← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

نفس كلام الله القديم، بل زاد بعضهم في الغلو فذهب إلى أزلية الجلدة والغلاف كما ذهب آخرون إلى أن الجسم الذي كتب به القرآن فانتظم حروفًا وكلمات هو بعينه كلام الله وصار قديما بعد أن كان حادثًا (١)؛ كما رأوا أن المعتزلة ذهبوا إلى أنه حادث مخلوق لأنهم زعموا أنه من الحروف وهذا بلاشك حادث؛ ولذلك قالوا الحادث لايقوم بذاته تعالى، وإذن فمعنى كون الله متكلمًا- وهذا مالا يسعهم إنكاره- أنه خلق الكلام في بعض الأجسام المخصوصة كاللوح المحفوظ وجبريل والنبي [ ﷺ ] (٢). هكذا رأى الأشاعرة الأمر بين الحنابلة والمعتزلة، فنظروا في حجج الفريقين، ووزنوها بميزان العقل والإنصاف، فكانت النتيجة أن وافقوا الأولى في أن القرآن قديم، ولكنه ليس كما قالوا الألفاظ والحروف التي نراها مسطورة في الصحف ونسمعها بآداننا ونتلوها بألسنتنا، إنما هو المعنى النفسى القائم بذاته تعالى. كما وافقوا الآخرين على أن النظم المؤلف من الحروف والأصوات على الترتيب المعروف حادث، لكن هذا ليس القرآن محل النزاع، إنه كما قلنا المعنى النفسى القائم بذات الله وهو قديم لاريب فيه للاتفاق على استحالة قيام الحوادث بذاته تعالى (٣) وهذا الرأى الذي حكيناه عن الأشاعرة نجده في كتب التوحيد بأيدينا وتدرس بالأزهر، كما نجده للأشعرى نفسه في كتابه الإبانة وكتابه مقالات الإسلاميين (٤)، وللغزالى في كتابه الاقتصاد (٥). بقى -بعد هذه المسألة وتلك- مسألة رؤية الله، وهل هي جائزة أو ممتنعة، وإذا كانت جائزة فكيف، أما الحنابلة المشبهة فيجيزونها في الدنيا، جريًا وراء الظاهر من الآيات والأحاديث كما ذكره جمال الدين بن الجوزي في كتابه دفع شبهة التشبيه (٦) وأجازوها في جهة ومكان (٧)، بينما أحالها المعتزلة لما تستلزمه في رأيهم من جهة يكون فيها المرئى في مقابلة الرائى، كما تقدم

стр. 2382

بيانه عنهم (١)، فجاء الأشاعرة وذهبوا إلى جواز الرؤية بالأبصار في الدنيا ووقوعها في الآخرة من غير أن تستلزم أن يكون المرئى في مكان وجهة ودون ارتسام سورة المرئى في العين ونحو هذا مما يوهم التشبيه (٢). بذلك كان الأشاعرة وسطًا في هذه المسألة كما في سابقتيها، إذ لم يذهبوا إلى ما رآه المعتزلة من نفيها مطلقًا، ولا إلى ما رآه الحنابلة من جوازها- بل ووقوعها- بما تستلزمه من الجهة والمكان والمقابلة كما في الحوادث. وإذا جاز لنا أن نبحث هنا مدى نجاح الأشاعرة في محاولاتهم التي ذكرنا بعض الشيء عنها في التوفيق بين بعض الآراء والمذاهب المتعارضة، نقول إنهم في مسألة الصفات لم يوفقوا فيما نرى. إنه ليس هناك من الأدلة القطعية ما يثبت أن لله صفات غير الذات، وكل ما في الكلام أنه متكلم وقادر وعالم إلخ فلو وقفوا عند هذا ولم يحاولوا إثبات صفات زائدة على الذات، لما لزمهم القول بتعدد القدماء لزومًا لم يستطيعوا الفرار منه ولا الدفاع عنه. وفي مسألة كلام الله وقدمه كان التوفيق فيما نرى حليفهم. لقد فرقوا بين الكلام المتلفظ به الذي نقرؤه - وهو حادث- وبين الكلام النفسى القائم بذاته تعالى وهو القديم، وبهذا حكموا اللغة والنقل والعقل وخلصوا من شنعة القول بخلق القرآن أو بقدم كل ما يتصل به حتى الجلدة والغلاف. وكذلك كانوا موفقين في مشكلة رؤيته تعالى. إنهم بعد أن نزهوا الله عما يوهم التشبيه والتجسيم اللذين وقع فيهما المشبهة والمجسمة، وجدوا من الآيات والأحاديث ما يجيز رؤيتنا لنّه تعالى، فأثبتوها بلا كيف ولا انحصار ولا جهة ولا مكان ولا غير ذلك مما يكون عادة في رؤية الحوادث، وهذا ما لا يحيله العقل السليم. بعد هذا نذكر كلمة عن الخوارج والمرجئة والشيعة، حتى نخلص من التعريف بالفرق الأصول كلها كما وعدنا أول البحث.

стр. 2383

٤ - ظهر الخوارج إثر فتنة على ومعاوية ﵄، وتاريخهم كحزب سياسى كان له آثار لها خطرها في الدولة الإسلامية، كل ذلك معروف فلا حاجة للكلام فيه، إنما الذي يهمنا الآن هو تعرف ما كان لهم من رأى في بعض المسائل الدينية التي جرهم إليها موقفهم السياسي. فقد انتهى تشددهم في الدين إلى أن قرروا أن الإيمان ليس الاعتقاد وحده، بل يدخل فيه العمل بما أنزل الله من أوامر، وإذًا فمن اعتقد بوحدانية الله وبرسالة من أرسل من رسله ولم يعمل بأوامره فهو كافر. وبذلك نرى الخلاف السياسي الذي كان يدور على الخلافة ومن أحق بها، يأخذ طابعًا دينيًّا قويًّا، وتتكون حوله فرق الخوارج والشيعة والمرجئة. وفرق الخوارج العشرون تختلف فيما بينها في الجزئيات والتفاصيل إلا أنها جميعها تتفق علي أن كل من أتى من المسلمين ذنبا فهو كافر (١)؛ لأن الإيمان اعتقاد وعمل، وهذا ما اشتهر بين علماء الكلام بمسألة مرتكب الكبيرة وهل هو كافر أو مؤمن أو في منزلة بين المنزلتين، على الخلاف بين الخوارج والمرجئة والمعتزلة. ويذكر ابن حزم أن عمدة مذهب الخوارج هو الكلام في الإيمان والكفر ما هما، والتسمية بهما، والوعد، والإمامة، واختلفوا فيما عدا ذلك كما اختلف غيرهم (٢). وبهذا لا يكون بعيدًا عما ذكر الأسفرايينى في التبصير. وجملة القول في مرتكب الكبيرة أن الأمة اختلفت في حكمه واسمه على مذاهب لكل أدلته التي استند إليها؛ فقال الأشاعرة إنه مؤمن ورأى الخوارج أنه كافر، وتوسط بينهما المعتزلة فذهبوا إلى أنه لا مؤمن. ولاكافر، بإطلاق بل هو في منزلة بين الإيمان والكفر (٣) ومعلوم أن هذا الخلاف فرع الخلاف في حد الإيمان والكفر. ٥ - وكما كان بحث الخوارج يدور حول الإيمان والكفر، كذلك كان بحث

стр. 2384

المرجئة (١) وهم الفرقة التي ذهبت إلى أن الإيمان هو التصديق أي معرفة الله بالقلب دون الإقرار باللسان والعمل بالجوارح، وبعضهم زاد الإقرار باللسان على المعرفة بالقلب، وبعضهم غلا غلوًا كبيرأ فزعم أن الإيمان قول باللسان وإن اعتقد الكفر بقلبه، وإذن فهم جميعًا يتفقون على أن العمل ليس من مفهوم الإيمان (٢)، ولعل هذا الرأى في الإيمان، أعنى إرجائهم وتأخيرهم العمل منه على معنى أنهم يقولون؛ "ولا تضر المعصية مع الإيمان كما لا تنفع الطاعة مع الكفر"، هو سبب تسميتهم بهذا الاسم الذي عرفوا به (٣). وقد كان الباعث الأول لظهور المرجئة سياسيًا مرده إلى مسألة الإمامة وخلاف على ومعاوية؛ رأوا الخوارج يكفرون أصحاب الكبائر والشيعة الذين يرون -كما سيجئ- أن الإيمان بالإمام وطاعته جزء من الإيمان بالله، فأخذوا يبحثون فيما هو الإيمان، وكان أن ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه فيه فلم يكفروا طائفة من تلك الطوائف المختلفة. إلا أنه لما كانوا على طرفى نقيض مع الخوارج كانت الخصومة حادة بين الطائفتين، كما كان شديدًا خلافهم مع المعتزلة أيضًا، لجعل هؤلاء وأولئك- الخوارج والمعتزلة- العمل جزءًا من الإيمان لا يتم إلا به. من أجل ذلك نرى بعضهم يؤلف الكتب في نصر مذهبه والرد على خصومه. كما ذكر ابن النديم أن اليمان ابن رباب، من جملة الخوارج ورؤسائهم، كان من تآليفه كتاب على المعتزلة في القدر، وآخر في الرد على المرجئة (٤) ولهذا أمثال كثيرون بين الفرق الإسلامية. ٦ - وأخيرًا نصل إلى الشيعة، الفرقة السادسة من الفرق الأصول الست. أشرنا من قبل إلى أن مشكلة الخلافة كانت من المشاكل الأولى التي واجهت المسلمين واختلفوا فيها فتكون حول هذا الخلاف الخوارج والشيعة والمرجئة.

стр. 2385

وأصل كلمة "شيعة" تطلق على أتباع الرجل وأنصاره، فكان هناك إذا شيعة على وشيعة معاوية، لكن هذا لما أصبح بعد وفاة على وتنازل ابنه الحسن عن الخلافة صاحب أمة لا صاحب حزب وشيعة خاصة، أصبحت هذه الكلمة إذا أطلقت يراد بها حزب على وبنيه وحده. هذا الحزب أقض مضاجع الأمويين أولًا ثم العباسيين من بعد، وكان له منازعات- تستخفى آنا وتستعلن آنا- وحروب غيروا بها من حكومات الدولة الإسلامية، وذلك كله معروف ليس هنا موضع الكلام فيه. إنما الذي نشير إليه هو خلافهم الهام في الإمامة الذي ألبسوه ثوب الدين فأصبح ملحقًا بعلم الكلام (١) أما فيما عدا الإمامة فهم يوافقون المعتزلة في كثير من مسائله. والشيعة طوائف متعددة، إلا أنه تكاد تجمعهم هذه الطوائف: الغالية الذين غلوا في على ﵁ وقالوا فيه ما لم يرد. وما لم يأذن به الله، والكيسانيةَ الذين ينسبون إلى كيسان رئيس جند المختار بن عبيد الثقفى الذي خرج مطالبا بدم الحسين وداعيًا لمحمد ابن الحنفية؛ والزيدية نسبة إلى زيد بن علي بن زين العابدين بن الحسين ﵉ والإمامية الذين يجعلون الخلافة بعد على زين العابدين هذا في محمد الباقر لا زين العابدين بن علي. ولكل من هذه الطوائف فرق تتفرع منها وتختلف في هذه أو تلك من المسائل، وإن كان عمدة كل منهم جميعًا يدور حول الإمامة والمفاضلة بين أصحاب الرسول ﷺ (٢). والشيعة جميعًا يعتقدون أن الإمامة ركن من أركان الدين، فليس للنبي [ ﷺ ]- إذًا- إغفالها ولا تركها للأمة تعين فيها من تشاء، بل عليه تعيين الإمام لهم، وزادوا على هذا أنهم يعتقدون أيضًا أن الرسول ﷺ عين لهذا المنصب الجليل عليًّا ﵁ معتمدين على نصوص يتداولونها ويؤولونها كما يشاءون، كان كان جهابذة السنة ونقلة الشريعة -كما يقول ابن خلدون- لا يعرفونها (٣) لذلك اضطر أهل السنة

