تاريخ الإنسانية الأولى؛ لأميتهم، وقلة المتداول بينهم منه، فكانت كثرة الإسرائيليات! ! وكان كل أولئك صورة عقلية لهذا العصر الأول.
ومن هنا نستطيع القول بأنه حتَّى في رواج التفسير النقلى وتداوله، تكون شخصية المتعرض للتفسير هي الملونة له، المروجة لصنف منه.
أما حين يصير التفسير عقليًا اجتهاديًا، فإن هذا التلوين الشخصى يبدو أوضح وأجلى. وقد أشرنا إلى ما لثقافة متعاطى التفسير، من الأثر في تفسيره؛ إذ أن ثقافته، ونوع معارفه هو الَّذي يحدد ناحية عنايته وميدان نشاطه، وما ينتفع به في استخراج معاني العبارة، وما يعني به قبل غيره من هذه المعاني فيتأثر التفسير بذلك كله، ويتأثر تاريخ هذه المعارف نفسها بمزاولة التفسير، أو الاهتمام به -كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فأنت ترى - في جلاء - أن التفسير، على هذا التلوين - يتأثر بالعلوم والمعارف التي يلقى بها المفسر النص، ويستعين بها في استجلاء معانيه، كما أن وصل هذه العلوم بالتفسير، يكسب هاتيك العلوم نفسها، ضربًا من الثروة، بقدر أثره في تاريخها .. فالنحوى يلقى القرآن بأصول الصنعة الأعرابية، يحكمها في فهم معانيه، ويحتكم إليها في تحديد مدلولاتها، فيلون التفسير بمنهج دراسته وأسلوبها .. ثم هو بعد ذلك يترك في حياة النحو بهذا الوصل آثارًا، تعود على دراسته، ويلتمس بيانها، في تاريخ حياة هذه المادة .. وهكذا تنوعت ألوان التفسير، وتعددت بتعدد ثقافات المتصدين له، فقد سمعت أن أبا الحسن الأشعرى المتكلم، في كتابه الَّذي سموه "المختزن" لم يترك آية تعلق بها يدعى، إلا أبطل تعلقه بها وجعلها حجة لأهل الحق ... إلخ بل ينقلون من قوله هو نفسه في وصف كتاب هذا: إن فيه من ضروب الكلام مسائل للمخالفين لم يسألوه عنها ولا سطروها في كتبهم، ولم يتجهوا للسؤال، وأجاب عنه بما وفقه الله تعالى له (١) ... وقد جاءك نبأ ما فعل الفخر الرازي في تفسيره، من جمع أقوال الحكماء والفلاسفة،
стр. 2312
وشبههم في الكلاميات، حتَّى قيل فيه ما قيل آنفًا. فهذا ومثله تلوين كلامى للتفسير يضفى على القرآن، من منهج علم الكلام ويوجه تفسيره، وقد انتهى به إلى نزعات مذهبية خاصة لعل من أشهرها كشاف الزمخشرى في منحاه الاعتزالى ... كما تجد تلونيًا فقهيًا للتفسير، وآخر بلاغيًا، وغيرهما قصصيًا.، وهكذا مما تعد فيه كتب كل صنف وحدها؛ وتوصف في التاريخ التفصيلى للتفسير .. كما يبين فيه المحبب المقبول من هذا التلوين؛ والمنفر المكروه منه، كالتلوين الباطنى والإشارى المتطرف، وما إلى ذلك من تفسير مرددو، يخرج القرآن عن وضعه، ويناقض الحكمة الإلهية والغرض الإصلاحى من وصله بحياة الدين والدنيا، وقد وصف القدماء مثل هذه الألوان المنفرة المستقبحة، واستبعدوها.
أما ما عدا هذا المكروه من التلوين، فقد ينجو من هذا الاستبعاد والاستنكار؛ ولكن يبقى النظر في تحقيقه للفائده المرجوة من القرآن؛ فيسلم فيه بذلك أو لا يسلم.
وفي هذا يقول الأستاذ الإمام (١) ﵀: ... إن الإكثار في مقصد خاص من هذه المقاصد يخرج بالكثيرين عن المقصود من الكتاب الإلهى، ويذهب بهم في مذاهب تنسيهم معناه الحقيقي. كما يقول في هذا الصدد أيضًا (٢): "إن التفسير قسمان: أحدهما جاف مبعد عن الله وكتابه وهو ما يقصد به حل الألفاظ وإعراب الجمل، وبيان ما ترمى إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية، وهذا لا ينبغي أن يسمى تفسيرًا وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون كالنحو والمعانى" .. ويقول عن التلوين الفقهى بخاصة (٣) "الأحكام العملية التي جرى الاصطلاح على تسميتها فقها هي أقل ما جاء في القرآن؛ وإن فيه من التهذيب ودعوة الأرواح إلى ما فيه سعادتها والأستاذ ﵀ حين ينفر من هذه الألوان يطمئن إلى تلوين آخر وصفه في غير موضع، فما قال (٤) عنه: "والتفسير الَّذي نطلبه هو فهم الكتاب، من حيث هو دين يرشد الناس
стр. 2313
إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة، فإن هذا هو المقصد الأعلى منه، وما وراء هذه المباحث تابع له أو وسيلة لتحصيله وكذلك يقول (١) عنه "التفسير الَّذي قلنا إنه يجب على الناس، على أنَّه فرض كفاية وهو ذهاب المفسر إلى فهم مراد القائل من القول، وحكمة التشريع في العقائد والأخلاق والأحكام على الوجه الَّذي يجذب الأرواح ويسوقها إلى العمل، والهداية المودعة في الكلام، ليتحقق فيه معنى قوله (هدى ورحمة) ونحوهما من الأوصاف، فالمقصود الحقيقي وراء تلك الشروط والفنون، وهو الاهتداء بالقرآن، هذا هو اللون الَّذي يجمل في نظر الأستاذ الإمام، وسنعود للنظر إليه بعد كلمة يسيرة عن:
ط - خطة التفسير
منذ عصر مبكر (٢) جعل القوم يتناولون تفسير القرآن على ترتيب سوره، يقفون منها عند بعض الآية، أو الآية، أو الجملة من الآى، فيبينون ما فيها على اللون الَّذي يؤثره المتناول وتضفيه شخصيته على تفسيره؛ ومازالت تلك الخطبة هي السائدة في التفسير، حتَّى عندما يعني المفسر بناحية خاصة من القرآن. فبين يدينا مثلًا كتاب أحكام القرآن للجصاص - ت ٣٧٠ هـ - وهو فقهى الاتجاه، يعني
стр. 2314
بهذا الجانب قبل كل شيء؛ ولكنه مع هذا يتبع للك الخطبة التقليدية في تفسير السور على توتيبها والآى في السور ... وأقل من ذلك أن يتتبع المفسر موضوعًا خاصًّا في القرآن، يجمع متفرقه، فترى مثل كتاب التبيان في أقسام القرآن لشمس الدين ابن قيم الجوزية - ت ٧٥١ هـ- الَّذي قصد فيه إلى درس موضوع خاص، هو القسم في القرآن؛ قد انتظم نظرات عامة لصنيع القرآن في الأقسام، ولكنه مع ذلك لا يستقصى تتبع النظائر ويتولاها بالتفسير المقابل الَّذي يستعان فيه على فهم بعض القرآن ببعضه فهمًا يعطى الفكرة الموحدة عن المنهج القرآنى في القسم بشيء خاص، ويحصى ما ورد من ذلك فينظر في جملته، وإن كان قد ألم بشيء من هذا إلمامًا سريعًا لا تشفى ... وتلك الخطبة الغالبة في تفسير القرآن على ترتيب سوره وآيه فيها، مما هو موضع للنظر، يقول فيه كلمة ضمن ما نعرض له من حديث عن:
التفسير اليوم
والقدماء فيما يقولون عن حياة العلوم الإسلامية قد قسموها ثلاثة أقسام: علم نضج واحترق وهو النحو والأصول؛ وعلم نضج وما احترق وهو علم الفقة والحديث؛ وعلم لا نضج ولا احترق، وهو علم البيان والتفسير ... ويشاء الله أن يكون علم البيان وعلم التفسير من أول ما أقوم على خدمته في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول .. فيكون قول القدماء أنفسهم بعدم نضجهما إذنًا صريحًا منهم بالمحاولة المحددة في حياة هاتين المادتين، وقد تقدمت إلى هذه المحاولة، تحت الشعار الَّذي اتخذته لنفسى وهو: أول التجديد قتل القديم فهما، وأراد الله أن يكون في دائرة المعارف الإسلامية أول تسجيل لإجمال هذه المحاولة المحددة في مادة البلاغة؛ وها هي ذي أول من يسجل أصول هذه المحاولة في مادة التفسير.
١ - القرآن كتاب العربية الأكبر
في الَّذي مضى من القول عن "ألوان التفسير" بيان للأغراض التي كان يقصد إليها المفسرون، ويعنون بتحقيقها أكثر من غيرها؛ وقد سمعنا الأستاذ الإمام ﵀، بنقدهم فيما آثروا من أغراض؛ ويرى أن الغرض الأول والأهم في التفسير، أن يكون
стр. 2315
محققًا لهداية القرآن ورحمته، مبينًا لحكمة التشريع في العقائد والأخلاق، والأحكام على الوجه الَّذي يجذب الأرواح .. إلخ فالمقصد الحقيقي عنده: هو الاهتداء بالقرآن، وهو مقصد جليل ولا شك .. يحتاج المسلمون إلى تحقيقه.
لكن ليس بدعًا من الرأى أن ننظر في هذا المقصد لنقول: إنه ليس الغرض الأول من التفسير، وليس أول ما يعني به ويقصد إليه، بل إن قبل ذلك كله مقصدًا أسبق، وغرضًا أبعد، تنشعب عنه الأغراض المختلفة، وتقوم عليه المقاصد المتعددة، ولابد من الوفاء به قبل تحقيق أي مقصد آخر، سواء أكان ذلك المقصد الآخر، علميًّا أم عمليًّا، دينيًّا أم دنيويًا .. وذلك المقصد الأسبق والغرض الأبعد هو النظر في القرآن من حيث هو كتاب العربية الأكبر، وأثرها الأدبى الأعظم، فهو الكتاب الَّذي أخلد العربية، وحمى كيانها وخلد معها، فصار فخرها، وزينة تراثها، وتك صفة للقرآن يعرفها العربي مهما يختلف به الدين أو يفترق به الهوى، ما دام شاعرًا بعربيته مدركًا أن العروبة أصله في الناس، وجنسه بين الأجناس، وسواء بعد ذلك أكان العربي مسيحيًا أم وثنيًا، أم كان طبيعيًا دهريًا لا دينيًّا، أم كان المسلم المتحنف، فإنه سيعرف بعروبته منزلة هذا الكتاب في العربية، ومكانته في اللغة، دون أن يقوم ذلك على شيء من الإيمان بصفة دينية للكتاب، أو تصديق خاص بعقيدة فيه .. وليس هذا شأن العرب فحسب، بل إن الشعوب التي ليست عربية الدم أصلًا، ولكن وصلها التاريخ، وسير الحياة بهذه العروبة، فارقضت الإسلام دينًا، أو خالطت العرب فسالت دماءها بدمائهم، ثم اتخذت العربية لغة، حتَّى صارت تلك العربية أصلًا من أصول حياتها الأدبية .. حتَّى هذه الشعوب التي ربطتها بالعربية هذه الأواصر الوثقى، إلى أن صارت العربية عنصرًا أساسيًا، وجانبًا جوهريًا من شخصيتها اللغوية الفنية، قد صار لكتاب العربية الأعظم، وقرآنها الأكرم مكانه بين ما تعنى به، من دراسة أدبية وآثار فنية قولية؛ فألزمها كل أولئك تناول هذا الكتاب بدراسة أدبية، تتفهم بها أصول ما ورثت من تلك العروبة، إن كانت عربية النجار أو كانت قد اتصلت بتلك العروبة اتصالًا قويًّا، دفع شخصيتها، وسير وجودها، ووجه حياتها .. فالعربى القح، أو من ربطته
стр. 2316
بالعربية تلك الروابط، يقرأ هذا الكتاب الجليل، ويدرسه درسًا أدبيًا، كما تدرس الأمم المختلفة عيون آداب اللغات المختلفة، وتلك الدراسة الأدبية لأثر عظيم كهذا القرآن هي ما يجب أن يقوم به الدارسون أولًا وفاء بحق هذا الكتاب، ولو لم يقصدوا الاهتداء به أو الانتفاع بما حوى وشمل بل هي ما يجب أن يقوم به الدارسون أولًا ولو لم تنطو صدورهم على عقيدة ما فيه، أو انطوت على نقيض ما يردده المسلمون الذين يعدونه كتابهم المقدس "فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس، سواء انظر إليه الناظر على أنَّه كذلك في الدين أم لا.
