Полный текст (10 087 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
البيضاء
(أي المدينة أو القلعة البيضاء): اسم مكان عربي متواتر يطلق على أماكن متفرقة في جميع أرجاء الأراضي الإسلامية. ويذكر الهمدانى (صفة جزيرة العرب) أربعة أماكن بهذا الاسم، وجاء في ياقوت ذكر ستة عشر مكانا مختلفا معروفة باسم البيضاء، وأهمها بلدة البيضاء الفارسية القائمة في ولاية فارس شمالي شيراز وغربى إصطخر، وكان اسمها الأصلي نَسَا - وهذه المدينة هي قاعدة إقليم كام فيروز، وكانت في حجمهما تعادل حجم إصطخر في القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادي) وتكتنفها مراع خصيبة. وقدخرج عدة علماء من البيضاء، وقد ولد بها الحجاج أيضًا. أما عن البيضاء في جنوبي جزيرة العرب، فهي قاعدة بيحان الأعلى.
المصادر:
(١) الإصطخري، ص ١٢٦، ١٩٧.
(٢) ابن حوقل، ص ١٩٧.
(٣) ابن خرداذبة، ص ٤٦.
(٤) المقدسي، ص ٢٤، ٤٣٢.
(٥) ياقوت جـ ١، ص ٧٩١
(المشترك، ص ٧٧).
(٦) Le Strange، ص ٢٨٠.
(٧) Bei-: H. von Wissann & Hoefner -traege zur histr. Georg. des Vo rislamischen Suedarabien، ص ١٤، ٢٣، ٥٨، ٦٢، ٦٦.
خورشيد [لوفكرن. O.Loefgren]
البيضاوي
عبد الله بن عمر: أحد مفسرى القرآن وابن قاضى قضاة فارس في عهد الأتابك أبي بكر بن سعد (٦١٣ - ٦٥٨ هـ = ١٢٢٦ - ١٢٦٠ م) ولى القضاء في شيراز ثم استقر آخر الأمر في تبريز حيث توفى كما يقول الصَفدى عام ٦٨٥ هـ (١٢٨٢ م).
ويذهب السُبْكى إلى أنه توفى عام ٦٩١ هـ الموافق ١٢١٩١ م (السيوطي: بغية الوعاة) غير أنه ليس من المحتمل أن تكون وفاته قد تأخرت حتى عام ٧١٦ هـ الموافق ١٣١٦ م (انظر Rieu:
стр. 2032
ملحق المخطوطات العربية في المتحف البريطانى، ص ١١٦).
وأهم تصانيف البيضاوى "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" وهو تفسير للقرآن اعتمد فيه على تفسير الزمخشرى المعروف بـ "الكشاف" ولكنه توسع كثيرا في التفسير مستعينا في ذلك بمصادر أخرى. "ويعتبر أهل السنة تفسير البيضاوى من أحسن التفاسير وله في أنفسهم مكانة عظيمة. ويمتاز البيضاوى في مصنفاته بتركيز الكثير من المعلومات في أسلوب مقتضب لا إسهاب فيه. (انظر. Gesch. d Qorans، ص ٢٩، الطبعة الأولى: com- mentarius in Coranum: Beidhawii, باريس، درسدن، ليبسك، طبعة فليشر Fleischer، ليبسك عام ١٨٤٦ - ١٨٤٨ في مجلدين؛ Indices ad Beidhawii Com- mentarium in Coranum, طبعة فيناند فل Winand Fell - ليبسك سنة ١٨٧٨؛ D.S. Margoliouth Chrestomathia Baidawiana لندن سنة ١٨٩٤).
وطبع تفسير البيضاوى عدة مرات في الشرق: بولاق سنة ١٢٨١ - ١٢٨٣ هـ؛ إستانبول سنة ١٢٨٥، ١٣٠٥ (طبعة حجرية) ١٣١٤ هـ؛ القاهرة سنة ١٣١٣ هـ (طبعة حجرية) ١٣٢٠ - ١٣٢١ هـ؛ وطبع في فارس طبعة حجرية في سنة ١٢٨٣ هـ؛ لكنهؤ سنة ١٨٦٩، ١٨٧٣؛ بومباى سنة ١٨٦٩ ونذكر من الحواشى الكثيرة التي كتبت على هذا التفسير وتم طبعها حاشية ابن التمجيد حوالي سنة ٨٨٠ هـ (١٤٧٥ م) إستانبول سنة ١٨٢٧ في سبعة مجلدات، وحاشية محمد بن مصطفى القوجوى شيخ زاده المتوفى سنة ٩٥٠ هـ (١٥٤٣ م)، إستانبول سنة ١٢٨٣ هـ في أربعة مجلدات، وحاشية عبد الحاكم السيالكونى المتوفى عقب سنة ١٠٦٠ هـ (١٦٢٦ م) إستانبول سنة ١٢٧١ هـ، وحاشية الخفاجى المتوفى سنة ١٠٦٩ هـ (١٦٥٨ م)، بولاق سنة ١٢٨٣ هـ في ثمانية مجلدات، وحاشية إسماعيل بن محمد القونوى المتوفى سنة ١١٩٥ هـ (١٧٨١ م) على هامش حاشية ابن التمجيد.
وصنف البيضاوى، علاوة على عدة رسائل صغيرة في النحو والفقه، كتاب "منهاج الوصول إلى علم الأصول"
стр. 2033
وشرح هذا الكتاب عبد الرحمن بن حسن الإسنوى المتوفى سنة ٧٧٢ هـ (١٣٧٠ م) وطبع هذا الشرح في بولاق سنة ١٣١٦ هـ على هامش كتاب "التقرير والتخبير" لمؤلفه ابن أمير الحاج.
وكثيرًا ما يرجع إلى كتابه في الإلهيات المسمى "طوالع الأنوار من مطالع الأنظار" وقد شرح هذا الكتاب محمود بن عبد الرحمن الإصفهانى المتوفى سنة ٧٤٩ هـ (١٣٤٨ م)، وطبع هذا الشرح بالقاهرة سنة ١٢٢٣ هـ مع حواش للجرجانى المتوفى سنة ٨١٦ هـ (١٤١٣ م). وطبعت هذه الحواشى بمفردها في إستانبول سنة ١٣٠٥ هـ. وكتب البيضاوى أيضًا تاريخًا للعالم باللغة الفارسية من عهد آدم حتى سنة ٦٧٤ هـ (١٢٧٥ م) واسم هذا المصنف "نظام التواريخ" (انظر - Notices et Ex traits: de Sacy جـ ٤، ص ٦١٧ - ٦٧٣؛ Brit. Mus.: Reiu جـ ٢، ص ١٧٣)
وهناك مخطوط محفوظ بين المخطوطات الشرقية بهامبورغ تحت رقم ١٨٧ Katalog der orient HSS. der) -Stadt-Bibliothek zu Hamburg mit aussch luss der Hehr. جـ ١) تضمن بعد بدايته تاريخ الصين المأخوذ من كتاب تاريخ العالم لرشيد الدين ولذلك فقد طبع هذا المخطوط ونسب خطأ للبيضاوى (Historia Sinensis persice e: Abdallae manuscripto ed. lat. Beidavaei gemino -quoque reddita ab Andred Mullero Grei fenhagio، يانه سنة ١٦٨٩).
المصادر:
(١) السبكي: طبقات الشافعية، القاهرة ١٣٢٤ هـ، جـ ٥، ص ١٩.
(٢) السيوطي: بغية الوعاة، القاهرة ١٣٢٠، ص ٢٨٦.
(٣) خواندمير: حبيب السير، بومباى ١٨٥٧، جـ ٣، ص ٧٧.
(٤) History of India: Elliot، جـ ٢، ص ٢٥٢ وما بعدها.
(٥) Gesch. der Arab.: Brockelmann Litt. جـ ١، ص ٤١٦.
(بروكلمان C. Brockelmar)
+ البيضاوى، عبد الله بن عمر بن على أبو الخير ناصر الدين: ينتسب
стр. 2034
البيضاوى لمذهب الشافعي، وقد تولى منصب قاضي القضاة في شيراز، واشتهر بسعة العلم وكتب في عدة موضوعات منها تفسير القرآن، والفقه، والأصول، والكلام، والنحو، وأهم كتبه تفسيره للقرآن المعروف باسم "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" وهو بعامة تركيز وتعديل للكشاف للزمخشرى. وهذا الكتاب الذي يفصح عن علم واسع، تشوبه آراء معتزلية حاول البيضاوى أن يصوبها، فحينا يفندها وحينا يحذفها. ولكنه كان في بعض الأحيان يبقى عليها. ولم يزعم البيضاوى في مقدمته أنه يخرج كتابًا مبتكرًا. وهو يقول إنه طالما رغب في إخراج كتاب يضم خيرما عرفه من أئمة الصحابة وأثبات التابعين، وأهل التقى في الزمن الأول. وكان البيضاوى يروم أيضًا أن يضمن كتابه إشارات هي ثمرة أبحاث أسلافه. وكتابه يحتوي أيضًا على بعض قراءات "للأئمة الثمانية الأعلام" (ذلك أن البيضاوى يضيف يعقوب البصري إلى القراء السبعة المشهورين) كما يحتوي أيضًا على القراءات الخاصة لواحد أو آخر من القراء المعترف بهم. وكان ثمرة ذلك كتابًا ذاع صيته كثيرًا، وطبع من ثم عدة طبعات. وكتب على الكتاب بأسره- أو على أجزاء منه- عدة حواش، وقد أحصى بروكلمان ٨٣ منها، ثم ذكر كتابين لفتا النظر إلى المواضع التي بها آراء الزمخشرى، ونذكر من طبعات تفسير البيضاوى الكثيرة الطبعة التي قام بها فليشر H.O. Fleischer (ليبسك سنة ١٨٤٦ - ١٨٤٨. في مجلدين، وقد أعد فهارسها فل W.Fell، ليبسك سنة ١٨٧٨). وطبعة القاهرة، سنة ١٣٣٠ هـ في أربعة أجزاء يضمها مجلدان، وعليها شرح الخطيب الكازرونى، وقد قررت على طلبة السنة السادسة بالأزهر. وذكر بروكلمان وسركيس الطبعات الأخرى. ومن كتب البيضاوى الأخرى التي انتهت إلينا مطبوعة أو مخطوطة كتاب "منهاج الوصول إلى علم الأصول"؛ وكتاب "الغاية القصوى" (وهو رسالة في الفقه)؛ وكتاب "لب الألباب في علم الإعراب" (في النحو)؛ وكتاب "مصباح الأرواح" و "طالع الأنوار من مطالع الأنظار" (في علم الكلام)، وقد كتب البيضاوى أيضًا كتابًا بالفارسية هو "نظام التواريخ" (نشره مع تعليقات
стр. 2035
باللغة الهندستانية سيد منصور، حيدر آباد سنة ١٩٣٠) وهو يتناول تاريخ العالم حتى سنة ٦٨٥ هـ (١٢٨٦ م) ويقول السيوطي إن البيضاوى توفى سنة ٦٨٥ هـ (١٢٨٦ م) نقلا عن الصفدى، ويروى أن السبكي ذكر سنة ٦٩١ هـ (١٢٩٢ م) , ولكن السبكي لم يذكر تاريخًا في طبقاته. ويذكر اليافعى سنة ٦٩٢ هـ (١٢٩٢ م)، وينقل رواية تقول إنه توفي سنة ٧١٦ هـ الموافق ١٣١٦ م (Suppl. to the Cat. of the: Rieu Arab. MSS in the British Museum، ص ٦٨).
المصادر:
(١) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، القاهرة سنة ١٣٢٤ هـ، جـ ٥، ص ٥٩.
(٢) السيوطي: بغية الوعاة، القاهرة سنة ١٣٢٠ هـ، ص ٢٨٦.
(٣) اليافعى: مرآة الجَنان، حيدر آباد سنة ١٣٣٧ - ١٣٧٩ هـ، جـ ٤، ص ٢٢٠.
(٤) Brockelmann، جـ ٤، ص ٥٣٠ وما بعدها؛ قسم ١، ص ٧٣٨ وما بعدها
(٥) معجم سركيس، القاهرة سنة ١٩٢٨ - ١٩٣٠، ص ٦١٦ وما بعدها
(٦) Chrestoatia Baidawiana: Mar- goliouth، لندن سنة ١٨٩٤
(٧) Ges- Oarans chichte des: Th. Nneldeke، الطبعة الثانية، ليبسك سنة ١٩٠٩ - ١٩٣٨، جـ ٢، ص ١٧٦؛ جـ ٣، ص ٢٤٢.
