← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وتعمد الفاطميون وخلفاؤهم من صنهاجة- وكانت قصبتهم في القيروان أو في المهدية التي أنشئوها- إهمال مدينة تونس. ويظهر أن أهلها ظلوا متمسكين بأهداب السنة. ومما له دلالته الكبيرة أن أعظم أولياء تونس، ولايزال يمجده الناس إلى الآن، قد عاش في النصف الأول من القرن العاشر الميلادي، أي في الوقت الذي اقتتل فيه أولو الأمر من الشيعة والثوار من الخوارج أعنف قتال في سبيل الغلبة على إفريقية: هذا الولى هو سيدى محرز (محرز بن خلف) الذي سأل ابن أبي زيد (٣٢٧ هـ الموافق ٩٣٩ م) تأليف رسالته الشهيرة وتلقاها، وهي اللاصة المعتمدة للمذهب المالكي في شمالي إفريقية (انظر ابن ناجى: معالم الإيمان، جـ ٣، ص ١٣٨). وكان هو الذي أنزل السكينة في قلوب أهل المدينة بعد أن مرت بها تلك الفترة الوجيزة المشئومة التي احتل فيها أبو يزيد المدينة عام ٣٣٢ هـ الموافق ٩٤٤ م، وحثهم على إقامة سور مكين حولها وشجعهم على تنظيم أسباب الإتجار فيما بينهم. ولعل الفضل في بناء فندق "الحائرية" القديم راجع إليه، وهو قبالة زاويته تقريبًا وعلى مسافة قصيرة من باب كبير من أبواب المدينة، وربما صح هذا على "السويقة" التي سمى الباب باسمها فقيل "باب السويقة"، وثمة رواية متواترة تذهب إلى أن سيدى محز أنشأ أيضًا "حارة" اليهود وهي على مسافة من زاويته في اتجاه المسجد الجامع، وجلى أنه قصد بهذا العمل إلى أن يستبقى في ذلك الحى قومًا يحذقون التجارة خاصة، وهي من أسباب ازدهار المدينة. وقد شهد ابن حوقل في القرن العاشر الميلادي بما كانت عليه مدينة تونس من ازدهار، فأطنب في وفرة غلاتها وحسن موقعها وثراء أهلها. وخص بالذكر فخارهاورى البساتين التي حولها بطواحين الماء. وزاد البكرى تفاصيل أخرى في القرن التالي فذكر الأسوار والخندق والأبواب الخمسة: وهي باب الجزيرة في الجنوب، وباب البحر الذي يفتح على الفرضة، وباب قرطاجنة في الشرق، وباب السقائين- وجلى أنه كباب السويقة في الشمال- وباب أرطه في الغرب؛ وكان مدخل

стр. 2417

الفرضة يغلق بسلسلة يحميها من الشمال سور ومن الجنوب حصن من الحجر يعرف بـ "قصر السلسلة". وقد أعجب البكرى بالمسجد الجامع، وكان درج مدخله (في الجانب الشرقي) كما هو الآن: اثنتى عشرة درجة، وبأسواقها الكثيرة العامرة وحماماتها، وكان فيها خمسة عشر حماماً، وأشار بكثرة زادها (الفاكهة والسمك) ولم يفته أن يذكر فخارها. ثم انتقل إلى موضوع آخر فتحدث عن إقبال أهل تونس على الفقه. والظاهر أن تونس كانت في أمن ورخاء مايقرب من قرن، حتى وقعت الواقعة المشئومة في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي فقلبت الخالة الاقتصادية والسياسية بأسرها رأسًا على عقب، ونعنى بهذه الواقعة غزوة العرب الهلالية. وغلب الفاتحون الجدد بنى زيرى الضعفاء على أمرهم فاعتكفوا في المهدية، ووقعت تونس زمانا في يد عابد بن أبي الغيث أمير بنى رياح عام ٤٤٦ هـ الموافق ١٠٥٤ مـ، ثم أرادت أن تأمن على نفسها فدخلت في طاعة الناصر الحمادى صاحب القلعة فأرسل إليها عامله عبد الحق بن خراسان الصنهاجى عام ٤٥١ هـ الموافق ١٠٥٩ م وسرعان ماجاهر هذا العامل باستقلاله فتأسست بذلك أول دولة تونسية، ومكنت هذه الدولة لنفسها قرناً من الزمان إلا عشرين عاما (من ١١٢٨ إلى ١٢٠٨) حتى غزاها الموحدون بعد ذلك بقرن على التحقيق. وجار عليها أول الأمر الرياحية من بنى على، وكانوا قد وطدوا أقدامهم في المُعلقة من أعمال قرطاجنة فصالحتهم تونس لتأمن غاراتهم ووعدوا بألا يتعرضوا للناحية أو لأحد من أهلها نظير جزية سنوية، بل إنهم سرعان ماحضروا أسواق تونس للبيع والشراء جميعا. وسلمت المدينة من سعايات زيرية المهدية ونورمان صقلية، وعكر صفوها في الوقت نفسه شبوب الفتن والأحزاب المتنافسة وشغب الصف واقتتالهم والتنابذ بين الأحياء المختلفة، ومع ذلك فقد بدأت تجارتها في البحر تنفق في هذا العهد المضطرب، فانتظمت تجارتها مع إيطاليا ونمت، وازدادت

стр. 2418

العلاقات التجارية مع النصارى فأدى ذلك إلى رخاء لم يكن في الحسبان. وقد كان لبنى خراسان أنفسهم نصيب كبير في ترقية مدينة تونس وازدهارها فحصنها أحمد، وهو أعظم أمرائهم، في النصف الأول من القرن الثاني عشر وبنى الأسوار التي ذكرها الإدريسي. كما أنه هو الذي شيد "القصر"، وربما كان المسجد المعروف الآن بجامع القصر متصلا به في أول الأمر. وفي هذا الحى بالقرب من شارع بنوكريسَان- والظاهر أنه تحريف خراسان- لاتزال مقبرة بنى خراسان قائمة إلى الآن، ولعلها كانت متصلة في الأصل بمقبرة السلسلة (في موضع بيمارستان صديقى). والباب الكبير للمسجد الجامع من أيام هذه الدولة. وتحددت هيئة تونس الآن عندما قامت ضاحيتاها الكبيرتان: باب سويقة وباب الجزيرة، وهما تمتدان شمالي المدينة القديمة وجنوبيها. وأخذ شانها يعظم حتى أصبحت قصبة إفريقية. وقد ظل هذا حالها من أيام عبد المؤمن عام ٥٥٤ هـ الموافق ١١٥٩ م إلى وقتنا هذا. فاندمج تاريخها السياسي في تاريخ سلطنة تونس. وقد أفزعت الناس غارات ابن عبد الكريم الرغراغى الفاشلة عام ٥٩٥ هـ الموافق ١١٩ م، كما شق عليهم حكم آخر المرابطين يحيى بن غانية عام ١٢٠٣ - ١٢٠٤ م العابر، فكان من نصيب الحفصيين أن يعيدوا إلى تونس أمنها وسلامتها وأن يزيدوا في منشآتها وأن يجعلوا منها قصبة جديرة باسمها. وقد شيد أبو محمد بن أبي حفص- وكان لا يزال يحكم البلاد من قبل خليفة مراكش- في حي باب السويقة (في شارع الحلفاويين) مسجدًا جامعًا، يعرف باسمه إلى الآن وإن كان هذا الاسم قد حرف بطبيعة الحال حتى أصبح "باى محمد" (١).

стр. 2419

وكان أبو زكريا الورع أول أمراء هذه الدولة المستقلين، وتدل منشآته على أن المدينة بدأت تدخل في عهد جديد. فقد شيد عام ١٢٣٠ م خارج المدينة ناحية الجنوب الغربيّ مصلاه الحصين المعروف بـ"جامع السلطان"، وهو الذي أشار إليه ابن بطوطة في القرن التالي، ثم شرع في تعمير القصبة، وأقام في طرفها مسجدًا خاصًّا به هو مسجد الموحدين أو القصبة، ومئذنته على النمط الموحدى الخالص، والتاريخ من خارجها (انظر Houdas Mission scientif. en Tu-: and R. Basset I nicie الجزائرسنة ١٨٨٢ م، ص ٥ - ٩) وأنشا خزانة كتب قيمة بددها ابن اللحيانى أحد خلفائه واقتفى أثر المشارقة ففتح في تونس مدرسة هي مدسة الشماعية بالقرب من سوق الشماعين القديم وهو الآن سوق البلغجية، وقد رممت فيما بعد وكانت أول مدرسة فتحت في شمالي إفريقية. وأبو زكريا هذا هو الذي أجار بنات يحيى بن غانية الثلاث في القصر الذي عرف منذ ذلك بـ "قصر البنات". ثم إنه هو الذي نظم الأسواق حول المسجد الجامع مباشرة وفتح سوق العطارين، وربما كان هو الذي أنشأ كذلك سوق القماش. وجاء بعده ابنه الخليفة المستنصر بالله فلم يقتف أثر أبيه في العناية بشئون التجارة والدين بل كان رجلًا تياهًا يميل إلى الأبهة والبذخ. فبنى قاعة لمحافله تعرف ب "قبة أسارالىُ" عام ١٢٥٣ م في قصر القصبة، وغرس حدائق للهوه في الربض المجاور له عند رأس الطابية على الطريق إلى باردو عند أبي فهر (ولايعرف موقعها على التحقيق على الرغم من قول ابن أبي دينار إنها عين البطوم " ويقول حسن عبد الوهاب إنها في الجبل الأحمر بالقرب من الأرينة وذلك في كتاب ابن فضل الله الذي نشره، ص ١٢، تعليق رقم ١) وهي التي ساق لها ابن خلدون وصفاً بديعًا. ووصل القاعة بالبساتين طريق محجوب تسير فيه النساء فلا يراهن أحد. وفي عام ٦٦٥ هـ الموافق ١٢٦٧ م أتم الخليفة تعمير جسور

стр. 2420

قرطاجنة المعلقة القديمة المعروفة بالحنايا فأشاد (١) ابن حازم بهذا الصنيع في شعره؛ وجلب الماء إلى بركة فهر الكبيرة ومنها إلى المسجد الجامع. وبنت أمه عطف- وكانت أرملة فاضلة لزوج تقى- مدرسة أخرى هي المدرسة التوفيقية الملحقة بجامع التوفيق أو جامع الهوى الذي يرجع تاريخه إلى هذا العهد. وقد بنى الحفصيون في القرن الأول من حكمهم مسجدين آخرين هما: جامع الزيتونة البرانى (٢) عام ١٢٨٣ م) خارج باب البحر، وقد شيد بأمر أبي الفضل النخاتل ليحل محل الفندق وجامع العلق في الحي نفسه عند المصلى. وبنى أبو زكريا ابن السلطان أبي إسحاق مدرسة ثالثة هي مدرسة المعرض في سوق الكتبيتين- وقد بنيت هي الأخرى لتحل محل فندق- ولكنها زالت من الوجود وأصبحت أثرلم بعد عين. ثم عمرت الأسوار أو بعضها على الأقل، ومنها الباب الجديد وباب المناورة وربما معها باب البنات، وليس له الآن وجود. وكانت تونس عام ١٣٠٠ م قدم أصبحت قريبة الشبه جدًّا بتونس الحالية. فقد امتدت المدينة من الشمال إلى الجنوب وكانت تنحصر بين القصبة من ناحية الغرب- وهي قصر الأمير الحصين الذي يشرف على المدينة وعلى سهل المنوبة- وبين باب البحر من ناحية الشرق عند أسفل السهل، وهذا الباب يفتح على دار الصناعة ومنها إلى البحيرة، وفي منتصف هذا المرقى، وفي سرة المدينة بالضبط المسجد الكبير وتفتح أبوابه على الأسواق الجديدة المحيطة به. وقد عرف الباب الشمالي بباب البهور (٣) ونحن نتساءل: أكان اسم الباب الغربيّ باب الشفاء؟ وكانت كل سوق تغلق أبوابها إذا جاء الليل، ولا يزال هذا شأنها إلى

