Полный текст (10 087 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
١١ مترجمًا يتقاضون مرتباتهم من الخزانة الفرنسية. وهذه الأقاليم هي بنزرت وتونس والكاف وسوسة وصفاقس، وكل أقليم مقسم إلى طائفة من النظارات المدنية تبلغ في مجموعها تسع عشرة، وهي باجة وبنزرت وطبرقة وسوق الأربعاء وتونس وزغوان وقرنبالية وتبرسق والكاف ومكثر ومجاز الباب وسوسة والقيروان وتالة وصفاقس وقابس وقفصة وتوزر وجربة وقد أنشئ. نظام النظار المدنيين بمقتضى مرسوم المقيم الصادر في ٢٢ يولية سنة ١٨٨٧. وهي في جوهرها لا تتعدى الإشراف على الإدارة الأهلية ومساعدة الاستعمار الفرنسى. ويلقب هؤلاء النظار بنواب القناصل ويقومون بما يقوم به وكلاء القناصل الفرنسيين. وقد نظمت حالتهم بمقتضى القرار الذي أصدره المقيم في ٢٥ أبريل سنة ١٩٢٢.
ويقوم على القانون الفرنسى في السلطنة محكمتان من أول درجة، إحداهما في تونس (٤ دوائر) والأخرى في سوسة و ١٤ محكمة صلح دائمة Justices de paix يضاف إليها محاكم الغرباء وهي متنقلة لا تعقد في بلد واحد. وتطبق محاكم الجنح قانون العقوبات في الجنح والمخالفات كما يطبقه قضاة الصلح في القضايا نفسها كما هي الحال في الجزائر. وتقضى في الجنايات محاكم جنائية تعقد في تونس وسوسه، وهي من ثلاثة قضاة فرنسيين محترفين وستة وكلاء نظم أمر تعيينهم مرسوم المقيم الصادر في ٢٩ نوفمبر سنة ١٨٩٣: ويراعى في ذلك جنسية المتهم. وليس في هذه المحاكم محلفون. ويعين جميع القضاة الفرنسيين بمرسوم صادر من المقيم العام بناء على ترشيح "أمين الأختام"، وهم في ذلك كقضاة الجزائر سواء بسواء.
وفرنسا مسئولة عن ميزانية الجيش والأسطول وبنزرت معكسر أمير البحر الذي يشمل سلطانه شواطن شمال إفريقية بأسرها. وقد اتخذ قائد فرقة الاحتلال Division d'Occupationn" لقب "القائد الأعلى لجند تونس" - Com mandant superieur des troupes de Tunisie. عام ١٩٢٦.
ولنستوف البيان الخاص بالإدارات الرئيسية العامة في تونس فنقول إنه
стр. 2487
كان بها أيضًا شركتان لهما امتيازات في أهم موانئها: شركة بنزرت، وقد تأسست عام ١٨٨٦, وشركة تونس وسوسة وصفاقس، وقد تأسست عام ١٨٩٤؛ وثلاث شركات للسكة الحديدية: (١) شركة بونة جالمة وقد سميت بـ Compagnie Fermiere طبقا للاتفاق المعقود في ٢٢ يولية سنة ١٩٢٢، وتكاد خطوط هذه الشركة تشمل جميع سكة حديد تونس وهي تتآلف أولًا من خط طويل يساير الساحل، وخطين ما بين تونس الجزائر، يقطعان وادي مجردة ويكتنفهما التل الكبير، وخط ما بين سوسة ومناجم الفوسفات التي إلى الغرب من قفصة وهو يحترق فيافى سبيطلة وقربانة (ب) شركة فوسفات قفصة Compagnie des phosphates de , Gafsa وهي خطوط ضيقة تربط صفاقس بقابس، وديف بتوزر.
(جـ) شركة ترام تونس، وهي خطوط كهربائية تسير في الضواحى، قوامها خطان يربطان تونس بالمرسى، وأحدهما يسير بطريق حلق الوادي وقرطاجنة.
ولتونس فيما خلا المصالح الحكومية مجالس شورى تعين أو تنتخب.
والفرنسيون هم - دون سواهم - الناخبون لغرف التجارة والزراعة التي ينتخب أعضاؤها لست سنين ويسقط ثلثهم كل سنتين. وقد أنشئت غرفة تونس التجارية وغرفة تونس الزراعية عام ١٩٠٢. وللنساء حق التصويت وليس لهن حق العضوية. وتجتمع غرفة استغلال المناجم في تونس بناء على قرار المقيم الصادر في ١٥ يولية سنة ١٩٢٢ وهي تمثل - من غير تفرقة - الملاك الفرنسيين أو التونسيين والمديرين والنظار أو مهندسى المناجم في تونس. وينتخب أعضاؤها مدة ست سنوات ويسقط نصفهم كل ثلاث سنوات.
وقد أنشئ في ٦٠ موضعًا مجالس بلدية. وكانت هذه المجالس تعين بمرسوم مدة ثلاث سنوات وينتخب ثلث أعضائها فقط كل سنة، وهي تتألف - بمقتضى مرسومى ١٤ يناير ١٩١٤ أول يناير سنة ١٩٢٤ م- من رئيس من أهل البلاد ووكيل فرنسى أو أكثر وعدد
стр. 2488
متفاوت من الأعضاء وطنيين أو فرنسيين. ومداولاتهم عامة تعرض على رئيس الوزراء لإقرارها.
وأنشئت مجالس إقليمية بمقتضى المرسوم الصادر في ١٣ يولية سنة ١٩٢٢ الذي حل محله مرسوم ٢٧ مارس سنة ١٩٢٨, وأعضاء هذه المجالس ينتخبون مدة ست سنوات، وقد كانوا أول الأمر يمثلون أعضاء المجالس البلدية الوطنية وأعضاء المجالس البلدية الوطنية الخاصة بالقائديات من ناحية وأغلبية ضئيلة من الفرنسيين عن الأعضاء الفرنسيين في المجالس البلدية أو الغرف التجارية والزراعية من ناحية أخرى؛ وتضم هذه المجالس الآن: نائب رئيس لبلدية كل حاضرة من حواضر الأقاليم ومندوبى المجلس الكبير الذي يشترك في انتخاب أعضائه الناس جميعًا، وممثلى غرفة استغلال المناجم والغرف الوطنية للتجارة. أما المجلس الإقليمى، وهو هيئة تستشار في المسائل الاقتصادية والمالية، فيجتمع مرتين كل سنة ومدة كل دورة من دورات انعقاده ستة أيام على الأكثر ويكون انعقاده في قصبة الإقليم برياسة مراقب مدنى يعينه المقيم العام، وليس له مع ذلك حق التصويت. وينتخب الأعضاء الفرنسيون نائبًا للرئيس وكاتبًا للسر، كما يقيم الأعضاء الوطنيون نائب رئيس آخر وكذلك كاتبًا للسر.
وفي ١٣ يولية سنة ١٩٢ حلت الجمعية التمثيلية الرئيسية أي المجلس الكبير Grand Conseil محل المجلس الاستشارى Conference Consulative المنشأة عام ١٨٩٦ والذي أعيد تنظيمه منذ ذلك عدة مرات. وقد صدرت في مارس عام ١٩٢٨ طائفة من المراسيم والقرارات نظمت طريقة تأليف المجلس الكبير وحددت سلطاته وهو قسمان: قسم فرنسى وقسم وطنى. المقرر من حيث المبدأ أن كل قسم من القسمين يتداول مستقاو عن الآخر. ويرأس القسم الفرنسى المقيم العام، وأعضاؤه اثنان وخمسون: اثنان وعشرون منهم يمثلون المصالح الاقتصادية وبيانهم كالآتى:
ستة تنتخبهم غرفة تونس الزراعية، واثنان تنتخبهم غرفة بنزرت التجارية،
стр. 2489
وأربعة تنتخبهم غرفة تونس التجارية، وأربعة تنتخبهم غرفة سوسة المختلطة وأربعة تنتخبهم غرفة صفاقس المختلطة، واثنان تنتخبهما غرفة استغلال المناجم وثلاثة يمثلون المستعمرة الفرنسية وينتخبون انتخابًا إقليميًا يشترك فيه كل السكان الفرنسيين الذين نيفوا على الواحدة والعشرين وأقاموا في تونس سنتين على الأقل. وبيانهم كالآتى: ستة يمثلون بنزرت، وعشرة يمثلون تونس، وأربعة يمثلون الكاف، وخمسة يمثلون سوسة، وخمسة يمثلون صفاقس وجميع المناطق العسكرية. وينتخب أعضاء المجلس الكبير، ولا يقل سنهم عن ٢٥ عامًا مدة ست سنوات، وينتخب نصفهم كل ثلاث سنوات ويناقش هذا المجلس الميزانية ويقرها بالتصويت. وله أيضًا أن يبدى رغباته اللهم إلَّا في المسائل السياسية والدستورية، ويبدى رأيه فيما تعرضه عليه الحكومة من وسائل، وله أيضًا أن يسأل الحكومة عن مسائل وتحتفظ فرنسا بالحق في إقرار مرسوم بحل المجلس الكبير وإبطال قراراته حتى في مسائل الميزانية. ويجتمع المجلس مرة كل سنة في دورة عادية لا تزيد على عشرين يومًا. ويمكن دعوته إلى الإنعقاد في اجتماع غير عادى. وكل قسم من قسميه ينتخب مراقبيه، ويعين لجنتين كبيرتين: لجنة مالية ولجنة لسير الأمور الاقتصادية وسبعة عن المستعمرة الفرنسية. ولا يسمح للناس بحضور جلسات المجلس الكبير إذا كان منعقدًا بكامل هيئته. وثمت لجنة للفصل - Com mission Arbitrale يرأسها المقيم العام، وهي تتناقش في جميع المقترحات أو القرارات والرغبات التي اختلف فيها قسما المجلس. وأعضاء هذه اللجنة أربعة عشر نصفهم يعينه القسم الفرنسى والنصف الآخر يعينه القسم الوطنى. فإذا ما استحكم الخلاف اشترك المقيم العام في التصويت كما يشترك فيه أيضًا الوزراء أو المديرون الحاضرون ومعنى ذلك أن للحكومة صوتًا يغلب رأى قسم منهما على الآخر.
ب- الشئون المالية: موارد تونس المالية من الضرائب المباشرة، وهذه الضرائب آخذة في التناقص: (١) الضريبة
стр. 2490
الشخصية وتعرف بالاستيطان وقد حلت محل المجبى القديم (la-c: Barthes Tunisie imots arabes en، الجزائر عام ١٩٢٣) هي تجبى من جميع سكان تونس الذكور الذين يتجاوز سنهم الواحدة والعشرين (٢) ضرائب الأرض وهي القانون على النخيل والقانون على أشجار الزيتون والعشر على البقول وتعفى الأراضي التي استصلحت حديثًا من العشر مدة خمس سنوات؛ والمراجع على البساتين والأراضى الصالحة للرى فيما خلا جربة، والخضر وهي ضريبة خاصة على الأراضي المزروعة في جربة، وضريبة على الأنعام سنت عام ١٩١٨ وضريبة على الكروم غير المستصلحة سنت عام ١٩٢٧, وضريبة على قيمة الإيجار وعلى إيجار الأعيان في الحضر وشبه الحضر هي تجبى لمصلحة النواحى (٣) ضرائب على الأرباح التجارية والصناعية (شرعت رخصتها عام ١٩٢٧؛ ومكوس التعدين) (٤) ضريبة على إيراد المال الشخصى والرهونات وما إليها وقد شرعت عام ١٩١٨؛ وضرائب قليلة أخرى تعرف بـ assimilees .
أما الضرائب غير المباشرة - ويزداد شأنها كل يوم-، فهي: (١) رسوم التمغة والتسجيل. (٢) المكوس، وقد نظمت بحيث تكون في مصلحة المنتجات الفرنسية. (٣) طائفة من الرسوم على صناعة شتى المنتجات وبيعها، وقد حلت هذه الرسوم عام ١٩٢٠ محل "المحصولات" القديمة وأطلق عليها اسم الضرائب غير المباشرة. يضاف إلى ذلك. (٤) إيرادات الأحكار كالتبغ والملح والثقاب وأوراق اللعب. (٥) أرباح مكاتب البريد. (٦) أرباح شتى المشروعات الصناعية. (٧) ماتدره أراضى الدولة.
ب- الإدارة الوطنية: الوزراء الوطنيون ثلاثة: الوزير الأكبر، يعاونه. وزير القلم، وإلى جانبه مدير عام الداخلية. ثم وزير العدلية الذي شرع منصبه في ٢٦ أبريل عام, ١٩٢١ وصاحب مشورته فرنسى هو مدير العدلية التونسية.