خورشيد (روبسون J. Robson).
بيع
ومعناها عقد البيع، أو بيع البضاعة بالنقد، وتطلق كتب الفقه على بعض المعاملات الشرعية الأخرى التي تقوم على تبادل الأشياء عبارة "أنواع البيع" (انظر كشاف اصطلاحات الفنون، جـ ١، ص ١٣٧، س ١٤ - ١٦؛ النووي: منهاج الطالبين، طبعة فإن دن برغ Van Den Berg جـ ١، ص ٣٦٩).
والمعاملات الشرعية التي من هذا القبيل هي: بيع العين بالعين ويسمى مقايضة، وبيع النقد بالنقد ويسمى صرفًا، وبيع السلف أو السلم وبمقتضاه يشترى المشترى شيئًا لم يقدره بنفسه وإنما وصف له وصفًا دقيقا ويدفع ثمنه عاجلا، ثم صلح
стр. 2036
المعاوضة وهو اتفاق يأخذ الدائن بمقتضاه شيئًا آخر بدلا عن حقه.
وهناك أيضًا بيع يشترط فيه شخص أن يكون له حق ارتفاق. ويعتبر مثل هذا العقد في نظر الشرع شراء لحق استعمال الشيء. فيصبح للمشترى مثلًا الحق في أن يمر بأرض الغير (حق الممر)، أو في أن يشيد بناء على هذه الأرض (حق البناء) أو في أن يستعمل حائط جاره لتدعيم بنائه، إلخ. ومن جهة أخرى لا يعتبر جل الفقهاء الإيجار والعارية بيعا، لأن المستأجر في الحالة الأولى لا يحتفظ بحق الانتفاع إلا مدة معينة، كما أن رد المبلغ المقترض في الحالة الثانية لا يمكن أن يكون مطابقا للتقابل فيما بين التزامات التقابل الموجود في عقود البيع (انظر الباجورى في مستهل الفصل الذي عقده عن البيع؛ Muhamm. Recht: Sachau ص ٢٧٥).
وفضلا عن ذلك فإن الفقهاء ألفوا التمييز بين ثلاثة أنواع من البيع هي المرابحة والموادعة والتولية وبمقتضاها يتفق المشترى على أن يدفع في الشيء ثمنا أعلى من الثمن الذي اشتراه به البائع أوأقل منه أو يماثله (انظر صحيفة عقد التولية في Supplem. aux diction.: Dozy arabes، جـ ٢، ص ٨٤٣، عمود ١).
وقد أحل الله البيع وحرّم الربا. (سورة البقرة آية ٢٧٥). ولايكون البيع صحيحا إلا إذا كان بريئا مما نهى عنه الشرع ويعود بربح مشروع. ولا شك أنه في مقدور أي شخص أن ينقل ملكيته إلى شخص آخر، لكن هذه المعاملات لا تسمى في كتب الفقه بيعًا، وإنما جرى العرف بأن يعبر عنها باصطلاحات أخرى مثل "سحب يده" عن شيء ما، و"تخلى" عن حقه في شيء، و"تخلص" من شيء. أما الاستحواذ على شيء فيسمى في هذه الحالات "استيلاء" كما يسمى تسليم شيء "تمكينا".
وتسليم الشيء المباع ودفع ثمنه لا يكفيان في نظر الشرع. لأن البيع يتطلب شرعا إيجابا من البائع وقبولا من المشترى. ويرى بعض الفقهاء أن بيع الأشياء الضئيلة القيمة يصح دون التقيد بهذه الإجراءات. وفي الحديث أن النبي حرم إبرام عقد البيع بالملامسة أو المنابذة (انظر صحيح البخاري: كتاب البيوع الباب ٦٢، ٦٣).
стр. 2037
وللبائع والمشترى حق فسخ البيع إذا جهر ابذلك طالما أنهما لم يبرحا مكان العقد، (انظر فيما يختص بذلك خيار المجلس Muhamm. Recht: Sachau, ص ٢٨٦ مابعدها).
المصادر:
نذكر إلى جانب الفصول عن البيع في كتب الحديث المختلفة وكتب الفقه ما يلي:
(١) De coat-: L.W.C. Van den Berg ractu "do ut des" Jure Mohammedano. هي رسالة قدمت إلى جامعة ليدن للحصول على الدكتوراه سنة ١٨٦٨
(٢) الكاتب نفسه: Mohamm. recht over het contract al-Bai in het في Bij- dragen tot de Taal. -land-en volkenk v. N.- Indie، جـ ٤، ص ١٠٩ - ٢٠٤؛ انظر المعلومات التي ذكرها Veth في Tijdschr v. N-Indie سنة ١٨٦٩ جـ ١، ص ٣٧١ - ٣٨٦
(٣) الكاتب نفسه: De benginselen van het Mohamm, recht الطبعة الثالثة، سنة ١٨٨٣، ص ٨٨ - ١٠١؛ وانظر Ind. Gids في Snouck Hurgronje سنة ١٨٨٤, جـ ١، ص ٧٤٨ - ٧٥٥
(٤) Muhamm. Recht nach: E. Sachau schafiitischer lehr، برلين سنة ١٨٩٧، ص ٢٦٥ - ٣١٥
(٥) Handbuch des: Th. W. Juynboll Islamischen Gesetzes، ليدن سنة ١٩١٩، ص ٢٦٤ - ٢٦٦
(٦) A dictionary of the: A. Sprenger technical terms used in the sciences of the Musulmans؛ كلكتة سنة ١٨٦٢، جـ ١، ص ١٣٦ - ١٣٨.
(جوينبول Th. W.Juynboll).
+ بيع (كلمة عربية): يستعمل في اللغة العربية مصدران للدلالة على عقد البيع هما: بَيع وشَرْى، وصيغة الثلاثى من الأضداد، فهي لا تعنى عادة "باع" فحسب، وإنما تعنى أيضًا "شرى"، أما اشترى فتعنى "الشراء" لا غير، يشترك هذان المصدران مع عدد من المصطلحات الشرعية في التعبير عن إرادة طرفين في علاقة متبادلة. وتعنى كلمة بيع في الأصل صفق اليدين عند إبرام اتفاق، وربما كانت كلمة شرى تعنى حركة السوق التي لا تهدأ. وقد اصطلح في
стр. 2038
الشريعة الإسلامية على استعمال كلمة "باع" في عقد البيع، والمصدر "بيع"، كما اصطلح على استعمال كلمة "ابتاع" أو"اشترى" للدلالة على الشراء. وكثيرا ما استعملت كلمة "شرى" للدلالة على معاملة مربحة. وكلمة "اشترى" للدلالة على معاملة غير مربحة (وذلك على سبيل المجاز) في القرآن الكريم، وهذا الاستعمال يطابق كلمتى كمسب واكتسب (انظر Schacht في Studia Islam- ice، جـ ١، ص ٣٠ وما بعدها). وليس من شدُ في أن القانون التجارى بمكة أيام الجاهلية قد بلغ مستوى على قدر من التقدم، فالتجارة التي كانت المدينة تعمد عليها فحسب في معاشها احتلت هنالىً مكان الصدارة، حتى إن القرآن الكريم لم يكثر من الإشارة إليها في كثير من الأحيان فحسب بل أورد من المصطلحات المستعملة في التجارة للتعبير عن أفكار دينية. (وينبغى، من جهة أخرى) عدم المبالغة في تقدير أهمية التجارة المكية بألفاظ مطلقة؛ انظر G.H. Bousque، في Hesp، سنة ١٩٥٤، ص ٢٣٣ وما بعدها، ص ٢٣٨ وما بعدها). ومن الميسور أن نرد إلى تلك المجموعة التي كانت تؤلف القانون التجارى الجاهلى، عقود الربا التي حُرمت بنص القرآن الكريم، وبعض المعاملات التي انتظمت النسيئة والمضاربة، وربما خيار المجلس، الذي يبدو أنه يرجع إلى عرف محلى في مكة (انظر Origins: Schacht، ص ١٥٩ وما بعدها)؛ وركنى العقد الشرعيين: الإيجاب والقبول، هما جزء من مصطلحات الشريعة الإسلامية، ومصطلح "إيجاب" نفسه يدل على صياغة أخرى للعقد ملزمة لجانب واحد (انظر Orientalische Li-: Schacht teraturzeitung في سنة ١٩٢٧، ص ٦٦٤ وما بعدها). ويضع القرآن الكريم القانون التجارى في اعتباره مباشرة في آيات الترغيب والترهيب، لتأكيد أهمية الاتفاقات وإبرامها، ذلك في الأمر بكتابة الديون إلى أجل مسمى، (سورة البقرة آية ٢٨٢ وما بعدها؛ وقد جرد هذا الأمر في الشريعة الإسلامية من صفته الملزمة)، وفوق كل شيء التحريمين الواردين بشأن الربا، والميسر الذي ينطوى أيضًا على معاملات الغرر (سورة البقرة، آية ٢١٩
стр. 2039
وآية ٢٧٥ وما بعدها، سورة المائدة، آية ٩٠ وما بعدها)؛ وعلى النقيض من موقف المعاصرين فإن البيع، أي التجارة المشروعة، يتعارض تماما مع الربا، وقد استفرغ ما تتضمنه أحكام هذه المحرمات في الشريعة الإسلامية إلى أقصى حده، ويضم الحديث الشريف عددا من المبادئ الخاصة بالتجارة، بصفة عامة، وما ينبغي أن يستمسك به التاجر الصالح، والعقاب المنتظر للتاجر الطالح؛ وهو يشرح أيضًا تعاليم القرآن الكريم. ونذكر منها الأحكام الآتية: الاعتراف بحق الخيار غير المشروط وأثناء المساومة، بشروط معينة، إما أن يتفق عليها، أو تحددها الشريعة بعد إبرام الاتفاق؛ والقاعدة الشرعية التي تقول إن الخراج بالضمان؛ والقاعدة التي تنص على أن الإنتاج الموجود وقت البيع إنما هو ملك للبائع، ما لم يشترط خلاف ذلك، وتحريم بيع شيء غير معين بالضبط (في حالة بيع ثمار ناضجة على شجرة إلخ. فإن مجموعة الأحاديث الأساسية يكفيها التقدير)؛ وتحريم إعادة بيع المأكولات أو السلع بصفة عامة قبل حيازتها (وهذا نتيجة لتحريم الربا) أو بصفة عامة بيع الأشياء التي لم تصبح ملكا للبائع، واستبعاد أشياء معينة من دائرة التعامل، وهي أشياء تعد بحكم الشريعة نجسة أو محرمة، وكذلك الأشياء التي تعد ملكية شائعة مثل فائض الماء، وأخيرا الحكم الخاص المنشعب عن القاعدة العامة، في حالة بائع دابة حلوب لا يحلبها قبل البيع، ليوعز للمشترى بانها تدر لبنا أكثر. وقد كثر الجدل في الماضي حول ما إذا كانت المعاملات قد تأثرت بالقوانين والحياة الاقتصادية للشعوب التي أدمجت في الدولة الإسلامية، ونستطيع الآن أن نرد على هذا التساؤل بالإيجاب (انظر Schacht في XII Convegno "Volta" رومة، سنة ١٩٥٧، ص ١٩٧ وما بعدها، والمصادر المذكورة هناك).
عقد البيع هو لب الالتزامات في الشريعة الإسلامية، وقد فننت أشكاله بأدق التفاصيل فيما يتصل بعقد البيع وغيره من عقود المعاوضة أو العقود الثنائية، مثل الإجارة والكراء (L.c. rei, locatio conductio Operarum)، بل إن
стр. 2040
عقود النكاح، وإن كانت تعد نظمًا شرعية من نؤع خاص ولا تهبط إلى مستوى عقود البيع، فإنها تفسر على غرار البيع، وقد تعرف أحيانًا بأنها أشكال من البيع. والبيع، بمعناه الضيق، مبادلة للسلع أو للمال، ومن ثم فإنه يتضمن إلى جانب البيع، بمعنى الكلمة، المقايضة والصرف. وفيما يلي سرد موجز للنصوص الأساسية في الشريعة الإسلامية الخاصة طبقا للمذهب الحنفي.
إن موضوع البيع يجب أن يكون سلعة أو مالا، كما حددتهما الشريعة الإسلامية، ويضم هذا المال حقوق الارتفاق على عقار عينى ولكنه يستبعد:
١ - الأشياء التي تخرج تمامًا من دائرة التجارة المشروعة، مثل الميتة والدم.