стр. 2421

اليوم، وباب الربع القريب من السوق الذي يعرف بهذا الاسم هو المخرج الجنوبي لهذا الحى كما هي الحال الآن. وقد تجمعت دكاكين بعض أرباب الحرف اليدوية حول المدينة خارج هذه الأبواب. فالصباغون داخل باب الجزيرة، والحدادون عند الباب الجديد، والسروجية (١) عند باب المنارة. وكانت تجاور باب البحر بطبيعة الحال عدة فنادق يتوزعها تجار النصارى، فلما ضاقت بهم هذه البقعة بادروا إلى بناء حي صغير -أو ربض- خاص بهم خارج الباب، وهو الصورة الأولى للحى الأوربى. وكانت الدور تبنى متلاصقة، لا فسحة بينها ولا رحبة للأسواق والمحافل: ولم تكن بطحاء ابن مردوم سوى مفرق طريق. أما الأحياء الخارجية، فهي أحدث عهدًا وأقل زحامًا، فيها رحبات واسعة يبيع الناس فيها ويشترون: الفخار والحلفاء في حي باب السويقة والحيوان (الخيل في المركاض والغنم في رحبة الغنم) وربما الغلال في حي باب الجزيرة. ويحيى كل حي من هذه الأحياء سور خارجى ينتهى عند القصبة؛ أما أبواب الصف الأول من هذه الحصون فهي في الربض (الحى الجنوبي): باب خالد، ولا شك أنه كان في الأصل باب تالمنصور، في الغرب، وباب الجرجانيّ (٢) في الجنوب، وباب الفلآق (وخارجه قيسارية) وباب علاوة (٣) في الجنوب الشرقي، وفي الحى الشمالي: باب الخضراء في الشمال الشرقي وباب [أبي] سعدون في الشمال الغربيّ، وباب الأقواس في الغرب، ولعله عين باب العلوج وقد ورد ذكره لأول مرة بعد هذا العهد. وإذا أردنا أن نعين مكان ربض العلوج فلا مناص من أن نضعه بجوار الباب الأخير اللهم إلا إذا كان الحسن بن محمد الوزان الزياتى قد أكد أنه خارج

стр. 2422

المنارة. والعلوج مرتزقة نصارى يدفع لهم سلاطين تونس أعطياتهم. أما القصبة نفسها، فإن أحد بابيها يفتح على الريف وهو باب الغدر والآخر على المدينة وهو باب إنتَجمى (انظر باب إيمزتجمى التلمسانى؛ بغية الرواد، طبعة بل، جـ ٣٤) وبين باب علاوة وباب الخضراء مجموع من الخنادق تجرى فيها الميازيب فتصب شرقًا في البحيرة؛ والمقابر حول المدينة وقد لحقت على الأيام بأرباضها، فلما اتسعت هذه الأرباض خرجت عنها. وإلى الجنوب الغربيّ الزلاج الرحب ويكاد يكون قائمًا بنفسه وهو يخلد ذكر أبي الحسن الشاذلى المتصوف (سيدى بالحسن)، صاحب الطريقة الشاذلية، وقد عاش هناك في النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي. وتلاصق باب الجرجانيّ بجوار مقبرة الهنتاتية أضرحة كثيرة من "الأولياء". وفي مناقبهم التي لم ينشر معظمها معلومات قيمة عن تخطيط المواضع التونسية في عهد الحفصيين تكمل ما جاء به الزركشي أو ابن الشماع. وقد سميت باسم لاله (١) المنوبية المشهورة (انظر المجلة الأسيوية، سنة ١٨٩٩ م، ص ٤٨٥ - ٤٩٤؛ وكتاب مناقب السيدة عائشة المنوبية، تونس سنة ١٣٤٤ هـ)، المتوفاة عام ١٢٦٧ قرية تشرف على المدينة من ناحية الجنوب - La Apan (cubia لا يزال النساء يزرنها ويتوسلن بها إلى الحمل. وقد اعتزت تونس بالمرابطين الذين لا ينكر سلطانهم السياسي أحد، مثل أبي محمد المرجانى مؤدب أبي عصيدة الذي أصبح خليفة فيما بعد. ولها أن تفاخر أكثر من ذلك بمن أخرجتهم من الفقهاء الأدباء والعلماء الذين ازداد عددهم على الأيام. وقد ازدهرت بها علوم الدين كما قال العبدرى عام ١٢٨٩ م. وممن برزوا فيها القاضي بن زيتون عند نهاية القرن الثالث عشر الميلادي.

стр. 2423

وكانت للمسلمين المهاجرين من الأندلس مشاركة قيمة في النهوض بدراسة الأدب وفقه المالكية منهم ابن الأبار وقاضي القضاة ابن الغماز، وقد وفدا من بلنسية؛ وبنو عصفور من أشبيلية وكذلك بنو خلدون أجداد ابن خلدون مؤرخ شمالي إفريقية الأشهر (ولد عام ١٣٣٢ م). كان القرن الرابع عشر موضع إعجاب الرحالة خالد البَلَوى (عام ١٣٣٥ - ١٣٤٠) فهو العصر الذهبي للفقهاء والمفسرين، ومن هؤلاء قضاة القضاة ابن عبد الرفيع وابن عبد السلام وعيسى الغُبْرينْى والقاضي وابن راشد القَفْصى والمفتى ابن هارون ثم ابن عرفة-لإمام. الجليل. أما في ميدان السياسة فإنا لم نأنس في الحكام إلا ضعفًا وفي المحكومين إلا اضطرابًا وخوفًا. فليس أيسر من أن يهدد الأعراب المدينة، كما احتلها المرينيون مرتين. وكان نموها ناحية الغرب وناحية الجنوب الغربيّ بالغ القوة في القرن السابق ثم أعقبه عصر ركود ولا نقول عصر اضمحلال. ومع ذلك فنحن نذكر أن مدرستين قد أنشئتا في هذا العهد، ابتنت الأولى أخت الخليفة أبي يحيى أبي بكر (١٣١٤ - ١٣٢٤ م)، وتعرف بالمدرسة العُنْقية (وقد عمرت فيما بعد وهي في شارع عنق الجمل)، وبنى الأخرى ابن تَفراكين الحاجب، وقد أصبحت الآن أطلالا (في شارع سيدى إبراهيم). ومن سمات هذا العصر أن المهندسين قد عنوا أولًا وقبل كل شيء بما تتطلبه ضرورات الحرب. فقد عمَر أبو الحسن المرينى بعد هزيمته في القيروان عام ١٣٤٨ م أسوار مدينة تونس واحتفر حولها خندقًا؛ ودعم ابن تفراكين الأسوار الخارجية وأنشأ أحباسا عظيمة لحمايتها. فإذا انتقلنا إلى عا م ١٤٠٠ م وكان القرن الخامس عشر، فقد استقرت أمورها السياسية أكثر من ذي قبل فنشطت لذلك حركة المبانى نشاطًا ملحوظا، بيد أنها لم تكن واسعة النطاق في الواقع. ولم يشيد أبو فارس وحفيده أبو عمر عثمان في حكمهما الطويل إلا خزانتى كتب ومدارس قليلة، وانصرف جل اهتمامهما إلى أعمال البر

стр. 2424

فابتنيا أول مارستان إسلامي في تونس، وقد تم بناؤه عام ٨٣٢ هـ (١٤٢٠ م) وعدة زوايا في الأرباض يلتجئ إليها الناس في النهار والليل جميعا، كما اهتما بما يتصل بالماء مدفوعين إلى ذلك بعامل الدين أيضًا: فأنشأ مأجلا (وهو صهريج كبير) في المصلى، وميضأة في سوق العطارين عام ٨٥٤ هـ (١٤٥٠ م) وسقايات ومصَاصة، وهي ضرب من السبل يمص فيه الإنسان الماء من صنبور. ويكشف لنا هذا كله لونا من ورع الضعفاء العاجزين. وأخذ المرابطون وأصحاب الطرق يسيطرون على الدين يوما بعد يوم. وقد وصف آل القَلجْانى (١) وبنو الرَصاع في هذا العصر بأنهم فقهاء مبرزون، وكانت لتونس خطبة (٢) ثامنة في ربض باب إلسويقة. عام ١٤٥١. وأبرز رجال هذا العصر سيدى أحمد بن عروس (انظر مناقبه، تونس، سنة ١٣٠٣) الذي وفد من مراكش ودفن في زاويته عام ١٤٦٣ م وهو صاحب الطريقة العروسية؛ وسيدى قاسم الجَليزى (٣) الذي جاء من الأندلس. وتوفى عام ١٤٩٧ م وزاويته التي دفن فيها قريبة من باب خالد التي سمى منذ ذاكُ ب "باب سيدى قاسم" وسقفها مكسو بالآجر على النمط الأندلسيّ، وسيدى منصور بن جرِدان (٤) المتوفى ١٤٩٩. والظاهر أن التجارة كانت آخذة بأسباب الرقى وقتذاك؛ وقد حافظت تونس على اتصالها بأوربة رغم عدة حوادث، بل لعلها ازدادت توثقًا؛ ويتجلى ما بلغته الصناعة والتجارة المحلية فيها من شأن أيام أبي فارس حتى قبل أن يعفيها من كل مجبى (ضريبة) من الأرقام الخاصة بعام التي وردت في تحفة الأريب لعبد الله

стр. 2425

الترجمان (١)، وكان نصرانيًّا فأسلم واسمه الأول فرا أنسلم ترميده القطلونى Catalan Fra Anselm Turmeda, ولا يزال قبره داخل باب المنارة. ونحن نرى في أثناء سرد الأسواق المهمة وجود فنادق للزيت والخضر وفحم الحجر وسوق للصَفّارين (النحاسي) وسوق للعزافين (صانعى السلال)؛ ولايزال طريق العزّافين (e El-Azafine) وسوق القَشئاشين (وهم بائعو التحف) باقيين. وقد قدر عدد المنازل رسميًا عام ١٣٦١ بسبعة آلاف منزل كما قال ابن الشماع، ثم زاد عام ١٥١٦ إلى عشرة آلاف منزل كما قال الحسن بن محمد الوزان الزياتى. وأورد الرحالة فان غسيله - Van Ghis tele معلومات قيمة عن حياة النصارى في تونس عام ١٤٨٥، أما أولو الأمر فقد إنتهجوا سنة أسلافهم وعملوا على الإقامة خارج المدينة، وأغلب ما يكون ذلك في صيغتهم باردو: وقد ذكرت هذه الصيغة التونسية باسم برادو - pra " do منذ ١٤١٠ م وحرّف هذا الاسم كثيرًام، وسرعان ما أصبحت مجموعة كبيرة من المبانى. وينسب قصر العَبدليه عند المرسى وكذلك خزانة الكتب المعروفة بالاسم نفسه، والملحقة بالمسجد الجامع إلى أبي عبد الله الحفصى آخر الأمراء المستقلين (عام ١٥٠٠ م). وكان القرن السادس عشر قرنًا يسوده الاضطراب، فأصبحت المدينة المنكودة الطالع غرضا من أهم أغراض الترك والأسبان في حروبهم الطويلة، وقد نهبها جنود خير الدين عام ١٥٣٤ م. ثم سلبها جيش شارل الخامس المظفر في العام الذي يليه. وفر أهلها في جمع واحد أمام النصارى من باب الفَلاق، وقد غير اسمه تبعًا لذلك فأصبح باب الفلّة (أي باب الهزيمة). وجلى أن الأحوال التي عمر فيها الحفصيون ما تخرب وصانوه لم تكن جد مواتية لنمو المدينة. فقد صرف الأمراء كل اهتمامهم إلى الحصون التي زيدت عليها حصون حلق الوادي،

стр. 2426

ويظهر أنها لم تتم حتى بعد خريف عام ١٥٧٣ م عندما طرد دون جون النمساوى من تونس القائد رمضان الذي ظل عاملا عليها أربع سنين من قبل على باشا أولوج (قلج). وقد حصنت القصبة تحصينًا قويًّا، وقام في مكان دار الصناعة بنوع خاص- ولعلها خربت قبل ذلك بزمن - (انظر ١٩١٤ E Revue Tunisinne: Grandchamp, ص ٩ - ١٠) علي ساحل البحيرة، حصن على هيئة النجم يصله بأسوار المدينة متراسان: وهذا الحصن هو البرج الذي ذكره ابن أبي دينار والقلعة الجديدة nova are في التخطيط الذي رسم عام ١٥٧٥ م (انظر Essai bibl.: Monchicourt sur les plans imprils de .. Tunis-Goulette . au XVJeme siecle R.Afr سنة ص ٣١). بيد أن هذا الجهد ذهب أدراج الرياح. وعاث الجند الأسبان في المدينة فسادًام فهجرها الأهلون (انظر، عام ١٩١٤ ص ١٢) واستولى الترك في سبتمبر عام ١٥٧٤ م على هذا الحصن وهدموه. وأقام سنان باشا في تونس حكما موطد الأركان، فأخذت العمارة في الأزدهار بعد ذلك بأمد وجيز. وزاد خروج الناس من الأندلس واستمر قرونا واتسع مداه فجاءة عندما رحب الداى عثمان بعرب الأندلس الذين طردهم فيليب الثالث. فأقام أهل الحضر منهم في تونس وسكنوا حيين اثنين هما شارع الأندلس (جنوب غربي "المدينة") وحومَة الأندلس بالقرب من موضع الحلفاويين، وهم الذين أدخلوا صناعة الشاشية (القلانس الحُمر). , V, N بيسونيل عام ١٧٢٤ م أنه كان يصنع منها .. ، ٤٨٠ واحدة كل سنة، وقد استخدم فيها خمسة عشر ألف نفس. وقد ظهرت تونس بمظهر خاص في القرن السابع عشر بفضل اجتماع الأندلسيين المسلمين بالترك الحنفية المشارقة وما كان للمرتدين الأوربى المنبت والقرصان من شأن فيها. وكان الداى يوسف الأول أول من اشتهر بإقامة المنشآت العامة. وقد أورد ابن أبي دينار بيانا بها: إنشاء حي تجارى حول باب البنات، وتعمير سوق

