لقدامة بن جعفر (الإنبابى: على رسالة الصبان في البيان، ص ٣، طبعة بولاق). وقبل ذلك عدّ أبو هلال نفسه، كتاب البيان والتبيين للجاحظ، أكبر وأشهر الكتب المصنفة في علم البلاغة.
ومن هنا نقدر كيف التقى النقد بالبلاغة واتحدا عندهم، فلم يفردوا النقد ببحث خاص، ولا سموا له علما.
٨ - مضت هذه الدراسة البلاغية، تتقلب بها المناهج، وتؤثر فيها البيئات، وتتأثر بالثقافة الإسلامية العامة، من أصيلة ودخيلة، وقد رأينا من قبل كيف اختلفت مناشئها، والتقت فيها موارد متعددة.
ومؤرخ البلاغة يجد من مذاهب هذه الدراسة ومدارسها ما يحسن تتبعه، وقد أدرك القدماء أنفسهم وجود بلاغتين، سموا أولاهما "البلاغة على طريقة العجم وأهل الفلسفة". وسموا الثانية "البلاغة على طريقة العرب والبلغاء" (السيوطي: حسن المحاضرة ١: ١٥٧، طبعة مصر سنة ١٣٢١ هـ).
ونجد الأولى تشيع غالبًا في المناطق الشرقية من الدولة الإسلامية حيث يقطن خليط من الفرس والترك والتتر ومن إليهم. ومن فحول هذه الطريقة جار الله الزمخشرى، وأبو يعقوب يوسف السكاكى، وسعد الدين التفتازانى وغيرهم.
وتسود الثانية غالبًا في المناطق الوسطى من الدولة الإسلامية، حيث مهد العربية الأول وما داناه من الأقاليم كالعراق والشام ومصر مثلًا. ومن رجال هذه الطريقة أمثال ابن سنان الخفاجى صاحب كتاب سر الفصاحة وابن الأثير والسبكى المصري وغيرهم.
ولكل مدرسة كتبها ورجالها مما يتسع لمؤرخ البلاغة مجال تتبعه وفحصه. وبلاغة العجم وأهل الفلسفة هي التي اشتهرت، ولا يزال طابعها هو الظاهر، والمتبادر اليوم حينما تطلق كلمة البلاغة.
٩ - ازداد تنسيق علوم الأدب أو علوم العربية، فوصلت التي اثنى عشر علمًا، لوحظت في ترتيبها اعتبارات خاصة. فقسمت مثلًا إلى أصول وفروع. ثم قسمت الأصول قسمين: ما يبحث في المفردات، وما يبحث في
стр. 1822
المركبات. وقسم ما يبحث في المركبات قسمين: ما يبحث في الموزون منها فقط، وما يبحث في المركبات مطلقًا موزونة ومنثورة. وتحت هذا نجد العلوم التي استقر الأمر أخيرًا على اعتبارها علوم البلاغة ووقفت عندها جهود بلاغة الأعجام المتفلسفة، وهي: علم المعاني، وعلم البيان. ويتبعهما البديع.
هنا يلتزم التفريق بين الفصاحة والبلاغة على ما أشرت إليه أولًا. ويشتهر تعريف البلاغة بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته. ويبينون وجه انحصار دراسة البلاغة في هذه العلوم على طريقتهم المنطقية بأن: البلاغة في الكلام مرجعها التي أمرين: الاحتراز عن الخطا في تادية المعنى المراد، وتمييز الكلام الفصيح من غيره. والثاني منهما وهو تمييز الفصيح، منه ما يبين في علم من اللغة أو علم الصرف، أو النحو، ومنه ما يدرك بالحس. ثم منه ما ليس كذلك، وهو التعقيد المعنوى، لا يعرف بشيء من العلوم ولا يعرف بالحس فيبقى شيئان يحتاجان التي علم بتولى البحث عنهما، وهما: الاحتراز عن الخطا في تادية المعنى المراد والاحتراز عن التعقيد المعنوى، فاتخذوا علمين جديدين هما: علم المعاني الذي يحترز به عن الخطأ في تادية المعنى المراد؛ أي يعرف به مطابقة الكلام لمقتضى الحال. ثم علم البيان الذي يحترز به عن التعقيد المعنوى، أي يعرف به إيراد المعنى الواحد بتراكيب مختلفة في وضوح الدلالة عليه. واحتاجوا لمعرفة توابع البلاغة التي علم آخر، فجعلوا لذلك علم البديع الذي يعرف به وجوه التحسين في الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال ورعاية وضوح الدلالة:
وبالطريقة المنطقية نفسها حصروا أبحاث هذه العلوم. فقالوا في المعاني: إنه ينحصر في ثمانية أبواب: لأن الكلام إما خبر أو إنشاء - والخبر لا بد له من مسند إليه ومسند وإسناد، فعقدوا لذلك باب أحوال الإسناد الخبرى، وباب أحوال المسند إليه، وباب أحوال المسند، ثم المسند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلًا أو ما في معناه، فعقدوا باب متعلقات الفعل وكل من
стр. 1823
الإسناد والتعلق إما بقصر أو بغير قصر فعقدوا باب القصر. ثم خصوا الإنشاء بباب مستقل والجملة مع الأخرى اما معطوفة أولًا وهذا باب الفصل والوصل. والكلام البليغ إما زائد على أصل المراد لفائدة أو غير زائد. وهذا باب الإيجاز والإطناب والمساواة.
وكذلك شرحوا وجه انحصار علم البيان في التشبيه والمجاز والاستعارة والكناية، وانحصار البديع في قسمى التحسين المعنوى، والتحسين اللفظى.
وفكرتهم في هذا الحصر صورة لما ساد دراسة تلك البلاغة من نزعات فلسفية، وكلامية ومنطقية، أقحم فيها كثير من أبحاث لا علاقة لها بالغرض الأدبى من البلاغة. وضيقت دائرتها الفنية، وأفاضت عليها جمودً وجفافًا أعجزاها عن أن تترك أثرًا أدبيًا في ذوق دراسها؛ وقصر غايتها على مسألة دينية بعينها هي مسألة الإعجاز حتى صار من تعاريف البلاغة: أنها علم يمكن معه الوقوف على معرفة أحوال الإعجاز- يحيى العلوى: الطراز، ١: ١٣، مصر.
واتبعت في دراستها الطريقة التقليدية، فاتخذ لها المتن الموجز المركز، يفسره الشرح، وتعلق عليه الحاشية، ويتبعها التقرير، في مناقشات لفظية مردها التي علوم مختلفة، تبعد عن الأدب والذوق وما التي ذلك كلما زاد عمقها وغوصها في تقدير متناولها.
١٠ - البلاغة اليوم -في الشرق، ولا سيما مصر- حركات تجديدية بلا مراء. ومن هذه الحركات الموفق الرشيد، ومنها طائش غير مسدد. ودون أن نمس تفصيل ذلك في الحياة الأدبية بخاصة وما يتناولها من تجديد؛ ومع اجتناب ما يضيع الجهد ويثير الخلاف حول هذه المحاولات، نقول:
أن التجديد الأدبى يرمى التي غرضين: قريب، وبعيد.
فالغرض القريب: هو تسهيل دراسة المواد الأدبية" وتوفير ما يبذل فيها من جهد ووقت؛ مع تحقيق المطلوب من دراستها تحقيقا عمليًّا، بحيث يمكن كل دارس لها أن يظفر في وقت مناسب وبجهد محتمل بما يستطيع معه استعمال اللغة في حياته، ذلك الاستعمال الذي تطلب من أجله اللغات.
стр. 1824
وهذا الغرض يحققه المنهج الصالح، والكتاب المنظم، والمعلم الكفء، وإن استلزم تغييرًا في ترتيب مسائل هذه العلوم، أو طريق تناولها وعرضها، فذلك أمر قريب المنال حين تصدق النية في طلبه.
وأما الغرض البعيد من التجديد في علوم الأدب أو علوم العربية، فهو أن تكون هذه الدراسات الأدبية مادة من مواد النهوض الاجتماعى تتصل بمشاعر الأمة، وترضى كرامتها الشخصية وتساير حاجتها الفنية المتجددة. فتكون اللغة في مصر مثلًا لغة الحياة في ألوانها المخللفة، وأداة التفاهم المرضية في البيت والمعمل. والجامعة والمسرح، والسوق والنادى وما إلى ذلك، فلا يعيش الناس بلغة، ويتعلمون لغة أخرى. ولا يفكر الناس بلغة ويدونون أفكارهم بغيرها؛ ولا يتعاملون بلغة، ويشعرون وينثرون ويمللون ويخطبون بغيرها؛ ولا تكون اللغة سببًا في فرض نظام من الطبقات على الأمة بحيث يتسع البعد بين خاصة الأمة وعامتهم في اللغة المتفاهم بها.
ولا يتحقق هذا الغرض إلا بتغيير قد يمس -أو لا بد أن يمس- الأصول والأسس البعيدة ويدخر له العزم والجهد حتى تصير اللغة ناحية من كيان الأمة، وجانبًا من وجودها العملى، ولا تفترق اللغة في حال عنها في أخرى إلا بقدر ما تتطلب الأناقة الفنية والعمل الأدبي.
وهذا المطلب شاق غير يسير في جوانب مختلفة من العلوم العربية؛ إلا أنه أقل مشقة في البلاغة ودرسها؛ لمرونة في فطرتها، وقابلية في منهجها الذي يعتمد على الذوق والوجدان؛ ويصل أبحاثها بالفن والجمال مهما أخفت ذلك اتجاهات خاطئة، وأعمال مؤقتة. ثم إلى هذا كله أمر آخر، يضيق الخلف، ويوفر المشادة بين الواقفين والسائرين، هو أن الأقدمين أنفسهم قد صرحوا بأن البلاغة من العلوم التي لم تنضج دراستها.
وإذا كان الأمر كذلك فإني أرى أن نعمد رأسًا إلى تحقيق الغرض البعيد في تجديد البلاغة العربية تجديدًا يمس الأصول والأسس فيغيرها، وينفى فيها
стр. 1825
ويثبت؛ ونخالف مقررات كبرى -وبخاصة في البلاغة المتفلسفة- ونضيف إضافات جديدة، حتى نصل البلاغة بالحياة، ونمكنها من التأثير الصالح فيها، وإذا تم ذلك كان تسهيل الدرس أمرا هينًا يسير التحقيق، فلنا إذ ذاك أن نؤلف من الكتب ما نشاء، ونعرض الموضوعات ونتناول المسائل كما نشاء، بعد ما استطعنا التحكم في الأصول الكبرى.
على أنى حينما أحاول ذلك، أنتفع أولًا بكل ما يستطاع الانتفاع به من القديم، وأتجنب الإندفاع المضيع للجهد والوقت، والمفرق للقوى في غير ضرورة، وأوثر اتباعًا لهذه الخطة أن أقدم بيان ما يستجيب له التراث القديم من هذا التغيير:
١ - فمن حيث وصل البلاغة بالحياة الأدبية، وجعلها دراسة ذات جدوى عملية، يكفى أن نأخذ برأى القدماء حينما كان أبو هلال العسكرى يقول: إن صاحب العربية يستطيع بعلم البلاغة أن يفرق بين كلام جيد وآخر ردئ، ولفظ حسن وآخر قبيح، كما يستطيع أن يصنع قصيدة وينشئ رسالة. وبهذا تحكم حاجة الحياة الأدبية، وينتفع بكل ما يجد في تلك الحياة من نافع، وتخدم الفنون القولية الرائجة.
٢ - ومن حيث إخضاع البلاغة للمنهج الأدبى الفني في الدراسة يكفى أن نحيى رسوم المدرسة الأدبية الأولى وآثارها وكتبها. وبهذا نحتكم التي كل ما في دراسة الفنون من أساليب مجربة ومناهج مستحدثة، ونهمل بتاتًا للك الدراسة الفلسفية المستعجمة.
وفيما نبتغى من تغيير وراء ذلك ننتفع بما قرروا من عدم نضج البلاغة؛ لنقرر ما يلي:
٣ - قد وضع القدماء هذه البلاغة في قسم المركبات من العلوم الأدبية؛ وقصروها على دراسة الجملة وأجزائها فحسب؛ لا ترى من أبحاثها شيئًا يزيد على ذلك؛ وقدموا مقدمة عامة للفصاحة والبلاغة ذكروا فيها شيئًا عن فصاحة الكلمة المفردة. والعمل الأدبى ليس في الجملة وجزئها لا غير، فتلك
стр. 1826
لا تعطى إلا معنى أدبيًا جزئيًا ووراء ذلك الفقرة المنثورة، والقطعة المنظومة تأتلف من جمل عدة ومعان جزئية مختلفة، ثم وراء ذلك كله العمل الأدبى الكامل، قصيدة أو مقالة أو رسالة أو خطبة، يحتاج ذلك كله إلى النظر البلاغى، ثم اللفظة المفردة لا يكفى في درسها البلاغى هذا القدر اليسير الذي ألموا به.
