يفعله. وانظر إلى جانب ما ذكرناه في صلب المادة المجادلات الكلامية الطويلة حول هذه المسائل في كتابى التفتازانى والإيجى.
المصادر:
انظر Dctionary of technical terms مادة تكليف، ص ١٢٥٥.
[مكدونالد D. B. Macdonald]
التلبية
" التلبية": مصدر الفعل المضعف لبَّى المصاغ من "لبيك" ومعناه النطق بعبارة لبيك ... وجعل لغويو العرب صلة بين "لبيك" و"لب" ومعناه الطاعة (١) لأن لبيك معناها "أنا مقيم على طاعتك" ولا شك أنهم أصابوا في ذلك. وقال نحويوهم: إن لبَّى ثُنَيت للتوكيد. ومن العسير معرفة مدلول الياء في هذه الصيغة والصيغ المشابهة لها مثل سعديك. وقد فسر دوزى) De: Dozy lsraeeliten le Mekka . هارلم سنة ١٨٦٤ - ص ١٢٠) ذلك بالرجوع أبي اللغة العبرية، إلا أن رأيه هذا لا يؤخذ به الآن بصفة عامة.
وتستعمل التلبية بصيغ شتى وفي مناسبات مختلفة. ويقال إن تلبية النبي [ ﷺ ] هي "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، أن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" (البخاري كتاب الحج، باب ٢٦)، على أن التلبية وردت بعبارات أقصر مثل "لبيك اللهم، لبيك وسعديك ... إلخ". والتلبية لله في الغالب، وتكون للنبي أيضًا في الحديث أو لأنصاره ويقتصر في هذه الحالة على لبيك (٢) (البخاري: خصومات، باب ٤؛ مسلم: الزكاة، حديث ٣٢؛ الترمذي: صفة القيامة، باب ٣٦) ويالبيك (مسلم: كتاب الجهاد، حديث ٧٦). وأنطق بها أيضًا أهل التقى في الزمان الغابر مثل آدم ونوح. وفي حديث أورده مسلم (كتاب الحج، حديث ٢٢) أن الكافر كان يستعملها في زمن
стр. 2347
النبي بصيغة محرفة. وينطق بالتلبية عند الحج خاصة وفي مستهل الإحرام، وكان النبي وغيره يحرمون بالدعاء "لبيك بحجة وعمرة" (البخاري: كتاب الحج، باب ٣٤) أو "لبيك بعمرة وحجة" (الترمذي: كتاب الحج، باب ١١) أو بمجرد قولهم لبيك بالحج (البخاري: كتاب الحج، باب ٣٥) ويقال إن عائشة كانت تستهل العمرة بقولها "لبيك بالعمرة (١) " أبو داود: المناسك، باب ٢٣) وتردد التلبية في أثناء الحج إلى أن ترمى الجمرات أحمد بن حنبل، ج ١، ص ١١٤) بصوت جهير (أحمد بن حنبل، ج ٥، ص ١٩٢).
ويرجع في شأن التلبية وهل هي سنة أو فرض إلى شرح النووي على مسلم (كتاب الحج، حديث ٢٢).
[فنسنك A.J. Wensinck]
أحمد محمد شاكر
التلمسانى
" التلمسانى": نسبة كثير من علماء العرب، وإذا ذكرت هذه النسبة في كتب الأدب كان المعنى بها في الغالب ثلاثة:
١ - "عفيف الدين سليمان بن علي ابن عبد الله بن علي بن يس" وهو يرفع نسبة إلى بيت كوفي الأصل (يروى الذهبي، مخطوط بالمتحف البريطانى رقم ٥٣ أنَّه كومى الأصل) ويقول إنه ولد في تلمسان (؟ ) عام ٦١٦ هـ (١٢١٩ م). وقدم إلى الشام مبكرًا وشغل أحيانًا بعض مناصبها، ولكنه كثيرًا مابقى من غير عمل. وقد زعم عفيف الدين أنَّه التمس الخلوة في آسية الصغرى (الروم) أربعين مرة، كل مرة أربعين يوما من غير انقطاع، وكان الذهبي محقًا في شكه في هذه الرواية لأن أيام خلوته تبلغ - قياسا على ذلك.- ستمائة وألف يوم. وأشرف التلمسانى زمنًا على جباية المكوس، فلما قدم الأسعد إلى دمشق في حاشية السلطان منصور قلاوون طلب إليه أن يقدم بيانًا بما في ذمته. وكرر الأسعد الطلب فلم يفز بطائل، فعنف عفيف الدين. وتميز عفيف الدين من الغيظ وهم بالاحتجاج
стр. 2348
لدى السلطان على مخالفته الشريعة بتوليته قبطيًا أمر المسلمين، فطيب خاطره آخر الأمر. والغالب أنه لم يقدم البيان الَّذي طلب منه. ويقال إنه كان ورعًا رضي الأخلاق تبدو عليه سمات من وقار، ولكنه كان أبدًا موضع الريبة كما يقول الذهبي، لأن أحدًا لم يكن يعرف حقيقة آرائه، بل لقد أتهم بأنه من النصيرية والعجيب أن شعره كان بليغا سهلًا عذبًا، ولكنه كان يخفى السم كما يقول كتاب سيرته. وجمعت أشعاره في ديوان. ومن هذا الديوان نسخ بمكتبات المتحف البريطانى ومكتبة وزارة الهند وبودليانا بأوكسفورد وفي غيرها. والثابت أن ليس في هذا الديوان ما يدل دلالة صريحة على الزندقة، بيد أن أشعاره قد نسجت في كثير من الأحيان على منوال الأشعار الصوفية التي تخاطب محبوبًا متخيلًا. وقد أنس قطب الدين اليونينى بصحبته ونسب إليه أنَّه ادعى الوصول إلى مرتبة العرفان ويقال إنه أفصح عن ذلك وهو على فراش الموت بقوله: "من عرف الله كيف يخافه؟ والله منذ عرفته، ما خفته وأنا فرحان بلقائه".
وتوفى بدمشق في الخامس من رجب عام ٦٩٠ (أول يولية ١٢٩١) ودفن بجبانة هذه المدينة. وألف عفيف الدين علاوة على ديوانه كتبًا في علوم شتى لم يبق منها فيما يظهر سوى "رسالة في علم العروض" (برلين رقم ٧١٢٨) وينسب له الذهبي زيادة على ذلك "شرح الأسماء الحسنى" و "شرح مقامات النفزى" و "شرح فصوص الحكم" لابن عربي. وتدلنا عناوين هذه التواليف على شيوخه، ونستطيع أن نقول دون أن نخشى الزلل أن عفيف الدين كان تلميذًا وفيًا لابن عربي.
المصادر:
(١) الذهبي: تاريخ الإسلام، مخطوط بالمتحف البريطانى، فهرس المخطوطات الشرقية رقم ٥٣، ورقة ٧٧
(٢) الكتبى: فوات الوفيات، ج ١، ص ٢٨٨.
(٣) اليافعى: مرآة، طبعة حيدر آباد، ج ٤، ص ٢٦١ - ٢١٨.
(٤) Gesch. d. Arab.: Brockelmann Lit.، ج ١، ص ٢٥٨، رقم ١٨.
стр. 2349
٢ - "شمس الدين محمد بن سليمان" ابن المترجم له السابق ويلقب بالشاب الظريف: ولد بالقاهرة عام ٦٦١ هـ (١٢٦٣ م) وتوفى في شبابه قبل أبيه بعامين في رجب عام ٦٨٨ هـ - (يونية ١٢٨٩) وقد شغل منصبًا في بيت المال بدمشق، وقيل إنه كان شابًّا منصرفًا إلى اللهو والملذات. ومعظم الفضل في شهرته راجع إلى أشعاره التي جمعت في ديوان صغير طبع عدة مرات، وجل أشعاره قصائد من أبيات قليلة تغزل فيها بالغلمان وشبب في بعضها بنساء تخيلهن. ويجوز أن يفسر هذا الغزل تفسيرًا صوفيًا، إلا أن ذلك مستبعد. وتنبيء تواليفه الأخرى المخطوطة بأن أشعاره كانت أيضًا واقعية. وله خطبتان (مخطوط، برلين رقم ٣٩٥٣) ماجنتان فيهما إثارة للشهوات، وهذا هو حال مصنفيه الآخرين (مخطوط ببرلين رقم ٨٥٩٤): "فصاحة المسبوق في ملاحة المعشوق" و"المقامات الهيية والشيرازية". ولعل "مقامات العشاق"، وهي مخطوطة في باريس تحت رقم ٣٩٤٧، والمقامة المطبوعة بدمشق عين المقامات الهيية والشيرازية وروى الذهبي في ترجمته لأبيه حكاية وقعت لشمس الدين تؤيد ما قيل من أن أباه كان يرى أن إفراط شمس الدين يعينه على أن يكون صوفيًا متحققًا على طريقة الملامة والحقيقة أن إفراطه هذا كان من أسباب موته في سن مبكرة.
المصادر:
(١) الذهبي: تاريخ الإسلام، مخطوط رقم ٥٣ في المتحف البريطانى قسم المخطوطات الشرقية، ورقة ٦٢.
(٢) الكتبى: فوات الوفيات، ج ٢، ص ٢٦٣.
(٣) Gesch. d. Arab.: Brockelmann Lit.، ج ١، ص ٢٥٨.
(٤) سركيس: معجم المطبوعات العربية، ص ١٧٨.
(٥) طبعات ديوانه، القاهرة ١٢٨١ هـ، ١٣٠٨، بيروت ١٨٨٥ م، ١٣٢٥ هـ.
(٦) مقامة مطبوعة بدمشق من غير تاريخ، ص ١٦.
٣ - أبو إسحاق إبراهيم بن أبي بكر
стр. 2350
بن عبد الله الأنصاري": ولد في تلمسان في آخر جمادى الآخرة أو في غرة رجب عام ٦٠٩ (نوفمبر ١٢١٢)، وأخذه أبوه إلى غرناطة من أعمال الأندلس وهو في التاسعة من عمره. ونزحا إلى مالقة بعد ذلك بثلاث سنوات وفيها تلقى دروسه. ثم ذهب إلى سبتة وتزوج فيها من أخت الفقيه المالكي مالك بن المرحل، وتوفى بها بعد عام ٦٩٠ هـ (١٢٩١ م). وكان أبو إسحاق فقيها مالكيًا ضليعًا برع في تحرير العقود وقرض الشعر. ونظم وهو في الحادية والعشرين أرجوزة في أحكام المواريث كتبت عليها شروح ما تزال مخطوطة. أما كتبه الأخرى فهي:
(١) "نتيجة الخيار في مزيلة الغيار" وهي سيرة للنبي منظومة.
(٢) مقالة في العروض.
(٣) منظومة في المولد الكريم.
(٤) العشرات.
المصادر:
(١) ابن فرحون: الديباج، طبعة فاس، ص ٩٠.
(٢) ابن مريم: البستان، ص ٥٥ وما بعدها.
(١) Gesch. d., Arab Lit: Brockelmann ج ١، ص ٣٦٧، ٣٨٥، رقم ١٠.
[كرنكو F. Krenkow]
التناسخ
" التناسخ": من المعتقدات الشائعة بين الهنود وعند بعض الفرق الإسلامية. والكتاب المسلمون الذين درسوا هذا المذهب أميل إلى نسبته إلى الهنود منهم إلى الفيثاغوريين.