وهذا الدرس الأدبى للقرآن في ذلك المستوى الفني، دون نظر إلى أي اعتبار دينى، هو ما نعتده وتعتده معنا الأمم العربية أصلًا، العربية اختلاطًا؛ مقصدًا أول، وغرضًا أبعد، يجب أن يسبق كل غرض ويتقدم كل مقصد ... ثم لكل ذي غرض أو صاحب مقصد بعد الوفاء بهذا الدرس الأدبى أن يعمد إلى ذلك الكتاب فيأخذ منه ما يشاء، ويقتبس منه ما يريد، ويرجع إليه فيما أحب من تشريع، أو اعتقاد، أو أخلاق، أو إصلاح اجتماعى، أو غير ذلك ... وليس شيء من هذه الأغراض الثانية يتحقق على وجهه إلا حين يعتمد على تلك الدراسة الأدبية لكتاب العربية الأوحد دراسة صحيحة كاملة مفهمة له، وهذه الدراسة هي ما نسميه اليوم تفسيرًا، لأنه لا يمكن بيان غرض القرآن ولا فهم معناه إلا بها.
فجملة القول: أن التفسير اليوم - فيما أفهمه -هو: الدراسة الأدبية، الصحيحة المنهج، الكاملة المناحى، المتسقة التوزيع. والمقصد الأول للتفسير اليوم أدبى محض صرف، غير متأثر بأى اعتبار، وراء ذلك. وعليه يتوقف تحقق كل غرض آخر يقصد إليه .. هذه هي نظرتنا إلى التفسير اليوم وهذا غرضنا منه؛ وعلى هذا الأساس نتقدم لبيان طريقة تناوله، ومنهج درسه.
٢ - أثر ترتيب القرآن في تفسيره
وننظر بين يدي الخطبة في مسألة الترتيب لنبنى عليها الرأى في كيفية تناول التفسير، وهل تتبع فيه الخطة التي سادت حتَّى اليوم -كما تقدم - فندرسه على ترتيب سوره وآيه في السور، أو على غير هذا من ترتيب؟ والقرآن -كما هو المعروف- لم يرتب على الموضوعات والمسائل، فيفرد
стр. 2317
كل شيء منها بباب أو فصل؛ يجمع ما ورد فيه عن هذا الموضوع أو تلك المسألة، فليس على ترتيب كتب العقائد مع ما فيه من أصول العقيدة، وليس على ترتيب كتب التشريع مع ما فيه من أصول التشريع، ولا هو كذلك على نسق كتب الأخلاق أو التاريخ ولا القصص، ولا غير ذلك .. بل ليس على ترتيب بعض كتب الدين حين أفردت أحداث الحياة بأسفار عنونت كل سفر منها بحادث؛ أو حين جرت على تسلسل حياة فرد خصت كل حين منها بقسم، كما لم يرتب على شيء من تاريخ ظهور آياته ... إنما جرى القرآن على غير هذا كله، فعرض لكثير من الموضوعات ولم يجمع منها واحد، بعينه، فيلتقى أوله بآخره، ويعثر به في مكان معين .. وإنما نثر ذلك كله نثرًا، وفرقه تفريقًا؛ فالحكم التشريعى في أكثر من موضع، والأصلى الاعتقادى قد عرض له غير مرة، والقصة قد وزعت مناظرها ومشاهدها في جملة أماكن، وهكذا تقرأ في السورة الواحدة فنونًا من القول، وتمر بألوان من الأغراض المختلفة، تعرض لها سورة أخرى، فيتكامل العرضان، وتتم الفكرة بتتبعها في مواطن متعددة؛ وذلك لحكمة ومرمى يبين في غير هذا المكان من الدراسة القرآنية التي تعرض للكلام في الترتيب.
وإنما ننظر إلى ما لهذا الواقع من أثر في طريقة تناول القرآن بالتفسير، وتتبعه لفهم معانيه وأغراضه، فيبدو للناظر أن تفسير سورا وأجزاء لا يمكن من الفهم الدقيق، والإدراك الصحيح، لمعانيه وأغراضه، إلا إن وقف المفسر عند الموضوع ليستكمله في القرآن ويستقصيه إحصاء، فيرد أوله إلى آخره، ويفهم لاحقه بسابقه .. فالناظر في سورة البقرة مثلًا يجد من الحديث عن المؤمنين وحالهم ما أحسب أنَّه يفهم الفهم الصحيح، إذا ما قورن بما في سورة "المؤمنون"، من الجزء الثامن عشر- ثم هو واجد في هذه السورة عن المنافقين وحالهم مالا يفهم على وجهه إلا مع سورة المنافقون في الجزء الثامن والعشرين .. وقصة آدم في البقرة، إنما تفسر مع ما ورد عنها في سورة الأعراف، والحجر والكهف وغيرها.
стр. 2318
وأنت - أرشدك الله - مقدر أن الَّذي يفهم جملة نصوص خاصة بموضوع واحد، إنما يصل إلى صحيح معناها ودقيقة، بمعرفة سابقها ولا حقها ومتقدمها ومتأخرها، إذا ما كان الزمن قد تباعد بين تلك النصوص، وبخاصة مثل هذا التباعد الزمنى الَّذي بين آى القرآن، فقد طال سنين وسنين .. ثم هذا المتفهم محتاج إلى إدراك الملابسات والمناسبات والأسباب التي أحاطت بما يفهمه من النصوص، إذ هي أضواء لا بد منها لاستجلاء المعنى. وترتيب القرآن لم يرع شيئًا من تقدم الزمن وتأخره، فمكيه يتخلل مدنية ويحيط به، وهكذا ترى من النظر في ترتيب القرآن على سوره - أي ترتيب كان في المصاحف المختلفة - ما لا يساير حاجات مفسره المتفهم له، بل يقضى ما كان من أمر الترتيب، بالنظر الجديد والترتيب الخاص لآى الموضوع الواحد، بحيث يكشف هذا الترتيب لنا عن تلك النواحى، التي عرفت أن المفسر المتفهم مضطر إلى مراعاتها وتقديرها، توصلا إلى الفهم الصحيح، والمعنى الدقيق.
فجملة القول، أن ترتيب القرآن في المصحف قد ترك وحدة الموضوع لم يلتزمها مطلقًا، وقد تردُ الترتيب الزمنى لظهور الآيات لم يحتفظ به أبدًا؛ وقد فرق الحديث عن الشيء الواحد والموضوع الواحد في سياقات متعددة، ومقامات مختلفة، ظهرت في ظروف مختلفة؛ وذلك كله يقضى في وضوح بأن يفسر القرآن موضوعًا موضوعًا؛ وأن تجمع آيه الخاصة بالموضوع الواحد، جمعًا إحصائيًا مستقصيًا، ويعرف ترتيبها الزمنى، ومناسباتها وملابساتها الحافة بها، ثم ينظر فيها بعد ذلك لتفسر وتفهم فيكون ذلك التفسير أهدى إلى المعنى، وأوثق في تحديده ... وليس تفسير القرآن سورة سورة إلا تعرضًا مفرقًا لموضوعات مختلفة تنتظمها السورة الواحدة؛ ثم يعود المفسر بعد ذلك في السورة الأخرى إلى مثل هذه الموضوعات أنفسها. فإن عجل النظرة الجامعة إلى هذه الموضوعات في القرآن كله حينما عرضت له في أول سورة، فقد آل به الأمر إلى تفسير الموضوعات، وكانت وقفاته الطوال المتباعدة عند كل
стр. 2319
موضوع تركًا لتفسير السورة وإخلالًا به، وإن تعرض للموضوع الواحد مرارًا كلما عرض في السور المختلفة فقد أخل بوحدة الموضوع حين ترك الإلمام الجامع به في مقام متصل.
فصواب الرأى - فيما يبدو - أن يفسر القرآن موضوعا موضوعًا، لا أن يفسر على ترتيبه في المصحف الكريم سورًا أو قطعًا .. ثم إن كانت للمفسر نظرة في وحدة السورة وتناسب آيها واطراد سياقها فلعل ذلك إنما يكون بعد التفسير المستوفى للموضوعات المختلفة فيها.
٣ - المنهج الأدبى في التفسير:
وإذا ما كان وجه الراى أن التفسير الأدبى لكتاب العربية الأكبر، هو أول ما يجب أن يحاوله من لهم بالعربية صلة لغوية أدبية سواء أكانوا عربًا أم غير عرب .. وإذا ما كان وجه الرأى أن هذا التفسير الأدبى ينبغي أن يتناول القرآن موضوعًا موضوعًا، لا قطعة قطعة؛ فعلى هذا الأساس يكون منهج التفسير الأدبى إذن صنفين من الدراسة، كما هي الخطبة المثلى في درس النص الأدبى (١) وهذان الصنفان هما:
ا - دراسة حول القرآن
ب - دراسة في القرآن.
فأما دراسة ما حول القرآن:
فمنها دراسة خاصة قريبة إلى القرآن، ومنها دراسة عامة بعيدة - فيما يبدو من ظاهر الرأى - ولكنها في تقدير المنهج الأدبى لازمة لفهم القرآن فهمًا سليمًا دقيقًا.