стр. 2386

لإلحاق مبحث الإمامة بعلم الكلام ليردوا على عقائد الشيعة فيها ما دام هؤلاء قد جعلوها من عقائد الإيمان (١). وقد فصل سعد الدين التفتازانى القول في إيراد حجج الشيعة والرد عليها (٢) كما فعل أمثاله من محققى علماء الكلام، فمن السهل الرجوع إلى ذلك في مواطنه. خاتمة: تلك كلمة عن علم التوحيد أو الكلام ونشأته وعوامله وتطوراته التي بها، وأشهر فرقه، وأصول كل فرقة منها. بقى إن نشير إلى رأى رجال الدين في هذا العلم بعد ما رأوا ماجره من فرقة وخلاف أمرهما معروف. لما اتصل المسلمون بالفلسفة اليونانية ونقلت كتبها للغة العربية أقبل عليها المسلمون إقبال الفهم، فمنهم من أخذ منها ما يصلحه ودينه، ومنهم من أعطى لعقله كامل حريته فلم ير للتفكير حدودًا يقف عندها إلا حدود المنطق. وكان من ذلك -كما رأينا- أن اختلط علم الكلام بالفلسفة اختلاطًا كبيرًا أضر بالعقيدة، فكرهه كثير من رجال الدين ورأوا تحذير العامة منه. إلا أن منهم من غلا في هذا غلوًا كبيرًا. يروى ابن الجوزي المتوفى عام ٥٩٧ هـ عن الشافعي أنه قال: "لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك- خير له من أن ينظر في علم الكلام"، كما يروى عن أحمد بن حنبل أنه قال: "لا يفلح صاحب الكلام أبدًا، علماء الكلام زنادقة (٣) " والمقريزى المتوفى عام ٨٤٥ هـ يذكر في فصل عقده لبيان الحال في عقائد المسلمين إلى أن انتشر مذهب الأشعرى، أنه تبع المعتزلة في بدعهم خلق كثير فنهى أئمة الإسلام عن مذهبهم وذموًا علم الكلام وهجروا من ينتحله (٤). ونفس المؤلف يختم هذا الفصل بقوله: "فهذه جملة من

стр. 2387

أصول عقيدته -أي عقيدة الأشعرى- التي عليها الآن جماهير أهل الأمصار الإسلامية والتي من جهر بخلافها أريق دمه" (١). وبعد هذين نجد طاش كبرى زادة المتوفى عام ٩٦٢ - يذكر أن كثيرًا من فقهاء عصره أنكروا على المشتغلين بهذا العلم أشد الإنكار؛ وأنه- لهذا- يجب التفرقة بين علم الكلام الذي دخل فيه من الفلسفة ما لا يتفق والكتاب والسنة، ككلام المعتزلة والمرجئة وأمثالهم، وبين علم الكلام المؤسس على الكتاب والسنة في مسائله، والأول هو الذي يجب ذمه وإنكاره دون الثاني (٢). نعتقد أن هؤلاء وأمثالهم قد أسرفوا في ذم هذا العلم والتنفير منه، ولكن نعتقد أيضًا أنه كان لهم شيء من العذر فيما ذهبوا إليه، وربما كان من الخير- وقد أشرنا إلى تلك الآراء- أن نشير إلى رأى نوافق عليه كل الموافقة وهو رأى العلامة المرحوم الشيخ حسين والى من علماء هذا العصر الذي نعيش فيه. هذا الرأى هو أن دراسة القرآن لفهم العقائد والتدليل عليها أولى من دراسة كتب الكلام الآن! لأن هذا العلم حدث في زمن كانت الحاجة ماسة له للرد على خصوم الإسلام من الدهريين والزنادقة والملاحدة والمبتدعة أما الآن وقد ذهبت تلك الخصوم وجاء خصوم آخرون فلا يليق فرض المذاهب حاضرًا وتركُ الحاضر الذي لا يرده إلا كتاب الله إذا بينه المراد على وجهه، وليس من الحزم أن يضيع الإنسان عمره في الاشتغال بخصوم موهومة وتركُ الخصم الموجود الذي ضيق عليه المساللُ. فضلًا عن هذا فإن تلك الكتب- كتب علم الكلام- فيها حجب كثيفة تمنع النور وتحدث الظلمة، وربما قضت على اعتقاد ثابت صحيح. والله الهاد إلى سواء السبيل. محمد يوسف موسى

стр. 2388

التوراة " التوراة" وبالعبرية تورا: في الآيات، المدنية (وفي بيت نسب للشاعر اليهودى السماك (١) في ابن هشام، ص ٦٥٩) كتاب أنزل بعد إبراهيم (سورة آل عمران، الآية ٦٥) وإسرائيل (= يعقوب، سورة آل عمران، الآية ٩٣) ثم أيده عيسى (سورة آل عمران، الآية ٥٠؛ سورة المائدة، الآية ٤٦؛ سورة الصف، الآية ٦) وفيه حكم الله (سورة المائدة، الآية ٤٣). والذين يقيمون التوراة من أهل الكتاب يثابون بالجنة (سورة المائدة، الآيةْ ٧٠) (٢) أما الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها فمثلهم "كمثل الحمار يحمل أسفارًا" (سورة الجمعة، الآية ٥) وتبشر التوراة بالنبي الأمى (سورة الأعراف، الآية ١٥٧) أي محمد [ ﷺ ]، وتعد الذين يقاتلون في سبيل الله بالجنة (سورة التوبة، الآية ١١١) (٣) وفي الآية ٤٤ و ٤٥ , من سورة المائدة عبارة من التوراة، فهي تردد تقريبًا نص الفقرة الخامسة والعشرين وما بعدها من الإصحاح الحادي والعشرين من سفر الخروج (٤). أما المثل (٥) الذي ساقته الآية ٢٩ من سورة الفتح نقلًا عن التوراة والإنجيل فليس من التوراة ولكنه في جوهره من المزامير (انظر على سبيل المثال المزمور

стр. 2389

لأول، الفقرة ٣ المزمور ٧٢، الفقرة ١٦؛ المزمور ٩٢، الفقرة ١٤). وفي عجز الآية ٩٣ من سورة آل عمران تحدى اليهود أن يأتوا بالتوراة ويتلوها (سفر التكوين، الإصحاح ٣٢، الفقرة ٣٣) ليعرفوا حكمها الذي وردت مادته في صدر هذه الآية. على أن العبارة التي وردت في الآية ٣٢ من سورة المائدة لم تستق من التوراة بل من مشنه سنهدرين (الإصحاح الرابع، الفقرة ٥). وفي القرآن- إلى جانب مثل هذه الإشارات البينة إلى التوراة- قصص (٦) وأحكام استقاها منها ورددها في مواضع كثيرة. ولم يعرف محمد [ ﷺ ] من أسفار العهد القديم - إلى جانب التوراة- سوى الزبور، أي المزامير. ولعله كان يقصد بالتوراة ما يقصده اليهود أنفسهم أحيانًا، وهو أنها تشمل جميع أسفارهم Exegetische Ter-: Bacher) minologie جـ ١، ص ١٩٧). وقد ذكرت التوراة كثيرًا في الحديث، ونص في بعض الأحاديث على أن موسى هو الذي آتاه الله التوراة (البخاري: كتاب التفسير، سورة البقرة، باب ١؛ كتاب التوحيد، باب ١٩. ٢٤، مسلم: كتاب الإيمان، حديث ٣٢٢، ابن ماجه: كتاب الزهد، باب ٣٧). وبينما يذكر الحديث أن اليهود يفاخرون بأنهم أوتوا التوراة وهي خير كثير (الترمذي: كتاب التفسير، سورة بنى إسرائيل، حديث ١٢؛ وانظر على سبيل المثال سفر الأمثال، الإصحاح الرابع، الفقرة ٢) إذ يشير في موضع آخر بأنها لاتغنيهم شيئًا وأن ليس فيها مثل أم القرآن، أي السبع من المثانى (الترمذي: كتاب التفسير، سورة بنى إسرائيل، حديث ٣، كتاب فضائل القرآن، باب ١) (٧) وما صفة [ ﷺ ] في

стр. 2390

التوراة إلا رواية غير دقيقة للفقرات ١ - ٤ من الإصحاح الثاني والأربعين من سفر أشعيا (انظر الفقرات المماثلة في ابن سعد جـ ١ - ٢، ٨٧ وما بعدها) ويقول البخاري (كتاب التفسير، سورة الفتح، باب ٣؛ كتاب البيوع، باب ٥٠) إن بعض هذه الصفة قد انتقل إلى القرآن (سورة الأحزاب، آية ٤٥، سورة الفتح، الآية ٨) (١). بالصيغة التي أوردها. وذكر أيضًا حديثًا (كتاب التوحيد، باب ٣١؛ ٤٧ كتاب مواقيت الصلاة، باب ١٧)، احتذى مثل "العمال وأجرهم" فجاء فيه أن أهل الكتاب شكوا من أن أهل القرآن أقل منهم عملًا وأكثر أجرًا، وهي إشارة إلى زيادة الفرائض على اليهود منها على المسلمين. ويقول البخاري في تفسير الآية ١٨٧ من سورة آل عمران (المناقب، باب ٢٦، كتاب التفسير، سورة آل عمران، باب ٦؛ كتاب التوحيد، باب ٥١ (إن النبي [ ﷺ ] سأل اليهود كيف يفعلون بمن زنى منهم فحاولوا أن يزيفوا عليه الجواب ويخفوا عنه الفقرة التي نصت التوراة فيها على الرجم (سفر التثنية، الإصحاح ٢٢، الفقرة ٢٣ وما بعدها) فباءوا بالخيبة. وعن ابن ماجة (كتاب الأطعمة، باب ٣٩) أنه جاء في التوراة "بركة الطعام الوضوء" وهو قول يرد ما أمر به اليهود من غسل اليدين قبل الطعام إلى التوراة، ويزعم دارسو العهد القديم والعهد الحديث أن هذا الحكم وارد فيها. وقد رغبت إشارات القرآن إلى التوراة علماء المسلمين من قديم في توثيق معرفتهم بما جاء فيها، على أن

стр. 2391

هذه المعرفة كانت محفوفة بالمكاره، لأنها كشفت عن بعض التعارض بين القرآن والتوراة والإنجيل. وقد أومأ النبي [ ﷺ ] في حديث ذكره البخاري كثيرًا إلى طريقة الخلاص من هذه المكاره (البخاري كتاب التوحيد، باب ٥١؛ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة"، باب ٢١، كتاب التفسير، سورة البقرة، باب ١١) فجاء في هذا الحديث أن أهل الكتاب كانوا يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله [ ﷺ ] لهؤلاء: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل (١) " وهو قول يود البخاري، كما يستفاد من عنوان هذا الباب من كتابه، لو استطاع أن يصل به إلى رأى في جواز تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية. وقد نهى الحديث (البخاري: كتاب الشهادات، باب ٢٩) المسلمين عن سؤال أهل الكتاب فيما أنزل عليهم، كما أن هؤلاء لا يسائلون المسلمين عن القرآن، ومع ذلك فلم نعدم إشارات إلى أناس من أكابر أهل التقى والصلاح (ابن سعد جـ ١ - ٢، ص ٧٩) درسوا التوراة في لغتها الأصلية (٢)، بل قرءوها من أولها إلى آخرها في أسبوع (ابن سعد، الموضع نفسه، ص ١٦١) (٣) وفي الحديث الصحيح والموضوع وفي المواعظ نقول كثيرة من التوراة لا نجد