وعلى هذا نبدأ البحث البلاغى المستوفى من اللفظة المفردة؛ ولا نجده بالجملة، بل نمده إلى الفقرة، والعمل الفني الكامل؛ فنبحث فيها الأسلوب واختلافه، وأوجه تفاوته ومزايا أنواعه المختلفة؛ وننظر النظرة الشاملة الجامعة في الأثر الأدبى كله.
٤ - قصر القدماء البحث البلاغى على الألفاظ من حيث أدائها للمعانى الجزئية بالجملة الواحدة أو الجمل المتصلة في معنى واحد؟ ولم يجاوزوا ذلك، فعلم المعاني: تعرف به أحوال اللفظ العربي من حيث مطابقته لمقتضى الحال؛ وعلم البيان يعرف به إيراد المعنى الواحد بتراكيب مختلفة؛ والمعنى هو تشبيه أو مجاز أو استعارة أو كناية لا غير.
أما المعاني الأدبية، والأغراض الفنية التي هي روح الفن القولى ومظهر عظمة الأديب، وأثر ثقافته وشخصيته، فلم ينظروا فيها.
ولابد أن نفرد المعاني بالبحث المستقل بعد بحث الألفاظ، مفردة وجملا وفقرأ .. فنعلم الدارس كيف يوجد هذه المعاني، وكيف يصححها وكيف يرتبها، ويعرضها؛ وما إلى ذلك.
٥ - وإذا اتسع البحث البلاغى فشمل مع الألفاظ المعاني جزئية وكلية، وشمل مع الجملة اللفظة المفردة، ثم جاوزهما إلى الفقر والقطع الأدبية والأساليب، فقد صار التقسيم القديم للبلاغة إلى المعاني والبيان والبديع لا أساس له ولا غناء فيه؛ ولزم أن يوضع التقسيم على أساس غير الأول: كان نقتصر على كلمة "البلاغة" وصفًا لجمال الكلمة والكلام ونوفر كلمة الفصاحةح ونقسم الدرس إلى بلاغة الألفاظ وبلاغة المعاني، وفي بلاغة الألفاظ نبحث عنها من حيث أن للك الألفاظ أصوات ذات جرس. ثم من حيث هي دوال على المعاني مفهمة لها؛ ونبحث ذلك في المفرد، والجملة والفقرة؛ والقطعة؛ ونقسم المعاني بما يناسبها حتى تنتهي بها إلى دراسة
стр. 1827
فنون القول الأدبى المنظوم والمنثور فنًا فنًا، وما به قوام كل فن وحسنه، متخطين الفنون القديمة من المقامة والرسالة والخطبة إلى الفنون الحديثة من المقالة والقصة على اختلاف أنواعها.
وحين نستبعد ما حشدته طريقة العجم وأهل الفلسفة في البلاغة من مقدمات منطقية، واستطرادات فلسفية مختلفة، نضم إلى البلاغة مقدمات جديدة لا بد منها لدراسة فنية تقوم على الإحساس بالجمال، والتعبير عنه، دراسة تتصل بالحياة وتحدث عن خلجات النفوس وأسرار القلوب؛ وتسعد آمال الجماعة وأمانيها، وتغنى نصرها، وتغذى طموحها كما هو شأن الفن الصحيح في الحياة الجادة، وبذلك:
٦ - نضم إلى البلاغة مقدمة فنية؛ نعرف الدارس فيها بمعنى الفن، وطبيعته، ونشأته، وغايته، واقسامه، متحرين في ذلك بيان الفن القولى بخاصة؛ ثم:
٧ - نضم إلى تلك البلاغة مقدمة نفسية لا بد منها، ما دام شأن الفن الأدبى ما أسلفنا وما دمنا نريد وصل البلاغة بالحياة. فنعرف الدارس بالقوى الإنسانية ذات الأثر في حياته الأدبية كالوجدان والذوق، والخيال؛ وتزيد فهمه للاعتبارات التي أجملها القدماء تحت كلمة "مقتضى الحال" وذكروا منها في أسباب الحذف والذكر والتقديم والتأخير اعتبارات نفسية محضة.
كما تلم المقدمة النفسية بدراسة أمهات العواطف الإنسانية التي هي مادة المعاني الأدبية؛ ومثار الفنون القولية نثرًا وشعرًا؛ وهي في الجملة دنيا الأدب والفنون كلها.
تلك معالم التجديد البلاغى في إجمال؛ وبعض الأهداف التي أجاهد من أجلها.
المصادر:
فوق ما في صلب المادة - الخولى:
(١) البلاغة العربية وأثر الفلسفة فيها؛ بحث في صحيفة الجامعة المصرية سنة ١٩٣١.
(٢) البلاغة وعلم النفس؛ بحث في مجلة كلية الآداب سنة ١٩٣٩.
(٣) مصر في تاريخ البلاغة؛ بحث في مجلة كلية الآداب سنة ١٩٣٤.
(٤) من تاريخ البلاغة، محاضرات في كلية الآداب.
أمين الخولى
стр. 1828
بلال بن رباح
أول مؤذن، وهو عبد من أصل حبشى، مولاه من بنى جُمَح بن عمرو: وقد اجتذبت الدعوة النبوية في أول عهدها بلالا فانضم إلى جماعة النبي [ ﷺ ] الصغيرة؛ واضطهده أعداء الرسول [ ﷺ ] من أجل ذلك، ولكنه ظل صادق الإسلام الأمر الذي حبّب إلى أبي بكر شراءه وإعتاقه.
وهاجر بلال صحبة النبي [ ﷺ ] إلى المدينة، وسرعان ما رحب به سعد بن خَيثَمةَ، ثم أقام في بيت أبي بكر. وأصيب - شأن بقية أفراد هذا البيت - بالحمى التي كانت متفشية في المدينة. ويقول ابن إسحاق إن محمدًا [ ﷺ ] آخى بينه وبين أبي رُوَيحَه الخَثعَمى، ولذلدُ ظهر اسمه في الديوان مع أبي رويحة. وبلال واحد من العجم الخمسة الذين فرض لهم عمر أعطياتهم. وتذهب رواية أخرى إلى أن هذه المؤاخاة كانت بينه وبين عبيدة بن الحارث بن المطّلب. وأدخل النبي [ ﷺ ] الأذان وجعل بلالا مؤذنًا له. وشهد بلال غزوات النبي [ ﷺ ] ويقال إنه قلو أميةَ بن خَلف في غزوة بدر انتقامًا لنفسه مما لقيه على يديه من أذى فيما سبق. ولما فتح المسلمون مكة شرفه الله بالأذان من سقف الكعبة. وجاء في روايات عدة أنه كان يقوم على المؤونة خلال الرحلات، ويسميه ابن حجر خازن النبي [ ﷺ ].
وأخذ بلال يتحرق شوقا إلى الاشتراك في الجهاد بعد وفاة النبي [ ﷺ ]، فأجيب إلى طلبه في عهد عمر، وليس في عهد أبي بكر كما ذهبت إلى ذلك إحدى الروايات. وشهد مع أبي عبيدة فتح الشام، ويقال إنه طلب إليه أن يؤذن عندما زار عمر الشام بعد الفتح، فأذّن بين زفرات جميع الحاضرين.
وتوفى بلال بدمشق عام ٢٠ هـ (٦٤١ م) وقد أشرف على الستين، وتقول روايات أخرى إنه توفى عام ٢١ أو ٢٨ هـ ودفن في هذه المدينة أو في "داربَتا" المجاورة لها؛ وفي أقوال أخرى أنه كان نحيفًا طوالا خفيف العارضين، أسود اللون ضامر الوجه، قد خط
стр. 1829
المشيب شعره الكثيف.
المصادر:
(١) ابن هشام: طبعة فستنفلد، ص ٢٠٥"٣٤٥ - ٣٤٧ , ٤٤٨.
(٢) الواقدي: ترجمة فلهاوزن، ص ٤٠١ ومابعدها.
(٣) البلاذرى: طبعة ده غويه، ص ١١، ص ٤٤٥.
(٤) ابن سعد: طبعة سخاو، حـ ٣، قسم ١، ص ١٦٥ - ١٧٠
(٥) ابن حجر: الإصابة، حـ ١ ص ٣٣٦ وما بعدها.
(٦) النووي: تهذيب الأسماء، طبعة فستنفلد، ص ١٧٦ - ١٧٨.
[بول fr.buhi]
بلغاريا (*)
" بُلْغَاريا": بلاد بين البلقان والمجرى الأدنى لنهر الدانوب أخذت اسمها من
стр. 1830
أحد فروع شعب البلغار. وقد أنشأ هذه الدولة بعد سقوط إمبراطورية الهياطلة العظيمة بقايا المغيرين الذين طردوا من مجرى الدانوب الأدنى إلى سهوب روسيا الجنوبية وخاصة القبيلة التي عبت الدانوب عام ٧٧٩ تحت إمرة اسيريخ Ispericb ابن كوبرات kubrat واسسوا مملكة قوية بعد فتح الأقاليم التي يسكنها الصقالية. واستطاعت هذه القبيلة على قلة عددها أن تفرض اسمها على الأقليم وساكنيه، واصطنعت اللغة الصقلية في القرن التاسع ثم اندمجت آخر الأمر في السكان الأصليين. واستطاع النفوذ الإسلامي أن يمتد إلى البلغار منذ منتصف القرن التاسع الميلادي. وقد يكون هذا النفوذ أقدم من هذا لو أخذنا برأى برى Bury وهو أن البلغار استعاروا السنة القمرية من العرب في القرن السابع الميلادي (Byzantin Zeitschr: حـ ١٩ ص ١٣١، ١٣١) اعترض ماركار marquag على هذا الرأي (Tung pao جـ ١١، ص ٦٧٨) , ومهما يكن الأمر فإن الإسلام لم يصبح دين الدولة الرسمى بل المسيحية التي أدخلها بوريس Boris عام ٨٦٤ م. وتخضع الكنيسة البلغارية لبطريق القسطنطينية، وإن كانت في الوقت نفسه قد اصطنعت القداس الصقلبى.
وكانت بلغاريا عندما وطئت أقدام الترك أوربا للمرة الأولى ولاية مستقلة على ضفة الدانوب اليمنى تحكمها أسرة الأساندة Asenids الوطنية، وكان يحدها من الشمال نهر الدانوب، ومن الجنوب البلقان، ومن الشرق البحر الأسود، ومن الغرب بلاد الصرب، وتخترق سلسلة الجبال إلى داخل البلاد ثمانية ممرات (دربند) هي صولى وقابى لي (Succi باب ترايان) وإسلدى وقازانلق ودميرقايى وممران ينتهيان إلى روسجق وسلستريا ثم ممر نادر ..
وانقسم سكان تلك البلاد إلى أحزاب بسبب المنازعات التي نشأت بين الأمراء. ولما مات القيصر الإسكندر عام ١٣٦٤ م اقتسم البلاد سيشمان الثالث Shishma بن الإسكندر من زوجته. اليهودية، وكان يحكم في صوفيا، وسراكيمير Sracimir الذي احتل ودين. وقلق شيشمان لما رآه من تقدم
стр. 1831
العثمانيين تحت إمره مراد الأول خداوندكار فاشترك في حلف الصرب والبوسنويين مع أنه كان صديقًا للسلطان وأخا لزوجته، وهزم الجيش الذي كان يقوده لا لاشاهين، وعدته عشرون ألف مقاتل هزيمة منكرة كادت تذهب به عن آخره، فتقدم على باشا ابن قرة خليل جندرلى على رأس جيش عدته ثلاثون لم لف مقاتل وعبر ممر نادر وتقدم نحو شُمْلَة (شمنة) وترنوفو وسلمت المدينة الأولى عندما علم لم هلها بسقوط الثانية، وسجن الملك في نيقية على نهر الدانوب ثم تم الصلح على أن يتخلى الملك عن سلستريا ويؤدى الجزية التي فرضت عليه، ولكنه بدلا من أن يتخلى عن سلستريا عمد إلى تقوية حصونها، فتجددت الحرب، ولما استولى الترك على حصن درجشة، ومدينة هرشوفة حوصر الملك للمرة الثانية في نيقية حتى اضطر إلى التسليم، وأمَّنه السلطان على حياته وأجرى عليه معاشًا يتفق ومكانته، ولكنه ضم بلغاريا إلى الدولة العثمانية بعد الاستيلاء على مدينة ترنوفو عام ٧٩٥ هـ (١٣٩٣ م).