ويعرض الشهرستانى في كلامه عن أصحاب التناسخ لكلمة التناسخ بمعناها الواسع، فهي في نظره عقيدة تعاقب الحياة وعودتها إلى الدنيا، ويقول إن الهنود أشد الأمم إعتقادًا في التناسخ، فهم يقصون قصة العنقاء ثم يقولون إن الحال على مثال ذلك بالنسبة للدنيا، فإن الأفلاك والنجوم تمر بعدة أدوار ثم ترجع إلى المركز الأول وتعود الحياة إلى الدنيا من جديد. ولهم اختلاف في الدورة الكبرى كم هي من السنين،
стр. 2351
وأكثرهم أنها على ثلاثين ألف سنة، وبعضهم على ٢٦٠ ألف سنة. ويتحدث المسعودى أيضًا (مروج الذهب، ج ١، ص ١٦٣) عن هذه الدورة الكبرى ويذكر أن مدتها ٧٠ ألف سنة. وكان الفلكيون الأغريق على علم بهذا الرأى، وكانوا يطلقون على هذه الدورة اسم "السنة الكبرى".
وللتناسخ معنى آخر، فهو يدل على فيض الروح الإلهى على الكائنات في هذه الدنيا. وجاء في الشهرستانى أن الغلاة، وهم متطرفو الشيعة، قالوا بالتناسخ وحلول المبدأ الألهى أو جزء منه في بعض الناس. وظهر الاعتقاد بالتناسخ على هذا الوجه بين كثير من الشعوب، أخذته عن مجوس المزدكية وبراهمة الهند والفلاسفة والصابئة. وعرف الهجويرى طريقة صوفية يعرف أصحابها بالحلولية، وهي تقول أن ليس في الدنيا سوى روح وأحمد خالد قدسى يفيض وينتقل في أبدان مختلفة. ويذكر الهجويرى أن كثيرين من النصارى يقولون بهذأ المذهب، وإن كانوا لا يجهرون به، كذلك يعتقد فيه غالب أهل الهند والتبت والصينيون، كما نجده بين الشيعة والقرامطة والإسماعيلية.
والتناسخ على أربع درجات: نسخ ومسخ وفسخ ورسخ؛ وهو بمعناه الشائع الانتقال من بدن إلى آخر وذلك ما يعتقد به بعض فرق الشيعة. وذكر الشهرستانى أن أتباع أحمد بن حائط، وهم من المعتزلة، يقولون إن الله خلق بادئ الأمر الكائنات في دار سوى هذه الدار التي هم فيها اليوم، ثم أرسل من خرج منهم عن طاعته إلى دار الدنيا على صور مختلفة من صور الناس وسائر الحيوانات على قدر ذنوبهم، ثم أخذوا في التنقل من صورة إلى أخرى إلى أن زالت آثار ذنوبهم.
ولا يرى الإسماعيلية انتقال النفس إلى أجسام الحيوانات، ولكنهم يقولون بتعاقب الحياة، وإن النفوس خلال ذلك تكون فاعلة في دار المولد والوفاة إلى أن تتعرف بالإمام وعند ذلك ترتفع إلى عالم النور. ويعتقد النصيرية أن من يقترف ذنبا في حق دينهم يعود إلى الدنيا على صورة يهودى أو سنى مسلم أو نصرانى. والكفار الذين لم
стр. 2352
يعرفوا عليا يمسخون جمالًا وبغالًا وحميرًا وكلابُا وما شابه ذلك من الحيوان. ويقول النصيرية إن التناسخ على سبع درجات. وترتفع النفس المؤمنة التي تمر بهذه الدرجات السبع إلى النجوم التي هبطت منها بادئ الأمر. ويربط آنز Anz ودوسو Dussaud بين هذا القول بالتناسخ وبين الاعتقاد بصعود النفس إلى السموات السبع الَّذي نشا في بابل وانتشر في المعتقدات الفارسية ثم في الأفلاطونية الجديدة والغنوصية. وأخذ الدروز بعض معتقداتهم الشائعة من النصيرية، وإن كان زعيمهم حمزة قد عارض هذه الآراء. فهم يعتقدون أن نفوس أعداء على سوف تعلق بأجسام الكلاب والقردة والخنازير. ويعتقد الكرد واليزيدية في الحلول بأبدان الناس والحيوان وفي الوجود المتعاقب الَّذي يتخلل كل وجود منه زمان قدره ٧٢ سنة. ويقول السيد الشريف الجرجانى في كتابه "التعريفات" إن التناسخ تعلق الروح بالبدن بعد المفارقة من بدن آخر من عن غير تخلل زمان بين التعليق، للتعشق الذاتى بين الروح والجسد.
وأورد السمرقندى أساطير عجيبة عن المسخ (وهو رواية في النسخ) مؤداها أن القردة والخنازير والحيوانات الأخرى كانت أناسى ثم مسخت. كذلك يقال إن سهيلًا والزهرة كانا على هذا النحو ملكًا واميرة عاقبهما الله لذنوبهما ثم أقحمهما بين النجوم.
ونشير أخيرًا إلى قصص المسخ الواردة في كتاب ألف ليلة وليلة وغيره من القصص.
المصادر:
(١) الشهرستانى: كتاب الملل والنحل، طبعة كيورتن Curetnn. لندن سنة ١٨٤٢. ج ٢، ص ٢٩٧ وفي مواضع أخرى.
(٢) الهجويرى: كشف المحجوب، ترجمة نيكلسون A. Nickolson . R في مجموعة كب التذكارية ليدن ولندن سنة ١٩١١، ص ٢٦٠ وما بعدها.
(٣) Histoire et religion: R. Dussaud des Nosairis، باريس سنة ١٩٠٠، ص ١٢٠ وما بعدها.
(٤) Zur Frage nach dem: W. Anz
стр. 2353
Ursprung des Gnostizimus في Torte and Un- N. Gebhardt and Harnack tersuchungen . ج ١٥، ليبسك سنة ١٨٩٧.
(٥) maitre des: St. Guyard Un grand Assassins au temps de Saladin المجلة الأسيوية، باريس سنة ١٨٧٧ (القصص).
(٦) الشيخ نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندى: بستان العارفين، مكة سنة ١٣٠٠ هـ، ص ٢٤٠.
(٧) Yezidis: J.Menant في An- males du Musee Guimet باريس سنة ١٨٩٢، ص ٨٧.
[كارا ده فو B. Carra de Vaux]
التنجيم
" التنجيم": وقد اصطلح المسلمون على معرفته بعلم (أو صناعة) أحكام (أو قضايا) النجوم، أو بتعبير أوجز علم (صناعة) الأحكام. واستعمل بعض كتاب العرب منذ القرن الثالث عشر الميلادي "علم النَجامة" للدلالة على التنجيم. إلا أن علم (أو صناعة) النجوم و"علم صناعة النجوم" و"التنجيم" تدل بوجع عام على التنجيم أو علم الفلك أو على العلمين معًا. ويعرف المشتغل بصناعة النجوم بالأحكامى أو المنجم، وإن كان لفظ المنجم يطلق على الفلكى كذلك. ولم يفرق بدقة بين "المنجم" و"الفلكى" إلا في القرن التاسع عشر.
واتبع غالب الفلاسفة وأصحاب فهارس العلوم ومؤلفو الكتب الجامعة تصنيف العلوم الَّذي وضعه ارستطاليس وأصحابه فاعتبروا التنجيم أحد فروع العلوم الطبيعية السبعة أو التسعة ووضعوه مع الطب والفراسة والكيمياء وتفسير الأحلام .. إلخ. بيد أن الفلكيين والمنجمين وغيرهم من العلماء (مثل الفارابى وإخوان الصفا وابن خلدون أنسجوا على منوال بطليموس واعتبروا التنجيم فرعًا من "علم النجوم"، وعلم النجوم قسمًا من الأقسام الأربعة الكبيرة التي تنقسم إليها العلوم الرياضية. ويجب ألا نغفل القول بأن القواعد الرياضية الفلكية للحسبانات التي لا غنى عنها للمنجم لم تتعرض لها إلا الرسائل الفلكية.
стр. 2354
ويقوم التنجيم على أساس أن جميع ما يطرأ على العالم من التغير (أو الكون والفساد كما يقول أرسطو "كينسيس كى فثورا" يتصل اتصالًا وثيقًا بطبائع الأجرام السماوية وحركاتها. والانسان - من حيث هو عالم صغير بينه وبين العالم الكبير مشابهة قوية - خاضع لتأثيرات النجوم، سواء سلمنا بقول بطليموس بالقوى أو التأثيرات المشعة من الأجرام السماوية التي تجعل طبيعة "القابل" مماثله لطبيعة "الفاعل" أو سعينا إلى القرب من رأى أهل السنة، فإن الأجرام السماوية لا تكون فاعلة بالحقيقة في الحوادث، وإنما هي دلائل عليها فقط. ويتوقف تأثير النجوم على طبيعة كل منها وعلى موقعها بالنسبة للأرض أو بالنسبة لغيرها من النجوم، ومن ثم فإن حوادث العالم وما يصيب الناس من غير يخضع دائمًا لجمع شديد التركيب متباين من تأثيرات سماوية كثيرة جدًّا، مختلفة جدًّا، بل متناقضة أيضًا. وينحصر عمل المنجم الشاق في معرفة هذه التأثيرات والجمع بينها.
وليس التأثير مقصورًا على الأجرام السماوية، إذ يقال إن هناك أيضًا مواضع يفترض وجودها في فلك البروج لها قوة على تحوير تأثيرات هذه النجوم تحويرًا جوهريًا ويكون لها في الوقت المعين علاقات معينة بهذه النجوم. ويشبه المنجمون في أغلب الأحيان رؤوس الكواكب وأذنابها برأس القمر وذنبه أي بعقدته الصاعدة وعقدته النازلة، ولا ينكر هذا القول إلا أتباع المدرسة البطلميوسية القديمة. وللبروج أيضًا بانفرادها أو تثليثها على المملثات الأربعة قواها الخاصة بها. وكذلك لبعض أقسام البروج التي لم تكن معروفة في تنجيم بطلميوس مثل الوجوه، أي ثلث البرج، والنهبهرات أو النوبهرات أي تسع البرج، بل إن كثيرين من المنجمين يعتقدون أن لكل مطلع من مطالع فلك البروج طبعه الخاص به وهذه المطالع إما مذكرة أو مؤنثة أو مضيئة أو منيرة أو مظلمة أو معلونة أو قاتمة أو مدخنة أو خالية أو آبار وزائدة في السعادة .. إلخ. يضاف إلى ذلك أن ثمت أجزاء ومواضع من فلك البروج لها أهمية كبرى من حيث صلتها بالنيرين والكواكب الخمسة
стр. 2355
الأخرى لأنها حدودها وبيوتها ووبالاتها وأشرافها وهبوطاتها.
وللأفق ومعدل النهار شأن كبير، وتعرف نقط تقاطعهما مع فلك البروج بالأوتار الأربعة:
(١) الطالع، وهو الموضع من فلك البروج الَّذي يطلع على الأفق في الوقت المعلوم.
(٢) وتد الأرض، الرابع، وهو تقاطع فلك البروج بمعدل الليل.
(٣) وتد الغارب، السابع، وهو موضع فلك البروج الَّذي يختفى وراء الأفق.
(٤) وسط السماء، العاشر، وهو تقاطع معدل النهار مع فلك البروج. وتقسم دائرتا الميل المحازتان على قطبى خط الاستواء أقواس فلك البروج الحاصلة بين هذه الأوتاد ثلاثة اقسام متساوية، وهكذا ينقسم فلك البروج إلى اثنى عشر قسما تعرف بالبيوت الاثنى عشر، وهي أساس جميع الحسبانات في صناعة الأحكام.
ومواقع الكواكب بعضها إلى بعض - بما في ذلك النيران - من الأهمية بمكان، فهي تحدث خمس صور رئيسية هي: الاقتران أو المقارنة (ويسمى الاجتماع إذا كان خاصًّا بالشمس بالنسبة للقمر) والأنظار أو الاتصالات الأربعة وهي:
١) الاستقبال، إذا كان الكوكبان متقابلين علي استقامة واحدة.