٢ - الأشياء التي لا يوجد لها مالك، مثل الوقف أو التي تعد مالا عاما، أو من المال العام إلخ، والتي لا يوجد لها مالك خاص متعين.
٣ - الأرقاء الذين تكون ملكية رقابهم مقيدة وبخاصة أم الولد.
٤ - الأشياء التي توجد قيود على التصرف فيها، مثل الأشياء التي تعد نجسة بحكم الشرع كالخمر والخنزير والمال غير المتقوم.
٥ - الأشياء التي ليست في الحيازة بالفعل، مثل الأشياء المفقودة أو المغتصبة والعبيد الآبقين، وهنا لا يجوز التصرف في المال، لتجنب المخاطرة، والبيع الذي يتم بالنسبة لمال من هذا النوع غير صحيح أو غير جائز. ومهما يكن من أمر فإن الحنفية يقولون إن مثل هذا البيع ليس بالضرورة باطلا كما هو الحكم في الحالات ١ و ٢ و ٣، لكنه يعد فاسدًا فحسب في بعض الأحوال، ويستعمل هذا المصطلح في المذاهب الأخرى مرادفًا لمصطلح باطل، والبيع الفاسد لا يثمر إلا ملكًا خبيثًا، وهو عرضة للفسخ إلى أن يعاد بيع الشيء، حتى لو كان الطرفان قد وضعا اليد على المال. ويعد الشخص أهلا لإبرام عقد بيع إذا كان حرًّا بالغًا عاقلا، وكذلك القاصر بإذن من الوصى عليه،
стр. 2041
والعبد بإذن من مولاه، ويستطيع المولى أن يخول عبده سلطة إبرام عقد بيع فردى أو أن يأذن له بالاشتغال بالتجارة بصفة عامة (ويسمى مثل هذا العبد المأذون)؛ والوكالة جائزة، والوكيل في هذه الحالة يعد طرفًا أصليًا في العقد بالنسبة للحقوق والالتزامات، ولكن حق الملكية ينتقل للموكل الأصيل مباشرة. ويشترك عقد البيع مع العقود الأخرى في أنه يتم بإيجاب وقبول، ويجب أن يطابق كل منهما الآخر بالضبط، وأن يتم ذلك في المجلس نفسه، وإلى العصر الجاهلى يرجع إطلاق مصطلح صفقة على الانتهاء من المساومة، ولكن الشريعة الإسلامية لا تحفل بهذه الدلالة الرمزية، وينتقل الملك عن طريق إبرام البيع ولكنه لا يتم إلا بالتسليم والقبض، الذي يستغنى عنه في حالة عقار عينى؛ ومن جهة أخرى فإن وجود حق اختيار أو خيار يمنع نقل الملك حتى لو تم القبض. وفي حالة الاستحقاق يكون البائع مسئولا عن أي عيب في الملك بقدر الثمن المدفوع؛ وهذا ما يسمى بالمسئولية عن الدرك أو التبعة. ويتضمن تحريم الغرر أن التزامات الطرفين لا بد أن تكون معلومة، وبخاصة فيما يتعلق بموضوع البيع والثمن والشرط أو الشروط. والأمر الأول قاطع في حالة المال الذي يسرى عليه تحريم الربا، وبذلك لا يجوز هنا الجزاف، حتى لو نص على ثمن الموحدة. وثمة تحريم ثالث، كانت له نتائج بعيدة المدى، وهو تحريم بيع دين بدين آخر أو مبادلة دين بدين. ولما كان الثمن يتألف من أشياء غير معينة بالذات (من الذهب أو الفضة عادة) بينما المال المباع هو شيء معين بالذات، فإن القواعد التي تطبق عليهما غير متماثلة، فمثلا يجوز للبائع أن يتصرف في الثمن (غير المعين بالذات) حتى قبل القبض. والواقع أن هناك فعلا شكلا من أشكال الشراء، ولو أنه في رأى المشرعين المسلمين عقد من نوع خاص، وذلك هو السلف أو السلم، وهو الأمر بتسليم مال فيما بعد، مقابل ثمن يدفع في الحال؛ ومصطلح رأسمال الذي يستعمل هنا بدلا من الثمن يبين المعنى الاقتصادى للمعاملة، وهو تمويل
стр. 2042
العملاء لحركة تاجر صغير أو صانع حرفى. واقتضى قرب السلم من موضوع تحريم الربا أن بذلت عناية في تناول السلم وأصبح تبعا لذلك يخضع لعدة قواعد خاصة. أما المقابل له وهو السداد المؤجل لمال يسلم فورًا فجائز، ولكن هذا الشكل من البيع أقل شأنا من الأشكال الأخرى المعروفة في الشريعة الإسلامية، ومن الصعب تمييز المقايضة من البيع بوجه عام، ولكن مبادلة مال بمال والتعامل في المعادن الثمينة بصفة عامة يلقى دراسة مفصلة بسبب تحريم الربا. وتعد هذه المعاملات بين ثمن بثمن.
وفي العصور الوسطى الإسلامية وُجد عرف تجارى، دعت إليه مقتضيات الحياة التجارية العادية في المدن الإسلامية الكبرى، ثم صاغه بإحكام المستشارون القانونيون للتجار، وهم متخصصون متضلعون في الشريعة الإسلامية، ولم يقف هذا العرف موقف المعارضة المباشرة من الشريعة الإسلامية، بل إنه- على النقيض من ذلك- قد حافظ على معالمها الرئيسية، مثل تحريم الربا الذي لم يكن ثمة جرأة على تحديه، على آية حال، بل عمل على تجنبه، كما تجنب أيضًا أي تعارض مع أحكامها الدقيقة الصارمة، وهو يمتاز بمرونة، مع تحقيق ضمانات فعالة للمعاملة العادلة، وهناك مصدر فريد لمعرفة هذا العرف التجارى في العراق حوالي عام ٤٠٠ هـ (١٠٠٠ م) هو ملخص لكتاب الحيل والمخارج، الذي ينسب زورًا للخصاف (طبعة شاخت Schacht، هانوفر سنة ١٩٢٣، انظر أيضًا الكاتب نفسه في Isi.، سنة ١٩٢٦، ص ٢١٨ وما بعدها؛ المصدر المذكور، سنة ١٩٣٥، ص ٢١٨ وما بعدها؛ R. A fr.، سنة ١٩٥٢، ص ٢٣٢ وما بعدها). وحدثت تطورات مماثلة في بلاد المغرب من بعد (انظر Le: O.Pesle Safaa au Maroc contrat de, الرباط سنة ١٦٣٢؛ Essai sur la methode: J. Berque juridique maghrebine، الرباط سنة ١٩٤٤، وأبحاث عديدة). ولقد أثر هذا العرف التجارى الإسلامي بدوره في القانون التجارى لأوروبا في بواكير العصر الوسطى.
стр. 2043
المصادر:
(١) التهانوى: كشاف اصطلاحات الفنون، كلكتة سنة ١٨٥٤ وما بعدها، انظر "بيع".
(٢) The Comercial The-: C.C. Torrey ological Terms in the Koran، ليدن سنة ١٨٩٢.
(٣) Handbook: Wensinck, انظر مادة Barter
(٤) F. Peltier (ترجمة): Le Liver des uentes du Mnuwatta de Malek ben Anas، الجزائر ١٩١١
(٥) I. Dimitroff، في Mitteilugen des Seminars Fuer Orientalische Sprachen, AF- ricanisch Studien عدد ٢، سنة ١٩٠٨، ص ٩٩ وما بعدها
(٦) عبد الرحمن الجزيرى: كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، جـ ٢، القاهرة سنة ١٩٣٣، ص ١٩٢ وما بعدها
(٧) عمر نصوحى بيلمن: حقوق إسلامية وإصطلاحات فقهية قاموسى، جـ ٥، إستانبول سنة ١٩٥٢، ص ٥ وما بعدها
(٨) Handleiding: Juynbool , الطبعة الثالثة، ص ٢٦٥ وما بعدها
(٩) Grundzuege: G. Bergstaesser, طبعة شاخت J. Schacht، ص ١٠، ٤٧. ما بعدها، ص ٦٠ وما بعدها، ص ٦٩ وما بعدها
(١٠) stitu ٧ ioni: S'antillana، جـ ٢، ص ١١٢ وما بعدها
(١١) La uente dans la doc-: O. Pesle trine Malekite، الرباط سنة ١٩٤٠.
(١٢) Les conditions: Ch. Cardahi -genrales de la vent en droit compare oc cidental et oriental Annales de L'Ecole de Droit de Beyrouth سنة ١٩٤٥.
(١٣) Introduction: L. Milliot ص ٦٤٨ وما بعدها.
د. يونس (شاخت J. Schacht).
стр. 2044
البيعة
ومعناها الصحيح الصفقة على إيجاب البيع (لسان العرب، جـ ٩، س ٣٧) ومن ثم جاء معناها يمين الولاء يقسم بين يدي الخليفة عند ولايته، وهذه الشعيرة عبارة عن وضع اليد في يد الأمير المبسوطة دلالة على الخضوع. وقد أعطانا عمر صيغة البيعة يوم السقيفة وهي "فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته". وهذا الفعل رمز تقليد السلطة (ابن خلدون: المقدمة، جـ ١، ص ١٧١).
والبيعة عند الدروز تدل على اليمين أو العهد الذي يرتبط به من يعتنق معتقداتهم. وقد خلط مخالفوهم هذه الكلمة بكلمة بيعة أي كنيسة النصارى ورتبوا على هذا نتائج خاطئة.
المصادر:
(١) الماوردى: الأحكام السلطانية، ترجمة Ostrorog، جـ ١، ص ١١٠، تعليق ٢
(٢) Expose de la religion: S.de Sacy des Druzes جـ ٢، ص ٥٣
(٣) L'Epitre J. Khalil & Ronzevalle a Constantin في Melanges de Beyrouth جـ ٣، ص ٥٣٢، تعليق ٢.
[إيوار CL. Huart] .
+ البيعة: مصطلح عربي يدل، بمعنى واسع جدا، على الفعل الذي بمقتضاه يعترف عدد من الأشخاص، يعملون منفردين أو مجتمعين، بسلطان شخص آخر. ومن ثم أصبحت البيعة للخليفة هي الإجراء الذي بمقتضاه ينادى بشخص ويعترف به رئيسا لدولة إسلامية. وكلمة مبايعة تعبير مرادف لها.
الاشتقاق: لفظ بيعة، في رأى أصبح مأثورًا، مشتق من الفعل باع، فالبيعة مثل البيع تشمل معاملة. ويبدو أن هذا التفسير متكلف غاية التكلف. ويرى كاتب هذه المادة أن كلمة بيعة تدين باسمها للحركة البدنية نفسها، التي كانت ترمز في العرف العربي القديم إلى إبرام اتفاق بين شخصين، والتي كان قوامها صفق اليدين (انظر الاتفاق في القانون القديم لبعض البلاد الغربية). ثم إن عبارة "تبايع على
стр. 2045
الأمر" بمعناها غير الاصطلاحى، تدل على الوصول إلى اتفاق في ذلك الأمر وقد أطلق على الحركة البدنية لفظ بيعة لأن قوامها بالدقة حركة من اليد والذراع (الباع). ولما كان اختيار أمير (والتعهد بالخضوع لسلطانه) يعبر عنه بصفق اليدين فقد كان من الطبيعي أن يوصف باللفظ نفسه الدال على هذه الحركة.
وكان للبيعة هدفان رئيسيان، يختلفان في مجالهما وطبيعتهما، أولهما هو الانضواء تحت لواء عقيدة والاعتراف بالسلطة التي رسخت من قبل للشخص الذي يدعو إليها. وبهذا المعنى تمت البيعة في العلاقات بين محمد [ ﷺ ] وبين أنصاره من المؤمنين الجدد (انظر القرآن الكريم، سورة الفتح، آية ١٠، آية ١٨؛ سورة الممتحنة: آية ١٢). واستعمل لفظ بيعة فحسب بالمعنى نفسه، وإن كان ذلك لغرض أكثر تحديدًا، للاعتراف بسلطان رسخ من قبل لشخص والتعهد بطاعته. وهذا هو الحال في البيعة التي كانت تتم لخليفة جديد، ثبت حقه في الخلافة بعهد صدر من سلفه.