والدراسة الخاصة هي ما لا بد لمعرفته، مما حول كتاب جليل كهذا الكتاب: ظهر في نحو عشرين عاما أو كذا وعشرين عاما، ثم ظل مفرقًا سنين حتَّى جمع في أدوار مختلفة وأحوال مختلفة، وكان جمعه وكتابته عملًا ساير الزمن طويلا، وناله من ذلك ما ناله .. ثم هناك قراءته، ومسايرة هذه القراءة للتطور اللغوي الَّذي تعرضت له اللغة العربية، بفعل النهضة الجادة التي أثارتها الدعوة الإسلامية والدولة
стр. 2320
الإسلامية، فقد كانت هذه القراءات عملًا ذا أثر واضح في حياة الكتاب وفهمه. وتلك الأبحاث - من نزول، وجمع، وقراءة، وما إليها - هي التي عرفت اصطلاحيًا - منذ حوالي القرن السادس الهجرى - باسم علوم القرآن (١) بعدما تناولها المفسرون المختلفون قبل ذلك بالبحث المجمل، والبيان المتفاوت في الاستيفاء، حسب عناية المفسر واهتمامه؛ ومثل تلك الأبحاث جد لازمة، في نظر دارسى الآثار الأدبية، ولابد منها لفهم النصوص المدروسة، والاتصال بها اتصالا مجديًا .. بل كان لزوم هذه الأبحاث لفهم القرآن مما شعر به القدماء أنفسهم، حتَّى قال السيوطي في مقدمة كتابه "الإتقان في علوم القرآن": "وقد جعلته مقدمة للتفسير الكبير الَّذي شرعت فيه وسميته بمجمع البحرين ومطلع البدرين الجامع لتحرير الرواية، وتقرير الدراية، ومن الله أستمد التوفيق والهداية (٢). " كان أكثر المفسرين يلمون في مقدمة تفاسيرهم بشيء من القول في النزول والجمع، والقراءات ... وقد أفرد ما حول القرآن من تلك الموضوعات حديثًا بالعناية، عند من يمارسون هذه الأبحاث من الغربيين. وكان أجل من كتب في ذلك منهم الألمانى نولدكه Noeldeke T. صاحب كتاب تاريخ القرآن Geschichte des Qorans` الَّذي اشترك في تحقيقه وإكمال طبعته الثانية نفر من علماء الألمان مثل شفاللى وزيمرن وبرجشتراسر، وقد جاهد أحد شبابنا من خريجى كلية الآداب فترجم الكتاب بمعونة من في الكلية من أساتذته الألمان وعارفى لغتهم، لكن حالت عوائق تافهة دون طبع الكتاب، مع أن أبحاث هؤلاء المحدثين قد أفاضت على تلك الموضوعات ألوانًا من العناية العلمية، إن لم تخل من الاتهام فإنها لن تخلو من روح النقد والتمحيص، التي لا بد منها في تناول هذه الأبحاث .. وهي دراسات ضرورية لتناول التفسير كما أشرناء حتَّى ما ينبغي مطلقًا أن يتقدم لدرس التفسير من لم ينل حظه من تلك الدراسة القريبة الخاصة حول القرآن، ليستطيع فهمه فهمًا أدبيًا صحيحًا
стр. 2321
مسترشدًا بتلك الملابسات الهامة في فهم القرآن.
وأما ما حول القرآن من دراسة عامة، فهو ما يتصل بالبيئة المادية والمعنوية، التي ظهر فيها القرآن وعاش؛ وفيها جمع وكتب وقرئ وحفظ، وخاطب أهلها أول من خاطب، وإليهم ألقى رسالته لينهضوا بأدائها، وإبلاغها شعوب الدنيا. فروح القرآن عربية، ومزاجه عربي، وأسلوبه عربي، "قرآنا عربيا غير ذي عوج" .. والنفاذ إلى مقاصده إنما يقوم على التمثل الكامل، والاستشفاف التام لهذه الروح العربية، وذلك المزاج العربي، والذوق العربي (١) ومن هنا لزمت المعرفة الكاملة لهذه البيئة العربية المادية، أرضها بجبالها وحرارها وصحاريها وقيعانها، وسمائها بسحبها ونجومها، وأنوائها وجوها بحره وبرده وعواصفه وأنسامه، وطبيعتها بجدبها وخصبها، وقحولها أو نمائها، ونباتها وشجرها ... إلخ. فكل ما يتصل بتلك الحياة المادية العربية وسائل ضرورية لفهم هذا القرآن العربي المبين ... مع هذا ما يتصل بالبيئة المعنوية بكل ما تتسع له هذه الكلمة؛ من ماض سحيق، وتاريخ معروف، ونظام أسرة أو قبيلة، وحكومة في أي درجة كانت، وعقيدة بأى لون تلونت، وفنون مهما تتنوع، وأعمال مهما تختلف وتتشعب، فكل ما تقوم به الحياة الإنسانية لهذه العروبة، وسائل ضرورية كذلك لفهم هذا القرآن العربي المبين .. وإذا جهدت الدراسة الأدبية في أن تعرف عن تلك العربية والعروبة أكثر وأعمق وأدق ما يعرف تبتغى بذلك درس أدبها درسًا صحيحًا؛ فإن هذا القرآن رأس هذا الأدب، وقلبه الخافق، ولن يدرس درسًا أدبيًا صادقًا، يفى بحاجة المتعرض لتفسيره إلا بعد أن تستكمل كل وسائط تلك المعرفة للبيئة العربية مادية ومعنوية. أما ما دمنا نقرأ التشبيه العربي القرآنى، أو التمثيل العربي القرآنى، فإذا مادته الأضواء العربية، والظواهر الجوية العربية، والحى أو الجماد المشهود في بلاد العرب لا نعرف عنه شيئًا وليس
стр. 2322
عندنا عنه صورة خاصة، فما يحق لنا - مع هذا - أن نقول إننا نفسر هذا القرآن أو نمهد لفهمه فهمًا أدبيًا، يهيئ للانتفاع به في نواح أخرى، وما دمنا نذكر الحجر، والأحقاف، والأيكة، ومدين، ومواطن ثمود ومنازل عاد، ونحن لا نعرف عن هذه الأماكن إلا تلك الإشارات الشاردة، فما ينبغي أن نقول إننا فهمنا وصف القرآن لها ولأهلها، أو إننا أدركنا مراد القرآن من الحديث عنها وعنهم، ثم لن تكون العبرة بهذا الحديث جلية ولا الحكمة ولا الهداية المرجوة مفيدة مؤثرة! !
ولعله ليس بالكثير مطلقًا أن نطلب مثل تلك الدراسات المفصلة لبيئة القرآن الَّذي هو أحدث الكتب السماوية عهدًا، ولغتة التي بها نزل. لا تزال لغة حية تتكلمها مئات الملايين، وأدبها هو أدب غير واحدة من الأمم، تدعى لنفسها حق الحياة؛ ثم هي أصل كبير للهجات ولغات تقوم دراستها الصحيحة على دراسة هذه العربية ... ليس بالكثير في شيء أن نطلب هذه الدراسة لبيئة القرآن وهذه حالته؛ لأن الكتب الدينية الأخرى أقدم من القرآن بالقرون المتطاولة وبيئاتها قد عفت معالمها، ولغاتها قد تخلت عنها إذ خرجت من الحياة؛ ولكنا نجد ما في هذه الكتب الدينية جميعا من حي وجماد، وحادثة، وعلم، قد أفرد بالدراسة ووضعت له الكتب المطولة والمعاجم المستوفاة حتَّى ما يفوت شيء منها من يبتغى معرفته، وهذا كله إلى جانب الدراسات التاريخية والأدبية والدينية، والقانونية، والاجتماعية العميقة والمقارنة التي أصابتها تلك الكتب. ولا أتحدث عن الترجمات والنشرات، فتلك نواح أخرى ليست الآن موضع حديثنا، ولكن بها تعظم المأثمة في هذا التقصير الدراسى لكتاب هو أجل وأقدم، وأوثق ما عرفت العربية من آثارها الأدبية!
تلك إلمامه بما حول القرآن من دراسة، وهي في جملتها ترجع: إما إلى تحقيق النص وضبطه وبيان تاريخ حياته ... وإما إلى التعريف بالبيئة التي فيها ظهر، وعنها تحدث، وبين مغانيها ومعانيها تقلب ... وبعد استيفاء ذلك يكون التقدم إلى:
دراسة القرآن نفسه:
وهي تبدأ بالنظر في المفردات، والمتأدب يجب أن يقدر عند ذلك، تدرج
стр. 2323
دلالة الألفاظ، وتأثرها في هذا التدرج يتفاوت ما بين الأجيال وبفعل الظواهر النفسية والاجتماعية، وعوامل حضارة الأمة، وما إلى ذلك مما تعرضت له ألفاظ العربية في تلك الحركة الجياشة المتوثبة التي نمت بها الدول الإسلامية، والنهضة الدينية والسياسية والثقافية، التي خلفت هذا الميراث الكبير من الحضارة ... وقد تداولت هذه اللغة العربية في تلك النهضات أفواه أمم مختلفة الألوان والدماء والماضى والحاضر، فتهيأت من كل ذلك خطوات تدريجية فسيحة متباعدة في حياة ألفاظ اللغة العربية، حتَّى أصبح من الخطأ البين أن يعمد متأدب إلى فهم ألفاظ هذا النص القرآنى الأدبى الجليل، فهما لا يقوم على تقدير تام لهذا التدرج والتغير، الَّذي مس حياة الألفاظ ودلالتها، وعلى التنبه إلى أنَّه إنما يريد ليفهم هذه الألفاظ في الوقت الَّذي ظهرت فيه ولليت أول ما تليت على من حول قال ها الأول ﵇ (١) - وهذا هو أحد الاعتبارات الجوهرية التي تقف في وجه التفسير العلمي للقرآن على ما أشرنا إليه من قبل.
وإذا كان هذا هو الأصل الأول في فهم دلالة ألفاظ القرآن، فمن لنا به مع أن معاجمنا لا تسعف عليه ولا تعين.؟ فأكبر ما نملكه منها - وهو "لسان العرب" لابن منظور المصري - قد كتب على طريقة المقص والغراء، كما يقول العصريون، فتجاورت فيه نصوص تباعدت عصور أصحابها، فابن دريد في أوائل القرن الرابع الهجرى (٣٢١ هـ)، يجاور ابن الأثير في أوائل القرن السابع الهجرى (٦٠٦ هـ) وتمازج لغويات الأول دينيات الثاني .. والقاموس المحيط -كما نعرفه - عصارات غير ممتزجة لثقافات متغايرة متباينه، من فلسفية عقلية إلى طبية عملية، فأدبية لغوية، فدينية اعتقادية، أو غيرها .. معاجمنا لا تسعف على شيء من تحقيق هذا الأصل الثابت في تدرج الألفاظ ... فليس أمام مفسر القرآن حين يبتغى المعنى الأول لألفاظه إلا أن يقوم
стр. 2324
بعمل في ذلك، مهما يكن مؤقتًا وقاصرًا فإنه هو كل ما يمكن اليوم، وإلى أن نملك قاموسًا اشتقاقيًا تتدرج فيه دلالات الألفاظ، وتتمايز فيه المعاني اللغوية على ترتيبها، عن المعاني الاصطلاحية على ظهورها .. فلا معدى للمفسر من النظر في المادة اللغوية للفظ الَّذي يريد تفسيره، لينحى فيها المعاني اللغوية عن غيرها ثم ينظر في تدرج المعاني اللغوية للمادة نظرة ترتبها على الظن الغالب، فتقدم الأسبق الأقدم منها على السابق، حتَّى يطمئن - ما استطاع - إلى شيء في ذلك ينتهى منه إلى ترجيح معنى لغوى للكلمة، كان هو المعروف حين سمعتها العرب في آى الكتاب ... والمفسر في هذا التمييز والنظر مسلم - ما أمكن - بمحدث الدراسة في أنساب اللغات وصلة ما بينها، ليطمئن كذلك إلى أن الكلمة عربية أصيلة، أو هي دخيلة؛ وإن كانت فما بيئتها؟ وما معناها الأول؟ ... ثم هو محاذر كذلك من اندفاع معاجمنا في رد الكلمات إلى أصل عربي يشابهها في اللفظ، مع التكلف في الاشتقاق والربط ..
وإذا ما فرغ من البحث في معنى اللفظة اللغوي، انتقل بعده إلى معناها الاستعمالى في القرآن يتتبع ورودها فيه كله، لينظر في ذلك، فيخرج منه برأى عن استعمالها: هل كانت له وحدة اطردت في عصور القرآن المختلفة ومناسباته المتغيرة؛ وإن لم يكن الأمر كذلك، فما معانيها المتعددة التي استعملها فيها القرآن؟ وبذا يهتدى بمعناها أو معانيها اللغوية إلى معناها أو معانيها الاستعمالية في القرآن؛ وهو بما ينتهى إليه من كل أولئك يفسرها مطمئنًا في موضعها من الآية التي جاءت فيها.