وأساس التنظيم الإقليمى التونسى هو تقسيم القطر إلى قائديات، وعدتها في الوقت الحاضر سبع وثلاثون: باجة وبنزرت وماطر وعين درهم وسوق
стр. 2491
الأربعاء وسوق الخميس وتونس المدينة وتونس الظواهر وزغوان وسليمان ونابل وتبرسق والكاف وتجروين، واولاد عيار وأولاد عون ومجاز الباب وسوسة والمنستير والمهدية والسواسى والقيروان وجلاص والفراشيش وماجر وصفاقس وجبنياتة وسكرة وأرد، وقفصة والهمامة والجريد وجربة ومطماطة ونفزاوة وزغمة وتيطاوين. ويحتفظ القائد في تونس المدينة بلقبه القديم وهو شيخ المدينة. ويعين بمرسوم، وقد احتفظ باختصاصاته الإدارية والقضائية والمالية: فهو الوسيط بين الحكومة وبين الناس، ومن واجبه لم ن يراعى الأمن ويقضى في المسائل المدنية البسيطة بلا مراجعة وكذلك يطبق العقوبات الهينة ويجمع الضرائب. وتحت إمرته شرطة من الأهلين (أوجاف) قوامها الصبائحية (سباهى) الذين يجمعون الغرامات من المتخلفين عن أداء الضرائب. وثمت ميل إلى أن يستبدل بالضرائب التي جرى القائد على تحصيلها ممن يأتمرون بأمره مرتب مقرر. وقد اتخذت خطوات في هذا السبيل بالفعل.
ويعاون القواد أو يخفف عنهم "خلفاء" يعينون بمرسوم منذ ٢٨ نوفمبر سنة ١٩١٢ طائفة من القواد تحت التمرين (كخيا) وطائفة من الخلفاء من طبقة ممتازة، وعددهم الآن ستة عشر وهم يقومون عن القائد ببعض الأعباء الملقاة على عاتقه.
وقد قسمت كل قائدية إلى عدد معين من الشياخات تبلغ جميعها ٦٠٤، وكلها تحت إمرة شيخ تعينه الحكومة بناء على ترشيح القائد. والشيخ مسئول عن الأمن العام ويساعد في جمع الضرائب. وقد أنشئت "مجالس القائديات" في أنحاء البلاد اللهم إلَّا في المناطق العسكرية بمقتضى طائفة من المراسيم والقرارات صدرت سنة ١٩٢٢ وعدلت سنة ١٩٢٨, ومهمة هذه المجالس الإقليمية. وتبعث كل شياخة بأربعة نواب يمثلونهات واحد منهم أو اثنان أساسيان والآخران احتيطاطيان ويشترط أن تكون سنهم ثلاثين على الأقل، وينتخبون من بين الأعيان وتعتمد الوزارة انتخابهم. ويشترط في هؤلاء الناخبين أن يكونوا أميز من
стр. 2492
يدفعون الضرائب وأن تزيد سنهم على الخمسة والعشرين وأن يكونوا من سكان الشياخة خارج النواحى أو أن تكون لهم أملاك في الشياخة. وتراجع جرائد الأعيان التي يحررها القائد لجنة مؤلفة منه ومن المراقب المدني والقاضي. ولا يمكن أن يكون المحامون أو الموظفون أو رجال الشرطة نوابًا في المجلس. وتعقد جلساته يومين كل ثلاثة أشهر. وتقام الانتخابات كل ست سنوات.
وأنشئت الغرف الوطنية للتجارة والزراعة عام ١٩٢٠ وأعيد تنظيمها عامي ١٩٢٤, ١٩٢٨, وهذه الغرف هي: غرفة الزراعة الوطنية الخاصة بالشمال، وهي تضم قسمًا زراعيًا من عضو عن كل قائدية تنتخبه الحكوهة من بين مرشحين اثنين تقدمهما نواب الشياخات، وقسمًا للاقتصاد الزراعى مؤلفًا من عضوين مجازين أو مهندسين زراعيين تنتخبهما الحكوهة من بين أربعة مرشحين تقدمهم نواب الشياخات, وغرفة التجارة الوطنية الخاصة بالشمال وهي تضم قسمًا تجاريًا مؤلفًا من اثنى عشر مسلمًا منتخبًا وخمسة يهود، وقسمًا للاقتصاديات العامة مؤلفًا من مسلمين أو يهوديين تنتخبهما الحكومة من بين أربعة مرشحين ينتخبهم الناخبون. ويشترط في هؤلاء ألا يقل عمرهم عن الخامسة والعشرين، أما المرشحون فلا تقل سنهم عن ثلاثين.
وقد أعدت العدة منذ عام ١٩٢٨ لعقد هذين المجلسين في جلسات مشتركة مع الهيئات الفرنسية التي من نوعها. وقد أنشئ أيضًا في داخل الغرف المختلطة الخاصة بسوسة وصفاقس قسم وطنى من سبعة أعضاء.
ولقد تبينا نصيب الوطنيين في المجالس البلدية والإقليمي؛ فهم في المجلس الكبير يؤلفون قسمًا مميزًا من ستة وعشرين عضوًا: عشرة منهم يمثلون خمسة أقاليم بواقع اثنين عن كل إقليم، وثلاثة يمثلون البقاع الجنوبية، وأربعة يمثلون الغرفة التجارية الوطنية الخاصة بالشمال، واثنين يمثلان كل قسم من الأقسام الوطنية الخاصة بالغرف المختلطة
стр. 2493
وواحد، يمثل الجماعة اليهودية في تونس. وقد جرت الحال بأن يرأس هذا القسم من المجلس الكبير مندوب المقيم العام أو موظف فرنسى كبير من موظفى الولاية ينتدبه المقيم، وقلمًا يرأسه المقيم العام. وقد يتفق القسمان على الاجتماع معًا. وتعد الأصوات في هذه الحالة وكان مجلسًا واحدًا قد أعطاها.
وقد توخى التشريع التونسى الذي أقر أحكامه مرسوم يناير سنة ١٩٢٨ الإبقاء على التفرقة بين القضاء المدني والدينى. وعلى رأس القضاء المدني محكمة "الأزراء" في تونس وهي تشمل منذ عام ١٩٢١: (أ) ضربًا من محكمة الاستئناف لجميع القطر التونسى ولها هيئتان إحداهما مدينة والأخرى للعقوبات، ويجلس في كل منهما ثلاثة قضاة. (ب) محكمة جنائية تنظر في جرائم أول درجة من غير استئناف. (جـ) محكمة تحضير. (د) هيئة للنظر في الملتمسات وهي نوع من محاكم الاستئناف. وتكمل الأزراء محاكم إقليمية من ثلاثة قضاة أنشئت في صفاقس وقابس وقفصة عام ١٨٩٦, وفي باجة عام ١٩٢٦، وألحق بها عام ١٩٠٦ مندوبو الحكومة وهم محامون فرنسيون يتكلمون العربية. ويمكن أن يقوم الوكلاء عن المتقاضين.
وفي الختام نلاحظ أن المحكمة الإقليمية الخاصة بتونس تسمى "دريبة" وأن لتونس أيضًا محكمة العرف، وهي نوع من المحاكم التجارية يقضى فيها شيخ المدينة وعشرة من الخبراء.
المصادر:
(١) Code annote de la Tunisie: Zeys سنة ١٩٠١، وملاحقه السنوية إلى عام ١٩١٢.
(٢) Codes et: Lagrange & Fontana , lois de la Tunise باريس سنة ١٩١٢، الملاحق إلى عام ١٩٢٨.
(٣) Officiel Tunisien Journal.
(٤) Girault. A: - Principes de co lonisation et de legislation coloniale جـ ٥، , La Tunisie et marnc الطبعة الخامسة، باريس سنة ١٩٢٨.
стр. 2494
٤ - الدين الإسلامي
التونسيون على مذهب مالك منذ أمد طويل، اللهم إلَّا أهل جزيرة جربة فإن ثلاثة أخماسهم من الخوارج. أما سلالة الترك -أو الذين يزعمون أنهم كذلك - فعلى الحنفية. وهم قلة أشراف مفضلون لأن أسرة الباى منهم.
أ- النظم - الشرع: كان يقوم على المناصب الدينية الرفيعة في تونس أيام الحفصيين "قاضى الجماعة" و "قاضى الأنكحة" وكان يوليهما الباى كما يولى المفتى الأكبر والخطيب. ودون هؤلاء قاضى المعاملات وقاضى الأهلة. أما قاضى المحلة فيصحب الجند في ميدان القتال.
وقد بين ابن أبي دينار كيف أن المفتى ظهرت رتبته شيئًا فشيئًا على القاضي وارتفع عنه في الدرجة حتى أصبح يجتمع معه في محكمة الشرع (, Saint Gervais ص ٩٣ - ٩٥) وتلقب مفتى الحنفية الأكبر (باش مفتى) بشيخ الإسلام أيام الترك وظل يحتفظ بهذا اللقب إلى اليوم. وكان مفتى المالكية الأكبر يشرف أحيانًا بهذا اللقب وإن تبلغ منزلته في نظر الدولة منزلة رصيفه.
ويطبق الشرع في جميع الأحوال الشخصية من غير استثناء، كالمعاملات والزواج والطلاق والوصية والولاية والميراث. ويقوم عليه في كل مدينة من المدن التي في داخل القطر مجلس مالكى من قاض ومفت أو أكثر. أما في تونس فيجلس في الديوان مجلس حنفى إلى جانب المجلس المالكي. وينظر كلاهما في القضايا التي يرفعها إليها المتقاضون أو يحولها إليهما قضاة آخرون.
وقد نظم مرسومًا عام ١٨٥٦، ١٨٧٥ عمل هذه المحاكم ثم حدد هذا العمل بالمرسوم الصادر في ١٥ ديسمبر سنة ١٨٩٦, وقد نص على إجراءات "المراسلة" وحتم قيدها في سجل خاص يقوم عليه "كتاب". وقد استن المرسوم الصادر في ٦ مارس سنة ١٩٢٦ نظامًا لمساعدة المتقاضين أعفى أهل البلاد من رسم القيد الذي
стр. 2495
كان قد فرض في ٣ مارس من السنة نفسها. وختامًا نقول إن المسجلين عينوا بمقتضى المرسوم الصادر في ٢٨ يناير سنة ١٩٣٠.
نظام العدول: يعين العدول (الكتّاب) الوطنيون بمقتضى مرسوم من الباى. وقد نظمت طريقة اختيارهم وخطة تدريبهم على العمل منذ وقت طويل بمقتضى المرسوم الصادر في ٣ ذي القعدة سنة ١٢٩١ (٨ يناير سنة ١٨٧٥) ويكون تعينهِم بناء على ترشيح القضاة. ويعين الحاصلون على إجازة المسجد الجامع عدولا من غير ما قيد تقريبًا، ولا يستوجب الأمر تدريبهم. وقد عدل مرسوم ٨ مايو سنة ١٩٢٨ ما سبقه تعديلا له شأنه. ثم سنت أحكام جديدة بمقتضى المرسوم الصادر في أول يناير ١٩٣١ فاشترط في العدول المسلمين الذين يعينون في المستقبل ألا تقل سنهم عن الرابعة والعشرين وأن يكونوا قد قضوا في مكتب من مكاتب العدول سنتين أو ثلاثًا. وثمت شرط آخر يتميز بحدته وطرافته وهو أن يجوز طالب التعيين امتحانًا يتطلب بصرًا بالتشريع التونسى. وللمجاز من المسجد الجامع الحق في دخول امتحان المرتبة الأولى، ويخول للناجح فيه مزاولة هذه المهنة في المدن الكبيرة، أما أمتحان المرتبة الثانية فيختلف من الأولى اختلافًا يسيرًا، ولا يزاول من جازه المهنة إلَّا في المدن التي تقل عن هذه شأنًا. وتمد وزارة العدل مكاتب العدول بالسجلات عامة كانت أو مفصلة وهي تراجعها وتفتش عليها تفتيشًا دقيقًا منظمًا.