والهدف الرئيسى للبيعة بمعناها الثاني هو اختيار شخص لمنصب القيادة، وبخاصة اختيار خليفة، عندما يقتضي الأمر وعدًا بالطاعة، وهكذا ولى الخلافة أبو بكر، أول الخلفاء الراشدين بمقتضى البيعة التي تمت على يد جماعة السقيفة في ١٣ ربيع الأول عام ١١ هـ (٨ يونيه عام ٦٣٢ م). وطبق الإجراء نفسه بلا خلاف في جميع المناسبات التالية التي خلا فيها منصب الخلافة، ولم يول خليفة بوسائل أخرى. والحق إن مذهب أهل السنة يرى أن البيعة إجراء من إجراءين لتولية الخليفة. أما مذهب الشيعة فيرى أن البيعة لم تستطع قط أن يكون لها هذا الشأن، لأن الشيعة لا يعترفون إلا بطريقة واحدة لتعيين الإمام، وهي التعيين بالنص (أو الوصية) لواحد من أهل البيت. ومع ذلك فإن الزيدية، وهم فرع من الشيعة، يرون أن الإمامة إنما تكتسب بالاختيار من بين أبناء الأسرة العلوية، وتمت البيعة منذ ذاك باعتبارها إجراء انتخابيا.
الصفة الشرعية: المبدأ في الشريعة أن البيعة اتفاق تعاقدى: في أحد
стр. 2046
الجانبين إرادة أهل الاختيار، ويعبر عنها بتسمية المرشح، وتؤلف ركن الإيجاب، وفي الجانب الآخر إرادة الشخص المختار، وتؤلف ركن القبول. وقد يكون هذا التحليل مقبولا، بشرط ألا يصل إلى حد الخلط بين البيعة وبين العقود الشرعية العادية. ذلك لأن البيعة فعل إرادى "من نوعه"، يستلزم وجود الجمهور. ولابد من التأكيد مرة أخرى أن تحليل هذا المبدأ، حتى ولو اعتبر هكذا، لا يكون صحيحا تماما إلا بالنسبة للبيعة المقصود بها الاختيار، وليس بالنسبة للبيعة المقصود بها مجرد إظهار الولاء، لأن الانضواء في الحالة الأخيرة يصبح إلزاميًا، ولا يبقى مجار للحرية في اتخاذ قرار.
ولكن ما هو عدد أهل الاختيار اللازمين بصفة خاصة لصحة الإجراء بالنسبة للبيعة؟ لقد تعددت الآراء في هذا الموضوع وتباينت تباينا عظيما، وتراوحت بين رأى متطرف وآخر يقابله - من رأى يستلزم أن تصدر البيعة من كل "الرجال الصالحين في الدولة بأسرها" إلى رأى يكتفى بصوت فرد واحد. ومهما يكن من أمر فإن هيئة أهل الاختيار كانت تتألف من كبار القوم والأشراف في الدولة.
والبيعة إجراء لا يتم إلا بالاتفاق فحسب. لا يشترط في صحتها، أو حتى يعد دليلا عليها، الحركة البدنية الدالة على الموافقة ولا تأكيدها بقسم، ولا يفرض لإظهار الإرادة أي شكل له قداسته، ويكفى، التعبير عنها صراحة وبشكل قاطع.
ولا يختلف شكل بيعة في كل من الدورين اللذين تقودهما، وهما دورها في الاختيار ودورها في الإيجاب البسيط بالولاء.
وإجراءات البيعة قد تنشعب إلى مجلسين أو عدة مجالس. فمن ناحية اختيار الخلفاء تكون أول خطوة هي- بوجه عام- ما اصطلح على تسميته "بيعة الخاصة"، وفيها يشترك عدد جد محدود من كبار رجال الدولة والحاشية، ثم تليها بيعة العامة. ثم تعقد بعد ذلك مجالس رسمية لعرض البيعة في قصبات الولايات المختلفة.
وثمة بدعة أدخلت منذ عهد الأمويين وهي تجديد البيعة، عندما يلجأ الخليفة
стр. 2047
أو السلطان إبان حكمه، إلى إجراء بيعة جديدة له أو لولى عهده، وقد تتكرر هذه البيعة مرتين أو أكثر. ويلجأ إليها الحاكم لتأكيد ولاء رعاياه.
آثار البيعة: ثمة سؤال يتردد حول البيعة المقصود بها الاختيار، وهو معرفة ما إذا كان لها أثر تخويل الحاكم السلطة أم أنها مجرد تأييد له. وثمة رأى يؤيد الفكرة الأخيرة أن القاعدة قد استقرت بوجه عام على أن الحاكم يتلقى التفويض بالحكم من الله جل وعلا.
والذين يقومون بالبيعة، ومعهم بقية الجماعة، يصبحون مرتبطين بها ارتباطًا وثيقًا. وتدعم الصفة الدينية التي اكتسبتها البيعة، منذ أوائل العصر العباسى، هذا الأثر الملزم بالارتباط، وأدى تطور طبيعة السلطة من الناحية النظرية إلى أن الالتزامات نحو الحاكم، تعد- في الواقع- التزامات نحو الله. والأثر الملزم للبيعة شخصى، ويستمر مدى الحياة. والحق إن فكرة البيعة لمدة محدودة غير معروفة.
ومهما يكن من أمر فإن هذا الأثر محدود بنص الشريعة. لأن البيعة تتم بشرط أن يظل من يقبلها مخلصًا لأوامر الله، وهذا يعني أن الحاكم، إذا لم يظل امستمسكا بهذه الأوامر، فإن لمن بايعوه الحق في التحلل من التزاماتهم.
المصادر:
(١) Suppl.: Dozy انظر مادة بيع
(٢) الفرّاء: الأحكام السلطانية، القاهرة، من غير تاريخ
(٣) الفيروزآبادى: القاموس المحيط، انظر مادة بيع
(٤) ابن خلدون: المقدمة، طبعة بيروت سنة ١٩٠٠ (الترجمة الإنكليزية التي قام بها F. Rosenthal، نيويورك سنة ١٩٥٨، جـ ١، ص ٤٢٨ وما بعدها)
(٥) Lane, انظر مادة بيع
(٦) الماوردى: الأحكام السلطانية، القاهرة، من غير تاريخ
(٧) Institutions du droit: E. Tuan public Musulam باريس سنة ١٩٥٤، جـ ١، ص ٣١٥ وما بعدها، وسنة ١٩٥٧، جـ ٢، ص ٦٠٥ و ١٢٩ وما بعدها (مع مصادر).
د. يونس [إ. طيان E. Tyan]
стр. 2048
بيمارستان
وتختصر في كثير من الأحوال فيقال "مارستان"، وهي مأخوذة من الكلمة الفارسية "بيمار" بمعنى مريض، وإستان بمعنى مكان، وتدل على المستشفى. والبيمارستان في الاصطلاح الحديث يطلق بخاصة على مكان يأوى المجانين.
١ - العصر الأول والشرق الإسلامي.
يقول العرب (انظر المقريزى: الخطط، جـ ٢، ص ٤٠٥) إن أول مستشفى هي التي أقامها مناقيوس، وهو ملك أسطورى من ملوك مصر، أو أبقراط، ويقال إن أبقراط قد أقام للمرضى في حديقة بالقرب من داره "إكسنودوقيون" ومعناها لغة "مأوى للغرباء". وقد ذكر ابن أبي أصيبعة (عيون الأنباء، طبعة ميلر Mueller, جـ ١، ص ٢٦ - ٢٧) أن سند هذا القول هو الكتاب الثالث من مصنف جالينوس: "في أخلاق النفس" (يرى إيثون)، وهو مصنف لم يصل إلينا باللغة اليونانية. ولم تكن البيمارستانات من سمات الحياة في أيام اليونان والرومان، ومن ثم فإن هذه الأشارات لا تحل مسألة أصل البيمارستانات، وينسب إلى الوليد بن عبد الملك الذي تولى الخلافة من عام ٨٦ إلى ٩٦ هـ (٧٠٥ - ٧١٥ م) فضل بناء أول بيمارستان في الإسلام وأقام له أطباء وخصص لهم رواتب (المقريزى: كتابه المذكور)، ومع أن هذا قد ذكر بعبارات مماثلة ("بيمارستانات للمرضى") رواها كاتب قديم جدًّا هو ابن الفقيه حوالي سنة ٢٨٩ هـ (٩٠٢ م؛ ص ١٠٦ - ١٠٧) فإن هذه المسألة ما زالت مثار شك؛ ويروى الطبري (جـ ٢، ص ١١٩٦) أن الوليد حظر على المجذوبين الخروج بين الناس وأجرى عليهم رواتب، وهي رواية مختصرة زيد عليها في فقرة أخرى (جـ ٢، ص ١١٩٦) ذكر فيها الطبري أن الوليد "أعطى الناس وأعطى المجذمين وقال: لا تسألوا الناس، وأعطى كل مُقَعد خادمًا وكل ضرير قائدا". وأورد ابن الأثير (في حوادث سنة ٨٨ هـ = ٧٠٧ م) ملحوظة صغيرة في هذا الصدد، وأضاف الذهبي أن الخدم والقواد لهم كانوا عبيدًا (تاريخ الإسلام، جـ ٤، ص ٦٧). وقد يبدو من
стр. 2049
ذلك أننا نتناول هنا مسألة خاصة بإجراءات عزل، تشبه من بعض الوجوه ما حدث في الأندلس من بعد، حيث خصص حي برمته في قرطبة باسم "ربض المرضى" (انظر - E. Levi Hist. Esp. Mus.: Provencal, جـ ٣، ص ٣٨١ - ٣٨٢، ٤٣٤).
وكانت إقامة أول بيمارستان حقيقى في الإسلام ثمرة للأثر المتصل الذي أحدثته المدرسة الطبية والمستشفى اللذان كانا قائمين في جنديسابور من أعمال خوزستان، فقد أنشئت هذه المدرسة والمستشفى في ظل الساسانيين، وأرست هذه المؤسسة تقاليدها السريانية الساسانية والهندية ثم الإغريقية أخيرًا، وأدخلتها في العصر العربي، وأحدثت منذ انتقال قصبة الدولة إلى العراق أثرًا عميقًا في تطور الطب العربي، أما من حيث المستشفيات فهان الاتصال بجنديسابور قد أثمر ثمرته في عهد هارن الرشيد (١٧٠ - ١٩٣ هـ = ٧٨٦ - ٨٠٩ م)، فقد وكل الرشيد إلى طبيب نصرانى من هذه المدرسة هو جبرائيل بن بختيشوع إنشاء بيمارستان في بغداد. وفي الوقت نفسه استقدم صيدلانيا بارعًا من جنديسابور إلى بغداد. وقد أصبح ابن هذا الرجل- وهو يوحنا (يحيا) بن ماسويه- رئيسًا للبيمارستان الجديد من بعد (ابن القفطى: تاريخ الحكماء، طبعة ليبير، ص ٣٨٣ - ٢٨٤؛ ابن أبي أصيبعة، جـ ١، ص ١٧٤ - ١٧٥). وكان بيمارستان بغداد الأصلي يقوم في الحى الجنوبي الغربي على قناة كرخايا. وفيه اتبعت التقاليد المتحررة لجنديسابور فقد استجاب الهندى منكه لطلب يحيى بن خالد البرمكى وترجم إلى الفارسية الكتاب الطبى السنسكريتى "سسرتا سمهيتا" (الفهرست، ص ٣٠٣)، وتقول بعض المصادر إن الرازي حاضَر في هذا البيمارستان.