وقد حاول الراغب الأصفهانى منذ قرابة ألف عام، أن يعطينا مفردات القرآن في قاموس خاص بها. وعانى فيها شبيها بما وصفنا أو بشئ من أصل فكرته، ولكنه لم يتم التعقب اللغوي، ولم يستوف التتبع القرآنى، وفاته مع ذلك كله فرق ما بين عصره وعصرنا في دراسة اللغات وصلاتها؛ إلا أنَّه في كل حال نواة تخجل من بعده، وبخاصة أهل هذا العصر الطموح، فيؤلمهم ألا يملكوا إلا هذا
стр. 2325
القاموس القرآنى الناقص بل البدائى. وبالتزام هذا المنهج الأدبى يرجى كمال هذا القاموس، وقواميس أخرى تتطلبها حياة القرآن، كتاب العربية الأعظم.
...
ثم بعد المفردات يكون نظر المفسر الأدبى في المركبات، وهو في ذلك - ولا مرية - مستعين بالعلوم الأدبية من نحو وبلاغة .. إلخ ولكن لا على أن الصنعة النحوية عمل مقصود لذاته؛ ولا لون يلون التفسير كما كان الحال قديمًا .. بل على أنها؟ ؟ أداة من أدوات بيان المعنى وتحديده؛ والنظر في اتفاق معاني القراءات المختلفة للآيات الواحدة، والتقاء الاستعمالات المتماثلة في القرآن كله .. ثم على أن النظرة البلاغية في هذه المركبات ليست هي تلك النظرة الوصفية التي تعنى بتطبيق اصطلاح بلاغى بعينه، وترجيح أن ما في الآية منه هو كذا لا كذا؛ أو إدراج الآية في قسم من الأقسام البلاغية دون قسم آخر! ! كلا، بل على أن النظرة البلاغية هي النظرة الأدبية الفنية التي تتمثل الجمال القولى في الأسلوب القرآنى، وتستبين معارف هذا الجمال، وتستجلى قسماته، في ذوق بارع قد استشف خصائص التراكيب العربية منضما إلى ذلك التأملات العميقة في التراكيب والأساليب القرآنية لمعرفة مزاياها الخاصة بها بين آثار العربية، بل لمعرفة فنون القول القرآنى وموضوعاته فنًا فنًا، وموضوعًا موضوعًا، معرفة تبين خصائص القرآن في كل فن منها ومزاياها التي تجلو جماله.
ولئن كان مثل هذا مما يطلب أو يوصف في قليل من الجمل أو الأسطر، فإن تحقيقه ليس بهذه السهولة والقرب، وإنما يقوم على إصلاح أدبى بلاغى أحسب أن الحياة الأدبية اليوم تحاوله، وهي بالغة منه إن شاء الله مبلغًا حسنًا، ومستفيدة به في التفسير الأدبى للقرآن، كما تستفيد هذه المحاولة الإصلاحية نفسها بمزاولتها للتفسير القرآنى، وإذا أوفى بنا القول على هذا الإصلاح الأدبى فإنا نشير إلى ما تنبغى مراعاته من:
التفسير النفسى: لأن ما استقر من تقدير صلة البلاغة بعلم النفس (١) قد
стр. 2326
مهد السبيل إلى القول بالاعجاز النفسى للقرآن، كما كشف عن وجه الحاجة إلى تفسير نفسانى للقرآن يقوم على الإحاطة المستطاعة، بما عرف العلم من أسرار حركات النفس البشرية في الميادين التي تناولتها دعاوة القرآن الدينية، وجدله الاعتقادى، ورياضته للوجدانات والقلوب، واستلاله لقديم ما اطمانت إليه، وتوارثته عن الأسلاف والأجيال، وتزيينها بما دعا إليه من إيمان، ينقض مبرم هذا القديم، ويهدم أصوله .. وكيف تلطف القرآن لذلك كله، وماذا استخدم من حقائق نفسية، في هذه المطالب الوجدانية، والمرامى القلبية، وماذا أجدت رعاية ذلك كله، في إنجاح الدعوة، واعلاء الكلمة. فالتفسير النفسى، يقوم على أساس وطيد من صلة الفن القولى بالنفس الإنسانية، وأن الفنون على اختلافها - ومن بينها الأدب - ليست إلا ترجمة لما تجده النفس ... وقد ألممنا بذلك في مكانه من الدراسة البلاغية الفنية، ولا نقول الآن أكثر من أن اللمحة النفسية في المعنى القرآنى، ربما تكون أحسم لخلاف بعيد الغور، كثير الشعب بين المفسرين، قد تأثلوا له البراهين النظرية والأقيسة المنطقية، وتلاقوا فيه بصنوف الأعاريب، ومعقد الصناعة النحوية البعيدة عن روح الفن، أو بالمحاولات البيانية الجافة، إلى النظرات السوفسطائية المسفة؛ وانظر على سبيل المثال تفسير الآيات ١٩٣ - ١٩٥ من سورة الشعراء في الفخر الرازي ٦: ٥٤١ - ٥٤٣ بولاق - وقابلة بتفسير الزمخشرى لهذه الآيات - كشاف ٢: ١٣٢ ط بولاق - ترى الفرق بين الصنيعين، وكيف كانت نظرة الزمخشرى النفسية فيصلا حاسما في الموضع ... فالملاحظة النفسية حين تعلل نسج الآية وصياغتها، وتعرف بجو الآية وعالمها، ترفع المعنى الَّذي يفهم منها إلى أُفق باهر السناء. وبدون هذه الملاحظة يرتد المعنى ضئيلًا ساذجًا، لا تكاد النفس تطمئن إليه، ولا هو خليق بأن يكون من مقاصد القرآن.
والحديث عن التفسير النفسى يذكرنا بما عرض له الأستاذ الإمام -
стр. 2327
روح الله روحه - من صلة بين التفسير وعلم الاجتماع: فقد ذكر (١) بيان علم أحوال البشر مما لا يتم التفسير إلا به، وأنه لا بد للناظر في الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم، ومناشئ اختلاف أحوالهم من قوة وضعف، وعز وذل، وعلم وجهل، وإيمان وكفر" .. وهذا هو ما جعلنا نفهم من قوله أنَّه يريد علم الاجتماع؛ وإن لم يسمه .. ولكنه عقب على ذلك بقوله .. "ومن العلم بأحوال العالم الكبير، علويه وسفليه، ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة، من أهمها التاريخ بأنواعه". وعلى كل حال فنحن إنما أعنينا بما يقوم به الفهم الأدبى للقرآن، وهو الفهم الَّذي يتقدم كل استفاده منه .. ثم تتلوه بعد ذلك المطالب الأخرى من هداية الخلق، أو إصلاح حالهم أو التشريع لهم .. فكل هذا يجب أن يقوم على أساس وطيد من الدرس الأدبى الَّذي أسلفنا وصفه العام، فيتصل بالخبرة النفسية كما ذكرنا، وقد تتصل المطالب الأخرى بعد ذلك بعلم الاجتماع أو غيره.
...
وبعد فقد وصفت الَّذي وصفته من منهج التفسير الأدبى ومطالبه الجليلة، وأنا ذاكر مالا أنساه أبدًا كلما شرحت المنهج الدقيق لدراسة أدبية أو غيرها، فأقول للمستكثرين: مهما يكن لهذه المطالب من أثر يثقل خطانا ويؤخر أثمار دراستنا، ويشعرنا بالنقص، ويعود علينا باللائمة فإن هذه هي الحقيقة، وهذا هو الواجب، وأولى لنا أن نؤثر تقرير هذه الحقيقة على أن نكذب على أنفسنا وعلى الأجيال. فنزعم الكفاية الكاملة والقدرة الموفورة. ولئن لم يكن لنا من الكمال إلا الشعور بالنقص فذلك أجمل بنا من التزيد الزائف .. وليس الَّذي نبغيه من هذا المنهج مستحيلًا ولا بعيد التحقق؛ فقد شعر أسلافنا بجملته، وقاموا ببعضه للقرآن، ثم قام المحدثون به كله لكتبهم الأدبية والدينية، ولن نكون نحن بين هؤلاء وأولئك الضائعين العاجزين! !
وأخيرًا ... هذا المقال - في أكثره - إنجاز مركز، وإجمال لامح، يغرى ذوي الشأن في التفسير بآفاق فسيحة من الدرس والبحث. وما على إذا لم يجد كل قارئ فيه حاجته" .. ليس هنا مجال الاستيفاء.
أمين الخولى
стр. 2328
المصادر:
[بعد ما أشير إليه في الهوامش]
أمين الخولى:
١ - مدخل لدرس التفسير؛ وبيان المنهج الجامعى فيه - دراسات في كلية الآداب - خط.
٢ - دراسات لبعض موضوعات القرآن كقصصه، وأمثاله، وتشبيهه ... إلخ، في كلية الآداب - خط.
٣ - أخلاق القرآن - ومن هدى القرآن ... بضعة وخمسون حديثًا، في لون من التفسير النفسى والاجتماعى، مستمد من الحس اللغوي، والجو الأدبى للقرآن أولًا ... طبعت منه مجلة الراديو المصري بضع عشرة قطعة في خلال ١٩٤١ - ١٩٤٢.
التفضيل
" التفضيل": مصدر الفعل المضعف "فَضّل" ومعناه لغة الميز أو الزيادة أو التبقى. واسم التفضيل في النحو هو "اشتراك شيئين في صفة وزيادة أحدهما على الآخر فيها" ويعرف أيضًا، "أفعل التفضيل" لأن القياس جرى على أن يكون على وزن أفعل.
المصادر:
(١) المعاجم العربية المعتمدة.
(٢) A Grammar: Wright - de Geoje of the Arbic Language كمبردج سنة ١٨٩٦ - ١٨٩٨ ج ١، ص ١٤٠ - ١٤١.
(٣) de Sacy Cf: Grnmmnire Arabe باريس سنة ١٨٣١.
[هيك J.W. Haig]
التقليد
" التقليد": لغة "جعل شيء في العنق أو في المنكبين"، وله في الاصطلاح ثلاثة معان:
١ - التقليد عادة نشأت بين العرب أيام جاهليتهم وبقيت في شعائر الإسلام القديمة وفي الفقه، وهي جعل أشياء بعينها في رقاب الهدى التي يضحى بها في حرم مكة (تسمى قلادة
стр. 2329
والجمع قلائد). وذكر القرآن (سورة المائدة، الآية ٢، ٩٧) القلائد والهدى من بين مناسك الحج التي شرعها الله. والغرض من التقليد والإشعار تمييز الحيوان الَّذي يضحى به في الحرم وإكسابه ضربًا من الإحرام يظن أنَّه شبيه بإحرام الحجيج. وقريب من هذه الشعيرة، وإن لم يكن عينها، ما جرى عليه الحجاج من التقلد هم وخيلهم بلحاء بعض أشجار الحرم في رجوعهم من الحج، ويسمى هذا اللحاء أيضًا قلادة (١) وثمت رواية شاذة عنها تذهب مذهبًا ينافى العقل فتقول إن التقليد يكون من وقت الخروج إلى الحج وتجعل الشَعْر قلادة وقت الرجوع منه (٢) وما زالت هذه العادة باقية في شعائر الإسلام، ولكن الفقهاء درجوا على معارضتها وإغفالها. وقلادة الهدى على النقيض من ذلك، فهي نعل الحاج أو نعلاه أو قطعة من الأدم إذا أعوزه النعل. وتشترك البَدنَة وعليها الشعار في أهم مناسك الحج، فتقيم مع الحاج في عرفة ثم تذبح في منى. وقد ورد ذلك تفصيلا في حديث عن النبي [ ﷺ ] ولا يبعد أن يكون محمد [ ﷺ ] فعل ذلك (٣)، على أن هذا الحديث والأحاديث التي سنذكرها ليست في الأكثر سوى شواهد على شعائر الإسلام في أول عهده. وفي صدر الإسلام اختلف المسلمون في شأن الرجل يبعث بهدية مقلد، إلى مكة ويقعد هو عن الحج، ولعل ذلك من شعائر الإسلام خاصة، وكان العرب يجهلونه أيام وثنيتهم. وهناك أحاديث غلب عليها الاحتجاج بسنّة النبي [ ﷺ ] تفرض على من يبعث بهديه الإحرام من وقت أن يقلده أو يوصى بتقليدها إلى أن تذبح. وهناك طائفة أخرى أكثر من هذه تذهب إلى أن
стр. 2330
النبي لم يحرم في هذه الحالة. وفي بعض أحاديث الطائفة الثانية ميل ظاهر إلى التناظر. ومن هنا اشتد الحديث (١) الَّذي أورده البخاري (كتاب الأضاحي، باب ١٥) في إنكار هذا الإحرام، وهو حديث ظاهر الهوى) (٢). وجلى أن ورود هذه الشعيرة في نص الحديث يثبت وجودها.