стр. 2427

الغزل المجاور لهذا الحى، وبناء سوق لتجار جربة، واصلاح عدة أسواق أخرى، وتوسيع أسواق الحفصيين ناحية الشمال وهي: سوق البشامقية (١) (وهم صناع السراويل التركية) في شارع سيدي ابن زياد، وسوق البركة لبيع الرقيق السودان (٢) وسوق الترك للخياطين الترك؛ وإنشاء قهوة، ومد مجارى المياه إلى بقاع مختلفة في المدينة كالمسجد الجامع فيما يلي سوق الترك. وشيد صفيه على ثابت (عام ١٦٢٠ م) الميضأة البديعة التي تزين الآن "البلفدير"، وعمر على كذلك المسجد القديم في ربض باب الجزيرة. وربما كانت إعادة بناء باب المسجد الشرقي المعروف بباب الجنائز قد حدثت في ذلك العهد. وابتنى يوسف (عام ١٦٢٢ م) في شارع سيدى ابن زياد مدرسة ومسجدًا للحنفية مئذنته مثمنة الشكل وإلى جانبه ضريحه. وأخذ سلطان الدايات يتضاءل بعده فلم يقوموا بعمل عظيم. وقنع أحمد خوجه (١٦٤٠ - ١٦٤٧) بتعميرالمدرسة الشماعية والمدرسة العنيقة، وشيد محمد لاز عام ١٦٤٩ م مئذنة مسجد القصر العجيبة؛ فلما توفى عام ١٦٥٣ م شيدت له ولأهل بيته "تربة" في ميدان القصبة. وقد شيد الدايات المرادية كثيرًا من العمائر، وبنَىَ حمودة مسجد سيدى ابن عروس الحنفي (تم عام ١٦٥٤ م) على نمط مسجد الداى يوسف وبالقرب منه كما بنى بجواره ضريحا لأهل بيته. وعمر كذلك منارة المسجد الكبير وشيد مارستانا في شارع العزافين وشرع في تعمير الجسر المعلق وبنى ولده مراد المدرسة المرادية (عام ١٦٧٣ م) في سوق القماش، وفتح ابنه الثاني سوق الشاشية وأقام حفيده محمد مسجد سيدى محرز بعد عام ١٣٧٥ م وهو أهم مساجد المدينة ويقال أن المهندس الفرنسى دفيليه Daviler هو الذي رسم خطبة قبابه. وقد وصل إلينا وصف بديع لتونس في مذكرات الفارس درفيو Chevalier d'Arieux (باريس، المجلد الرابع، عام ١٧٣٥) التي كتبت حول عام. فقد كانت القصبة في أول

стр. 2428

أمرها مقر الباشوات قبل تقلص سلطانهم، وكانت تضم بنايتين كبيرتين: في الأولى حرس الدايات والضباط مع أهلهم، والثانية وراءها وفيها السقيفة التي يلقى فيها الداى جنده وفي أقصاها مسكنهم. أما الديوان الذي يرأس فيه الأغا المجلس العسكرى فهو قاعة متسعة مستطيلة الشكل (انظر كذلك وصفا مفصلا آخر كتبه لاكندامين La Condamine, عام ولا تزال المحكمة الشرعية في هذا الموضع. وكان الحى الواقع غربي المدينة وشمال غربها (وبخاصة طريق الباشا) هو حي السراة أو الحى التركى بحق. وقد زينت بالمرمر دور الدايات الفخمة وغيرهم من الأعيان. وكانت الرحبة الوسطى- وهي من سمات الدور المألوفة في ذلك العهد- تزين أحيانًا بجوسق أو بركة من الماء، ومن أسف أن الرياش والزخارف كانت فيها نزعة إلى محاكاة الردئ من المتاع الإيطالى. وتوسع القرصان في مغاماتهم توسعا كبير، جدًّا فازداد بذلك عدد العبيد من النصارى (بلغوا ستة آلاف عام ١٦٥٤؛ انظر عن حياتهم ينيون R.T , Pignon عام. ١١٨٣٠، ص ١٨ وما بعدها)؛ ومن ثم أكثر عدد تلكُ السجون العجيبة التي ينسب كل منها إلى القديس الذي تنذر له البيعة التي تحتويها هذه السجون. فقد ذكر الأب دان Dan تسعة منها عام ١٦٣٥ وسرعان ما أصبحت ثلاثة عشر سجنا. ونحن إذا سلمنا بما ذهب إليه كرانشان (La France: P. Grandchamp -en Tunisie au XVlleme siecle, Avant]et VI . propos des , تونس، ١١٩٢٨ - ١٩٢٩) وعددنا قصة حبس القديس فنسنت بولس في تونس من عام ١٦٠٥ - ١٦٠٧، أسطورة من الأساطير فإننا يجب أن نعنى خاصة ببعثة يوليان كيرالن اللازاى- Lazarist Julien Guerin L ٥ (عام ١٦٤٥ - ١٦٤٨) لأنه وفق إلى تنصير محمد جلبى المشهور باسم الدون فيليب وهو ابن الداى أحمد خوجه، وأن نعنى كذلك بفعال مبعوث

стр. 2429

آخر هو جان له فاشيه Jean le Vacher قنصل فرنسامن عام ١٦٤٨ إلى ١٦٥ ومن عام ١٦٥ إلى ١٦٦٦ (انظر Jean le vacher: R.Gleizes، باريس سنة ١٩١٤ - , في Revue des questions .histor يوليو ١٩٢٨). ففي أيامه شيدت أول كنيسة عامة في دار القنصلية نذرت إلى القديس لويس، وهو أيضًا الذي أقام على اطلالها كنيسة القديس أنطونيوس في وسط المقبرة الرومانية الكاثوليكية، وأقام حولها الأسوار العالية خارج باب البحر (في موضع الكتدرائية الحالية)؛ ونظم العبادات في بيعَ السجون وهو الذي استأذن من الدَيوان وحصل منه على أرض بنى عليها قنصلية للفرنسيين عرفت بـ"فندق الفرنسيين"، وقد تم بناؤها عام ١٦٦١ (شارع الجمرك القديم Rue de l'ancienne DouanE` Grandchamp: المصدر المذكور، جـ ٦، ص ٢٢ - ٣٢). واشرف النساكُ الإيطاليون على تلك البعثة من عام ١٦٧٢ م: ووصف سانت جرفيه. . St Gervais دارهم حوالي عام ١٧٣٠ (Memoires historiques. باريس، سنة ١٧١٦، ص ٨٦) كما وصف الكنيسة اليونانية ومارستان الثالوثين المحبوس عليه مال كثير. وكان اليروتستانت يدفنون خارج باب قرطاجنة في مقبرة القديس جورج في الموضع الذي تقوم عليه الآن الكنيسة الإنكليزية. ويظهر أن تجار النصارى لم يكونوا كثيرين على الرغم من حماية القنصلية لهم. "فالأمة" الفرنسية كانت منذ أمد طويل ستة أشخاص فقط. وكان غالب التجارة الخارجية في يد اليهود ومعهم المهاجرون من الأندلس والبرتغال (الذين طردوا عام ١٤٩٢ عام ١٤٦٩ م) وقد وفدوا إلى تونس مباشرة أو بطريق إيطاليا، أما الـ كرانه، وهم البرتغال أو اللقورنيون، فكانوا جماعة منفصلة برأسها؛ هاليهم نسب "سوق الكرانه " وكانت مقابر اليهود خارج الأسوار شرقي حي باب السويقة بجوار شارع سيدى سفيان الحالي؛ ثم امتدت ناحية الجنوب. واتسم ختام القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر بقلاقل سياسية احتل إبانها أهل الجزائر تونس

стр. 2430

مرتين أولاهما عام ١٦٨٦ والثانية , عام ١٦٩٤، وأصحبت ذلك فتن سفكت فيها الدماء. ولم تكن الأسوار من المناعة بحيث ترد هجومًا عنيفًا، ولم تتبع في بنائها "قاعدة من قواعد التحصين فلا تعد من الحصون الأبراج المربعة المتصلة بالجدران على مسافات بينها". بل إن تونس وقعت للمرة الثانية تحت رحمة أهل الجزائر حتى في عهد الحسينية، ونهبها هؤلاء الجزائريون عام ١٧٣٥ م، فحاول التوانسة عبثًا أن يقفوا في وجوههم عام ١٧٥٦ واستعانوا في ذلك بحصون تعجل على باشا وولده محمد في بنائها: وهذه الحصون متراس له كوات وخندق بين الحصنين حديثى البناء القائمين على جبل الجلاز والمنوبية وقلعة محصنة وراء القصبة. وقد ورد في هذا العصر ذكر حصنين آخرين يتوجان الرابيتين ناحية الشمال الغربيّ. وهما بلا شكُ برج السوارة أو طاحونة الريح (وهي حصن الأسيان) وبرج الرابطة أي رابطة الباى) ويكتنفه على مسافة يسيرة برج فلفل الصغير (انظر Corres . Tunis: Plantet. تونس، جـ ٢، ص ٥٠١، وانظر فيما يختص بعام ١٨٢٩ م Relations inedit ... : Monchicourt ,: ، ص ٤٧، ٩١). وقد زودت المدينة ببنايات أخرى في الفترات التي رفرف فيها السلام، ففي أيام رأس الدولة الجديدة حسين بن علي توفيت الأميرة عزيزة عثمانة، عام ١٧١٠، هي كبرى حفيدات الداى عثمان، ودفنت بالقرب من مدرسة الشماعية. وقد انتفع كثير من منشآت البر والتقوى بجزيل عطاياها. وكان حسين نفسه بنّاءًا عظيمًا، فقد شيد في تونس (انظر المشرع الملكى سنة ١٨٩٥، ص ٣٢٨ - ٢٣٩) في الحى الجنوبي من المدينة الجامع الجديد أو "جامع الصَباغين" ومئذنته مثمنة الشكل. وهو الذي اختط الطرق والبنى الملاصقة لسوق السكّاجين أي صانعى عدة الخيل، وفي عهده شيد ضريح الداى قره مصطفى بجوار مسجد القصر وهو الذي نقل قصبة ملكه إلى باردو. وقد عنى ببناء المدارس على الرغم من التأخر في دراسة العلوم

стр. 2431

الدينية. وهو ما شهد به ابن أبي دينار (ص ٣٩٩ الترجمة ص ٥٠٦) في القرن السابق: وهذه المدارس هي مدرسة النخلة والمدرسة الحسينية والمدرسة الجديدة. وخلفه على باشا مباشرة، فنسج على منواله وبنى أربع مدارس هي: الباشية في سوق الكتبيين والسليمانية وسميت كذلك تخليدًا لذكرى ولده المتوفى سليمان، ومدرسة بئر الحجار، ومدرسة حوانيت عاشور، ثم أنشأ على باى بُعَيد ذلك مدرسة أخرى باسم المدرسة الجديدة وإليه يرجع الفضل في بناء مقبرة الحسينية المعروفة بـ "تربة الباى" وهي غير بعيدة من مسجد الصباغين وكذلك تكية العجائز الفقراء وقد بنيت عام ١٧٧٥. وبنى الوزير المشهور يوسف صاحب الطابع حوالي عام ١٨٠٠ المسجد الذي يحمل اسمه في ميدان الحلفاويين ولعله أقيم في موضع "المسجد المعلق على الحلفاويين" كما يتضح من رواقه الخارجى المرتفع، وقد ذكر هذا المسجد ابن ناجى في القرن الرابع عشر الميلادي جـ ٤، ص ١٤٩)؛ وبنى في الحى نفسه نافورة الحلفاويين عام ٨٠٤ م داخل باب سيدى عبد السلام وبنى في الطرف الآخر من المدينة حوضًا كبير، للماء داخل باب اللواء. وفرغ مولاه حعوده باشا من بناء "دار الباى" (وقد مكث فيها كارولين البرنزويكى عام ١٨١٦) وهي فوق القصبة بقليل، وقد وقف جهده على بناء الحصون والثكنات. ورأى أن يحمى تونس من أهل الجزائر بخاصة فطلب من مهندس هولندى أن يعمر أسوارها الخارجية. ولم يكمل هذا العمل في جانبه الجنوبي، واستغرق من عام ١٧٩٧ إلى عام ١٨٠٤ كما يستدل من الكتابات المنقوشة على الأبراج التي تكتنف الأبواب (انظر R.T.: H. Hugon، ١٩٠٥ م، ص ٣٧٣.، سنة ١٩٠٨، ص ٢٩٨). واستعيض عنها في هذا الجانب بالمتاريس المتقدمة التي بناها على باشا وبجدران المنازل الخارجية التي يتكون منها خط دفاعى متصل تقريبا. وشيد مودة عام ١٧٩٨ الثكنات على طول الطريق المجاور لقصره الخلوى البديع في المنوبية، وبنى غيرها في أخريات أيامه عام