стр. 2392

لها مثيلًا في كتب موسى، وهذا ما دعا شيخو Melanges de la Faculte Orientale (de Beyrouth .، جـ ٤، ص ٣٩ وما بعدها) إلى الشطط، فقال بوجود كتاب آخر غير توراة العبرانيين يعرف بالإسم نفسه، أخذت عنه هذه النقول. والواقع أنها إما تكون موضوعة لا أصل لها البتة، وإما أن تكون قد صيغت على منوال عبارات من العهدين القديم والجديد أومن التلمود ولم تحسن صياغتها. وقد جاء في كتاب المغازي لابن إسحاق المتوفى عام ١٥٠ هـ (٧٦٧ م) كلام في التاريخ والأنساب يدور حول العهدين القديم والحديث، وهو يدل على معرفة وثيقة بنصوص بعض أجزاء من التوراة. أما ابن هشام المتوفى عام ٢١٣ هـ (٨٢٨ م) فيذكر في مؤلفه "كتاب التيجان" الذي يروى فيه عن وهب بن منبه المتوفى عام ١٠١ هـ (٧٢٨ م) بعض الأسماء الواردة في العهدين القديم والحديث في صيغتها العبرية وصيغتها السريانية أيضًا. وكان ابن قتيبة المتوفى عام ٢٧٦ هـ (٨٨٩ م) يراجع الروايات الإسلامية على نص العهدين، وقد ذكر ذلك في مؤلفه "كتاب المعارف" (ص ١٣) وهو يردد شواهد من سفر الخروج كلمة كلمة. ولا تطابق الشواهد التي ساقها في كتبه الأخرى نص العهدين تمامًا، ويصدق هذا القول أيضًا على الشواهد التي أوردها الجاحظ في كتابه "الرد على النصارى". على أن معاصرًا آخر لابن قتيبة، وهو علي بن ربن الطبري الذي دخل في الإسلام، قد ساق في مؤلفه "كتاب الدين والدولة" الذي كتبه حوالي عام ٢٤٠ هـ (٨٥٤ - ٨٥٥ م، طبعة A. Mingana` إذا صدق أنه صاحب هذا المؤلف حقا؛ انظر Me-: Bouyge -langes de la Faculte Orientale de Bey routh جـ ١٠، ص ٢٤٢ وما بعدها) شواهد من جميع أحكام العهد القديم؛ وبعضها أيضًا في رسالة عبد المسيح بن إسحاق الكندى. وكانت نصوص العهدين القديم والحديث في متناول يد الداخلين في الإسلام من أمثال علي بن ربن يحصلون عليها في غير مشقة، أما الشواهد منهما الواردة في مؤلفات أولئك الذين ولدوا مسلمين فكانوا يتلقونها من أفواه اليهود أو النصارى

стр. 2393

أو من النقول العربية الأخرى للعهدين القديم والحديث. ويقال إن أحمد بن عبد الله بن سلام الإنجيلى قام بنقل من هذه النقول، فقد ترجم التوراة إلى العربية، وكان ذلك في عهد هارون الرشيد على ما رواه الفهرست (ص ٢٢) ولا نستطيع أن نجزم بأنه كان قريبًا لعبد الله بن سلام اليهود الذي أسلم في عهد النبي [ ﷺ ]. وقد ذكر المسعودى (كتاب التنبيه والإشراف، ص ١١٢) ثلاثة نقول أخرى: الأول لحنين بن إسحاق النسطورى المتوفى عام ٢٦٠ هـ (٨٧٣ - ٨٧٤ م) وقد اعتمد فيه على الترجمة اليونانية للعهد القديم، والاثنان الآخران لحبرين من أحبار اليهود هما أبو كثير المتوفى عام ٣٢١ هـ (٩٣٣ م) أو عام ٣٢٩ هـ (٩٤١ م) (١) وسعيد بن يوسف الفيوميّ المشهور بسعديا جاءون المتوفى عام ٣٣١ (٩٤٣ م) (٢) وقد نقل الإثنان من النص العبرى الأصلي. ولم يبق من كل هذه النقول إلا نقل سعديًا (طبعة درنبورغ، باريس سنة ١٨٩٣) والنقل الوحيد الآخر الذي بقى من هذا العهد هو الذي صنع في الأندلس عام ٣٤٥ هـ (٩٥٦ م) وقد نقل عن اللاتينية. أما النقول المتأخرة عن القبطية والسريانية والعبرية التي قام بها النصارى والسامريون فقد فصل هرزك الكلام عن المراجع الخاصة بها جميعا في مقاله الموسوم بـ BI , Arabische beluebersetzun, gen في alenzyklopaedie .

стр. 2394

وقد أقنعت الآية ١٥٦ من سورة الأعراف المؤمنين بأن التوراة قد بشرت بقدوم محمد [ ﷺ ]. وترد المحاولات التي بذلت لإثبات ذلك إلى صدر الإسلام (انظر ما سيأتي) ولكن لم يحدث إلا في منتصف القرن الثالث أن سيقت فقرات بعينها من التوراة وغيرها من أسفار العهد القديم مترجمة ترجمة حرفية، وفسرت بأنها بشائر بقدوم محمد [ ﷺ ] ورى ابن الجوزي في "كتاب الوفا" عن مؤلف لابن قتيبه لم يسمه فقرات من هذا القبيل، وساق على ابن ربن الطبري (انظر ما سبق) حوالي ذلك الوقت كثيرًا غيرها، وترددت هذه الفقرات على تفاوت بين النقص والتمام مرات ومرات في جدل القرون التالية ومناظرتها. وكان لفقرات من التوراة شأن كبير في هذه المناظرات، وهي الفقرات ٩ - ١٢ من الإصحاح السادس عشر من سفر التكوين، والفقرة ٢٠ من الإصحاح السابع عشر، والفقرة ٢١ من الإصحاح الواحد والعشرين، والفقرة الثامنة عشرة من الإصحاح الثامن من سفر التثنية، والفقرتان ٢ و ١٢ من الإصحاح الثالث والثلاثين من السفر نفسه. فقد جاء في الفقرة ٢١ من الإصحاح الحادي والعشرين من سفر التكوين أن فاران كانت موطن إسماعيل، وجاء في الآية ١٢٥ من سورة البقرة أن مقامه كان بمكة ثم قيل إن فاران هي مكة. وانبنى على ذلك أن أصبحت الفقرة الثانية من الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية تشير إلى محمد [ ﷺ ]. كما أصبحت الفقرة ١٨ من الإصحاح الثامن عشر والفقرة ١٢ من الإصحاح الثالث والثلاثين من السفر نفسه تشير إلى "خاتم النبوة". وحتى القرآن يعنف اليهود لأنهم "يحرفون الكلَم عن مواضعه" (سورة النساء، الآية ٤٦؛ سورة المائدة، الآية ٤١، ١٣) ويسوق مثالًا على ذلك في الآية ٤٦ من سورة النساء. ثم إنه أخذ عليهم أنهم نسوا أو أخفوا بعضًا مما أنزل عليهم (سورة المائدة، آية ١٣؛ سورة آل عمران، الآية ٧١؛ سورة الأنعام، الآية ٩١). ولدينا من الحديث

стр. 2395

مثال على هذا الإخفاء: وهوأ ن اليهود رغبوا في أن يخفوا عن محمد [ ﷺ ]. فقرة التوراة التي تقضى برجم الزانى. وقد زاد البخاري (كتاب الشهادات، باب ٢٩) في تحديد هذا اللوم فقال إن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأبديهم الكتاب وقالوا إنه من عند الله (١). ومع ذلك فلم يغال جميع أهل الجدل من المسلمين إلى حد القول بتبديل آيات الكتاب عن عمد. فقد سلك جماعة منهم سبيل القصد ونسبوا لليهود أنهم حرفوا معانيه. وأبرز المغالين ابن حزم المتوفى عام ٤٦٥ هـ (١٠٦٤ م) فهو يستنكر سبعًا وخمسين فقرة من التوراة ويجمع المتناقضات والأماكن التي وجدها فيها. المصادر: ما لم يرد في صلب المادة: (١) W.Rudolph: : Die abhaengigkeit -des Qorans vom Judentum and Christent، um ص ١٢ وما بعدها. (٢) J.Horovitz: : - Koranische Un dersuchungen برلين، لييسك سنة ١٩٢٦، ص ٧١. (٣) الكاتب نفسه في isi جـ ١٢، ص ٢٩٨. (٤) M.Steinschneider: : - Die pole -mische and apologetische Literatur in ar abischer sprache . (٥) Goldziher . في. Morgenl. Gesells جـ ٣٢، ص ٣٤١ وما بعدها. (٦) الكاتب نفسه في z Etudes Juive YA، جـ ٢٨ ص ٧٩، ٣٠، ص ١ وما بعدها. (٧) الكاتب نفسه في Altestamentiche Wiscenschafi جـ ١٣، ص ٣١٥، ص وما بعدها. (٨) Neue Beitragaege: Gruenbaum zur semitischen sagenkunde ص ١٠٠ وما بعدها.

стр. 2396

(٩) De propheticis: M. Lidzbarski quae dicuntur Legendis، لييسك سنة ١٨٩٢. (١٠) Rothstein.: ographo arabe anonymc ص ٤٩ وما بعدها. (١١) Leben and Lehre: A. Sprenger Muhammads جـ ١، ص ٥٦. (١٢) G.Graf - Die chrislich- ar nhische Literatur- (١٣) Die ar-: M.Steinschneider I abische Literatur der Fuden الفصل ٢٣. (١٤) Schreiner. m: في der Deutschen morgenl. Gesells جـ ٤٢، ص ٥١٩ وما بعدها. (١٥) الكاتب نفسه في ٤٩٦ morial Volume وما بعدها. (١٦) Brockelmann في altestamentliche wissenchaf - جـ ١٥، ص ١٣٨ وما بعدها. (١٧) H. Hirschfeld في Jewish Quartely Review، دـ ١٣، ص ٣٢٠ وما بعدها. (١٨) W. BASHER، في الموضع نفسه، ص ٥٤٢. (١٩) ١٥، ص ١٩٣ ما بعدها، ص ٢٩١ وما بعدها. (٢٠) i Di Mattec في sta degli stu Orientals جـ ٩، ص ٣٠١ وما بعدها. (٢١) جـ ٣٨، ص ٤ وما بعدها. [هوروفتز J. Horoviz] التورية اصطلاح في البلاغة يدل على نوع من أنواع البديع، وهي أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد ويراد به البعيد منهما، والقريب هو الذي يتبادر إلى ذهن السامع أولًا، وتسمى التورية الإيهام أيضًا لأن المورى يخفى المعنى البعيد بالقريب الذي يتبادر إلى ذهن السامع أولًا وقد تسمى التورية الإيهام. والتورية ضربان: ١ - المجردة، وهي التي لا تجامع شيئًا مما يلأئم المورى به أعنى المعنى القريب نحو "الرحمن على العرش استوى" (سورة طه، آية ٥)