على أنه ليس من الواضح لدينا مدى استمرار بيمارستان هارون في العمل وحده بهذا الميدان، ونحن نسمع منذ أوائل القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادي) -أو قبل ذلك بشيء من الزمن- بحشد من المؤسسات الجديدة في بغداد: البيمارستان الذي أقامه بدر المعتضدى غلام المعتضد (٢٧٩ - ٢٨٩ = ٨٩٢ - ٩٠٢ م) في حي المخرم
стр. 2050
على الضفة الشرقية لدجلة (ابن أبي أصيبعة، جـ ١، ص ٢٢١؛ وانظر ص ٢٢٤)؛ والبيمارستان الذي أقيم في حي الحربية شمالي مدينة المنصور ووقف عليه الوزير الصالح علي بن عيسى مالًا سنة ٣٠٢ هـ (٩١٤ م) وجعل الإشراف عليه هو وسائر بيمارستانات بغداد ومكة والمدينة للعالم أبي عثمان سعيد ابن يعقوب الدمشقي الذي عرف على خلاف ذلك بأنه مترجم (ابن أبي أصبيعة، جـ ١، ص ٢٣٤)؛ وبيمارستان السيدة على الضفة الشرقية، وهو الذي افتتحه في المحرم من سنة ٣٠٦ (يونيه سنة ٩١٨) سنان ابن ثابت، والظاهر أن سنانا قد خلف أبا عثمان الدمشقي في الإشراف العام على بيمارستانات بغداد وغيرها من البلدان (ابن أبي أصيبعة، جـ ١، ص ٢٢١ - ٢٢٢)؛ والبيمارستان المقتدرى في باب الشام الذي بنى حوالي هذا التاريخ (ابن أبي أصيبعة، جـ ١، ص ٢٢٢)؛ وبيمارستان ابن الفرات في درب المفضل، ويقال إن ثابت بن سنان قد ولى أمره سنة ٣١٣ هـ (٩٢٥ م؛ انظر ابن أبي أصيبعة، جـ ١، ص ٢٢٤). وكانت هذه البيمارستانات تسمتمد مواردها من أوقاف حبسها عليها السراة من أهل السلطان. وكانت الأموال المحبوسة عليها في أيدى نظار لم- يكونوا دائما حريصين على النهوض بمسئوليتهم (ابن أبي أصيبعة، جـ ١، ص ٢٢١). ويمكن أن نكون فكرة عن حجم البيمارستان من إنفاقه الشهرى: فقد كان الإنفاق الشهرى للبيمارستان المقتدرى ٢٠٠ دينار في الشهر، وبيمارستان السيدة ٦٠٠ دينار في الشهر (المصدر المذكور). وكانت بعض أسباب الراحة تكفل للمرضى بتزويدهم بالبطاطين وفحم الخشب في الجو البارد (ابن أبي أصيبعة، جـ ١، ص ٢٢٢). وكانت الجهود التي تبذل في هذا السبيل تتجاوز ذلك كثيرا في بعض الأحيان (انظر ما يلي).
أما معلوماتنا عن البيمارستانات التي كانت قائمة في الولايات فأقل من ذلك، على أن بعضها كان موجودًا بلا شك قبل القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادي). وكان بيمارستان الري مؤسسة كبيرة (ابن القفطى، ص ٢٧٣؛ ابن أبي أصيبعة، جـ ١، ص ٣١٠ - ٣٣١)، وهذا البيمارستان قد ترأس عليه الرازي قبل قدومه إلى بغداد حيث
стр. 2051
توفى رئيسًا لبيمارستان حالى سنة ٣٢٠ هـ (٩٣٢ م؛ انظر ابن القفطى، ص ٢٧٢) , والراجح أن بيمارستان الري كان قائما قبل هذا التاريخ بمدة. وقد زار المبرد مأوى للمجانين بدير حزقل بين واسط وبغداد في خلافة المتوكل أي بين سنتى ٢٣٢ و ٢٤٧ هـ (٨٤٧ - ٨٦١ م، المسعودى: مروج الذهب، جـ ٧، ص ١٩٧ وما بعدها).
وفي زمن سنان بن ثابت الذي توفى سنة ٣٣١ هـ (٩٤٢؛ انظر الفهرست، ص ٣٢) صدرت أوامر علي بن عيسى الآنف ذكره بأن يزور الأطباء السجون يوميًا، كما كان المساجين المرضى يزودون بالأدوية والأشربة، وكان يسمح للسيدات بالزيارة أيضًا، ومن الواضح أن زيارتهن كانت تتم بوصفهن ممرضات (ابن أبي أصيبعة، جـ ١، ص ٢٢١). وفي هذه المدة نفسها كان الأطباء الممارسون يرسلون للمرور بقرى السواد أي العراق الأسفل) كما كانت ترسل إليها "خزانة للأدوية والأشربة". ويظهر من المراسلات بين سنان والوزير بخصوص هذه الموحدة الطبية المتنقلة أن غير المسلمين كانوا يعالجون في البيمارستانات لذلك العهد (ابن أبي أصيبعة، الموضع المذكور).
وكان بعض بيمارستانات بغداد على الأقل- وهي التي ذكرناها آنفًا- لا يزال فيما يرجح قائمًا حين أقام عضد الدولة البويهى البيمارستان العضدى الكبير عند ثنية دجلة في غربي بغداد. وقد ذكر الرازي مرارًا فيما يتعلق بهذا البيمارستان الذي كان أشهر بيمارستانات بغداد منذ افتتاحه سنة ٣٧٢ هـ (٩٨٢ م) قبيل وفاة عضد الدولة (الذهبي: دول الإسلام، جـ ١، ص ١٦٧). ويقال إن الرازي اختار موقع هذا البيمارستان بأن عمد إلى تعليق قطعة من اللحم في كل قسم من المدينة، ثم اختار المكان الذي كانت قطعة اللحم فيه أقل تحللا من القطع الأخرى، كما يقال إن عضد الدولة اختار الرازي أول رئيس للبيمارستان (ويعرف باسم "ساعور" وهي مأخوذة من السريانية) من بين مائة طبيب (ابن أبي أصيبعة، جـ ١، ص ٣٠٩ - ٣١٠). ولكن الرازي توفى قبل ذلك بخمسين عامًا. وتفسير هذه المفارقة قد لاحظه ابن أبي أصيبعة من قبل (الموضع المذكور) وربما كان السبب فيه التشابه في الرسم بين
стр. 2052
البيمارستان العضدى والبيمارستان المعتضدى الذي أنشئ في حياة الرازي (انظر ما سبق).
وحين أنشئ البيمارستان العضدى، كان فيه أربعة وعشرون طبيبا (ابن القفطى، ص ٢٣٥ - ٢٣٦). وقد ذكر أنه كان به عدة طوائف من المتخصصين: "طبائعيون" و"كحالون" و"جرائحيون" و"مجبرون" (ابن أبي أصيبعة، جـ ١، ص ٣١٠). وكان مرتب جبرائيل بن عبيد، الذي كانت نوبته في البيمارستان يومين وليلتين في الأسبوع، ثلثمائة درهم في الشهر (ابن القفطى، ص ١٤٨) وكانت المحاضرات تلقى في البيمارستان العضدى (ابن أبي أصيبعة، جـ ١، ص ٢٣٩، ٢٤٤). ونحن نعلم بعض الكتب التي كانت تقرأ في هذا السبيل مثل "الأقراباذين" لسابور بن سهل الجنديسابورى (الفهرست، ص ٢٩٧، بروكلمان، جـ ١، ص ٢٣٢) وقد حل محله آخر الأمر كتاب آخر بنفس العنوان لابن التلميذ، وهو عميد (ساعور، انظر ما سبق) متأخر من عمداء البيمارستان العضدى (ابن أبي أصيبعة، جـ ١، ص ١٦١، ٢٥٩)، ولما زار ابن جبير بغداد سنة ٥٨٠ هـ (١١٨٤ م) كان موقع البيمارستان شبيهًا بالحصن العظيم له مورد ماء يأخذ من دجلة، وله جميع الملحقات التي تزود بها القصور الملكية (الرحلة، طبعة ده غويه، ص ٢٢٥ - ٢٢٦).
وثمة بيمارستان آخر من البيمارستانات الكبيرة في الإسلام أيام القرون الوسطى، هو البيمارستان الذي أقدمه في دمشق نور الدين بن زنكى (٥٤١ - ٥٦٩ هـ = ١١٤٦ - ١١٧٥ م) ويقال إن البيمارستان النورى قد بنى من الفدية التي أداها ملك فرنجى لم يذكر اسمه (المقريزى: الخطط، جظ ٢، ص ٤٠٨). ويصف ابن جبير (الرحلة، ص ٢٨٣) كيف كانت هيئة المستشفى تحتفظ بقوائم بأسماء المرضى وكيمة الأدوية والأغذية اللازمة لكل منهم، وكانت مهام يوم قياسى في حياة طبيب من أئمة أطباء البيمارستان النورى تشتمل على: جولات لعيادة المرضى، وكتابة وصفات من الدواء والعلاج، وزيارة المرضى الخصصيين، ثم العودة إلى البيمارستان مساء للمحاضرة ثلاث ساعات في موضعات طبية (ابن أبي أصيبعة، جـ ٢، ص
стр. 2053
١٥٥). وكان ثمة بيمارستان نورى في حلب أيضًا (راغب الطباخ: تاريخ حلب، جـ ٢، ص ٧٧).
أما مصر فلم يكن فيها بيمارستان حتى جاء أحمد بن طولون فأقام واحدا سنة ٢٥٩ - ٢٦١ هـ (٨٧٢ - ٨٧٤ م؛ انظر المقريزى: الخطط، جـ ٢، ص ٤٠٥). وجرت القاعدة فيه على ألا يسمح لجندى أو عبد بدخوله للعلاج. وقد قف على هذا البيمارستان أوقاف كثيرة وزد بتيسيرات للرجال والنساء. وقد أقام صلاح الدين البيمارستان الناصرى، ولكن العمارة الكبيرة التي أنشأها المنصور قلاوون وتمت في أحد عشر شهرا سنة ٦٨٣ هـ (١٢٨٤ م) كانت أفخم بيمارستان في مصر، ربما كانت أوسع ما رآه الإسلام في هذا الصدد. ويقال إن المال الذي وقف عليه بلغ قرابة مليون من الدراهم في السنة (المقر يز ى: الخطط، جـ ٢، ص ٤٠٦)، وكان يسمح بالعلاج فيه للرجال والنساء. ولم يكن يطرد منه أحد، ولا تحدد مدة العلاج. أما البيمارستان المنصورى الذي كان من قبل قطصرا فاطميا، وهو مهيئ لثماية الآف شخص، فقد كانت فيه عنابر للحميات، وأمراض الرمد، والجراحات، الدوسنطاريا إلخ ... ويعالج المرضى بها كل طائفة على حدة، كما كان مزودا بصيدلية مستوصف، ومخازن، وممرضين من الجنسين، وهيئة دارية كبيرة، وتر تيبات للمحاضرات، وأماكن للصلاة، وهكتبة، أو قل خير ما كان يستطاع تدبيره في ذلك العهد من خبرة في علاج المرضى. إن الوصف الذي زودنا به المقريزى (الخطط، جـ ٢، ص ٤٠٦ - ٤٠٨) في هذه الشؤن لفضل أسداه إلى علم المستشفيات في الإسلام أيام القرون الوسطى.
وثمة كتب ألفت في البيمارستانات مثل: "كتاب في صفات البيمارستان" للرازى "بن أبي أصيبعة، جـ ١، ص ٣١٠)؛ "البيمارستانى الأمثل" (انظر ابن القفطى، ص ٢٧٢ = ابن جلجل، طبعة فؤاد السيد، ص ٧٧) وهو الآن مفقود مثله مثل "كتاب البيمارستانات" الزاهد العلماء الفارقى الذي كان رؤس بيمارستان زاهر في الجزيرة في القرن الخامس الهجرى الموافق الحادي عشر الميلادي (ابن أبي أصيبعة، جـ ١، ص
стр. 2054
٢٥٣). ونذكر في هذا السبيل- وإن اخللف بعض الاختلاف-: "المقالة الأمينية في الأدوية البيمارستانية" لابن التلميذ، و "الدستور البيمارستانى" لابن أبي البيان؛ وكلاهما في الأقراباذين، وقد ذكرهما بول سبات Paul-Sbath (الفهرست، طبعة القاهرة، سنة ١٩٣٨, جـ ١، ص ١٠، ٧٥) الذي نشر الكتاب الأخير (Bulletin de l'Institut d'Egypte، جـ ١٥، سنة ١٩٣٢ - ١٩٣٣، ١٣ - ٧٨).
المصادر:
(١) Histoire de la Mid-: L.Leclerc icine Arabe، باريس سنة ١٨٧٦ ص ٥٥٧ - ٥٧٢.
(٢) Arabian Medicine: E.G. Browne , كمبردج سنة ١٩٢١، ص ٤٥ - ٤٦، ٤٦، ١٠١ - ١٠٢
(٣) Outline of: Amin A. Khayr Allah -Arabic Contributions to medicine and Al lied Sciences بيروت سنة ١٩٤٦، ٥٩ - ٧٣ (وفيه أخطاء قليلة)
(٤) A Medical History of: C. Elgood Persia and the Eastern Caliphate, كمبردج سنة ١٩٥١، الفهرس (وهو يزودنا أيضًا بمعلومات عن المغرب الإسلامي)
(٥) Baghdad during: G. Le Strange the Abbasid Caliphate, أوكسفورد سنة ١٩٠٠؛ طبعة جديدة سنة ١٩٢٤، ص ٦٢، ١٠٣ - ١٠٥.