ثم إن هناك حديثًا توسط بين الأمرين فترك الخيار في الإحرام لمن يبعث بهديه (النسائي: كتاب الحج، باب ٧٠) ولما اكتمل الفقه ضاق بهذا الإحرام وأهمله (اكتفى الشافعي بإنكاره في كتاب الأم، ج ٢، ص ١٨٣، ولم يقم بأمر تفنيده) ولا شك في أن المسلمين نبذوه من عهد قريب. وإذا خلينا عبد الله بن عباس - وهو إمام القائلين بهذا الإحرام بيان لم يدعم ذلك سند تاريخي - وعمر وعليًا وقد ذكرا في هذا المقام خطأ، وعبد الله بن عمر الَّذي استشهد به في تأييد الرأى المناهض، فإن القول بالإحرام في هذه الحال لم ينسب إلا لقيس بن سعد بن عبادة وإبراهيم النخعي وعطاء ومحمد ابن سيرين: أما الإشارات العارضة إلى غيرهم فلا يعول عليها كثيرًا (٣)
стр. 2331
وقد يسر سعيد بن المسيب الإحرام تيسيرًا كبيرًا وإن كان قد أبقى على ركن من أركانه، فمنع الجماع في ليلة الجمعة (١). ومن الشواهد الأخرى على الصلة الوثيقة بين الإحرام والتقليد ما روى عن سفيان الثوري وأحمد بن حنبل واسحق وغيرهم من أن الحاج إلى مكة يصبح محرمًا بالتقليد وحده، وما قيل من أن قيام الحاج بالتقليد يوجب عليه الإحرإم وهو رأى قريب من الرأى الأول. ويذهب أنس بن مالك إلى أن الحاج إلى مكة لا يستحب له على الأقل أن يفصل بين التقليد والإحرام. ويستحب في الفقه جعل القلادة (نعلان أو نعل واحد أو قطعة من الأدم) في أعناق الإبل والبقر. ويقول الشافعية والحنابلة وأبو ثور وداود إن ذلك مستحب أيضًا إذا كانت البدن أصغر من الإبل والبقر، ومن الأحناف والمالكية من لا يجيز ذلك، ويحرم هؤلاء تحريمًا باتًا اتخاذ الهدى من البدن الصغيرة. وإذا ما ذبحت البدنة غمست قلادتها في دمها.
وانصرف الحجاج عن جلب الهدى من ديارهم وأقيمت لها سوق في منى فأهمل التقليد.
ونختتم ذلك فنقول بأنه جاء في حديث أن تقليد الابل بالأوتار (تسمى أيضًا قلائد) يدفع عنها العين خصوصًا إذا تدلى منها ناقوس (٢).
стр. 2332
المصادر:
(١) Arab - Engl, Lexicon: Lane، مادة قلد.
(٢) الأحاديث؛ Handbook: Wensinck مادة الأضاحي.
(٣) مالك بن أنس، الموطأ في طبعتيه.
(٤) الزرقانى: شرحه على الموطأ.
(٥) الطحاوي: شرح معاني الآثار، طبعة حجرية ١٣٠٠ هـ، ج ١، ص ٤٣٩.
(٦) كتب الفقه.
(٧) Gaudefroy - Demombynes: - Le. Pe d La Mekke , lerinage ص ٢٧٩ - ٢٨٥، وفيه دراسة وافية جدًّا للتقليد في الجاهلية والإسلام وإن كانت تختلف في بعض المسائل الصغيرة عما جاء في هذه المادة.
٢ - التقليد التولية في منصب من مناصب الجيش ويكون بإلباس المقلد السيف. ومنه تقليد الولاة الأعمال، ويدخل في ذلك القضاء.
المصادر:
(١) Arab - Engl. Lexicon: Lane, مادة قلد.
(٢) of Tech-: Sprenger Dictionary , lnclica Terms (Bibliotheca , nical ص
٣ - ثم إن التقليد قبول قول الغير في مسائل الدين بلا دليل. واتباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل معتقد، للحقيقة فيه من غير نظر وتأمل في الدليل (والقول بأن الاستعمال الاصطلاحى مأخوذ من القلادة خطأ) والتقليد بهذا المعنى ضد الاجتهاد. وقد نشأ في الزمن الَّذي تكونت فيه المذاهب، وبعض الفضل في نشأة هذه المذاهب راجع على الأقل إلى اتباع أكابر الفقهاء خاصة. ويستعمل الشافعي (الرسالة، ص ٨، س ١٨) (١) لفظ التقليد بمعنى
стр. 2333
قريب جدًّا من معناه الاصطلاحى المتأخر، على أن الطحاوي ظل يتبع التقليد في نقد الأحاديث أو في استنباط أحكام الفقه منها. وإذا تحدد الرأى في المجتهد واكتمل الاعتقاد بتوقف الاجتهاد بالاطلاق منذ القرن الثالث، والاجتهاد بأنواعه الأخرى بعد ذلك بزمن يتفاوت طولا وقصرًا بالنسبة إلى كل نوع، التزم كافة العلماء والعامة بتقليد غيرهم من المتقدمين ويذهب جمهور أهل السنة إلى أن كل شخص ملزم كما كان منذ قرون بما قرره سلفه مسنده، ولا يحق لأحد بعد أن يعد نفسه أهلا لتقرير حكم برأيه في الفقه من غير أن يرجع إلى حكم من سبقه من المجتهدين.
ويقال في الدفاع عن هذا الالتزام بالتقليد أن فقهاء القرون الأولى للإسلام هم وحدهم الذين رزقوا نظرًا ودراية تؤهلانهم لاستنباط أحكام الفقه من أصوله والقول برأى خاص بهم فيها وأن غيرهم من أهل القرون التالية يعجزون عن ذلك عجزًا كبيرًا، وليس هذا القول إلا منحى من مناحى في التاريخ الفلسفى للإسلام على مذهب أهل السنة.
وقد كان للتقليد أثر في تعزيز الخلاف بين المذاهب، ولكنه لم يكن السبب في خمود الحافز إلى التوسع في الفقه في الأزمنة المتأخرة.
وبينما يجمع الجمهور على أن العامى ملزم بالتقليد كالفقيه، إذ يلتزم الفقيه أحيانًا بتبين صحة اجتهاد المجتهد بدليله. وإذا تعدد المجتهدون، وهو الغالب، فللمقلد أن يقلد من يختار (مادام لم يخرج بطبيعة الحال على الإجماع، أي لا يختار اجتهادًا لم يقره الإجماع. ووجوب التقليد قائم أيضًا على الإجماع) وعن أحمد بن حنبل وابن شريح أنَّه يجب عليه النظر في الأرجح فيها واتباعه (والواقع أن هذا الخلاف محصور في الاصطلاح) وللمقلد من الوجهة النظرية أن يختار اجتهادًا جديدًا كلما عرضت له مسألة من المسائل، ولكن المتبع أن
стр. 2334
يلتزم مذهبًا من المذاهب الأربعة المقررة (١).
وثمت طائفة لا بأس بها من المسائل يرجع فيها من مذهب إلى آخر (Vorlesungen ueber den Islam: Goldziher, ص ٢٥؛ الطبعة الثانية، ص ٤٨ - ٥٠) واختلفت الآراء في شأن هذا الرجوع وفي جوازه من الناحية النظرية Handleiding: Juynboll) الطبعة الثالثة، ص ٢٢). وكثيرًا ما يحدث أن تعرض مسألة ويتبع فيها أحكام مذهب آخر أصلح من غيرها من الأحكام. وتشير كتب الفقه نفسها أحيانا بجواز التقليد في هذه الحالة ولكن يشترط أن تنظر المسألة إلى غايتها طبقًا لأحكام المذهب الملتزم.
كل هذا جائز في التقليد في مسائل الفقه. أما في العقليات كمسائل الأصول فإن لدنيا رأيًا ثالثًا إلى جانب الرأيين القائلين بوجوبه وجوازه، وهذا الرأى لا يجيزه لأن هذه المسائل تقتضي العلم، ولا يحصل العلم بالتقليد وحده. وكان الأشاعرة هم الذين أذاعوا هذا الرأى المعتزلى في
стр. 2335
الإسلام (Vorlesungen: Goldziher ص ١٢٣، ١٣٦، تعليق الطبعة الثانية، ص ١٢١ وما بعدها، ٣٢٧ , تعليق ٧٢).
ولم يتقرر التقليد الفقهى عند أهل السنة من غير معارضة. وحتى الأجيال المتأخرة كان فيها علماء يرون ألا يخلو وقت من مجتهد مثل ابن دقيق العيد المتوفى عام ٧٠٢ هـ (١٣٠٢ م) أو السيوطي المتوفى عام ٩١١ هـ (١٥٠٥ م) وبعضهم يزعم لنفسه الاجتهاد المطلق مثل الجويني المتوفى عام ٤٧٨ هـ (١٠٨٥ م) والسيوطى، وبلغ الأمر ببعضهم أن قالوا بوجوب الاجتهاد على الفقهاء المتأخرين وذموا التقليد مثل داود بن علي وابن حزم وغيرهما من ثقات الظاهرية، وبعض الحنابلة مثل ابن تيمية وابن قيم الجوزية اللذين كانا من متشددى أهل السنة. وينكر الوهابية، وأولهم إمامهم ابن عبد الوهاب، التقليد، وترد آراؤهم إلى الحنابلة (انظر مؤلفات الحنابلة ورسائلهم التي يدعون فيها إلى مذهبهم المطبوعة في مطبعة المنار بالقاهرة، وانظر أيضًا رسالة الشوكانى "القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد") وكما أنكر الحنابلة التقليد أنكره أشد معارضيهم وهم المجددون في الإسلام.
والحق إن الحنابلة هم الذين مهدوا الطريق لهم. وقد التمس أولئك المجددون اجتهادًا جديدًا عملوا به، وهو يفوق كثيرًا أسمح اجتهاد بلغه تقدم الفقه في العهد الأول بالنظر إلى تحرره من القيود (انظر: Die Krisis des Islam Hartmann, وما كتبه المجددون على اختلافهم، وقد ذكرنا أهم آرائهم) ورفض الإباضية التقليد لأسباب تشبه أسباب الحنابلة الوهابية ثم إن الشيعة أنكروا مذهب التقليد السنى. ويقول الإثنا عشرية بوجود مجتهدين في غيبة الإمام المستتر يقومون بهداية المؤمنين، وهم لا يجوزون تقليد الميت لأن لهؤلاء المجتهدين في كل وقت أئمة أحياء يأتمون بهم في مسائل الدين.
المصادر:
غير ما ذكرنا في صلب المادة.