стр. 2397

فالمعنى البعيد المراد بهذه الآية هو "استولى" وهو خفي وليس فيها ما يلائم المعنى القريب وهو "استقر وجلس وعلا" ٢ - والمرشحة هي التي قرن بها ما يلائم المورى به نحو "السماء بنيناها بأيد" (سورة الذاريات، آية ٤٧) أي بقوة. ويلاحظ أنه أراد بايد المعنى البعيد وهو القوة وقرن به "بنيناها" الذي يلائم المعنى القريب لهذه الجارحة التي في آخر الذراع وهي اليد. وقد استعمل الفرس هذا النوع من أنواع البديع، ويظهر أنهم استعاروه من العرب. المصادر: (١) فخر الدين محمد بن عمر الرازي: نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز، القاهرة سنة ١٣١٧، ص ٢٤. (٢) محمد صدقى حسن خان بهادر: غصن البان المورق بمحسنات البيان، إستانبول سنة ١٢٩٦ هـ، ص ٢٤. (٣) ابن حجة الحموى: كشف اللثام عن وجه التورية والاستخدام، بيروت سنة ١٣١٢ هـ. التورية (٤) الجرجانى: التعريفات، إستانبول سنة ١٣٠٧ هـ، ص ٤٩، انظر التورية، ص ٢٧، وانظر الإيهام بنوع خاص. (٥) Seances de Hairi: S. de sacy, باريس سنة ١٨٤٧ - ١٨٥٣ ص ٨٨. (٦) يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم العلوى اليمانى: كتاب الطراز، القاهرة سنة ١٣٣٢ جـ ٣، ص ٦٢. (٧) أبو يعقوب يوسف السكاكى: مفتاح العلوم، القاهرة سنة ١٣١٨ هـ، ص ١٨٠، انظر "الإيهام". (٨) قاسم البكرجى: حلية البديع في مدح النبي الشفيع، حلب سنة ١٢٩٣ هـ، ص ٢١٠، انظر التورية والإيهام والتخييل. (٩) عبد الحميد قدَّس بن محمد بن علي بن الخطيب: طالع السعد الرفيع في شرح نور البديع على نظم البديع، القاهرة عام ١٣٢١ هـ ص ٧٥. (١٠) ابن حجة الحموى: خزانة الأدب، القاهرة سنة ١٣٠٤ هـ ص ٢٣٩ انظر الإيهام والتوجيه والتخيير.

стр. 2398

(١١) عبد الغنى النابلسى: نفحات الأزهار على نسمات الأسحار، بولاق سنة ١٢٩٩ هـ ص ١٨٨. (١٢) جلال الدين القزوينى الخطيب: تلخيص المفتاح مع تعليقات لعبد الرحمن البرقوقى، القاهرة سنة ١٣٢٢ هـ الموافق ١٩٠٤ م، ص ٣٥٥. (١٣) سعد الدين التفتازانى: مختصر المعاني، إستانبول سنة ١٣١٨ هـ ص ١٨٠. (١٤) الكاتب نفسه: المطول، إستانبول سنة ١٣٠٤ هـ، ص ٤٣٥. (١٥) طاشكبرى زاده: مفتاح السعادة، حيدر آباد سنة ١٣٣٩ هـ، جـ ٣ ص ٣٣٤. (١٦) عبد الهادي نجا الأبيارى: سعود المطالع، بولاق سنة ١٢٨٣ هـ، جـ ١، ص ٣١٥. شواهد: (١) سعد الدين التفتازانى: مختصر على تلخيص المفتاح. (٢) ابن يعقوب المغربي: مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح. (٣) بهاء الدين السبكي: عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، وانظر كذلك هامشه. (٤) الخطيب القزوينى: الإيضاح. (٥) الدسوقى: حاشية على مختصر التفتازانى، بولاق، سنة ١٣١٧ هـ، جـ ٤، ص ٣٢٢. (٦) شمس الدين محمد بن قيس الرازي: المعجم في معايير أشعار الأعجم، ليدن، سنة ١٣٢٧ هـ الموافق ١٩٠٩ م، ص ٣٢٦. وانظر "الإيهام". (٧) Rhetorique et: Garcin de Tassy -prosodie des Langues de I'Orient musul، باريس سنة ١٨٧٣ - ص ٩٠: [محمد بن شنب] توفيق باشا خديو مصر من عام ١٨٧٩ إلى عام ١٨٩٢: ولد في الخامس عشر من شهر ديسمبر عام ١٨٥٢ وهو أكبر أبناء الخديو إسماعيل باشا وقد تلقى علومه في مصر، وبدأ حياته السياسية في التاسعة عشرة من عمره رئيسا

стр. 2399

للمجلس الخصوصى. وفي العاشر من مارس عام ١٨٧٩ عينه أبوه ناظرًا للنظار بعد إقالة نوبار باشا. وكان هذا المجلس- كسابقه- يتولى نظارة المالية فيه إنكليزى ونظارة الأشغال العمومية فرنسى. على أن الخديو إسماعيل باشا قام بما يشبه الانقلاب، فأقال هذه النظارة في شهر أبريل من تلك السنة ونصب شريف باشا ناظرًا للنظار. وتحرجت الأحوال السياسية بعد ذلك، فعزل السلطان الخديو إسماعيل في السادس والعشرين من يونية وخلفه على أريكة مصر توفيق باشا بمقتضى فرمان الوراثة المصادر عام ١٨٦٦. وواجه توفيق باشا في مستهل حكمه صعابًا جسيمة. فقد رفع إليه شريف باشا بعد ارتقائه العرش بقليل مشروع لائحة أساسية رفضها الخديو فاستقال في الثامن عشر من أغسطس من تلك السنة. ورأس توفيق باشا نفسه مجلس النظار أمدًا قصيرًا، ولكن سرعان ما عين رياض باشا في ذلك المنصب فبقى فيه عامين إلى أن رفع الجيش راية العصيان بزعامة عرابى باشا، وأعادت إنكلترة وفرنسا في الوقت نفسه "المراقبة الثنائية" على مالية البلاد. فخيل للناس أن مصر دخلت عام ١٨٨٠ في طور جديد من الرخاء، إلا أن بوادر الفتن ظهرت في الجيش في يناير من عام. ١٨٨٠، فاندلعت الثورة الوطنية في التاسع من سبتمبر عند عودة شريف باشا إلى الحكم. ثم برز عرابي باشا على رأس الحركة الوطنية. ولم يكن للخديو حزب قوى يعتمد عليه في المحافظة على سلطانه من غوائل هذه الثورة، ولم يكن سلطان تركيا أيضًا، وهو صاحب مصر وحامى الخديو بطبيعة الحال، من القوة بحيث يستطيع أن يتدخل في الأمر فلم يكن بد من أن يقف الخديو في الفترة التي تلت ذلك مكتوف اليد، فترك للثوار الحبل على الغارب فكان مما توسلوا به أن دعوا إلى اجتماع مجلس من الأعيان، وأظهر زعماء الوطنيين أول الأمر اعتدالا في الرأى، إلا أن المشاكل المالية الدولية أدت إلى إثارة كراهية الأهلين للأجانب. وقد تجلى ذلك في مذبحة الإسكندرية التي حدثت في الحادي عشر من يونية عام ١٨٨٢ م كان الخديو ورجال

стр. 2400

حكومته قد فروا من العاصمة إلى الرملة القريبة من الإسكندرية في حين ارتد عرابى- الذي جهر بعصيان ولى الأمر- إلى كفر الدوار على مسيرة أميال من الثغر. وكانت تلدُ الفترة هي أحرج الأوقات في عهد توفيق باشا؛ ذلك أنه كان بين أمرين: إما أن ينحاز إلى الوطنيين، وإما أن يقبل التدخل الأجنبي. وفي الوقت نفسه فكر السلطان في عزله وإقامة عمه عبد الحليم مكانه، وأراد السلطان كذلك أن ينفذ جيشًا إلى مصر فمنعه من ذلك اتجاه الدول الأوربية. وقد قضى على الثورة الوطنية آخر الأمر بتدخل إنكلترة (وقعة التل الكبير في الثالث عشر من سبتمبر عام ١٨٨٢) وأدى ذلك إلى احتلال البلاد احتلالا عسكريا وعاد توفيق باشا إلى القاهرة بعد هذه الواقعة، ولم يكن أمامه في تلكُ الظروف إلا أن يخضع لرغبات الدولة المحتلة إذا أراد الاحتفاظ بعرشه. والحق إن حكومة الخديو- التي رأسها للمرة الثانية شريف باشا منذ شهر أغسطس عام ١٨٨٢ - كما نت وقتذاك بالغة الضعف؛ وانحصرت جميع التدابير بعد الاحتلال الإنكليزى لمصر في شئون الإدارة وصدرت الموافقة على لائحة ٧ مايو عام ١٨٨٣ والتنظيم الدولى للإدارة المالية عام ١٨٨٤. وتعاون الخديو في الأعوام العصيبة التي تلت ذلك تعاونًا وثيقًا مع المقيم البريطانى الملقب بالقنصل العام، وهو الذي عرف فيما بعد باللورد كرومر. ومن أشأم وقائع ذلك العهد ثورة المهدي التي نشبت في السودان وجلاء مصر عن هذه الولاية- ولم يكن الخديو توفيق يرغب فيه- بعد أن ذهبت الجهود في إلحاق الهزيمة بالمهدى أدراج الرياح (سقوط الخرطوم في يناير عام ١٨٨٥ م) ولم تزدهر البلاد بعض الشيء إلا حوالي عام ١٨٩٠. وتوفى توفيق باشا بعد ذلك فجاءة في قصره بحلوان في السابع من يناير عام ١٨٩٢, فخلفه ابنه الأكبر عباس حلمى. ولم يكن توفيق باشا قوى الشخصية بحيث يستطيع مواجهة الأحداث السياسية الجسام، ولعل أهم سبب أفقده السيطرة على هذه الأحداث شيئًا فشيئا ضعفه ورجال حكومته

стр. 2401

أمام بوادر الفتن في الجيش، ولكن هذا الخديو اشتهر من الناحية الأخرى بلين العريكة والتنور فكان محل تقدير جميع الذين اتصلوا به، ومن بينهم اللورد وغيره من الساسة الأوروبيين الذين وصفوه في كتاباتهم (١). وتزوج توفيق باشا وهو في الحادية والعشرين بأميرة من البيت الخديوى، ولم يتزوج عليها بقية حياته. المصادر: (١) جورجى زيدان: مشاهير الشرق، القاهرة، ١٩١٠ جـ ١، ص ٤٨ وما بعدها. (٢) Modern Egypt: Lord Cromer , لندن عام، وخاصة ص ٧١٥ وما بعدها. (٣) Geschichte Ae-: A. Hasenclever aim ١٩ Jahrhumdert gypttens هال سنة ١٩١٧ وبخاصة ص وما بعدها. [كرامرز J.H Kramers] توفيق فكرت واسمه على التحقيق محمد توفيق، أما الاسم المستعار الذي كان يوقع به أشعاره وهو "فكرت" فقد تسمى به في عهد متأخر بدلا من "توفيق نظمى" الذي استعاره قبل ذلك: شاعر وناظم تركى فحل، وهو صاحب المدرسة الحديثة في الشعر التركى. ولد في الآستانة في الثامن والعشرين من شعبان عام ١٢٨٤ هـ الموافق للخامس والعشرين من ديسمبر عام ١٨٦٧ م، وكان أبوه حسين أفندى كاتب سر فاطمة سلطان، ثم أصبح متصرفا، وقد انحدر من أسرة من أعيان الجركس في الأناضول. وأمه خديجة رفيعه هانم، وهي سيدة تركية من جزيرة خيوس Chios, ولعلها من أصل يونانى. وقد عنى بتعليمه، فأرسل أول الأمر إلى مدرسة محمودية والده رشديه في آق سراى حتى إذا أغلقت هذه المدرسة من جراء تدفق المهاجرين في الحرب التركية الروسية التحق في التاسعة من عمره بمدرسة