كانت بلغاريا في التقسيم الإدارى القديم عبارة عن إيالة سلستريا، وتنقسم إلى ثمانية سناجق هي: سلستريا وشمندرة وويزة wize, وإبرايل lbrail, وقيرق كلسَّه ونيكيبولى وودين وكرمن، وكانت بذلك تضم المقاطعات التي إلى الجنوب من البلقان، وحلت محل إيالة أوزى السابقة (Oczakow) عندما ضمت هذه المدينة إلى الروسيا. وبعد تقسيم الدولة العثمانية إلى ولايات كانت بلغاريا عبارة عن ولاية الطونة (الدانوب)، وفي معاهدة برلين اعتبرت بلغاريا إمارة مستقلة استقلالا ذاتيًا تحت نفوذ السلطان، ولها من الحدود ما كان لها عند الفتح التركى، ولما ضم إديها الروملَّى الشرقي أصبحت لم خيرًا مملكة مستقلة، وذلك في ٢٢ سبتمبر- ٥ أكتوبر عام ١٩٠٨ م.
ودخل الكثيرون من البلغار في الدين الاسلامى أيام الحكم التركى، بيد أن غالب السكان ظلوا على المسيحية، وحفز اتصالهم السياسي بالقسطنطينية البطريق اليونانى إلى أن يعمل على ضم الأهالى المسيحيين إلى الكنيسة
стр. 1832
اليونانية، وأن يبعدهم عن الطقوس الصقلبية، وقامت حركة وطنية في البلاد عام ١٨٧٠ و ١٨٧٢ تمخضت عن إنشاء قائمقامية للبطريرك تبعها إنشاء كنيسة بلغارية مستقلة.
وبلغ عدد سكان بلغاريا ٣.٧٥٠.٠٠٠ نسمة وفقا لتعداد عام ١٩٠١ م منهم ٢.٨٨٩.٢١٩ من البلغار، و ٥٣١.٢٤٠ من الترك، وهم يسكنون بصفة خاصة القسم الشمالي الشرقي من المملكة. أما هن ناحية الدين فإن ٣.٠٠٠.٠٠٠ من الروم الأرثوذكس. و ٦٤٣.٠٠٠ من المسلمين، ولبعض الجماعات من السكان ملامح خاصة مثل القوقازيين والمسيحيين الذين يتكلمون التركية ويقطنون المناطق التي على البحر الأسود، والبوماق وهم البلغار الهسلمون ويسكنون جبال رودوبس Rhodopus وبالقرب مع لفج Lovech بلونة pelvna
المصادر:
(١) سعد الدين: تاج التواريخ، ج ١، ص ١٠٩ وما بعدها.
(٢) hist.del, em-: g.de Hammer pireottoman جـ ١, ص ٢٧٢ وما بعدها
(٣) Geschichte der X. J. Jirechek Bulgarien براغ سنة ١٨٧٦ م
(٤) الكاتب نفسه: dasfuerstentum Bulgarien، سنة ١٨٩١ م
(٥) Geschiehte des Osman: N. Jorga Reiches جـ ١، ص ٢٥٩, ٢٢٢, ٢١١، ٢٧٤.
[إيوار C. Huart]
+ بلغاريا: بلاد في البلقان، اتخذت اسمها هن اسم البلغار، وهم قوم من أصل تركى غزوا أول ما غزوا دبروجة بقيادة أسْبَروخ أو إسْبريخ سنة ٦٧٩ م، وأقاموا دولة مستقلة في الولاية البوزنطية مويزيا. وقد اعتنق البلغار المسيحية الأرثوذكسية هن بوزنطة سنة ٨٦٥ وقالوا إنهم هم الصقالبة الوطنيون الذين سبق لهم أن نزلوا بلغاريا، ومن ثم أنشأ البلغار إمبراطورية مستقلة في البلقان امتدت من الدانوب إلى البحر الأدرياوى في ظل القيصر سيميون الذي حكم من سنة ٨٩٣ حتى سنة ٩٢٧ م.
وترجع الأخبار الإسلامية الأولى
стр. 1833
عن بلغاريا إلى هذا العهد: وقد تلقينا هذه الأخبار عن مسلم الجَرمى (حوالي عام ٢٣١ هـ = ٨٤٥ م)، وهارون بن يحيا (سنة ٣٣٩ هـ = ٩٦٠ م) وإبراهيم بن يعقوب (سنة ٣٤٩ هـ = ٩٦٠). وقد روى هارون (في ابن رسته، طبعة ده غويه، ص ١٢٧) إن "الصقالبة المستنصرة" قد اعتنقت المسيحية متبعين أمير البلغار سوس. وضمت بلغاريا بين سنتى ١٠١٨ و ١١٨٦ م إلى الإمبراطورية البوزنطية، فقسمت إلى إقليمين. إقليم بلغاريا وقاعدته سكوبليه (سكوب) وإقليم "ياريشريون" أو "باردونافون" وقصبته سلستريا.
وقد مهدت غزوة القومان للدانوب الأدنى ونزولهم هناك الطريق لقيام ما عرف باسم الإمبراطورية البلغارية الثانية التي كان يحكمها الأسَانِدةَ من سنة ١١٨٥ إلى سنة ١٢٧٩ م.
وفي سنة ١٢٦٢ م انتزع الإمبرطور البوزنطى ميخائيل الثامن أنخيالوس ومِسَمْبريا من البلقان وأسكن في دبروجَه الأتراك الأناضوليين الذين التجأوا في بوزنطة إلى عز الدين كيكاوس الثاني وعاد معظمهم إلى الأناضول سنة ٧٠٧ هـ (١٣٠٧ م) , أما الذين بقوا فقد ظن أنهم أسلاف الكاكوز، Yazijioghlu Ali on: P. Wittek of Dobruj، bul-, the christian turks letin of the school of Oriental and African studies مجلد ١٥/ ٣.
واعترف ترتر الأول (١٢٧٩ - ١٣٠٠) بسيادة النوغاى سنة ١٢٨٥، وزوج ابنته من ابن ترتر جاقه، وجاقه هو الذي التجأ من بعد إلى ترنوفو واستولى على عرش حميه سنة ١٣٠٠ م، على أنه لم يلبث أن قتل على يد ترتر الثاني (١٣٠٠ - ١٣٢٢ م).
وفي المصادر العربية المعاصرة لذلك العهد (بيبرس: زبدة الفكرة في أ. إزميرلى. آلتن أوردو ... الطبعة الأولى سنة ١٩٤١, ص ٢٢١؛ أبو الفداء، ص ٣٩٥) ذكر أن بلغاريا هي أرض الزولاق، وعدّ البلغار هم قوم الأولاق. ونحن نعرف أن قالوجان قد سمى نفسه إمبراطور بلغاريا والأفلاق جميعا: - Imperator totius Bulgarie et Vla
стр. 1834
hist.of;GOstrogorsky the Byz- chie antine State، ص ٣٥٨). ولابد أن القومان المستنصرين في بلغاريا كانوا فيما يظهر يذكرون باسم عام هو الولاج. وقد جلس الشيشمانية (١٣٢٣ - ١٣٩٥ م) على عرش بلغاريا مبتدئين بشيشمان، وكان هذا الرجل من وجهاء القومان في ودّين.
واحتك الغزاة الأناضوليون بالبلغاريين حين تحالف آيدين أوغلى أومور مع كانتاكوزنوس، فقد عاونه أو مور أول الأمر على إيفان إسكندر القيصر البلغارى سنة ٧٤٢ هـ (١٣٤١) ثم قضى في الخامس من ربيع الأول سنة ٧٤٦) - (٧ يولية سنة ١٣٤٥ م) على مومجيلو المغامر البلغارى الذي كان يسيطر على إقليم رودوب (L, EMiratd, Aydin;p.lemerle باريس سنة ١٩٥٧). وحل العثمانيون محل أومور في تحالفه مع كانتاكوزنوس؛ والظاهر أنهم احتكوا بالبلغار لأول مرة سنة ٧٥٣ هـ (١٣٥٢ م) , حين قدم هؤلاء لتأييد منافسه يوحنا الخامس. والظاهر أن لالا شاهين كان سنة ٧٦٢ هـ (١٣٦١ م) , أي بعد فتح أدرنة نشطا يقاتل في اتجاه زَغْرَة (برهويا Berncnea) وفلبة وقد ذكرت تواريخ مختلفة في كتب الإخباريين: ٧٦٣ هـ = ١٣٦٢ م، ٧٦٥ هـ = ١٣٦٤ م, ٧٦٦ هـ = ١٣٦٥ م)، ولكن المظنون أن الصدام بين البوزنطيين والبلغار سنة ٧٦٥ هـ (١٣٦٤ م) يتصل باتفاق عقد بين العثمانين والبلغار. وفي سنة ٧٦٦ هـ (١٣٦٥ م) قسم القيصر إسكندر ملكه بين ابنيه: فكان نصيب ستراتسمير إقليم ودين، ونصيب شيشمان قيصرية ترنوفو. أما دبروتيج في دبروجة وورنة فكانتا مستقلتين في الواقع وفي العام نفسه استولت المجر على ودين وهددت ترنوفو، ولم يكتف أماديو صاحب سافويا بالاستيلاء على غاليبولى العثمانية بلى استولى أيضًا على مسمبريا وسوزويوليس وأنخيالوس لحساب البوزنطيين سنة ٧٦٧ هـ (١٢٦٦ م) وحاول شيشمان بمساعدة جنود الاحتياط العثمانيين أن يستردوا دين سنة ٧٦٩ هـ (١٣٦٨ م)، وزوج أخته تمر للسلطان مراد الأول،
стр. 1835
وجاء في التواريخ الإخبارية العثمانية (انظر سعد الدين، جـ ١، ص ٨٤ - ٨٧) أن العثمانيين بلغوا الممرات البلقانية الرئيسية، وذلك بالاستيلاء على قيزيل أغاج - يكيجه سى ويانبولى (إيا نبول) وقارين أو واسى (قرنوبات)، وآيدوس (آيتوس) وسوزه بولى (سوزوبوليس) بقيادة تيمورتاش حوالي سنة ٧٧٠ هـ (١٣٦٨ م)، واستولوا على اهتمان وساماكوف بقيادة لالاشاهين سنة ٧٧٢ هـ (١٣٧٠ م) وسنة ٧٧٣ هـ (١٣٧١ م). وكانت فلبه من ناحية وإقليم يانبولى قارين أو واسى من ناحية أخرى هما الأوجان الهامان اللذان أسكن فيهما الاقنجى واليوروق والتتر في اعداد كبيرة. ولم يستول العثمانيون على نيش إلا عام ٧٨٧ هـ (١٣٨٥ م؛ انظر نشرى، طبعة taesch- ner , جـ ١, ص ٥٨) وكانت صوفيا لا تزال في يد شيشمان سنة ٧٨٠ هـ (١٣٧٨ م؛ انظر Gesch.: C. Jirechek der Bulgaren براغ سنة ١٨٧٦, ص ٣٣٩) , والظاهر أنها سلمت فيما بين هذا التاريخ وسنة ٧٨٧ هـ (١٣٨٥ م)، ولما اكتشف السلطان مراد الأول سنة ٧٨٩ هـ (١٣٨٧ م) أن تابعيه شيشمان في بلغاريا وإيفانكو في دبروجة لم يكونا معه على الصربيين بادر بإنفاذ جيش يقوده على باشا لتأمين مؤخرته. ومعلوماتنا عن هذه الحملة مستقاة من نشرى وروحى وقد اعتمد كلاهما في روايتهما على مصدر مفصل وثيق، وليس بنا من حاجة إلى التعديل في التواريخ التي ذكراها (انظر - F. Babing Beitraege zur Fruehgesch. der Tuer-: et kenherracheftinmelien ميونخ سنة ١٩٤٤, ص ٢٩ - ٣٥). وفي شتاء عام ٧٩٠ - ٧٩١ هـ (١٣٨٨ - ١٣٨٩ م) استولى على باشا على بروفاديا (برافادى)، وفنجان، ومادره وشومنى (شومن) وقضى الشتاء في شومن. وفي ربيع عام ٧٩١ هـ (١٣٨٩) أنفذ ياخشى بك إلى "ابن دبروجه" في ورنة، وهنالك مضى للقاء السلطان في يانبولى. وقدم شيشمان إلى هنالك أيضًا وأبدى خضوعه للسلطان مراد الأول. ولكنه عند رجوعه لم يسلم سلستره (سلستريا) للعثمانيين كما وعد، ولذلك ظهر على أمام ترنوفو قصبة شيشمان. "وأحضر الكفار له
стр. 1836
مفاتيح المدينة، مما يدل على التسليم. وفي طريقة قبل على باشا تسليم عدة مدن أخرى, وضرب الحصار على نيكوبولى (نيكوبول، أو نيكوبوليس) وكان شيشمان قد التجأ إليها، وطلب شيشمان العفو فأجيب ملتمسه، ثم قصد على للالتقاء بجيش مراد.
