ١٨٩٨، جـ ١، ص ٤٧٦. [كور A. Cour] + البكرى أبو عبيد، عبد الله بن عبد العزيز محمد بن أيوب كان هو والشريف الإدريسي أعظم جغرافيين للمغرب الإسلامي، كما كان البكرى خير من مثل العلم العربي الأندلسى الواسع في القرن الخامس الهجرى (الحادي عشر الميلادي). ونحن لا نعلم إلا القليل عن تفصيلات حياة أبي عبيد البكرى، ومع ذلك فإن في الإمكان أن نصف الوجوه المختلفة لنشاطه العلمي، وكلها مارسه البكرى في وطنه. والحق إنه لم يرحل، فيما يظهر، في الشرق قط، بل لم يزر شمالي إفريقية الذي يصفه بالرغم من ذلك وصفًا بالغ الدقة. وأهم وقائع حياته فيما بلغ إلى علمنا هي: كان أبوه عز الدولة عبد العزيز البكرى الأمير الوحيد (أو قل الثاني بعد أبيه أبي مصعب محمد بن أيوب) لإمارة ولَبْةَ وثَلْطيشَ الصغيرة التي قامت سنة ٤٠٣ هـ (١٠١٢) وقت سقوط الخلافة المروانية في قرطبة، على الساحل الأطلسي لشبه الجزيرة الأيبيرية غربي لَبْلةَ بمسافة غير بعيدة.

стр. 1797

وفي سنة ٤٤٣ هـ (١٠٥١ م). اضطر عز الدولة متأثرًا بالضغط السياسي الذي أثقل به كاهله المعتضد ابن عباد أن ينزل عن إمارته لملك إشبيلية فضمها هذا الملك إلى أملاكه، ولا شك أن أبا عبيد، الذي لانعرف تاريخ مولده، كان وقتذاك في الثلاثين على الأقل. وقد صحب أباه إلى قرطبة وكان قد اختارها مقاما جديدًا له تحت حماية أميرها أبي الوليد محمد بن جهور يسخو في بسطها أحيانًا ويشح أحيانًا وهذه هي -على كل حال- الوقائع الخاصة التي أوردها ابن حيان (المتين في ابن بسام: الذخيرة، جـ ٢، ونقلها ابن عذارى: البيان المغرب، جـ ٣ ص ٢٤٠ - ٢٤٢، Abbad: Dozy جـ ١، ص ٢٥٢ - ٢٥٣) ولا وجه للشك فيها، ولكن ثمة مصدرًا آخر (ذيل البيان، جـ ٣، ص ٢٢٩) يقرر أن أبا عبيد وأباه الذي توفي سنة ٤٥٦ هـ (١٠٦٤ م) انسحبا إلى إشبيلية، وهو أمر غير مستبعد. وأيا كان الأمر فإن أبا عبيد لم يلبث أن اشتهر في عالم الكتابة. كان تلميذًا للإخبارى أبي مروان بن حيان وغيره من الأئمة ذوي الصيت، وكان يتنقل في دوائر بلاط أمراء الأقاليم، وخاصة بلاط بنى صُمادح في الممَريَّة. ولما شهد من بعد تدخَل المرابطَين العسكرى والسياسى في الأندلس ودوال مُلك ملوك الطوائف دواليك، كان قد كتب معظم كتبه العديدة التي كان يجهز لها بجمع ما لا يحصى من المذكرات. واستقر البكرى في قرطبة التي كان قد ردها السلطان يوسف بن تاشفين إلى مكانتها قصية للأندلس، وفيها توفى البكرى في سن وافية في شهر شوال سنة ٤٨٧ هـ (أكتوبر- نوفمبر سنة ١٠٩٤ م؛ سنة ٤٩٦ هـ في قول الضَبِّى الذي يلقبه بلقب "ذي الوزارتين"). وإذا حكمنا على أبي عبيد البكرى بتنوع مصنفاته ظهر لنا في صورة "المشارك" الأمثل، فقد حصل معرفة واسعة جدًّا بمختلف فروع العلم. وكان أساسًا جغرافيًا، ولكنه كان في الوقت نفسه أيضًا متكلمًا، وفقيهًا لغويًّا، وعالمًا في النبات، بل لقد كان يمارس فن الشعر، ذلك أن من ترجموا له نقلوا له بعض الأبيات في الخمر: وكان قد طار

стр. 1798

له صيت بأنه معاقر للخمر عتيد. ووصف إلى ذلك بأنه محب للكتب يحفظ مخطوطاته القيمة في أظرف من النسيج الجيد. أما في ميدان الدين فإن ابن بشكوال ينسب إليه كتابًا "في أعلام نبوة نبينا" دون أن يذكر عنوانه، وينسب إليه ابن خير (الفهرسة، با هـ، -٩ - ١٠، ص ٣٢٥، ٣٢٦، ٣٤٣، ٣٤٤) أربعة مصنفات: (١) نقد لأبي على القالى عنوانه "التنبيه على أوهام أبي على القالى في كتاب النوادر" طبعة صالحانى، في أربعة مجلدات، القاهرة سنة ١٣٤٤ هـ = ١٩٢٦ م؛ انظر بروكلمان، قسم ١، ص ٢٠٢. (٢) شرح لأمالى أبي على القالى عنوانه "سمط اللآلى في شرح الأمالى"، طبعة عبد العزيز الميمنى، القاهرة سنة ١٣٥٤ هـ = ١٩٣٦٦؛ انظر بروكلمان: الموضع المذكور. (٣) شرح للأبيات التي استشهد بها في "الغريب المصُنَفَّ" لأبي عبيد القاسم ابن سلام، عنوانه "صلة المفصول". (٤) شرح لمجموعة أمثال الكاتب نفسه- أبو عبيد بن سلام- عنوانه "فصل المقال في شرح كتاب الأمثال" (مخطوطات منه في إستانبول؛ انظر M.O جـ ٧، ص ١٢٣؛ Zeitschr. .Der Deutsch. Morgenl Gesells, سنة ١٩١٠؛ بروكلمان، قسم ١، ١٦٦، التعليق). ونذكر له أخيرًا كتابًا آخر، شبه تاريخي وشبه لغوى، يظهر أنه فقد وهو "المؤتلف والمختلف في أسماء القبائل العربية. وكتاب أبي عبيد البكرى في النبات هو"كتاب النبات" وقد ذكره أيضًا ابن خير في كتابه الفهرسة (ص ٣٧٧) والظاهر أنه لم يوجد بعد مخطوطًا. ومهما يكن من شيء فإن له مكانه في سلسلة الرسائل الأندلسية في صفة النبات المرتبة مواده حسب الأحرف الهجائية، وكان مرجعًا مباشرًا للمحتسب والعالم الطبيعي ابن عبدون الإشبيلي من أعيان القرن السادس الهجرى (الثاني عشر الميلادي) في تصنيف كتابه "عمدة الطبيب في شرح الأعشاب" وهذه الرسالة في النبات

стр. 1799

التي وصفها ابن أبي أصيبعة في أسطر قليلة تدور في جوهرها - مثل رسالة ابن عبدون حول شبه جزيرة الأندلس؛ ولم يفد من رسالة البكرى ابن عبدون فحسب، بل أفاد منها أيضًا العالمان الطبيعيان الغافقى وابن البيطار. أما مصنف أي عبيد البكرى في الجغرافيا الذي تقوم عليه معظم شهرته في العالم العربي فكتابان متفاوتان في الأهمية والحجم، وهما "معجم ما استعجم" و"المسالك والممالك". والمعجم الذي نشره فستنفلد بخط المؤلف (F. Das Geographische Woer-: Wuestenfeld terbuch، كوتنكن، سنة ١٨٧٦ - ١٨٧٧؛ ونشر في القاهرة في أربع مجلدات سنة ١٩٤٥ - ١٩٥١) هو ثبت بأسماء أماكن معظمها من جزيرة العرب، ترد في شعر الجاهلية وفي كتب الحديث وأثار هجاؤها الخلاف، وقد مهد البكرى للثبت بمقدمة للوضع الجغرافي لجزيرة العرب القديمة ومنازل أهم القبائل فيها. وأما المسالك، وهو عمدة كتب البكرى، فليس بين أيدينا بعد إلا جزء منه على هيئة قطع مطولة لم تنشر كلها حتى الآن: المجلد التمهيدى للمسالك الذي يتناول الجغرافيا العامة للشعوب الإسلامية وغير الإسلامية (مخطوط بباريس، المكتبة الأهلية رقم ٥٩٠٥) لم ينشر بعد الجزء الأكبر منه (قطعة عن الروس والصقالبة نشرت في سانت بطر سبرغ سنة ١٨٧٨ بمعرفة كونيك وفان روزن: Lzvestiya al-Bokri i A.Kunik & V.Rosen drugikh avtorov o Rusti Slavyanakh، جـ ١؛ انظر أيضًا: A.Seippel: erum Normannicorum Fontes Arabici، أوسلو، سنة ١٨٩٦ - ١٩٢٨) على أن الجزء الذي لاشك في أنه أكثرها أهمية هو ذلك الذي يتناول المغرب الإسلامي، وقد عرف فيما يتعلق بإفريقية، من طبعته وترجمته الفرنسية (وهما الآن عفى عليهما الزمن) اللتين قام بهما ده سلان (Description de - L Afrique: MacGuckin de Slane Sep tentrionae المتن العربي، الجزائر سنة ١٨٥٧؛ الطبعة الثانية، الجزائر سنة ١٩١٠؛ الترجمة الفرنسية، في Jour-As سنة ١٨٥٧ - ١٨٥٨؛ الطبعة الثانية المترجمة، الجزائر سنة ١٩١٠):