стр. 2402

غلطه سراى العليا (غلطه سراى سلطانى سى)، وظل متصلا بها طوال حياته تقريبا. فلما بلغ الحادية عشرة ماتت عنه أمه وكانت قد ذهبت حاجة مع أخيها الأكبر إلى مكة فماتا في البادية بالهواء الأصفر (ولم يقدر فكرت فجيعته فيها إلا عند وفاة أخته، فبكاها بمرثية: همشيرم أيجون في عام ١٣١٨ هـ الموافق لعام ١٩٠٠) وكان في طفولته خشن الجانب خليت بينه وبين رغائبه، ولكنه لما كبر كبح جماح نفسه ومال إلى الجد وعزف عن الناس واستغرق في نفسه. وفي عام ١٣٠٤ هـ (١٨٨٦ - ١٨٨٧ م) تخرج في المدرسة وكان أبرز طلابها، ثم التحق بوظيفة من وظائف الباب العالى، وانصرف عنها عام ١٣١١ هـ, ذلك أن حياة الخمول التي كانت تتسم بها وظائف الحكومة وقتذاك لم توافق طبعه المستقيم. وقام في الوقت نفسه بتدريس الفرنسية والتركية والخط في مدرسة التجارة في كديكُ باشا. وفي عام ١٣٠٦ هـ (١٨٨٨ - ١٨٨٩ م) أصبح مدرس اللغة التركية في مدرسة غلطه سراى العليا، ثم تركُ عمله فيها عام ١٣١١ م (١٨٩٣) لأن الحكومة أنقصت راتبه. وفي ١٣١٢ (١٨٩٤ - ١٨٩٥ م) أصبح مدرسا بكلية روبرت في روملى حصار، وبقى فيها حتى وفاته. وقد ابتنى لنفسه في روملى حصار "دار آشيان" وزينها وفق مزاجه الفني الخاص (وكانت له مشاركة في الفن أيضًا) وسط منظر رائع، وعاش فيها حياة ريفية هانئة جديرة بشاعر، مع زوجه، وكانت ابنة عمه، وقد بنى بها عام ١٣٠٦ هـ (١٨٨٨ م) ومع. ابنه خالوق الذي أهدى إليه أحد دواوين شعره ومن عجائب المقدور أنه بينما ماتت أمه حاخة تنصَر ولده خالوق في كلاسكو ثم. مهندسا في أمريكا، وهكذا فقدته القضية التركية. واشترك توفيق منذ. م ١٣٠٧ هـ في تحرير جريدة المرصاد التي كان. ينشرها الشاعر إسماعيل صفا. وأنشأ هو وبعض رفاقه الذين يتفقون معه في المزاج الأدبى مجلة "معلومات" وقد عطلتها الرقابةجعد صدور أربعة وعشرين عددًا منها.

стр. 2403

وفي عام ١٣١١ هـ أشرف من الناحية الأدبية على تحرير مجلة "ثروت فنون" المشهورة التي أنشأها أحمد إحسان عام ١٨٩٠. وقد نشط لصناعة الأدب منذ ذاك حتى أصبح في وقت قصير مؤلفًا ذائع الصيت. ولقى في عهد السلطان عبد الحميد جميع صنوف العنت. ونصبته حكومة تركية الفتاة بعد ثورة عام ١٩٠٨ مديرًا لمدرسة غلطه سراى العالية بعد ما رفض منصب وزارة المعارف. وقد حاول أن يجعل من هذه المدرسة معهدًا، تركيا مثاليًا، غير أنه سرعان ما اصطدم برجعية وزارة المعارف وجمودها فاعتزل عمله عام ١٣٢٧ هـ (١٩١٠ م) ثم وقف نفسه على نظم الشعر والتدريس بكلية روبرت. وترجع إلى هذا العهد خطته في إصلاح التعليم بإنشاء صنف جديد من المدارس التركية "يكى مكتب". ولكن هذه الخطة لم تنفذ قط. وتوفى بعد مرض طويل عام ١٣٣١ هـ أي في الثامن عشر من أغسطس عام ١٩١٥. وبدأ فكرت بنظم غزلياته وهو حدث في الرابعة عشرة من عمره، وتأثر القدماء في ذلك (منتخبات ترجمان حقيقت، ص ٥٣٣) وزاد قرانه الأدبى بمجاورة شيوخه في الأدب فيظى ومعلم ناجى وبخاصة رجائى زاده إكرم، وكان له على شاعرنا سلطان كبير، مثله في ذلك مثل أبناء الجيل الجديد جميعًا. ويعود الفضل إلى إكرم أيضًا في حمل فكرت على رياسة تحرير مجلة "ثروت فنون" ودخلت المجلة في طور جديد بانضمام فكرت إلى هيئة محرريها. وقد رسمت المجلة المثل للأدب التركى العصرى بأسره، ويعرف هذا المثل في الأدب التركى بطور توفيق فكرت (في الشعر) وخالد ضيا (في النثر). وسرعان ما انضم المشتركون في تحرير صحيفة "مكتب" - التي كان يصدرها حسين جاهد على النسق الغربيّ- إلى مجلة ثروت فنون. وكانت هيئة محرريها تضم على إكرم وعبد الحق حامد وجناب شهاب الدين وخالد ضيا وعلى نادر وحسين ناظم وأحمد رشيد. وكانت "مصور معلومات" تمثل الاتجاه الشرقي لهذا الأدب.

стр. 2404

ونشر فكرت بعد أن خلص من أعبائه بعامين أهم كتبه: "رباب شكسته .. "أي العود المحطم (أدبيات جديدة كتبخانه سى، رقم ٢، إستانبول سنة ١٣١٤ هـ الموافق عام ١٨٩٦ م) وقد لقى هذا الكتاب نجاحا لا نظير له، وطبع مرات كثيرة (وطبع بعد ذلك مع بقية كتبه المتاخرة). ونظم عام , ١٣١٧ " سيس" (أي الضباب)، وهي أقوى قصائده وقد حمل فيها على استبداد عبد الحميد. ولا يجد قارئها اليوم ما كان يجده فيها وقتذاك من عنف. ونشر بعد الثورة "رجوع". وفي ١٣١٨ هـ الموافق عام ١٩٠٠ م نظم مرثيته "همشيرم إيجون"، وفي عام ١٣٢٢ هـ الموافق عام ١٩٠٤ م نشر "لحظة تأخر" بعد فشل الاعتداء على السلطان عبد الحميد، كما نشر عا ١٩٠٨ م " ملت شرقيسى". وقد نشر في العدد الأول من مجلة "طغين" التي كان يصدرها منظومتيه "سيس" و"رجوع" اللتين كانتا تتداولان سرًّا. وفي عام ١٣٢٧ هـ الموافق عام ١٩٠٩ نشرت "دوقسان بشه دوغرى" ولقيت استحسانا عند ظهورها في عدد خاص من صحيفة "فجر آتى، ربابكك جواب، خلو قيس دفتر" ونشرت بحذافيرها مرة أخرى في "أدبيات جديدة كتبخانة سى، رقم ٣١" وظهرت في عام ١٣٢٨ هـ الموافق لعام ١٩١٠ م قصيدته "خوان يغما"، كما ظهرت عام ١٣٣٠ مجموعة أناشيد للأطفال في بارماق حسابى: شرمين، وهي آخر ما صدر عنه. ولم تكن تواليف توفيق فكرت كثيرة، إلا أنها تحتل مكان الصدارة في الأدب التركى. وقد كثر الآن الخلاف حول شخص فكرت، فبينما أسرف قوم في مدحه أيام حياته فقالوا إنه شاعر فحل مفلق إذ يقوم آخرين ينقصون من قدره بعد وفاته فيرمونه بإيثار البديع والبراعة في النظم. وذاع صيته وشيكًا ثم انعكست الآية بعد وفاته، ويلخص النقد التالي هذه النظرة الجديدة إليه: "إن فكرت خالد في الأدب التركى لبراعته في النظم وذكره باق لرجولته، ولكن شاعريته قد عفيّ عليها النسيان".

стр. 2405

وفكرت -ككل شاعر- يجب أن يدرس في عصره وفي محيطه إنصافًا له، فهو أستاذ متضلع في النظم وهو خالق النهضة التركية وأكبر ممثل للمدرسة المستغربة، وقد تخلص العصر السابق الذي كان يمثله كمال وحامد وإكرم من غلبة القوالب العربية والفارسية ولكنه أبقى على الروح الشرقية. وكان العبء الملقى على هذا العصر هو التخلص من النظرة الإسلامية للحياة وإحلال النظرة الغربية -أو قل الفرنسية- مكانها، وقد تأثر فكرت بالأدب الفرنسى فاستقى من فرانسواكوبيه Francois Coppee والكونت ده ليل صولى يرودوم Sully Prudhc, كما اغترف من موسيه Musset ولامرتين وبودلير Baudelaire وفرلين Verlaine. وابتكر فكرت لغة شعرية جديدة، واصطنع قواعد جديدة للقوافى على أساس أن القافية لا يقضد بها إلى العين كما هو الشأن عند إكرم وعبد الحق حامد وإنما يقصد بها إلى الأذن، ووفق - بفضل سلامة ذوقه وسداد رأيه- إلى ترقية اللغة مبنى ومعنى وفق الأساليب التركية، فقضى بذلكُ على الفوضى اللغوية وصب في القوالب التركية الدخيل من الكلمات والقوافى، وإن لم يعترض من حيث المفردات على ازدحام التركية بالألفاظ العربية والفارسية. ولذلك نجد في شعره الكثير من الألفاظ الغريبة غير التركية. وأسدى فكرت للغة الشعر ما أسداه نامق كمال للنثر. وعممت القواعد التي وضعها وانتهجها حتى لم يعد أحد يستشعر أنها كانت من المبتدعات. وكان جل اهتمامه موجهًا إلى اللغة من هذه الناحية، ففاق بذلدُ غيره من الشعراء. وهو يشبه من حيث سلامة اللغة معلم ناجى ويبزهم جميعا في امتلاكُ ناصيتها. ويشبه أيضًا بلاتن Platen بعض الشبه فلغته بليغة ونظمه برئ من الخطأ حتى أن خصوم "الانحطاط"- مثل أحمد مدحت- لم يأخذوا عليه هفوة، وعبارته مصقولة كالمرمر لا روح فيها. وظهرت سماته الخاصة به حتى في غزلياته الأولى كان خضع بكليته لسلطان المدرسة القديمة. وزاد امتلاكه