وتأخر بايزيد في الأناضول بعد، وقعة قوصوه، أما ميرجيا فقد استولى بمعونة سيكسموند على سلستره ودبروجه وشن غارة مظفرة على آقنجى قارين أوواسى سنة ٧٩٣ هـ (١٣٩١). ولم يستطيع بايزيد أن يستولى على ترنوفو عنوة إلا سنة ٧٩٥ هـ (١٣٩٣ م) وذلك في السادس من شهر رمضان (٧ يولية) ثم هو قد أخضع أيضًا دبروجه وسلستره. ولكن شيشمان ظل رابضا في قاعدته نيكوبولى قبلًا تابعا للسلطان. ثم استصرخ بسيكسموند، مما حمل بايزيد على غزو ترانلسفانيا وخوض معركة أركش ضد ميرجيا في ٢٦ رجب سنة ٧٩٧ (١٧ مايو سنة ١٣٩٥) وقد عثرنا في وثيقة اكتشفت حديثًا (محفوظات طوب قابى سرايى، إستانبول، رقم ٦٣٧٤) على ما يأتي "وعبر يلدرم خان نهر أرخيش ووقف أمام قلعة نيكوبولى وكان حاكمها أميرًا يدعى شيشمان، وكان هذا الأمير يؤدى الجزية للسطان على نحو ما كان يؤديها فويفود الأفلاق. وقد طلب منه السلطان أن يوافيه بالسفن فزوده بها. وما إن اجتاز السلطان إلى الجانب الآخر حتى جاء بشيشمان وقطع رأسه واستولى على نيكوبولى وجعلها سنجقا عثمانيا؛ وقد جعلت المصادر الصقلبية (انظر - J. Bog archiv.f. slav. bhilo: dan جـ ١٣, ص ٤٩٦) وفاة شيشمان في ١٢ شعبان سنة ٧٩٧ (٣ يونية سنة ١٣٩٥) مما يتفق في هذا الشأن مع الشاهد العثمانى.
وقد قررت وقعة نيكوبولى في ٢٤ ذي الحجة سنة ٨٩٧ (٢٨ سبتمبر سنة ١٣٩٦) مصير بلغاريا وإذ تحقق لبايزيد النصر في هذه الوقعه غزا ودين أيضًا التي كانت تابعة لستراسمير، وأقام في ودين وسلستره ونيكوبولى الأوج بكية الأقوياء
стр. 1837
ليجابهوا المجر والأفلاق. ولما تقدم جيش مجرى صوب بلغاريا سنة ٨٤٧ هـ (١٤٤٣ م) انضم الرعايا البلغار والوينوق في إقليم صوفيا ورادومير إلى الغزاة، وأقام هؤلاء "فلاديكا" عليهم في صوفيا. على أن العثمانيين سرعان ما أخضعوهم (إينالجق: فا تح دورى، أنقرة سنة ١٩٥٤، ص ٢٠).
واصطبغت بلغاريا بصبغة عثمانية قوية خلال هذه الفترة، وخاصة بعد عام ٨٠٥ هـ (١٤٠٢ م). وكان المسلمون في شرقي بلغاريا هم الغالبين غلبة حاسمة كما تدل أعمال المساحة سنة ١٥٢٠ (انظر أ. ل برقان: اقتصاد فاكولته سى مجموعة سى، مجلد ١١، الخريطة) وكان في قلبه سنة ٨٥٩ هـ (١٤٥٥ م) ٦٠٠ منزل إسلامي ٥٠ منزلًا غير إسلامي. وقد قسمت بلغاريا إلى سناجق: جيرمن، وصوفيا، وسلستره، ونيكوبولى، وودين في إيالة الرومليّ. وفي القرن الحادي عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) ضم سنجقا نيكوبولى وسلستره إلى إيالة أو زى التي أقيمت لمواجهة القوزاق، وكانت قصبتها أو زى وسلستره. وكان سنجق سلسترة يشمل سنة ٩٢٤ هـ يرافان، ويانبولى وهارسوفا، وورنه، وآخيولى (أنخيالوس) وآيدوس، وقارين أوواسى وروسى قصرى (روسو كاسبرون). ووضعت بلغاريا تحت إدارة عثمانية نموذجية مع تطبيق نظام التمار انظر القوانين واللوائح في ا. ل برقان: قانوننلر، إستانبول سنة ١٩٤٣, ص ٢٥٥ - ٢٨٩). وأدمج معظم أفراد الطبقة العسكرية السابقة للعثمانية في التنظيم العسكرى العثمانى (انظر كتاب فاتح دورى, ص ١٣٦ - ١٨٤ م) فجعل اليرونييار أصحاب تيمارو "الفوينيك" ونيوق عثمانيين. أما جملة السكان البلغاريين فقد جعلوا من الرعايا الذميين، ولكن كان من بينهم جماعات كثيرة حظيت بمركز مالى خاص من حيث هم دربندجى (أي حراس الممرات الجبلية) أو موردو أرز أو لحم إلخ للقصر أو للجيش وكذلك طبق نظام الدوشرمه في بلغاريا على نطاق واسع.
ولما كانت إستانبول والجيش
стр. 1838
يعتمدان على نصيب كبير من مورد الغذاء البلغارى فقد فرضت الحكومة قيودًا على تصدير الأرز واللحم البلغاريين. وفي سنة ٩٧٣ هـ (١٥٦٥ م) أمر أصحاب الأغنام المتعهدون في غربي بلغاريا بأن يوردوا ٢٩٠, ١٧٤ رأسا من الأغنام للجيش (١. رفيق: تورك اداره سنده بلغارستان، استانبول سنة ١٩٣٣ م، وثيقة رقم ٣). وكان إنتاج الأرز في وادي مارشسه (مريج) الأعلى يدر على الدولة بنظام المقاطعة دخلا سنويا قدره مليون آقجه تقريبا، أي ما يعادل ٢٠ ألف أوقية من الذهب، وذلك حوالي سنة ٨٨٨ هـ (١٤٨٣ م؛ انظر، كوك بلكين: أدرنه وباشا لواسى، استانبول سنة ١٩٥٢, ص ١٣١) وكان الخشب من شومنى، وهزار غراد، وترنوفو، والحديد من ساماكوف، يورّدان لتشييد السفن الحربية في آخيولى سنة ٩٧٩ هـ (١٥٧٧ م؛ انظرا. رفيق، وثيقة ١٩, ٢٣). وكانت في ذلك الوقت صناعة للقماش واللباد ازدهرت في فلبه وشومى وإسلميه (سليفن) وكانت منتاجتها تصدر إلى أجزاء أخرى من الإمبراطورية العثمانية (أ. رفيق، وثيقة ١٨). ولم تتعرض بلغاريا لغزوة عدو أو فتنة من سنة ١٥٩٥. وتطورت المدن البلغارية، وخاصة فلبه وصوفيا وسلستره، ومن حيث هي قواعد عسكرية واقتصادية تقوم على الطرق الرئيسية إلى الروملى. وقد كانت في هذه المدن أحياء إسلامية جديدة حول المواقع والعمارات والبدستانات والأسواق والزوقاف الغنية (انظر الوصف التفصيلى الذي أورده أوليا جلى سنة ١٠٦١ هـ = ١٦٥١ م، مجلد ٢، ص ٣٠١ - ٤٢١, bei-: h.j.kenninis thrakiens ١٧ traege Zur Kenninis Thrakiens im ahr فيسادن سنة ١٩٥٦). وجاء في الإحصاء العثمانى لسنة ١٥٢٠) (انظر أ. ل. برقان journalof the Economic and Social History of the orient. مجلد ١، جـ ١ سنه ١٩٥٧. ص ٣٢) أن سناجق سلستره، ونيكوبولى، وودين، وصوفيا كان بها حوالي ١٢٥.٠٠٠ بيت فيما عدا السكان الذين يوجودن في الأماكن التابعة للباشا في بلغاريا.
ورفع - منذ نهاية القرن السادس
стр. 1839
عشر- معدل عدة ضرائب وبدأت شكاوى الرعايا البلغار من ابتزازات الموظفين المحليين والجنود (ا. رفيق، وثيقة ٤٧, ٤٦, ٤٢, ٤١, ٣٨, ٣٧) وفي سنة ١٠١٤ هـ (١٦٠٥ م) اشتكى رعايا إقليم صوفيا من أن وكلاء البطريق كانوا يحاولون رفع معدل الرسوم المطلوبة من الرعايا من ٦ آقجه إلى ١٢ آقجه ومن ٦٠ آقجة إلى ٤٠٠ آقجة بالنسبة للقسس المحليين (ا. رفيق، وثيقة ٣٨). وكانت أول فتنة هامة في بلغارية هي التي وقعت في وليكو - ترنوفو سنة ١٠٠٣ هـ (١٥٩٥ م) حين شن ميخائيل الأمير الأفلاقى غارات مظفرة في بلغاريا. وقد أحمد سنان باشا الفتنة.
ولجأ آلاف من البلغار إلى الأفلاق. ومن هذا التاريخ أيضًا بدأ البلغار الهايدودية أو الأشقياء يذكرون أكثر في المصادر العثمانية (أ. رفيق، وثيقة ٧٥, ٥٤, ٥٢) وهنالك أصبح الرعايا ينضمون إلى كل غزوة يقوم بها عدو، وكان العدو إذا انسحب تبعته جماعات كبيرة من الرعايا بالرغم مما كانت تبذله لهم الحكومة العثمانية من وعود (مثال ذلك ما حدث سنة ١١٠٠ هـ = ١٦٨٨ م بالنسبة لرعايا إقليم ودين وقطلوفجه، وبيروت وبرقوفجه [ا. رفيق، وثيقة رقم ٥٩] وما حدث عام ١١٥٠ هـ = ١٧٣٧ م لرعايا إقليم إيزبنبول وهو زنبوليه [أ. رفيق رقم ٨١, ٨٢] وما حدث سنة ١٢٠٨ هـ = ١٧٩٣ هـ لرعايا إقليم إسماعيل وسانيماقا). وفي سنة ١٢٤٥ هـ (١٨٢٩ م) تبع سبعون ألفا أو ثمانون ألفا من البلغار الجيش الروسى ليستقروا في بشارابيا. وفي سنة ١٨٦١ م هاجر ١٠.٠٠٠ منهم موطنهم إلى القريم.
وكان الأعيان أصحاب سلطان عظيم في بلغاريا أثناء النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وقد اصبحوا بوصفهم ملتزمين والملاك الوارثين لضياع الدولة الكبيرة (جفتلك) هم سادة البلاد الحقيقيين منذ أن اضطرت الحكومة إلى الاعتماد عليهم في جباية الضرائب من الرعايا، بل إن اقواهم مثل ترستنيك أوغلى إسماعيل، وبيرقدار مصطفى في روسجق وحاجى عمر في
стр. 1840
هزار غراد، قد احتفظوا بجيوش خاصة لم يجد السلطان بدا من اللجوء إليها في الظروف الحرجة (ا. رفيق، وثيقة ٩٠). وقد أوت جبال رودوب وجبال البلقان عددًا متزايدًا من قطاع الطرق كانوا يسمون في هلك الفترة "قيرجالى". واستغل هذه الفوضى جندى مرتزق هو بازواند أوغلى أو باسبان أو غلى عثمان فتمرد وهنالك حكم بوصفه ياشا وذين بلغاريا الغربية من سنة ١٢١٢ إلى ١٢٢١ هـ (١٧٩٧ - ١٨٠٧ م؛ انظر جودت: تاريخ، جـ ٧، ص ٢٣٧, ٢٤٠, ٢٥٠؛ جـ ٨ ص ١٤٦ - ١٤٨). وفي عهد محمود الثاني استؤصلت شافة الأعيان وأقيمت أركان سلطة مركزية في بلغاريا. وأعيد تنظيم بلغاريا أيام التنظيمات سنة ١٢٦٣ هـ (١٨٤٦ م) فجعلت إيالات سلسترة وودّين ونيش مع قيام مجالس إقليمية سمح بعضويتها لممثلى البلغار. ولكن الإصلاحات الإدارية لم تزل أسباب القلق بين البلغار، فقد قامت فتنة في إقليم نيش سنة ١٢٥٧ هـ (١٨٤١ م) وفتنة أخرى أكثر عنفا في إقليم ودين سنة ١٢٦٦ هـ (١٨٥٠ م)، ويرجع السبب في قيامها إلى إثارة الثوريين في بلاد الصرب والأفلاق، وإلى مساوئ نظام الجفتلك الذي قام عليه هناك أغوات مسلمون أو غسبودارية + (انظر كتابى: تنظيمات وبلغار مسأله سى، أنقرة سنة ١٩٤٣).