الحبوس: تسمى الأعيان الموقوفة في القطر التونسى حبوسًا وكانت "جمعية" تقوم على الحبوس العامة منذ أيام خير الدين في سنة ١٨٧٤ ثم أعيد تنظيمها بمقتضى المرسوم الصادر في ١٩ مارس سنة ١٩٢٤ وعلى رأس هذه الجمعية مدير ولجنة إدارية. وهي مقسمة إلى مكاتب، ولها نائب في كل حاضرة من حواضر الولاية التونسية يشرف على الوكلاء القائمين بإدارة هذه المكاتب فعلا. وقد نص مرسوم ١٧ يولية سنة ١٩٠٨ على وضع الجمعية تحت إشراف مجلس أعلى للحبوس
стр. 2496
يديره وزير القلم ومدير الداخلية العام. وللجمعية الحق في الإشراف على إدارة الحبوس الخاصة.
وقد احتيل ببراعة على الأحكام الشرعية الخاصة بالحبوس، وتوسل إلى ذلك بثلاثة أمور (H. de Montety: Une loi agraire en Tunise. كاهورس سنة ١٩٢٧):
أ- عقد الإنزال أي نقل الحبوس نظير إيجار دائم (مرسوم ٢٦ مايو سنة ١٨٨٦, وقد عدل مرارًا وزيد عليه. وأصبح في مقدور المدين صاحب عقد الإنزال أداء ما يعوض قيمة الإيجار منذ عام ١٩٠٥. ويتم بيع الأراضي بالمزاد العلنى إلَّا إذا كانت حقوق ساكنى الضياع المزروعة مضمونة).
ب- الاستبدال نوعًا أو نقدًا (مرسوما ١١ يناير و ١٣ نوفمبر سنة ١٨٩٨ م).
ب- الإيجار لآجال طويلة (مرسوم ٣١ يناير سنة ١٨٩٨).
وبيت المال تحت إشراف الجمعية، وهي تبذل العطايا في سبيل الخير وتتولى التركات التي لا وارث لها.
الرباطات: ليس من الحيطة في شيء أن نذكر على التحديد عدد رباطات القطر التونسى الدينية الإسلامية (Les confreries re-: Depont et Coppolani , ligieuses musulmanes الجزائر سنة ١٨٩٧, في مواضع مختلفة). ولا نستطيع أن نأخذ في غير تحفظ بالأرقام التي وردت في Annuaia du Monde Musulman . ومن المحقق أن عدد الإخوان جميعًا يزيد كثيرًا على الرقم الوارد في هذا التقويم ألا وهو ٥٨, ١٤٣ فقد بلغ عددهم في منطقة الكاف الإدارية وحدها ثمانية عشر ألفًا من الإخوان -أو الفقراء - وفقا لإحصاء رسمى لم ينشر أعده المقيم العام سنة ١٩٢٤, في حين بلغ عددهم ثلث تعداد إقليم باجة وعدد سكانه من المسلمين ٦١ ألفًا، وفي ملحق تيطاوين نيفًا وثلاثة عشر ألف فقير. وأكثر الطرق الصوفية أتباعًا أربع: القادرية والرحمانية والعيساوية والتجانية وأتباع الطريقة العروسية كثيرون جدًّا. وثمت طرق أخرى متفرقة كالمدنية والشاذلية والطيبية إلى جانب الطرق
стр. 2497
المحلية الأخرى كالبوعلية في نفطة. ويتفق عمال الإدارة في طبرقة وتالة في تقدير عدد إخوان الطريقة الرحمانية والقادرية في إقليميهما بخمسين في المائة وأربعين في المائة من مجموع الإخوان. ولكن هذه النسبة تنقص في غيرهما دون شك لغلبة طرق أخرى عليهما. ونحن نلاحظ انتشار الطريقة العلوية الحديثة التي نشأت في مستغانم من أعمال الجزائر، ويظهر أن مقرها في تونس بزاوية قصبة المديونى بالقرب من المنستير. وتونس ومنزل بوزلفة والجريد مراكز لرباطات هامة، إلَّا أن في الكاف أعظم الزوايا الأصلية سلطانًا. وليس لهذه الرباطات شأن سياسى في الواقع، وحتى شأنها الدينى آخذ في الضعف.
وقد ألغى حق إيواء الفقراء في الزوايا في ٦ فبراير سنة ١٨٨٣.
ب- التعليم: تعرف معاهد تحفيظ القرآن بالكتاتيب. وعلى رأس هذه الكتاتيب "المدارس" ويديرها خريجون في المسجد الجامع مجازون، وتقوم عليها الجمعية تحت إشراف مدير المعارف العامة، ولم تعد هذه المدارس الآن سوى مأوى لطلبة المسجد الجامع. وغاية ما يلقى فيها دروس قليلة. والمدرسة العصفورية هي وحدها التي تعد مؤدبين للكتاتيب.
المسجد الجامع: في عهد الترك أصبح المسجد الجامع على الأيام مركزًا للعلوم الدينية جميعًا. أما في يومنا هذا فلا تدرس هذه العلوم إلَّا فيه، ويؤمه ما يقرب من ألفى طالب من تونس وطرابلس والجزائر بل من مراكش أحيانًا. وقد نظم مناهجه في العهد الذي نستطيع أن نسميه بالحديث منشور أحمد باى الصادر في ٢٧ رمضان عام ١٢٥٨ (أول نوفمبر سنة ١٨٤٢) المعروف بالمعلقة لأنه علق على باب الشفاء من أبواب المسجد الجامع. وأهم أحكام هذا المنشور أن تكون هيئة التدريس من ثلاثين عالمًا: خمسة عشر من المالكية وخمسة عشر من الحنفية يلقى كل منهم درسين في اليوم، ويستثنى من ذلك أيام الخميس والجمعة والعيدين وشهر رمضان. ويتقاضى العالم قرشين في اليوم إلَّا إذا غاب بغير مامسوغ. وقد عين شيخا
стр. 2498
الإسلام المالكي والحنفى نظارًا للمسجد ويتقاضون مائة قرش في الشهر. ويعاونهما في عملهما قاضيان من المذهبين يتقاضى كل منهما ثلاثة قروش يوميًا. ويشرف الشيخان والقاضيان على حساب القوامين على بيت المال الذي تؤخذ منه هذه الرواتب. فإذا بقى من هذا المال فائض وزع بشروط خاصة على أنبه الطلاب. ويعين المدرسون بمرسوم من الباى (ظهير) بناء على اقتراح المفتشين والقاضيين.
ولم تنظم شئون المسجد تنظيمًا أكثر تفصيلًا مما سبق إلَّا في عهد خير الدين. فقد أصدر صادق بأى في الثامن والعشرين من ذي القعدة عام ١٢٩٢ (٢٦ ديسمبر سنة ١٨٤٥ م) أمرًا عاليًا من سبع وستين مادة ينص على العلوم التي تدرس بالمسجد والكتب التي تشرح وحقوق الطلبة والمدرسين والمشرفين وواجباتهم ونظم المكتبة. وقد عدلت مواد هذا الأمر العالى مرات بعد ذلك فاقتضى الأمر مرسوم آخر محله صدر في ١٦ سبتمبر سنة ١٩١٥. من ٨١ مادة وبعض ملاحق، ويسير المسجد بمقتضاه إلى الآن. وفي هذا المرسوم خليط من أحكام التربية العتيقة ووصايا تحث على الاستقامة والتخلق بحميد الخصال، كما نهت المادة ١٩ منه عن الشك في المذاهب التي أخذ بها السلف من العلماء.
والعلوم التي تدرس في المسجد الجامع أزيد من "فروع المعرفة الأحد عشر" التي تدرس في الجامع الأزهر بمقتضى القانون الصادر في سنة ١٨٧٢ وأكثر منها تنوعًا، ونحن نذكرها فيما يلي كما وردت في المادة الأولى من المرسوم: التفسير والحديث والسير والتوحيد وقراءة القرآن وتجويده والمصطلح وأصول الفقه والفقه والفرائض والتصوف والمبقات والنحو والصرف والمعانى والبيان واللغة والإنشاء والأدب والتاريخ والجغرافيا والرسم والخط والعروض والمنطق وآداب البحث والحساب والهندسة والهيئة والمساحة. وقد أهملت العلوم
стр. 2499
الأخيرة بعض الإهمال. وتسيطر نزعة التقليد الجامدة وطرق التعليم العتيقة على التدريس في المسجد الجاهع فتحول دون أي تقدم في العلوم الدنيوية أو اجتهاد في مسائل الدين. أما في التاريخ والجغرافيا فيقتصر البرنامج على كتابين: رقم الحلل لابن الخطيب، والمقدمة لابن خلدون، وهما من مؤلفات القرن الرابع عشر الميلادي، علاوة على مختصر للتاريخ الإسلامي. وما زالت الهندسة تدرس في المسجد على مذهب إقليدس، وتقرأ مسائلها في كتاب الطوسى الذي يرجع إلى القرن الثالث عشر.
والتعليم في المسجد بالمجان، ومراحله ثلاث، ويعقد امتحان للانتقال من مرحلة إلى أخرى. وفيما يلي بيان بكتب الدين واللغة التي تشرح لطلبة المرحلة النهائية (المادة الرابعة من المرسوم).
التفسير:
أسرار التنزيل للبيضاوى - مع شرح الجلالين.
الحديث:
صحيح البخاري مع شرح القسطلانى - صحيح مسلم هع شرح الأُبيّ - الشفاء للقاضي عياض هع شرح الشهاب الخفاجى.
السير:
المواهب اللدنية للقسطلانى هع شرح الزرقانى - السيرة الكلاعية.
التوحيد:
شرح الجرجانى على المواقف لعضد الدين الإيجى - شرح التفتازانى على عقائد عمر النسفى الكبرى للشيخ السنوسى.
أصول الفقه:
التوضيح لصدر الشريعة عبيد الله المحبوبى - شرح عضد الدين الإيجى على مختصر ابن الحاجب - شرح المحلى على جمع الجواهع لعبد الوهاب السبكي.
الفقه:
تبيين الحقائق لعثمان الزيلعى (شرح كنز الدقائق لعبد الله النسفى) - الدرر (شرح الغرر) - شرح سيدى عبد
стр. 2500
الباقي على المختصر الخليل - شرح سيدى محمد الخرشى على المختصر لخليل.
التصوف:
الإحياء للغزالى.
النحو:
مغنى اللبيب لابن هشام.
المعاني والبيان:
الجزء الثالث من المفتاح ليوسف السكاكى مع شرح الجرجانى - المطول للتفتازاني.
اللغة والإنشاء والأدب:
المزهر للسيوطى - فقه اللغة لعبد الملك الثعالبى - شرح المرزوقى على ديوان الحماسة - المثل السائر لابن الأثير.
ويطلق على كل من الثلاثين معلمًا الأصليين وعلى معلم التجويد لقب المدرس الأول. وثم مؤهلون للتدريس في المرحلة العليا. أما المرحلة الوسطى فيقوم بالتدريس فيها اثنا عشر مدرسًا من الطبقة الثانية نصفهم مالكية والنصف الآخر حنفية، ومدرس للتجويد. ويدرس في المرحلة الابتدائية مدرسون متطوعون متخرجون في المسجد الجامع، ولا يتقاضون أجرًا (المادة ٩ من المرسوم). وللمدرسين عطلة شهرين في السنة، من منتصف يولية إلى منتصف سبتمبر يضاف إلى ذللُ شهر رمضان وأيام الجمع وأيام العيدين والأيام الأربعة التي تلى كليهما ويوم عرفات واليومان اللذان قبله ويوم ١٠ من المحرم والأيام الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ربيع الأول (المادة ٢٩ من المرسوم). وقد جعل يوم الخميس ثانية يوم عمل، ونص على ذلك صراحة (المادة ٢٨). ويحمل كل طالب سجلًا خاصًّا به ينظره المدرس كل شهر (المادة ٣٢ ويشهد بأن صاحبه حضر الدروس المقررة عليه (المادة ٣٣). وعلى المشرفين الذين يعينهم النظار التثبت من أن النظام قائم مرعى (المادة ٤٠). وقد حددت واجبات النظار في عناية بمقتضى أحكام المعلقة (المادة ٤٤ وما بعدها).
стр. 2501
وقد ألحق بهذا المرسوم في اليوم نفسه مرسوم آخر تفسيرى من إحدى عشرة مادة يضع قواعد الامتحان النهائى الذي يهئ الطالب للحصول على أجازة التطويع. والنجاح في الامتحان التحريرى للفقه بنقل الطالب إلى فصول دورين متعاقبين (المادة ٦). ويبيح الامتحان الشفوى للطالب ست ساعات يتأهب له فيها بالرجوع إلى كتب المكتبة (المادة ٧) وتمنح أجازة "تطويع" خاصة لقراءة القرآن وتسميعه (المادة ٩).