٢) التسديس، إذا كان بينهما ستون درجة من درجات الطول. ٣) التربيع إذا كان بينهما تسعون درجة من درجات الطول. ٤) التثليث، إذا كان بينهما مائة وعشرون درجة من درجات الطول. فإذا تصورنا دائرة حول كوكب وكان هذا الكوكب مركزًا لها وكان نصف قطرها ستين درجة أو تسعين درجة أو مائة وعشرين درجة، فإن النقطتين اللتين يتقاطع فيهما فلك البروج بهذه الدائرة، يعرفان بـ "مطرح الشعاع" وكذلك يعرف به حسبان هاتين النقطتين بحساب المثلثات. أما المنجمون الملتزمون لمذهب بطليموس في التنجيم فلا يحفلون إلا بهذه الصور الخمس ويزيد سائر المنجمين كثيرًا غيرها (ويذكر ابن هبِنْتا أربعًا وعشرين صورة) وهي تعرف بالحالات (Status planetarum ad invicem)
стр. 2356
ثم نذكر الطوالع، وهي السهام (ومفردها سهم) في قول مصنفى القرون الوسطى، وهذه السهام طوالع متوهمة على فلك البروج على مسافة معينة من الطالع الحقيقي. ولم يذكر بطلميوس ومن اتبعه من كتاب العرب إلا سهما واحدلم منها هو سهم السعادة "أو كليروس ليس ليكهوس"، في حين ذكر المنجمون الآخرون عددًا كبيرًا منها، وهي تبلغ في مقدمة أبي معشر سبعة وتسعين سهما يخرج منها ثلاثون سهما أخرى ذكرها القبيصى.
ويجب ألا يغفل آخر الأمر العامل الجغرافي، ذلك لأنه مادام كل إقليم من أقاليم الأرض معرضا لتأثير فلك من أفلاك البروج وكوكب من الكواكب، فكذلك طوالع الناس في البلاد المختلفة لا يمكن فصلها عن حالات السماء، وذلك علم المنجم في جوهره، واصطناع هذا العلم ليس أقل من ذلك تعقيدًا. ويستطيع المنجم المسلم أن يأخذ بثلاث طرائق كبرى لا يتعداها هي: ١) طريقة المسائل "إيروتيسيس" ويقصد بها الاجابة عن الأسئلة المتعلقة بحياة الناس كل يوم، مثال ذلك طلب السائل الاخبار بغائب عنه، أو معرفة سارق، أو استعادة مفقود .. إلخ. وهذه أبسط طرائق الصناعة وأكثرها شيوعا. ٢) طريقة الاختيارات "كتاريكهاى" أي اختيار الأوقات الموافقة للقيام بعمل من الأعمال ويعين هذا الوقت بمعرفة البيت من البيوت الاثنى عشر الَّذي يكون فيه القمر آنئذ. ويستبدل بها المنجمون الذين يفضلون الطرائق الهندية منازل القمر الثمانية والعشرين ٣) طريقة تحاويل السنين، وهو اصطلاح المصنفين المسلمين، وتقوم على حساب السنوات أو أجزاء السنة المدارية التي انقضت، أو التي يظن أنها انقضت منذ ولادة فرد من الأفراد وابتداء ملك أو قيام فرقة أو ظهور دين أو تخطيط مدينة ... إلخ. وأساس هذه الطريقة يختلف تمام الاختلاف عما تقوم عليه الطريقتان الأخريان، وهو أن الصورة السماوية في زمن المولد تحدد بالضبط طالع المولود، ومن ثم كانت مستقلة أو تكاد تكون كذلك عن التغيرات التي تطرأ على الكرة السماوية بعد ذلك. وقد اتبع
стр. 2357
بطلميوس هذه الطريقة، ولم يضف إلى طريقة "الاختيارات" إلا زيادات يسيرة مضطربة، ولم يجد كلمة واحدة يضيفها على طريقة "المسائل"؛ وتعترض طريقة تحاويل السنين صعاب فنية أكثر من الأخريين وكثيرًا ما تتعذر معرفة وقت المولد أو ابتداء الملك بالدقة الواجبة. وإذا كان المنجم بصدد طوالع الأفراد فإنه يستخدم طريقة تحاويل سنى المواليد، أما إذا كان بصدد طوالع الأمم والمدن والفرق ... إلخ (وما يتبع ذلك من حدوث الوباء والقحط ونشوب الحرب والفيضان إلخ) فإنه يستخدم طريقة تحاويل سنى العالم.
وأهم ما يعمله المنجم في هذه الطرائق الثلاث هو تعيين الطالع، ومنه تحسب أوائل البيوت الأحد عشر الباقية أو مراكزها؛ أما في طريقتى المسائل والاختيارات فإن الطالع الَّذي يعين هو طالع الزمن المطلوب أما في الطريقة الثالثة، طريقة تحاويل السنين فيعين طالع المولد أو ابتداء الملك .. إلخ. وحتى إذا فرضنا أننا نعلم بالدقة تاريخ المولد أو ابتداء الملك، فكيف نعين الطالع وهو يتغير بسرعة تبعا لدورة الفلك اليومية؟ والمولد لا يحدث في لحظة واحدة، بل إن المنجم إذا حضر الولادة فإنه لا يستطيع أن يتخير الوقت الَّذي يعين فيه الطالع. ومن ثم أوحت طريقة تحاويل السنين بنظرية "نُموُدار" هي قواعد كثيرة الاشتباك يراد بها اختيار طالع متوهم للمولد؛ وكانت أشهر الطرائق عند المنجمين المسلمين طريقة بطلميوس والطريقتين اللتين نسبوهما إلى هرمز وزرادشت. وإذا كانت الطوالع لا تتصل بالأشخاص استخدم طالع الخسوف أو القرانات العظيمة.
لا يقتصر الأمر على ذلك في طريقة السنين. فالحكم يقرر بوقوع أحد الكواكب (يدخل فيها النيران وكذلك "سهم السعادة" والطالع) في وقت ظهور الطالع المتوهم في أحد المواضع الخمسة التي يسميها بطلميوس "توموى آفتكوى" ويعرفها منجمو القرون الوسطى بـ "مواضع الهيلاج" وفي هذا الوضع يصبح الكوكب (الشمس، القمر، سهم السعادة"، الطالع) الدليل ((indicator أو الهيلاج (Significator, hililegium , Alhylech " آفتيس") الَّذي يسير إلى النجوم وغيرها من مواضع السماء التي
стр. 2358
لها دلالة خاصة في صناعة الأحكام: ويعرف طالع المولد من ملاحظة التوافيق الحاصلة من هذه الاجتماعات. وتوضح الحسبانات الخاصة بالتيسير (آفسيس Atazir. directio) على الوجه الآتي: يبلغ كوكب من الكواكب أو موضع من فلك البروج له دلالة خاصة في صناعة الأحكام في وقت معلوم بدورة الفلك اليومية إلى دائرة الموضع التي كان فيها الهيلاج، وهي الدائرة المجازة على تقاطع الأفق بمعدل النهار، فتحسب زاوية خط الاستواء الحاصلة (الزاوية الخاصة بجزء من أجزاء الزمان)، وإذا كان الأمر يتصل بالناس تحسب السنة الشمسية بمطلع من مطالع خط الاستواء، أم إذا كان الأمر متعلقًا بالحوادث العامة الأخرى فاليوم الواحد بمطلع من مطالع خط الاستواء، ويجب أن نضيف هنا أنَّه إذا كانت الطوالع خاصة بالأمم والمدن والأديان ... إلخ فإن الهيلاج يختار بطريقة أخرى ويقول المنجمون العرب الذين اتبعوا بطلميوس إنه الكوكب أو النجم الَّذي له أكبر مزاعمة على موضع فلك البروج الَّذي حدث فيه كسوف الشمس أو خسوف القمر. بيد أن غالب المسلمين يفضلون طريقة القرانات، ولعلهم نقلوها عن الهنود؛ وهم يعتمدون في حساباتهم على قرانات الكواكب الثلاثة العظمى وهي (المريخ والمشترى وزحل)، ومن ثم يرصدون طوالعهم بطريقة التيسير أو غيرها وتعرف الأعمار من تسيير الهياوج الَّذي مر بنا. أما أحداث الحياة الأخرى فالمنجم يختار ما يتفق والحادثة التي يريد السؤال عنها بين الدلائل الخمسة الأخرى (الطالع، سهم السعادة، القمر، الشمس، درجة الإشراف) و "يسير" الدليل الَّذي يختاره. يضاف إلى ذلك أنَّه يجب أن يحول إلى أجزاء الزمان بقواعد متعارف عليها حركات الدلائل المألوفة وفق ترتيب البروج (من الغرب إلى الشرق)، وذلك لكى نعين أصحاب النوبة للسنين الشمسية والشهور والأيام، وتعرف حركة المتقدم هذه أو موضع فلك البروج الَّذي يصل المتقدم إليه "بالانتهاء" (alynthie, profectic). وتأتى آخر الأمر دورات سنى الحياة، وهي تخضع بنوع خاص لتأثير هذا الكوكب أو ذاك. وهذه الدورات هي في جوهرها
стр. 2359
ضوابط الزمان "كهرنو كراتورس" بالكواكب، المعروفة عند اليونان ولكنها حورت مع ذلك وزيد في تعقيدها (وبخاصة عند أبي معشر)، فعرفت بالفردارات (firdariae) .
وقد استخدم المنجمون أيضًا طرائق ثانوية أخرى، أذكر منها فقط الطريقة الخاصة بالصور السماوية التي تطلع مع الوجوه، وترجع إلى السنة الكلدانية التي استنها توسر Teucer. وهي تعتمد على طلوع الشعرى (وهو سوتيس عند قدماء المصريين)، وهذه الطريقة التي انفرد باستعمالها المسلمون المصريون وقد استقى التنجيم العربي الإسلامي من مصادر جد متباينة، وكان أساتذة المنجمين الإسلاميين من اليونان هم بطلميوس، وفيتيوس فالينوس، وذروثيوس الصيداوى، وتوسر، وانتيوخس وغيرهم ممن نسبت لهم رسائل في هذه الصناعة ولا نعنى بهؤلاء أصحاب الصناعة الذين انتهجوا طرائق متباينة الأصول فحسب بل نعنى أيضًا أولئك الذين وفقوا بين المذاهب المتناقضة مثل فيتيوس فالينوس وذروتيوس. وقد أخذوا كذلك عن المصادر الهلوية والهندية، كما ضمنوا مصنفاتهم الروايات الشائعة في أرض الجزيرة، وبلاد الشام ومصر. فليس من العجيب إذن أن قلة من المنجمين المسلمين انتهجوا طريقة واحدة بعينها من الطرق الثلاث أما الآخرون، وهم سائر المنجمين، فقد أخذوا بطرائق "المسائل" و"الاختيارات" و"تحاويل السنين" جميعًا، واعتبروا الواحدة متممة بل مؤيدة للآخرين، وتركوا للمنجم أن يختار من الطرائق والأساليب ما يتفق وحذقه ومقتضيات صنعته ومطالب السائل ومنزلته بين الناس، ونحن نجد الخلط بين هذه الطرائق على أتمه وأغربه عند أبي معشر وهو مزيج حقيقى من مذاهب جد متباينة.
الحق إن المسلمين يمتازون عمن سبقوهم من المنجمين بأنهم بلغوا شاوا بعيدًا في الحسبانات إلى جانب تلفيقهم بين مختلف الطرائق. وقد عرضت هذه الحسبانات بالدقة الواجبة في الرسائل الفلكية إلى - جانب المسائل الأخرى في حساب المثلثات الكبرى. ووضع الحاسبون - توصلا لهذه الغاية - كثيرًا
стр. 2360
من الجداول الرياضية المفصلة. وهم يختلفون في هذه الناحية من المنجمين اليونان والهنود الذين كانوا يقومون بحسابات مبتسرة، وكانوا يتنكبون عن الاستبحار في الرياضيات المعقدة.