(٦) Fifty Years: L. W. Lane Cairo Ago، لندن سنة ١٨٩٦، ص ٩٢ - ١٩٤ (انحطاط شأن البيمارستان المنصورى في القرن الماضي)
(٧) Arab: M.W. Hilton- Simpson Medical Surgery، أوكسفورد سنة ١٩٢٢، ص ١٣ (المستشفيات القرية في الجزيرة الحديثة)
(٨) Histoire des bi-: Ahmed Isa Bey maristans a L'epoque Islamique (Hopitaux) القاهرة ١٩٢٨
(٩) الكاتب نفسه: تاريخ البيمارستانات في الإسلام، دمشق سنة ١٩٣٩
(١٠) Alep: J. Sauvaget المتن ص ١٢٦ تعليق ١، ومجموعة الصور، لوحة ١.
خورشيد [دنلوب D.M.Dunlop] .
стр. 2055
٢ - المغرب الإسلامي
إن أول بيمارستان في شمالي إفريقية لدينا عنه شاهد قد اقيم في مراكش على يد السلطان يعقوب المنصور الموحدى (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ = ١١٨٤ - ١١٩٩ م) قبل مائة سنة تقريبا من تأسيس بيمارستان القاهرة المشهر. وكان هذا السلطان من مشجعى العمارة الكبار، وقد اجتذب إلى بلاطه أشهر أطباء الأندلس في زمانه وهم ابن الطفيل وابن شد وابن رشد الحفيد وابنه، ثم أقام في قصبة ملكه للغرباء أغنياء وفقراء بيمارستانا فخما نجد صفا له في عبد الواحد المراكشى (انظر المعجب، طبعة محمد الفاسى، سنة ١٩٣٨، ص ١٧٦ - ١٧٧). وأنشأ السلطان نفسه أيضًا، في أجزاء مختلفة من إمبراطوريته، بيمارستانا للمجانين، وللمجذوبين وللعميان (القرطاس، طبعة فاس سنة ١٣٠٥ هـ، ص ١٥٤، ترجمة Beaumier ص ٣٠٦).
وقد حافظ السلاطين المرينيون الكبار: أبو يوسف يعقوب وأبو الحسن وأبو عنان، على هذه المؤسسات وأضافوا إليها غيرها (انظر القرطاس، طبعة فاس، سنة ١٣٠٥ هـ ص ٢١٤؛ الذخيرة السنية، طبعة ابن شنب، ص ١٠٠، ابن مرزوق: المسند، طبعة ليفى بروفنسال في Hesperis، جـ ٥، سنة ١٩٢٥، ص ٣٦؛ ابن بطوطة: الرحلة، طبعة دفرمرى وسانكوينتى جـ ٤، ص ٣٤٧). وفي تاريخ متأخر عن ذلك استأثر السلاطين الحاكمون بالموارد المخصصة لهذه البيمارستانات فأهملت ودرست.
وفي أوائل القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي) وصف الحسن بن محمد الوزان الزياتى (ليوأفريقانوس) بيمارستانا في فاس فقال إنه في حالة اضمحلال كاهل، وكان يستخدم أصلا سجنًا للمجانين الخطرين ولا تزال هذه هي مهمته، كما أنه استخدم أيضًا سجنا للنساء (Description de I'Afrique: Leo Africanus، ترجمة Schefer، جـ ٢، ص ٧٨، ترجمة Epaulard, جـ ١، ص ١٨٨، Le Tourneau فاس، ص ٢٥٥ - ٢٥٧).
والظاهر أن البيمارستان الموحدى المشهور في مراكش قد درس دون أن
стр. 2056
يترك أثرًا، وأصبح البيمارستان الذي أقامه هناك السلطان السعدى عبد الله الغالب بالله (٩٦٥ - ٩٨١ هـ = ١٥٥٧ - ١٥٧٤ م) سجنًا للنساء (انظر الناصرى: كتاب سصاء، الترجمة، جـ ٥، ص ٦٣).
وفي سنة ١٢٤٧ هـ (١٨٣١ - ١٨٣٢ م) أقام السلطان العلوى مولاى عبد الرحمن في سلا بيمارستانا ملحقًا بضريح سيدى ابن عاشر. ولا تزال آثار البيمارستانات القديمة -التي اختفت أو بطل استعمالها- باقية في بعض مدن مراكش كما هي الحال في الرباط والقصر (انظر Textes: L. Brunot arabes de Rabat جـ ٢، الحاشية ٧٥٣٢) وكذلك في طنجة.
وكان المجذومون (الجمع الجذمى أو تلطفا: المرضى) يسكنون في حي خاص يعرف بالحارة خارج المدن، وقد أنزلوا في فاس خارج باب الخوخة على طريق للمسان. ونقلوا في النصف الأول من القرن الثالث عشر إلى كهوف خارج باب الشريعة، ثم أقيموا سنة ٦٥٨ هـ (١٢٦٠) في كهوف أخرى خارج باب الجيسة. وكانوا في أوائل القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي) يعيشون في بلدة قرب سوق الخميس (انظر القرطاس، طبعة الرباط سنة ١٩٣٦، جـ ١، ص ٥٣ - ٥٤؛ Description de l'Afrique: Leo Africanus، ترجمة Epaulard، جـ ١، ص ٢٢٩) وكانت الحارة بمراكش، في الأصل، خارج باب آغمات حتى نقلها في آخر القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادي) السلطان السعدى المنصور خارج باب دكالة.
وفي تونس أقام السلطان الحفصى أبو فارس أول بيمارستان لفقراء المسلمين أو غربائهم أو معتليهم، وقد تم هذا البيمارستان سنة ٨٢٣ هـ (١٤٢٠ م، انظر الزركشي: تاريخ الدولتين، طبعة تونس سنة ١٢٨٩ هـ، ص ١٠٢). وفي غرناطة أقام السلطان النصرى محمد الخامس بيمارستانا فخمًا لمرضى المسلمين وفقرائهم. وقد جاء في النقش الذي على أساسه: "فاخترع به حسنة لم يسبق إليها من لدن دخل الإسلام هذه البلاد"، ولربما
стр. 2057
كان هذا مبالغة في القول، لأنه كان ثمة بيمارستانات أخرى وفي غرناطة نفسها. ومنذ القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادي) ترجمت مجموعة مفردات بلنسية (- Valencia Vo cabulista)، كلمة بمصطلحات لهجية ومن ثم حية فقيل مرستان وملستان (انظر ابن الخطيب: الإحاطة، طبعة القاهرة سنة ١٣١٩ هـ، جـ ٢، ص ٢٩؛ Inscription arabes: Levi-Provencal d'Espagne ص ١٦٤؛ L. Seco de Lucena: : Plano de Granada arabe ص ٥٣).
ويجب أن نفرق بين البيمارستانات التي أنشئت للمرضى والخانات أو المنازل (المآوى الليلية) المخصصة للرحالة. وكانت مثل هذه الخانات في المغرب الإسلامي تقام خارج أبواب المدن الكبيرة على يد معظم السلاطين الذين أقاموا بيمارستانات. وقد سميت هذه الخانات باسم "الزاوية" (انظر Le Zaouya merinite d' Anem-: G.S. Colin li, a Taza في Hespgris، سنة ١٩٥٣ جـ ٢، ص ١). والظاهر أن الخفاجى قد كرر خطأ قديما بقوله إن أول بيمارستان قد أنشئ على يد أبقراط وسماه "إخشندوكيون" أي نزل الغرباء (انظر شفاء العليل، طبعة القاهرة سنة ١٢٨٢، ص ٥٩).
وكان المؤلف المراكشى لكتاب المعجب (انظر ما سبق بيانه) الذي كان يكتب في بغداد سنة ٦٢١ هـ (١٢٢٤ م) هو المؤلف المغربي الوحيد الذي استعمل الرسم الاشتقاقى الصحيح وهو "بيمارستان"، على حين يستعمل جميع الآخرين صبغة "مارستان" التي فقدت الحرف الفارسى. ولم تلبث الكلمة أن ظهرت مع اختصار الألف الأولى. وكان حرف الراء في اللهجات الأندلسية تعقبه الحركة a (Vocabulista: مرستان وملستان؛ وفي P. de Acala: مرستين) قد أكد الخفاجى هذا النطق في مصر أيام القرن الحادي عشر الهجرى (السابع عشر الميلادي؛ انظر الخفاجى: الشفاء، طبعة القاهرة سنة ١٢٨٢، ص ٢٠٦) وتنطق الكلمة في لغة القاهرة الحالية "مُرُستان". وفي اللهجات الحديثة بالمغرب يدخل في نطق الكلمة بعض الجنوح إلى المخارج الحلقية
стр. 2058
فيقال "مرصطان"، ولعل السبب في هذا التغير في النطق وجدانى. وينطق بالكلمة في تطوان "مرصطران"، ومعنى الكلمة في كل الأنحاء هو "سجن المجانين الخطرين" (انظر W. Marcais: Textes arabes de Tanger، ص ٤٦٠).
خورشيد [كولان G.S. Colin]
٣ - تركية:
وكان أول بيمارستان سلجوقى (دارالشفاء) ومدرسة قد أقيمتا في قيصرى سنة ٦٠٢ هـ (١٢٠٦ م) وقد أعقب هذا بناء بيمارستانات أخرى في سيواس وديوريكى، وجانقيرى، وقسطمونى، وقونية، وتوقاد، وأرضروم، وأرزنجان، وماردين وأماسية. وكانت مستشفيات الأناضول يطلق عليها وقتذاك -كما يطلق عليها اليوم- الأسماء: "بيمارستان" و"مارستان" و"تيمارخانه"، و"دار الشفاء" أو "دارالعافية". وكانت هذه البيمارستانات مستشفيات عامة من حيث إنها كانت تقبل جميع حالات المرضى، وكان القائمون بالعمل فيها جراحين وأطباء وصيدلانية وكحالين. وكانت ترصد لها أموال مستقلة، وتنظم بحسب حجمها وأهميتها وحاجاتها الخاصة وموقعها.
وكان أول بيمارستان عثمانى أقيم في الأناضول هو "دار الشفاء" الذي أنشأه يلدرم في بروسة، وكانت بروسة قبل الفتح العثمانى سنة ٧٢٦ هـ (١٣٠٦ م) خالية من بيمارستان. وقد وسع السلاطين العثمانيون الأوائل: أورخان ومراد الأول وبايزيد يلدرم في رقعة المدينة وأقاموا فيها بعض المنشآت من بينها "دار الشفاء" التي أنشاها يلدرم وافتتحت سنة ٨٠٢ هـ (١٣٩٩ م) وقد أصلحت هذه الدار التي كانت قسمًا من عمارة أقامها يلدرم ("يلدرم عمارتى" وهي مركز خاص يشمل بيمارستانا وحمامًا ونزلا لراحة المسافرين إلخ) عدة مرات قبل أن تهجر في منتصف القرن التاسع عشر وتحل محلها مستشفى أحمد وفيق باشا. وهذه الدار خرائب الآن.
أما مستشفى الجذام الذي أقيم في أدرنة في عهد مراد الثاني (٨٢٤ -
стр. 2059
٨٥٥ هـ = ١٤٢١ - ١٤٥١ م) فقد ظل يعمل حوالي قرنين. وكان الأتراك قد بنوا، قبل هذا المستشفى، مستشفيات أخرى في سيواس وقسطمونى، وقيصرى في الأناضول.
وأما "دار شفاء" الفاتح التي افتتحت عام ٨٧٥ هـ (١٤٧٠ م) فقد افتتحها محمد الثاني الفاتح (٨٥٥ - ٨٨٦ هـ = ١٤٥١ - ١٤٨١ م)، وكانت جزءًا من "كلية". وهي الآن خربة من أثر عدة حرائق نزلت بها، ومع ذلك فإن منشآت هذه الدار ظلت تعمل حتى القرن الأخير. ويستدل من وقفّيتها على أنه كان ملتحقا بها عدد كبير من طلبة الطب علاوة على هيئة أطبائها، وكانت هذه هي الطريقة التقليدية لتدريب طلبة الطب في البيمارستانات الإسلامية.