(١) Arab Engl. Lexicon: Lane مادة قلد.
(٢) Dixtionary of the: Sprenger Technical Terms. المكتبة الهندية، ص ١١٧٨، ولا يعتمد عليه كل الاعتماد وانظر عن المصطلح.
(١) كتب الأصول.
(٢) Handleiding: Juynboll الطبعة الثالثة، ص ٣٣ وما بعدها، تعليق ١٣.
(٣) Snouck - Hurgronje Verspreide: Geschriften, ج ٢.
[شاخت J. Schacht]
стр. 2336
التقية
" التقية": لغة الحذر والخوف (انظر حواشى الطبري، مادة "تقية") أو الكتمان. واصطلاحًا: ترك فرائض الدين في حالة الإكراه أو التهديد بالإيذاء (١).
وفي مسائل العقائد لم يتقرر حكم عام في هذه المسألة، وحتى الفرق لم تقطع فيها برأى. أما المسائل الصغرى التي فصلت تفصيلًا فهي: هل التقية رخصة أو فرض، وهل هي جائزة لمصلحة الفرد أولمصلحة الجماعة.
ولم ينكر غلاة الخوارج أنفسهم التقية، وإن كان الازارقة قد غلب عليهم الاستشهاد في موضوع صلاة الخوف، وهي مسألة قريبة من التقية، بالرجل يحرم عليه أن يقطع صلاته حتَّى ولو سرق سارق فرسه أو ماله أثناء تأديته لها. وقد بذل القدماء النصيحة فقالوا: "قد وسع الله على المؤمنين بالتقية فاستتر" (٢). وجرى الإباضية على شريعة أن التقية ستر للمؤمن وأن من لا تقية له لا دين له (٣) (جميل بن خميس: قاموس الشريعة ج ١٣، ص ١٢٧ وما بعدها).
стр. 2337
ولم يكن للتقية هذا الشأن الخطير عند أئمة أهل السنة. على أن الطبري روى في تفسير الآية ١٠٦ من سورة النحل (التفسير، بولاق سنة ١٣٢٣. وما بعدها؛ ج ٤، ص ١٢٢) أن "من أكره [على الكفر] فتكلم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو من عدوه فلا حرج عليه لأن الله سبحانه انما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم". والإجماع أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر.
وتقصّى مسألة الهجرة في هذا المقام أدخل في باب النظر. ففي بعض الأحوال - كحالة الخوف من القتل - يجوز للمسلم الهجرة إذا وقع في محل لا يستطيع فيه إظهار دينه، "فإن أرض الله واسعة". أما النساء والصبيان والمرضى ومن حقت عليه رعايتهم فإنه يجوز لهم الموافقة، ولا تقبل التقية أو الهجرة من غير هؤلاء إذا كانت المشقة التي تلحقهم محتملة، كالحبس الموقوت والضرب الَّذي لا يفضى إلى الهلاك. على أن النزوع إلى القول بأن التقية ليست في الأكثر إلا شيئًا جائزًا وأنها ليست واجبة في جميع الأحوال -كما يذهب بعض اهل السنة استنادًا إلى الآية ١٩١ من سورة البقرة - قد أدى إلى وضع أحاديث في التحذير منها مثل "رأس الفعل المداراة". (١) وسيقت قصة الرجلين اللذين أخذهما مسيلمة لاثبات فضل الاستشهاد على الصدق، فقد أكره أحدهما فأنكر أن محمدًا
стр. 2338
رسول الله وقتل الآخر دون ذلك. وزعموا أن النبي [ ﷺ ] قال: "أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضله فهنيئًا له، وأما الآخر فقد رخصه الله تعالى فلا تبعة عليه".
وللتقية شأن خاص عند الشيعة، وهي في الحقيقة صفتهم المميزة، إلا أن هذا القول لا يطابق الواقع دائمًا كما يستفاد من ردود نصير الدين الطوسى في "تلخيص المحصل" على الرازي (راجع ذيل كتاب الرازي "محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين" القاهرة سنة ١٣٢٣ هـ، ص ١٨٢, تعليق ١). وقد كتب على الشيعة خاصة أن يكونوا فئة قليلة مضطهدة تجاهر مضطهديها بالعداء أحيانا فلا تخلو فعالها من بطولة، وآتاها هذا المصير ما لم يوات الخوارج من الأسباب والأمثلة على الغلو في التقية حينا والاشتداد في إنكارها حينًا آخر، وحتى الاسماعيلية - الذين لا يشق لهم غبار في اخفاء عقائدهم - قد تحدوا أئمتهم فقالوا: "ليس إماما من قعد عن السعي إلى حقه وتحت إمرته أربعون رجلًا" (١). أما الزيدية فيقولون إنه لا يحل الإمام من التقية إلا إذا كان أعوانه في مكل عدد أهل بدر. وقد نقل أهل السنة من كتب الشيعة أنفسهم أقوالًا آخذهم عليها جمهور السنيين وجادلوهم فيها، ذلك أنهم ذكروا في هذه الكتب أنَّه لا تحل لهم التقية بوصفهم أنصار الشهداء المجاهدين، في حين أن الاثنى عشرية خاصة يظهرون الأئمة بمظهر القادة: يضربون الأمثلة للناس فيدفعونهم إلى الإقدام، ويتمثلون في الوقت نفسه بموقف على من الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه وبغيبة المهدي، ويزعمون أن ذلك هو التقية المثلى. والإيمان يكون بالقلب واللسان واليد. وهم يقلبون هذه المسألة على وجوهها ويفصلونها تفصيلًا تتجلى فيه القدرة الفائقة على الجدل، فيزنون المكاره التي تصيب المؤمنين والبلاء الَّذي يتوقعونه، ومتى يجوز لهم فعل ما يرضى عنه الله وترك ما يغضبه. والإيمان بالقلب واجب مطلق. فلو غلب على ظن المؤمن أو أيقن بتوجه الضرر إليه أو إلى ماله أو إلى أحد من المسلمين سقط وجوب الإنكار باليد أو باللسان.
стр. 2339
والاستتار سمة مألوفة في سير الشيعة، وقد خبرنا أيضًا أن الإمام يخالف الشرع فيشرب الخمر مثلًا إذا أُكره عليه، وهم لا يجوزون له ذلك في جميع الأحوال. على أن الشيعة يؤمنون برسالة محمد [ ﷺ ]، ويقولون كما يقول اهل السنة بأن النبي لا يصطنع التقية في أمر رسالته، لأنه لو فعل هذا لارتاب المؤمنون في كلام الله. وقد استتبع هذين المثلين المتقابلين هي الإمامة أننا وجدنا في السنن الأخلاقية للعامة من أتقياء الشيعة قول على: "علامة الإيمان إيثارك الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك" جنبًا إلى جنب مع تفسير الآية ١٣ من سورة الحجرات ٥ "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" بأكثركم تقية. ويقول الشيعة أيضًا: "الكتمان جهادنا" ولكن ينبغي ألا يغيب عن الذهن عند قراءة أبواب الجهاد أنه جهاد أصحاب المذاهب الأخرى من المسلمين أولًا وقبل كل شيء. وكذلك لا يفوتنا أن تقية الشيعة ليست غاية يقصد إليها المرء مختارًا (الخوانساري: روضات الجنات، طهران سنة ١٣٠٦ هـ، ج ٤، ص ٦٦ وما بعدها) وإنما يجب عليه تجنب الاستشهاد الَّذي لا داعى له ولا منفعة فيه، وأن يبقى على حياته لخير العقيدة ومصلحة المسلمين.
ثم أن التقية تقوم على النية، ومن ثم نجدهم دائمًا يشيرون إلى النية في هذا المقام. والشهادة بوصفها من الفرائض لا تقوم بصحة الجهر بها، وإنما تقوم بالنية ومن هنا لا يحاسب المسلم إلا على نيته إذا أكره على الكفر بلسانه أو التعبد مع الكفار. ولا يمكن أن تمس التقية إلا حق الله. فهو يعاقب المكرِه ولا ينزل بالمكرَه إلا عقابًا رحيمًا في بعض الأحوال. على أن الحيل التي تصطنع في هذا المقام وبخاصة في الأيمان المعلقة يهيئ للمرء أسباب الإضرار بالناس.
ويكتنف التقية شرور خلقية لا يستهان بها، على أننا نجد للتقية نظائر في الأديان الأخرى وعند الصوفية أنفسهم. أما المسألة الخلقية وهي: هل هذا الإكراه على الكذب يعد
стр. 2340
أم ذلك كذبا، وهذا الإكراه على إنكار العقيدة إنكارًا فلا تعرض للمستتر قط، لأنه ليس في حالة اطمئنان يفسدها الكذب أو الإنكار.
المصادر:
(١) Zeitschr. Deutsch. Morg .. : Goldziher . Gesells، ج ٦٠، سنة ١٩٠٦، ص ٢١٣ - ٢٢٦، وقد أشار الكاتب إلى مراجع أخرى.
عند أهل السنة:
(١) البخاري: كتاب الإكراه
(٢) القدوري: مختصر، كاسان سنة ١٨٨٠، ص ١٦٢.
(٣) النووي: منهاج الطالبين، طبعة فإن دن برج، باتافيا سنة ١٨٨٢ - ١٨٨٤ - ، ج ٢، ص ٤٣٣.
عند الخوارج:
(١) البسيوى: مختصر، زنجبار سنة ١١٣٠٤ هـ، ص ١٢٣.
(٢) جميل بن خميس: قاموس الشريعة، زنجبار سنة ١٢٩٧ - ١٣٠٤ هـ، ج ١٣، ص ١٢٧، وما بعدها، ص ١٥٧.
عند الزيدية:
(١) انظر فهرس المخطوطات ببرلين رقم ٩٦٦٥، ورقة ١٣٥، ورقم ٤٨٧٨، وررقة ٩٦ ب.
(٢) komst oan: C. Van Arendonk in Yemen het Zaidietische Imamaat ليدن سنة ١٩١٩, الفهرس
(٣) Das Staatsrecht: R. Strothmann der Zaaidit، ستراسبورغ سنة ١٩١٢، ص ٩٠ وما بعدها.
عند الإمامية:
(١) جعفر بن حسين الحلِّى: شرائع الإسلام، سانت بطرسبرغ سنة ١٨٦٢، ص ١٤٩ وما بعدها.
(٢) ابن المطهر العلامة الحلِّى: مختلف الشيعة، طهران سنة ١٣٢٣ هـ وما بعدها، ج ٢، ص ١٥٨ وما بعدها
(٣) IsL .. Horovitz ج ٣، ص ٦٣ - ٦٧.
عند الدروز:
(١) مخطوط ببرلين رقم ٨١٤ /. M. g (لم يرد في فهرس آلورت Ahlwardt) ورقة ١١ ب
стр. 2341
(٢) ابن حزم: الفصل في الملل والنحل، القاهرة سنة ١٣١٧ هـ ج ٣، ص ١١٢ وما بعدها ج ٤، ص ٦
(٣) الشعرانى: ميزان الاعتدال Bal- Musulmane ance de la loi - طبعة Perron الجزائر سنة ١٨٩٨، ص ٤٥٦ وما بعدها.
وقد ألم بالتقيه إلمامًا حديثًا محمود شكرى الآلوسى: مختصر التحفة الأثنى عشرية، بغداد سنة ١٣٠١ هـ, ص ١٨٨.