وقد أجمع المتكلمون والفقهاء والفلاسفة على إنكار التنجيم، ولم يشذ عنهم إلا نفر قليل كالكندى واخوان الصفا وفخر الدين الرازي. ولم يكن لهذا الإنكار من أثر في الواقع. ذلك أن التنجيم كان له شأن في قصور الخلفاء والسلاطين وبين العامة، وظل كذلك إلى القرن الماضي فكان في دخول الحضارة الغربية عامة ومذهب كوبرنيقوس خاصة القضاء المبرم على التنجيم. بيد أنَّه لا يزال موجودًا في البلاد التي لم تصب من الحضارة الغربية إلا قليلًا، وان فقد إلى حد كبير ذلك الجلال العلمي الَّذي كان يحيط به في القرون الوسطى. ومن عجب أن قضاة اليمن اليوم يمارسون هم أنفسهم صناعة الأحكام.
وقد عولجت المسائل التنجيمية، من حيث هي مسائل رياضية (هندسة وحساب مثلثات) في المصنفات الخاصة بالفلك. وفي الجداول التي صنفت وحسبت للأغراض الخاصة بصناعة التنجيم. وألفت في الجانب الخاص بالأحكام رسائل ومقالات كثيرة يتعذر علينا إحصاؤها هنا، أما بقية المصنفات فلم تنشر نصوصها الأصلية بعد، ما خلا رسالتين. لا خطر لهما نحلتا لأبي معشر، وفصل من مقدمة أبي معشر (في Sphaera: Boll ١٩٠٣) ورسالة الكندى في عمر الإسلام وطوالعه من قرانات الكواكب (Al Kindi als: Loth Astrolg في - Morgen iaendische fors [chungen Fleischer - Festschrif ليبسك سنة ١٨٧٥، ص ٢٦٣ - ٣٠٩). ونذكر المصنفات الآتية لأنها ترجمت إلى اللغة اللاتينية وطبعت وهي: شرح علي بن رضوان على تربيع بطلميوس Quadripartitum " تترابيلوس" وشرح أحمد بن يوسف المعروف بابن الداية على كتاب الثمرة "كوموس" (Centiloquium (Kitab al - thamra المنسوب خطأ لبطلميوس، وقد طبع هذان الشرحان معا في مدينة البندقية عام ١٤٩٣، وعام ١٥١٩، كما نشرت
стр. 2361
بعض مصنفات أبي معشر (نظر هذه المادة) ونشر الكتاب الجامع الَّذي صنفه أبو الحسن علي بن أبي الرجال، وهو في ثمانية كتب، في مدينة البندقية عام ١٤٨٥، ١٥٠٣، ١٥٢٣. كما طبع في مدينة بال مع تنقيح يسير في أسلوبه عام ١٥٥١، ١٥٧١، ومدخل القبيصى المتداول، وقد طبع عدة مرات وأشهرها مع شروح يوحنا السكسونى Jojannes de Saxonia وعلق عليه نابود v. Nabood (كولونى، سنة ١٥٦٠، مع تنقيح يسير لأسلوب النسخة القديمة)، ورسائل سهل بن بشر وما شاء الله التي طبعت ذيلًا للشروح على التربيع والثمرة اللذين أشرنا إليهما، وكتاب المواليد لأبي بكر الحسن بن الخصيب، وقد طبع في البندقية ١٤٩٢ م، ١٥٠١، وكتاب في أحكام المواليد لأبي على يحيى الخياط وقد طبع في نورنبرغ عام ١٥٤٦، ١٥٤٩، ومقالتا محمد ابن عمر بن الفرخان الطبري عن المواليد والمسائل (البندقية، عام ١٥٠٣) (وقد نشرتا ذيلا لكتاب Firnicus Maternus (في بال عام ١٥٣٣، ١٥٥١)، إلى غير ذلك من الرسائل التي لا يعرف مؤلفوها أو التي تنسب خطأ إلى مؤلفين آخرين.
المصادر:
(١) لقد ذكر كاتب هذه المادة مصادر التنجيم عند المسلمين وخصائصه، ومكانه في الحياة الاجتماعية كما عرض لرد الفلاسفة والمتكلمين على المنجمين، وذلك في The Encyclopedia of Religion and Ethics التي نشرها الدكتور هيستنكز Hastings، انظر مادة "" Star وهي مقالة يفترض في قارئها العلم بمبادئ التنجيم عند اليونان.
(٢) وتجد تفسير بعض الحسبانات الفلكية وشرح عدد من الاصطلاحات الخاصة بالتنجيم في شرح نللينو- Nal lion على البتانى sive Aibatenii opus astronomicum، ميلان عام ١٨٩٩ - ١٩٠٧ م، في ثلاثة مجلدات.
(٣) مفاتيح العلوم طبعة فإن فلوتن Dictionary of the technical: Van Vloten musulmans terms used . by the طبعة شيرنكر Sprenger .
(٤) Dii Propaedeutik der: Dieterici
стр. 2362
A raber، برلين سنة ١٨٦٥ - وهذه المصنفات لا تشفى غلة الباحث.
(٥) ويرجع - فيما يتصل بنظرية قرانات الكواكب عند تطبيقاتها على تاريخ الإسلا م - إلى Loth: O. في الدراسة الخاصة بالكندى التي ذكرناها آنفا.
(٦) ابن خلدون: المقدمة، ترجمة ده سلان de Slane، ج ٢ ص ٢١٧ - ٢٢٦.
(٧) ويرجع - فيما يختص بسير المنجمين ومصنفاتهم- إلى Die: Sutar Mathematiker and Astronomen der Araber, ليبسك سنة ١٩٠٠ في , der mathem. Wis- Abhandl. z. Gesch senschaften , ج ١٠؛ مع - Nach traege وهو عظيم القيمة في z. Abh , math. Wiss. d. Gesch ج ١٤، سنة ١٩٠٢، ص ١٣٧ - ١٨٥.
(٨) ويرجع آخر الأمر إلى المصنفات الفلكية الواردة في هذه المادة.
[نللينو C. A. Nallino]
التهجد
" التهجد": مصدر الخماسي المزيد من مادة هـ - ب - د، وهو من الأضداد. وهجد نام وكذلك استيقظ وسهر وصلى بالليل وتلا القرآن بالليل. وأصبح المعنيان الأخيران - وهما الصلاة وتلاوة القرآن بالليل - هما الشائعين في الإسلام وقد وردت المادة مرة واحدة في القرآن في سورة الإسراء، (الآية ٧٩)، "ومن الليل فتهجد به نافلة لك ... " إلا أنه قد أشير فيه الي قيام الليل بغير هذه المادة، فورد في سورة الذاريات (الآية ١٥ - ١٧) , "إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم أنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون". وفي سورة الفرقان (الآية ٦٤)، اشارة الي الذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا.
وقد يستخلص من القرآن أن الفريضة القديمة في مكة كانت صلاتين: صلاة بالنهار وصلاة بالليل (١) (سورة الإسراء، الآية ٧٨ وما بعدها) وجاء في
стр. 2363
سورة الإنسان (الآية ٢٥) "واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا" وقال في السورة نفسها (الآية ٢٦) "ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلًا طويلًا" وفي سورة هود (الآية ١١٤) وأقم الصلاة طرفى النهار وزلفا من الليل .. ".
ونستطيع أن نستفيد من الحديث، ولا وجه للشك فيه، أن المؤمنين عكفوا على قيام الليل زمانًا اختلفت الروايات في طوله، (قيل أنَّه "عشر سنين في "الطبري: التفسير، ج ٢٩، ص ٦٨). حتَّى إن النبي والمؤمنين ورمت أقدامهم وسوقهم، ويقال إن الفريضة القديمة نزلت في سورة المزمل، فقد ورد أولًا "يا أيها المزمل" وثانيًا "قم الليل إلا قليلًا"، وثالثًا "نصفه أو انقص منه قليلًا"، ورابعًا. "أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلًا" بيد أن أصل هذه الفريضة لا يمكن فصله عما كان يقوم به زهاد النصارى. وقد شق هذا النوع من العبادة آخر الأمر على المؤمنين، ففي الآية العشرين من سورة المزمل اشارة إلى هذا وهي "إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرأوا ماتيسر من القرآن. "فلما فرضت الصلوات الخمس على المسلمين أصبح قيام الليل نافلة (انظر سنن أبي داود: باب التطوع؛ تفسير البيضاوى للآية العشرين من سورة المزمل).
ومهما يكن من شيء فقد روى أن النبي لم ينقطع عن قيام الليل (سنن أبي داود: كتاب التطوع، باب ١٨) وفي الحديث والفقه أن الانقطاع عن قيام الليل مما يلام عليه المكلفون به (مسلم: الصيام، حديث ١٨٥؛ النسائي: كتاب قيام الليل، باب ٥٩؛ الباجورى حاشية، ج ١ ص ١٦٥). وعلى العموم فقيام الليل سنة، ويقال إن داود كان يقوم ثلثا من الليل (مسلم: كتاب الصيام، حديث ١٨٩, سنن أبي داود: كتاب الصوم، باب ٦٧) وثمة سبب آخر في تبرير قيام الليل هو أنَّه يحل العقد التي يعقدها الشيطان على قافية رأس النائم (سنن أبي داود: تطوع، باب ١٨) وفضل التهجد في رمضان مشهود، وكذلك في ليلة كل من العيدين (ابن
стр. 2364
ماجة: صيام، باب ٦٨؛ النسائي: كتاب قيام الليل، باب ١٧، وفيه يستعمل اصطلاح "إحياء الليل"؛ انظر أيضًا مادة "التراويح".
ولا يزال المؤذن يدعو الناس في بعض البلاد إلى صلاة الليل (وهي ركعتان وتعرف بال - "شفع "؛ انظر مادة "وتر" وهي بُعيد منتصفه، ويضاف إلى الأذان بها عبارات خاصة (Manners and Customs: Lane الفصل الثالث الخاص بالدين والشرائع؛ Mekka: Snouck Hurgronje V E Handleieding: Juynboll).
المصادر:
انظر إلى جانب المصادر المذكورة في صلب المادة:
(١) Das Leben , des lehre: sprenger and die Lehre des Mohammad، ج ١، ص ٣٢١ وما بعدها.
(٢) lets over den: M. Th. Hoiutsma dagelijkschen calat der Mohammedanen في Tijdchrift .. L Theol، سنة ١٨٩٠ , ص ١٣٧ وما بعدها.
(٣) The origin of Islam in its: R. Bell Christian Environment لندن سنة ١٩٢٦، ص ١٤٣. وانظر المسائل المتعلقة بالمذاهب الفقهية المختلفة في:
(٤) J.Guide: مختصر خليل بن إسحاق، ميلان سنة ١٩١٩، ج ١ ص ٩٧.
(٥) أبو إسحاق الشيرازى: التنبيه، طبعة A.W T. Juynboll . ص ٢٧.
(٦) الرملى: نهاية المحتاج، ج ١ ص ٤٨٨ وما بعدها
(٧) ابن حجر الهتمى: التحفة، ج ١، ص ٢٠١ وما بعدها
(٨) أبو قاسم الحلى: كتاب شرائع الإسلام، كلكتة سنة ١٨٣٩ ج ١، ص ٢٧
(٩) Droit Musuliman: A.Querry باريس سنة (١٨٧١. ج ١ ص ٥٢ وما بعدها
(١٠) نظام: الفتاوى العالمكيرية، كلكتة سنة ١٢٤٣ هـ، ج ١ ص ١٥٧.
[فنسنك Wensinck . A.J]
стр. 2365
التوبة
" التوبة": لغة الرجوع، وهي مصدر الفعل تاب، ويرد هذا الفعل كثيرًا في القرآن إما وحده وإما مع حرف الجر "إلى"، ومعناه في هذه الحالة أن العبد عاد إلى الله بالندم، وإما مع حرف الجر "على" ومعناه أن الله عاد عليه بالمغفرة، لأنه تعالى "تواب رحيم" البقرة، الآية ٣٧ وما بعدها).