وقد عقدت مسابقة بين المتطوعين، وعين منهم خمسون على التدريس منذ عام ١٩٢٨, وهم يتقاضون أجرًا ثابتًا قدره خمسمائة فرنك في الشهر. وقد حددت أجور مدرسى الطبقة الثانية منذ أول يناير سنة ١٩٣١ بـ ١٣.٠٠٠ فرنك في السنة، ومدرسى الطبقة الأولى بـ ١٦.٠٠٠ فرنك في السنة، وتضمنت ميزانية الدولة التونسية منذ عام ١٩٢٤ اعتمادًا للمسجد الجامع. وأخذ هذا الاعتماد يزيد باستمرار فارتفع من ٥٠.٠٠٠ فرنك في السنة الأولى إلى ٢٥٠.٠٠٠ فرنك في سنة ١٩٢٧ إلى ٧٧٠.٠٠٠ فرنك في سنة ١٩٣٠.
وقد أثار النظام الذي وضع حديثًا للعدول احتجاج الطلبة الشديد لأنه لم يعد يسمح لهم بالإنخراط في مهنتهم دون قيد، أضف إلى ذلك أن دراستهم في المسجد الجامع لا تمكنهم من النجاح في امتحان العدول الجديد من غير أن يستعدوا له. ومن ثم قامت مسألة إصلاح التعليم الدينى من جميع نواحيها أو - على الأقل - إدخال الدراسة القانونية الحديثة إلى المسجد الجامع. وقد شكلت الحكومة في ديسمبر عام ١٩٢٩ هيئة لبحث أسباب الإصلاح، وهي تجاهد لوضع خطته.
وفهرس المكتبة باللغة العربية بسبيل الطبع الآن. وقد نشره بالفرنسية ب. روى B. Roy وبل خوجه (تونس سنة ١٩٠٠) إلَّا أنه ناقص.
стр. 2502
التعليم الحديث: تقوم الكلية الصادقية - التي بلغ عدد طلابها ٤١٧ ما بين عامي ١٩٢٨ و ١٩٢٩ - بالتعليم بالفرنسية والعربية، وهي تعد طلابها للأعمال الإدارية. وتقبل ناشئة المسلمين إقبالا متزايدًا على المدارس الفرنسية، وهي مدارس ابتدائية من بينها مدارس فرنسية عربية ومدارس للبنات المسلمات (- Revue du monde mu sulman) جـ ٦, ١٢٣ - ١٢٦) ثم مدارس ثانوية تفتح أبوابها للجميع. وفي ٣١ ديسمبر عام ١٩٢٨ (, Statistique ge nerale de la Tunisie عام ١٩٢٨) بلغ عدد من أرسله الأهالى المسلمون من الطلبة إلى المدارس الابتدائية الفرنسية في القطر التونسى ٢٥, ٨٧٦ طالبًا و ٢, ٩٣٠ طالبة يضاف إلى ذلك ٦٧ طالبًا و ٦١٧ طالبة في المدارس الخاصة و ٣٩٥ طالبًا إلى ليسيه كارنو Lycee Carrot من مجموع طلبتها البالغ عددهم ٢٠٠٠، أما عدد الطلبة المسلمات في ليسيه البنات فثمان وعشرون فقط من مجموع ١٢٠٠ طالبة. وفي معاهد العلم الأخرى بتونس ٤٦١ طالبًا مسلمًا (College Alaoui - Ecole normale d'Instituteurs, Ecole pro (fessionnelle E. Loubet
وثمت مدرسة عالية في تونس للغة العربية وأدبها Ecole superieure de (langue et literature Arabes وهي تمنح الناجح في امتحانها من الأوربيين إجازة في العربية الدارجة وأخرى في العربية الفصحى، ودبلومًا عاليًا في اللغة العربية لطلبتها سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.
وقد أنشئت في رعاية المقيمية جمعية إسلامية تعرف بالخلدونية، وهي تعد لأعضائها البالغ عددهم ما يقرب من مائتين من الشبان دروسًا عامة بالعربية في مختلف العلوم.
ثم إن إدارة العدلية في تونس تلقى دروسًا في القانون بالعربية لإعداد الأهلين للمهن القانونية.
المصادر:
L n citnation des cultes en: R.Darman en Tunisie, الطبعة الثانية، باريس سنة ١٩٣٠:
стр. 2503
٥ - السكان
أ- شعوبها: في ولاية تونس عدا المسلمين واليهود من أهلها عدد من الأوربيين يتزايد لكثرة الإيطاليين المهاجرين إليها ولحماية الفرنسيين لها. وقد بلغ عدد سكانها في إحصاء عام ١٩٢٦: ٢.١٥٩.٧٠٨ نسمة بواقع ٣.١٧ لكل كيلو متر مربع، منهم ١.٩٣٢.١٨٤ مسلمون و ٥٤.٢٤٣ يهود تونسيون، ولا يدخل في ذلك اليهود الذين تجنسوا بجنسية أوربية: ويبلغ عدد الأوربيين ١٧٣.٢٨١، منهم ٧١.٠٢٠ فرنسيون (٤١ %) و ٨٩.٢١٦ إيطاليون (٥١.٥ %) و ٨.٣٩٦ مالطيون من رعايا إنكلترة (٤.٨ %) و ٤.٦٤٩ من جنسيات أوربية مختلفة أخرى (٢.٧ %). ويشتغل الإيطاليون - وقد وفد معظمهم من صقلية وسردينيا- بنائين ومعدنين (الكاف) في الغالب على أنهم يشتغلون أيضًا بالزراعة وفلاحة الكروم (في باجة ومجاز الباب وقرنبالية وزغوان).
أما الفرنسيون فمعظمهم من عمال الحكومة والتجار أو المستعمرين.
وجل الأوربيين في منطقة تونس (١٠٣.٠٠٠ أي ٦٠ %) وفي بعض المدن التي على الساحل، فمنهم حوالي ٦.٧٠٠ في بنزرت و ٤.١٥٠ في فريفيل و ٦.٩٠٠ في سوسة ومثل هذا العدد في صفاقس. وأكثر من نصف اليهود التونسيين في منطقة مدينة تونس (٢٨.١٤١) ويبلغ عددهم في سوسة ما يربو على ٣.٧٠٠ نسمة وما يقرب من ٣.٣٠٠ منهم في صفاقس. ولا يقل عددهم عن ذلك في بنزرت وباجة ونابل، وهم قلة في داخل البلاد (منهم طائفة قليلة تعرف بـ "باحوصيم" تعيش في خيام تجاه السرس) ومنهم جماعات لا يستهان بها في الجنوب، فيبلغون في قابس ما يقرب من ٢.٥٠٠ نسمة، وفي حومة السوق من أعمال جربة ما يقرب من ٣.٨٠٠ نسمة من مجموع سكانها البالغ عددهم ٤.٦٤٥, أما في المناطق العسكرية فيربون على ٢.٥٠٠.
وفي القطر التونسى اثنتا عشرة مدينة يزيد عدد سكان كل منها على العشرة آلاف نفس، ويستثنى من ذلك
стр. 2504
القصبة وهي مدينة تونس ويبلغ عدد سكانها ١٧٥.٤٦٦. وهذه المدن هي:
صفاقس ٢٧.٧٣٣ سوسة ٢١.٢٩٨
بنزرت ٢٠.٥٩٣ القيروان ١٩.٤٢٦
مساكن ١٦.٦٢٠ قابس ١٥.١١٩
نفطة ١٣.٢٥٠ مكنين ١٣.١٩١
القلعة الكبيرة ١١.٨٣٠ توزر ١١.٠٥٦
باجة ١٠.٤٦٨
ونذكر في هذا المقام أن مساكن والقلعة الكبيرة - وكلتاهما في منطقة الساحل - إنما يسكنهما المسلمون.
ب- القبائل: لا نستطيع بما بلغ إليه علمنا أن نلم إلمامًا دقيقًا بتطور الشعوب الإسلامية في القطر التونسى، وحتى إذا تجاوزنا عن الحواضر والأماكن المكتظة بالسكان أكثر من غيرها (نواحى بنزرت وباجة وسوسة) وفيها أخلاط شتى متمازجة، فإن تكوين القبائل الكبيرة - وقد كانت شخصيتها متميزة واضحة في عهود مختلفة من تاريخ القطر التونسى - غامض مستغلق، ونحن نجهل أصول كثير منها، بل إن اختفاءها لا يخلو من الإبهام في كثير من الأحيان.
ظل عدد الجند العرب أمدًا طويلا اقل من أن يحدث في الجمع البربرى القديم تغييرًا فعالًا، ولكن طرأ عامل جديد عظيم الخطر في منتصف القرن الحادي عشر الميلادي إلَّا وهو غزوة العرب من بنى هلال ثم تبعهم بنو سليم في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. فقد طرد هؤلاء جل البربر إلى النجاد وسكنوا السهول وأتموا تعريب البلاد. نعم إن هؤلاء العرب كانوا كثيرًا ما يمتزجون بجماعات من أهل البلاد إلَّا أنهم أخضعوهم لسلطانهم إخضاعًا تامًّا. فعز علينا اليوم أن نميز القبائل العربية من القبائل البربرية بحال. وغاية ما نستطيع أن نقوله إن القطر التونسى - على الجملة - أكثر أقاليم شمالي إفريقية استعرابًا.
ويذكر ابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي شيئًا عن البربر الذين بقوا، فطائفة منهم تعيش في جزيرة جربة (خارجى جرابة) وفي جبال الجنوب، واللواتة (hist. des berbers الترجمة جـ ١، ٢٣٥) إلى الجنوب من قابس في الجبل المنسوب إليهم. ومطماطة (المصدر نفسه، جـ ١، ص
стр. 2505
٢٤٦) في الناحية التي ما زالوا يسكنونها، والزناتة وقد طردوا من طرابلس فالتجئوا إلى جبل دمِّر. وأهم جماعة فيهم حلف وَرْغَمَةً (المصدر نفسه)، وثمت زناتة آخرون هم بنو ورتاجين (المصدر نفسه جـ ٣، ص ٣٠٤) وقد عززوا استقلالهم في واحة الحمة أما المرَنَجيسةَ من الإفرانية (المصدر نفسه، جـ ١ ص ٢٢٥ - ٢٢٦) وكانوا أشبه بالمزارعين ورعاة الأغنام فيما بين تونس والقيروان، فقد تعرضوا لبطش عرب الكعوب. وما تزال بقية من السماتةَ (المصدر نفسه جـ ١، ص ٢٣١) بالقرب من القيروان، وأكثر جماعات البربر تماسكا من الهوارة (المصدر نفسه، جـ ١، ص ٢٧٨ - ٢٧٩) وبعضهم بدو، وهم يسكنون التل الكبير، فالوَنيفَن التبسئون ينزلون مَرْماجنَةَّ، وهي بَرْماجنَةَ الحالية دون شك، والقيصر بين قصور إبة والأربس، والبَصْوَة التبرسقيون على الجوكر. على أن البَصْوةَ كان قد دخل فيهم فريق من عرب بنى رياح، وهم جيران أقاربهم بنو حبيب، وكذلك حدث في جبال الشمال أن امتزج بنو هذيل من عرب مضر في قبيلة سليم من الهوارة.
وقد أوغل بنو هلال - وهم من العرب الفاتحين - غربًا، فلم يتركوا في إفريقية إلَّا قلة من بنى زُغبْة بقوا بالقرب من تونس. أما بنو عوف، وهم من بنى سليم، فقدسكنوا كمانتبين من رحلة التيجانى بين عامي ١٣٠٦, و ١٣٠٩ هـ كل الأقليم الذي على الساحل الشرقي. فنزل الدَلأج ما بين نابل وسوسة، ثم نزل الحكيم البقعة التي تمتد إلى الجمِ، ثم انضم إليهم الطُرود، ثم نزح هؤلاء نحو ورجلا ونزل بنو على أهل الحصن البقعة التي تمتد إلى المباركة. وكان يسيطر على الساحل أقاربهم وسادتهم الكعوب. وقد كان لفريقيهم (صف) المتنافسين أولاد مهلهل وأولاد أبي الليل شأن خطير في سياسة الحفصيين، وقد أجاد مارسيه G.Marcais في إبراز هذا الشأن. وفي الربيع والصيف حلت مرداس بن عوف في انتظام محل الكعوب في الجريد، وهي الأحياء التي كان يشتى فيها هؤلاء. ثم إن السهول الجنوبية ابتداء
стр. 2506
من المباركة كان يسكنها الدَباب، وهم فريق آخر من سليم. فأولاد أحمد منهم نزلوا في الداخل يشد أزرهم حلف بنى يزيد (صَهْبةَ وحمَارْنَة وخَرْجَة وأصابعَة) وشريد وزُغْب: ما على الساحلَ فقد نزل النوائل البقعة الممتدة إلى قفصة ونزل المحاميد من حلف وَشاح حتى حدود طرابلس الحالية.