стр. 2432

١٧١٤ م في وسط سوق العطارين (وهي تضم الآن دار الكتب العامة، وإدارة العاديات؛ انظر: Note sur M.Houdas Bull. Archeol . . في vcrinrinns de Tunistrois in سنة ١٩١١). وفي العهد نفسه شيدت ثكنات أخرى في المدينة: في شارع القشلة، أي الثكنة (وهو الآن الجمعية الفرنسية للبر) وشارع الكنيسة (وهو الآن إدارة الأوقاف) وشارع منكوَيت وشارع سيدى ابن زياد؛ وأكبرها ثكنة الفصيلة الأولى (برنجى آلاى، وهي الآن ثكنة سوسييه " Caserne Soussier") وقد بناها الباى حسين بن محمود ثم أخوه مصطفى عام (١٨٣٥ - ١٨٣٦) بالقرب من المركاض في موضع المصلى القديمة. وبنى أحمد باى عام ١٨٣٩ مخزنا للمدفعية (وهو الآن Caserne Forgemol) خارج المدينة، ويعد أحمد باى خالق "الجيش التونسى". وقنع أحمد باشا بأن يطلب في مناسبتين (١٧٤٣ و ١٧٤٤) سباكا من طولون لإصلاح عدة مدافع في مصنع للطوارئ. أما حمودة باشا فانشأ مسبكا دائما في جناح من قصر الحفصية (في الطريق المعروف بالاسم نفسه) يوالى الإشراف عليه بعض الفرنسيين. ثم نظم أحمد باى الدبدابة (انظر. بم. سنة ١٩٢٢ - ٢٧٦) التي يصنع فيها ناحية الشمال من دار الباى وشارع الصباغين Rue des Teinturiers) . والظاهر أن هذه المشروعات العسكرية، قد عملت على تحويل تونس إلى حامية عسكرية، وأخذت المحلة الأوربية في الوقت نفسه تحتل جانبا من المدينة، وكانت تنمو نموًا مطرد، لايعوقها عائق بفضل احتلال الفرنسيين للجزائر عام ١٨٣٠ والإصلاحات التي قام بها البايات، ففتح النصارى الدكاكين، وشيدت الكنائس إلى جانب كنيسة الصليب المقدس القديمة (في شارع القصبة، وقد نقلت ١٨٣٣ إلى مارستان الثالوثين، شارع الكنيسة) وسجلاتها قيمة جدًّا في تاريخ الكاثوليكية الرومانية في تونس. وفتحت المدرسة اليهودية عام ١٨٤٠ م في مربركو Morpurge, وكلية بوركاد ١٨٤١ alt. Bourgade في زنقة الباباص (في عطفة البعثة التبشيرية Impasse de Missionaire) . وأصبح حي ميدان

стр. 2433

البورصة بأسره (وسمى حديثًا باسم ميدان الكردينال لافيكرى - Place du Car dinal Lavigerie) أوروبيا خالصا وكذلك الشارع الحالي للديوان القديم وشارع جلاسييه وشارع القومسيون. وأخذت المدينة الحديثة تتسع خارج الأسوار متجهة ناحية البحيرة؛ ومن ثم نقلت قنصلية فرنسا عام ١٨٦١ إلى الدار التي كان يشغلها المقيم العام. ومع هذا فقد بقيت بعض القنصليات داخل المدينة: وهي قنصلية أسبانيا (في شارع سيدى البونى) وقنصلية بريطانيا العظمى (في ميدان الكردينال لافكرى) وقنصلية إيطاليا (شارع زركون وهي على وشك الانتقال من مكانها). وقوى بأس الأوروبيين حتى تأثرت به آخر الأمر إدارة المدينة نفسها. وكان لكل من الربضين أيام الحفصيين شيخ يقوم عليه، ولعلهما كانا تحت إشراف شيخ المدينة، وقد بقى هؤلاء الشيوخ في عهد الأتراك، وكانوا يقومون على خفارة المدينة بعد أن تغلق أبوابها ليلًا تعاونهم جماعات من السكان تتناوب العمل فيما بينها "لواجة". ويتبع هؤلاء "المحركون" وهم شيوخ الأحياء. وكانت شرطة النهار أيام الحسينية من عمل الدولتلى، وكان تحت إمرة هذا الداى الضعيف السلطان خمسون "جانبًا" وخمسة وخمسون "قابيج"" انظر E. Pellissier: : من Jumis باريس سنة ١٨٥٣، ص ٥٢ - ٥٣) وكان يقوم بمنصب رئيس اليوليس في القاعة المستطيلة المعروفة بـ"دريبة" في شارع سيدى ابن عروس. أما القصبة فكانت إدارتها منفصلة تحت إشراف أغا. ومع ذلك فقد ألف مجلس بلدى عام ١٨٥٨ يضم رئيسًا ووكيلًا وكاتب سر واثنى عشر عضوًا من الأعيان، وكان يزود بالمال من ضريبة تفرض على الخمر والكحول، وحل محل الدولتلى عام ١٨٦٠ "فريق" يرأس الضبطية. وقد بذل جهدًا كبيرًا لجعل المدينة تساير العصر، فقد بذل جهدًا كبيًا لجعل المدينة تساير العصر، فمد خطا للبرق يصل بينها وبين الجزائر، وخطًا حديديًا يصلها بحلق الوادي، كما زودت المدينة بالمجارى، وقام المهندس الفرنسى

стр. 2434

كولان Collin بجلب الماء إليها من زغوان. وحل برج الماء محل الصهريج المغطى (خزنة) الذي كان قائمًا في القرن السابق بجوار باب السور الخارجى المعروف بباب سيدى عبد الله الملاصق للقصبة. ولم يترك الانصراف إلى المشروعات الحديثة مجالًا لتشييد أماكن العبادة، ومع هذا فنحن نذكر زاوية سيدى إبراهيم الرياحى الجليلة (وقد توفى عام ١٨٥٠؛ انظر سنة ١٩١٨ ص ١٢٤, وانظر عن فقهاء العصر الحسينى، السنوسى: مسامرات الظريف، تونس طبعة غير مؤرخة) ويضعف تبجيل الناس له، وأنشئ عام ١٨٧٥ المعهد الصادقى (في ثكنات شارع الكنيسة) نسبة إلى الباى محمد الصادق. ثم بنى عام ١٨٨٠ المارستان الصادقى. وكان قصر الزروق هو الذي أقام فيه الدايات أول الأمر (وهو في شارع القضاة " des، juges" وفي عام ١٨٧٦ عمر وزير من وزراء الباى دار الحسين (وهو الآن قصر الفريق) الذي بنى في القرن الثامن عشر، وظل قصر خير الدين- قصر الحفصية القديم بعد توسيعه- مقر المحكمة زمانًا في مستهل أيام الحماية (وهو في شارع المحكمة)؛ أما قصر مصطفى بن إسماعيل فكان في شارع الياشا، وأصبح قصر الخازندار (في ميدان الحلفاويين، شارع القصر) مارستان اليهود، وهو مهجور، ولم يستعمل منذ أمد. ومما تجدر ملاحظته أنه لما انتقض أبناء الحسين بن عليّ على على باشا في منتصف القرن السابق، عنى الباى بحى الحلفاويين الذي كان يسكنه "الحسينية" الموالون له على حساب حي باب الجزيرة وهو معقل الصف المعارضين "للباشية" (انظر سنة ١٩١٨, ص ٣١٤). وأحدث الاحتلال الفرنسى (من عام (١٨٨١ تطورات خطيرة في تونس كانت لاتزال مستمرة. وتمتد المدينة الأوروبية من باب فرنسا، وهو باب البحر القديم، إلى البحيرة حيث الأرصفة والمراسى؛ ومن البلفدير إلى الجلاز، ثم تمتد في الحى الجنوبي داخل الأسوار وخارجها فتغطى روابى

стр. 2435

"مونفليرى Montfleury". والسور الخارجى باق إلى اليوم. أما سور المدينة فقد اندثر أوكاد، ولم تبق منه سوى أبواب قليلة. وعمرت القصبة تعميرًا كاملًا وهي الآن ثكنات للجند. وتشغل الإدارة الداخلية دار الباى؛ وتشغل الإدارات الأخرى مع المعهد الصادقى (عام ١٨٩٧) وقصر العدلية بنايات حديثة تمتد على طول شارع باب البنات من ميدان القصبة. وتسير مركبات الكهرباء (الترام) حول المدينة ولكنها لاتجوس خلالها. وقد بذلت الجهود لكى تحتفظ المدينة بطابعها الشرقي. وهناك بنايات تستعمل في غير ما أنشئت له، بيد أن المظهر العام للمدينة لا يزال كما كان منذ خمسين سنة؛ وينحصر التعليم الديني في المسجد الكبير، وقد عمرت مئذنته تعميرًا، كاملًا عام ١٨٩٤, وأنشأ المقيم الفرنسى ملية Millet المدرسة الخلدونية في سوق العطارين ليتعلم فيها فتيان المسلمين مبادئ العلوم الحديثة. ولا تزال الحرف الوطنية تتجمع في الأسواق، لكل حرفة منها "أمين"؛ ويزور بعضها كثير من السائحين فتنشط حركة التجارة، لأنهم يبتاعون الأدوات "الشرقية" والعطور والبسط والسلع المصنوعة من الجلد؛ ويصيح المنادون في سوق الكتبيين وسوق البركة على الكتب والحلى. وقد هجر الحى اليهودى الحقير أهلوه الذين يستطيعون الإقامة بجوار ميدان يوتييه I Place des Potiers أو في المدينة الأوروبية، وسوف تقوم عن قريب في هذا الحى البنايات الحديثة والطرق المتسعة. أما المسلمون فهم على العكس من دلك يعيشون في الأحياء الوطنية اللهم إلا بعض الأسر الغنية التي ابتنت لها قصورًا ريفية في آخر طريق باريس Avenue de Paris وقلة من الأمناء الذين شيدوا لأنفسهم بيوتا في قرية العمران الجديدة جنوب غربي البلفدير. ولا يفوتنا أن ننوه بازدياد سكان الأرباض (رادس وحمام الليف أو قرطاجنة المرسى) البعيدة من أوروبية وإسلامية ويهودية، وقد اتصلت في الواقع واندمجت في مدينة تونس. وأعيد تنظيم المجلس البلدى بمقتضى المرسوم المصادر ف ٣١ أكتوبر عام ١٨٨٣ وألحق به مرسوماً عام ١٨٨٨، ١٩١٤ م