стр. 1800

وقبل ذلك نشرت سنة ١٨٣١ ترجمة مختصرة في باريس بقلم كاترمير (- Notices et extraits: Quatre mere جـ ١٢). وقد نشر كاتب هذه المادة بعض أجزاء غير منشورة من المسالك تتعلق بالأندلس وحقق الشواهد الواردة في المصنف التاريخي الجغرافي الموسوم بالروض المعطار لابن عبد المنعم الحميرى السبَتْى (- La Peninsule ibe rique au Moyen-Age، ليدن سنة ١٩٣٨، ص ٢٤٥ - ٢٥٢؛ وانظر أيضًا La De- scription de I'Eespagne لأحمد الرازي في Al-Andalus سنة ١٩٥٣، ص ١٠٠ - ١٠٤) معتمدًا على مخطوط في مكتبة جامع القرويين في فاس وفيه أكثر قطعة تفصيلا تيسرت لنا بعد في وصف شبه الجزيرة الإيبيرية. وقد جرى البكرى على السنة المألوفة لدى جغرافي زمنه وجغرافيى القرون السابقة عليه، فاتجه أولًا وقبل كل شيء -كما يستدل من عنوان كتابه "المسالك والممالك" إلى إظهار كتابه في ثوب دليل طريق يشمل تقديرًا للمسافات بين كل مدينة أو محطة، وكان ذلك خليفًا بأن ينتهى بالكتاب إلى ثبت جاف بالأسماء، وهذا الثبت على أهميته لا يعدو أن يكون ذكرًا مجردًا للمعالم، إلا أن البكرى طبعه بطابعه الخاص فراح يتخير مادته من ذلك الحشد من الخصائص التي اجتهد في جمعها. وهذه المادة تتعلق إلى حد كبير بالتاريخ الاجتماعى بل السلالى، وهذا هو الذي يسبغ على كتاب البكرى "المسالك الممالك" قيمته التي لاتقدر فيما يختص بالمغرب على الأقل. وكان عقل البكرى عقلًا متطلعًا منهجيًا، ولذلك فهو قد رسم بعض الصور الإجمالية التاريخية التي لم يضارعه أحد فيها بعد قط، إذ لا تزال أخباره عن الأدارسة المرابطين مثلًا الأساس الأوثق لوثائقنا عن الأدارسة ولوثائقنا عن أصول المرابطين. ومعظم أوصافه للبلدان دقيق إلى حد عجيب. ومادته عن أسماء الأماكن في المغرب وإفريقية وبلاد السودان وافية وفاء لا تقل أهميته عما ذكرنا. ومن نافلة القول أن نذكر أن أبا عبيد حين أخذ يكتب وصفه القيم لشمالى

стр. 1801

إفريقية، كان بين يديه في مقره بقرطبة وإشبيلية الروايات الشفوية التي كان يوافيه بها الناس القادمون من إفريقية أو المغرب، وكان بين يديه أيضًا كتب الكتُاب الآخرين الذين تناولوا هذه الأقطار بالحديث. والمصدر العمدة الذي ذكره البكرى عدة مرات في كتابه هو "المسالك والممالك" لمحمد بن يوسف الوراق في جغرافية إفريقية. وهذا الرجل "الوراق" وانظر Brunschvig . R في - Melanges Gaudefroy - Demom bynes، القاهرة سنة ١٩٣٥ - ١٩٤٥، ص ١٥١ - ١٥٢) الذي عاش مدة طويلة في القيروان قبل أن يشخص إلى قرطبة ليستقر فيها على عهد الخليفة الحكم الثاني بناء على دعوته، قد يسر للبكرى الذي أفاد من كتابه (يبدو أنه الآن مفقود) أن يزودنا بمعلومات ترد إلى القرن العاشر الميلادي، وكان البكرى يستطيع أن ينهل منها كما يشاء. زد على ذلك أنه كان بين يدي البكرى وثائق من مخطوطات قرطبة (مثال ذلك فرقة برغواطة المتزندقة على أن عدم إشارته إلى تدخل المرابطين في الأندلس يؤيد الدليل بأن البكرى انتهى من كتابة "المسالك والممالك" سنة ٤٦٠ هـ (١٠٦٨ م) أي قبل وقعة الزلاقة بثمانية عشر عامًا. أما عن مرجعه فيما يختص بأسبانيا المسيحية وبقية أوربا فيحق لنا أن نقول في الختام بأن أبا عبيد بنقل رواية عن يهودى من طرطوشة هو إبراهيم بن يعقوب الإسرائيلى الذي عاش في أوائل القرن الرابع الهجرى الموافق العاشر الميلادي (نقل عن هذا اليهودى رواية عن العذرى، ذلك أن القزوينى أيضًا يذكر هذا الرواية بطريق غير مباشر)، على أن كتاب هذا اليهودى (ربما كان مكتوبًا بالعبرية ثم ترجم إلى العربية أو اللاتينية؟ ) يظهر أنه فقد. والأجزاء التي بقيت من كتاب "المسالك" تستأهل حقًّا أن تنشر نشرًا نقديًا كاملًا وتستحق دراسة منهجية، وكذلك فإن دراسة لغة الكاتب لم ينهض بها أحد بعد. والبكرى وغيره من كتاب رسائل الحسبة- مثل ابن عبدون الإشبيلي وابن عبد الرءوف والسقطى المالقى وأصحاب الرسائل في الفلاحة- هو الكاتب الأندلسى الذي تشمل

стр. 1802

مفرداته طائفة كبيرة من الأسبانيات. أما من حيث الموقف الاقتصادى في المغرب أيام القرنين العاشر والحادى عشر الميلاديين (معلومات عن المقاييس والمكاييل وتكاليف المعيشة، والعلاقات التجارية؛ والاتجار في السلع والأدوات الكمالية) فإن كتابه حتى في الأجزاء التي بقيت لنا يزودنا بحشد من المعلومات تتيح لنا أن نضع قوائم تحليلية وخرائط، شأنه شأن "نزهة المشتاق" للشريف الإدريسي الذي يعد هو الآخر رائعة من الروائع في الجغرافيا التاريخية للعالم الإسلامي في القرون الوسطى، وإن كانت متأخرة في الزمن بعض الشيء عن كتاب البكرى. المصادر: (١) إن الأخبار في ترجمة حياة البكرى كلها قصيرة لا تحتوى إلا على القليل من التفصيلات: ابن بشكوال: الصلة، رقم ٦٢٨. (٢) الضبى: البغية، رقم ٩٣٠. (٣) ابن الأبار: الحُلَّة السيَراء (في Corrections ... : Dozy، ليَدن سنة ١٨٨٣، ص ١١٨ - ١٢٣). (٤) الفتح بن خاقان: قلائد العقيان، ص ٢١٨. (٥) ابن سعيد: المغرب، جـ ١، القاهرة سنة ١٩٥٣، ص ٣٤٧ - ٣٤٨ (٦) ابن بسام: الذخيرة، جـ ٢ (بيان منقول عن ابن سعيد) (٧) السيوطي: البغية، ص ٢٨٥. (٨) ابن أبي أصيبعة، جـ ٢، ص ٥٢. (٩) المقرى: نفح الطيب = - Ana Lectes - جـ ٢، ص ١٢٥. (١٠) وانظر أيضًا: Pons Boigues: Ensayo، رقم ١٢٥. (١١) La geo-: J.Alemany Bolufer grafia de la Paninsula iberica en Los escritores arabes, غرناطة سنة ١٩٢١، ص ٤٥ - ٤٦. (١٢) Extraits des: R. Blachere Principaux geographes arabes باريس سنة ١٩٣٢، ص ١٨٣، ٢٥٥ (ويشمل تقديرًا مهما كل الإبهام لقيمة البكرى وأسلوبه من حيث هو مرجع) (١٣) La Penin-: Levi - Provencal

стр. 1803

sule iberique au Moyen Age, ليدن سنة ١٩٣٨، ٢١ - ٢٤. (١٤) Brockelmann: جـ ١، ص ٤٧٦؛ قسم ١، ص ٨٧٥ - ٨٧٦. (١٥) وبيانا Introduction: Reinaud a La Geographie d' Abuulf eda، ص ١٠٣ و M.G. de Slane في مقدمة طبعته غير الكاملة، هما الآن قد عفى عليهما الزمن. (١٦) أما عن المواد الخاصة بشرقى أوربا الواردة في البكرى نقلا عن إبراهيم الطرطوشى فانظر: - C. E. Du Abu Hamid al - Granadinoy su: bler -relacion de Viajekstierras eurasiati cas? مدريد سنة ١٩٥٣، ص ١٦١ - ١٦٢. خورشيد [ليفى بروفنسال- E. Levi Provencal] + " البكرى": محمد بن عبد الرحمن الصدِّيقى الشافعي الأشعرى، أبو المكارم شمس الدين: شاعر ومتصوف عربي، ولد عام ٨٩٨ هـ (١٤٩٢ م) وكان يعيش سنة في القاهرة وسنة في مكة، وتوفي عام ٥٩٢ هـ (١٥٤٥ م)، وله إلى جانب ديوانه الموجود في المكتبة الأهلية بباريس (فهرس المخطوطات العربية لده سلان De Slane رقم ٣٢٢٩ - ٣٢٣٣؛ الفهرس المفصل للمخطوطات العربية والفارسية والتركية المحفوظة في مكتبة كلية ترينتى Trinit Collegey, كمبردج سنة ١٨٧٠ م، رقم ٥٥ - ٥٧) مجموعة من الشعر الصوفى عنوانها "ترجمان الأسرار" (Katalog der islam.: Vollers usw Hdss der Universitaets biblioth Zu Leipzig رقم ٥٧٣؛ Derenbourg: فهرس المخطوطات العربية بالإسكوريال، رقم ٤٣٩) وعدة رسائل صغيرة في التصوف. ويحوى المخطوط المحفوظ بمكتبة كوتا Gotha تحت رقم ٨٦٥ مجموعة منها. وصنف البكرى منظومة في تاريخ فتح مكة عنوانها "الدرة المكللة في فتح مكة المبجلة" طبعت في القاهرة عام ١٢٧٨ هـ (١٨٦١ م) و ١٢٨٢ هـ (١٨٦٥ م) و ١٢٩٣ هـ (١٨٧٦ م) و ٢٩٧ هـ (١٨٧٩ م) و ١٣٠٠ هـ (١٨٨٢ م) و ١٣٠١ و ١٣٠٣ و ١٣٠٤ هـ وله