стр. 2406

لناصية اللغة، وسرعان ما تبحر في الأوزان فتفوق بذلك على جميع أقرانه وأصبح شعره مثلًا يحتذيه الشعراء كافة. وكانت المدرسة القديمة تجعل البيت من الشعر وحدة قائمة مستقلة عما سواها (وهذا هو السبب الذي جعل الأبيات، وخاصة في الغزل، غير مقيدة بالقصيدة حتى كثر نقلها) ولكن فكرت سار على نقيض ذلك فترجم عن مشاعره في مجموع من الأبيات. ومن ثم اتصفت أبياته بالمرونة والقرب من الطبيعة اللذين برئ منهما حوار حامد المنظوم. وأراد أن يكيف لغة أشعاره بحيث ينسجم جرسها مع الموضوعات التي تعالجها وهذا ما حاوله نفعى قبله ومن الجدير بالملاحظة مقدمته للقصيدة التي شاعت في التركية منذ ذلك الحين. وظل فكرت يؤثر الطول في بحوره ولم يخرج على هذا إلا في الأناشيد التي نظمها للأطفال، ولولا هذا ما أجمع أنصار المدرسة القديمة على أنه شاعر. وكان ذكاء. فكرت ذكاء نقادة عالج به مشكلات عصره الأخلاقية والدينية والسياسية ولم يستمع في ذلك إلا لصوت قلبه وضميره. ولكنه لم يكن فيلسوفًا يستطيع أن يجد حلا لمشكلات الإنسان، ولم يكن من أصحاب ما وراء الطبيعة فينفذ في أعماق النفس. وكانت ملكاته العقلية عادية جدًّا، بل نستطيع أن نقول إنها كانت دون المتوسط. أما مصنفاه "إينا نمقٌ احتياجى" و"تأريخ قديم" فيفصحان عن الإلحاد المأثور عن عصره. ففي عهد عبد الحميد الاستبدادى الخانق، ثم في عهد تركية الفتاة الذي فشا فيه التعصب والفوضى، استطاع فكرت باستقامته واعتداده بنفسه وإخلاصه الشديد لواجبه وحماسه الفياض أن يؤدى خدمة جليلة لوطنه بالأشعار التي نظمها، مما جعل الدعوة توجه إلى شباب ذلكُ العصر: "كن في نفسك مثل فكرت، ولوطنكُ مثل نامق كمال! ". وفي كل قصيدة من قصائد فكرت درس يتعلم، ومن ثم كان له سلطان كبير في تثقيف شباب تركية، وكان يؤمن إيمانا قويا بفائدة التعليم. وتوفيق فكرت شاعر وإن لم تكن له المكانة العظيمة التي أسبغها عليه

стр. 2407

معاصروه، فقد كان يعوزه الشعور المتدفق الذي اتسم به نامق كمال وبخاصة في أشعار الطور الثاني من حياته. فإن الإشعار التي جرح بها الاستبداد- مثل قصيدته "سيس" القوية والتي كان شباب العصر ينزلونها منزلة الكتب المقدسة- أصبح الناس يرونها فاترة يعوزها الصدق. ولم تكن هذه الأشعار وليدة القنوط كما كانت أشعار نامق كمال. وقد مجد فكرت أصغر الأشياء وأقلها قيمة، ففاق بذلكُ إكرم الذي قال إن كل شيء صالح للشعر، وقصر جهده عند التطبيق على الزهر والسحب والماء والفجر إلخ. وجرى فكرت على مألوف عصره فنظم عدة مقطوعات على الصور التي تنشرها المجلات وأثبت بعضها في ديوانه "رباب شكسته". وجدير بنا أن نذكر بنوع خاص القصائد الواضحة المعالم التي يتميز بها نديم ونفعى وفضولى وحامد. وكان فكرت يتعسر في النظم، يصارع الألفاظ والمعانى حتى يتم القصيد، ويتضح لنا هذا من اعترافه ومن الجهد والمشقة الظاهرين في أشعاره مما يقلل من شأنها بوصفها من آثار الفنون، كما يتضح من قلة إنتاجه بعض الشيء. المصادر: نذكر إلى جانب مؤلفات توفيق فكرت التي ذكرناها وأشعاره المتفرقة في المجلات والدواوين: (١) إقدام، رقم ٦٦٤٨، ٢٠ أغسطس ١٩١٥. (٢) بروسه لي محمد طاهر: عثمانلى مؤلفلرى، إستانبول سنة ١٣٣٣، هـ جـ ٢ ص.٣٨٠ (٣) نزهت هاشم: من أدبياته دوغرى، إستانبول، سنة ١٩١٨ , ص ١٦٩ (٤) روشن أشرف: توفيق فكرت، حياتنه دائر خاطرلر، إستانبول سنة ١٩١٩ (٥) إسماعيل حبيب: تورك تجدد أبياتى تاريخي، إستانبول سنة ١٣٤٠ هـ، ص ٤٤٠ - ٤٥٧ (٦) كوبريلى زاده محمد فؤاد: بوكونكى أدبيات، إستانبول سنة ١٣٢٤ هـ، ص ٣٢٤ - ٣٢٩

стр. 2408

(٧) إسماعيل حكمت: تورك أدبياتى تأريخى، باكو سنة ١٩٢٥، ص ٧١٣ - ٧٩٧. (٨) صالح نكار كرامت: فكرنكك حيات وأثرى، استانبول سنة ١٩٢٦. (٩) إبراهيم علاء الدين: توفيق فكرت، ويوك آداملر سريسى، جـ ١، رقم ٣٤، إستانبول سنة ١٩٢٧ (١٠) داول، استانبول، رقم ٧، ١٣. (١١) der kischen Moderne, ليبسك سنة ١٩٠٢ (١٢) nowoi osmanskoi literature)- موسكو سنة ١٩١٢. (١٣) Dei tuerkische: Th. Menzel Literatur . . e genwart جـ ١، قسم ٧، ليبسك سنة ١٩٢٥. [منزل] التوقيع وثيقة عليها إمضاء أو علامة مساوية لإمضاء حاكم، ومن ثم كان التوقيع بوجه عام هو الأمر أو المرسوم الذي يصدره الحاكم أو طريقة إعداده كتابة. وللتوقيع معنى خاص هو الدلالة على ألقاب الحاكم (فيساوى إجمالًا الطغراء عند آل عثمان) التي تسجل في ديوان الأختام فتكسب الوثيقة شرعيتها، وهي غير العلامة التي يضعها الحاكم بيده على الوثيقة وتعد بمنزلة توقيعه. ولا يفرق بين هذين اللفظين إلى حد ما في الاستعمال، فقد كان التوقيع يستعمل أيضًا في مكان العلامة. وذكرت "توقيعات" ملوك الساسانيين في كتب الإنشاء. ويقال إنه قد نشأت في عهد الأمويين سنة تقضى بأن يوقع الخليفة على القصص التي تقدم إليه بمشهد من الناس، ولا شك أن هذه سنة شرقية قديمة. ويثبت الكتاب

стр. 2409

بعد ذلك توقيع الخليفة. وذكر قدامة أنه كان في عهد العباسيين ديوان خاص بذلك يعرف ب "ديوان التوقيع". وقد وكل هارون الرشيد إلى جعفر البرمكى- لأول مرة- التوقيع على القصص، ولعل هذا دليل على ازدياد سلطان الوزراء زيادة كبيرة في عهد العباسيين. ويقول ابن الصيرفى إنه كان في الديوان الفاطمى كاتب خاص ينظر في القصص، وكان من أكبر رجال الدولة. وكان للكاتب في دولة المماليك حق التوقيع على القصص، ولو أن سلاطينهم كانوا هم أنفسهم يوقعون على القصص في أغلب الأحيان. واستعمل لفظ التوقيع في نظام الإدارة عند المماليك اسمًا لكتب التعيين في وظائف خاصة. ويقول ابن فضل الله إن هذا الإسم يطلق على كتب التعيين في جميع الوظائف كبيرها وصغيرها، حتى على النواب. ومن ثم أصبح التوقيع اصطلاحًا يطلق- بوجه عام- على التعيين في الوظائف، وهو يقول مع ذلك إنه لأرباب الوظائف الصغيرة دون غيرها. ثم كان بعيد دلك للمتعممين من أرباب الوظائف الدينية والديوانية. ويقول القلقشندى إن التوقيع رابع طبقات كتب التعيين في الوظائف (ولايات) وأدناها وأكثرها عددًا. وكان يوكل بالمراسيم السلطانية في الدولة العثمانية موظف خاص هو النشانجى أوالتوقيعى، وهو مسئول عن الوثائق التي عليها خط السلطان وألقابه، وكان من أركان الدولة (أركان دولت) ومن أعضاء الديوان السلطانى. وفي هذا العهد لم تعد تستعمل العلامة التي كان السلطان يخطها بنفسه، والعلامة في مصطلح السياسة عند العثمانيين هي النشان عند الفرس، تدل على طغراء السلطان أي لقبه. وكان يقوم برسمها في ديوان النشانجى مساعد له يعرف بـ "الطغراكش علامت". والطغراء في هذه الحالة مرادفة للتوقيع.

стр. 2410

ثم إن التوقيع يدل على نوع من الصكوك كان مستعملا في نهاية العصور الوسطى (من القرن الثاني عشر حتى القرن الخامس عشر) ونخص بالذكر منها الصكوك التي كانت تصدر في ذلك العهد في البلاد التابعة لدولتى المماليك والعثمانيين. وفي عز الدولة العثمانية (القرن السادس عشر وما يليه) حلت علامة الديوان محل التوقيع. المصارد: (١) القاموس: مادة توقيع. (٢) القلقشندى: صبح الأعشى. ١٤ مجلد، القاهرة سنة ١٣٣٢ - ١٣٤٦ هـ (٣) Beitraege zur: W. Bjoerkman Staatskanzlei im islamischen Aegypten همبورغ سنة ١٩٢٨. (٤) وانظر عن النشانجى العثمانى Des osmanischen Reiches: J. v. Hamm YM ng؛ Staatsverfassung and Staatsverfwalti جـ ٢، فينا سنة ١٨١٥ ص ١٣٣ وما بعدها. (٥) Tableau de: M. d'Ohsson ١'Empire othoman جـ ٣، باريس سنة ١٨٣٠ ص ٣٥٠. (٦) Osmanische Ur-: Fr. Kraelitz kunden in ٣ Tuerkischer Sprache، فينا سنة ١٩٢١، ص ١٨ وما بعدها. (٧) وانظر عن التوقيع من حيث هو اسم للصك Kraelitz: كتابه المذكور، ص ٨. (٨) uehrung in die: L. Fekete osmanische tuerkische Diplomatik der tuerkischen Botmaessigkeit in Ungarn، بودابست سنة ١٩٢٦، ص ٢٠ (٩) وانظر عن التوقيع والعلامة: أبو الفداء: تاريخ، طبعة إستانبول، جـ ٣، ص ١٥٥، ١٥٦، ١٥٨ وأعيد طبعه بالقاهرة سنة ١٣٢٥ هـ، جـ ٣، ص ١٤٨، ١٤٩، ١٥١