[شتروتمان R. Strothmann]
تعليق على مادة "التقية "
قال الله تعالى في الآية ٢٨ من سورة آل عمران: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. فهذه الكلمة "تقية" رسمت هكذا في المصحف، فقرأها ثلاثة عشر من القراء الأربعة عشر "تُقَاةً" بضم التاء وفتح القاف وبعدها ألف، وقرأها ابن عباس ومجاهد وأبو رجاء وقتادة والضحاك وأبو حيوة وسهل وحميد بن قيس والمفضل عن عاصم ويعقوب أحد القراء الأربعة عشر "تَقِيَّة" بفتح التاء وكسر القاف وتشديد الياء المفتوحة. وكلاهما مصدر فعل "اتَّقَى". فتقاة أصلها "وُقَيَة" أبدلت الواو تاء كما أبدلوها في تُجاه وتُكاة، وانقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهو مصدر على "فُعلة"، كالتُؤدة والتخمة، والمصدر على "فُعَل"، "وفعلة" جاء قليلًا. و"تقية" مصدر على وزن "فعيلة"، وهو قليل، نحو النميمة، وكونه من "افتعل" نادر. هذا تصريف الكلمة على القراءتين، كما قرره أبو حيان في تفسير البحر المحيط ج ٢ ص ٤٢٤. فهذه الآية والآية الأخرى ﴿إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾ هما اللتان اتخذ منهما القائلون بالتقية أصل قولهم، ثم غلا أتباعهم في معناهما حتَّى أخرجوهما أو كادوا يخرجونهما عن أصل معناهما، وقد بين أئمة العلماء المراد في هذا المعنى، فقال أصحاب أبي حنيفة: التقية رخصة من الله تعالى، وتركها أفضل، فلو أكره على الكفر فلم
стр. 2342
يفعل حتَّى قلو فهو أفضل ممن أظهر، وكذلك كل أمر فيه إعزاز للدين، فالإقدام عليه حتَّى يقتل أفضل من الأخذ بالرخصة. وقال أحمد بن حنبل وقد قيل له: أن عرضت على السيف تجيب؟ قال: لا، وقال: إذا أجاب العالم تقية والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق؟ والذي نقل إلينا خلفًا عن سلف أن الصحابة وتابعيهم وتابعى تابعيهم بذلوا أنفسهم في ذات الله، وأنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا سطوة جبار ظالم، وقال الرازي: إنما تجوز التقية فيما يتعلق بإظهار الحق والدين، وأما ما يرجع ضرره إلى الغير - كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين - فغير جائز البتة. فالظاهر من أقوال العلماء التي سقنا وغيرها مما امتلأت به الدواوين أن التقية إنما تجوز عند الضرورة القصوى للمستضعف الَّذي يخشى على نفسه الفتنة، أن يجيب مكرهيه إلى ظاهر اللفظ مضطرًا على أن يطمئن قلبه بالايمان والحق، ينظر في ذلك إلى حفظ حياته ومصلحة المسلمين، وعلى أن لا يكون ممن يقتدى به، فيخشى أن يخفى الحق على الجاهلين، وأن يضعف إيمانهم ويحجموا عن نصر حقهم، اقتداء بمن أجاب عند الإكراه تقية، وهم غافلون. وهذا هو الَّذي أضعف المسلمين في القرون الأخيرة: أن أحجم علماؤهم وزعماؤهم وقادتهم عن الضرب على أيدى الظالمين وعن كلمة الحق في مواطن الصدق، فتهافت الناس وضعفت قلوبهم، وملئوا رعبًا من عدوهم، فكانوا لاغناء لهم، وكانوا غثاء كغثاء السيل. ولم يكن كذلك سلفهم الصالح كانوا يتعرضون لصنوف البلاء، وأشد الإيذاء، في سبيل الله. ثم لا يجبنون ولاينكصون، وسيرة رسول الله وأصحابه، ثم تاريخ الإسلام أكبر شاهد لما نقول، أما ما نسب إلى الشيعة الإمامية، من الغلو في التقية، فما نظن كله صحيحًا، بل لعل اأثره مما عرى المسلمين من الضعف في القرون الأخيرة، وبعضه مما لقى متقدموهم من شدائد قد يضعف عن حملها بعضهم. ومن أقدم أقوال أئمتهم في ذلك قول الشريف الرضى، الإمام العالم الشاعر البليغ، (المتوفى سنة ٤٠٦) في كتاب
стр. 2343
حقائق التأويل طبعة النجف سنة ١٣٥٥، ج ٥، ص ٧٤ - ٧٥. "وقال بعضهم: معنى ذلك أن يكون المؤمن بين الكفار وحيدًا، أو في حكم الوحيد، إذا كان قليل الناصر، غائب المظاهر، والكفار لهم الغلبة والكثرة والدار والحوزة، فمباح له أن يخالقهم بأحسن خلقه، حتَّى يجعل الله له منهم مخرجًا، ويتيح له فرجًا، ولا تكون التقية بأن يدخل معهم في انتهاك محرم، أو استحلال محرم: بل التقية بالقول والكلام، والقلب عاقد على خلاف ما يظهر اللسان". ثم قال: "وقد ذهب المحققون من العلماء إلى أن من أكره على الكفر فلم يفعل حتَّى قتل، أنَّه أفضل ممن أظهر الكفر بلسانه، وإن أضمر الإيمان بقلبه". فهذا وغيره يؤيد ما ذهبنا إليه من تبرئة الأئمة من الشيعة من عار هذه التهمة التي ألصقت بهم، وأن خطأ من أخطأ من علمائهم أو من عامتهم، لا يجيز أن ينسب إلى فرقهم وشيعتهم.
أحمد محمد شاكر
التكبير
" التكبير": لغة مصدر الفعل المضعف من مادة ك. ب. ر. واصطلاحًا تلاوة صيغة الله أكبر. وقد استعمل التكبير بهذا المعنى في القرآن (انظر سورة المدثر، الآية ٣؛ سورة الإسراء، الآية ١١١، مع لفظ الجلالة المخصص بالتكبير) ويرجع في شأن التفاسير المختلفة لصيغة التفضيل "أكبر" المستعملة في التكبير إلى لسان العرب (مادة كبر) وكذلك يرجع إليه في صيغة التفضيل لا أكرم كه الواردة في القرآن مع الله (سورة العلق، الآية ٣) وفي صيغة أعلى (سورة الليل، الآية ٢٠؛ سورة الأعلى، الآية الأولى).
والتكبير أوجز العبارات في تعظيم الله الواحد، ويردده المسلمون في المناسبات التي تتجلى لهم فيها عظمته وبديع فعاله. ولما نزل الوحى على محمد (رسول الله ﷺ ونعى إليه النجاشي في بلاد الحبشة خرج إلى المصلى وصف من حوله صفوفًا وأخبرهم بموت النجاشي وكبَّر عليه أربعًا (البخاري كتاب
стр. 2344
الجنائز، باب ٤، ٥٥، ٦١) ويقال أيضًا إن النبي [ ﷺ ] كبر في مناسبات أخرى أربعًا وخمسًا على جنازة (مسلم: كتاب الجنائز، الحديث ٧٢) وظل التكبير أربعًا مرعيًا في صلاة الجنازة، أو قل إن هذا هو الَّذي درج المسلمون عليه (الشيرازى: كتاب التنبيه، طبعة A.W. T. Juynbol، ص ٤٧ وما بعدها). ويستهل الأذان بالتكبير أربعًا.
ويقال إن النبي كان يكبر كثيرًا في الحج، في بداية الطواف (مسند أحمد بن حنبل، ج ٢ ص ١٤٤) وفي أثنائه (البخاري، كتاب الجهاد، الباب ١٣٢. ١٣٣، ولم يكن يجهر بصوته كثيرًا، المصدر السابق، الباب ١٣١) وفي نهايته (ابن حنبل، ج ٢، ص ٥) وعند روية الكعبة (ابن حنبل، ج ٣، ص ٣٢٠ (وعند الحجرالأسود (ابن حنبل، ج ١، ص ٢٦٤) وبين منى وعرفات (البخاري، كتاب الجهاد، الباب ٨٦) وعلى الصفا والمروة (ابن حنبل ٧ ج ٣، ص ٣٢٠) ... إلخ. ونص الشرع على التكبير في بداية الصلاة (وهي المسماة "تكبيرة الإحرام") ويكرر التكبير خمسًا في الصلاة (١).
المصادر:
(١) المعاجم في مادة كبر.
(٢) Handleiding M. W. Juynboll , ص ٦١، ٦٥.
(٣) A. Handbook: A. J. Wensinck of Early Muhammadan Tradition في مادة كبر.
[فنسنك A. J. Wensinck]
التكليف
" التكليف": إلزام فعل فيه مشقة وكلفة (انظر Suppl .. : Lane، ص ٣٠٠٢؛ لسان العرب، ج ١١، ص وقد جاء فيها: أمره بما يشق عليه)، وورد الفعل من هذا المصدر بصيغ
стр. 2345
مختلفة سبع مرات في القرآن (سورة البقرة، الآية ٢٣٣، ٢٨٦، سورة النساء، الآية ٨٤، سورة الأنعام الآية ١٥٢؛ سورة الأعراف؛ الآية ٤٢، سورة المؤمنون، ٦٢؛ سورة الطلاق، الآية ٧) ٧) وكلها تشير إلى أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. والتكليف في الاصطلاح هو إيجاب الإيمان والعمل بما أمر الله، ولهذا عرّفه غالب الفقهاء بأنه إلزام ما فيه كلفة، وهو الواجب والحرام، وعند البعض: إيجاب اعتقاد كون الفعل حكمًا من الأحكام الشرعية، فعلى هذا المندوب والمكروه والمباح. والجدل قائم حول الشخص المكلف. والذي عليه الجماعة أن المكلف هو العاقل البالغ من الإنس (انظر Juynboll: Handhuch ص ٦٩) وكذا من الجن بالنسبة للنبي محمد [ ﷺ ] إذ هو مرسل إليهم إجماعًا. أما بقية الرسل فلم يرسل أحد منهم إليهم وكذا من الملائكة بالنسبة للنبي محمد لأنه مرسل إليهم وإن كان ذلك يقتصر على تكليفهم بالطاعات العملية لأن الإيمان ضروري فيهم. وعند البعض أن الطاعات العملية من طبيعة الملائكة، وعلى ذلك فإن النبي قد أرسل لهم لتشريفهم (انظر شرح البيجورى على كفاية الفضالى، طبعة القاهرة، سنة ١٣١٥ هـ، ص ١٣)، واخذ بعض الأئمة بعموم التكليف حتَّى للجمادات بأن ركب فيها عقل حتَّى آمنت به، وهنالك خلاف حول جواز تكليف العبد ما لا يطاق. ويؤكد الماتريدية، مستندين إلى ما جاء في القرآن، أن الله لا يكلف العبد بما ليس في وسعه (انظر العقائد النسفية، طبعة القاهرة سنة مع شرح التفتازانى، ص. ١٣٠) أما الإيجى، وهو من الأشاعرة، فيسلك هذه المسألة في كتابه "المواقف" (طبعة بولاق سنة ١٢٦٦ هـ، ص ٥٣٥ في الوسط، ٥٣٧ في الوسط) مع المبدأ العام وهو أن إرادة الله وفعله لا يحدهما شيء، فالله لا يجب عليه شيء ولا يقبح منه شيء. والأمة قد اجمعت على أن الله لا يفعل القبيح ولا يترك الواجب. ويضيف الأيجى إلى ذلك أن الأشاعرة يقولون: لا قبيح من الله ولا واجب عليه، أما المعتزلة فيقولون: إن ما هو قبيح منه فيتركه وما يجب عليه
стр. 2346
يفعله. وانظر إلى جانب ما ذكرناه في صلب المادة المجادلات الكلامية الطويلة حول هذه المسائل في كتابى التفتازانى والإيجى.
المصادر:
انظر Dctionary of technical terms مادة تكليف، ص ١٢٥٥.