وقد انتهى كثير من الملاحظين في منتصف القرن التاسع عشر n.v.) La Population de la Turquie et: Michoff la Bulgarie de, في ثلاث مجلدات، صوفيا سنة ١٩١٥ - ١٩٢٩) إلى القول بأن ثلث سكان بلغاريا كانوا من المسلمين، منهم أربعمائة ألف أو خمسمائة ألف من البوماق (بوماتزى) والوطنيين البلغار الذين اعتنقوا الإسلام أثناء القرنين السادس عشر والسابع عشر في جبال رودوب الوسطى والغربية. وكان المسلمون هم الأغلبية في مدن فلبة، وودّين، وشومنى، وروسجق، ورازغراد، وورنه، وبلونة، وعثمان بازار، وإسكى جمعه، ويكى زغره، وكانوا أقلية في مدن غربروفو، ونيشى، وصوفيا، وترنوفو، وقرنوبات (قارين أوواسى) وذلك قبيل عام
стр. 1841
١٢٩٣ هـ (١٨٧٦ م). وأسكنت الحكومة العثمانية في بلغاريا بعد حرب القريم ٧٠ ألفا أو ٩٠ ألفا من الجركس وحوالى مائة ألف من التتر (ا. مدحت: مدحت باشا، القاهرة سنة ١٣٢٢ هـ = ١٩٠٤, ص ٣٥ ك ٣٥٠.٠٠٠ ألف مهاجر). وقد استغل الثوار البلغار حالة التوتر بين هؤلاء وبين البلغار الوطنيين، وانتهى الأمر بالثوار إلى إنشاء جمعية مركزية للثورة في بوخارست سنة ١٢٨٦ هـ (١٨٦٩ م). وفي سنة ١٢٨١ هـ (١٨٦٤ م) طبق لأول مرة في بلغاريا الإصلاح الأدارى الجديد، فأصبحت سناجق روسجق وورنه، وودين، وطولجى (طولجه) وترنوفو تكوّن ولاية الطونة، وسنجقا صوفيا ونيش ولاية صوفيا. وقد استطاع مدحت باشا أول وال لولاية الطونة أن يجعل هذه الولاية أكثر ولايات الإمبراطورية العثمانية تقدما (ا. مدحت: مدحت باشا، ص ٢٤ - ٥٦). صحيح أن موارد الضرائب في الولاية قد زادت خمسين في المائة في عهده إلا أن الفلاحين أجبروا على أن يؤدوا منها المزيد وأن يعملوا مسخرين في إنشاء الطرق الجديدة، وفي سنة ١٢٨٧ هـ (١٨٠٧ م) كلل النضال الذي بذل في سبيل إقامة كنيسة بلغارية مستقلة بإقامة أسقفية، وعُد هذا انتصارا وطنيا. وحدث في الفترة نفسها أن الجهود المضاعفة للثوريين البلغار "القوميتاجية" أدت -بتأييد شديد من الروس- إلى الثورة الكبرى لسنة ١٢٩٣ هـ (إبريل - مايو سنة ١٨٧٦ م) وأصبحت بلغاريا المسرح الرئيسى للقتال في الحرب بين العثمانيين والروس التي نشبت ١٢٩٣ هـ (١٨٧٧ م) , وانتهت هذه الحرب بخروج السكان المسلمين متجهين إلى الجنوب. وحاولت روسيا بحكم معاهدة سان استفانو أن تقيم تحت حمايتها بلغاريا كبرى تمتد من الدانوب حتى بحر إيجه. ولكن الدول العظمى استبدلت بذلك معاهدة برلين التي أقامت إمارة في بلغاريا (بلغارستان إمارتى) تحت سيادة السلطان، وولاية الروملى الشرقية (روملى شرقي ولايتى) المستقلة استقلالا ذاتيا، وقد اتحدت هذه الولاية مع الإمارة نتيجة للثورة التي نشبت بفلبة في ٧ ذي الحجة سنة
стр. 1842
١٣٠٢ (١٨ سبتمبر سنة ١٨١٥؛ انظر أ. ف تورك كلدى: مسائل مهمه سياسيه، أنقرة سنة ١٩٥٧, ص ١٩٣ - ٢٤٦). وأعلن الأمير فرديناند، أثناء الفتنة التي نشبت في إستانبول سنة ١٣٢٦ هـ (١٩٠٨ م) استقلال بلغاريا، واتخذ لقب القيصر في ٧ رمضان سنة ١٣٢٦ (٣ أكتوبر سنة ١٩٠٨).
المصادر:
(١) Bibligraphie sur: N. V. Michoff L'histoire de la Turquie et de la Bulgarie, في أربعة مجلدات، صوفيا سنة ١٩١٤ - ١٩٣٤ م
(٢) Geschichte der Bul-: G. Jirechek garen , براغ سنة ١٨٧٦.
(٣) الكاتب نفسه: das fuerstenthum Bulgarien. براغ - فينا - ليبسك سنة ١٨٩١.
(٤) الكاتب نفسه die heerstrasse Constantinopel and die Von Be! grad nach Balkanspaesse براغ سنة ١٨٧٧
(٥) geschichte der bul-zlatarski garen ليبسك سنة ١٩١٨.
(٦) ov Turskoto Zavaldevane: p. Nik na Bulgarija i Sadbata na poslednite A Shishmannvci في Izvestiia na Istor.Dru- zestvo ٧ / ٨ (سنة ١٩٢٨) ص ٤١ - ١١٢ م.
(٧) Bulgarien unter der: A. Hajek erkenherrschaft شتوتكارت سنة ١٩٢٥.
(٨) الكاتب نفسه: Die Bulgaren im Spiegel der Reiseliteratur des ١٦ bis ١٩ Jahrhuderts بلغاريا سنة ١٩٤٢. ص ٤٧ - ٩٩.
(٩) A History of the S. Runciman First Bulgarian Empire لندن سنة ١٩٣٠ م.
(١٠) The Second Bul-: R.L. Woiff origin and History to garian Empire, its ١٠٠٢ في speculum عدد ٢٤) سنة ١٩٤٩ م) ص ١٦٧ - ٢٠٦.
(١١) أحمد رفيق: تورك إداره سنده بلغارستان، إستانبول سنة ١٩٣٣ م.
(١٢) الكاتب نفسه: عثمانلى إمبراطور لغينده فتر بطرخانه سى
стр. 1843
وبلغار كليسه سى في تاريخ عثمانى أنجمثى مجموعه سى، رقم ٨ (١٣٤١ هـ).
(١٣) الكاتب نفسه: بلغار احتلالى في تاريخ عثمانى أنجمنى مجموعه سى، رقم ٩) سنة (١٣٤١ هـ)
(١٤) Geschichte der Bul-: N. Staneff garen , ليبسك سنة ١٩١٧
(١٥) Bulgarische Wirts- l. Sakazov geschichte chaft برلين - لييسك سنة ١٩٢٩
(١٦) Sources Os-: G. D. Galabov l.Histoire Bulgare mano - Turques Pour في Annuaire de ١'vni de Sofia المجلدات ٣٤ - ٢, ٣٥ - ٦, ٣٩ (سنة ١٩٣٨ - ١٩٤٣)
(١٧) donou-Bulgari-: f.ph.kanitz en and der Balkan, في ثلاثة مجلدات، ليبسك سنة ١٨٧٥ - ١٨٧٩.
(١٨) Hechbulgarien: H. Wilhelmy كبيل سنة ١٩٣٥ - ١٩٣٦.
(١٩) Geschichte des Os-: N. Jotrga manischen Reiches. في خمسة مجلدات، كوتا سنة ١٩٠٨ - ١٩١٣.
(٢٠) خليل إينالجق: تنظيمات وبلغار مسأله سى، أنقره سنة ١٩٤٣.
(٢١) ز. و. طوغان: مادة بلقان في إسلام أنسيكلو بيدباسى.
د. أحمد السعيد [ح. إينالجق H. Inalak]
بلقيس
الاسم الذي يطلقه المسلمون على ملكة سبأ، وقد نشأت منذ القدم عدة أساطير من القصة الواردة في التوراة (سفر الملوك الأول، الإصحاح العاشر، والآيات) ١ - ١٠، ١٣) عن قدوم ملكة سبأ على سليمان لامتحانه في مسائل عويصة.
وذكر القرآن (سورة النمل، الآيات ٢٠ - ٤٥) خبر ملكة سبأ التي كانت تعبد الشمس من دون الله، فحمل إليها هدهد كتابًا من سليمان يدعوها إلى عبادة الله الحق، ففزعت وأرسلت إليه هدية. ولكنه ردها، وهنالك ذهبت إليه بنفسها فأمر عفريتًا أن يحضر إليه عرشها لينظر هل تستطيع أن تهتدى إليه، ثم قادها إلى الصرحة، وكانت من
стр. 1844
قوارير، وصح ما توقعه، فإنها لما أبصرتها ظنتها ماء وكشفت عن ساقيها. وانتهى الأمر بها إلى أن أسلمت، ويذهب بعض المفسرين إلى أن سليمان فعل ذلك ليرى إذا كان لها قدما دابة.
ونستدل من هذا السرد المختصر الوارد في القرآن على أن القصة كانت قد تطورت تطورًا كبيرًا، وما ورد في الترجوم (١) الثاني إلى إستير يتفق في عناصره الأساسية والقصة القرآنية، ومن المحتمل أن يكون ذلك الترجوم هو الذي تأثر بالرواية الإسلامية، كما يظهر أن هذه القصة - التي لا شك أنها وصلت عن طريق مصادر يهودية - كانت قد تأثرت بالإيرانية.
ولم يرد اسم بلقيس في القرآن، وهو يفسر على أوجه مختلفة، منها أنه الاسم الذي قد يشير إلى قصة زواج سليمان من ملكة سبأ التي كانت شائعة بين اليهود منذ عصر متقدم جدًّا، أو أنه تحريف للاسم نوقليس Naukalis الذي أطلقه يوسفوس على ملكته -ملكة سبأ- التي كانت في اعتباره حاكمة على مصر وإثيوبيا، وهذا التحريف تفسره الكتابة العربية. والقصة الإسلامية المتأخرة التي لم يتضح بعد تطورها تماما تضع بلقيس في بيان الملوك الذين حكموا اليمن، ومن المحتمل أن شخصية ملكة سبأ الواردة في التوراة هي عين أميرة من أميرات اليمن لم يرد اسمها في النقوش (Ueber die A. von Kremer Suuedarabische Sage ص ٦٥ ما بعدها Die Arabische Frage: M. Hartmann ص ٤٧٨).
والقصة الإسلامية المفصلة التي أوردها كل من هامر بور كستال Hammer - Purgstall) في rosenel وفايل Biblische legenden der mu-G. weil subnaenner ص ٢٤٧ وما بعدها) لا يمكن أن تكون قد برزت في صيغها. النهائية إلا متأثرة بعناصر فارسية وهندية. والقصة تبدو في مواضع أخرى بصيغ مختلفة، فالمقتبسات الفارسية من
стр. 1845
[hgthnsd من كتاب الطبري مثلًا (ترجمها زوتنبرغ Zotenberg جـ ١، ص ٤٤٣ وما بعدها) تحتوى على قصة ممتعة عن مولد بلقيس تزعم أنها ابنة ملك صينى اسمه أبو شرح من امرأة تدعى برى. وحاول زوتنبرغ أن يتبين في اسم أمها (بلقمة) اسم المعبودة الحميرية "المقه". ويقول العرب إن أمها كانت تدعى بلمقه أو بلقمه أو بلقمه (انظر فيما يتصل بهذه الأسماء Der Sabaische Gott Ilmukah: D.Mielsen) ولم يذكر البيرونى في كتابة الآثار الباقية (ص ٤٠) سوى أن أمها كانت شأن ذي القرنين من الجن، بينما يزعم الزمخشرى أنها من أسرة تبع بن شراحيل الحميرية وأنها كانت تسكن قصر مأرب. ومهما يكن من شيء فإنه يلوح أن المسلمين قد انتبهوا منذ القدم إلى أنها لم تكن مسلمة. ومن هنا ثار الجدل أحيانًا حول بعض نواحى هذه القصة مثل القول بأنها من أصل جنى.