стр. 1804

كذلك مصنف في التاريخ عنوانه "ذخيرة العلوم ونتيجة الفهوم" (Die ar. Hdss. zu Gotha ; Prtsch، رقم ١٥٧٨). المصادر: (١) على باشا مبارك: الخطط الجديدة بولاق سنة ١٣٠٦ هـ، جـ ٣ ص ١٢٧. (٢) Die Geschichts-: Wuestenfeld chreiber der Araber، رقم ٥٢٠. (٣) Gesch, der: Brockelmann arab Littr جـ ٢، ص ٣٣٤، ٣٨٢. [بروكلمان C. Brockelman] +" البكرى" مصطفى بن كمال الدين بن علي الصديقى الحنفي الخلوتى محيي الدين: كاتب ومتصوف عربي ولد بدمشق في ذي القعدة من عام ١٠٩٩ هـ (سبتمبر عام ١٦٨٨ م) وتيتم في حداثته فكفله عمه وانضم إلى طائفة الدراويش الخلوتية. وزار بيت المقدس لأول مرة عام ١١٢٢ هـ (١٧١٠ م) وهناك كتب مصنفه في الأدعية وعنوانه "الفتح القدسى" وحصل على فتوى من على قره باش الأردنى بآن الجهر بتلاوة هذه الأدعية آخر الليل ليس بدعة كما زعم أحد خصوم البكرى، ورجع محيي الدين التي دمشق في شعبان من العام نفسه (أكتوبر عام ١٧١٠) ولكنه تردد على بيت المقدس في الأعوام التالية حيث تعرف إلى الوزير راغب باشا الذي صحبه في رحلة إلى القاهرة، وذهب في كنف هذا الوزير من بيت المقدس إلى إستانبول في أوائل عام ١٣٣٥ هـ (أكتوبر ١٧٢٢ م) فوصلها في السابع عشر من شعبان (٢٤ مايو ١٧٢٣ م). ورجع إلى بيت المقدس بعد ذلك بأربع سنين وقد حج إلى مكة عام ١١٤٨ هـ (١٧٣٥ م) وكان قد نوى الحج منذ عام ١١٢٩ هـ (١٧١٧ م) ولكنه انصرف عن ذلك لخلاف بينه وبين عمه. وذهب إلى إستانبول ثانية عام ١١٤٨ هـ (١٧٣٥ م) ثم عاد بحرًا عن طريق

стр. 1805

الإسكندرية فالقاهرة. وفي حجته الثانية ذهب إلى ديار بكر ومكث بها ثمانية أشهر. ورجع إلى بيت المقدس في شوال عام ١١٥٢ هـ (يناير ١٧٤٠ م) بعد أن قضى في نابلس أحد عشر شهرًا وتوفى محيي الدين البكرى في القاهرة عام ١١٦٢ هـ (١٧٤٩ م) وهو يتأهب للحجة الثالثة. ويمكنك الرجوع إلى بروكلمان فيما يختص برسائله الصوفية وأدعيته وأشعاره (انظر أيضًا الحكم الإلهية والموارد الهية؛ Katalog der islam.: Vollers -usw. Hdds Der Universititaetsbiblio thek zu Leipzig , رقم.٨٥٠، جـ ٢؛ والوصية الجليلة للسالكين طريق الخلوتية، جـ ٤؛ Littmann . E: A list of Arabic Mss in Princeton University 'Library رقم ٣٥١ b) . وكل مصنفات البكرى مخطوطة لم تطبع بعد ما عدا "مجموع صلوات وأوراد" الذي طبع في القاهرة عام ١٣٠٨ هـ: وقص البكرى أخبار حلته الأولى من دمشق إلى بيت المقدس عام ١١٢٢ هـ (١٧١٠ م) بعنوان "الخَمْرَة الحسية في الرحلة القدسية" (Verzeichnis der: Ahlwardt Hdss zu Berlin، رقم ٦١٤٩) ووصف رحلته من دمشق إلى بيت المقدس ومكوثه بها في كتابه "المدامة الشآمية في المقامة الشآمية" (المصدر المذكور، رقم ٦١٤٨). المصادر: (١) المرادى: سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، القاهرة سنة ١٢٩١ - ١٣٠١ هـ، جـ ٤، ص ١٩٠ - ٢٠٠. (٢) الجبرتى: عجائب الآثار في التراجم والأخبار، بولاق سنة ١٢٩٧ هـ جـ ١، ص ١٢٥ - ١٢٦. (٣) على باشا مبارك: الخطط الجديدة، بولاق سنة ١٣٠٦ هـ، جـ ٣، ص ١٢٦. (٤) Cesch. der. ar: Brockelmann .Litt جـ ٢، ص ٣٤٨. [بروكلمان C. Brockelmann]

стр. 1806

بكاء " بَكّاء" والجمع بُكّاءون وُبكّاء، زهاد يذرفون في تعبدهم دموعًا غزيرة. ويتسم الزهد والتصوف في العهد الإسلامي الأول بشعور قوى بالذنب، وندم شديد، وذلة وخشوع وحزن. وكان الضحك مستقبحًا. والبكاء هو المظهر الخارجى لهذا المسلك. وقد ورد في القرآن الكريم (سورة الإسراء، الآية ١٠٩) "ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا" وورد فيه (سورة مريم الآية ٥٨) "وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجًدًا وبكيًا". ثم إن الحديث الشريف يقر علاوة على ذلك كله ذرف الدموع في العبادات ويثنى عليه. ويقال إن النبي ﷺ بكى بصوت مسموع في بعض الأوقات، وهو يؤدى فريضة الصلاة. ويروى أن الخليفتين أبا بكر وعمر انتهجا المسلك نفسه. ومن الممكن أن نورد قائمة طويلة بأسماء الزهاد البكائين، أو على الأقل الذين امتدحوا البكاء، من كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم. وينتمى لهذه الطائفة شخصيات مشهورة مثل الحسن البصري، وابن سيرين، ومالك بن دينار، وأبي الدرداء (الذي كتب هو نفسه مصنفًا خاصًّا ونعنى به "كتاب الرقّة والبكاء") وإبراهيم النَخْعى، وأبي سليمان الدارانى، وفُضَيل بن عياض، وحبيب العَجَمى، وعبد الواحد ابن زيد، وسفيان الثَوْرى، وذى النون المصري، ويحيى بن معاذ الرازي إلخ. ومع ذلك فليس هناك إلا قلة ممن لقبوا بلقب البكاء، أو على الأقل أطلق عليهم لقب البكائين ومنهم يحيى البكاء (في البصرة، حلية الأولياء، حـ ٢، ص ٣٤٧) وأبو سعيد أحمد ابن محمد البكاء (حلية الأولياء، حـ ٧، ص ٣٨٥) ومطرف بن طريف، ومحمد بن سوقة، وعبد الملك ابن أبجر، وأبو سنان ضرار بن مرة (هؤلاء الأربعة فىَ الكوفَة: حلية الأولياء، حـ ٥، ص ٤، حـ ٥، ص ٩١) وسيار النباجى (الملقب بلقب الباكى، حلية الأولياء، حـ ١٠، ص ١٦٦) وهيثم البكاء وصفوان بن محْرِز (الجاحظ: البخلاء، ص ٥)، وهشام ابن حسان (Some Semitic: Wensinck Rites of Mourning، ص ٨٥ وما بعدها)