وشرائط التوبة ثلاث (١) العلم بالذنب (٢) الندم (٣) العزم على ترك الذنب في الاستقبال (الغزالى: الإحياء، الجزء الرابع، وقد وفي فيه الكلام على التوبة؛ القرآن سورة النساء الآيات من ١٦ - ١٨؛ سورة هود، الآية ١١٢ سورة الشورى، الآية ٢٥) فإذا استجمعت هذه الشرائط فهي مقبولة لا محالة، وليس في شيء من ذلك ما يريده المعتزلة من إيجاب القبول على الله، ولكن سبقت به إرادته الأزلية.
ولا تصح توبة المشرف على الموت (سورة النساء الآية ١٨) والذنب خطيئة في حق الله لا تغتفر إلا بالتوبة، وينكر أحمد بن حنبل وغيره ذلك Massignor: d Ai-Hallai La Passion ص ٦٦٦).
وسما الصوفية فوق المعنى الشرعي للذنب، وارتفعوا بمعنى التوبة تبعًا لذلك. فهي عندهم انتباه القلب عن رقدة الغفلة، وهو مبدأ طريقة السالكين، وهم يجعلونها حالًا من أحوال الرضا. وليست التوبة في أبعد معانيها إقرارًا بالذنب وتركًا له بقدر ما هي وجهة جديدة ينزع إليها النادم بكليته فلا يبتغى إلا الله. والتوبة أن تنسى ذنبك. لأن ذكرك له ينسيك الله، والانشغال بالنفس كبيرة الكبائر، ولذلك فقد جاء في حديث مشهور أن النبي كان يستغفر الله في اليوم سبعين مرة.
المصادر:
(١) la passion dal: L.Massignon Hallaj ص ١٠٥ وما بعدها.
(٢) الهجويرى: كشف المحجوب، طبعة شوكوفسكى Schukovski. ص ٣٧٨ وما بعدها؛ ترجمة نيكلسون، في
стр. 2366
مجموعة كب التذكارية ب ١٧، ص ٢٩٤ وما بعدها.
(٣) Al- Kuschairis Dar-: R. Hartmann stellung
(٤) Rabia the Smith: Margaret كمبردج سنة ١٩٢٨، ص ٥٣ - ٥٨
(٥) Mystics of is-: R.A. Nicholson lam، ص ٣٠ - ٣٢.
[نيكلسون R. A. Nicholson]
التوحيد
" التوحيد": مصدر الفعل المضعف من مادة "وح د" ومعناه لغة "جعل واحدا" أو "بقى واحدا" (Lane ص ٢٩٢٧ أ) ومن ثم كان معناه في مصطلح الكلاميين وحدانية الله أو توحده بكافة معانيه. ولم يذكر هذا المصدر في القرآن، ولم يرد فيه فعل من هذه المادة أو شبيهها "أح د" لكن صاحب لسان العرب (ب ٤، ص ٤٦٤. الصفحة) فصل الكلام في المدلولات اللغوية للصيغ المختلفة المشتقة من هاتين المادتين بالنسبة لله تعالى وبالنسبة للإنسان.
وعلم التوحيد والصفات مرادف في الاصطلاح لعلم الكلام وهو أساس قواعد عقائد الإسلام (مقدمة التفتازانى لعقائد النسفى، طبعة القاهرة سنة ١٣٢١ هـ، ص ٤ وما بعدها والحواشى التي عليه؛ . Terms Diet of Techn، ٢٢) ويخرج المعتزلة من هذا الحد الصفات، ويجعلون الأساس التوحيد فقط. وهو إما ظاهر وإما باطن: من معانيه أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ومن معانيه أنه واحد في ذاته. ومن معانيه أن الله هو الموجود الحقيقي وكل ما سواه وجوده ظل وجود الحق. وقد يتوسع في ذلك إلى القول بالحلول أي أن الله هو الكل. ثم إن التوحيد يتوسل إليه بالعلم أو بالمعرفة والمشاهدة، والعلم والمشاهدة تفكر أو نظر فلسفى.
والخلاصة أن التوحيد هو القول بأن لا إله إلا الله. وفي كشاف مصطلحات
стр. 2367
الفنون (Diction. ch To) بيان طيب بتطورات هذه المعاني (ص ١٤٦٨ - ١٤٧٠ وانظر أيضًا ص ١٤٦٣ - ١٤٦٨).
[ماكدونالد D. B. Macdonald]
التوحيد، علم
نشأته، تطوراته، رأى رجال الدين فيه.
مقدمات:
١ - التوحيد الإيمان بالله، وفعله أحد، ووحد؛ ففي اللسان (مادة وحد) تقول: أخدت الله ووحدته. وهوالواحد الأحد. وحقيقة التوحيد اعتقاد عدم الشريك في الألوهية وخواصها (١) ويرى ابن خلدون (٢) - بحق- أن المعتبر في التوحيد ليس الإيمان أو التصديق وحده، بل الكمال في أن يحصل للنفس حال يحصل عنها علم اضطرارى هو توحيد الله في ذاته وصفاته وأفعاله. وقريب منه ما ذكره التهانوى (٣) من أن التوحيد مراتب، منها ما كان علميا بالبرهان وهو الحاصل للنظار بأدلة النقل والعقل، ومنها ما كان عينيا مصدره الوجدان بأن يجد صاحبه بالذوق والمشاهدة عين التوحيد- أي توحيد الله في ذاته وصفاته وأفعاله- ويرى حينئذ أن الذوات والصفات والأفعال متلاشية ليس فيها وجود بجانب ما لله تعالى الذي لا يرى غيره.
٢ - والتوحيد باعتباره العلم المعروف لدى المسلمين هو العلم بالعقائد الدينية المكتسبة عن الأدلة اليقينية، ويعرفه ابن خلدون (٤) بأنه علم يتضمن الحجاج عن العقائد الأيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة
стр. 2368
المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة. ومهما اختلفت تعاريفه التي عرفه بها العلماء، فالمراد أنّه العلم الذي يبحث فيه عن الله وصفاته، والرسل وما يجب أن يكونوا عليه، والدار الآخرة وأحوالها، وأخيرًا عما ألحق بهذه المسائل كمسألة الإمامة.
٣ - وقد سمى هذا العلم بأسماء متعددة، منها أصول الدين، الفقه الأكبر كما سماه أبو حنيفة، علم النظر والاستدلال، علم الكلام (١). إلا أن أشهر هذه الأسماء هو علم التوحيد لأن الوصول للوحدانية هو أشرف مباحثه ومقاصده، وعلم الكلام لأن أشهر ما وقع فيه الاختلاف كان مسألة كلام الله أو لأنه يورث من يعانيه قدرة على الكلام في تحقيق عقائد الدين، كالمنطق في العلوم الفلسفية، وخص باسم الكلام للتفرقة بينهما، أولما فيه من الجدل والمناظرة في العقائد والبدع وهي كلام صرف لا ترجع إلى عمل (٢).
٤ - وهذا العلم وإن التبست مسائله بمسائل الفلسفة الإلهية في كتب المتأخرين حتى ظنا علمًا واحدًا على ما سيأتي بيانه، بينه وبين هذه الفلسفة فرق كبير ذلك أنه في الفلسفة الإلهية يبحث العقل بنوره الخاص ويرى حقا ما توصل إليه بالدليل دون نظر إلى ما جاء به الشرع، اما في علم الكلام فالبحث فيه يستند إلى ما جاء عن الدين من العقائد، ثم يلتمس العقل من الحجج العقلية ما يعاضد هذه العقائد التي وجب التسليم بها أولًا عن الشرع، أو بعبارة أخرى مأثورة: "الفيلسوف يستدل ثم يعتقد، والمتكلم يعتقد ثم يستدل"، وكثير ما بين المقامين (٣).
стр. 2369
٥ - وقد اقتضت طبيعة هذا العلم الخلاف في مسائل كثيرة ترجع إلى الدين وعقائده، إلا إنّه من الممكن أن نقول إن هذه المسائل ترجع -كما يقول الخوارزمى- إلى اثنتى عشرة مسألة. هذه المسائل هي: حدوث الأجسام للرد على الدهريين القائلين بقدم الدهر، وإثبات أن للعالم محدثا هو الله تعالى، وانه واحد للرد على الثنوية والمثلثة من المجوس والزنادقة والنصارى، وأنه لا يشبهه شيء للرد على المشبهة والمجسمة، والكلام في الرؤية ونفيها وإثباتها، والكلام في الصفات للرد على المعطلة، والكلام في أفعال العباد وهل يخلقها الله أو العباد أنفسهم، وأنه تعالى يريد القبائح أو لا يريدها، وحكم مرتكب الكبيرة ومعنى هذا الكلام في الأيمان وحده وماهيته، والدلالة على النبوة بصفة عامة ردا على البراهمة وغيرهم من مبطليها والدلالة على نبوة محمد ﷺ خاصة، والقول في الإمامة ومن يصلح لها. هذه هي أصول الدين -كما يرى الخوارزمى- التي تدور عليها بحوث المتكلمين وخلافاتهم، وما عداها ففروع منها أو مقدمات وتمهيدات لها (١).
٦ - وبسبب الخلافات في أكثر هذه المسائل نشأت الفرق الإسلامية المختلفة التي سجلتها كتب علم الكلام، وهي فرق متعددة يجتمع بعضها أحيانا ويفترق أحيانا، كما قد ينضوى الكثير منها تحت لواء فرقة واحدة. من أجل ذلك يمكن حصر الفرق الأصول في ست، هي: أهل السنة، والمشبهة المجسمة، والمعتزلة، والمرجئة، والخوارج، والشيعة. ومن يرد استقصاء أمر هذه الفرق ومعرفة ما انقسمت إليه كل فرقة منها يجد طلبته على حبل الذراع منه في كتاب الملل والنحل للشهرستانى، والفصل في الملل والنحل لابن حزم، ومقالات الإسلاميين للأشعرى، ومفاتيح العلوم للخوارزمى (٢) وغيرها من
стр. 2370
المؤلفات التي عنيت بهذا العلم وتاريخه.
نشأته:
لم ينشأ هذا العلم كاملًا مرة واحدة بل كان- شأنه شان العلوم الأخرى- محدود الدائرة في أول أمره، ثم أخذ يتسع وينمو شيئًا فشيئا تابعًا سنة النشوء والارتقاء، ومتاثرًا بعوامل مختلفة عملت على خلقه وإنمائه، حتى نضج وكمل وصار على ما نعرفه اليوم. هذه العوامل كان منها ما يتصل بالقرآن والحديث، وما يتصل بمن دخل في الإسلام من أمشاج من الأمم المختلفة في العقلية والثقافة. وما يتصل بما نقل للعربية من فلسفة اليونان وغير اليونان.