وتأثرت قصة ملكة سبأ في الحبشة المسيحية ببيئة هذه البلاد فجعلت الأسرة الحاكمة فيها من نسل سليمان وملكة سبأ، وعرفت هذه الملكة عندهم باسم ما كدا.
المصادر:
(١) neue beitraege zur: grueubaum semitischen Sagenkunde ص ٢١١ - ٢٢١
(٢) Die Salomosage: Salzberger , ١٩٠٧, وانظر فيما يختص بالأسطورة الحبشية.
(٣): V.Praetoruis Fabula de regina sabaea aped Aethiopes
(٣)Kebra Nagast: Bezold، ميونخ سنة ٩٠٥
(٥): E. Littmann The Legend of the on of axum Queen of Sheba in the traditi Biblioteca Abessinica جـ ١).
[كارا ده فو carra De Vaux]
стр. 1846
بلوجستان
" بلوجستان"، أو بلوخستان، أو بلاد البلوج.
الوصف العام
يطلق اسم بلوجستان بمعناه الواسع على الإقليم برمته الذي ينتشر فيه الجنس البلوجى، بغض النظر عن الحدود السياسية الحديثة. وهذا الإقليم بين خطى طول ٥٨ ْو ٧٠ ْشرقا، وخطى عرض ٢٥ ْو ٣٢ ْشمالا. وينقسم من الوجهة السياسية إلى ما يأتي:
١ - خانية كلات، ويطلق عليها عادة اسم بلوجستان.
٢ - بلوجستان الفارسية، وتتبع حكومة كرمان.
٣ - بلوجستان البريطانية.
٤ - المنطقة التي تسكنها القبائل البلوخية في ولايتى البنجاب وسنده من أعمال الهند البريطانية، وتشمل نواحى ديره غازى خان ويعقوب آباد إلى آخر البلاد التي تسكنها القبائل البلوخية.
وتدخل جميع هذه المناطق، مع استثناء وادي السند والإقليم الساحلى الضيق، في الهضبة الإيرانية، وتكوِّن القسم الجنوبي الشرقي منها. ويجب أن ننبه هنا إلى أن القسم الشمالي من بلوخستان البريطانية الذي يضم نواحى يشين وروْب وجبال سليمات إلى نهر كومل شمالا يعتبر من الناحية الجنسية جزءًا من أفغانستان، وأقصى ما وصل إليه الجنس البلوخى شمالا هو خط عرض ٣١ ْفى جبال سليمان، ولكنه لم يصل شمالا في موضع آخر إلى ما وصل إليه هناك.
المناطق الرئيسية:
لا تسمح طبيعة هذا الإقليم الجدب بقيام المدن الكبيرة وازدهارها، وسكانه في الغالب من البدو، ولا يوجد ما يشبه المدن إلا في حكومة مركزية مثل كلات أو بيله أو في محطة عسكرية مثل كوطة، بل إن مدينتى كلات وبيله يقل عدد سكان كل منهما عن ٥٠٠٠ نسمة، وبَنْجور وحدها هي مركز تجارة البلح في وادي رخْشان كما أن سيبى وذاذْر مركزان تجاريان قديمان جنوبي ممر
стр. 1847
بولان، وتعود أهمية شال أو كوطة في هذا العصر إلى أنها قاعدة حربية هامة. وهناك نقط عسكرية أخرى في بلوخستان البريطانية هي لورلاى وفورت سَنْدمَن أما فَهْرجَ أو بَهْرة فهي قصبة الإقليم الفارسى. والثغور عديمة الأهمية تسدها الحواجز الرملية. وأهم ثغور مكران ولس بيله هي سورميانى وأرْمَرَه وياسى، أما كُوادر التي على الشاطئ نفسه فتابعة لعرب مسقط. ويوجد ثغرا كَوانز وجاه بار في بلوخستان الفارسية. وفقدت ميناء تيز التي على الشاطيء نفسه أهميتها القديمة.
التقسيم السياسي:
تدخل هذه المناطق، ماخلا بلوخستان الفارسية، في حدود الإمبراطورية البريطانية في الهند، بيد أنها تتفاوت في المركز السياسي، وتنقسم من الوجهة الإدارية إلى ما يأتي:
١ - بلوخستان البريطانية:
تشمل النواحى التي كانت فيما سبق جزءًا من أفغانستان وضمت إلى بريطانيا بمقتضى معاهدة كَنْدَمَك عام ١٨٧٩ م، وهذه النواحى هي: شاهرع، وسيبى، ودكى، وبشين، وجَمَن، وشُررَود.
٢ - المناطق التي يحكمها نائب من قبل الحاكم العام.
١) المناطق التي تحكم بصفة مباشرة.
ب) الدويلات الوطنية.
ب) المناطق القبلية.
١ - هذه المناطق إما مستأجرة من خان كلات وإما مناطق قبلية دإما مناطق حصل عليها بتعديل الحدود مع أفغانستان، وهي تشمل الوكالات السياسة في زوب وجعاى والجزء الشرقي من كوطة وسنْجوَى وكوهلو وبارخان وبعض مناطق ممتدة على طول الخط الحديدى.
وهذه المناطق محكومة على منوال بلوخستان البريطانية. ومساحة هذه الأراضي كلها تبلغ في الإجمال ٤٥٨٠٤ أميال مربعة إنكليزية.
ب - الولايات الوطنية هي خانة كلات وإقطاعيتاها لسْ بيله وخاران.
стр. 1848
ب - أما المناطق القبلية فهي "مرى" و"بُكْطى" ويحكمها شيوخ من أهلها تحت إمرة نائب الحاكم العام، وهم ليسوا خاضعين لخان كلات. وأما المناطق القريبة من الخط الحديدى في "كججهى" فتدار شئونها على هذا الأسلوب، وتقطنها قبائل دومبكى وكهيرى وأمرَانى، ولس بيله تخضع لشيخها، ويعرف بـ "جام" وهو حاكم من غير الأهالى أصله هندى من راجيوت، وهي تشغل الركن الجنوبي الشرقي من بلوخستان حتى حدود سنده والمحيط الهندى.
وخانية كلات تضم الجزء الأكبر من بلوخستان أعني إقليم كلات الجبلى نفسه بما فيه جميع قبائل البراهوئى التي تنقسم إلى: شروان وجَهَلْوَان (العليا والسفلى) ومكران بأسرها حتى حدود فارس والمحيط الهندى، وخاران في الشمال. وهذا الإقليم يضم أيضًا سهل كججهى في سفح جبال كلات. وخاران موطن قبيلة نوشروانى وهو إقليم إقطاعى يحكمه شيخ من أهله.
والخان نفسه هو سيد قبيلة كَمْبَرانى البراهوئية، وهو أيضًا سيد حلف يجمع قبائل البلوخ والبراهوئى وبعض الأقوام الأخرى التي لا تدانى هذه في هذا الشأن.
بلوخستان الفارسية:
كانت في الأصل جزءًا من خانية كلات ولكن فارس احتلتها شيئًا فشيئًا بعد ظهور الأسرة القاجارية، وقامت لجنة إنكليزية فارسية بتعين الحدود فيما بين عامي ١٨٧٠ و ١٨٧٢ م، وقد حددت آخر الأمر بإشراف السير هولدخ T.Holdich ما بين عامي ١٨٩٥ - ١٨٩٦ م، والحق إن بلوخستان الفارسية هي الجزء الغربي من مكران على التحديد، ولذلك فهي تشترك معها في الظواهر الطبيعية.
المساحة:
تبلغ مساحة جميع الأقاليم التي تحت الحكم البريطانى مباشرة ٤٥٨٠٤ أميال إنكليزية مربعة (١١٨٦٢٤ كيلو مترًا مربعًا). وهي موزعة كما يلي:
تلال مرى وبكطى وتبلغ مساحتها ٧١٢٩ ميلا مربعا (١٨٤٦٤ كيلومترا مربعا).
стр. 1849
دويلات كلات ولس بيلة وتبلغ مساحتها ٧٩٣٨٢ ميلا مربعًا (٢٠٥٩٩ كيلو مترًا مربعًا).
ولا يمكننا أن نذكر على التحديد مساحة بلوخستان الفارسية، ولكن هن المحقق أن هذه الولاية لا تقل مساحتها عن ٥٠.٠٠٠ ميل مربع (١٢٩٥٠٠ كيلو متر مربع).
المناخ:
مناخ بلوخستان قاس شديد الحرارة قارس البرد. ولعل مكران من أشد بقاع العالم حرارة، ولكن مناخها جاف بوجه عام. أما عند الشاطئ فإن رطوبة الجو تجعل الحرارة خانقة. وتسود الإقليم في موسم البرودة عواصف ثلجية وبخاصة في الهضاب التي حول كوطة وكلات ومكران وخاران، والمنطقة الصحراوية المتاخمة لسجستان معرضة دائمًا لرياح الشمال الشديدة، أما الأمطار فقليلة في جميع الجهات، وتزيد نسبيا في أقاليم بلوخستان البريطانية الجبلية وفي التلال التي إلى الشمال والشرق من سهل كججهى، وأقصى ما تصل إليه الأمطار في شاهرغ هو ١٢.٥٠ بوصة (٣١٧.٥٠ مليمترًا) وهذا الرقم هو متوسط ما سقط من المطر في خمس سنوات، ولم يبلغ المطر هذا القدر في آية جهة أخرى، ففي كججهى يتراوح بين ٣.٢ بوصات سنويا (٧٦.٢ مليمترا) ويبلغ في كلات ٥ بوصات (١٢٧ مليمترا)، وليس لدينا بيانات عن مقدار ما يسقط من الأمطار في مكران وبلوخستان، غير أنه لا شك في أنها أقل فيهما من المناطق الجبلية في الشرق.
بلوخستان:
بلوخستان بأسرها جافة جدًّا ولا تصلح للزراعة إلا في مناطق محدودة منها حيث تتوافر مياه للرى، وهناك ما يحملنا على الاعتقاد بأن الأراضي آخذة في الجفاف، وأن الزراعة كانت أكثر انتشارًا فيما مضى، ولكن يلوح أن صفات المناخ الجوهرية في هذا الإقليم كانت في عهد الإسكندر كما هي عليه الآن.
السكان:
لم يتجاوز التعداد الذي عمل عام ١٩٠١ م منطقة تبلغ مساحتها ٧٦٩٧٧
стр. 1850
ميلا إنكليزيا مربعا (١٩٩٣٧٠ كيلومترًا) وبلغ عدد السكان في هذه المنطقة ٨١٠.٧٤٦ نسمة , وقدر عدد سكان المناطق التي لم يعمل فيها تعداد وهي مكران وخاران وسنْجرَانى الغربية بـ ٢٢٩.٦٥٥ نسمة على وجه التقريب، أي بواقع خمسة أشخاص لكل ميل إنكليزى مربع، وعلى هذا يمكننا أن نقول إن عدد سكان بلوخستان التي في حدود الإمبراطورية الهندية البريطانية هو ١.٠٤٩.٨٠٨ نسمات، وربما بلغ سكان بلوخستان الفارسية ٢٥٠.٠٠٠ نسمة، وهناك عدد عظيم من أصل بلوخى في الينجاب وسنده معا إلى جانب بعض البراهوئى في الولاية الثانية، ويبلغ عدد السكان جميعًا ١.٠١٧.٣٠٧ من البلوخ و ٤٨.١٨٠ من البراهوئى، أما في بلوخستان نفسها فيبلغ عدد البلوخ الذين أحصوا ١٠٤.٤٩٨ نسمة فقط، غير أنه يمكننا أن نقدرهم بـ ٣٠٠.٠٠٠ نسمة لأن معظم سكان مكران وبلوخستان الفارسية منهم ومع كل هذا فإن عدد البلوخ في بلوخستان لا يبلغون نصف أولئك الذين يعيشون في وادي السند، وقد استقر معظم البراهوئى في ولاية كلات، وعددهم يقرب من ٣٠٠.٠٠٠ نسمة.