وقد عادت بعض هذه الأسماء إلى الظهور في رسالة مندوزا - B. de Men doza التي ألفها عام ١٣٥٦ بعنوان Les Arabes du royaume de Tunis (نشرها La Primaudiae) وكان بنو على، وهم أقوى هؤلاء جميعًا، متفرقين في ذلك الوقت كما ذكر الحسن بن محمد الوزان الزياتى على الساحل بين بنزرت وجربة. فكان أولاد أبي الليل في ناحية ماطر وباجة. وأولاد مهلهل، الذين دخل فيهم أولاد عون، بين القيروان وباجة. وكان إلى جانب هؤلاء أولاد سعيد وهم قوم يخشى بأسهم ولا نعرف أصلهم. وقد امتدت ديارهم من المنستير إلى داخل رأس أدار، وسكن أولاد يحيى إقليم تبرسق. وسكن الحنانشة، ولعلهم من الهوارة، بالقرب من تبسة. وقد ظل شيوخهم يبسطون سلطانهم السياسي أمدًا طويلًا من حصنهم قلعة السنان (Les Harar, ... Revue Aft: Feraud سنة ١٨٧٤).
وبقيت أسماء القبائل القديمة في كثير من الأحيان، على الرغم من أن هذه القبائل كانت قد اختلطت اختلاطًا عظيمًا وباد منها الكثير ففي الجنوب حيث يغلب البربر لا نزال نجد سكان الكهوف المطماطة والوَرْغَمةَّ، وقد استردت قبائلهم السهول: فعَكّارة جرجيس الذين يعيشون في المضارب من فبراير إلى يونية يحصدون الشعير ويرعون قطعانهم وماشيتهم؛ والتَوازين، وكانوا من قبل بدوا، يميلون اليوم إلى الاستقرار في ناحية مدَنين وبن جَرْدان الكثيرة البساتين، والجبلية يسكنون قرى النجاد في ملحق تيطاوين. أما الودرنة فبعضهم حضر وبعضهم بدو. وتعرف شياختان باسم لواته في قائديتَىْ عون الغربية وبنزرت. وتضم قبيلة ونَيفَن في اللر المرتفع تجاه الجزائر عدة قبائل منها الوَرْغَمْة (ورد
стр. 2507
هذا الاسم في العبر، الترجمة، جـ ١؛ ص ٢٧٥) لم يكن الوَشتْاتة الذين يسكنون الآن حول باجة وسوق الأربعاء مجهولين لدى ابن خلدون (المصدر نفسه) وهم ينزلون الآن الساحل الشمالي شأنهم في ذلك شأن النَفْزَة (جـ ١، ص ١٨٢، ٢٩٠).
وما زال عدد لا بأس به من أسماء قبائل القرون الوسطى العربية الأصل باقيًا في الجنوب.
نعم طرد النوائل والمحاميد إلى طرابلس على إثر كرة الورغمة إلَّا أن الدَباب المتبربرين كانوا شياخة في ملحق تيطاوين كما أن بنى زيد (= يزيد) وكان لهم شأن، ما زالوا متبدين هم والحَمَارنة بالقرب من قابس، وما برح فريق منهم يتخذون اسم الخرجة. ثم إن ثمت قبائل متفرقة آخذة في النقصان نسبت إليها شياخات، مثل الهدَلِ أي بنو هذيل (قائدية عين درهم) والطُرود (بنزرت) والحكيم (سوق الأربعاء) واولاد المهلهل (أولاد أَيَر) وأولاد الحاج من الكعوب (الجلاص، العبر، الترجمة، جـ ١, ص ١٤٣). وما زال كثير من أولاد بنى الليل باقين في سهل باجة وكثير من بنى رياح بالقرب من زغوان. ولم ينزل الخُمَير جبال الشمال الغربي غير بعيد من المقعد، وفي اسمهم الجرس العربي، إلَّا في القرن السابع عشر، ونزل بنو دريد بوصفهم قبيلة من قبائل مخزن السرس وما حوله، وهم فرع من بنى أثْبَج بن هلال الذين نزلوا أمدًا فيما وراء تخوم الجزائر. وذكر ابن خلدون النَفّاث الذين يعيشون على ساحل صفاقس من بين العرب (العبر، الترجمة جـ ٢، ص ١٠١, ٢٩٠).
ومن القبائل التي ذكرت في العهد الحفصى المتأخر بعض من أولاد يحيى بقوا في قائدية تبرسق، وأولاد سعيد وهم مشتتون، ولكن قصبتهم في منطقة أنْفدا، وأولاد عون قائدية بأسرها حول سِليانة شمالي شرقي مكثر.
والقبائل في الوقت الحالى مخللطة ونحن نختتم بذكر ما له شأن منها وإن كنا لم نتثبت قط من أصله، اللهم إلَّا ما
стр. 2508
كان من المرابطين: فالمثاليث والعَقَاربة والمَهْذَبَة غير بعيد من الشاطئ إلى الجمِ حتى شمالي قابس، والماجرِ والهَمَامَة في الداخل ينزلون الفيافى في السواسى وجلاص والفراشيش، وهم يكونون عددًا مماثلًا من القائديات. وفي التل المرتفع الوَرْتان وأولاد عيّار والقوازين. وينزل الغريب والمرازيق والعذارة وأولاد يعقوب في نفزاوة وصحراء تونس.
جـ- حياة الأهلين الاقتصادية: من الجلى أن حياة البداوة مشرفة على الزوال في القطر التونسى. ولم يعد الأهالى يقبلون على الهجرة أو يهاجرون زرافات (سَمْلسَ) إلَّا في سنى الضيق والبلاء. وجرت القبائل على الإقامة، ولا يظعن منها إلَّا نفر من الرعاة يسوقون قطعانهم. وإنما تنتقل الأنعام دون غيرها فتشتى في الفيافى وتصيف في التل. ويغلب أن يكون ذلك بطريق ممر سبَيبة والكاف. ويجنح المهاجرون إلى الإقامة في سهل قَمودة ردحًا من الزمن: والمثاليث هم وحدهم الذين يرحلون صيفا حتى بنزرت وجلاص والسواسى دمالى جوار باجة: وما زال قوم من البدو يسكنون بطبيعة الحال نفزاوة وصحراء تونس.
وتسير حكومة الحماية في غير تراخ على خطة حث السكان على الاستقرار، فتيسر لهم الحصول على الأراضي وتوجه جهودهم إلى الزراعة.
وكان في تونس من قديم عهد (الخمَاسَة) نظمه "قانون الفلاحة" الذي أصدره خير الدين عام ١٢٩١ هـ (انظر المصادر في Takrouna: G.Marais ص ٢٥٢)، ثم تهيأت الأسباب لتطبيق عهد (المغارسة) عندما أخذت الحكومة تبيع بالنسيئة الأراضي السبخة في دائرة قطرها ٥٠ ميلا تقريبًا حول صفاقس وهنشير شراحيل بالقرب من القيروان وهي أراض صالحة لنمو الزيتون (مرسوما ١٨٩٢, ١٩٠٥). ويقضى عهد المغارسة بأن المزارع من الأهالى الذي يتعهد بزرع كل القطعة الممنوحة له زيتونًا يصبح مالكًا لنصفها عندما تبدأ الأشجار في الإثمار. أما تشريع
стр. 2509
الحبوس الجديد فقد مكن أسرًا من الأهلين من الاستقرار في الأرض وقرر حقهم في الإقامة فيها قانونًا (أحدث مرسوم هو مرسوم ١٧ يونية سنة ١٩٢٦). وتخضع أراضى القبائل الجماعية في المناطق العسكرية الجنوبية لنظام خاص سنه مرسوم ٢٣ ديسمبر سنة ١٩١٨ وعدل بمرسوم ١٩٢٦. وكل مجموعة أو طائفة من الأراضي وحدة يمثلها مجلس من الأعيان. وفي حاضرة كل قائدية مجلس على يتولى شئونها، وسلطته محلية، ويراجع قراراته مجلس مركزى في تونس، ولا مناص من الرجوع إلى أحد هذه المجالس إذا ما تغيرت ملكية الأرض) وأجرت لأجل طويل أو ما شابه ذلك، فهي تحمى ملكية الأهلين، ثم إن الزراعة تقدمت من نواحيها الفنية منذ الاحتلال، ويدين له المزارع التونسى فوق ذلك بتمكينه من تأليف الجمعيات الزراعية (مرسوم ٢٥ مايو سنة ١٩٢٠) وتوزيع الأراضي الزراعية على الفلاحين الوطنيين وإنشاء الغرف الوطنية للزراعة، وإقامة مكتب عام للتسليف الزراعى لمصلحة الأهلين (مرسوم ١٠ يونية سنة ١٩٢٥).
وفيما يلي بيان بعدد الأنعام التي كان يملكها الوطنيون والأوربيون عام ١٩٢٨:
الوطنيون == الأوربيون
الخيل ٧٧.٠٠٠ == ١٠.٥٠٠
الحمير ١٥٧.٠٠٠ == ٢.٥٠٠
البغال ٢٨.٥٠٠ == ١١.٥٠٠
الماشية ٤٣٠.٠٠٠ == ٥٥.٠٠٠
الأغنام ٢.٠٠٠.٠٠٠ == ١٠٣.٥٠٠
الماعز ١.٢٦٠.٠٠٠ == ٣٠.٥٠٠
الخنازير ٠٦٦.٠٠٠ == ١٣.٠٠٠
الإبل ١٥١.٥٠ == ٣٠٠
وللوطنيين حوالي ٩ ملايين شجرة زيتون تؤدى عنها الضرائب و ٤.٨٠٠.٠٠٠٠ معفاة منها، وللأوربيين من الأولى ٨٧٨.٠٠٠ ومن الثانية ١.١٠٠.٠٠٠، ونذكر أيضًا أن معاش آلاف من الأهلين من صيد السمك. وتختفى المضارب في أنحاء القطر التونسى ويحل محلها الـ"كربى" ويدل هذا دلالة بينة على أن الناس أخذوا في الاستقرار وأوشكوا أن يقيموا لأنفسهم
стр. 2510
بيوتًا. وفي الجنوب نوعان متميزان من المساكن، الأول تحت الأرض وهو لأصحاب الكهوف ويبلغ في نواحى مطماطة ومدنين وتيطاوين نيفا وسبعة آلاف وخمسمائة مسكن. والثاني الغرفة أو القصور وهي بنىَ على هيئة السفينة مقوسة الجوانب طَويلة ضيقة قميئة تستعمل مخازن، وخير الشواهد عليها في مدنين ومتامر. وعدد من يسكنون المدن من الأهالى كبير إلى حد ما، فهو يبلغ ١٨ % من السكان. وقد اشتهر القطر التونسى في جميع أدوار تاريخه بازدهار العمران. أما المسلمون في تونس من غير أهل البلاد، وهم يعرفون بالبَرّانيه فجماعات متفرقة.
والتجارة الوطنية آخذة بأسباب التجديد، ومن أعظم ما بلغته في هذا المضمار إنشاؤها جمعية تعاونية لئدالى جربة، وهم طوائف كثيرة في تونس، أما الصناعات الوطنية فقد ظلت أمدًا طويلا تقاسى من منافسة الصناعات الأوربية لها منافسة شديدة. والحق إن الحكومة لم تدخر وسعًا في النهوض بها وبخاصة ما كان منها ذا قيمة فنية. فأنشئت لهذا الغرض معاهد لتدريب الصناع تدريبًا منظمًا، ووجهت عنايتها إلى النهوض بأسباب الصناعة فنيًا وآليًا. وأهم الصناعات القديمة في تونس فيما خلا الطحين وعصر الزيت وصناعة الصابون: الصباغة، وهي مهددة الآن باستيراد أصباغ الأنيلين من أوربا ونسج الصوف في نواح شتى، كالأحرام في جربة وقفصة وفي الجريد، ونسج القطن في تونس والحرير في تونس وقصر هلال وصوف الماعز والإبل في الجنوب وصناعة البسط على يد النساء وبخاصة في القيروان والشاهى في تونس، ويصنع بدولاب القصار في البَثَن والقيشانى في نابل. ونذكر أيضًا صناعة الغرابيل في تونس والقيروان وسوسة، والحصر والسلال والحلفاء في نابل، والدباغة وصناعة الأحذية في تونس والقيروان ونابل، وصناعة السروج في تونس، وصناعة السكاكين والصناعات المعدنية والحجرية والخشبية. أما السمكرية فكلهم يهود وكذلك بعض صناع الأحذية وكثير من الخياطين وجل الصياغ.