стр. 2436

بخصوص المجالس البلدية للولاية، ويتألف المجلس من رئيس ووكيلين فرنسيين وسبعة عشر عضوًا يعينون بمرسوم (ثمانية من الأوروبيين وثمانية من المسلمين ويهودى تونسى). وارتفع عدد سكان مدينة تونس في تعداد عام (١٩٢٦) إلى ١٨٥.٩٩٦ نسمة، منهم ٢٧. ٩٢٢ فرنسيًا و ٥١.٢١٤ من الأجناس الأوروبية الأخرى و ٨٢.٧٢٩ من المسلمين الوطنيين و ٢٤.١٣١ من اليهود التونسيين [بلغ عدد السكان في تعداد ١٩٥٠: ٣٦٤.٥٩٢ نسمة]. [نالت تونس استقلالها بعد ذلك وتغيرت نسبة هذه التركيبة السكانية]. المصادر: (١) nis et Kairouan: Saladin، باريس سنة ١٩٠٨، ومعلوماته في حاجة إلى التحقيق. (٢) Dessort (بمعونة آخرين): - tnire de In ville d. ١ الجزائر سنة ١٩٢٤ والفصل القيم فيه يتناول الكلام عن الأوروبيين في تونس في القرن التاسع عشر قبل الاحتلال. (٣) manuel d'art " musulman,: G. Marcais L'Archictecture في مجلدين، باريس سنة ١٩٢٦ - ١٩٢٧ وهو وصف جيد لأهم الآثار وفي ص ٨٧١ - ٨٧٥ دراسة معمارية للقصور الإسلامية في تونس، وانظر أيضًا المراجع الواردة في النص وفي مادة تونس "القطر". [روبرت بر ونشفيك Robert Brunschvig] " تونس": (القطر) هي المنحدر الشرقي لبلاد المغرب، وموقعها موقع إفريقية القرون الوسطى على التقريب. وقد بسطت فرنسا حمايتها على تونس، أو بالأحرى ولاية تونس عام ١٨٨١. ١ - جغرافيتها: ومساحة تونس- بحدودها الحالية، بين خطى طول ٨ و ١١ شرقا وخطى عرض ٣٢، ٣٧ شمالا: ١٨٠، ١٢٥ كيلو مترًا مربعًا، وتتاخمها من الغرب الجزائر (إقليم قسنطينة) ومن الجنوب الصحراء؛ ومن أقصى الجنوب الشرقي ليبيا أي طرابلس، وتضرب مياه البحر المتوسط سواحلها في الشمال والشرق، وأغلب هذه الشواطئ أسافل. ومناخهاعلى الجملة دفئ معتدل. ولكن سقوط الأمطار يختلف

стр. 2437

كثرة وقلة من ناحية إلى أخرى بل من سنة إلى سنة، وللقرب من البحر أو من الصحراء شان فيه، ولذلك يختلف كثيرًا باختلاف خطوط العرض واختلافًا أكثر بارتفاع الأرض. وتضاريسها جد متباينة أيضًا، وإن كان متوسط إرتفاعها فوق سطح البحر ليس كبيرًا. وتمتد جبالها- التي هي بقية جبال الجزائر وطرفها- من الجنوب الغربيّ إلى الشمال الشرقي على وجه العموم. وفي الشمال الغربيّ لتونس جبال خمير ومجود وهي من الطباشير والحجر الرملى، وقلما يزيد إرتفاعها تجاه الجزائر على ثلاثة آلاف قدم. ويهطل على هذه الجبال مطر غزير، ويغطيها البلوط والحسك، وفيها مناجم الزندُ والحديد (دوريه)، وهي تساير الساحل حيث نصادف ثغر طبرقة الصغير ثم كثبان نفزة ورأس العبد وشبه جزيرة رأس سرات الصغيرة؛ ويقل ارتفاع هذه الجبال في الشرق شيئًا فشيئًا إلى أن تبلغ التلال التي تكتنف سهلى بنزرت وماطر، وكلاهما وافر الماء يثمر ثمرًا طيبا من الحنطة؛ وبحيرة بنزرت، ويصلها بالبحر مجاز ضيق، فرضة حسنة ماؤها بعيد الغور تجاه صقلية وهي على مقربة منها. ويشرف على سهل ماطر جبل عجيب يعرف بجبل أشكل، وقد أوشك هذا السهل أن يغطى بالغرين، ولم يعد به من البطائح إلا القليل. وأبعد من هذا ناحية الشرق رأس سيدى على المكي فوق غار الملح (Porto Far ina) وهو يتاخم خليج تونس من الشمال، ويملأ هذا الخليج الرسوب الذي يحطه نهرًا مجردة ومليان. ذلك أن أوتيكا، وكانت من ثغور الرومان، تبعد الآن عن البحر ستة أميال. أما شبه جزيرة قرطاجنة، وكانت من قبل جزيرة، فيصلها بأرض تونس برزخ يفصل سبخة الرينة من بحيرة تونس. ويصل حلق الوادي (Goulette) هذه البحيرة- وتقوم في طرفها مدينة تونس- بالبحر. ولايغزر المطر في ناحية تونس، ولذلك تجود فيها الكروم والفواكه أكثر من الحبوب. ويخترق نهر مجردة شمالي تونس من الغرب إلى الشرق وهو النهر الوحيد في تونس الحقيق بهذا الاسم، ويقل ماؤه كثيرًا في الصيف، ويفيض من

стр. 2438

نوفمبر إلى ابريل ويكدر ماؤه كثيرًا. وتفصل حلوق تستور مجراه الأسفل (مجاز الباب وطربه) من مجراه الأوسط حيث يروى غور دخلة الرسوبى العظيم (ناحيتا سوق الأربعاء وسوق الخميس) وهو غنى بالحبوب والمراعى شأنه في ذلك شان تلال باجة الطباشيرية المجاورة له، وتكتنف وادي نهر مجردة هن الشمال تلال بجاوة وتبرسق وهي هن الحجر الجيرى، وإلى جنوب الوادي معارج تونس الوسطى والغربية، وهي تلال مدورة هن الحجر الجيرى ثم سهول عظيمة وهكذا، وهذه المعارج امتداد جبال الأطلس في الجزائر. وتغطى هذا التل المرتفع- ويشمل نواحى تبرسق والكاف والسرس وقصور آية وتالة- غابات طبيعية من صنوبر حلب وشجيرات نامية ومراع عظيمة، ولذلك تطيب فيه الحنطة. أما ناحيته الجنوبية الغربية فأكثر جفافا هن نواحيه الأخرى، ولايطيب فيها إلا الشعير. وهذه الناحية بالذات- وبخاصة تجاه حدود الجزائر- أغنى نواحى تونس بالمناجم (الحديد عند جرسه وسلته، والفوسفات عند قلعة جردة وقلعة السنام) وتصب أنهار تونس في خليج تونس، وهي فروع مجردة (وادي ملوك ووادي تاسة ووادي سليانة) ووادي مليان (سهلى الفحص ومرناق). وتقوم إلى الجنوب من التل المرتفع أبرز الحدود الجبلية، وتمتد هذه الجبال - التي هي بمثابة العمود الفقرى لتونس - هن جوار تبسة إلى جبل زغوان (ارتفاعه ٣٤٠٠ قدم على مسيرة ٣٠ ميلًا من تونس) وجبل الرصاص وبوقرنين؛ وهن أعلى قممها: جبل الشعبي (١٥٠ قدمًا) والسممه في جبال بيزاسين وصخرة مكتر وسرج وبرفو وكيرينة وجبال زيوجتنية. على أن هذه الجبال لا تعوق الاتصال بالجنوب؛ فهو ميسر بفضل ممرات أو دروب أشهرها مجاز قصور سبيبة الكبير. ومسايل المنحدرات الجنوبية مثل وادي مرجولل وزرود والحطب (وهو يروى سهل قموذة) تفيض في غير مواسم وبغير انتظام، كان فاضت تفيض في الأخبات السبخة أي جنوبي كلبية وجنوبى

стр. 2439

سيدى الهانى في سهل القيروان؛ وهذه الأخبات في إقليم الفيافى الكبير، إقليم الجمل الذي يمتد من قفصة، ولاتقطعه إلا تلال قليلة جيرية متوسطة الارتفاع. ويغطى هذه الفيافى في الغرب الحلفاء أو الشيبة، وتغطيها من ناحية الشرق أشجار السلم، ثم تنحدر شيئًا فشيئا حتى أحراج الزيتون على ساحل صفاقس. ومع ذلك ففي هذه الفيافى مزارع شاسعة وبقاع صالحة للرعى، وليس بها من البلاد، إذا استثنينا القيروان، إلا مايقوم عند مخرج ممرات سلسلة جبال تونس وهي سبيطلة وكسريرة وفرينة. على أن هذه الفيافى تتغير طبيعتها صوب الجنوب فتصبح كالصحراء لندرة المطر، وتنتهي وراء قفصة والأرض الغنية برواسب الفوسفات عند المتلوى ورديف في غور الشطوط (شط الغرسة وينخفض ٨٠ قدما تحت سطح البحر، وشط الجريد، وشط الفجج ويكتنفها جبل شرب وجبل تبقه) وفي واحتى الجريد (تورز ونفطة) وواحتى نفزاوة (قبيلى ودوز) وهي تنبت النخيل؛ وهنا تبدأ الصحراء الكبرى: وأقصى من هذا ناحية الجنوب الشرقي جبل دهر من الطباشير والجير (١٣٠٠ - ٢٠٠٠ قدم) وبه صخرة مطماطة، وهو الحد الشرقي الوحيد لواد كبير في الصحراء الكبرى. وشبه جزيرة رأس أدار المشهورة على الساحل الشمالي الشرقي للولاية، حيث أفلحت مزارع مثمرة، وعلى امتداد جبال تونس، وهي بين خليجى تونس والحمامات، وتتصل سهولها التي على الساحل بممرى زغوان (فم الخروبة) وقُرنُبْالية وإلى الجنوب من أحراج البرتقال في نابل والحمامات وسهل سوسة. وفيه وديان مازال ماؤها وافرًا يكفى بزيتونه وغلانه الأخرى السكان الذين تكتظ بهم القرى الكبيرة الحصينة، وهي: القلعة الكبيرة وقلعة سريرة ومساكن ومكنين. والساحل مستقيم لايبرز منه إلا شبها جزيرة صغيران هما المنستير والمهدية. ويبدأ الساحل عند رأس كبوديا في مستوى الجور تقريبا ثم ينعطف إلى الداخل فيخلف في جون صفاقس جزر قرقنة ويفصلها عن الشاطئ بطائح، ثم

стр. 2440

يساير خليج قابس (وهي سرت الصغيرة عند القدماء) وفيه مجامع إسفنج تدر دخلًا، وتقوم أحراج نخيل قابس في نهاية الخليج، وبين هذه الأحراج وبين واحة الحمة المتاخمة للشطوط ممر يصل سهول تونس الوسطى أو الشرقية بسهول الساحل الجنوبي الأقصى، وهذه السهول هي: سهول آرث، وبالقرب منها جزيرة جربة الكبيرة المستوية الخضراء، وسهول جفرة التي تتاخمها البحيرات. ومع ذلك فثم أحراج زيتون زاهرة حول جرجيس وبن جردان. المصادر: (١) - Aug. Bernard de Flotte de Ro Aj، Atlas d'Algerie de Tunisie: quevaire وهو بسبيل الطبع. (٢) مطبوعات الإدارتين العامتين للزراعة والأشغال، ومطبوعات محطة دراسة المحيط في سلامبو. (٣) عن طبقات الأرض: مؤلفات. . Ph Thomas و Pervinquiere ومصنفات Solignac الحديثة. (٤) عن المناخ: مؤلفات (٥) عن الحيوان: مؤلفات vauden الحديثة. (٦) عن النبات - togeographique, de l'Algerie et de la Tu ni.vie الجزائر، سنة ١٩٢٦ عن دراسة الأقاليم: (٧) Le region de Bizerte T. Bouniard) (Am. geogr) سنة ١٩٢٥. (٨) La region de Tunis: : Ch. Monchicourt ((Ann. geogr سنة ١٩٠٤ (٩) الكاتب نفسه: Maieur chez le Frechich et les تونس سنة ٩٠٦. (١٠) الكاتب نفسه: La region du Haul-Tell en Tunisie, باريس سنة ١٩١٣. (١١) Le Cap Bon J. Weyland، تونس سنة ١٩٢٦. (١٢) Le Sahel de Sousse: P. Burollet , تونس سنة ١٩٢٧. (١٣) Ann.) Kairouan: J. Despois Geogr) سنة ١٩٣٠.