١ - القرآن وهو الكتاب الأول للإسلام يدعو إلى التفكير والنظر وينعى على التقليد والمقلدين، لذلك كان لا بد للمسلمين من أن يجيلوا العقل والرأى في القرآن نفسه وفي السنة التي جاءت تقريرا له وإيضاحًا. إلا أنهم- والرسول بين ظهرانيهم- كانوا في غير حاجة لكثير من التعمق في فهم القرآن، فكانوا يستفتونه فيما لا يفهمونه فيهديهم سواء السبيل، ولما لحق النبي ﷺ بربه وظهرت مشكلة الخلافة وحدثت فتنة عثمان وعلى ﵄، كان ذلك مما استدعى الخلاف والجدل والحجاج. اختلفوا في الإمامة وشروطها ومن أحق بها، فكان منهم الشيعة الذين يقصرونها على على وسلالته، والخوارج ومعهم المعتزلة الذين يرونها حقًّا لأصلح المسلمين ولو كان عبدًا، والمعتدلون- وهم الجمهرة الغالبة الذين يجعلونها للأصلح من قريش. ثم اختلفوا - بعد أن استحر القتل بينهم في فتنة عثمان وعلى- في الكبيرة ما هي، وفي حكم مرتكبها أمؤمن هو أم كافر، واستتبع هذا طبعًا الخلاف في الإيمان وحده، فكان من هذا الخلاف خوارج ومرجئة ثم فيما بعد معتزلة، وهكذا أصبح هذا الخلاف دينيًّا بعد أن كان أول أمره
стр. 2371
سياسيًا فصار من مباحث علم الكلام الهامة، كما صارت الإمامة مبحثًا هامًا آخر مع أنها بالفقه أليق لأنها هن الأحكام العملية دون الاعتقادية، إذ قصاراها أنها قضية مصلحية- تتعلق بمن يصلح لإدارة أمور المسلمين- لا اعتقاديه تتعلق بأصل من أصول الدين. ولكن لما غالت الإمامية والروافض والخوارج فيها، وكان لبعضهم فيها آراء تكاد تقضى إلى رفض كثير من قواعد الإسلام، ألحقها المتكلمون بعلم الكلام لتبحث بحثًا بعيدًا عن التعصب والهوى ويتبين منه الحق من الباطل صونًا للعقائد الدينية الصحيحة (١).
٢ - ولما استقر المسلمون بعد الفتوحات، ودخل هن دخل في الإسلام من أرباب الديانات المختلفة، عكف المسلمون من جهة على فهم القرآن والتعمق في هذا الفهم، ومن جهة أخرى أثار بعض هؤلاء الذين التحقوا بالإسلام- دون أن يتبطنوه - كثيرًا من عقائدهم الدينية التي جرت منهم مجرى الدم، وصاروا يتجادلون حولها ويجادلون المسلمين فيها. في هذه المرحلة نجد الآيات المتشابهة في القرآن يستعرضها المفكرون ويحللونها، ويحاول كل أن يخضعها لما يرى من راى؛ إما بأخذها على ظواهرها، وإما بتأويلها تنزيها لله تعالى عما يوهم التشبيه في الذات أو الصفات، وإما بالإيمان بها كما جاءت دون تعرض لها بتفسير أو تأويل. وكانت نتيجة هذه المواقف من دلك الآيات ظهور فرقة المشبهة والمجسمة، فرقة المعتزلة المعطلة النافية للصفات مبالغة في التنزيه، والصفاتية وهم جمهور السلف الذين بين بين (٢). كما نجد- من ناحية اخرى- إنّه لما استفحل شر الملاحدة الذين كان دأبهم نشر الألحاد بين المسلمين وترجمة كتب الثنوية وغيرهم من أصحاب المقالات الضالة، انتدب علماء الجدل من المتكلمين أنفسهم لدحض تلك
стр. 2372
المقالات، وكان حاملو لواء هذا الدفاع طائفة من نبغة المعتزلة، فألفوا لهذه الغاية الجليلة الرسائل والكتب التي تشهد لهم بطول الباع وحسن البلاء، على ما سنرى.
٣ - في هذه الفترة- فترة تطاحن المذاهب والنحل والآراء وعناية نبغة المتكلمين وبخاصة المعتزلة بالرد على أرباب المذاهب الضالة- نجد أبا الحسن الأشعرى ينبغ ويكون صاحب المذهب المعروف باسمه والذي ينتظم أكبر عدد من المسلمين حتى هذه الأيام، كما يكون وجوده فاتحة طور جديد في تاريخ علم التوحيد. ظهر الأشعرى وعاش في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وأحس بحدة الخلاف بين طوائف المتكلمين في مسائل كثيرة وبخاصة في مسائل صفات الله كلامه ورؤيته، ورأى كل فريق من هؤلاء المتناضلين في هذه المشاكل قد تطرف في رأيه وغلا غلوًا كبيرًا وراح ينصره بالحق وبالباطل، فعمل على أن يكون في رأيه وسطًا وعلى أن يبنى له ولأنصاره مذهبًا يجمع عليه كلمة الأمة. وقد حقق الله له ما تشوف إليه وعمل له، فكان مذهبه هو الذي عرف بعد بمذهب أهل الحق أو مذهب أهل السنة والجماعة.
٤ - انتشر مذهب الأشعرى وكثر أنصاره من المتكلمين الذين أخذوا أخذه في التأليف في علم الكلام على غراره، يردون على خصومهم ومنهم المعتزلة الذين كانوا اضطروا للتسلح بالفلسفة للرد على خصومهم الملاحدة وأرباب الملل والنحل الأخرى، فكان لا بد إذن للأشاعرة من أن يخلطوا كلامهم بغير قليل من الفلسفة، ومن أجل هذا وذاك نرى كثيرًا، من قضايا الفلسفة ومسائلها تحتل كتب علم التوحيد. وإذا فليس علم الكلام وليد الفلسفة كما يظن كثيرون خطأ. إنه ولد في الإسلام قبل أن يعرف المسلمون الفلسفة، وإن كانت أثرت فيه- لما تمثلها المسلمون- أثرًا كبيرًا، إذ قوته وشدت أزره، وأمدته بالكثير من الأسلحة والمسائل والأدلة والبراهين.
стр. 2373
وكان من هؤلاء الأنصار الذين عملوا على نصرة مذهب الأشعرى ونشره في الشرق والغرب القاضي أبو بكر الباقلانى المتوفى سنة ٤٠٣ هـ الذي له قريب من خمسين ألف ورقة من تصانيفه في نصرة الدين والرد على أهل الزيغ والبدع، لا تكاد تندرس إلى يوم القيامة (١) إلا أن هذا العالم الجليل الذي تصدى للإمامة في مذهب الأشعرى وهذبه، ووضع لمسائل العلم وقضاياه المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد والخلاء، وأنه لا يقوم العرض بالعرض وأنه لا يبقى زمانين، وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم- إلا أن هذا العالم على ألمعيته وجلالته جعل هذه القواعد تبعًا للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها لتوقف تلك الأدلة عليها، وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول" (٢). وهكذا ضيق القاضي ومن معه على الناس ولم يوغلوا برفق، وليت شعرى ماذا يرون في إيمانهم أنفسهم قبل ذلك وفي إيمان الصحابة وعامة المسلمين الذين يجهلون هذا من قبل ومن بعد (٣).
٥ - وكان من حسن جد المسلمين أن نبغ بعد الباقلانى إمام الحرمين أبو المعالى الجويني وتلميذه الأشهر حجة الإسلام أبو حامد الغزالى، فصار كل منهما إمامًا للمذهب في زمنه ولم يعتقدوا ومن تبعهم -كما رأى الباقلانى من قبل- بطلان المدلول إذا بطل الدليل، وبهذا انفك الحجر على الناس في الاستدلال، وعرفت هذه الطريقة بطريقة المتأخرين التي لاتزال تسود راسة علم الكلام حتى هذه الأيام.
وهذه الطريقة تمتاز أيضًا بإفساح المجال فيها للرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه من عقائد الدين، وهذا هو السبب في خلط مذاهب الفلسفة بعلم التوحيد. ثم غلا المتأخرون في حشو كتبهم بمسائل الفلسفة والرد عليها - كما نرى فيما يدرس منها بالأزهر في العصر الحاضر- حتى التبس عليهم
стр. 2374
شأن الموضوع في العلمين فحسبوه فيهما واحدًا من اشتباه المسائل فيهما (١)، مع أن الحق اختلاف العلمين في الموضوع والمنهج كما أشرنا من قبل.
ويرى العلامة ابن خلدون في مقدمته (ص ٣٦٩) أن الغزالى أول من كتب طريقة الكلام على هذا المنحى، أي الذي يتضمن الرد على الفلاسفة، لكنى أجدنى مضطرًا لمخالفته فيما ذهب إليه، هذا لأنه بالرجوع إلى بعض مؤلفات إمام الحرمين، مثل الإرشاد في قواعد الاعتقاد (٢) يتبين أن الغزالى استقى منها في الرد على الفلاسفة. ويكفى أن يرجع الباحث إلى مبحث القول في العالم (٣) ومبحث إثبات العلم للصانع (٤) ليعلم مقدار ما استفاد الغزالى من أستاذه في الرد على الفلاسفة، وإذن فلايكون هذا أول من أدخل في كتاباته في هذا العلم الرد على ماذهب إليه الفلاسفة من آراء لا تتفق في رأيه والدين (٥).
أهم الفرق الكلامية:
هكذا -كما رأينا- نشأ علم الكلام، ونما وتطور من حال إلى حال حتى صار على ما نرى اليوم. فلنذكر بعد هذا كلمة قصيرة عن كل من الفرق الكلامية التي لها خطر وتاريخ.
ونرى من الخير أن نتناول الحديث عن المشبهة والمعتزلة والأشاعرة معًا لارتباطهم في مسائل كثيرة، كان لكل من الفرقتين الأوليين فيها رأى خاص على النقيض من رأى الأخرى، وكان رأى الأشعرى والأشاعرة وسطًا بينهما.
١ - جاء في القرآن آيات تدل بظاهرها على أن لله وجهًا ويدين، وجهة هي السماء، ومكاناً هو العرش، ونحو ذلك مما يوهم التشبيه والجسيمة والنقلة؛ واخرى تثبت له صفات مختلفة
стр. 2375
من العلم والقدرة والكلام ونحوها؛ وطائفة ثالثة منها ما يصرح بأنه لا تدركه الأبصار، ومنها ما يدل على جواز رؤيته تعالى. فرأى رجال السلف الصالح متابعة الصحابة والتابعين في موقفهم منها، فغلبوا -كما يذكر ابن خلدون- أدلة التنزيه لكثرتها ووضوح دلالتها، وعلموا استحالة التشبيه، وقضوا بأن الآيات من كلام الله فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل" (١). ومن هؤلاء الذين وقفوا هذا الموقف مالك بن أنس وأحمد بن حنبل ﵄، فقد سئل الأول عن معنى قوله تعالى "الرحمن على العرش استوى" فقال: "الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والأيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" (٢).
إلا أنه شذ لعصر هوْلاء وبعدهم جماعة من المبتدعة راوا الأخذ بظاهر هذه الآيات ونحوها من الأحاديث، ورأوا تفسيرها كما وردت من غير تأويل، فوقعوا في التشبيه المحض والتجسيم الصريح، باعتقاد بعضهم أن لله يدا وقدما ووجها وبعضهم أن له جهة ينزل منها حين يريد وعرشًا يستوى عليه وكلامًا له صوت وحروف؛ وبذلك نرى الأولين أشبهوا في ذاته تعالى، والآخرين أشبهوا في صفاته وأنهم آلوا جميعًا إلى التجسيم (٣)
من هؤلاء المشبهة المجسمة جماعة من الحنابلة الغلاة الذين أوقعهم في هذه الهاوية تطرفهم في الأخذ بالظاهر وتفسيره كما ورد. وقد ذكر جمال الدين بن الجوزي في كتابه "دفع شبهة التشبيه" كثيرا من آراء هؤلاء المتطرفين أمثال الحسن بن حامد البغدادي الوراق شيخ الحنابلة في زمنه والقاضي أبو يعلى وابو الحسن بن الزاغونى، وغيرهم ممن يقول فيهم ابن الجوزي، في كتابه المذكور، إن من أصحابنا الحنابلة من تكلم في الأصول بما لا يصلح فنزلوا إلى مرتبة العوام؛ إذ
стр. 2376
حملوا الصفات على مقتضى الحس، وأثبتوا لله صورة ووجها زائدا على الذات .. ! وقد حكى عنهم عضد الدين الأيجى في هذه الناحية ما تأنف الآذان من سماعه (١).