النبات والحيوان:
الجزء الأكبر من سلاسل الجبال صخور جرداء لا غابات فيها، وهناك مناطق قليلة محدودة في جبال بلوخستان البريطانية توجد بها غابات صغيرة، فبجبال سليمان حب الصنوبر الكبار Pinus rerardiana والصنوبر الطويل الورق Pinus Longifolia والسديان Quercus Ilex، وعلى جبال شينغر حرج من أشجار الزيتون البرى Olea Cuspidata, وتغطى أشجار البطم الأخضر Pistacia Khinjuk جزءًا من جبل جهلتان، وبالقرب من "زيارت" غابة من العرعر Juniperus excelsa ولكن لا يوجد في الجزء الأكبر من هذه البلاد ما يصح أنه نسميه غابة ويكثر الدوم Chamaerops Ritchieana في كل مكان حتى على ارتفاع خمسة آلاف قدم، وكثيرًا ما تستعمل أوراقه في صنع الحصير والنعال، وهم يأكلون قلب الجذع كما تؤكل البقول وينسجون من
стр. 1851
أليافه الصوفان، وتوجد عادة أشجار السيسام Dalbergia Sissoo والصفصاف Populus Euphratica على شواطئ الأنهار، كما يوجد أحيانًا الصمغ العربي في الوديان Acacia Arabica والسنط Acacia modecta واليكمونتى Jacquemontii على سفوح التلال، وتنمو عدة أنواع من الحطب الأحمر Tamarix وخاصة الطرفاء Tamarix Callica بالقرب من الماء، وينمو الدفلى أيضًا في مجارى المياة الجافة Nerium Oclonim. كما يوجد التاكوما Tecoma Undulata ذو الزهر الأصفر في بعض الوديان.
ويكثر النخيل في أجزاء من مكران وخاصة في ينجكور ومشكيل، وهو يزرع في ينجكور ويلقح بطريقة صناعية، ونوعه جيد، أما نخيل مشكيل فبرى يجمع البدو ثماره، وأشجار الفاكهة قليلة بوجه عام. ومناخ المرتفعات صالح لإنتاج أجود الفواكه من كل نوع، كما جُرّب ذلك في كوطة، ولكننا نستطيع أن نقول إن العناية بغرسها لم تبذل بوجه عام، والزهور العطرية كثيرة في التلال الجافة، وقد اشتهرت مكران منذ القدم بالمر والناردين والمقل Bdellium المعروف الآن باسم كَوَكل، وهو يستخرج من شجرة اسمها البوذ. balsamodendro makul (Bodh
أما الحيوان في مكران وبلوخستان الفارسية فمعظمه من حيوان الصحراء والأنواع الهندية، وحيوان الجبال والهضاب المرتفعة في الشمال الشرقي أقرب إلى الأنواع الموجودة في الهضبة الإيرانية، واللبونات العليا نادرة وأهمها النمر Felis Pardus والذئب canis lupus والثعلب والغُرَير ولعله Meles (١) Vulps Cansceus, والدب الأسود ursus Labiatus (أي دب الهند الأسود) والغزال gazella Dennetti et G. Fuscifrons، والأغنام البرية , ovis Cycloceros ونوعان من الماعز هما الوعل Capra aegagrus والماخور، ويعرف عند أهل البلاد بالـ "ياشن" Capra megaceros, والنوع الأول على حدود سندة وفي مكران، أما النوع الثاني ففي جبال سليمان. ولعل الحمار
стр. 1852
الوحشى أو الكور هو عين ما يوجد في فارس ووادي السند Equus hemionos، والماشية من النوع الهندى ذي السنام، والأغنام على نوعين سمينة الذنب وطويلته، والجاموس من المصنف الهندى أيضًا، والجمل أو النجيب هو دابة الحمل الشائعة في هذه البلاد. وليس بها الجمل ذو السنامين، وإذا وجد فهو عجيبة مستوردة من الخارج، والخيل تربى بكثرة وهي كريمة الأصل سريعة صبور، فيها دم عربي. والبلوخ لا يمتطون إلا الأفراس في أغلب الأحيان.
وتكثر الحيتان والدلافين قرب الشاطئ، أما الطيور الكبيرة الحجم فأشهرها البلح (١) أو الستل، والنسر والصقر والباز، أما طيور الصيد فمنها أربعة أنواع من فصيلة القطا Pterocles هي الدُراج وثلاثة أنواع أخرى منها: والسلوى أو السمانى، والحبارى Otis Houhara توجد في المناطق الأكثر حرارة من غيرها في الشتاء، وهي تهاجر في الصيف إلى الأجزاء الأكثر برودة من غيرها في الهضبة، كما يوجد النحام (بشروس) بكثرة على الشاطئ، وتظهر في الشتاء أنواع عديدة من البط والحذف الشتوى أو الشرشير الشتوى.
وتوجد التماسيح Crocodilus Palustris في الجانب الشرقي في نهر "هب" وفي المجارى المائية في تلال مرى وبكطى وجبال سليمان، ولكنها لا توجد في الغرب. وتكثر الحيات، والحية السامة المالوفة هناك هي الأفعى الصّغيرة Echis Carinata ويوجد الصّل في عدة مواضع وخاصة في بلوخستان البريطانية.
ويكثر السمك البحرى على شاطئ مكران، أما النهيرات الداخلية فصغيرة بحيث لا تسمح بتكاثر أسماك المياه العذبة. ولكن السمك البَنّى Barbus Tor يوجد حيثما كانت المياه كثيرة جارية.
الأجناس البشرية:
يمكننا أن نصنف سكان بلوجستان بصفة عامة متوخين في ذلك المنهاج القائم على علم قياس الجسم الإنسانى
стр. 1853
الذي اتبع في التعداد الذي أجرى بالهند عام ١٩٠١، فنقول إن السكان هناك فرع من الجنس التركى الإيرانى، وهم طوال القامة على الإجمال، يتراوح متوسط ارتفاع قامتهم في مختلف القبائل بين خمس أقدام وثلاث بوصات وخمس أقدام وسبع بوصات.
ومعظمهم من ذوي الروؤس العريضة، ويبلغ قياس مخهم ٨٠ أو ٨١ وأنوفهم طويلة شماء، وشعر رأسهم ولحيتهم غزير، ولون أعينهم وشعرهم أسود في الغالب، ومنهم من هو أسمر الشعر أزرق العينين أو رماديها.
وبشرتهم سمراء فاتحة، وهي تميل إلى الدكنة عند الشاطئ. وتنطبق هذه الصفات بوجه خاص على البلوج وعلى البراهوئى إلى حد ما. والأفغان في هذه الولاية يشبهون البلوج شبها عظيما، وقد تحدثنا عنهم في مادة أفغانستان، أما العناصر الهندية فقد بدت فيها خصائص الهنود، ولذلك فإنا نجد رءوسهم أقل في العرض من أولئك وأنوفهم أقصر.
وإذا غضضنا الطرف عن أفغان بلوخستان الإنكليزية فإن السكان ينقبسمون إلى: بلوج، وبراهوئى، وهنود، وفرس.
العناصر الهندية:
وهي تتألف من لاسة لس بيله، والجطّ الذين يمتزجون بالبلوج في كججهى، ولربما الميدية أيضًا، وقبائل أخرى مركزها الاجتماعى منحط في مكران. وهناك أيضًا عدد محدود من التجار من سلالة هنود نزحوا من الهند في عهد متأخر.
الفرس أو التاجيك:
ومعظمهم من الديهوارية أي مزراعى هضبتى كلات وكوطة. وقبيلة نوشروانى النزاعة إلى القتال من أصل فارسى أيضًا، ولكن من المشكوك فيه أن هناك أي تميز حقيقى بينها وبين البلوج.
البلوج:
ينقسم البلوج الأصليون قسمين كبيرين يفصل أحدهما عن الآخر جماعة البراهوئى. وبلوج الشمال الشرقي يعيشون في سهل كججهى وفي التلال
стр. 1854
التي إلى شماليه، وهذه التلال تتصل بجبال سليمان. وهم ينتشرون في هذه الجبال ناحية الشمال حتى خط عرض ٣١ ْأسفل الجبال التي إلى الشرق تجاه نهر السند. ويقطن عدد كبير منهم السهول التي في الينجاب الجنوبية وشمالى سنده وبخاصة ناحيتى ديره غازى خان، ويعقوب آباد.
والقسم الآخر عبارة عن بلوج مكران وبلوخستان الفارسية إلى الغرب من قبائل البراهوئى.
البراهوئى:
وهم ليسوا مبعثرين شأن هؤلاء، ولكنهم يشغلون قطعة متماسكة من الأرض حول كلات، والجزء الأكبر من هذه القطعة شديد الارتفاع، وهي تمتد من كوطة في الشمال إلى لس بيلة في الجنوب، وتفصل بذلك بلوج الشمال الشرقي عن بلوج مكران فصلًا تاما والراجح أن يكون البلوج، كما سنتبين بعد، قد دخلوا مكران عن طريق كرمان وسجستان قرابة الفتح السلجوقى لفارس، وانتشروا سريعًا حتى حدود الهند، ومن هذا العهد بدأ هذا الإقليم يعرف ببلاد البلوخ أو بلوخستان. ولم يعرف الكتاب المتقدمون هذا الاسم. ويطلق اسم بلوخ أحيانًا في شيء من التجاوز بحيث يدل على جميع من يقطنون في هذه البلاد. وعلى هذا فإن الزعيم البراهوئى ناصر خان الذي وصل إلى الحكم في القرن الثامن عشر الميلادي يذكر في التاريخ بصفة عامة على أنه من البلوخ.
ويمكننا أن نعرف طبيعة سكان بلوخستان الأولين على سبيل التكهن فقط، ومن الراجح أن معظمهم كانوا من الجنس الهندى، وأقدم اسم لهذه البلاد لدينا عنه بعض المعلومات هو "مكه" في نقوش بهستون، وهو مكْيه Mekia عند هيرودوتس أو بلاد الميَكيان Mykians التي كانت ضمن الولاية الرابعة عشرة في بلاد فارس، ويجمع هرودوتس في كلامه في مواضع أخرى بين المكيان واليوتيان Utians والباركانيان Parikanianc الذين كانوا مسلحين كالباكتيان Paktianc . وعين بطلميوس الحدود بين الهند وفارس بحيث ترك الجزء الشرقي من بلوخستان في الهند.
стр. 1855
ويذهب أريان Arran في كلامه على أوره Ora وأهلها الأوريتاى Oreitai الذين كانوا يعيشون عند نهر أرابيوس Arabios - الآن يرالى- إلى أنهم من الهنود شانهم في ذلك شأن أهل لس بيله الآن. وإلى الغرب من هؤلاء توجد الوديان الداخلية التي كان يعيش فيها الكدروسيوى Gadrosioi الذين سمى الإقليم باسمهم "كدروسيا" أو "كدرسيا" كما يعيش الإتشيوفا كوى في الإقليم المطل على البحر، وهم من الصيادين، ويمثلهم الآن الميدية والقبائل الأخرى التي تقطن الساحل. وظل "كدروسيا" الاسم المعترف به لهذه البلاد في الزمن القديم، ولم نعد نجد ذكرًا لمكه أو مكيه ثانية، ولكن من الواضح أن هذين الاسمين بقيا في الاستعمال الشائع لأن الفاتحين العرب الأولين في القرن الأول للهجرة وجدوا أن الاسم هو مُكْرَان - مَكْرَان الآن - ولعل القراءة الصحيحة هي مَكُرَان، وهو النطق الحالى عند البلوخ وقد ذهب مولسريرث سيكس Molesworth Sykes إلى أن المقطع الأخير هو "عرانيأ" بالسنسكريتية ومعناها الأرض القاحلة.
(وهو موجود أيضًا في رن كججه).
وهناك مواضع مختلفة على الشاطئ حققها هولدخ Holdich وموكلر Mockler وغيرهما وتبينوا فيها أسماء مواضع ذكرها مؤرخو اليونان مثل:
راس مالان = ملنة Malang عند أريان. برغ أو بميور = يورة Poura عند أريان كوادر = برنه، بدره Badara و Badara
كلمت = كلمه Kalama .
جزيرة أستولا = نُسلهَ Nosala .
ولا شك أن يورة هي الكلمة الهندية بورة ومعناها مدينة، ولكن الأسماء التي ذكرت ليست بصفة عامة دليلا يبين لنا هل كان الأهالى في ذلك الوقت يتكلمون اللغة الإيرانية أو الهندية، وقد ذهب موكلر إلى أن الكدروسيوى هم عين البلوخ، ولكن يلوح أنه ليس هناك ما يبرر هذا الزعم من حيث فقه اللغة، لأن حرف ف الأصلي يمكن أن يتطور إلى الأحرف ب، ل, أو، كو الحديثة كما هي الحال في كوادر، ولكنه يصعب أن يصبح حرف ك الأصلي حرف ب الحالى، وفضلا عن ذلك فإن هناك
стр. 1856
ما يدعم القول بأن البلوخ من مهاجرى وقت متأخر كثيرًا عن هذا، ويظن هولدخ أن اسم كدروسيوى هو كدور الحالى، وهو اسم عشيرة في لس بيله، ولكن كدور عشيرة ضئيلة الشأن من أصل هندى كما نستدل من التعداد الذي عمل حديثًا، ولا يزيد عدد أفرادها عن ٢٠٠٠ نسمة، وليس في الإمكان أن نقول إنها عين جنس كالكدروسيوى، وجط المجرى الأسفل لنهر السند يشملون الجط الخلص والراجبوت، وهذا هو الحال أيضًا في لس بيله حيث تعيش سلالة الأجناس والسما السندهيين مع لنكاه ملتان، ولما ظهر العرب لأول مرة وجدوا أن مكران بأسرها في حوزة الجط أي الزط.