стр. 1807

وإبراهيم البكاء (السُلَمى: طبقات الصوفية، ص ٨٧). واشتهر بالبكاء أيضًا صالح المرُىَ، وغالب الجَهْضَمى وكهمس، ومحمد بن واسع. ومهَما يكن من شيء فإن هؤلاء البكائين لم يكونوا طبقة خاصة، كما يرى- فيما يبدو- نيكلسون) (R. A. Nicholson في E.R.E. ص ١٠٠، ٢) وفنسنك (Some Semitic Rites: A.J.Wensinckl ٨٦) وماسينيون ص ٨٦) وماسينيون (Essai: L.Massignon): ص ١٦٧) ولامنسن milieu basrien et la formation de Gahiz . ص ٩٤) ودوزى R.Dozy): Suppl انظر بكاء Bakka) . وظل لفظ بكاء أميل إلى أن يكون لقبًا يطلق على كل من يبكى بدمع غزير ولا يكنى به الفرد إلا عرضًا، وهو يشبه إلى حدما لفظ حَمّاد الموجود في حلية الأولياء (جـ ٥، ص ٦٩) والذي يسمى به من يسبح بحمد الله في السراء والضراء. (ابن قتيبة: عيون الأخبار، حـ ٢، ص ٢٨٤؛ حلية الأولياء، حـ ٥، ص ١٦٤). وكان محمد بن واسع، وهو نفسه من كبار البكائين، يرى أن من الأمور التي تنافى العقل أن يلقب نفسه بلقب بكَاء (حلية الأولياء، جـ ٢، ص ٣٤٧). ويحدثنا أبو الدرداء عن ثلاثة أمور أبكته: هول المطلع، وانقطاع العمل، وموقفه بين يدي الله لا يدرى أيامر به إلى الجنة أم إلى النار (الجاحظ: البيان، حـ ٣، ص ١٥١؛ ابن قتيبة: عيون الأخبار، حـ ٢، ص ٣٥٩). ويرى يزيد بن ميسرة أن للبكاء على العموم سبعة أسباب: الفرح، والحزن، والفزع، والوجع، والرياء، والشكر، وبكاءٌ من خشية الله (حلية الأولياء، حـ ٥، ص ٢٣٥)، بل إن أبا سعيد الخراز يذكر ثمانية عشر سببًا تعد كلها، على آية حال، ثانوية بالنسبة لثلاثة أنواع من البكاء: إحساس المرء بأنه بعيد عن الله، وأنه قريب من الله، وأنه مع الله (السراج: اللمع في التصوف، طبعة نيكلسون Nicholson، ص ٢٢٩). ويدور بكاء البكائين حول: خشية الله، ويوم الحساب وعدم اليقين من الموقف بين يدي الله؛ وعذاب جهنم. وكثيرًا ما يبكى المرء على ما فرط من

стр. 1808

ذنوبه، وعلى ما انتابه من ضعف شخصى، وعلى السنوات الماضية التي أضاعها هباء، أو على الماضي الذي لا يمكن أن يتبدل أثناء فترة ابتلائه على ظهر الأرض. ويمكن أن يكون البكاء منبعثًا من الرحمة بالآخرين والإشفاق على الذين يضلون سواء السبيل والترحم على الموتى الذين لم يعد في وسعهم أن يعملوا لإصلاح ما قدر عليهم، أو ينشأ من الحنين إلى دار البقاء والشوق إلى الله وغير ذلك. وكثيرًا ما يبكون أملا (وهنا يمكن أيضًا أن نتخذ الحديث - إلى حد ما - مصدرًا نستند إليه) في عفو الله ورحمته ووقايته يوم القيامة والنجاة من النار وغفران ذنوب المرء، أو حتى الصفح عن ذنوب غيره من الناس، ودخول الجنة، والثواب. وكما أن السائل الذي يستطيع أن يبكى تتاح له فرصة أكبر في بلوغ أمله (Die Mun-: Karl Hadank ١٠٩) darten von Khunsar etr) فإن السائل الروحى أيضًا يأمل بالبكاء أن يستدر رحمة الله، ومن ثم فإنه ربما يتاح له، بين آن وآخر، أن يتحمل جانبًا من عقابه في العالم الآخر. وقد ورد في أحد النصوص "بين الجنة والنار مفازة لا يقطعها إلا كل بكَاء" (حلية الأولياء، حـ ٨، ص ١٤٩). والصلاة (وتشمل الفريضة) وذكر الله، وتلاوة القرآن الكريم، وقراءة الأحاديث الشريفة، والعظات، والقصص الهادي، وسماع الخطب الدينية، والتفكر- كل هذا مما يثير البكاء. وإنا لنعلم أن المسلم الورع يقوم الليل ويبكى حتى الصباح وهو يتدبر معنى آية من آيات القرآن الكريم التي يغلب عليها توعد العاصى بالعقاب. ونسمع أحيانا عن بكاء بعض الناس وهم يؤدون الصلاة تضرعا لله، وكثيرًا ما يكون هذا أمام الكعبة، وهم يتعلقون بأستارها (الكسوة) أو يقفون أمام الحجر الأسود، ويحدث هذا ايضًا كثيرًا في المدافن عند مشاهدة المقابر. والقراء ورواة الأحاديث والوعاظ والقُصاص (المفرد قاص)، يطلقون في تلاوتهم العنان لدموعهم، وكثيرًا ما يدفعون المستمعين إلى البكاء أو يجعلونهم يذرفون الدموع. ويقال إن قاصا كان يقول لمستمعيه قبل كل

стр. 1809

خطاب يوجهه إليهم: "أعيرونى دموعكم! " (حلية الأولياء، حـ ٥، ص ١١٢). وكانت محاضر (جمع محضر) تعقد يبكى فيها الحاضرون بكاء شديدًا ويتناولون بعدها وجبة [حلية الأولياء، حـ ٢، ص ٣٤٧). وقد يلتقى مسلمان ورعان ويشرعان في حديث دينى ويذرفان الدموع وهما يتدبرانه. ويقال إن محمد بن سوقة وضرار بن مرة كانا يلتقيان بانتظام كل يوم جمعة لهذا الغرض (حلية الأولياء، حـ ٥، ص ٤؛ حـ ٥، ص ٩١)، وإن بَديلًا وشُمَيتًا وكهمسا اجتمعوا في بيت بعضهم في إحدى المناسبات فقالوا: "تعالوا اليوم حتى نبكى على الماء البارد (الذي سنفقده يوم القيامة)! " (حلية الأولياء حـ ٦، ص ٢١٣). ويمكن أن نجد في كتاب حلية الأولياء (حـ ٤، ص ٢٥٥ - ٢٦٠) ولولة طويلة لبكاء (وردت فيها الكلمة المميزة "ويحيى")، أما الولولة الأقصر كثيرًا فنجدها في كتاب عيون الأخبار (حـ ٢، ص ٢٨٤) , وهناك نقاش دينى دار بين ثلاثة من البكائين ورد في كتاب حلية الأولياء (حـ ١٠، ص ١٦٣). وتروى قصص خارقة عن مقدار الدموع التي استطاع بكّاء أن يذرفها: فيقال إن واحدًا من البكائين ظل يبكى في بعض الأوقات ثلاثة أيام وليال سويًا، وبكى آخرون حتى اخضلت لحاهم أو ابتلت وسائدهم، وبلل آخرون بدموعهم أكياسا كاملة من الرمال. وكانت دموع أحد البكائين تسمع وهي تتناثر على قدميه؛ وقيل إن آخر جلس بعد البكاء في ردغة من دموعه فظن الناس أنه توضأ فيها. وتصببت الدموع من عينى أحدهم على الأرض فنبت العشب؛ وبكى آخر عمدًا في سراب. وأدى تدفق الدموع من عيون البكائين إلى حفر أخاديد عميقة في خدودهم، وآخرون تساقطت أهدابهم وجفونهم، وغيرهم تشوهت ضلوعهم، وأصبحت عيونهم ضعيفة البصر أو أصيبت بالعمى. ويتردد ذكر حالات حدث فيها إغماء بل وفاة. وكان يعتقد أن القدرة على البكاء فضيلة ودليل على الغيرة الدينية الحقة

стр. 1810

ورحمة الله. وقيل "ليس في وسع كل سائل أن يبكى" (عبد الله الأنصاري الهروى: الرسائل، طهران سنة ١٣١٩، ص ٥١). ويروى أن أبا بكر قال عندما رأى بعض أهل اليمن يبكون لما قرأ عليهم القرآن: هكذا كنا حتى قست القلوب (الجاحظ: البيان، حـ ٣، ص ١٥١). وضرب عامر بن عبد قيس بيده على عينه في يأس وصاح: "جامدة شاخصة لا تندى! " (البخلاء، ص ٥). ويرى الدارانى أن العجز عن البكاء دليل على ترك الله للعبد (السلمي: طبقات الصوفية، القاهرة سنة ١٩٥٣، ص ٨١). ورأى يوسف بن حسين الرازي عندما أصبح بعد لا يبكى عند تلاوته القرآن دليلا على أن أهل الري ربما كانوا على حق في رميه بأنه "زنديق" (حلية الأولياء، جـ ١٠، ص ٢٤٠). ومن جهة أخرى فإن ثابت البُنانى يرى أن نعمة البكاء آية ينعم بها الله على عباده (حلية الأولياء، جـ ٢، ص ٣٢٣). ويقال إن محمد ﷺ دعا ربه أن يرزقه "عينين هاطلتين تشفيان القلب بذرف الدموع" (حلية الأولياء، حـ ٢، ص ١٩٦ وما بعدها؛ حـ ٢، ص. Wensinck ٢٨٠: Some Semitic Rites، ص ٨٩). ومما يتصل بهذا حديث التباكى: "فإن لم تجدوا بكاء فتباكوا" وهو حديث يحظى بقبول عام. وقد أثيرت بين الزهاد أربعة تحفظات في الأقل، على سنة البكاء، أولاها أن البكاء ليس فعلا إرادياء وثانيها أنه يمكن أن يعد مزيلا للأسى والحزن وشارحًا للصدر وهو بهذه الصفة ينكر، وفي معرض هذا يقال إن سفيان بن عُيَينة قد نمى في نفسه خلة حبس الدموع في عينيه برفع رأسه، وهذا في قوله أبقى للحزن في الجوف (حلية الأولياء، حـ ٩، ص ٣٢٧). وثالثها أن البكاء شيء ظاهرى ومن ثم يمكن أن يموه على الناس، ويذكرون مثالا لهذا دموع إخوة يوسف الكاذبة (سورة يوسف الآية ١٦). وأشير أيضًا إلى الأثر المزعوم الذي يقول إن المؤمن يبكى من قلبه والمنافق من ظاهر وجهه. ولما كان البكاء مظهرًا خارجيًا فإن رسائل الصوفية لم تفرد له فصلًا خاصًّا، بل تناولته تناولا عابرًا في