стр. 2511
وقد نظمت نقابات ذوي الحرف بمراسيم أصدرها الباى، وأهم نقابة في تونس هي نقابة صناع الشواشى وأصلها أسبانى، وقد يقبل هؤلاء اليهود ولكن أمينهم لا يكون إلَّا مسلمًا، ولهم مال احتياطى. ويقر مرسوم من الباى نيشانهم أي علامتهم التجارية. ولا تزال صناعة الشواشى على ما كانت عليه منذ ٢٥ أو ثلاثين سنة على الرغم من منافسة الشواشى المستوردة من فرنسا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا لها وانعدام السوق التركى، ذلك أن ما يصنع منها يبلغ ٥٠.٠٠٠ كيلو جرامًا يصدر حوالي نصفها.
وفيما يلي بيان بنقابات تونس، طبقًا للإحصاء الذي أعدته إدارة الزراعة:
رؤساء العمل == العمال
صناع الشواشى ٢٠٠ == ٦٠٠
الخياطون ٦٠ == ١٠٠
صناع البرانس ١٢٠ == ١٥٠
الطحان ١٠ == ٤٠
غزال الحرير ٣٠٠ == ١٢٠٠
نساج القطن ١٠٠ == ٣٠٠
الصباغون ٣٠ == ٤٥
صناع الأحذية ٢٠٠ == ٣٠٠
صناع السروج والجلود ٢٠ == ٧٠
الجواهرية والصياغ ٤٥ == ٧٠
النجارون ٩٠ == ١٢٥
الحدادون ٢٠ == ٣٥
الرسامون والمزخرفون ١٠٠ == ٢٣٠
الدباغون ٢٥ == ٤٥
وعدد رؤساء العمل والعمال مجتمعين حوالي ٤٦٣٠ فقط.
المصادر:
(١) Nomenclature et repartition des tribus de la Tunisie شالون- ساون سنة ١٩٠٠.
(٢) Notes sur les tribus de la Regence في Revue Tunisienne سنة ١٩٠٢.
(٣) Statistique generale de la Tunisie ١٩٢٨, An , تونس سنة ١٩٢٩.
(٤) Recherches: Bertholon & Chantre -anthropologique dans la Berberie orien tale، ليون سنة ١٩١٣.
(٥) عبد الوهاب: Coup d`oeil general - sur les apports ethnique etrangers en Tu nisienne , في Revue Tunisienne, سنة ١٩١٧.
стр. 2512
(٦) L`evrerie algerienne et: Eudel tunisienne. الجزائر سنة ١٩٠٢.
(٧) Les corporations tu-: Atger , nisienne.i باريس سنة ١٩٠٩.
(٨) L'evolution: Bernard & Lacroix du nomadisme en Algerie، في مواضع مختلفة منه، الجزائر - باريس سنة ١٩٠٦.
(٩) L'Agriculture in-: Decker-David digene en Tunisie، تونس سنة ١٩١٢.
(١٠) L'Evolution economique: Mzali , de la Tunis تونس سنة ١٩١٢.
(١١) Enquete sur: Aug. Bernard l'habitation rurale des indigenes de la Tu- .nisie تونس سنة ١٩٢٤.
(١٢) Essai sur la politique: Sultan , fonciere en Tunisie ثم باريس سنة ١٩٣٠.
٦ - اللغة
أ- البربريه: اندثرت اللهجات البربرية في القطر التونسى أو كادت. وإنما يوجد من يتكلمونها في ناحية سند من أعمال قائدية قفصة، وقد درس بروفوتل لهجة هؤلاء في تمزرد بين مطماطة، وفي جزيرة جربة حيث بقيت في كلام النساء خاصة بعض التعابير القديمة.
ب- لغة الكلام العربية: نخلص من هذا إلى أن استعراب تونس من حيث اللغة قد تم بالفعل، ولكنه جرى في اتجاهات لا نعرف تفصيلاتها. وقد يرى مارسيه أنه تم في الساحل على الأقل بسرعة أكثر مما كان يظن جمهور الناس. وكانت الحواضر - سوسة والمنستير والمهدية، قبل قدوم بنى هلال وبنى سليم في القرن الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر - مراكز للتعريب دائمة تنشر بين فلاحى النواحى المجاورة لغتها، ثم تحورت هذه اللغة بفعل هؤلاء الفلاحين فنشأت لهجات ريفية شتى. وتختلف لهجات البدو -كما لاحظ ابن خلدون - من لغة الحضر العربية في حروفها وقواعدها كما تختلف أيضًا من لغة الساحل.
وقد أشار فون ملتزن (Von Malt ٧ en: Zeitschr d. Deutsch Morgenl Gesells ص ٦٥٥ - ٦٥٦) إلى أن اللغة العربية التي يتحدث بها أهل تونس قد حافظت على
стр. 2513
كثير من الحروف القديمة محافظة لا نجدها في أي قطر مغربى آخر. وكل ما نلاحظه أنهم أدغموا الضاد في الظاء فأصبح كلاهما ينطق نطق الحرف الممدود المفخم الخارج من بين الثنايا. أما القاف فينطق نطق الحرف الخارج من أقصى الحلق (ك) في الكلمات المستعارة مثل سيكرو وكمرك أو يتأثر في نطقه باللهجات البدوية مثل بكرة وناكة. أما حرف الجيم الحلقى (بالفرنسية j) فينطق بعد الأداة نطق الحرف الشمسى ويميلون به نحو الزاى في الكلمات التي فيها هذا الصوت بالفعل (مثل جوز< زوز). ويؤثر الخلط الذي يبدو عند استعمال الحروف اللينة ل، ر، ن في الكلمات المستعارة تأثيرًا قد لايتعداها إلى غيرها.
واختفى التنوين إلَّا في بعض الصيغ النادرة. وقد ترك أثرًا في بعض الظروف حيث بقيت الحركة التي في آخرها بل مدت أحيانًا مثل دائما> ديمه، ديما.
ولمارسيه W. Marcais ملاحظة دقيقة على لغة الكلام في تاكرونة، وما زالت هذه الملاحظة الثبت المرضى الوحيد للحركات التونسية. والتونسيون قليلو الرعاية للحركات. إلَّا أن إهمالها أو إضعافها لم يبلغ ما بلغه في المغرب الأقصى بحال. فهم ييسرون النطق في بعض الأحوال باصطناع أصوات بين بين أو حركات ثانوية بالغة القصر وبخاصة قبل الحروف الحلقية المسبوقة بـ "ى" أو "و" مثل بتح حاتوف العبرية. ولا يغيب عن بالنا أن النساء في تونس قد احتفظن بحروف العلة القديمة المدغمة أي، أوْ. أما الرجال فقد قصروهما على أي، أوْ. وتردهما لهجات البدو إلى ى, وولكن بعضهم يصطنع حرف علة حركة أخرى بالغة القصر i و u. وبعض البدو يميلون الهمزة الممدودة المفتوحة e > a يضمونها ضمًا شديدًا. وينطق المتعلمون الكسرة كالياء في المقطع المفتوح ولكنهم ينطقونها كالحركة e الفرنسية أو يكادون في المقطع المضموم.
وقد وضع شتمه Stumme .h القواعد الآتية للحركات، وهو الذي زودنا ببيان مفصل عن التراكيب العربية التونسية: إذا كانت الكلمة منتهية بساكنين أو بساكن مسبوق بحركة ممدودة فإن
стр. 2514
النبرة تكون على المقطع الأخير. أما في الأحوال الأخرى فتقع النبرة على المقطع السابق للأخير إذا كان هذا ممدودًا أو مضمومًا، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك وقعت على المقطع الأول. ويشذ عن ذلك صيغة الفعل يَفْعَلُ بدلًا من يفعلو وفَعْلَ بدلًا من فَعَلَ وهي صيغة فعلية وإسمية في آن. فالنبرة تردّ من المقطع الأخير إلى الذي قبله إذا كان المقطع الأول للكلمة التالية منبورًا.
ويبدو في الصرف بطبيعة الحال السمات الأصلية للهجات المغرب. وتبدل نفعل بنفعلو للمتكلم في حالة الفعل الذي لا يدل على زمن معين. ولنولدكه إشارات قلائل في الإعراب.
أما من حيث المفردات فقد استعارت اللغة من التركية والإيطالية، وهي تستزيد من الكلمات الفرنسية كل يوم. ولكن اللغة الفرنسية تؤثر في لغة يهود العرب أكثر، ولربما أندثرت من غير أن تدرس.
جـ- الصحف الوطنية: كان نشر الصحف محرمًا في القطر التونسى منذ أمد طويل. وحتى الطباعة وتجارة الكتب كانتا مقيدتين، تخضعان للرقابة الإدارية التي سنت عام ١٨٧٥ بمقتضى المرسوم الخاص بالتعليم في المسجد الجامع. وأخذ الرائد الرسمى التونسى يزود الناس بقدر من الأخبار منذ عام ١٨٨٣. ومعظمها إدارى، إلَّا أنه كان يسمح بنشر مواد أخرى، وقد جاء في خطاب مودع بمحفوظات الحكومة التونسية أرسلته هذه الحكومة إلى قنصل السويد بأنه كان في النية إصدار الرائد التونسى إبتداء من ١٧ يناير سنة ١٨٨٣. ولكننا لا نستبين من هذه الوثائق أن ذلك قد حدث فعلًا. وقد صدر مرسوم خاص بالصحف تاريخه ١٤ أكتوبر سنة ١٨٨٤ ثم صدر مرسوم آخر في ١٦ أغسطس سنة ١٨٨٧ عدل بعد ذلك مرارًا، وقد أباح كل من المرسومين - وبخاصة الثاني، وهو أكثر من الأول سماحة - قيام صحف فرنسية وإيطالية وعربية في القطر التونسى. فظهرت ما بين عامي ١٨٨٨ - ١٨٨٩ الصحيفتان اليوميتان العربيتان "الحاضرة" لبو شوشة و"الزهرة" للشاذلى. وما زالت الزهرة تصدر إلى اليوم، وهي تعد الآن من
стр. 2515
الجرائد المحافظة وإن عدت في أول أمرها من السابقات إلى التجديد. وأهم الجرائد إلى جانب هذه: "النهضة" وهي تصدر كل يوم ما عدا يوم الاثنين. وجل الصحف العربية في الوقت الحالى أسبوعية: كالزمان وتنطق بلسان الأحرار، ولسان الشعب والصواب، وكلتاهما وطنية النزعة وبخاصة الأولى، والنديم وهي أدبية انتقادية يقدرها الناس كثيرًا. ثم الجريدة الفكاهية الزهور وهي تسمح بنشر أنهر باللغة العامية. والوزير، والمفروض أنها شهرية مثلها في ذلك مثل المنير التي تصدر في غير نظام. وقد ظهرت حديثًا مجلة شهرية مصورة تتناول التاريخ والأدب وهي العالم الأدبى. ولكن أوسع الجرائد العربية انتشارًا في تونس هي تلك التي تفد من مصر، وبخاصة السياسة. وتقتصر الجريدة الرسمية التي تصدر منها نسخة فرنسية منذ عام ١٨٨٣ على نشر بعض الوثائق ذات الصفة الرسمية مرتين كل أسبوع. ثم إن في تونس ضربًا من الجرائد بالتقويم أشبه مثل الرزنامة التونسية وقد ظهرت من عام ١٨٩٩ إلى عام ١٩٢١, وحلت محلها جريدة سنوية مقصورة أو تكاد على الشئون الإدارية، وهي التقويم التونسى.
وجدير بنا أن نشير إلى الجهود الفاشلة التي بذلت لإنشاء صحافة عربية محلية في صفاقس كالعصر الجديد أو في القيروان كصحيفة القيروان. على أن طائفة من المسلمين نجحوا في إصدار صحيفة أسبوعية صغيرة بالفرنسية في صفاقس وهي صحيفة Tunisie Nouvelle لزهير عيادى. وأنشأ باش حانبا في تونس حوالي عام ١٩١٠ جريدة سماها , Le Tunisien وكان الشاذلى خيرالله يحرر Voix du Tunisien وقد حلت محل Tunisien Etendard وكانت قد خلفت هي أيضًا Liberal. ونشر عبد العزيز لروى جريدة Criossani منذ أغسطس عام ١٩٣٠. وتبدو في هذه الجرائد روح الوطنية التونسية، وهي روح إسلامية خالصة.