وفي القرن نفسه أقام بايزيد الثاني (٨٨٦ - ٩١٨ هـ = ١٤٨١ - ١٥١٢ م) عمارة أخرى في أدرنة على ضفاف نهر طونجة. وكان جزء من هذه العمارة بيمارستانا نسب إليه. وقد بدئ في إنشاء المبانى سنة ٨٩١ هـ (١٤٨٦ م) وتمت في ثماني سنوات، ولكن الوقفية لم تقرر إلا سنة ٨٩٨ هـ (١٤٩٣ م) وهذه المنشأة خربة الآن، إلا أن هيئتها الطبية الكبيرة ظلت تخدم الجمهور حتى بداية هذا القرن. ويقول أولياجلبى إنه كان من بين الهيئة القائمة بالعمل فيها عثمرة موسيقيين كانوا يعزفون للمرضى بين الحين والحين. وكان ثمة كثير من الأخطاء في خطط هذه المنشأة التي أعدها في عجلة كبيرة كيرلت C. Gurlitt (انظر Die Bankunst Kon-: C.Gurlitt stantinopels، برلين سنة ١٨٧٢، في مجلدين).
وفي القرن السادس عشر أقيمت ثلاثة بيمارستانات كبيرة في إستانبول وواحد في مغنيسيا، وقد أقيمت "بيمارخانه" خاصكى سنة ٩٤٦ هـ (١٥٣٩ م) في إستانبول لحرم سلطان زوجة سليمان القانونى .. أما "دار شفاء" سليمان ومدرسته الطبية فقد أقيمتا سنة ٩٦٣ هـ (١٥٥٥ م) في إستانبول باسم السلطان، وبنيت "دار شفاء" حافظه سلطان في مغنيسيا سنة ٩٤٦ هـ (١٥٣٩ م) تكريمًا لأم السلطان. وأتى الخراب على أجزاء من
стр. 2060
(بيمارخانة) خاصكى بفعل الزلازل والحرائق، إلا أنها أصلحت وتستخدم الآن مركزًا صحيًا. وظلت "بيمارخانة" خاصكى تعمل حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وقد هجرت الآن.
وأقيم البيمارستان الرابع "بيمارخانه طوب طاشى" سنة ٩٩١ هـ (١٥٨٣ م) في إستانبول لنور بانو سلطان أم مراد الثالث (٩٨٢ - ١٠٠٣ هـ = ١٥٧٤ - ١٥٩٥ م) واستخدمت هذه المنشأة مستشفى حتى سنة ١٩٢٧. وهنالك أصبحت مستودعًا للطباق.
وفي القرن السابع عشر عمل أحمد الأول (١٠١٢ - ١٠١٦ = ١٦٠٣ - ١٦١٧ م) على إقامة مستشفى كبير خلف ميدان سباق الخيل البوزنطى القديم قرب مسجده المشهور. وقد افتتح هذا المستشفى سنة ١٠٢٥ هـ (١٦١٦ م) ولم يهدم إلا منذ عهد قريب فحسب لإفساح المجال لإقامة مدرسة جديدة.
وطرأ انكماش على إقامة المنشآت العثمانية الصحية والاجتماعية للنفع العام في القرن الثامن عشر، فلما جاء القرن التاسع عشر صبغت الخدمة العسكرية وطرز اللباس والتعليم وغير ذلك بالصبغة الحديثة في الإمبراطورية العثمانية، وفي سنة ١٢٥٣ هـ (١٨٣٧ م) أقيمت مستشفى الغرباء في إستانبول في أدرنة فابى بمدرسة مهرماه سلطان. وبينما كان هذا المستشفى يصبغ بالصبغة الحديثة على يد بزم عالم والده سلطان أم السلطان عبد المجيد، كانت مستشفيات عسكرية حديثة جديدة ومدرسة طبية جديدة تقام. وكان الغرض من هذه المنشآت الوفاء بالحاجات الطبية للجيش الجديد، وأقيمت مدرسة جديدة للطب والجراحة في إستانبول سنة ١٢٤٣ هـ (١٨٢٧ م) على يد السلطان محمد الثاني (١٢٢٣ - ١٢٥٥ هـ = ١٨٠٨ - ١٨٣٩ م)، وبدأت الدراسة فيها بالإيطالية، ثم استبدل بالإيطالية الفرنسية حين وفد إليها بعض أساتذة الطب الأكفاء من النمسا سنة ١٨٣٩. وقد وسع هذه المدرسة الطبية السلطان عبد المجيد والسلطان عبد العزيز والسلطان عبد الحميد الثاني، ثم
стр. 2061
استحدث فيها آخر الأمر معهد للكلب ومعهد لعلم الجراثيم ومركز للتطعيم. وتخرج في هذه المدرسة عدد من الأطباء ملمين باللغات الأوروبية وبالطرائق الطبية الحديثة. وقد مضى هؤلاء إلى الأناضول وأقاموا فيه مستشفيات حديثة، واتخذت إجراءات للتحصين ضد مرضى الكلب والجديرى هناك قرابة ذلك الوقت الذي بدأت فيه هذه الإجراءات في أوروبا. وكانت الحكومة العثمانية من الحكومات التي ساعدت على إنشاء معهد باستير.
أما مستشفى شيشلى للأطفال الذي كان من أكبر المستشفيات في إستانبول فقد أقامه السلطان عبد الحميد الثاني سنة ١٣١٦ هـ (١٨٩٨ م).
وكانت هذه المستشفيات التي ذكرناها أهم المستشفيات في الإمبراطورية العثمانية، وإن كان يوجد كثير غيرها في جميع أرجاء تركية، يضيق المقام عن ذكرها. وقد أقام الأتراك في خمسة قرون ما يقرب من سبعين مستشفى في إستانبول وحدها.
خورشيد [شاه سوار أوغلى. Bedi. N Shehswaroghlu].
البينة
(والجمع بينات)، وهي مؤنث "بين" بمعنى "جلى، واضح" وقد وردت بمعنى "الدليل الواضح" في آيات كثيرة من القرآن الكريم (سورة البينة، الآية رقم ١، ولذلك سميت السورة باسم سورة البينة) وتدل الكلمة في الاصطلاح الشرعي على الدليل القاطع، ذلك الذي يثبت بالشهادة، على الرغم من أن المصطلح أصبح منذ العصر القديم لا يطلق على الشهادة الشرعية فحسب، بل على الشهود أنفسهم أيضًا. وهناك ألفاظ غيرها تعبر عن وجوه أو درجات أخرى من مصطلح الدليل، وبخاصة حجة (والجمع حجج) ودليل وبرهان. ويهتم القرآن الكريم، في المجال الشرعي، بالدليل في أمور مختلفة مدنية وجنائية، والذي يبرز لأول وهله هو أن القرآن الكريم ينص على الالتجاء أساسا إلى الشهادة ويوصى بألا تتم بعض الأمور الشرعية إلا بحضور شهود، وهي [حالات من] الطلاق (سورة الطلاق: الآية ٢)، والوصية (سورة المائدة، الايات ١٠٦ -
стр. 2062
١٠٨)، وحساب أموال اليتامى (سورة النساء، الآية ٨)، والتداين بأجل مسمى (سورة البقرة، الآية ٢٨٢). وعلى الرغم من أن القرآن الكريم يؤيد، في الحالة الأخيرة، جود دليل مكتوب فإن هذا الدليل يرتبط ارتباطا وثيقا بشهود. العيان الذين يجب عليهم الاعتراف بالدين الذي أملاه الدائن على الكاتب بمجرد إتمامه. وتلك هي صيغ البينة التي ينظمها القرآن الكريم، ولو أنها وردت فيه بإيجاز؛ وهو ينص، علاوة على ذلك، على ضررة الاستشهاد بضعف عدد الشهود (أربعة شهود بدلا من اثنين كما هو المعتاد)، دليلا شرعيا لإثبات الفاحشة (سورة النساء: الآية ١٥؛ سورة النور الآية ٤، ١٣)، ولكنه في الحالة التي يعجز فيها الزوج عن تقديم هذا الدليل الصعب على اقتراف زوجته جريمة الزنا، ينص على إجراء استثنائى هو اللعان، وهو أن يحلف كل من الزوجين أنه صادق وأن لعنة الله عليه، إن كان من الكاذبين. (سورة النور: الآيات ٦ - ٩). ومع أن هذا الإجراء لا يعد دليلا بمعنى الكلمة، فإن له آثارا شرعية هامة. ومن جهة أخرى فإن الكتاب الكريم لا يورد شيئًا عن النظم البدائية الخاصة بالالتجاء إلى التعذيب البدنى والأيمان بتبرئة الساحة.
وقد خصت الشريعة الإسلامية المأثورة بالذكر سيادة الدليل بالشهادة التي تسللزم لصحتها توافر شروط نظرية صارمة إلى حد لا بأس به. ولم تصبح الشهادة مقبولة بوجه عام، وعلى نطاق واسع، إلا بعد أن أمكن تفسير الدليل المكتوب على أنه "وثيقة الشهادة" Zeugenurkunde، على الرغم من أن هذا الموضوع لا يخلو من نقاش حاد وتحفظ وحيطة حتى في حالة العقود الموثقة (انظر Le no-: E. T yan tariat et le regime de la preuve par ecrit - musulman, An dans la pratique du droit -nales Ecole francaise de droit de Bey routh سنة ١٩٤٥، العدد رقم ٢).
وفي آيات القرآن الكريم الخاصة بأحكام الوصية (سورة المائدة: الآيات ١٠٦ - ١٠٨) يطلب من الشاهدين في حالة الريبة، أو وجود شاهدين آخرين يقومان مقامهما، أن يحلفا بالله، وهو الحكم الوحيد في القرآن الكريم الذي
стр. 2063
ينص على ضرورة وجود شاهدين غير الأولين يثبت دليلهما بقسم. ويمكن تقديم بعض الأمثلة التي حدثت من حين لآخر، وبصفة استثنائية في ظل الإسلام، لقضاة طلبوا من شهود، ارتابوا فيهم أن يقسموا. ومهما يكن من أمر فإن العقيدة أنشات فارقا واضحا قاطعا فيما يختص بالحجج الشرعية التي تنص عليها وتنظمها، بين الشهادة والقسم. وتنص القاعدة المشهورة على أن "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" وفي رواية أخرى "على المدعى عليه". وينبغى أن نذكر أن المدعى، في حالة التجائه إلى الشرع، لا يكون بالضرورة المدعى الأصلي (ومن هنا فإن عبء الإثبات قد يتأرجح)، يضاف إلى هذا أن بعض العلماء يرون أن الدليل إنما يمكن أن يقدم في الغالب لإثبات الحقائق اليقينية.
والبينة نفسها، من حيث المبدأ، لها حجية قائمة بذاتها: فعندما تتوافر الشروط الشرعية للصحة تكون ملزمة للقاضي، وهذه قاعدة عامة. وقد بذلت عدة محاولات لتأييد الشهادة بقسم، يحلفه المدعى، ولكن هذه المحاولات لم تنجح بحال في التأثير على الشريعة المأثورة، اللهم إلا الحالات التي يغيب فيها المدعى عليه، أو يعانى من اللا أهلية (Origins: Schacht ص ١٨٧ - ١٨٨؛ انظر ابن قدامة: المغني، جـ ٩، ص ٢٧٧: : وبالنسبة لرأى الفاطميين المعارض انظر القاضي النعمان: اقتصار، دمشق سنة ١٩٥٧، ص ١٦٣). ويتمسك المذهب الحنفي تمسكا تاما بلفظ القاعدة المذكورة آنفا، والحق إن هذا المذهب قد أسهم في انتشار أثرها بله صياغتها، لأنه يخالف المذاهب الأخرى في أنه لا يسمح للمدعى بأن يحلف لكى يستكمل بقسمه بينة ناقصة (شاهد واحد) في المنازعات الخاصة بالمال، ولا يسمح للمدعى عليه بأن يحلف ردًّا على المدعى. وفي تبادل القسم، الذي يتمسك به الحنفية هم وباقي المذاهب في بعض الحالات التي تعوزها البينة، يقف كل من الطرفين أمام الآخر موقف المدعى عليه، وبالنسبة لتطورات القسم الأخرى أمام القاضي. ونلاحظ هنا فحسب أن القسم لتبرئة الساحة المعروف في الجاهلية، بقى في الشريعة الإسلامية وسيلة إثبات في مجال محدود من الإجراء الجنائى.