стр. 1811

فصول تدور حول الحزن والخشوع وما إلى هذا. ويعد الفصل السابع والعشرون من كتاب العطار المسمى "مختار نامه" (در صفه كريستن) فريدا في بابه لا تستوجب الضرورة أن نتناوله هنا. ورابعها أن الكثيرين من الصوفية المتأخرين رأوا أن من علامات الضعف أن يتركوا لمشاعرهم العنان إلى حد البكاء. ولا محل هنا للحديث بإفاضة عن بكاء الصوفية في السماع، وعند أضرحة الأولياء، وذرف الحجاج للدموع لدى مشاهدة مكة، والوقوف بعرفة، وأمام قبر الرسول ﷺ في المدينة، وبكاء الشيعة على أئمتهم أو عند قبورهم، وبكاء التوَابين أو الخوارج إلخ. صحيح أن الإسلام قد غطى على أشكال شرقية أخرى للبكاء بل استوعبها في الحقيقة (انظر "بكاء المجوس" على سياوش في كتاب النرشخى المسمى تأريخ بخارى، طبعة شيفر Schefer، ص ٢١؛ البكاء على تمُّوز؟ ). ومع ذلك فإن المسلمين أنفسهم كانوا مدركين كل الإدراك أن بكاءهم الذي أثارته تقواهم له مثيل في المجال اليهودى - المسيحي وتدل عليه بجلاء شواهد كدموع آدم ونوح (مشتق من ناح) ويعقوب وداود وسليمان ويوحنا المعمدان ويسوع ورهبان عديدين. أما البكاءون الذين تحدث عنهم ابن هشام، في كتاب السيرة (طبعة فستنفلد Muestenfeld، حـ ٢ ص ٨٩٥ وما بعدها) فلا يدخل في طائفة البكائين الذين تحدثنا عنهم في هذه المادة. المصادر: (١) الجاحظ: البخلاء، طبعة الحاجرى، انظر ترجمة بلا Pe ١١ at، ص ٨ - ٩ (٢) البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، حـ ٣، ص ١٤٩ وما بعدها. (٣) ابن قتيبة عيون الأخبار

стр. 1812

(القاهرة سنة ١٩٢٨) حـ ٢، ص ٢٦١ وما بعدها. (٤) خليل بن أيبك الصفدى: تشنيف السمع في انسكاب الدمع، القاهرة سنة ١٣٢١، ص ٣٤. (٥) أبو نعيم أحمد الإصبهانى: حلية الأولياء، القاهرة سنة ١٩٣٢، في مواضع مختلفة. (٦) ابن الجوزي: صفة الصفوة، وانظر أيضًا رسائل صوفية أخرى وتراجم. (٧) Handbook of the: A. J. Wensinc on arly Muhammadan Traditi E مادة Weeping . (٨) الكاتب نفسه Mu.cu[mnnF Indices de la . مادة Baka (٩) الكاتب نفسه Mourning and Religion Verh.Ak)Rites of Wetenschappente Amsterdam Letterkunde ١٨، N.R. رقم ١، سنة ١٩١٧). (١٠) الكاتب نفسه: Mystic Treatises Nineveh (المصدر المذكور، ص ٢٣، رقم ١، سنة ١٩٢٣) (١١) (d Suppl.: R. Dozy انظر مادة بكاء ورِقة rikka. (١٢) R. A. E.R.E. , Nicholson، ص ١٠٠. (١٣) Der erste Cha-: Eduard Sachau life Abu Bekr, في سنة ١٩١٣، جـ ١، ص ٢١ وما بعدها. (١٤) (Ueber des Weinen: J.H. Palache derjuedischen Religion in في , der Deutsch Morgenl Gesells) سنة ١٩١٦) , ص ٢٥١ وما بعدها. (١٥) Essai sur les -: on-: L. Massignon gines du lexique technique de la mystique musulmane, الطبعة الثانية (سنة ١٩٥٤)، ص ١٦٦ - ١٦٧. (١٦) L'Islam, Croy-: H. Lammens ances et Institutions' الطبعة الثانية، بيروت سنة ١٩٤١ - ص ١٥٢ - ١٥٥. (١٧) Studien zur islamis-: H. Ritter i chen Froemmigeit في (سنة ١٩٣٣). (١٨) Ueber den Aus-: G. Zappert -druck des geistigen Schmerzes in Mittelal

стр. 1813

terK، في Denkschr.d.Ak.win، حـ ٥ (سنة ١٨٥٤) ص ٧٣ وما بعدها. (١٩) Die griechische: W. Heffning Ephraem-Paraenesis gegen das Lachen in tarabischer Uebersetzung في , Oriens وما بعدها. (٢٠) Unbeachtetes in Au-: J. Balogh i gustins Konfessionen في حـ ٤ (١٩٢٦)، ص ١٠ وما بعدها (imber lacrimarum) (٢١)Das"Gebetweinen ٢٧(سنة ١٩٢٩)، ص ٣٦٥ وما بعدها. (٢٢) ARW ٢٩ (سنة ١٩٣١)، ص ٢٠١ وما بعدها. (٢٣) F. Meier، في Oriens حـ ٩ سنة (١٩٥٦)، ص ٣٢٣. (٢٤) Das Weinen als Sitte: K. Meuli (كتاب لم ينشر بعد، سمح لي بالاطلاع عليه). آدم (ف. ماير) البلاذرى أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرى: من أعظم مؤرخى العرب في القرن الثالث، ولا نعرف عن سيرته إلا القليل إذ لم يحقق بعد تاريخ مولده ولا تاريخ وفاته. وكان البلاذرى صفيًا للخليفتين المتوكل والمستعين، ودرَس لعبد الله الابن النجيب للخليفة المعتز. ويقال إنه توفى عام ٢٧٩ هـ (٨٩٢ م) بعد أن اختلط عقله عقب شربه عصير البلاذر دون أن يعرف مفعوله، ولهذا لقب بالبلاذرى. ولعل هذه القصة ترمى إلى تعليل هذا الأمر، ولكن ليس لدينا من جهة أخرى ما يقطع بأنه لم يقصد بها جده. واشتهر البلاذرى بالنقل عن الفارسية، وقد يكون لهذا السبب من أصل فارسى، غير أن جده كان من رجال الدواوين في مصر، ومهما يكن من شيء فإن مؤرخنا الشهير قد استعرب تمامًا. وطلب العلم في دمشق وفي حمص ردحًا من الزمن، ودرس أيضًا بالعراق على شيوخ منهم ابن سعد.

стр. 1814

وبقى من مصنفاته التاريخية العظيمة اثنان، وقد اعترف له الجميع بصحة الرواية والبصر بالنقد، وهذان المصنفان هما: (١) "فتوح البلدان، وقد نشره ده غويه de Goeje بعنوان ' Expugnationis Regionum anctore .. al-Bel adsori، ليدن ١٨٦٦ ونشر بالقاهرة عام ١٣١٨ هجرية. وهذا المصنف القيم مختصر لكتاب آخر شامل يتناول الموضوع نفسه، ويبدأ كتاب البلاذرى بغزوات النبي لليهود ومكة والطائف إلى جانب غزواته الأخرى، ثم يعقب ذلك بالتحدث عن الردة وفتح الشام والجزيرة وأرمينية ومصر والمغرب ثم يختمه بذكر فتح العراق وفارس. ويتخلل سرده للحوادث إشارات ذات قيمة من ناحية تاريخ الحضارة والنظم الاجتماعية مثل كلامه عن نقل الدواوين ومثل الخلاف الذي حدث مع الروم بشأن القراطيس، ومسائل الخراج، واستعمال الخاتم، وأمر السكة وتداولها، وتاريخ الخط العربي وهذا المصنف من اقيم المصادر في تاريخ الفتوح العربية. (٢) "أنساب الأشراف" (وأخباها) وهو مصنف كبير شامل ولكنه لم يتم، رتبة تبعًا للأنساب، وهو يبدأ بسيرة النبي وسير الصحابة ثم يورد العباسيين بعد العلويين، وبنى عبد شمس بعد بنى هاشم، ويذكر الأمويين من بين عبد شمس، ولكنه لم يفرد لهم مكانا يتناسب وأقدارهم، ثم تحدث عن بقية قريش وبطون أخرى من مُضَر. وشغل الجزء الأخير من كتابه بالحديث عن قيس وخص بالذكر منهم ثقيفًا، وآخر سيرة كبيرة أوردها هي سيرة الحَجَاج. وعلى الرغم من أن ظاهرة يوحى بأنه كتاب في الأنساب، فالحق إن الأنساب فيه طبقات نظمت من جهة النسب على وتيرة كتاب ابن سعد، ولكن هذه الطريقة في التبويب لم تتبع بدقة لأننا نجد أنه يضيف دائمًا أهم الحوادث التي وقعت في عهود الحكام إلى الفصول المناسبة لها. وعلى هذا فإن الأنساب من أهم المراجع في تاريخ الخوارج، ويقوم كاتب هذه السطور