стр. 2441

(١٤) LE DJEBEL DEM R BLANCHET Ann. Geogr) mer)، سنة ١٨٩٧ (١٥) تونس ١٩٠٥ - ١٩٠٦. (١٦) الكاتب نفسه aunisien ; تونس سنة ١٩٠٦. (١٧) es geographiques A. Joly) -sur le Sud tunisien(Bull. Soc. geogr. Al (ger سنة ١٩٠٧. (١٨) Le Sud tunisi-: : L. Pervinquiere Revue de geogr. annuelle) en (، سنة ١٩٠٩. (١٩) Notes sur le Nef-: : M. Jeloux nun. Geogr.) zaoua) . سنة ١٩٠٢. (٢٠) A travers le Sud Tu- J. Thomas nisien، باريس سنة ١٩٢٧ ٢ - تاريخها: قدم العرب- الذين فتحوا مايعرف الآن بالساحل التونسى- من الجنوب الغربيّ بطريق البر، وقد اقتضاهم هذا الفتح قتالًا شاقًا مع سكانه من البربر وعمال الروم دام مالا يقل عن نصف قرن: وكتب على المسلمين في شمالي إفريقية أن يصطدموا بالروم كما اصطدموا بهم في المشرق، على أن الأحوال في ولاية إفريقية كانت في منتصف القرن السابع الميلادي جد مواتية للفاتحين الذين غلبوا عليهم، فقد كان للخلاف الديني سورة بعيدة- كان تكن صادقة كل الصدق- للنزاع الذي أثارته مذاهب القائلين بالمشيئة الواحدة للمسيح في المشرق، وقد مزق هذا الخلاف أوصال الجماعة المسيحية في قرطاجنة، وفصل عن بوزنطة أولئك الذين تمسكوا بأهداب السنة المسيحية، وكان سلطان الإمبراطور على العمال يخف شيئًا فشيئا فأخذوا ينزعون إلى الاستقلال واضطرهم ذلك إلى طلب العون من شيوخ القبائل الكبيرة في البلاد؛ وأفادت القبائل من هذا الموقف فألقت عن كاهلها- على الأيام- كل أثر لسلطان الروم، حتى إذا جاء الفتح الإسلامي وجد جنوب ولاية إفريقية (Byzacene) باسره يكاد يكون مستقلًا عن قرطاجنة.

стр. 2442

وغزا العرب هذه البلاد غزوتين بينهما ثمانية عشر عاما على أنهما لم تكونا فتوحًا بالمعنى المفهوم وإنما كانتا غارات مهدت الطريق لحملات أخرى أحسن نظاما وأكمل عدة تم بها فتح البلاد. ومن المصادفات العجيبة أن المغيرين ألفوا إفريقية البوزنطية في الغزوتين على أبواب محنة سياسية. ففي عام ٦٤٧ م البطريق غريغوريوس قد انفصل وشيكا عن الإمبراطور واستقر به المقام بين البربر لما دهمه والى مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند سبيطلة وقضى عليه، ثم شرع في اكتساح بلاد الجريد. وفي عام ٦٦٥ م كان أهل قرطاجنة قد جاهروا الإمبراطورية بالعداء مخلفين في ذلك ظن الناس جميعًا عندما خرب معاوية بن حديج بيزاسين وغزا حصن جلولا وإنا لنتساءل: هل كان حكم المغرب منوطًا بوالى مصر عندما حل عام ٦٦٧ م؟ الواقع أن الفتح الحقيقي لم يتم إلا فيما بين. ٦٦٩، ٧٧٥ م؛ وقد تميز بانتصار عقبة بن نافع وبناء مدينة القيروان، وكان هذا تاريخ استيلاء العرب على إفريقية والتمكين لهم فيها، وفاتحة دخول قبائل البربر في الإسلام. على أن أهم هذه الحوادث جميعًا هو تشييد هذه المدينة الجديدة، وهي حاضرة من حواضر المسلمين ودار للصناعة ومحط للقوافل وسوق للتجارة. وقد رفع أهل هذه المدينة منذ ذلك الوقت قواعد مسجدها ومدوا أرباضها في السهول المواجهة لنجاد تونس الوسطى التي ظل يحميها خط من حصون الروم. وعاد عقبة عام ٦٨١ م بعد أن انقضت ولاية أبي المهاجر، ولانعرف من أخبار هذا الوالى إلا القليل. وحدث بعد عامين أن كان عقبة راجعًا من غزوة له هوجاء بلغ بها تنكتانيا فسقط في التراب أمام تهودة صريع فتنة شديدة قام بها الأهلون في وجهه. وقد ناصر الروم كسيلة رأس هذه الفتنة، وظل هذا الرجل أعوامًا طويلة أميرًا على دولة بربرية مترامية الأطراف ناهضت غارات العرب الجديدة وقاتلتهم أشد قتال، وسقط كُسَيلَةَ نفسه في حومة الوغى بناحية

стр. 2443

سبيبة عام ٦٧٨ م. ويقال إن زهير بن قيس البلوى كان قد وفد عليها في ذلك الحين. ولم تسمح الأحوال في داخل الدولة الأموية باستئناف سياسة الفتح إلا عام ٦٩٣ م، وفيه خرج حسان بن النعمان في جيش عدته أربعون ألف مقاتل لغزو إفريقية، ثم تقدم مسرعًا صوب الشمال للقضاء على الروم قبل أن ينكفئ لقتال بربر أوراس الأشداء، واستولى على قرطاجنة عام ٦٩٥ م، ولكنه فقدها وهزمه البطريق يوحنا ثم هزمه البربر في سهول باغاية بقيادة الكاهنة وهي شخصية أسطورية، فرجع إلى برقة ثم هاجم قرطاجنة في العام التالي بحرلم وبرًا، فاستولى عليها وثبت أقدامه فيها، وفي. عام ٦٩٨ م، انتزع العرب من البربر والروم آخر الأمر جميع ما يعرف الآن بتونس تقريبا، واستطاع حسان أن يشيد تونس، واستولى خلفه موسى بن نصير على زغوان ثم قاد بربر إفريقية لغزو المغرب. وتمكن معظم الروم في إفريقية من الهرب بحرًا، إلى صقلية ومالطة خاصة والظاهر أن غالب السكان الذين بقوا في البلاد بادروا إلى الدخول في الإسلام اللهم الاجماعات قليلة من النصارى (الأفاريق) أو اليهود؛ على أن بربر إفريقية قد نزعوا إلى الاستقلال حتى بعد إسلامهم شأنهم في ذلك شأن بقية أقطار شمالي إفريقية، وحاولوا في عدة مناسبات أن يستعيدوه وتذرعوا في ذلك بأيسر الأسباب وهو الزندقة. فكان القرن الثامن كله فتنا، فقد استعين بمذهب الخوارج الاشتراكى لإثارة أهل البلاد على العرب الحاكمين، كما كان هذا القرن حافلًا بانتفاض الجند العرب الذين كانوا يسارعون إلى الشغب والخروج على النظام. وتمكن حنظلة بن صفوان من إخماد فتنة عكاشة الصفرى، ولكنه أجبر على الفرار إلى الشرق عندما استولى الثائر عبد الرحمن بن حبيب الفهرى على القيروان. وعجز آخر الأمويين عن استعادة هذه الولاية النائية التي كانت بسبيل الخروج من أيديهم. ورأى

стр. 2444

العباسيون أن الأندلس بمنجاة من سلطانهم فقصروا همهم على استعادة إفريقية من أبي الخطاب الإباضى فاسترجع قائدهم محمد بن الأشعث القيروان وعمر أرباضها. وأقام فيها من يلي أمورها ولكن حكمه لم يدم طويلا فقد نقم جند العرب عليه وأجبروه على الرحيل عام ٧٦٥ م. وعجز الأغلب بن سالم التميميّ، وكانت له صحبة قديمة في المشرق بداعية العباسيين أبي مسلم، عن أن يثبت للمنتقضين من المضرية، وقتل في فتنة عام ٧٦٧ م، فسادت الفوضى خمسة أعوام سويا. وتوارث حكم إفريقية من. عام ٧٧٢ إلى عام ٧٩٤ م بنو المهلب، وهم دويلة من عمال الخلافة يمانية الأصل، ونجحت بعض النجاح في إقامة النظام ونشر الأمن في ربوع البلاد. وتخلص يزيد بن حاتم يعاونه أربعون ألف جندى من أبي حاتم الإباضى وعمّر مسجد القيروان الجامع عام ٧٧٤ م ونظم أهم طوائف المدينة. وقضى ابنه داود على حلف وفرجومة البربرى عند الكاف عام ٧٨٨ م وتمكن أخوه وخلفه رَوْح من الاتفاق مع ابن رستم الإباضى صاحب تيهرت. وقد قضى هذا الاتفاق على نزعة التمرد بين بربر إفريقية. ومن ثم فلم يعد يهدد أمن البلاد بشر مستطير إلا جند العرب وحدهم؛ فقد حل بها، بعد وفاة الفضل آخر بنى المهلب، عهد. ساده الفتن وسفدًا لدماء، فأنفذ الخليفة العباسى إليها القائد المسن هرثَمة بن أعيَن فردها إلى طاعته وبنى رباط المنَسْتير. وخلف هرثمة محمد بن مقاتل العكى فأثار جند تونس التميمية بسوء تصرفه وقلة حيلته فعزلوه في أكتوبر عام ٧٧٩ م. وفي هذا الوقت ظهر إبراهيم بن الأغلب فجأة وناصر العباسيين في ولايته التراب، وكان ابن عاملها الذي قُتل عام ٨٦٧ م ردّ ابن مقاتل إلى القيروان؛ واستمع هارون الرشيد لناصحيه فجعل إبراهيم "أمير" إفريقية مكافأة له وتوطيداص لأركان الحكم فن البلاد. وتسلم كتاب تعيينه في يولية عام ٨٠٠ م، وظل السلطان في بيته أكثر من قرن بلا انقطاع حتى عام ٩٠٩ م.

стр. 2445

وقد أثرت دولة الأغالبة تأثيرًا عميقا في تونس. وكان الأمراء يتبعون الخلافة بالاسم، ولكنهم كانوا في الواقع مستقلين عنها يتوارثون الحكم فيما بينهم، فجنحوا إلى السلم والنظام والتوسع. بيد أن التميمية لم تهدأ ثائرتهم، وكان مركزهم تونس. وكان إبراهيم نفسه تميميًا، ولكنه اختلف مع هؤلاء الجند من مُضر وقد برموا بأولى الأمر سواء أقربت ديارهم أم بعدت عن العباسيين الذين قربوا اليمانية أعداءهم القدماء. فاضطر إبراهيم إلى التعويل على جند بينهم كثير من الأعاجم الوافدين من خراسان؛ وكان جل اعتماده في أمر سلامة شخصه على حرس حديث النشأة من الزنج وعلى حصون القصر القديم أو العباسية التي أقامها عام ٨٠١ م على بعد فرسخ من القيروان. والراجح أنه لقى فيها سفراء شارلمان. وفي سنة ٨٠٢ اضطر إلى معالجة فتنة في بلاد تونس. وفتنة نشبت عام ٨٠٥ في طرابلس، وتمرد، سنة. ٨١٠ - ٨٠٥ قام به قائده عمران بن مخلّد الذي تجرأ فحاصر القيروان، وفي عهده بدأت تنتشر على الحدود عند الساحل الشرقي الحصون التي عرفت بالمحارس. ولما توفى عام ٨١٢ م، عادت الفتنة إلى طرابلس. واشتهر ابنه زيادة الله (٨١٧ - ٨٣٨ م) بنشاطه وقسوة قلبه، وسرعة بادرته، فوجد له منافسًا قويًّا هو منصور الطنبذى الذي أوشك أن يقضى عليه. وخرجت البلاد الشمالية كلها- بما فيها تونس- عن طاعته أعواما، بيد أن نفحة من نفحات عبقريته هدته إلى مافى الجند المشاغبين من طمع وحمية، فاستنفرهم إلى جهاد صقلية فأقلعوا من سوسة عام ٨٢٧ م يهزهم الحماس تحت إمرة القاضي المشهور أسد بن الفرات، واستولوا على بلرم عام ٨٣١ م، ثم على مسينا بعد اثنتى عشرة سنة. ثم فرغ زيادة الله- وكان قد بنى رباط سوسة عام ٨٢١ - إلى أعمال السلم ومنها بناء المسجد الجامع في القيروان. وتأثره خلفه فتوسع في إقامة البنَى. وشيد عام ٨٥٠ م مسجد سوسة الجَامع ومسجد صفاقس؛ ونحن نخص بالذكر