وقد جرى اليهود على أن يكون لهم عدد وافر من التواليف والصحف باللغة العبرية العربية مكتوبة بالأحرف العبرية، وقد كتب فاسل E. Vassel،
стр. 2516
تاريخًا لها حتى عام ١٩٠٧, L a Lit-) terature populaires des lsraelites tunisi- tens سنة ١٩٠٥ - ١٩٠٧ م) ولكنهم لا ينشرون الآن بهذه اللغة، فالفرنسية تطغى عليها اللهم إلَّا جريدة الصباح وهي جريدة ضئيلة الشأن لاتصدر بانتظام. وتصدر جرائدهم الأسبوعية الثلاث بالفرنسية وهي الـ Egalite وهي محافظة والـ justice وهي تمثل مختلف الآراء، وأشهرها جميعًا Rbveil Juif وهي صهيونية أسسها فليكس ألوش Felix Allouche في صفاقس عام ١٩٢٤ وانتقلت حديثًا إلى تونس.
المصادر:
(١) البربرية، لهجة مطماطة Maerchen der Berbern von: H. Stumme Tamezrat in sud-Tunisien, ليبسك سنة ١٩٠٠.
(٢) لهجة جربة؛ Basset .R في., journ. As سنة ١٨٩٨.
(٣) de Calassanti-Motyliniski في., journ. As سنة ١٨٩٨.
(٤) لهجة سند Etude sur: provotelle , la Tamazir't .. de Qalaat es-Sened باريس سنة ١٩١١.
(٥) اللغة العربية Tu-: H. Stumme nisiche Maerchen u. Gedicht, ليبسك سنة ١٨٩٣.
(٦) الكاتب نفسه: Tripolit. tunisische Reduinenlieder. ليبسك سنة ١٨٩٤.
(٧) الكاتب نفسه: Neue Tunisische Sammlungen، برلين سنة ١٨٩٦.
(٨) الكاتب نفسه: Grammatik des tu- , nisischen Arabisch ليبسك سنة ١٨٩٦.
(٩) Th. Noeldeke في Wtiner Zeits- fuer die Kunde des Morgenlandes chrift، سنة ١٨٩٤, ص ٢٥٠ - ٢٧١.
(١٠) Aus dem Le-: k. Narbeshuber Sfax ben der arab Bevoelkerung in ليبسك سنة ١٩٠٧.
(١١) Chants arabes du: Sonneck Maghreb, باريس سنة ١٩٠٢ - ١٩٠٧.
(١٢) Textes: W. Marcais & A. Gulga arabes de Takrouna. باريس سنة ١٩٢٥.
[برنشفيك R. Brunschvig]
تونس المعاصرة
لا يستطيع الباحث في تاريخ تونس المعاصرة الاستغناء عن النظر في
стр. 2517
أصول وعوامل قد تبدو بعيدة كل البعد عما يجرى الآن في ذلك القطر الإسلامي الخاضع منذ سنة ١٨٨١ لحكم دولة أوربية حديثة. فالواقع أن الإسلام الذي انتشر في تونس وفي غيرها من أقطار الشرق القديم حل في قطر قديم له وضع جغرافي خاص قد شكله الفينيقيون ثم الرومان تشكيلًا خاصًّا- أصبح القطر إسلاميًا، ولكن القوى الكامنة أو الظاهرة والاتجاهات المستترة أو البارزة استمرت بعد الفتح الإسلامي فعالة قوية التأير. ولا يسعنا في هذا التمهيد الموجز أن نتولى شرح شيء من ذلك، إنما يكفى أن نحيل القارئ على دراسات الأستاذ كوتييه (E.F. Gauite) وبخاصة على كتابه القيم Les Siecles obscurs du Maghreb, Paris ١٩٢٧. في هذا الموضوع.
متى بدأت تونس تتخذ طريقها نحو وضعها المعاصر؟ أو بعبارة أخرى: متى بدأت العوامل الفعالة في تشكيلها بشكلها المألوف لنا؟ نرى أن ذلك كان في القرن العاشر الهجرى عندما امتد نفوذ الدولة العثمانية إلى ذلك القطر. وقد ترتب على ذلك من أول الأمر اتخاذ الأقطار المغربية قاصيها ودانيها التقسيم الجغرافي السياسي المعروف كما ترتب عليه اندماج القطر التونسى في العالم العثمانى بكل ما في هذا من نتائج خطيرة.
وقد تعرضت الأمم العربية والأوربية التي دخلت في نطاق العالم العثمانى لأحداث أكسبتها لونًا من الموحدة التاريخية، كما أن القوة العثمانية حالت بلا شك دون اتصال تلك الأمم بالحضارة الأوربية الناهضة، وإن كان الباحث المنصف لا يستطيع أن يسلم بأن الأوربيين في القرن السادس عشر وما تلاه من الأزمنة كانوا على استعداد لأن يقدموا للمسلمين وللمسيحيين من رعايا السلطان العثمانى ثمرات نهوضهم العلمي هدية خالصة. والمنصف لا يجهل أن تقدم الحضارة الأوربية كان في أغلب الأحايين اسما مرادفًا لما كانت تقوم به الأسرات المالكة في أوربا من الحروب في سبيل المجد، بشد أزر الملوك - ولكن في سبيل المجد الأعلى - رجال الدين، وفي سبيل
стр. 2518
الاستغلال رجال المال. إلَّا أن مايؤخذ على الملدُ العثمانى بحق أنه لم يقم على فكرة سياسية أو إجتماعية جديدة، ولم يفتح لرعاياه العديدين المخللفين بابا لتنظيم علاقاتهم المختلفة على غير ما عرفوا من المبادئ، فضاعت عليهم بذلك الإفادة مما كان للعالم العثمانى من موقع فريد في نوعه، ومن ميزة اشتماله على أمم لها مالها من نصيب كبير في تقدم الإنسانية.
وقد أكسب العهد العثمانى تونس - كما أكسب مصر - عنصرًا حاكمًا جديدًا في بابه، لايقوم على عصبية قبلية أو دينية، ولايدعو لأية فكرة عامة من نوع كان، بل ليس له من هم إلَّا الاستيلاء على أزمة الحكم مستعينًا باعوان على شاكلته. والمتصفح لتاريخ الدايات والبايات والأغوات والأسطوات والرؤساء العثمانيين فيما بين القرنين العاشر والثالث عشر الهجريين لا يمكنه إلَّا الإقرار بما ذهبنا إليه، حقيقة كان من هؤلاء الصالح والطالح، الخير والشرير، ولكنهم - جميعًا - ينطوون على نوع واحد من أنواع السلطان.
وثم اختلاف بين هذين العهدين المضطربين من تاريخ تونس ومصر. ففي الأولى - في تونس - كان بين العنصر الحاكم فيها وأوروبا حرب مستمرة، أما في الثانية - في مصر - فلم يحدث إلَّا ما كان بين الحكام والتجار الأوربيين من سوء العلاقة.
ومما ينبغي أن يعترف به لذلك العنصر العثمانى الحاكم ما توافرت فيه من صفات قوة القلب والرياسة والاضطلاع بمهام الأمور, وهي صفات ملكته رقاب الرعية الكادحة، وجعلت منه الأداة الأولى لتطور تونسى جديد.
وذلك أن الكتخدا حسين بن علي تقلد أمر تونس في سنة ١١١٧ هـ وتمكن من جعل البابية وراثية في بيته - البيت الحسينى - واستمرت فيه. وقد تقدمت تونس على مصر في هذا، فقد تولى محمد على باشوية مصر في ١٢٢٠ هـ وأسس بذلك البيت المحمدى العلوى. وقد نجح البيتان الحسينى والعلوى في تقويض النظام الذي أنبتهما، وحطما العصبيات المسلحة وغير المسلحة التي ترعرعت في ظل السيادة العثمانية،
стр. 2519
وأقاما نظامهما على شبه نظام قومى. فمهدا بذلدُ لنمو قومية تونسية وقومية مصرية بالمعنى الحديث للقومية.
والمتتبع لتاريخ تونس في ظل البيت الحسينى يلحظ مروره بالأدوار الآتية - وهي بصفة عامة شبيهة بالأدوار التي مر فيها التاريخ المصري في القرن التاسع عشر:
أحس أمراء تونس إحساسًا قويًّا بضرورة إنشاء قوة حربية مجهزة تجهيزًا حديثًا، تحل محل العصبيات المسلحة التي يخشونها، وتمكنهم من بسط حكمهم على سائر أجزاء المملكة، وتصون حدودهم. فبدءوا بهذا وفعلوا ما فعله سليم الثالث ومحمود في الدولة العثمانية ومحمد على في مصر.
ثم وجدوا أن هذا يستلزم تنظيمًا جديدًا لشتى المرافق والإدارات، كما أنه يستلزم تنمية الموارد الاقتصادية لزيادة الجباية، ويقضي بإعداد جديد للناشئين.
وقد انبعث من هذه الحركة كل ما واجهته تونس وما تواجهه من مسائل ومشكلات.
من هذه المشكلات ما يرتبط بالعلاقات بين البيت الحاكم والمحكومين، فقد زاد شعور المحكومين بتضامنهم القومى، وبوجوب نيل ما يكفل منع سوء الحكم، ويقى كرامتهم القومية اعتداء الغير، ويضع بلادهم الموضع اللائق بها في مختلف الحركات التي هزت العالم الإسلامي هزات متواصلة، فأدى هذا إلى اكتساب الأمة حقوقًا وضمانات مختلفة، أعمها وأهمها ما اشتمل عليه عهد الأمان الصادر في ١٢٤٧ هـ (١٨٥٧ م). يذكرنا هذا بعهود محمد على باشا وسعيد باشا والخديو إسماعيل المتضمنة حقوقًا وضمانات مختلفة للرعية والمنتهية بقيام المجالس النيابية في عهد إسماعيل وأوائل عهد توفيق. وفي تونس -كما في مصر - لم تتح لأهل البلاد حكامًا ومحكومين فرصة العمل على وضع العلاقة بين الأمة والحكومة على قواعد ثابتة يرتضيها الجميع، بل عقّد الأمر في القطرين التدخل الأجنبي.
ومن هذه المشكلات ما يتعلق بعلاقة الأمراء بالدولة العثمانية، فقد أدرك
стр. 2520
الأمراء إدراكًا تامًّا ما في بقاء إرتباطهم بالدولة العثمانية من منافع، ففي هذا الارتباط شيء من القوة والاطمئنان يقيان بلادهم اكتساح الدول الغربية استقلالهم، كما أنهم شعروا بما يكنه الشعب من تعلق ببيت الخلافة الإسلامية واعتزاز ببقاء الدولة العثمانية دولة قوية مصونة الجانب، وبذلك نفهم لم وضع أمراء تونس مواردهم الحربية والمالية المتواضعة تحت تصرف السلطان في بعض حروبه، ولكنهم كانوا في الوقت نفسه يخشون ما تكنه الدولة العثمانية نحو تونس وغيرها من الأقطار المتمتعة بقدر من الاستقلال الداخلى من نيات، ويحذرون عواقب الغلو في تأكيد التبعية العثمانية مما كان يحملهم من وقت لآخر على مجاراة بعض الدول الغربية عندما كانت تشجعهم على الظهور بمظهر الملوك الهستقلين باستقبالهم في بلادها استقبالات ملوكية، والدخول معهم في مشارطات ومعاقدات تمس جوانب هامة من سلطانهم. ولا يمكن لوم الأمراء على قبول ذلك، فإن سياسة الدولة العثمانية جرت في القرن التاسع عشر على وتيرة حملت الأمراء التونسيين على قبول أي تعضيد أوربى يحول دون تنفيذ الدولة ما تكنه من تقويض استقلال تونس. وما قامت به الدولة العثمانية من عزل الخديو إسماعيل لما فقد التأييد الأوربى، وما قامت به لإفساد الحركة العرابية شاهدان على ما جرت عليه في تونس، وقد وقعت الخسارة على الجميع - ما عدا الدول الأوربية.
ومن المشكلات أيضًا ما يتصل بالعلاقات بالأجانب وبالدول الأوربية. فقد فتح الأمراء الباب واسعًا للأجانب، واستعجلوا النهوض واليسر، فاستقدموا الفنيين الأوربيين يرسمون لهم الخطط ويعاونونهم على تنفيذها، ومكنوا للعقول الأوربية والأموال الأوربية من استخراج خيرات البر والبحر، ويسروا لكل طالب رزق من جزائر البحر المتوسط وسواحله أن يتخذ من تونس وطنًا ثانيًا يتوق لو أنه ألحقه بوطنه الأصلي.