وذكر المسعودى أنهم كانوا يعيشون غربًا حتى كرمان، غير أنه قد أشير بصفة عامة إلى أنهم يقطنون مكران، وروى المسعودى والإصطخرى أن البلوخ كانوا يقطنون جبال كرمان وقد جمعا بينهم وبين الكوج (قفْص وبلوص أو كوج وبلوج) ولكن البلاذرى والطبرى لم يذكرا سوى الكوج. وعلى هذا فإنه من المحتمل أن يكون البلوخ الذين كانوا من غير شك في كرمان في الوقت الذي كتب فيه هؤلاء المؤرخون لم يصلوا إلى هناك في وقت متقدم كهذا (٢٣ هـ) أي في وقت غزوة العرب الأولى لهذه البلاد. ويلوح أن مواطنهم قبل ذلك كانت قرب شواطئ بحر الخزر؛ ونستدل من الفردوسى على أن قبيلة نوشيروان قد قاتلتهم، وهم يذكرون في هذه القصة مع أهل جيلان. ويقول موكلر في مقال له نشر بمجلة الجمعية الآسيوية بالبنغال (سنة ١٨٩٥ م , ص ٣٢) أن الفردوسى روى أن "نوشيروان أدبتهم في مكران" ويستدل من هذا القول أن البلوخ كانوا من غير بد في مكران قبل غزوة المسلمين بمائة سنة على الأقل، ولكنا نتبين من الرجوع إلى الفردوسى أنه لم يرد فيه أي ذكر لمكران. ونستدل من كل هذه الأساطير القديمة التي حفظها الفردوسى ومن غارات نوشيروان، وهي في جملتها من الحوادث التاريخية، على أن البلوخ كانوا إلى زمن الفتح العربي على اتصال وثيق بفارس الشمالية، وإن كانوا يعتبرون
стр. 1857
من أصل إيرانى، لا طورانى وكثيرًا ما يقترن اسم بلوج في الشاهنامه مع اسم كوج كما يرد فيها منفردًا؛ ولا نجد هذا الاسم في المحفوظات الأقدم عهدًا مما يجعلنا نظن أن اتحاد هاتين القبيلتين الذي كان قائمًا عند كتابة الفردوسى للشاهنامة لم يكن له وجود في الأساطير التي اعتمد عليها. وقد تكون هناك صلة بين هجرات البلوخ التي اتجهت نحو الجنوب إلى كرمان والنقلة إلى سجستان ومكران ومنها إلى حدود السند، وبين الغارات المختلفة الآتية من آسية الوسطى مبتدئة بغزوة الهياطلة أو الهون البيض في عهد نوشيروان. ومن المحقق أن البلوخ استقروا في القرن الرابع الهجرى في جبال كرمان جنبًا إلى جنب مع القفص أو الكوج وانتشروا في سجستان، بينما ظلت مكران في أيدى الزط أو الجط، واشتهر البلوج بالسلب والنهب، وقد أغاروا على صحراء لوط التي بين كرمان وخراسان، وكثيرًا ما هاجمتهم الدول المجاورة على يد أمثال عضد الدولة البويهى الذي أصاب منهم مقتلة كبيرة، ومسعود بن محمود الغزنوى الذي هزمهم قرب خبيس، وكل هذه الحروب التي انتهت بغزوة السلاجقة واحتلال كرمان وسجستان دفعت قبائل البلوخ ناحية الجنوب والشرق إلى مكران سنده، وسرعان ما وصلوا إلى حدود الهند. ونسمع عنهم لأول مرة في سنده حوالي عام ٦٥٠ هـ (منتصف القرن السادس عشر الميلادي) ويظهر أنهم كانوا في ذلك الوقت يحتلون مرتفعات كلات التي تخضع الآن للبراهوئى، ومن أسباب نزوج جانب كبير منهم إلى سهول وادي السند نمو سلطان البراهوئى. ومن أسباب نزوحهم كذلك اضمحلال الحكومة المركزية في الهند نتيجة لغزوات تيمور. وقد شجع هذا المغامرين من جميع الطبقات ومن بينهم لودية الأفغان والإمبراطور بابر والأرغون الذين عجزوا عن الاحتفاظ بقندهار. واشتركت القبائل البلوجية في غزو الأرغون لسنده، وكانوا معهم تارة وعليهم تارة أخرى. وانتشروا بقيادة زعيمهم مير جاكر رند ومير سهراب دودائى في مملكة راجبوت لنكاه بملتان وساروا صعدا في وديان نهر السند
стр. 1858
ونهر جهلم ونهر جناب ووصلوا شمالا إلى بهيرا.
ويلوح أن البلوج قد هضموا بعض قبائل من أصل هندى أثناء إقامتهم في مكران وعلى حدود سنده، ولربما كانت بعض العشائر العربية قد وصلت إلى مراتب ذات شأن بينهم، ولكن ليس هناك أدلة كافية تسمح لنا أن نفترض أن كثيرًا من البلوج تجرى في عروقهم الدماء العربية وأن الرندية يتميزون في هذا الشأن عن بقية البلوج؛ ويظهر أن الرأى القائل بأصلهم العربي مأخوذ من القصة البلوجية التي تزعم أنهم انحدروا من صلب مير حمزة وأنهم قدموا من حلب وحاربوا يزيد تحت لواء الحسين في كربلاء. ولكن ليس لنا أن نعلق على هذه القصة أهمية أكثر من القصص الأخرى المشابهة لها المتصلة بأصول غيرهم من الشعوب. ويذهب موكلر Mockler إلى أن اسم حلب الذي جاء في القصص يثبت أن البلوج انحدروا حقيقة من قبيلة علافى العربية، وهي من بنى علاف الذين كانوا في مكران حوالي ٦٥ هـ، واحتفظوا بالبلاد بعد أن قتلوا سعيد بن أسلم الذي كان الحجاج قد استعمله عليهم، ولكن هذا الرأى لا يدعمه أي دليل، ومع أنه قد ينطبق على بعض الأسر التي من أصل عربي إلا أنه من العسير أن نطبقه على الجنس البلوجى بأسره الذي لم يستقر في مكران إلا بعد ذلك بأربعة قرون. ثم إن هذا الرأى لا يدخل في حسابه ذلك الجزء من القصة الذي يذهب إلى أن البلوج استقروا في سجستان قبل نزوحهم إلى مكران، وجعلت هذه القصة إقامتهم في سجستان إلى عهد حاكم يدعى شمس الدين، ولعله مالك السجستانى المعروف بهذا الاسم الذي توفى عام ٥٥٩ هـ (١١٦٤ م)، ونسبت طردهم إلى بدر الدين، الذي لم نستطع تبين حقيقته بعد، ويقال أن زعيمهم جلال خان أعقب أربعة أبناء، هم: رند، ولاشار، وهوت، وكورائى، وابنة اسمها جتو تزوجت من ابن أخيه مراد، وهؤلاء الخمسة هم الأجداد الذين تصل قبائل البلوج الخمس نسبها بهم. والعشائر الأربعون الأصلية (وتعرف العشيرة عندهم بـ "بلك") - بما فيها القبائل
стр. 1859
الأربع من العبيد - التي تبعت جلال خان انضوت تحت لواء هذا الابن أو ذاك من أبنائه؛ وكل البلوج الخلص يقسمون وقتذاك إلى الرندية واللاشارية والهوتية والسكورائى والجتوئى، ويطلق على بعض القبائل الأخرى التي لا تدخل في هذا التقسيم اسم البلوج على الإجمال، وأهم هؤلاء هم البليدى أو البليذئ، ويقال لهم البردى في سنده، الذين نجدهم في مكران حيث موطنهم الأصلي وادي بليده، ونجدهم في سنده الأعلى على نهر السند، ومن أهمهم كذلك الكتجكى في مكران، ويعتقد أنهم من أصل هندى؛ والدودائى، وهم خليط من البلوج والرجيوت يصلون نسبهم بـ "دودا" وهو ملك سنده السُّمْراوى، وهم يقطنون اليوم جنوبي الينجاب. والفرع الهام الذي بقى منهم هو قبيلة كرجانى التي تسكن ديره غازى خان. ويلوح أن الرندية بزعامة جاكر كانوا العنصر الهام في الهجرة إلى الهند، ولكن اللاشارية بزعامة كوهرام نازعوهم هذا التفوق. والحرب التي نشبت بينهما والمعارك التي خاضوها مع الترك بقيادة زنو - ونقصد بالترك هنا الأرغون بقيادة ذي النون بك - هي موضوع أغان حماسية كثيرة، ونجد الرندية واللاشارية والهوتية الآن في مكران؛ وفي كججهى عشيرة كبيرة من الرندية وفرع من اللاشورية يعرف بـ "مَغَسى".
وانتشر الهوتية والدودائى في بداية القرن السادس عشر الميلادي ناحية الشمال بحاذاة نهر السند، وكان يقود الدودائى سهراب وهو منافس لجاكر، وساروا صعدًا على نهر جهلم حتى بهيرا حيث لقيهم بابر عام ١٥١٩ م. وهناك في يومنا هذا قبائل عديدة انحدر معظمها من الرندية وإن كان فيها عشائر انحدرت من الهوتية واللاشارية تقطن جبال سليمان والسهول المجاورة له في إقليم ديره غازى خان وشمالى سنده، والكرجاتية (الدودائى) يعيشون في هذه المنطقة، كما كان حكام (نواب) المرانى لديره غازى خان من الدودائى أيضًا. وتقول الرواية إن مدن ديره غازى خان وديره إسماعيل خان وديره فتح خان أسسها
стр. 1860
غازى خان وإسماعيل خان فتح خان أبناء سهراب، وهؤلاء الثلاثة كانوا زعماء الدودائى بالفعل في القرن السادس عشر، وقد لقوا شيرشاه بالقرب من بهيرا عام ١٤٥٦ م، وأخذ إقليم ديره جات (جمع ديره) اسمه من تلك المدن، وقد أخطأ رافرتى - A.D. Rav erty في قوله إن الهوتية الدودائى كانوا - ولا يزالون - قبيلتين متمايزتين (Mihran of Si) (ص ٣٨٩. ونجد الآن الرندية مختلطين بقبائل الجط والراجبوت المشتغلة بالزراعة، وهم منتشرون في أقاليم ملتان وجهنكك ومظفر كره ومونتكو مرى وشاهيور، كما يقطن الجطوئى والكورائى نفس هذه الأقاليم، ولكن واحدة من هذه الجماعات لا تكّون قبيلة منظمة، والذين يسكنون منهم إلى الشرق من السند فقدوا لغتهم وأصبحوا يتكلمون لهجات من الينجابى، أما الذين إلى الغرب من السند وبالقرب من الجبال فقد احتفظوا بلغتهم، وهذه القبائل هي من الشمال إلى الجنوب كما يأتي: الكسرانى، والبزدار، والنُّتكانى، واللند، والخوسا، واللغرى، والكرجانى، والدريشك والبكطى، بما فيهم الشمبانى، والمزارى والمرى، والدمبكى، والأمرانى، والبليدى، أو البردى، والجكرانى، والجانديه، يضاف إليها الرند والمغسى من الكججهى الذين سبق أن أشرنا إليهم.
ومعظم هذه القبائل تتألف في الأصل من عشائر منفصلة تجمعت حول نواة عرفت القبيلة كلها باسمها، وعلى هذا فإن القبيلة من الرند قد يكون بها عشائر من اللاشارى أو الهوت، وقد يكون في قبيلة من الدودائى مثل الكرجانى عشائر من الرند واللاشارى بل يحدث أكثر من هذا فتمتص القبيلة عناصر أخرى من الهنود والأفغان والعبيد.
والمعتقد أن الحكرانى من الجط كما يذهب البعض إلى أن الكهيرى قد انحدروا من السادات. واشتهر المرى بأنهم خليط؛ والمحقق أن فيهم عناصر أفغانية. ونجد في بعض عشائر البكطى والمرى النسبة الهندية المنتهية بـ"جه" والأفغانية المنتهية بـ "زائى" اللتين حلتا محل النسبة البلوخية "آنى" كما هو الحال في شهيجه ورهيجه وكيزائى