стр. 2446

الأمير أحمد الذي أقام الأسوار حول هاتين المدينتين، وبنى "صهريج الأغالبة" وهو الصهريج الكبير الذي يزود القيروان بالماء. وفي عام ٨٧٤ م خلف إبراهيم الثاني- وهو آخر الأمراء العظام في هذه الدولة- أخاه محمدًا، وقد كنى بأبى الغرانيق لكلفه باصطيادها. وهُجر القصر القديم إلى قصبة جديدة جعلت فيها دواوين الحكومة: وهي رقادة، ولايزال موضعها معروفاً على مسيرة خمسة أميال جنوبي القيروان، فلما ثارت تونس وفتحت عنوة أكثر تردد الأمير عليها بعد عام ٨٩٤ م ونقل عاصمته إليها لكى يرقب أحوالها بعين ساهرة. وتميزت سياسة الأمير في الخارج بحوادث جسام: فواجهت البلاد أول الأمر من ناحية الجنوب الشرقي غارات العباس ابن أحمد، ابن أول أمراء البيت الطولونى؛ ذلك أنه لم يطع أباه وخرج على رأس حملة من مصر وسار إلى طرابلس عام. ٨٨٠ م يريد فتح إفريقية. ولكن بربر نفوسة وقفوا بينه وبين طرابلس، وجاء إبراهيم في الوقت الملائم فاستولى على خزانة دنانير للطولونيين فساعد ذلك على تحسين الحال المالية للبلاد؛ بيد أن ذلك لم يدم طويلًا؛ لأن الأموال لم تملا الخزائن التي استنزفتها في مطلع هذا القرن الفتن والثورات ثم البذخ والإسراف، وألحت الحاجة على الحكومة فاشتطت في طلب العبيد والخيول من سهل قمودة فاندلعت فتنة عام ٨٩٣ م الجائحة" إلا أن فتح صقلية قد تم بالاستيلاء على سرقوسة عام ٨٧٨ م وتاورمينا عام ٩٠١ م، وشكا أهل تونس- الذين لاتهدأ ثائرتهم- من إبراهيم، فصدع بأمر الخليفة وتنازل لولده عبد الله ومات مجاهدًا عند كوسنزة من أعمال كلابريا في أكتوبر من العام نفسه. وفي هذه الأثناء كانت الفتنة الدينية التي اجتاحت إفريقية بعد ذلك في مهدها بالمغرب. وفي القرن التاسع كان بربر الجنوب (الهوارة واللواتة والمكناسة) باسرهم من الإباضية، وتمتد منازلهم من أوراس إلى جربة

стр. 2447

وطرابلس، أما بربر نفوسة فكانوا يقطعون الطريق المذاهب إلى الشرق جنوبي قابس، ودلك قبل أن يُعمل إبراهيم الثاني السيف في رقابهم عام ٨٩٦ م. بيد أن مذهب الخوارج لم يحل دون غلبة المذهب السنى في الجزء الأكبر من البلاد وظهور جماعة من مشاهير رجاله أمثال القاضي عبد الرحمن بن زياد صاحب ابن الأشعث وبهلول الزاهد الذي ذاع صيته واتسع سلطانه في القرن التاسع الميلادي؛ وبلغت المناظرات في مسائل الفقه ذروتها أيام الأغالبة، وفي دلدُ العهد قامت المذاهب المختلفة وجمعت أمهات كتب السنة. وقد ظهر في هذه الأثناء اثنان من تلاميذ ابن القاسم فقيه المالكية المشهور في مصرهما: أسد بن الفرات الذي ولد لأسرة خراسانية وتوفى في صقلية عام ٨٢٨ م، وتلميذه سَحنْون (ابن سعيد التنوخى) الذي ولد في الشام لأب من مرتزقة الجند، وولى عام ٨٥٠ م قضاء القيروان فنصر المذهب المالكي الذي تهددته حنفية عدد من العلماء. ولا تزال مدونة ابن الفرات عُمدة يرجع إليها؛ وظلت المالكية المذهب الغالب في تونس وإن ظهر عليه بعض المذاهب الأخرى أحيانًا. وجدير بنا أن نلاحظ أن أشهر العلماء والمذاهب كان شرقي المنبت، كما وفد من المشرق على قبائل كتامة في إكْجَن (وهي قبيلة صغيرة شرقي بابُرس) الداعى أبو عبد الله ليدخلهم في شيعة عبد الله المهدي، وكان ذلك عام ٨٩٤ م. وأنفذ الأغالبة عام ٩٠٢ م حملة على كتامة فبلغت غرضها بعد جهد؛ وإزداد خطر الشيعة أيام زيادة الده الذي قتل أباه عبد الله المعتزلى عام ٩٠٣ م. وفي عام ٩٠٥ م أسرع المهدي بالقدوم من الشام إلى شمالي إفريقية وانتظر في سِجِلْماسة اللحظة المواتية للمجاهرة بدعوته، وكان داعيته المخلص يفتك بجيش الأمير. وأخذت الحوادث تجرى سراعا. وحاول زيادة الله عبثا أن يحاكم الشيعة أمام مجمع من الفقهاء في تونس، وطلب المعونة من العباسيين؛ وسقطت باغاية في ربيع عام ٩٠٧ م؛

стр. 2448

وفي شهر مارس عام ٩٠٩ م فر زيادة الله إلى بغداد بعد سقوط الأربس، ودخل الداعى رقّادة على الرغم من العداوة التي أسرها علماء السنة. وفي شهر ديسمبر من السنة نفسها تلقى المهدي بنفسه فروض الولاء من الأهلين في القيروان. وهكذا تأسست في إفريقية- بفضل الجند المشاة من بدو كتامة- الخلافة الفاطمية العُبَيدية الشيعية، فأحدثت انقلابًا في الأحوال السياسية لشمالى إفريقية بأسره قبل رجوعها إلى موطنها القديم في المشرق. وكانت الدولة الجديدة تمد بصرها- من أول الأمر- إلى مصر، ولم تنقطع عن إنفاذ الحملات تمهيدًا لفتحها حتى وطدت أقدامها فيها. وقد قتل عبيد الله في يناير من عام ٩١١ م أبا عبد الله. وهو الذي ثبت له الملك، مثله في ذلك مثل المنصور الخليفة العباسى الذي قضى على داعيته أبي مسلم. وقد سار ابنه على رأس جيش عام ٩١٣ م وفتح الفيوم، واستولى ابن آخر على مدينة الإسكندرية، فلما توقف الفتح ناحية الشرق فكر المهدي في تأسيس عاصمة له في إفريقية على البحر: فابتنى المهدية لتخرج منها الأساطيل لمهاجمة الشرق، وللتحصن فيها من هجمات البربر المتوقعة من داخل البلاد (٩١٦ - ٩١٨ م) وقد أنفذت عام ٩١٩ م حملة أخرى استولت على الإسكندرية واحتفظت بها أمد، وجيزًا. وكان انتصار هذه الخلافة في الغرب مبينًا، فقد قضت على ثورة صقلية وأدخلتها في طاعتها. ولما توفى عبد الله في مطلع ٩٣٤ م كان المغرب بأسره قد وإن للفاطميين وقضى على دولة الإباضية في تيهرت والإدريسية في فاس وصفْرية سجلماسة، واعترفوا جميعًا بسلطان الفاطميين. واستطاع أبو القاسم نزار القائم بأمر الله أن يوطد سلطانه في مشقة على الدولة المترامية الأطراف التي ورثها. والواقع أن أسطوله تمكن من نهب جنوة عام ٩٣٥ م، بيد أنه لم يكن لهذه الغارة شأن مثلها في ذلك مثل غارة التوسكان على قرطاجنة عام ٨٢٨ م بقيادة بونيفاس اللقى

стр. 2449

(of Lucca، ولم يكن منه إلا أن استسلم للثورة العنيفة التي قاد لواءها النكّارى أبو يزيد بن كيداد الإفرانى صاحب الحمار الذي جهر بأنه "شيخ المؤمنين" وقاد باسم الدين هوَارة شرقي أوراس لمهاجمة مدن إفريقية. ونهب البربر الخوارج عام ٩٤٤ م باجة والأربس والقيروان وسوسة، واستولوا على تونس وحاصروا الخليفة في حيه الخاص بالمهدية عام ٩٤٥ م بعد أن ازدحمت صفوفهم بمن انضم إليهم من بربر نفوسة والزاب. ومات أبو القاسم في أحرج الأوقات عام ٩٤٦ م. واستطاع إبنه إسماعيل المنصور- يؤيده أهل البلاد الذين أسخطتهم مظالم الغزاة وتنصره كتامة التي ظلت موالية له- أن يعيد الأمور إلى نصابها. وهُزم أبو يزيد في وقائع دموية متعاقبة، ورأى بعينيه تفرق رجاله. ثم سقط في يد أعدائه مثخنًا بالجراح في الموضع الذي شيد فيه ابن حماد قلعته عام ٩٤٧ م فلما انتهى هذا العصر المضطرب، أعقبه عصر آخر يسوده الأمن والرخاء. وبادر المنصور إلى إظهار سلطانه بتشييد مدينة صَبْرَة الزاهرة التي عرفت بالمنصورية، وسرعان ما أخملت جارتها القيروان ٩٤٧ م. وازدهرت التجارة والصناعة، وكان القائد رشيق يجوب البحر ملقياً الرعب في قلوب النصارى. وحلت اللحظة المنتظرة من زمن طويل عندما اعتلى المعز عرش الخلافة عام ٩٥٣ م: ذلك أن المغرب بأسره قد وإن له بالطاعة فيما يظهر على الرغم من شبوب الفتن بين الحين والحين لمناصرة الأمويين أصحاب قرطبة؛ وكانت غارات الأندلسيين على سواحل سوسة وطبرقة عام ٩٥٦ م ثارات قديمة فحسب، ولم تكن ذات خطر حقيقى. وقوى الأمل في فتح مصر، وكان قد ضعف بموت كافور الإخشيدى، فاحتل جوهر الصقلى، وكان عبد، فأعتق، على رأس كتامة مدينة الفسطاط في يولية عام ٩٦٩ م باسم الخليفة المعتز، مثله في ذلك مثل أبي عبد الله الذي احتل القيروان لمولاه

стр. 2450

المهدي، كما احتل أبو عبد الله مدينة دمشق في العام الذي يليه. وأسس جوهر مدينة القاهرة لمولاه وكان باقيًا في المغرب، ثم دعإه إلى اللحاق به ليقف في وجه القرامطة. فلما فرغ الخليفة الفاطمى من القضاء على آخر ثورات زناتة، وكان قد أخذ يضع تاجًا فوق رأسه على طريقة المشارقة، تجهز للرحيل في أغسطس عام ٩٧٢ م فبلغ القاهرة في العاشر من يونية عام ٩٧٣ م وأصبحت هذه المدينة بذلك قصبة دولته. وغادر المعز إفريقية إلى غير عودة، وولى عليها (ماعدا صقلية) قبل رحيله رجلًا من أكفأ أنصاره هو الأمير البربرى بلُكبن، وكان أبوه زيرى بن مناد عدوًا لدودًا لقبيلة زناتة التي لاتهدأ ثائرتها، وقد أعان العبيديين دائمًا برباله من صنهاجة ناحية تترى وبلاد الجبال. ونجحت هذه الخطة- التي رمت إلى حكم البلاد بأمراء من البربر- نجاحًا كاملًا. وكانت أيام بنى زيرى - ويأتيهم كتاب الولاية من القاهرة- أيام رخاء في إفريقية عم فيها الخير وكثر الزاد بفضل إرتقاء الزراعة وصناعة البلاد (مثل البسط والقماش والفخار) والتجارة مع العالم الخارجى؛ وكانت المحافل الرسمية غاية في الأبهة والبذخ؛ ونهضت دراسة الفقه والطب، وكان قد برز فيها أيام الفاطميين رجال مشاهير منهم ابن أبي زيد واسحاق بن سليمان الإسرائيلى وتلميذه ابن الجزار؛ وبرز في الأدب الشاعر ابن رشيق. واجتذب يهود القيروان نفرًا من مشاهير التلموديين، كما خرج من بينهم تلموديون مبرزون. ولم تتأثر هذه الحضارة الزاهرة إلا قليلًا بنقائص زناتة المغرب الذين استفحل أمرهم مع الأيام وجهروا بولائهم لقرطبة، كما أنها لم تتأثر بانفصال حماد الذي أسس عام ١٠٠٨ م في عهد ابن أخيه باديس بن المنصور (عام ٩٩٥ - ١٠١٦ م) دولة مستقلة في قلعته المشهورة. بل كان الأمر على العكس من ذلك، فقد بلغت الدولة أوجها فيما يظهر أيام المعز بن باديس في النصف الأول من القرن الحادي عشر. بيد أن هذا المعز، وكان كثير الخيلاء، قد