[مكدونالد D. B. Macdonald]
التلبية
" التلبية": مصدر الفعل المضعف لبَّى المصاغ من "لبيك" ومعناه النطق بعبارة لبيك ... وجعل لغويو العرب صلة بين "لبيك" و"لب" ومعناه الطاعة (١) لأن لبيك معناها "أنا مقيم على طاعتك" ولا شك أنهم أصابوا في ذلك. وقال نحويوهم: إن لبَّى ثُنَيت للتوكيد. ومن العسير معرفة مدلول الياء في هذه الصيغة والصيغ المشابهة لها مثل سعديك. وقد فسر دوزى) De: Dozy lsraeeliten le Mekka . هارلم سنة ١٨٦٤ - ص ١٢٠) ذلك بالرجوع أبي اللغة العبرية، إلا أن رأيه هذا لا يؤخذ به الآن بصفة عامة.
وتستعمل التلبية بصيغ شتى وفي مناسبات مختلفة. ويقال إن تلبية النبي [ ﷺ ] هي "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، أن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" (البخاري كتاب الحج، باب ٢٦)، على أن التلبية وردت بعبارات أقصر مثل "لبيك اللهم، لبيك وسعديك ... إلخ". والتلبية لله في الغالب، وتكون للنبي أيضًا في الحديث أو لأنصاره ويقتصر في هذه الحالة على لبيك (٢) (البخاري: خصومات، باب ٤؛ مسلم: الزكاة، حديث ٣٢؛ الترمذي: صفة القيامة، باب ٣٦) ويالبيك (مسلم: كتاب الجهاد، حديث ٧٦). وأنطق بها أيضًا أهل التقى في الزمان الغابر مثل آدم ونوح. وفي حديث أورده مسلم (كتاب الحج، حديث ٢٢) أن الكافر كان يستعملها في زمن
стр. 2347
النبي بصيغة محرفة. وينطق بالتلبية عند الحج خاصة وفي مستهل الإحرام، وكان النبي وغيره يحرمون بالدعاء "لبيك بحجة وعمرة" (البخاري: كتاب الحج، باب ٣٤) أو "لبيك بعمرة وحجة" (الترمذي: كتاب الحج، باب ١١) أو بمجرد قولهم لبيك بالحج (البخاري: كتاب الحج، باب ٣٥) ويقال إن عائشة كانت تستهل العمرة بقولها "لبيك بالعمرة (١) " أبو داود: المناسك، باب ٢٣) وتردد التلبية في أثناء الحج إلى أن ترمى الجمرات أحمد بن حنبل، ج ١، ص ١١٤) بصوت جهير (أحمد بن حنبل، ج ٥، ص ١٩٢).
ويرجع في شأن التلبية وهل هي سنة أو فرض إلى شرح النووي على مسلم (كتاب الحج، حديث ٢٢).
[فنسنك A.J. Wensinck]
أحمد محمد شاكر
التلمسانى
" التلمسانى": نسبة كثير من علماء العرب، وإذا ذكرت هذه النسبة في كتب الأدب كان المعنى بها في الغالب ثلاثة:
١ - "عفيف الدين سليمان بن علي ابن عبد الله بن علي بن يس" وهو يرفع نسبة إلى بيت كوفي الأصل (يروى الذهبي، مخطوط بالمتحف البريطانى رقم ٥٣ أنَّه كومى الأصل) ويقول إنه ولد في تلمسان (؟ ) عام ٦١٦ هـ (١٢١٩ م). وقدم إلى الشام مبكرًا وشغل أحيانًا بعض مناصبها، ولكنه كثيرًا مابقى من غير عمل. وقد زعم عفيف الدين أنَّه التمس الخلوة في آسية الصغرى (الروم) أربعين مرة، كل مرة أربعين يوما من غير انقطاع، وكان الذهبي محقًا في شكه في هذه الرواية لأن أيام خلوته تبلغ - قياسا على ذلك.- ستمائة وألف يوم. وأشرف التلمسانى زمنًا على جباية المكوس، فلما قدم الأسعد إلى دمشق في حاشية السلطان منصور قلاوون طلب إليه أن يقدم بيانًا بما في ذمته. وكرر الأسعد الطلب فلم يفز بطائل، فعنف عفيف الدين. وتميز عفيف الدين من الغيظ وهم بالاحتجاج
стр. 2348
لدى السلطان على مخالفته الشريعة بتوليته قبطيًا أمر المسلمين، فطيب خاطره آخر الأمر. والغالب أنه لم يقدم البيان الَّذي طلب منه. ويقال إنه كان ورعًا رضي الأخلاق تبدو عليه سمات من وقار، ولكنه كان أبدًا موضع الريبة كما يقول الذهبي، لأن أحدًا لم يكن يعرف حقيقة آرائه، بل لقد أتهم بأنه من النصيرية والعجيب أن شعره كان بليغا سهلًا عذبًا، ولكنه كان يخفى السم كما يقول كتاب سيرته. وجمعت أشعاره في ديوان. ومن هذا الديوان نسخ بمكتبات المتحف البريطانى ومكتبة وزارة الهند وبودليانا بأوكسفورد وفي غيرها. والثابت أن ليس في هذا الديوان ما يدل دلالة صريحة على الزندقة، بيد أن أشعاره قد نسجت في كثير من الأحيان على منوال الأشعار الصوفية التي تخاطب محبوبًا متخيلًا. وقد أنس قطب الدين اليونينى بصحبته ونسب إليه أنَّه ادعى الوصول إلى مرتبة العرفان ويقال إنه أفصح عن ذلك وهو على فراش الموت بقوله: "من عرف الله كيف يخافه؟ والله منذ عرفته، ما خفته وأنا فرحان بلقائه".
وتوفى بدمشق في الخامس من رجب عام ٦٩٠ (أول يولية ١٢٩١) ودفن بجبانة هذه المدينة. وألف عفيف الدين علاوة على ديوانه كتبًا في علوم شتى لم يبق منها فيما يظهر سوى "رسالة في علم العروض" (برلين رقم ٧١٢٨) وينسب له الذهبي زيادة على ذلك "شرح الأسماء الحسنى" و "شرح مقامات النفزى" و "شرح فصوص الحكم" لابن عربي. وتدلنا عناوين هذه التواليف على شيوخه، ونستطيع أن نقول دون أن نخشى الزلل أن عفيف الدين كان تلميذًا وفيًا لابن عربي.
المصادر:
(١) الذهبي: تاريخ الإسلام، مخطوط بالمتحف البريطانى، فهرس المخطوطات الشرقية رقم ٥٣، ورقة ٧٧
(٢) الكتبى: فوات الوفيات، ج ١، ص ٢٨٨.
(٣) اليافعى: مرآة، طبعة حيدر آباد، ج ٤، ص ٢٦١ - ٢١٨.
(٤) Gesch. d. Arab.: Brockelmann Lit.، ج ١، ص ٢٥٨، رقم ١٨.
стр. 2349
٢ - "شمس الدين محمد بن سليمان" ابن المترجم له السابق ويلقب بالشاب الظريف: ولد بالقاهرة عام ٦٦١ هـ (١٢٦٣ م) وتوفى في شبابه قبل أبيه بعامين في رجب عام ٦٨٨ هـ - (يونية ١٢٨٩) وقد شغل منصبًا في بيت المال بدمشق، وقيل إنه كان شابًّا منصرفًا إلى اللهو والملذات. ومعظم الفضل في شهرته راجع إلى أشعاره التي جمعت في ديوان صغير طبع عدة مرات، وجل أشعاره قصائد من أبيات قليلة تغزل فيها بالغلمان وشبب في بعضها بنساء تخيلهن. ويجوز أن يفسر هذا الغزل تفسيرًا صوفيًا، إلا أن ذلك مستبعد. وتنبيء تواليفه الأخرى المخطوطة بأن أشعاره كانت أيضًا واقعية. وله خطبتان (مخطوط، برلين رقم ٣٩٥٣) ماجنتان فيهما إثارة للشهوات، وهذا هو حال مصنفيه الآخرين (مخطوط ببرلين رقم ٨٥٩٤): "فصاحة المسبوق في ملاحة المعشوق" و"المقامات الهيية والشيرازية". ولعل "مقامات العشاق"، وهي مخطوطة في باريس تحت رقم ٣٩٤٧، والمقامة المطبوعة بدمشق عين المقامات الهيية والشيرازية وروى الذهبي في ترجمته لأبيه حكاية وقعت لشمس الدين تؤيد ما قيل من أن أباه كان يرى أن إفراط شمس الدين يعينه على أن يكون صوفيًا متحققًا على طريقة الملامة والحقيقة أن إفراطه هذا كان من أسباب موته في سن مبكرة.
المصادر:
(١) الذهبي: تاريخ الإسلام، مخطوط رقم ٥٣ في المتحف البريطانى قسم المخطوطات الشرقية، ورقة ٦٢.
(٢) الكتبى: فوات الوفيات، ج ٢، ص ٢٦٣.
(٣) Gesch. d. Arab.: Brockelmann Lit.، ج ١، ص ٢٥٨.
(٤) سركيس: معجم المطبوعات العربية، ص ١٧٨.
(٥) طبعات ديوانه، القاهرة ١٢٨١ هـ، ١٣٠٨، بيروت ١٨٨٥ م، ١٣٢٥ هـ.
(٦) مقامة مطبوعة بدمشق من غير تاريخ، ص ١٦.
٣ - أبو إسحاق إبراهيم بن أبي بكر
стр. 2350
بن عبد الله الأنصاري": ولد في تلمسان في آخر جمادى الآخرة أو في غرة رجب عام ٦٠٩ (نوفمبر ١٢١٢)، وأخذه أبوه إلى غرناطة من أعمال الأندلس وهو في التاسعة من عمره. ونزحا إلى مالقة بعد ذلك بثلاث سنوات وفيها تلقى دروسه. ثم ذهب إلى سبتة وتزوج فيها من أخت الفقيه المالكي مالك بن المرحل، وتوفى بها بعد عام ٦٩٠ هـ (١٢٩١ م). وكان أبو إسحاق فقيها مالكيًا ضليعًا برع في تحرير العقود وقرض الشعر. ونظم وهو في الحادية والعشرين أرجوزة في أحكام المواريث كتبت عليها شروح ما تزال مخطوطة. أما كتبه الأخرى فهي:
(١) "نتيجة الخيار في مزيلة الغيار" وهي سيرة للنبي منظومة.
(٢) مقالة في العروض.
(٣) منظومة في المولد الكريم.
(٤) العشرات.
المصادر:
(١) ابن فرحون: الديباج، طبعة فاس، ص ٩٠.
(٢) ابن مريم: البستان، ص ٥٥ وما بعدها.
(١) Gesch. d., Arab Lit: Brockelmann ج ١، ص ٣٦٧، ٣٨٥، رقم ١٠.
[كرنكو F. Krenkow]
التناسخ
" التناسخ": من المعتقدات الشائعة بين الهنود وعند بعض الفرق الإسلامية. والكتاب المسلمون الذين درسوا هذا المذهب أميل إلى نسبته إلى الهنود منهم إلى الفيثاغوريين.
ويعرض الشهرستانى في كلامه عن أصحاب التناسخ لكلمة التناسخ بمعناها الواسع، فهي في نظره عقيدة تعاقب الحياة وعودتها إلى الدنيا، ويقول إن الهنود أشد الأمم إعتقادًا في التناسخ، فهم يقصون قصة العنقاء ثم يقولون إن الحال على مثال ذلك بالنسبة للدنيا، فإن الأفلاك والنجوم تمر بعدة أدوار ثم ترجع إلى المركز الأول وتعود الحياة إلى الدنيا من جديد. ولهم اختلاف في الدورة الكبرى كم هي من السنين،