٢ - على النقيض من رأى هؤلاء الغلاة في التمسك بظاهر ما تشابه من الآيات والأحاديث فصاروا إلى التشبيه والتجسيم، نجد المعتزلة الذين غلوا في فهم وحدة الله وتنزيهه فصاروا إلى التعطيل بنفى كل الصفات.
رأس هذه الفرقة هو واصل بن عطاء (٨٠ - ١٣١ هـ) حتى إن بعض المؤلفين يلقبها أحيانا بالواصلية (٢). كان واصل من تلاميذ الحسن البصري، إمام أهل السنة في وقته؛ وفي يوم ما سئل البصري عن رأيه في جماعة يكفرون أصحاب الكبائر وآخرين يرجئون الحكم عليهم، فتفكر الحسن قليلا، وقبل أن يجيب قال واصل: "أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق ولا كافر مطلق، بل هو في منزلة بين المنزلتين: لامؤمن ولا كافر" ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به، فقيل اعتزل عنا واصل، وسمى هو وأصحابه معتزلة (٣).
وليس من همنا الآن أن نحقق سبب تسميتهم معتزلة، لذلك نضرب صفحًا عن الأقوال المختلفة في سبب التسمية، إلا أننا نذكر أنه قد يكون الحق أن هذه التسمية لم تكن لتركهم سارية من المسجد إلى سارية أخرى، بل لاعتزالهم ما كان معروفًا حين ذاك من الآراء في المسألة التي كان فيها الخلاف، أي من حكم من ارتكب إحدى الكبائر. وهؤلاء المعتزلة يرجعون في الأصل إلى شعبتين: شعبة البصرة التي أسسها واصل هذا الذي يذكره المسعودى بأنه شيخ المعتزلة وقديمها (٤)، وشعبة الكوفة التي أسسها بشر بن المعتمر المتوفى عام ٢١٠ هـ. وهم فرق كثيرة تختلف في بعض التفاصيل والجزئيات إلا أنها كلها تجمعها أصول خمسة: التوحيد، والعدل، والوعد، والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وليس يستحق أحد منهم اسم
стр. 2377
الاعتزال حتى يجمع القول بهذه الأصول (١). وقد تناول هذه الأصول بالشرح والتحليل كثير من المؤلفين، نذكر منهم الخياط المعتزلى في كتابه الانتصار، والمسعودى في مروج الذهب جـ ٣ ص ١٥٣ - ١٥٤، والشهرستانى في الملل والنحل جـ ١ ص ٥١ وما بعدها، وغير هؤلاء من المتكلمين فلا حاجة للتطويل بشرحها وتحليلها.
وتطبيقًا لأصلهم الأول، وهو التوحيد، نراهم يغلون في فهم تنزيه الله عن سمات المخلوقين فينفون صفات المعاني- من العلم والقدرة والإرادة والحياة- حذرًا من تعدد القديم، كما قضوا بنفى السمع والبصر والكلام لكونها من عوارض الأجسام (٢) وهكذا أمعنوا في هذه الناحية بنفى الصفات حتى سموا أيضًا بالمعطلة (٣)، أي الذين عطالوا الذات من صفاتها، في مقابلة الذين أثبتوها من السلف فسموا بالصفاتية.
وخير ما يمعر شرح المعتزلة لهذا الأصل- أعنى التوحيد -هو ما حكاه عنهم الأشعرى في كتابه القيم مقالات الإسلاميين (٤) من أن الله تعالى واحد ليس كمثله شيء؛ فليس بجسم ولا سورة ولا جوهر ولا عرض ولا بذى لون ولا رائحة ولا مجسة، ولا طول ولا عرض ولا عمق، ولا يتحرك ولا يسكن، وليس بذى أعضاء وأجزاء وجوارح وليس بذى جهات ولا يحيط به مكان، ولا تجوز عليه المماسة ولا تدركه الحواس، ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه، ولا تدركه الأبصار ولا يسمع بالأسماع، إلى آخر للك الصفات السلبية كلها التي بها يسلم أصلهم الأول وهو توحيد الله في كل شيء وتنزيهه عن كل مشابهة لشئ من خلقه ماخطر منها بالبال وما لم يخطر.
وهكذا نرى رأى المعتزلة في هذه المسألة يقوم على الاستمساك بآيات التنزيه وتأويل الآيات المتشابهة تأويلًا يتفق والتنزية والتوحيد اللذين جاء بهما الإسلام. كان من هذا أن أولوا الاستواء على العرش بالاستيلاء، واليد بالقدرة أو النعمة، والعين- في قوله تعالى
стр. 2378
"ولتصنع على عينى"- بالعلم (١)، وأن أجمعوا على أن الله لا يرى بالأبصار (٢) لاستلزام الرؤية الجهة والجسمية عندهم.
والمعتزلة بعد هذا كانوا أكثر الفرق اتصالًا بالفلسفة اليونانية وأسرعهم للإفادة منها؛ اضطرهم لذلك ما انتدبوا أنفسهم له من الحجاج عن الدين وعقائده، والرد على المخالفين من أصحاب الملل والنحل الأخرى. ولهم في هذا أعلام يشار إليهم مثل أبو الهذيل العلاف شيخهم الأكبر كما يصفه الشهرستانى (٣)، والذي عاش في القرنين الثاني والثالث من الهجرة، وتلميذه إبراهيم بن سيار النظام المتوفى عام ٢٢١ هـ الذي جعل وَكده الرد على الملحدين وبخاصة الدهريين، والجاحظ تلميذ النظام وخريجه المتوفى -كما يروى ابن خلكان- عام ٢٥٥ هـ وقد نيف على التسعين والذي كان حياته لسان المعتزلة المدافع عنها، وساعده على هذا أن حظه من الفلسفة اليونانية كان أوفر من حظ سابقيه. هذه الجهود في نصرة الدين والرد على الملاحدة هي التي جعلت أبا الحسين الخياط يقول: "وويل صاحب الكتاب- يريد ابن الروندى- من الملحدين والذب عن التوحيد لولا إبراهيم وأشباهه من علماء المسلمين، الذين شأنهم حياطة التوحيد ونصرته والذب عنه عند طعن الملحدين فيه الذين شغلوا أنفسهم بجوابات الملحدين ووضع الكتب عليهم إذ شغل أهل الدينا بلذاتها وجمع حطامها. (٤) ".
بعد هذا لا يكون الباحث مبالغًا أن قرر أن المعتزلة هم الذين خلقوا علم الكلام على هذا النحو، بنصبهم أنفسهم مدافعين عن الدين، رادين على الفرق المخالفة للحق في رأيهم من المسلمين وغير المسلمين.
في ذلك يقول الشهرستانى: "ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين فسرت أيام المأمون فخلطت مناهجها بمناهج الكلام، وأفردتها فنًا من فنون العلم وسمتها باسم الكلام" (٥) ولا نتعرض هنا للحكم على خلقهم هذا العلم أكان شرًّا أم خيرًا، فلذلك موضع آخر غير هذا البحث المحدود.
стр. 2379
٣ - ومهما يكن فقد ظهر الأشعرى في هذه الفترة، فترة تطاحن الملل والنحل والمذاهب والآراء، فأسس مذهبه الذي عرف فيما بعد بمذهب أهل السنة والجماعة من أصحاب الحديث والرأى. وحملة فرق الفقهاء، أي أهل الحق دون من عداهم من المبتدعين (١). ومؤسس هذا المذهب هو أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعرى البصري مولدًا والمتوفى عام ٣٣٠ هـ على أرجح الأقوال.
ومن الطريف ذكره هنا أن الأشعرى، وهو إمام أهل السنة، نشأ على الاعتزال وتتلمذ على أبي على الجبائى حتى صار إمام المعتزلة في عصره؛ وأن واصل بن عطاء كان -كما رأينا- في أول أمره سلفيًا تلميذًا للحسن البصري؛ من أجل هذا نرى الناس يرتابون في الأشعرى حينما ظهر بمذهبه الجديد، سواء في ذلك أصحابه الأولون المعتزلة ومن مال إليهم وهم أهل السنة، وبلغ من هذه الريبة أن كفره الحنابلة واستباحوا دمه. عنى الأشعرى بتحكيم العقل والنظر الصحيح في آراء تلك الفرق المتعارضة المتناقضة وبخاصة في آراء المعتزلة أصحابه القدامى، حتى هدى في كثير من الحالات إلى رأى وسط يعتبر الحق لدى جمهرة النظار المعتبرين. وفي ذلك يقول ابن خلدون بعد ما حكى في إيجاز آراء المشبهة والمجسمة وما كان من المعتزلة من عقائد تخالف مذهب أهل السلف، ومن هذا رأيهم في القرآن وأنه مخلوق مما كان سببًا للفتنة الدامية المعروفة أيام المأمون ومن بعده ومن رأى رأيه- يقول: وكان ذلك سببًا لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية على هذه العقائد دفعًا في صدور هذه البدع، وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الأشعرى إمام المتكلمين فتوسط بين الطرق، ونفى التشبيه، وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه، ورد على المبتدعة في ذلك كله، وتكلم معهم فيما مهدوه لهذه البدع من القول بالصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح، وكمل العقائد في البعثة وأحوال الجنة والنار والثواب والعقاب، وألحق بذلك
стр. 2380
الكلام في الإمامة لما ظهر حينئذ من بدعة الإمامية من قولهم إنها من عقائد الإيمان" (١).
وفي مكانة الأشعرى وأثره في هذا العلم يقول أيضًا الحافظ بن عساكر الدمشقي المتوفى عام ٥٧١ هـ: إنه في ذلك العصر قام سوق البدع، وحاد أهل الاعتزال عن سنن الاعتدال فنفوا عن الرب سبحانه ما أثبته من صفاته، وتمادى أهل التشبيه حتى توهموا ربهم جسمًا يقبل تميزًا وافتراقًا وانضمامًا. حتى جاء أبو الحسن الأشعرى فكان لديد الخصام لمن حاول الإلحاد في أسماء الله وصفاته، وألزم الحجة لمن خالف السنة، فلم يسرف في التعطيل ولم يغل في التشبيه وكان بين ذلك قوامًا (٢).
وقد ظهر توسط الأشعرى وكبار النظار الذين نصروا رأيه من بعده وسموه مذهب أهل السنة والجماعة، في مسائل كثيرة نذكر منها ثلاثًا هي في رأينا أهمها. هذه المسائل هي: مسألة الصفات، ومسألة الكلام وما يتبعها من أن القرآن مخلوق أو غير مخلوق، ومسألة رؤيته تعالى.
ففي مشكلة الصفات وجد الأشاعرة أن المشبهة والمجسمة ألغوا عقولهم بحجة التمسك بالظاهر فأضافوا لله ما لا يرتضيه عاقل من الصفات التي تدل على أن له تعالى جهة ومكانًا وأجزاء ونحو هذا، وأن المعتزلة غلوا في الطرف الآخر فنفوا عن الله كل صفة فوقعوا في التعطيل، وأن الحق التوسط في الأمر فأضافوا له صفات العلم والقدرة ونحوهما مما لا يوهم التجسيم والتشبيه، وبذلكُ كانوا بحق وسطًا بين طرفى الإفراط والتفريط.
وكذلك في مشكلة الكلام: أحادث هو أم قديم، والقرآن: أمخلوق هو أم غير مخلوق، رأوا- في الأشاعرة- الحنابلة والحشوية يذهبون إلى أن الأصوات والحروف مع تواليها وترتب بعضها على بعض كانت ثابتة في الأزل قائمة بذاته تعالى، وإلى أن المسموع من أصوات القراء والمرئى من أسطر الكتاب
стр. 2381
نفس كلام الله القديم، بل زاد بعضهم في الغلو فذهب إلى أزلية الجلدة والغلاف كما ذهب آخرون إلى أن الجسم الذي كتب به القرآن فانتظم حروفًا وكلمات هو بعينه كلام الله وصار قديما بعد أن كان حادثًا (١)؛ كما رأوا أن المعتزلة ذهبوا إلى أنه حادث مخلوق لأنهم زعموا أنه من الحروف وهذا بلاشك حادث؛ ولذلك قالوا الحادث لايقوم بذاته تعالى، وإذن فمعنى كون الله متكلمًا- وهذا مالا يسعهم إنكاره- أنه خلق الكلام في بعض الأجسام المخصوصة كاللوح المحفوظ وجبريل والنبي [ ﷺ ] (٢).