стр. 2064
ومن الممكن، خاصة فيما يتعلق بادعاء الملكية، أن تتعارض بينات أطراف الخصومة، وتهتم نصوص الفقه بتعارض البينات وتحاول أن تقضى على النزاع بإعلان أن أحد الأدلة أقوى من غيره على أساس المقاييس التي تخللف بين المذاهب المتعددة، وقد تؤدى إلى حلول متفاوتة. وإذا تساوت الأدلة المذكورة فإن الحلول تختلف، حتى في حدود المذاهب نفسها، بين الفسخ المتبادل والالتجاء إلى صيغة دليل إضاقية حاسمة. وبين الحكم عليها بالقيمة الاسمية- التي تستلزم عندئذ إما تقسيم المال أو سحب الأنصبة.
ومع أن البينة قد تكون لها الغلبة باعتبارها وسيلة إثبات فإن من الصعب أن نعدها في كل الظروف أقوى من الإقرار، أو من مصطلح أقل شيوعًا وهو الاعتراف. والحق إن ابن حزم الظاهرى يذكر النقيض صراحة في كتابه المحلى، (جـ ٩، ص ٤٢٦). ويقتضى المبدأ في الإقرار أهلية أدنى من الشهادة، لأنه يفترض أساسًا الصدق في الشخص الذي يصدر الإقرار. ولكن المؤلفين يميزون عادة- وهم في ذلك لا يجانبهم المنطق- في هذا المجال بين الإقرار الذي لا يكون له أثر ملزم إلا على نفس من يصدره، والإقرار الذي يؤثر في حق الغير، وتخللف قوتهما الفاصلة ونتائجهما الشرعية اختلافًا كبيرًا.
ولعل من المناسب في موضوع البينة أن يدخل في الحكم عليها رأى الخبير الذي قد يطلبه القاضي، وفضلا عن ذلك فإنه إذا كان لأحد أن يحاول تكوين نظرية عامة عن الدليل في الشريعة الإسلامية فإن من المناسب أن يعمل حسابًا للجدل الذي دار حول علم القاضي الشخصى بحقائق قضية، لتأكيد الأهمية الكبيرة للافتراضات الشرعية وكثرتها، ولتسجيل شأن بعض الأدلة المساعدة أو الخطوات الأولى المتخذة في دليل تعترف به الشريعة وشأن هذه الأدلة. وفي مجال هذا الدليل الشرعي يمكن ملاحظة اتجاهين: الرغبة في إثبات ما هو أرجح، على نحو إنسانى، بوسائل تنظمها قواعد، أكثر من السعي وراء الحقيقة الخالصة التي لا يعلمها على وجه اليقين غير الله، واتجاه نحو العقلاخية،
стр. 2065
وهي، وإن كانت لا تغلب في كل الظروف وفي كل ناحية، فإنها مع ذلك مضمرة فيما يتمتع به القسم على تبرئة الساحة من مكانة، وغياب الاحتكام إلى المحن في أمر متهم بتعريضه للعذاب البدنى (على الرغم من الآثار التي لا يزال يتشبث بها العرف الجارى بين المجتمعات القبلية حتى اليوم).
المصادر:
نصوص الفقه والمواد المنشورة في الطبعة الأولى من هذه الدائرة، وهي التي أشير إليها في صلب هذه المادة، والدراسات الحديثة التي يشار إليها في Recueils de la Societe Jean Bodin مجلد La Preuve (نشر عام ١٩٦٠).
د، . يونس (برنشفيك R. Brunschvig)
стр. 2066
ت
стр. 2067
تأبط شرا
لقب ثابت بن جابر بن سفيان، وهو شاعر عربي قديم من بنى فهم، وبطل بدوى ذاع ذكره في القصص. وجاء في المصنفات تفسيرات مختلفة لهذا اللقب، ففي ديوان الحماسة أنه "تأبط شرًّا" أي سكينًا، وأورد صاحب الأغانى أنه تأبط كبشًا تبين أنه غول، أو تأبط جرابًا مليئًا بالأفاعى السامة وتذهب رواية أوردها فرسنل Frensel أن أمه زنجية، بينما يروى صاحب الأغانى أنها امرأة من قبيلة فهم اسمها أمينة تزوجت فيما بعد أبا كبير الهُذلى الذي حاول أن يقتل ابنها. وكان تأبط شرا عدوا لبنى هذيل وبنى بجيلة وهلك في قتاله مع بنى بجيلة في أرضهم على جبل تمار (ياقوت: المشترك، ص ٤٢١) وجاء في رواية باور Baur (انظر المصادر) أن تأبط شرًّا كان معاصرا لنوفل بن معاوية الذي قيل إنه عاش ستين سنة قبل الإسلام وبعده، وتبدو روح الجاهلية في جميع أطوار حياته وفي كل ما نسب إليه من شعر. وقد خلع على هذا الشاعر كل الصفات المأثورة عن الفارس الأفاق في الجاهلية. ورثى تأبط شرا الشنفرى بقصيدة، وكان هذا الشاعر صاحبه في القتال هو وعمرو بن البراق (الأغانى). وأحسن قصائده وأطولها هي القصيدة التي رثى بها أحد أقربائه، وكان قد سقط في حرمة الوغى. وقد تأثر كوتة بهذه القصيدة في إحدى قصائده.
стр. 2068
المصادر:
(١) أبو تمام: ديوان الحماسة، ص ٣٣ وما بعدها، ٢٤٤ وما بعدها، ٣٨٢ وما بعدها ترجمة Rueckert
(٢) الأغانى، جـ ١٨، ص ٢٠٩ - ٢١٨
(٣) القزوينى، طبعة فستنفلد، جـ ٢، ص ٣١، ٥٦ - ٥٨، ٦١
(٤) ابن قتيبة: كتاب الشعر، ص ٢٧٤ وما بعدها، ٤٢٢ وما بعدها، ٤٣٧
(٥) الكريوس: غوضة العرب ص ٧٤ وما بعدها
(٦) ديوان الهذيليين، طبعة كوسكارتن، ص ٢٤ وما بعدها
(٧) Schol, zu Hariri: de Sacy, ص ٤١٦، الديوان ص ٣٤٤
(٨) Prem. lettre sur Phis-: Fresnel toire des Arahe، ص ٩٦ وما بعدها
(٩) Carmen arab.: Freytag، كوتنكن سنة ١٨١٤ م
(١٠) Noten zum woe. Diwan: Goethe
(١١) La Poesie arabe: Basset، ص ٧٣
(١٢) Gesch. d. arab.: Brockelmann Lit، جـ ١، ص ٢٥
(١٣) Four Poems of: Lyall Jour, of the Royal Ta'abbata Sharra Asiatic Society سنة ١٩١٨
(١٤) Zeitschr.: Gustav Baur Deutsch. MorgenL Gesells., جـ ١٠، ص ٧٤ وما بعدها.
[براو H.H. Braue]
تابع
لفظ عربي يجمع على تابعين، معناه تابع أمير أو تلميذ شيخ أو معتنق مذهب، والفعل "تابع" أي اقتفى أثره.
ولهذه الكلمة شأن خاص في الحديث، إذ هي تطلق على أولئك الذين جاءوا بعد أصحاب النبي [ ﷺ ] والأصحاب هم الذين رأوا النبي [ ﷺ ] ولقوه. أما التابعون فهم الرعيل الثاني أو معاصرو النبي [ ﷺ ] الذين لم يلقوه وإنما عرفوا أحد صحابته (١). وتابعو التابعين هم الذين لقوا أحد التابعين،
стр. 2069
وهكذا. وتختلف قيمة الأحاديث بالنسبة إلى قدم طبقة التابع الذي رواها وحداثتها، كما ترجع قيمتها أيضًا إلى شهرة هذا التابع ومقداره. وعلى هذا فمشهور الحديث هو المسند إلى تابع من الرعيل الأول وأذاعه وتناقله جملة تابعين من الرعيل الثاني ومن جاء بعدهم (٢). وهناك أيضًا طبقات من رواة الحديث الخاص بقراءة القرآن والخاص بالصوفية. والحسن البصري هو أشهر رواة الطبقة الأولى (٣).
المصادر:
(١) انظر البخاري ومسلم وغيرهما
(٢) Les Penseurs de: Carra de Baux L'Islam، باريس سنة ١٩٢٣ مجلد ٣، ص ١٧٦، ٢٨٢ وما بعدها
(٣) الهجويرى: كشف المحجوب. ترجمة نيكلسون R. A. Nicholson، ليدن - لندن سنة ١٩١١.
(كاراده فو B. Carra de Vaux)
تعليق على مادة "تابع "
(١) التابعون هم الطبقة الثانية بعد الصحابة، ويقال للواحد منهم "تابع" أو "تابعي". وهم طبقات كثيرة، فمنهم من عاصروا النبي ﷺ ولكن لم يروه ورأوا أصحابه، ومنهم من بعد ذلك ممن لقى أحدا من الصحابة، ومنهم أيضًا الذين ولدوا في حياة النبي ﷺ ومات وهم أطفال لا يعون الرواية عنه، وروايتهم كلها عن الصحابة.
(٢) هذا كلام غير واضح ولا محرر على قواعد العلم عند أهل الحديث. والحديث الذي يرويه التابعى فيسنده إلى رسول الله ﷺ مباشرة من غير أن يذكر الصحابى الذي سمعه منه يسمى عندهم "الحديث المرسل" وقد اختلف في الاحتجاج به، فذهب بعض العلماء إلى أنه حجة، وذهب بعضهم إلى أنه حجة إذا كان التابعى من كبار التابعين الذين لقوا كثيرا من الصحابة وأن يكون الحديث مرويا عن غيره من التابعين أيضًا، حتى يعتضد به. وممن قال بذلك الإمام الشافعي في تفصيل للشافعي هذا موضعه، وانظره في (كتاب الرسالة للشافعي بتحقيقنا، في الفقرات (١٢٦٢ - ١٣٠٨). وخالفه في ذلك أكثر علماء الحديث واستقر رأيهم على
стр. 2070
أن المرسل ليس بحجة مطلقا، كما أوضحت ذلك في تعليق على (كتاب الرسالة) (ص ٤٦٥)، وانظر أيضًا (كتاب علوم الحديث لابن الصلاح بشرح الحافظ العراقي ص ٥٥ - ٦٢) وشرحى على (اختصار علوم الحديث لابن كثير ص ٣٧ - ٤١) الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم جـ ٢، ص ٢ - ٦) وغيرها من كتب المصطلح.
(٣) الحسن البصري تابعي مشهور، وهو من أئمة القراء، كما هو من أئمة الحديث والفقه والوعظ، ولد سنة ٣١ ومات سنة ١١٠ وله ترجمة في طبقات ابن سعد (جـ ٧ ق ١ ص ١١٤ - ١٢٩) وحلية الأولياء لأبي نعيم (جـ ٢ ص ١٣١ - ١٦١) وطبقات القراء لابن الجزرى (جـ ١ ص ٣٥). وفي التهذيب وابن خلكان وغيرها. والصوفية يرجعون بأسانيدهم في التصوف إليه، إن صحت هذه الأسانيد وليست من الأسانيد التي يحتج بها علماء الحديث.
أحمد محمد شاكر
تاج
لفظ فارسى معرب، وهو بالفارسية القديمة "تك" (انظر الكلمة الأرمنية "عتك" والكلمة الآرامية تاكه)، وصيغ منها في العربية جمع التكسير تيجان، والفعل توّج (الوزن الثاني) وتتوج (الوزن الخامس) ويقال أيضًا تائج لمن تتوج (Grundriss der neuper-: Horn sischen Ettymologie ستراسبورغ سنة ١٨٩٣، ص ٨١؛ Studien ueber: Siddiqui -die persichen Fremdwoerter im Klas sischen Arabisch، كوتنكن سنة ١٩١٩، ص ٧٤، ٨٤: aramaeischen ie: Fraenkel Fremdwoerter im Arabischen, ليدن سنة ١٨٨٦، ص ٦٢). والتاج نفسه- كاسمه- فارسى قديم. ولم تكن أشكال تيجان ملوك الفرس القدماء، التي نعرفها من سكتهم بصفة خاصة، مجهولة عند مؤلفى العرب. فيروى المسعودى مثلًا أنه شاهد كتابًا قديما وعلى بصورة ملونة لملوك الفرس وعلى رؤوسهم التيجان، وقد نقل هذا الكتاب إلى اللغة العربية نزولا على رغبة الخليفة الأموى هشام بن عبد الملك
следующие страницы →