стр. 1815

بنشره بمعونة عدد من زملائه معتمدين في ذلك على مخطوط كامل بالآستانة (عاشر أفندى، رقم ٥٩٧ - ٥٩٨). والقطعة المحفوظة في باريس مأخوذة عن مخطوط الآستانة) De Goeje: Zeitschr.der Deutschen Morgenl Ges العدد ٣٨). وهناك نسخة متأخرة من هذا الكتاب في عشرين جزءًا (حاجى خليفة، جـ ١ ص ١٣٤٠) ولم يبق منها إلا الجزء الحادي عشر) W.Ahlwardt: Anonyme Arabisch Chronik, ليبسك سنة: ١٨٨٣ م). وقد عرّف آلوارت بحق في هذه القطعة المجهولة المؤلف جزءًا من كتاب الأنساب وعلى الرغم من حسنات البلاذرى فقد بالغ البعض في العصور تحديثة في تقدير قيمته باعتباره مؤرخًا. وليس صحيحًا أن نقول إنه أورد النصوص الأصلية التي نمقها الكتاب المتأخرون وبسطوها. ولعل الأقرب إلى الحقيقة أن نقول إنه اختصرها بدليل التطابق بين جوهر كلامه وبين المراجع المتأخرة الأكثر منه تفصيلا. وأسلوب البلاذرى يسوده الاختصار، ولذلك فهو يتميز بالإيجاز ويعوزه الإشراق، وقلما تقرأ له قصة على شيء من الطول. ويقسم الإخباريون القدماء المحيدون الذين يروى عنهم -مثل أبي مخنف- مصنفاتهم إلى أبواب لا ارتباط بينها تستند إلى أسس علمية، وإن كانت النصوص والروايات المختلفة تزحم سرد الوقائع إلى حد بعيد. وعلى هذا فإن ترتيبة لمادته محدود من جهة أنه يتبع مناهج كتب الطبقات بما فيها من أبواب منفصلة في كتابته عن تاريخ الفتوح، ويحاول أن يضم مادة كتاب الطبقات كابن سعد ومادة الإخباريين المتقدمين كابن إسحاق وأبي مخنف متخذا لنفسه في ذلك أسلوبا ثالثًا هو أسلوب كتب الأنساب ككتاب الكلبى. انظر فيما يختص بالمصادر مقدمة النسخة التي سبق أن نوهنا بها وكتاب بروكلمان Gesch.d. arab.: Brockelmann . Lit جـ ١ ص ١٤١ وياقوت، إرشاد الأريب، طبعة مركوليوث، سلسلة جب Gibb التذكارية، رقم ٨، جـ ٢، ص ١٢٧ وما بعدها. [بيكر C.H. Becker]

стр. 1816

البلاغة " البلاغة: اسم معنى من بلغ، ومعناه لغة الوصول والانتهاء. وعلم البلاغة ثلاثة فروع هي: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع. والأول يبحث في أنواع الجمل المختلفة واستعمالها؛ والثاني يعلم الإنسان صناعة الكلام "الفصيح"، من غير إبهام. ومباحثه التشبيه والاستعارة والكناية! والثالث يبحث في محسنات الكلام، ويتناول عددًا كثيرًا من صور القول كالأطناب والقلب والاستخدام. والفرع الثالث، وهو علم البديع، أقدم هذه العلوم وأكثرها تداولا، ففي عام ٢٧٤ هـ (٨٨٧ - ٨٨٨ م) أصدر الأمير عبد الله بن المعتز مصنفه "كتاب البديع" وضمنه سبعة عشر نوعًا من العبارات المحسنة مما ورد في القرآن والشعر القديم وما يعرف بالبديعيات، ثم ألفت المنظومات التي تبين مختلف الصور القولية إلى قرابة العصر الحديث. وللسكاكى المتوفى ٦٢٣ هـ (١٢٢٦) أو - ٦٢٦ هـ (١٢٢٩ م) بحث منظم في علوم البلاغة كلها في الجزء الثالث من كتابه الشامل "مفتاح العلوم"، ثم جاء جلال الدين محمد القزوينى "خطيب دمشق" المتوفى عام ٧٣٠ (١٣٣٨ م) فاختصره وشرحه بعنوان "تلخيص المفتاح" الذي تُدوول بالشرح مرارًا، ونظمه السيوطي. وأورَد مهرن Mehren مقتطفات كثيرة من هذه المصنفات في كتابه Rhetorik der Araber. وقد اعتمدنا في كتابة هذه المادة على أبحاثه (انظر كذلك Brokelmann: Gesch d arah- BY - جـ ١، ص ٨٠ وما بعدها، ص ٢٩٤ - ٢٩٦, جـ ٢، ص ٢٢). [شاده Chaade] تعليق علي مادة البلاغة ١ - البلاغة- في اللغة "شيء بالغ. وأمر بالغ" أي جيد، ومن هنا كانت البلاغة في معنى جودة الكلام. ولعلهم لم يهتموا بالتفريق بينها وبين الفصاحة أولًا، كما يظهر من استعمال الجاحظ في البيان والتبيين، وكما يقول أبو هلال العسكرى- الصناعتين: ص ٧، الآستانة سنة ١٣٢٠ هـ "وإذا كان الأمر على هذا فالفصاحة والبلاغة

стр. 1817

ترجعان إلى معنى واحد، وإن اختلفت أصلاهما، لأن كل واحد منهما إنما هو الأبانة عن المعنى والإظهار له". على أن اختلاف الأصل اللغوي كان سبب تفريق بينهما، ظل ينمو مع الزمن حتى استقر الإصلاح التعليمى الغالب، على أن الفصاحة توصف بها الكلمة والكلام والمتكلم، وأنها تكون بدون البلاغة، وأن البلاغة يوصف بها الكلام والمتكلم دون الكلمة المفردة، ولا تكون بدون الفصاحة وظلت الكتب المتأخرة تشير إلى إمكان التسوية بين الكلمتين، وإليها أميل الآن، تقليلًا للأقسام، فنقول بلاغة الكلمة وبلاغة الكلام، كما نستطيع أن نقول: بلاغة الألفاظ وبلاغة المعاني، أي جودة كل ذلك. ٢ - علم البلاغة: جاء الإسلام العرب بمعجزة بلاغية هي القرآن، الذي تحداهم أن يأتوا بمثله، فكان إيمان العربي إقرارا بالإعجاز، وتسليما بأنه إن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا. وبتمادى الزمن، ودخول غير العرب في الإسلام احتاج المسلمون إلى أن يتعرفوا إعجاز القرآن، واضطروا إلى بحث ودراسة لذلك. فصارت معرفة البلاغة أمرًا كلاميًا، يقرر حجة الله في عقول المتكلمين، كما يقول عمرو بن عبيد في القرن الثاني الهجرى- البيان والتبيين ١: ٩٠ و ٩١ الطبعة التجارية - ومن هنا اشتغل علماء الكلام بأبحاث بلاغية. ٣ - اعتمدت الحياة على القرآن، فكان مصدر التشريع، وأساس الأخلاق وما إلى ذلك، وفي سبيل استخراج هذا من القرآن، التزم أصحاب الدراسات الدينية أن يبحثوا أسلوب القرآن، وطرق فهمه ومراميه في القول، فكانت لعلماء أصول الفقه مثلًا أبحاث بلاغية تحتل المقدمة اللغوية لعلم الأصول، وهي مقدمة تضخمت مع الوقت حتى صارت مسائلها من أهم ما يبحث الأصوليون، ويشير السكاكى إلى استئثار علم أصول الفقه، بأبحاث علمي المعاني والبيان فيقول - المفتاح ص ١٧٩ طبعة الميمنية-: "بل تصفح معظم أبواب أصول الفقه من أي علم هي؟ ومن يتولاها؟ " ٤ - حين امتد الفتح الإسلامى

стр. 1818

وبسطت الدولة جناحيها من حدود الصين إلى شاطن الأطلنطى استظل بظلها أخلاط من صنوف البشر، قويت حاجتهم إلى دراسة اللغة العربية لغة الدولة الرسمية، والتفوق في أدبها ليظفروا بولاية أولة، في الكتابة التي كانت في درجة الوزارة، والتي هي ناحية عملية لها أثر جد خطير في الحياة الأدبية العربية وتاريخها. فكانت لبيئة الكتاب دراسات أدبية هامة، وقيل منذ القدم أن الكتاب دهاقين الكلام- العمدة ٢: ٨٤؛ ٨٥ طبعة هندية - وصار عندهم من علم الأدب ما ليس عند غيرهم، حتى قال الجاحظ: "طلبت علم الشعر عند الأصمعى فوجدته لا يحسن إلا غريبه، فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه. فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لا ينقل إلا ما اتصل بالأخبار، وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب كالحسن بن وهب ومحمد بن عبد الملك الزيات"- العمدة ٢: ٨٤. وهكذا بدأ بحث البيئة الكتابية في لغة القرآن نفسه مبكرًا، فتحدثنا الرواية أن رجلًا في زى الكتاب بمجلس الفضل ابن الربيع سال أبا عبيدة معمر بن المثنى- ت ٢٠٦ هـ - عن قوله تعالى، "طلعها كأنه رءوس الشياطين" فقال: إنما يقع الوعد والإبعاد بما قد عرف مثله، وهذا لم يُعرف! ! "؛ فاعتقد أبو عبيدة أن يضع كتابًا عن القرآن في مثل هذا وأشباهه، وألف كتابه مجاز القرآن - ابن خلكان: وفيات الأعيان ٢، ١٣٨. ١٣٩ طبعة بولاق. وقد كان للكتاب بمؤلفاتهم أثر واضح في حياة البلاغة؛ فمن ابن المقفع بأدبيه، إلى قدامة ابن جعفر بنقديه، وابن شبت القرشي، صاحب كتاب معالم الكتابة ومغانم الإصابة، والشهاب الحلبى الكاتب صاحب حسن التوسل إلى صناعة الترسل، وابن الأثير بمثله السائر، والقلقشندى بصبح الأعشى في صناعة الإنشا. هؤلاء وغيرهم قد خدموا دراسة البلاغة العربية خدمات جليلة. ٥ - في هذه العظمة السياسية، وبسطة المال والنعيم، ترقى الفنون جميعًا، وقد كان للفن القولى نصيبه من النهوض واتجه شعراء المولدين إلى