стр. 2411

(١٠) وانظر عن التوقيع بمعنى علامة: كتاب ابن بيبى، طبعة هوتسما، ص ٢٨٨، وانظر أيضًا Kraelitz ص ٢٣، تعليق ٢. [تيشنر F. Taeschner] التوكل هو الاعتماد على الله، وقد أوصى به القرآن. والمتوكلون الذين يحبهم الله (سورة آل عمران، الآية ١٥٩) ليسوا أصحاب طريقة بعينها من طرق الصوفية كأولئك الذين عرفوا بالمتوكلين في القرنين الثاني والثالث للهجرة. وعقيدة هؤلاء وثيقة الصلة بالتوحيد. وقد تطورت عقيدتهم بتأثير النصرانية (انظر. Matt جـ ٦، ص ٢٤ - ٣٤) وكانوا يمعنون في التوكل أحيانا حتى ليشبهون المتوكل بالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف شاء لا يكون له حركة ولا تدبير (انظر الرسالة القشيرية، باب التوكل). والتو كل- في رأى المتوكلين المسرفين- نقيض السعي إلى الكسب بكافة وجوهه. إذ كيف يسعى الإنسان في تدبير معاشه وهو يؤمن بأن الرازق هو الله وحده؟ وأجاب القشيرى على هذه المسألة بأن سعى الإنسان إلى الإفادة من أسباب الرزق التي هيأها الله له لا تضعف من توكله عليه، وتدل هذه الإجابة على درجة من الرقى دونها المذهب القديم لزهاد المتصوفة. المصادر: (١) أبو طالب المكي: قوت القلوب، جـ ٢، ص ٢ - ٣٨. (٢) Goldziher: Wiener Zeitschrift fuer die Kunde des morgenlandes جـ ١٣، ص ٤١ - ٥٦. (٤) Vorlesungen ueber: Goldziher den Islam ص ٢٥ وما بعدها. (٤) dar-: R. Hartmann؛ Kuschair'is stellung des ٣ Safitums ص ٢٥ وما بعدها. (٥) جلال الدين الرومى: المثنوى، الكتاب الأول ص ٩٠٠ - ٩٩١. [نيكلسون R. A. Nicholson]

стр. 2412

تونس (*) ويقال "تونس": حاضرة بلاد تونس، وهي على خط عرض ٣٦ ْ ٤٧ َ ٣٩ َ شمالًا، وخط طول ٧ ْ ٥١ َ شرقي كرينويتش. وتونس في الوقت الحاضر مدينتان متصلتان متباينتان تمام التباين، تختلف الحياة في إحداهما عن الأخرى اختلافا عظيما. فالأولى مدينة يسكنها أهل البلاد، وليسوا جميعا من المسلمين، وهي أثر من آثار القرون الخوالى بقى على حا له أو كاد، أما الأخرى فمدينة أوربية حديثة النشأة مظهرها جديد كل الجدة ومازالت تنمو وتتسع باطراد. والمدينة القديمة على مسيرة ثلاثة أرباع الميل تقريبًا من طرف البركة المسماة ببحيرة تونس، وهي ترتفع شيئًا فشيئا من الشرق إلى الغرب حتى تشرف على مغيض من ماء ملح كاد يجف يعرف بـ "سبخة السيجومى"، وعلى هذا الجانب خارج أرباض تونس ذروة "المنوبية"، وفيها مشارف مترامية وإلى الجنوب الشرقي من المدينة وفي كنفها هضبة سيدى أبي الحسن وجبل الجلود، وعلى مسافة أخرى تلال Bir Kassa " بيركسَه" وإلى الشمال هضبتا "بلفادير" و"رأس الطابية" ووراءهما جبل أحمر وجبل نهيل. ولا تحول هذه المعارج بين تونس وبين سهولة الاتصال بسهل مرناق ووادي نهر ملْيَنَة من ناحية وبسهل منْوبة ووادي مَجِردةَ من ناحية أخرى، كما يصلها ساحَل البحيرة الشمالي بحلق الوادي Goulette وقرطاجنة. وحصونها الطبيعية جيدة وإن لم تكن ممتازة، وموقع تونس موُات جدًّا من الوجهة الاقتصادية، فهي على المخارج من أواسط بلاد تونس، في موضع جد خصيبء وهي قريبة من البحر والصلة بينها وبين السواحل الأوربية الدانية قريبة. ويقال في تفسير كلمة تونس أنها من مصدر عربي وأن مدينة ترشيش التي ورد ذكرها في

стр. 2413

الكتاب المقدس. وينقل بعضهم عن بعض في غير تثبت. وأنهتد بعد إلى اشتقاق معقول وقد قيل إن اسم تونس - كمدينة تونس نفسها- يرجع إلى العهود البونية إن لم يكن قبلها. وروى ديودورس Diodoros وبوليبيوس bius أن تينس بلدة كبيرة شيدت وراء حصون، ولا شك أنها قامت في معظمها حول "القصبة" الحالية على مسافة من البحيرة وكانت صالحة للملاحة وقتذاك. وقد حاصرها الليبيون وفتحوها، وهم الذين ثاروا في مستهل القرن الرابع عشر قبل الميلاد ثم فتحها أكاثو قليس Agathocles ركولوس ns L. وكانت معسكر الجند المرتزقة الثوار ثم سقطت في يد سقبيو الإفريقى Scipio Africanus. ولعل سقبيو الأمليانى Scipio Emillianus هو الذي دمرها (انظر du Nord . المجلدات الأول والثاني والثالث في مواضع مختلفة). ويجب ألا نخلط بين تينس التي غدت تونس فيما بعد وبين مدينة أخرى بالاسم نفسه على رأس بونة (١) وتعرف بالبيضاء، ونحن نتساءل: هل كانت تينس هذه من أهم حواضر السكان الأصليين ... وأعظم المدن الليبية بلا منازع تقابلها المستعمرة الفينيقية "قرطاجة" كما زعم تيسو Tissot . ومهما يكن من شيء فقد أخملتها منافستها الزاهرة زمانًا طويلا. ولم تصبح مدينة عظيمة إلا بعد ذلك بأمد طويل ولم يكن لها شأن خاص في عهود الرومان والوندال والبوزنطيين. وقد وصلها بقرطاجنة طريق رومانى، ولم يكن يذكرنا بوجودها سوى إشارات متفرقة في مصنفات الجغرافيين أو رجال الدين. ونحن نتساءل: أمن الأساطير أم من التاريخ حياة القديسة زيتونة St- Olive التي عاشت أيام الوندال، والتي يقال إن الجامع الكبير (جامع الزيتونة) سمى باسمها، وإن الملك مارتين صاحب أرغون طالب بجثمانها رسميا عام ١٤٠٢

стр. 2414

وكان الفتح الإسلامي، فبرزت مدينة تونس من الظلمات إلى النور فجاة، وسجلت اسمها في صفحات التاريخ بوصفها المدينة الإسلامية التي ورثت بعض مفاخر قرطاجنة، ثم سرعان ما أخذت تنافس مدينة القيروان. فلما استولى حسان بن النعمان عام ٦٩٨ م على قرطاجنة، العاصمة القديمة، ودمرها بادر إلى البليدة القائمة عند نهاية البحيرة وأخذ يحولها إلى قاعدة بحرية تقلع منها الأساطيل في سفرات نائية، ويحتمى فيها من مباغتة الروم. وشيد في تونس "دار الصناعة" ولعله جلب من مصر ألف أسرة قبطية تزود هذه الدار بمهرة الصناع. ولسنا نعرف عن المدينة نفسها في هذه الفترة شيئًا محققًا وكل الذي نستطيع أن نتبينه ظنون يشوبها الابهام عن أصل مختلف الشعوب التي نزحت إليها: فالذي لاشك فيه أنه نزلها أولًا تجار وعمال نصارى ثم أخذ سكانها يتضاعفون بمن أسلم من أهلها، ومن انضم إليهم من الجند العرب وكانوا غلاظًا مشاغبين (١) والمسجد الجامع هو أول بناء إسلامي بحق شيد لغرض ديني، وقد ظل قبلة أهل المدينة قرونًا، وفي رواية أن الذي شيده هو ابن الحَبْحاب عامل بنى أمية (وقد بنى عام ١١٤ هـ الموافق ٧٣١ م) وهو الذي جدد كذلك دار الصناعة. ولكنا لا نعرف من الذي شيد الأسوار التي قال اليعقوبى إنها كانت كلها من الطين اللبن إلا عند البحيرة، كانت من الحجارة. وصفوة القول أن تونس لم تكن كالقيروان في انتظام نشأتها، فقد نمت فجاة، وتبدلت حياتها السياسية والدينية والاجتماعية تبدلا عظيم الخطر وتهيأت لشأنها الجديد الذي أملته الظروف وإرادة فاتحها البعيد النظر، ولعل ذلكُ لم يكن طفرة كما يتبادر لأول وهلة بل تم على مراحل. وأخذت مدينة تونس تتوسع في تجارتها إبان القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، ولكنها كانت مع ذلك مشهورة بصفة خاصة بتدريس الفقه

стр. 2415

وعلوم الدين فكان فيها- قبل أن يرتفع صيت القيروان- علماء مبرزون ساهموا بدروسهم في نشر الإسلام بين ربوع البلاد بأسرها: منهم المحدثان علي بن زياد وعباس بن الوليد الفارسى. وقد صنف أبوالعرب التميميّ في مستهل العهد الفاطمي رسالة نافعة في طبقات هؤلاء العلماء التونسيين الأول (كتاب طبقات علماء تونس، نشره وترجمه محمد بن شنب مع "طبقات علماء إفريقية") وقد أضيفت إلى المسجد الجامع بنايات دعت الضرورة إليها كما زين بوسائل شتى. وأدخل على هذا المسجد تعديلات هامة لاشك أنها من عمل أحمد الأغلبى البناء العظيم. وعلى القبة المواجهة للمحراب نقش باسم الخليفة العباسى تاريخه ٢٥٠ هـ الموافق م. ومهما يكن من شيء فقدكان من اليسير جلب الحجر والمرمر إلى تونس لتشييد المبانى دينية أو غير دينية. ذلك أن قرطاجنة كانت قريبة فما أيسر أن تنهب خرائبها وتهيئ الكثير من مواد البناء والعمد وتيجانها. أما من الناحية السياسية فيظهر أن تونس كانت مجمع المغارضة ومركز مناهضة السلطان في القيروان. وكان الجند من بنى تميم الذين تضمهم أسوارها مبعث القلاقل والفتن، واشتركت تونس في جميع الفتن التي أخمدها عمال الأمويين والعباسيين ثم أمراء الأغالبة، واشتركت في الثورة الكبيرة التي حمل لواءها منصور الطنْبُذى، ففتحها زيادة الله الأول عنوة وخرب أسوارها عام ٢١٨ هـ الموافق ٨٣٣ م، وأنزل بها إبراهيم الثاني جام غضبه بعد فتنة من هذه الفتن، ورأى أن يضبط أمورها بنقل بلاطه وقصبة حكومته إليها عام ٢٨١ هـ الموافق ٨٩٤ م وشيد لهذا الغرض عددًا من المبانى منها "القصبة" ولكنه قفل راجعًا إلى رَقادَة بعد عامين اثنين، ولما حاول ابنه عبد الله الثاني أن يعود إلى الاستقرار في تونس قُتل عام ٢٩٠ هـ الموافق ٩٠٣ م في قصر بناه لنفسه وشيكًا، وقتل قاتلاه وعلق الأول على باب الجزيرة أو بعبارة أخرى (رأس. بونة) والثاني على باب القيروان. ولم تكن الأسباب قد تهيأت بعد لكى تصبح تونس قصبة إفريقية.