стр. 2451

وقّره خلفاء القاهرة وبجّله أهل المغرب بأسره، ولكنه اقترف خطأ عظيمًا بإيقاظ الخصومات الدينية القديمة التي كان يتذرع بها سكان شمالي إفريقية للانتقاض على حكامهم المشارقة. واجتمع حوله مالكية القيروان وشرعوا تحت سمعه وبصره يذبحون الشيعة وفقا لخطة مرسومة، فتوجه بولائه إلى العباسيين في بغداد وانتهى به الأمر إلى الجهر بعصيان الفاطميين، وكان ذلك على مراحل استغرقت العهد الذي اختتم بعام ١٠٥٠ م. وكان انتقام الخليفة الذي انتقض عليه عظيما، وأحس وزير مصر اليازورى أن الاهانة موجهة إليه فأنفذ إلى االقَيل الثائر جماعات من أعراب الهلالية النهّابة، وكانوا يسكنون الصعيد شرقي نهر النيل. وكان عام ١٠٥١ م- الذي بلغ فيه بنو رياح أول العرب الهلالية إفريقية- انقلابًا في تاريخ القطر التونسى. وأسرع المعز إلى تحصين القيروان فلم يجده ذلك نفعًا وهزم عندها مرتين، وفي عام ١٠٥٧ م دهمه البدو ونهبوا أسافل البلاد كلها، فانتقل سرًام إلى المهدية في حراسة أمراء من العرب اضطر إلى الإصهار إليهم وتزويجهم من بناته، وقد أحدث هؤلاء الغزاة، وعدتهم مئات الألوف، انقلابا كبيرًا غير مظهر شمالي إفريقية من حيث الاقتصاد والسياسة والسلالات. فقد رد البربر واستعربت البلاد، وغلبت عليها البداوة. واضطرب الأمن فهلك الزرع وتقوّض سلطان الحكومة المركزية، وسقطت المدن الكبيرة في يد العرب أو استقلت بأمر نفسها يحكمها أمراء من أهل البلاد أو عمال جهروا باستقلالهم بل إن منهم من قدم فروض الولاء إلى بنى حماد أصحاب القلعة طلبا لحمايتهم. وهكذا تأسست دويلة بنى خراسان في تونس وبنى الوَرد في بنزرت وبنى جامع في قابس وبنى الرَنْد في قَفْصة، أما في الوسط فقد عمت الفوضى. واستطاع بنو زيرى- على الرغم من هذه المصاعب التي لاحصر لها- أن يحتفظوا بالمهدية، ولم يكن في أيديهم إلا الساحل الممتد بين سوسة وقابس. وخلف تميم (١٠٨٣ - ١١٠٨) أباه المعز

стр. 2452

فحاول عبثًا أن يستعيد بعض مافقده أبوه، فاصطلح مع ابن حماد، ولم يوفق في هجومه على تونس وأصبح محصورًا في المهدية لامناص له من رد هجمات العرب ودفع أعداء جدد هم النصارى؛ وقد سقطت المهدية عام ١٠٨٧ م بتحريض البابا في يد الييزيين والجنويين بقيادة ينتليون الأملفى - Pan taleon of Amlfi فاضطر تميم إلى دفع تعويض للمنتصرين وقبول تجارتهم بلامكس. واعترف يحيى بن تميم، ولعله مات مقتولًا عام ١١١١ م، وابنه عليّ المتوفى عام ١١٢١ م بسلطان الخلفاء في القاهرة وأيدتهما قبائل العرب وأحرزا بعض الانتصار في البر والبحر حتى دهمهما عدولم يكن في الحسبان. ذلك أن النورمنديين كانوا قد غزوا صقلية ومالطة وشرعوا يتدخلون في لفمئون إفريقية؛ وفي عام ١١١٨ م، دبت الوحشة بينهم وبين هذا الأمير الزيرى فاستعان بالمرابطين في أقصى المغرب. واضطر الحسن بن علي أول الأمر إلى الاتفاق مع روجر صاحب صقلية، وقبول حمايته ليقف في وجه بنى حماد أصحاب بجاية، بيد أن هذا لم يمنع أمير البحر جورج الصقلى الأنطاكى من إجلائه عن المهدية عام ١١٤٨ م. وبسط روجر الثاني ثم وليم الأول، صاحبًا جربة والمدن الساحلية من سوسة إلى طرابلس، لونًا من الحماية السمحة على هذه الربوع، وكان الغرض الأول منها تجاريا، ولكن هذا لم يدم طويلًا، فقد ثار الناس على النصارى وسرعان ما استعادوا حريتهم؛ وبقيت سوسة والمهدية وحدهما في يد الكفار إلى عام ١١٥٩ - ١١٦٠ م، وفيه استخلصهما من أيديهم عبد المؤمن الموحدى الذي جاء من المغرب الأقصى وهزم عرب إفريقية في سطيف عام ١١٥١ م، وكانوا قد اتحدوا في وجهه بزعامة الأمير المعز بن زياد الرياحى، وقضى على كل مقاومة في سبيله، واستولى على الحصون وأعمل السيف في اليهود والنصارى، فأعاد بذلكُ الموحدة السياسية إلى شمال إفريقية أكثر من خمسين عامًا.

стр. 2453

ولم تذق إفريقية بعد طعم السلام على الرغم من نفوذ خلفاء مراكش أصحاب السلطان الجديد فيها، ولم يستشعر الناس سلطان الموحدين مباشرة، ذلك أنهم أقاموا من قبلهم عاملًا في مدينة تونس، وكان هذا العامل يختار عادة من أقارب الخليفة الأدنين، وما أسرع أن ظهر عجزه عن إعادة النظام إلى الولاية. فقد كان العرب يتهددونها دائما، يضاف إلى ذلك ما أحدثته جماعات التركمان من اضطراب بزعامة قراقوش الأرمنى الجسور وما بذله على (المتوفى عام ١١٨٨ م) وأخوه يحيى من بيت بنى غانية المرابطى من محاولة أخيرة. وشخص الخليفتان يوسف عام ١١٨٠ م ويعقوب المنصور عام ١١٨٧ م إلى تونس على رأس الجند، بيد أن ذلك لم يكن كافيا لتحسين الحال، وكان يحيى مجدودًا، ففي عامِ ١٢٠٠ م تخلص من حليفه السابق قراقوش وغلب خصمه ابن عبد الكريم الرغراغى خليفة ابهدية على أمره، وبسط سلطانه من قاعدته في الحريد على ولاية تونس باسرها. واحتاج الأمران ينفذ الخليفة الناصر عام ١٢٠٥ - ١٢٠٧ م حملة يقضى بها على المرابطين وذلك بزعزعة سلطان يحيى وإقامة حكومة قوية على الولاية عهد بها أول الأمر إلى "الشيخ" عبد الواحد بن أبي حفص بطل الأرك عام (١٢٠٧ - ١٢٢١ م)، وهكذا بلغ الحفصيون أول مرتبة من مراتب السلطان. واستعمل فرد آخر من بنى حفص على تونس منذ عام ١١٨٤ م، وقد انحدر هذا البيت الحفصى من أمير بربر هنتاتة- وهي قبيلة من قبائل مصمودة في أطلس مراكش- وكان له شأن عظيم بين أتباع المهدي ابن تومرت المقربين. وقد مكنوا لأنفسهم في إفريقية عام ١٢٢٦ م، باستعمال أبي محمد عبد الله، وقد كاد له أخوه أبو زكرياء وحل محله بعد ذلك بعامين عام (١٢٢٨ - ١٢٤٩ م). واستقل أبو زكرياء بالأمر شيئًا فشيئا، ولكنه قنع مع ذلك بلقب الإمارة، وكان المؤسس الحقيقي للدولة التونسية العظيمة التي حكمت ثلاثة قرون ونصف قرن على الرغم من الأحداث التي تقلبت عليها.

стр. 2454

وقد استمسك الحفصية دائمًا بسنة الموحدين، وكانوا يحبون أن يعرف عنهم أنهم أنصارها المعتمدون على الرغم من رفضهم سلطان عبد المؤمن وعودهم إلى المذهب المالكي. وكان نظامهم في الحكم يشبه نظام الموحدين الأول، إذا استثنينا بعض الفروق الصغيرة، بيد أنه لما نادت مكة بثانى أمرائهم المستقلين، وهو ابن أبي زكرياء، خليفة حول عاف ١٢٥٠ م، ظلت تحيط به بطانة قوية من الموحدين كانوا دعامة الدولة والجيش، كما بقيت السكة موحدية شكلًا ووزنًا. وكانت دواوين الحكومة تندرج في ثلاثة أقسام كبيرة هي: الجيش، وبيت المال (الأشغال)، والقضاء. وكان عمال الولايات يختارون من قديم- في الأغلب الأعم- من أقارب الخليفة الأدنين. بيد أنه من الخطأ أن ننكر ماكان لكثير من الأندلسيين من شأن في إدارة البلاد وحياتها العقلية، بعد أن أجلوا عن الأندلس عندما استعادها النصارى في القرن الثالث عشر الميلادي. ولما رغب بنو حفص في نشر ألوية السلام على إفريقية كانت تواجههم دائما مشكلة الأعراب. فقد رد بنو سليم بنى رياح فغلبوا بذلدُ على داخل البلاد، وفرضت أحزابهم المختلفة فيما بينها إتاوات منظمة على نواحى الريف. ومن هؤلاء الكعوب وهم من قبائل المخزن، وكثيرًا ماتدخلوا فيما ثار بين الأمراء من خلاف هدد بلاد تونس، فناصروا من الأمراء من يختارون وأثاروا حفيظة سكان الحضر. وحصلوا في عام ١٢٨٤ م من أمير يدين بعرشه لهم على كتاب إقطاع يعطيهم خراج عدة مدن، وكان لخصومتهم مع أبناء عمومهم أولاد أبي الليل وأولاد مهلهل أثر سيئ في سلطان الحكومة المركزية إبان القرن الرابع عشر الميلادي. وكان لهذه الدولة عهود زواهر إلى وفاة الخليفة المستنصر عام ١٢٧٧ م. ذلك أنهم بسطوا سلطانهم، على الرغم من الثورات التي كانت تنشب بين حين وحين من طرابلس إلى صميم بلاد الجزائر، ومكنوا لأنفسهم في المدن الهامة وهي تونس وقسنطينة وبجاية. وامتد نفوذهم إلى ماوراء شمالي إفريقية فلفت أنظار أسيانيا وأوروبة

стр. 2455

المسيحية. وهذا هو العهد الذي توطدت فيه العلاقات التجارية على أسس منظمة مع برشلونة ومرسيليا وجنوة وبيزا وصقلية والبندقية: فعقدت المعاهدات التي تنظم التجارة والملاحة وأنشئت قنصليات في تونس وزاد المجبى من المكوس فبرر قيام تونس بأداء الجزية إلى صقلية ثم إلى أرغون. وقد اجتمع حول الأمير الحفصى عدد من الجند المرتزقة النصارى، ومع ذلك فقد هدد صليبيو القديس لويس قرطاجنة تهديدًا خطيرًا عام ١٢٧٠ م وصفوة القول أن الحكم في إفريقية كان أوطد وأزهر مما كان عليه في القرنين السابقين: وآية ذلك النهضة في علوم الفقه وفي بناء العمائر. وتعاقبت على البلاد فتن أثارها تطلع بعض الأمراء إلى العرش ممن تربطهم بالخليفة قرابة صحيحة أو مزعومة، مثل فتنة ابن أبي عمارة التي وقعت عام ١٢٧٣. ومما يبعث على الأسف أن هذه الفتن سرعان ما أضعفت سلطان الخليفة، وأوهت الروابط القائمة بين رعاياه، وهي روابط لم تكن وشيجة بحال من الأحوال، وكان هذا في صالح الأعراب؛ وبقى الحكم في أعقاب المستنصر بعد أن أكره ابنه الواثق على النزول عن الخلافة عام ١٢٧٩ م وانحصر في أمير واحد هو أبو عصيدة ١٢٨٤ - ١٢٩٥ م) وبوفاته خرج الحكم من هذا الفرع. فحكم أخ ثالث هو أبو حفص (١٢٨٤ - ١٢٩٥ م) ثم ابن عم له هو أبو يحيى ابن اللحيانى (١٣١١ - ١٣١٧ م)، واستقر السلطان آخر الأمر في أعقاب ابن آخر من أبناء أبي زكرياء هو أبو إسحاق إبراهيم عام ١٢٧٩ - ١٢٨٣ م، وبدأ بأبى يحيى أبي بكرعام ١٣١٨ - ١٣٤٦. وانفصمت أواصر الموحدة بين بنى حفص زمانًا بخروج بجاية عن طاعتهم وقيام دولة مستقلة فيها، ثم عادوا إلى ماكانوا عليه من اتحاد. وكانت جربة قد بقيت في يد النصارى منذ فتحها روجر صاحب لورية عام ١٣٣٧ م، فأخذها الحفصيون منهم عام ١٣٣٧ م؛ وقد وقفوا في وجه بنى عبد الواد بفضل تحالفهم مع المرينيين الذين قويت
следующие страницы →