стр. 1819

الاختراع والإبداع - ابن رشيق: العمدة ١: ٢٧٥ وما بعدها - وكان ذلك بأن نظر الشعراء ونقاد المتأدبين منهم، إلى محاسن الكلام وأوجه جماله، يلتمسونها في النثر والشعر، ليستكثروا منها في أشعارهم وسموها (البديع)؛ فاحتاج مثل هذا إلى درس بلاغى، استخرجوا به هذه المحاسن، وحاولوا ضبطها، ووضعوا لها الألقاب، وفيه وضع ابن المعتز الشاعر الأمير كتابه (البديع) سنة ٢٧٤ هـ. فقسم هذه الأوجه قسمين: البديع، والمحاسن، وخص باسم البديع خمسة أبواب هي: الاستعارة، والتجنيس، والمطابقة، ورد أعجاز الكلام على ما تقدمها؛ والمذهب الكلامى، وقد نسب تسميته هذا القسم إلى الجاحظ. وذكر- ص ٥٨ - أنه اقتصر بالبديع على هذه الخمسة اختبارًا، وإن لم يبين وجه ذلك، وعرض بعد ذلك لمحاسن الكلام والشعر فقال إنها كثيرة وذكر منها اثنى عشر نوعًا، وما ذكرناه من البديع والمحاسن خليط عدّ بعضه أخيرًا من علم المعاني، كالالتفات والاعتراض وتجاهل العارف؛ وبعضه من علم البيان كالاستعارة، وحسن التشبيه، والتعريض والكناية، وبعضها من البديع الاصطلاحى، وتتابعت تلك الدراسة البلاغية التي بدأها الشعراء والنقاد حتى نمت نموًا عظيمًا نراه في تاريخ البديع، وظلت تشمل مختلف الأبحاث البلاغية، التي توزعها التقسيم الأخير لعلومها. ٦ - وإلى جانب هذا كان من العاملين في الميدان الأدبى، أولئك الرواة الذين وصلوا ماضى العرب بحاضرهم، وحفظوا تراث اللغة والأدب الباقي بعدما اختلط العرب بغيرهم، ففسدت لغتهم، وخسروا شخصيتهم: نقل هؤلاء الرواة عن البادية، التي أرزت إليها الفصحى، ما استطاعوا العثور به من متن اللغة وأحاديث الأدب. واشتغلوا بتدوين دلك ومدارسته. فكان لهؤلاء النفر من أصحاب اللغة حظ من التحدث في استعمال الألفاظ العربية، وخصائص الأسلوب العربي، وما إلى ذلك من دراسة بلاغية أيضًا، يشير إليها الجاحظ في البيان والتبيين-٣: ٢٤٢، فيقول بعد ما روى بيت الأشهب ابن رميلة: هم ساعد الدهر الذي يتقى به ... وما خير كف لا تنوء بساعد

стр. 1820

قوله: هم ساعد الدهر، إنما هو مثل، وهذا الذي تسميه الرواة البديع (١) " وكما يشير عبد القاهر الجرجانى (في دلائل الإعجاز ص ٣٢٨ طبعة الترقى) إلى ما نجده في كتب اللغة من إدخال ما ليس طريق نقله التشبيه في الاستعارة كما صنع أبو بكر بن دريد في الجمهرة. فإنه ابتدأ بابا فقال (باب الاستعارات) إلخ"، وكالذي نجده متفرقًا في كتب الأمالى من هذا التناول البلاغى لأصحاب اللغة ودراستها. فأنت ترى في وادي الأدب العربي نهيرات تنبع من بيئات مختلفة، من البيئة الدينية: كلامية وأصولية. ومن البيئة الأدبية: بيئة الكتاب وبيئة الشعراء، وبيئة الرواة وأهل اللغة. وتلتقى تلك النهيرات جميعا في نقطة واحدة، هي معرفة طرق إدراك جيد الكلام، وكيف يكون التفريق بين كلام جيد، وآخر ردئ. أو الاقتدار على صنع كلام جيد، قصيدة منظومة أو نثرا مرسلًا، وتلك هي الدراسة البلاغية التي يتبين مؤرخها الدقيق تلك العناصر المختلفة في نشأتها وتدرجها ويتميزها واضحة في أبوابها ومسائلها. ٧ - بمضى الزمن تميزت الدراسات واستقرت واتخذت كل مجموعة من قواعدها اسمًا خاصًّا. ورتبت العلوم مجموعات، فكانت علوم العربية أو العلوم الأدبية أولًا تعد ثمانية- ابن الأنبارى: طبقات الأدباء، ص ١١٧ طبعة مصر سنة ١٢٩٤ هـ - هي: النحو، واللغة، والتصريف، والعروض، والقوافى، وأخبار العرب، وأنسابهم، وثامن هذه العلوم (علم صنعة الشعر) وهو اسم مجموعة الدراسات السابقة التي تعلم معرفة الجيد من القول وصناعته. كذلك سميت الفنون البلاغية قديمًا صنعة الشعر، كما سميت أحيانًا نقد الشعر أو نقد الكلام، ويعد القدماء مما ألف فيها كتاب الصناعتين لأبي هلال، ونقد الشعر

стр. 1821

لقدامة بن جعفر (الإنبابى: على رسالة الصبان في البيان، ص ٣، طبعة بولاق). وقبل ذلك عدّ أبو هلال نفسه، كتاب البيان والتبيين للجاحظ، أكبر وأشهر الكتب المصنفة في علم البلاغة. ومن هنا نقدر كيف التقى النقد بالبلاغة واتحدا عندهم، فلم يفردوا النقد ببحث خاص، ولا سموا له علما. ٨ - مضت هذه الدراسة البلاغية، تتقلب بها المناهج، وتؤثر فيها البيئات، وتتأثر بالثقافة الإسلامية العامة، من أصيلة ودخيلة، وقد رأينا من قبل كيف اختلفت مناشئها، والتقت فيها موارد متعددة. ومؤرخ البلاغة يجد من مذاهب هذه الدراسة ومدارسها ما يحسن تتبعه، وقد أدرك القدماء أنفسهم وجود بلاغتين، سموا أولاهما "البلاغة على طريقة العجم وأهل الفلسفة". وسموا الثانية "البلاغة على طريقة العرب والبلغاء" (السيوطي: حسن المحاضرة ١: ١٥٧، طبعة مصر سنة ١٣٢١ هـ). ونجد الأولى تشيع غالبًا في المناطق الشرقية من الدولة الإسلامية حيث يقطن خليط من الفرس والترك والتتر ومن إليهم. ومن فحول هذه الطريقة جار الله الزمخشرى، وأبو يعقوب يوسف السكاكى، وسعد الدين التفتازانى وغيرهم. وتسود الثانية غالبًا في المناطق الوسطى من الدولة الإسلامية، حيث مهد العربية الأول وما داناه من الأقاليم كالعراق والشام ومصر مثلًا. ومن رجال هذه الطريقة أمثال ابن سنان الخفاجى صاحب كتاب سر الفصاحة وابن الأثير والسبكى المصري وغيرهم. ولكل مدرسة كتبها ورجالها مما يتسع لمؤرخ البلاغة مجال تتبعه وفحصه. وبلاغة العجم وأهل الفلسفة هي التي اشتهرت، ولا يزال طابعها هو الظاهر، والمتبادر اليوم حينما تطلق كلمة البلاغة. ٩ - ازداد تنسيق علوم الأدب أو علوم العربية، فوصلت التي اثنى عشر علمًا، لوحظت في ترتيبها اعتبارات خاصة. فقسمت مثلًا إلى أصول وفروع. ثم قسمت الأصول قسمين: ما يبحث في المفردات، وما يبحث في