стр. 2416

وتعمد الفاطميون وخلفاؤهم من صنهاجة- وكانت قصبتهم في القيروان أو في المهدية التي أنشئوها- إهمال مدينة تونس. ويظهر أن أهلها ظلوا متمسكين بأهداب السنة. ومما له دلالته الكبيرة أن أعظم أولياء تونس، ولايزال يمجده الناس إلى الآن، قد عاش في النصف الأول من القرن العاشر الميلادي، أي في الوقت الذي اقتتل فيه أولو الأمر من الشيعة والثوار من الخوارج أعنف قتال في سبيل الغلبة على إفريقية: هذا الولى هو سيدى محرز (محرز بن خلف) الذي سأل ابن أبي زيد (٣٢٧ هـ الموافق ٩٣٩ م) تأليف رسالته الشهيرة وتلقاها، وهي اللاصة المعتمدة للمذهب المالكي في شمالي إفريقية (انظر ابن ناجى: معالم الإيمان، جـ ٣، ص ١٣٨). وكان هو الذي أنزل السكينة في قلوب أهل المدينة بعد أن مرت بها تلك الفترة الوجيزة المشئومة التي احتل فيها أبو يزيد المدينة عام ٣٣٢ هـ الموافق ٩٤٤ م، وحثهم على إقامة سور مكين حولها وشجعهم على تنظيم أسباب الإتجار فيما بينهم. ولعل الفضل في بناء فندق "الحائرية" القديم راجع إليه، وهو قبالة زاويته تقريبًا وعلى مسافة قصيرة من باب كبير من أبواب المدينة، وربما صح هذا على "السويقة" التي سمى الباب باسمها فقيل "باب السويقة"، وثمة رواية متواترة تذهب إلى أن سيدى محز أنشأ أيضًا "حارة" اليهود وهي على مسافة من زاويته في اتجاه المسجد الجامع، وجلى أنه قصد بهذا العمل إلى أن يستبقى في ذلك الحى قومًا يحذقون التجارة خاصة، وهي من أسباب ازدهار المدينة. وقد شهد ابن حوقل في القرن العاشر الميلادي بما كانت عليه مدينة تونس من ازدهار، فأطنب في وفرة غلاتها وحسن موقعها وثراء أهلها. وخص بالذكر فخارهاورى البساتين التي حولها بطواحين الماء. وزاد البكرى تفاصيل أخرى في القرن التالي فذكر الأسوار والخندق والأبواب الخمسة: وهي باب الجزيرة في الجنوب، وباب البحر الذي يفتح على الفرضة، وباب قرطاجنة في الشرق، وباب السقائين- وجلى أنه كباب السويقة في الشمال- وباب أرطه في الغرب؛ وكان مدخل

стр. 2417

الفرضة يغلق بسلسلة يحميها من الشمال سور ومن الجنوب حصن من الحجر يعرف بـ "قصر السلسلة". وقد أعجب البكرى بالمسجد الجامع، وكان درج مدخله (في الجانب الشرقي) كما هو الآن: اثنتى عشرة درجة، وبأسواقها الكثيرة العامرة وحماماتها، وكان فيها خمسة عشر حماماً، وأشار بكثرة زادها (الفاكهة والسمك) ولم يفته أن يذكر فخارها. ثم انتقل إلى موضوع آخر فتحدث عن إقبال أهل تونس على الفقه. والظاهر أن تونس كانت في أمن ورخاء مايقرب من قرن، حتى وقعت الواقعة المشئومة في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي فقلبت الخالة الاقتصادية والسياسية بأسرها رأسًا على عقب، ونعنى بهذه الواقعة غزوة العرب الهلالية. وغلب الفاتحون الجدد بنى زيرى الضعفاء على أمرهم فاعتكفوا في المهدية، ووقعت تونس زمانا في يد عابد بن أبي الغيث أمير بنى رياح عام ٤٤٦ هـ الموافق ١٠٥٤ مـ، ثم أرادت أن تأمن على نفسها فدخلت في طاعة الناصر الحمادى صاحب القلعة فأرسل إليها عامله عبد الحق بن خراسان الصنهاجى عام ٤٥١ هـ الموافق ١٠٥٩ م وسرعان ماجاهر هذا العامل باستقلاله فتأسست بذلك أول دولة تونسية، ومكنت هذه الدولة لنفسها قرناً من الزمان إلا عشرين عاما (من ١١٢٨ إلى ١٢٠٨) حتى غزاها الموحدون بعد ذلك بقرن على التحقيق. وجار عليها أول الأمر الرياحية من بنى على، وكانوا قد وطدوا أقدامهم في المُعلقة من أعمال قرطاجنة فصالحتهم تونس لتأمن غاراتهم ووعدوا بألا يتعرضوا للناحية أو لأحد من أهلها نظير جزية سنوية، بل إنهم سرعان ماحضروا أسواق تونس للبيع والشراء جميعا. وسلمت المدينة من سعايات زيرية المهدية ونورمان صقلية، وعكر صفوها في الوقت نفسه شبوب الفتن والأحزاب المتنافسة وشغب الصف واقتتالهم والتنابذ بين الأحياء المختلفة، ومع ذلك فقد بدأت تجارتها في البحر تنفق في هذا العهد المضطرب، فانتظمت تجارتها مع إيطاليا ونمت، وازدادت

стр. 2418

العلاقات التجارية مع النصارى فأدى ذلك إلى رخاء لم يكن في الحسبان. وقد كان لبنى خراسان أنفسهم نصيب كبير في ترقية مدينة تونس وازدهارها فحصنها أحمد، وهو أعظم أمرائهم، في النصف الأول من القرن الثاني عشر وبنى الأسوار التي ذكرها الإدريسي. كما أنه هو الذي شيد "القصر"، وربما كان المسجد المعروف الآن بجامع القصر متصلا به في أول الأمر. وفي هذا الحى بالقرب من شارع بنوكريسَان- والظاهر أنه تحريف خراسان- لاتزال مقبرة بنى خراسان قائمة إلى الآن، ولعلها كانت متصلة في الأصل بمقبرة السلسلة (في موضع بيمارستان صديقى). والباب الكبير للمسجد الجامع من أيام هذه الدولة. وتحددت هيئة تونس الآن عندما قامت ضاحيتاها الكبيرتان: باب سويقة وباب الجزيرة، وهما تمتدان شمالي المدينة القديمة وجنوبيها. وأخذ شانها يعظم حتى أصبحت قصبة إفريقية. وقد ظل هذا حالها من أيام عبد المؤمن عام ٥٥٤ هـ الموافق ١١٥٩ م إلى وقتنا هذا. فاندمج تاريخها السياسي في تاريخ سلطنة تونس. وقد أفزعت الناس غارات ابن عبد الكريم الرغراغى الفاشلة عام ٥٩٥ هـ الموافق ١١٩ م، كما شق عليهم حكم آخر المرابطين يحيى بن غانية عام ١٢٠٣ - ١٢٠٤ م العابر، فكان من نصيب الحفصيين أن يعيدوا إلى تونس أمنها وسلامتها وأن يزيدوا في منشآتها وأن يجعلوا منها قصبة جديرة باسمها. وقد شيد أبو محمد بن أبي حفص- وكان لا يزال يحكم البلاد من قبل خليفة مراكش- في حي باب السويقة (في شارع الحلفاويين) مسجدًا جامعًا، يعرف باسمه إلى الآن وإن كان هذا الاسم قد حرف بطبيعة الحال حتى أصبح "باى محمد" (١).

стр. 2419

وكان أبو زكريا الورع أول أمراء هذه الدولة المستقلين، وتدل منشآته على أن المدينة بدأت تدخل في عهد جديد. فقد شيد عام ١٢٣٠ م خارج المدينة ناحية الجنوب الغربيّ مصلاه الحصين المعروف بـ"جامع السلطان"، وهو الذي أشار إليه ابن بطوطة في القرن التالي، ثم شرع في تعمير القصبة، وأقام في طرفها مسجدًا خاصًّا به هو مسجد الموحدين أو القصبة، ومئذنته على النمط الموحدى الخالص، والتاريخ من خارجها (انظر Houdas Mission scientif. en Tu-: and R. Basset I nicie الجزائرسنة ١٨٨٢ م، ص ٥ - ٩) وأنشا خزانة كتب قيمة بددها ابن اللحيانى أحد خلفائه واقتفى أثر المشارقة ففتح في تونس مدرسة هي مدسة الشماعية بالقرب من سوق الشماعين القديم وهو الآن سوق البلغجية، وقد رممت فيما بعد وكانت أول مدرسة فتحت في شمالي إفريقية. وأبو زكريا هذا هو الذي أجار بنات يحيى بن غانية الثلاث في القصر الذي عرف منذ ذلك بـ "قصر البنات". ثم إنه هو الذي نظم الأسواق حول المسجد الجامع مباشرة وفتح سوق العطارين، وربما كان هو الذي أنشأ كذلك سوق القماش. وجاء بعده ابنه الخليفة المستنصر بالله فلم يقتف أثر أبيه في العناية بشئون التجارة والدين بل كان رجلًا تياهًا يميل إلى الأبهة والبذخ. فبنى قاعة لمحافله تعرف ب "قبة أسارالىُ" عام ١٢٥٣ م في قصر القصبة، وغرس حدائق للهوه في الربض المجاور له عند رأس الطابية على الطريق إلى باردو عند أبي فهر (ولايعرف موقعها على التحقيق على الرغم من قول ابن أبي دينار إنها عين البطوم " ويقول حسن عبد الوهاب إنها في الجبل الأحمر بالقرب من الأرينة وذلك في كتاب ابن فضل الله الذي نشره، ص ١٢، تعليق رقم ١) وهي التي ساق لها ابن خلدون وصفاً بديعًا. ووصل القاعة بالبساتين طريق محجوب تسير فيه النساء فلا يراهن أحد. وفي عام ٦٦٥ هـ الموافق ١٢٦٧ م أتم الخليفة تعمير جسور

стр. 2420

قرطاجنة المعلقة القديمة المعروفة بالحنايا فأشاد (١) ابن حازم بهذا الصنيع في شعره؛ وجلب الماء إلى بركة فهر الكبيرة ومنها إلى المسجد الجامع. وبنت أمه عطف- وكانت أرملة فاضلة لزوج تقى- مدرسة أخرى هي المدرسة التوفيقية الملحقة بجامع التوفيق أو جامع الهوى الذي يرجع تاريخه إلى هذا العهد. وقد بنى الحفصيون في القرن الأول من حكمهم مسجدين آخرين هما: جامع الزيتونة البرانى (٢) عام ١٢٨٣ م) خارج باب البحر، وقد شيد بأمر أبي الفضل النخاتل ليحل محل الفندق وجامع العلق في الحي نفسه عند المصلى. وبنى أبو زكريا ابن السلطان أبي إسحاق مدرسة ثالثة هي مدرسة المعرض في سوق الكتبيتين- وقد بنيت هي الأخرى لتحل محل فندق- ولكنها زالت من الوجود وأصبحت أثرلم بعد عين. ثم عمرت الأسوار أو بعضها على الأقل، ومنها الباب الجديد وباب المناورة وربما معها باب البنات، وليس له الآن وجود. وكانت تونس عام ١٣٠٠ م قدم أصبحت قريبة الشبه جدًّا بتونس الحالية. فقد امتدت المدينة من الشمال إلى الجنوب وكانت تنحصر بين القصبة من ناحية الغرب- وهي قصر الأمير الحصين الذي يشرف على المدينة وعلى سهل المنوبة- وبين باب البحر من ناحية الشرق عند أسفل السهل، وهذا الباب يفتح على دار الصناعة ومنها إلى البحيرة، وفي منتصف هذا المرقى، وفي سرة المدينة بالضبط المسجد الكبير وتفتح أبوابه على الأسواق الجديدة المحيطة به. وقد عرف الباب الشمالي بباب البهور (٣) ونحن نتساءل: أكان اسم الباب الغربيّ باب الشفاء؟ وكانت كل سوق تغلق أبوابها إذا جاء الليل، ولا يزال هذا شأنها إلى
следующие страницы →