هكذا رأى الأشاعرة الأمر بين الحنابلة والمعتزلة، فنظروا في حجج الفريقين، ووزنوها بميزان العقل والإنصاف، فكانت النتيجة أن وافقوا الأولى في أن القرآن قديم، ولكنه ليس كما قالوا الألفاظ والحروف التي نراها مسطورة في الصحف ونسمعها بآداننا ونتلوها بألسنتنا، إنما هو المعنى النفسى القائم بذاته تعالى. كما وافقوا الآخرين على أن النظم المؤلف من الحروف والأصوات على الترتيب المعروف حادث، لكن هذا ليس القرآن محل النزاع، إنه كما قلنا المعنى النفسى القائم بذات الله وهو قديم لاريب فيه للاتفاق على استحالة قيام الحوادث بذاته تعالى (٣) وهذا الرأى الذي حكيناه عن الأشاعرة نجده في كتب التوحيد بأيدينا وتدرس بالأزهر، كما نجده للأشعرى نفسه في كتابه الإبانة وكتابه مقالات الإسلاميين (٤)، وللغزالى في كتابه الاقتصاد (٥).
بقى -بعد هذه المسألة وتلك- مسألة رؤية الله، وهل هي جائزة أو ممتنعة، وإذا كانت جائزة فكيف، أما الحنابلة المشبهة فيجيزونها في الدنيا، جريًا وراء الظاهر من الآيات والأحاديث كما ذكره جمال الدين بن الجوزي في كتابه دفع شبهة التشبيه (٦) وأجازوها في جهة ومكان (٧)، بينما أحالها المعتزلة لما تستلزمه في رأيهم من جهة يكون فيها المرئى في مقابلة الرائى، كما تقدم
стр. 2382
بيانه عنهم (١)، فجاء الأشاعرة وذهبوا إلى جواز الرؤية بالأبصار في الدنيا ووقوعها في الآخرة من غير أن تستلزم أن يكون المرئى في مكان وجهة ودون ارتسام سورة المرئى في العين ونحو هذا مما يوهم التشبيه (٢). بذلك كان الأشاعرة وسطًا في هذه المسألة كما في سابقتيها، إذ لم يذهبوا إلى ما رآه المعتزلة من نفيها مطلقًا، ولا إلى ما رآه الحنابلة من جوازها- بل ووقوعها- بما تستلزمه من الجهة والمكان والمقابلة كما في الحوادث.
وإذا جاز لنا أن نبحث هنا مدى نجاح الأشاعرة في محاولاتهم التي ذكرنا بعض الشيء عنها في التوفيق بين بعض الآراء والمذاهب المتعارضة، نقول إنهم في مسألة الصفات لم يوفقوا فيما نرى. إنه ليس هناك من الأدلة القطعية ما يثبت أن لله صفات غير الذات، وكل ما في الكلام أنه متكلم وقادر وعالم إلخ فلو وقفوا عند هذا ولم يحاولوا إثبات صفات زائدة على الذات، لما لزمهم القول بتعدد القدماء لزومًا لم يستطيعوا الفرار منه ولا الدفاع عنه.
وفي مسألة كلام الله وقدمه كان التوفيق فيما نرى حليفهم. لقد فرقوا بين الكلام المتلفظ به الذي نقرؤه - وهو حادث- وبين الكلام النفسى القائم بذاته تعالى وهو القديم، وبهذا حكموا اللغة والنقل والعقل وخلصوا من شنعة القول بخلق القرآن أو بقدم كل ما يتصل به حتى الجلدة والغلاف.
وكذلك كانوا موفقين في مشكلة رؤيته تعالى. إنهم بعد أن نزهوا الله عما يوهم التشبيه والتجسيم اللذين وقع فيهما المشبهة والمجسمة، وجدوا من الآيات والأحاديث ما يجيز رؤيتنا لنّه تعالى، فأثبتوها بلا كيف ولا انحصار ولا جهة ولا مكان ولا غير ذلك مما يكون عادة في رؤية الحوادث، وهذا ما لا يحيله العقل السليم.
بعد هذا نذكر كلمة عن الخوارج والمرجئة والشيعة، حتى نخلص من التعريف بالفرق الأصول كلها كما وعدنا أول البحث.
стр. 2383
٤ - ظهر الخوارج إثر فتنة على ومعاوية ﵄، وتاريخهم كحزب سياسى كان له آثار لها خطرها في الدولة الإسلامية، كل ذلك معروف فلا حاجة للكلام فيه، إنما الذي يهمنا الآن هو تعرف ما كان لهم من رأى في بعض المسائل الدينية التي جرهم إليها موقفهم السياسي. فقد انتهى تشددهم في الدين إلى أن قرروا أن الإيمان ليس الاعتقاد وحده، بل يدخل فيه العمل بما أنزل الله من أوامر، وإذًا فمن اعتقد بوحدانية الله وبرسالة من أرسل من رسله ولم يعمل بأوامره فهو كافر. وبذلك نرى الخلاف السياسي الذي كان يدور على الخلافة ومن أحق بها، يأخذ طابعًا دينيًّا قويًّا، وتتكون حوله فرق الخوارج والشيعة والمرجئة.
وفرق الخوارج العشرون تختلف فيما بينها في الجزئيات والتفاصيل إلا أنها جميعها تتفق علي أن كل من أتى من المسلمين ذنبا فهو كافر (١)؛ لأن الإيمان اعتقاد وعمل، وهذا ما اشتهر بين علماء الكلام بمسألة مرتكب الكبيرة وهل هو كافر أو مؤمن أو في منزلة بين المنزلتين، على الخلاف بين الخوارج والمرجئة والمعتزلة. ويذكر ابن حزم أن عمدة مذهب الخوارج هو الكلام في الإيمان والكفر ما هما، والتسمية بهما، والوعد، والإمامة، واختلفوا فيما عدا ذلك كما اختلف غيرهم (٢). وبهذا لا يكون بعيدًا عما ذكر الأسفرايينى في التبصير.
وجملة القول في مرتكب الكبيرة أن الأمة اختلفت في حكمه واسمه على مذاهب لكل أدلته التي استند إليها؛ فقال الأشاعرة إنه مؤمن ورأى الخوارج أنه كافر، وتوسط بينهما المعتزلة فذهبوا إلى أنه لا مؤمن. ولاكافر، بإطلاق بل هو في منزلة بين الإيمان والكفر (٣) ومعلوم أن هذا الخلاف فرع الخلاف في حد الإيمان والكفر.
٥ - وكما كان بحث الخوارج يدور حول الإيمان والكفر، كذلك كان بحث
стр. 2384
المرجئة (١) وهم الفرقة التي ذهبت إلى أن الإيمان هو التصديق أي معرفة الله بالقلب دون الإقرار باللسان والعمل بالجوارح، وبعضهم زاد الإقرار باللسان على المعرفة بالقلب، وبعضهم غلا غلوًا كبيرأ فزعم أن الإيمان قول باللسان وإن اعتقد الكفر بقلبه، وإذن فهم جميعًا يتفقون على أن العمل ليس من مفهوم الإيمان (٢)، ولعل هذا الرأى في الإيمان، أعنى إرجائهم وتأخيرهم العمل منه على معنى أنهم يقولون؛ "ولا تضر المعصية مع الإيمان كما لا تنفع الطاعة مع الكفر"، هو سبب تسميتهم بهذا الاسم الذي عرفوا به (٣).
وقد كان الباعث الأول لظهور المرجئة سياسيًا مرده إلى مسألة الإمامة وخلاف على ومعاوية؛ رأوا الخوارج يكفرون أصحاب الكبائر والشيعة الذين يرون -كما سيجئ- أن الإيمان بالإمام وطاعته جزء من الإيمان بالله، فأخذوا يبحثون فيما هو الإيمان، وكان أن ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه فيه فلم يكفروا طائفة من تلك الطوائف المختلفة. إلا أنه لما كانوا على طرفى نقيض مع الخوارج كانت الخصومة حادة بين الطائفتين، كما كان شديدًا خلافهم مع المعتزلة أيضًا، لجعل هؤلاء وأولئك- الخوارج والمعتزلة- العمل جزءًا من الإيمان لا يتم إلا به.
من أجل ذلك نرى بعضهم يؤلف الكتب في نصر مذهبه والرد على خصومه. كما ذكر ابن النديم أن اليمان ابن رباب، من جملة الخوارج ورؤسائهم، كان من تآليفه كتاب على المعتزلة في القدر، وآخر في الرد على المرجئة (٤) ولهذا أمثال كثيرون بين الفرق الإسلامية.
٦ - وأخيرًا نصل إلى الشيعة، الفرقة السادسة من الفرق الأصول الست. أشرنا من قبل إلى أن مشكلة الخلافة كانت من المشاكل الأولى التي واجهت المسلمين واختلفوا فيها فتكون حول هذا الخلاف الخوارج والشيعة والمرجئة.
стр. 2385
وأصل كلمة "شيعة" تطلق على أتباع الرجل وأنصاره، فكان هناك إذا شيعة على وشيعة معاوية، لكن هذا لما أصبح بعد وفاة على وتنازل ابنه الحسن عن الخلافة صاحب أمة لا صاحب حزب وشيعة خاصة، أصبحت هذه الكلمة إذا أطلقت يراد بها حزب على وبنيه وحده. هذا الحزب أقض مضاجع الأمويين أولًا ثم العباسيين من بعد، وكان له منازعات- تستخفى آنا وتستعلن آنا- وحروب غيروا بها من حكومات الدولة الإسلامية، وذلك كله معروف ليس هنا موضع الكلام فيه. إنما الذي نشير إليه هو خلافهم الهام في الإمامة الذي ألبسوه ثوب الدين فأصبح ملحقًا بعلم الكلام (١) أما فيما عدا الإمامة فهم يوافقون المعتزلة في كثير من مسائله.
والشيعة طوائف متعددة، إلا أنه تكاد تجمعهم هذه الطوائف: الغالية الذين غلوا في على ﵁ وقالوا فيه ما لم يرد. وما لم يأذن به الله، والكيسانيةَ الذين ينسبون إلى كيسان رئيس جند المختار بن عبيد الثقفى الذي خرج مطالبا بدم الحسين وداعيًا لمحمد ابن الحنفية؛ والزيدية نسبة إلى زيد بن علي بن زين العابدين بن الحسين ﵉ والإمامية الذين يجعلون الخلافة بعد على زين العابدين هذا في محمد الباقر لا زين العابدين بن علي. ولكل من هذه الطوائف فرق تتفرع منها وتختلف في هذه أو تلك من المسائل، وإن كان عمدة كل منهم جميعًا يدور حول الإمامة والمفاضلة بين أصحاب الرسول ﷺ (٢).
والشيعة جميعًا يعتقدون أن الإمامة ركن من أركان الدين، فليس للنبي [ ﷺ ]- إذًا- إغفالها ولا تركها للأمة تعين فيها من تشاء، بل عليه تعيين الإمام لهم، وزادوا على هذا أنهم يعتقدون أيضًا أن الرسول ﷺ عين لهذا المنصب الجليل عليًّا ﵁ معتمدين على نصوص يتداولونها ويؤولونها كما يشاءون، كان كان جهابذة السنة ونقلة الشريعة -كما يقول ابن خلدون- لا يعرفونها (٣) لذلك اضطر أهل السنة