стр. 1822

المركبات. وقسم ما يبحث في المركبات قسمين: ما يبحث في الموزون منها فقط، وما يبحث في المركبات مطلقًا موزونة ومنثورة. وتحت هذا نجد العلوم التي استقر الأمر أخيرًا على اعتبارها علوم البلاغة ووقفت عندها جهود بلاغة الأعجام المتفلسفة، وهي: علم المعاني، وعلم البيان. ويتبعهما البديع. هنا يلتزم التفريق بين الفصاحة والبلاغة على ما أشرت إليه أولًا. ويشتهر تعريف البلاغة بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته. ويبينون وجه انحصار دراسة البلاغة في هذه العلوم على طريقتهم المنطقية بأن: البلاغة في الكلام مرجعها التي أمرين: الاحتراز عن الخطا في تادية المعنى المراد، وتمييز الكلام الفصيح من غيره. والثاني منهما وهو تمييز الفصيح، منه ما يبين في علم من اللغة أو علم الصرف، أو النحو، ومنه ما يدرك بالحس. ثم منه ما ليس كذلك، وهو التعقيد المعنوى، لا يعرف بشيء من العلوم ولا يعرف بالحس فيبقى شيئان يحتاجان التي علم بتولى البحث عنهما، وهما: الاحتراز عن الخطا في تادية المعنى المراد والاحتراز عن التعقيد المعنوى، فاتخذوا علمين جديدين هما: علم المعاني الذي يحترز به عن الخطأ في تادية المعنى المراد؛ أي يعرف به مطابقة الكلام لمقتضى الحال. ثم علم البيان الذي يحترز به عن التعقيد المعنوى، أي يعرف به إيراد المعنى الواحد بتراكيب مختلفة في وضوح الدلالة عليه. واحتاجوا لمعرفة توابع البلاغة التي علم آخر، فجعلوا لذلك علم البديع الذي يعرف به وجوه التحسين في الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال ورعاية وضوح الدلالة: وبالطريقة المنطقية نفسها حصروا أبحاث هذه العلوم. فقالوا في المعاني: إنه ينحصر في ثمانية أبواب: لأن الكلام إما خبر أو إنشاء - والخبر لا بد له من مسند إليه ومسند وإسناد، فعقدوا لذلك باب أحوال الإسناد الخبرى، وباب أحوال المسند إليه، وباب أحوال المسند، ثم المسند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلًا أو ما في معناه، فعقدوا باب متعلقات الفعل وكل من

стр. 1823

الإسناد والتعلق إما بقصر أو بغير قصر فعقدوا باب القصر. ثم خصوا الإنشاء بباب مستقل والجملة مع الأخرى اما معطوفة أولًا وهذا باب الفصل والوصل. والكلام البليغ إما زائد على أصل المراد لفائدة أو غير زائد. وهذا باب الإيجاز والإطناب والمساواة. وكذلك شرحوا وجه انحصار علم البيان في التشبيه والمجاز والاستعارة والكناية، وانحصار البديع في قسمى التحسين المعنوى، والتحسين اللفظى. وفكرتهم في هذا الحصر صورة لما ساد دراسة تلك البلاغة من نزعات فلسفية، وكلامية ومنطقية، أقحم فيها كثير من أبحاث لا علاقة لها بالغرض الأدبى من البلاغة. وضيقت دائرتها الفنية، وأفاضت عليها جمودً وجفافًا أعجزاها عن أن تترك أثرًا أدبيًا في ذوق دراسها؛ وقصر غايتها على مسألة دينية بعينها هي مسألة الإعجاز حتى صار من تعاريف البلاغة: أنها علم يمكن معه الوقوف على معرفة أحوال الإعجاز- يحيى العلوى: الطراز، ١: ١٣، مصر. واتبعت في دراستها الطريقة التقليدية، فاتخذ لها المتن الموجز المركز، يفسره الشرح، وتعلق عليه الحاشية، ويتبعها التقرير، في مناقشات لفظية مردها التي علوم مختلفة، تبعد عن الأدب والذوق وما التي ذلك كلما زاد عمقها وغوصها في تقدير متناولها. ١٠ - البلاغة اليوم -في الشرق، ولا سيما مصر- حركات تجديدية بلا مراء. ومن هذه الحركات الموفق الرشيد، ومنها طائش غير مسدد. ودون أن نمس تفصيل ذلك في الحياة الأدبية بخاصة وما يتناولها من تجديد؛ ومع اجتناب ما يضيع الجهد ويثير الخلاف حول هذه المحاولات، نقول: أن التجديد الأدبى يرمى التي غرضين: قريب، وبعيد. فالغرض القريب: هو تسهيل دراسة المواد الأدبية" وتوفير ما يبذل فيها من جهد ووقت؛ مع تحقيق المطلوب من دراستها تحقيقا عمليًّا، بحيث يمكن كل دارس لها أن يظفر في وقت مناسب وبجهد محتمل بما يستطيع معه استعمال اللغة في حياته، ذلك الاستعمال الذي تطلب من أجله اللغات.

стр. 1824

وهذا الغرض يحققه المنهج الصالح، والكتاب المنظم، والمعلم الكفء، وإن استلزم تغييرًا في ترتيب مسائل هذه العلوم، أو طريق تناولها وعرضها، فذلك أمر قريب المنال حين تصدق النية في طلبه. وأما الغرض البعيد من التجديد في علوم الأدب أو علوم العربية، فهو أن تكون هذه الدراسات الأدبية مادة من مواد النهوض الاجتماعى تتصل بمشاعر الأمة، وترضى كرامتها الشخصية وتساير حاجتها الفنية المتجددة. فتكون اللغة في مصر مثلًا لغة الحياة في ألوانها المخللفة، وأداة التفاهم المرضية في البيت والمعمل. والجامعة والمسرح، والسوق والنادى وما إلى ذلك، فلا يعيش الناس بلغة، ويتعلمون لغة أخرى. ولا يفكر الناس بلغة ويدونون أفكارهم بغيرها؛ ولا يتعاملون بلغة، ويشعرون وينثرون ويمللون ويخطبون بغيرها؛ ولا تكون اللغة سببًا في فرض نظام من الطبقات على الأمة بحيث يتسع البعد بين خاصة الأمة وعامتهم في اللغة المتفاهم بها. ولا يتحقق هذا الغرض إلا بتغيير قد يمس -أو لا بد أن يمس- الأصول والأسس البعيدة ويدخر له العزم والجهد حتى تصير اللغة ناحية من كيان الأمة، وجانبًا من وجودها العملى، ولا تفترق اللغة في حال عنها في أخرى إلا بقدر ما تتطلب الأناقة الفنية والعمل الأدبي. وهذا المطلب شاق غير يسير في جوانب مختلفة من العلوم العربية؛ إلا أنه أقل مشقة في البلاغة ودرسها؛ لمرونة في فطرتها، وقابلية في منهجها الذي يعتمد على الذوق والوجدان؛ ويصل أبحاثها بالفن والجمال مهما أخفت ذلك اتجاهات خاطئة، وأعمال مؤقتة. ثم إلى هذا كله أمر آخر، يضيق الخلف، ويوفر المشادة بين الواقفين والسائرين، هو أن الأقدمين أنفسهم قد صرحوا بأن البلاغة من العلوم التي لم تنضج دراستها. وإذا كان الأمر كذلك فإني أرى أن نعمد رأسًا إلى تحقيق الغرض البعيد في تجديد البلاغة العربية تجديدًا يمس الأصول والأسس فيغيرها، وينفى فيها

стр. 1825

ويثبت؛ ونخالف مقررات كبرى -وبخاصة في البلاغة المتفلسفة- ونضيف إضافات جديدة، حتى نصل البلاغة بالحياة، ونمكنها من التأثير الصالح فيها، وإذا تم ذلك كان تسهيل الدرس أمرا هينًا يسير التحقيق، فلنا إذ ذاك أن نؤلف من الكتب ما نشاء، ونعرض الموضوعات ونتناول المسائل كما نشاء، بعد ما استطعنا التحكم في الأصول الكبرى. على أنى حينما أحاول ذلك، أنتفع أولًا بكل ما يستطاع الانتفاع به من القديم، وأتجنب الإندفاع المضيع للجهد والوقت، والمفرق للقوى في غير ضرورة، وأوثر اتباعًا لهذه الخطة أن أقدم بيان ما يستجيب له التراث القديم من هذا التغيير: ١ - فمن حيث وصل البلاغة بالحياة الأدبية، وجعلها دراسة ذات جدوى عملية، يكفى أن نأخذ برأى القدماء حينما كان أبو هلال العسكرى يقول: إن صاحب العربية يستطيع بعلم البلاغة أن يفرق بين كلام جيد وآخر ردئ، ولفظ حسن وآخر قبيح، كما يستطيع أن يصنع قصيدة وينشئ رسالة. وبهذا تحكم حاجة الحياة الأدبية، وينتفع بكل ما يجد في تلك الحياة من نافع، وتخدم الفنون القولية الرائجة. ٢ - ومن حيث إخضاع البلاغة للمنهج الأدبى الفني في الدراسة يكفى أن نحيى رسوم المدرسة الأدبية الأولى وآثارها وكتبها. وبهذا نحتكم التي كل ما في دراسة الفنون من أساليب مجربة ومناهج مستحدثة، ونهمل بتاتًا للك الدراسة الفلسفية المستعجمة. وفيما نبتغى من تغيير وراء ذلك ننتفع بما قرروا من عدم نضج البلاغة؛ لنقرر ما يلي: ٣ - قد وضع القدماء هذه البلاغة في قسم المركبات من العلوم الأدبية؛ وقصروها على دراسة الجملة وأجزائها فحسب؛ لا ترى من أبحاثها شيئًا يزيد على ذلك؛ وقدموا مقدمة عامة للفصاحة والبلاغة ذكروا فيها شيئًا عن فصاحة الكلمة المفردة. والعمل الأدبى ليس في الجملة وجزئها لا غير، فتلك
следующие страницы →