стр. 2521
قويت الجاليات الأجنبية، واصبح للامتيازات الأجنبية من المعاني غير ما كان لها، ومن وراء الجاليات القناصل، ومن وراء القناصل الجيوش والأساطيل، واضحت موارد الأهلين وموارد الحكومة نهبًا لكل طامع.
أما الأموال الأوربية فقد استخدمت فيما هو قائم على أسس اقتصادية سليمة، وفيما هو وهص، وفيما هو غير ذاهب إلَّا لاستكمال أدوات الترف والتقليد الكاذب. والدول الأوربية في مواقفها لحماية تلك الأموال وأصحابها لم تميز بين الحلال فتؤيده والحرام فتستنكره، ولم تتحر عن وجه الحق ووجه الباطل، بل الكل لديها مصلحة قومية تؤيدها بكل ما تستطيع من قوة. وليت الأمر كان عند ذلك الحد، فإن التنافس بين الدول كان عاملا قويًّا في تورط الإمارة التونسية في الكثير من المشروعات الفاسدة، فمثلا إذا نال ماليون من أمة ما امتيازًا بمد سكة حديدية فلا بد أن ينال ماليو أمة أخرى امتيازًا يماثله، وقد لا تكون له ضرورة، وهكذا. والمصرى لا يسعه إلَّا أن يذكر في هذا ماليى مصر سعيد وإسماعيل.
والخلاصة أن الأمراء وضعوا أنفسهم وبلادهم في شراك لم يستطيعوا منها خلاصًا، وكلما امتد بهم الزمن ضاقت عيون الشراك وازدادوا خبالا.
وقد وجد الأمراء في تنافس الدول الأوربية الكبرى أملا في تجنب ضياع استقلال بلادهم، والواقع أنه كان شرًّا عليهم إذ كان مدعاة لمحاولة إرضاء الكل - وفي هذا من تبديد الموارد والحقوق ما فيه، كما كان صارفًا لكل جهود الحكومة التونسية نحو استقراء طوالع الجو السياسي الأوربى علها تهتدى لطريق يقيها الزلل، كما كان مفسدًا لبطانة الأمير، يميل رجل منها لدولة أوربية ما فيصبح رجلها في تونس وينحاز آخر لدولة أخرى فيصبح عدوًا لمواطنه، وهكذا، وقناصل الدول منهم يؤيد مشايعه التونسى، كما يحاول أن يجتذب إلى صفة رجال الحكم التونسيين أو كل ذي حظوة لدى الأمير. وقد اتخذت هذه المحاولات ألوانًا شتى من الترغيب والترهيب، مما أفسد الضمائر والذمم.
стр. 2522
لهذه الأسباب كلها لم تصب المحاولات الدولية لحل مسائل الدّيَن ونظيراتها من المسائل نصيبًا من النجاح، كما كان الحال في مصر، وكيف تنجح وقد تحولت اللجان الدولية لتسوية الديون ومراقبة المالية التونسية ميدانًا جديدًا اشتد فيه النزاع بين ممثلى الدول، بل إن من ممثلى الدول من عمل على فشل الفكرة ليثبت إثباتًا لا يدع محلا لشك أن الإدارة الوطنية قد عجزت عجزًا تاما عن إصلاح المختل من أحوالها، وأن علاج تلك الأحوال بخلق هيئات دولية قد أتى بعكس المقصود منه فأدى إلى تفاقم العلة، والحل الوحيد المجدى إذن هو أن تتولى الأمر كله دولة أوربية.
من تكون تلك الدولة؟ وكيف يمكن أن تتخلى لها الدول الأخرى؟ أذلك مستطاع دون عوض ما في مكان آخر غير تونس؟ واين ذلك المكان أو تلك الأمكنة؟
معنى هذا أنه كان لا بد لتحول الرقابة الأوربية في تونس إلى رقابة دولة واحدة من ظروف أوربية أدت إلى مواجهة مشكلات مستقبل العالم العثمانى كله، إلى وضع المسألة الشرقية - نوا يقولون إذ ذاك - على بساط البحث عندئذ، وعندئذ فقط - تتحتم مواجهة الحقائق، وتبرز القوة أداة للتنفيذ، فيخضع لها من ليس مستعدًا لمواجهتها بقوة تساويها
وقد خلقت الثورات في البلقان ضد الحكم العثمانى والحرب بين الروسيا والدولة العثمانية (١٨٧٧ - ١٨٧٨) هذا الموقف الذي وصفنا، وفي هذا الموقف ولدت حماية فرنسا لتونس، كما ولد أيضًا الاحتلال البريطانى لمصر. وقد بدأ بتلك الحماية الفرنسية فعل العامل الأخير في تشكيل تونس المعاصرة، ويجدر بنا - وقد نشرت الحكومات الأوربية بعد الحرب العالمية الماضية الكثير من وثائقها السرية السياسية - أن نعرض بشيء من التفصيل كيف نالت فرنسا ما كانت تصبو إليه من السيطرة على تونس؛ وما ترتب على ذلك من عواقب لتلك البلاد وأهلها.
كيف أدى التطور الذي شرحنا معالمه إلى وقوع تونس تحت السلطان الفرنسى وحده؟ لبيان هذه النهاية لا بد
стр. 2523
لنا من البحث عن أسبابها في العلاقات الأوربية التالية لهزيمة فرنسا في سنة ١٨٧٠, وفي تأثر تلك العلاقات بالأزمة الشرقية المترتبة على هزيمة الدولة العثمانية في حربها مع الروسيا سنة ١٨٧٧.
لقد بدأت حوادث سنة ١٨٧٠ عهدًا جديدًا في التاريخ الأوربى الحديث, فقد أثرت هزيمة فرنسا الكاملة وإتمام خلق الإمبراطورية الألمانية واقتطاع إقليمى الألزاس واللورين من جسم فرنسا الحى في العلاقات الأوربية حتى يومنا هذا، ويشاء موقف الدول الأوربية في العالم أن كل ما يجرى في أوربا يتردد صداه في أراض وبين أقوام "لا ناقة لهم فيه ولا جمل".
كان هَمَّ ألمانيا الجديدة بعد ١٨٧١ وشغلها الشاغل أن تمنع فرنسا من نقض ما تم في تلك السنة، واتجهت خطط عاهلها العظيم - بسمارك - نحو عزل فرنسا عزلة سياسية فلا تجد حليفًا أوربيًا قويًّا يشد أزرها في حرب ضد ألمانيا. وقد فضل بسمارك أن تقع فرنسا تمامًا تحت سلطان أحزاب اليسار الجمهورية اعتقادًا منه بأن أمل تلك الأحزاب في نيل تأييد سياسى أوربى أقل من أمل أحزاب اليمين، وأن انتصار الأحزاب الجمهورية الفرنسية يضعف من شأن الكاثوليكية في ألمانيا، وكانت إذ ذاك في حرب شعواء ضد بسمارك.
ولم يكن بسمارك بالسياسى الذي يكتفى بالإجراء السلبى, أو الذي يعتقد بإمكان قمع أمة كالأمة الفرنسية إلى الأبد، بل هناك ما يثبت أنه أدهشته سرعة نهوض فرنسا من كبوتها في السنوات التالية لسنة ١٨٧١ وأنه إعتقد أنه ينبغي أن يضع نصب أعين زعمائها أهدافًا يجدون في تحقيقها منصرفًا للهمم القومية وغسلا لعار الهزيمة الكبرى واستعادة لمركزهم القديم بين الأمم وإبعادًا لهم عن فكرة "الانتقام" المتملكة العقول - لذلك كله عرض بسمارك على فرنسا في أكثر من مرة بسط سلطانها على تونس ولم يكتف بهذا بل أدرك أنه في إرضاء المطامع الأوربية في أنحاء البلقان والشرقين الأدنى والأوسط ما يكفل صيانة ما تم
стр. 2524
في أوربا نفسها ويحول دون قيام محالفات أوربية لقلب الحالة القائمة، فلم يكره امتداد النفوذ الروسى في الدولة العثمانية على شرط أن تنال الإمبراطورية النمسوية المجرية ما يرضيها في البوسنة والهرسك. وعلى شرط قبول الحكومة الإنكليزية أن توطد أقدامها في مصر وغيرها من المناطق الشرقية التي تهمها بالذات.
ولم تصب السياسة البسماركية في السنوات الواقعة فيما بين ١٨٧٠ - ١٨٧٧ إلَّا قدرًا محدودًا من النجاح. فلم تبد بوادر تدل على أن تسوية ١٨٧١ قد أصبحت نهائية بالمعنى الصحيح أو أن فرنسا وإيطاليا أو روسيا أو النمسا والمجر أو إنكلترة مستعدة للتسليم تسليما خالصًا بالوضع البسماركى للأشياء.
ولكن عندما تشتعل الثورات في بعض ولايات الدولة العثمانية في البلقان، وتأخذ الدولة العثمانية الثائرين وغير الثائرين بما درجت عليه من ضروب الشدة الوحشية، وتغزو الدولة الروسية أراضى السلطان في أوربا وآسيا. عند ذلك وجدت الدول الأوربية أن لا بد من مواجهة حقائق الأشياء وتلمست كل منها في الشهور السابقة لصلح سان استفانو كما في الشهور التالية حلا يصون مصالحها الخاصة ويكون في الوقت نفسه أساسا لتسوية شرقية عامة - أما فرنسا فامامها هشكلتها الكبرى أمامها أن لا طمانينة حقيقية إلَّا إذا وجدت لنفسها حليفًا قويًّا، وما لم يتيسر لها ذلك فلا بد من تجنب الأزمات والابتعاد عن مواطن الزلل، فابتعدت بقدر الاستطاعة عن الأحاديث والمفاوضات المتعلقة بالمسألة الشرقية، وترددت في قبول الدعوة لمؤتمر أوربى يستعرض صلح سان استفانو ويحيل هذا الصلح من اتفاق روسى عثمانى إلى تسوية ترضاها أوربا: ثم اشترطت لقبولها ألا يبحث المؤتمر إلَّا ما اتصل مباشرة وطبيعيًا بالحرب بين الروسيا والدولة العثمانية. وفسرت هذا بألا يعرض على المؤتمر أي شأن من شئون غربي أوربا أو من شئون مصر وسورية والبقاع المقدسة [رسالة من وزير خارجية فرنسا لسفرائها في برلين ولندن وروما إلخ،
стр. 2525
بتاريخ ٧ مارس ١٨٧٨ - الوثيقة رقم ٢٦٢ من المجلد الأول من الوثائق السياسية الفرنسية]، ولما ضمن لها هذا قبلت الدعوة لمؤتمر برلين.
وأما الحكومة البريطانية، فيمكن القول بأن حوادث السنوات ١٨٧٦ و ١٨٧٧ و ١٨٧٨ قد هدمت فيها خطة المحافظة على الدولة العثمانية وأحلت محلها خططًا أخرى متناقضة إحداها خطة الأحرار (وهم في المعارضة) القاضية بأن يكون رائد الحكومة الرائد الإنسانى المسيحي، أي تحرير الشعوب العثمانية المسيحية المغلوبة على أمرها وخطة ثانية، هي خطة رئيس الوزارة (اللورد بيكونزفيلد) وهي تتكون من عناصر شتى: من السياسة التقليدية البريطانية ومن القيام بمغامرات حربية وسياسية من أشباه ما كان الشاب الطموح بنيامين دزرائيلى يتلهى به في قصصه، ولم يصل دزرائيلى للحكم إلَّا بعد أن أصبح شيخًا حطمته السنون والأمراض، وفي الخطة البيكونزفيلدية ما اجتذب إليه بالذات الملكة والعامة وكل من شبوا على كره الروسيا من المحافظين. وخطة ثالثة، وهي خطة وسطى، خطة التسليم بالواقع بأن إنقاذ الدولة العثمانية كما هي حلم قد زال، وبأن تحرير الشعوب المسيحية هدف طيب حقيقة جدير بالاحترام ولكن الأجدر منه بالاحترام ألا يكون التحرير سببًا في إثارة حروب وإسالة دماء، وأن المغامرات الحربية والسياسية قد لا يحترمها السياسي الإنكليزى في قرارة نفسه، ولكنه لا يسعه إغفالها تمامًا. فالواجب يقضى إذن بخطة عملية تساير الظروف محاولة الوصول لحل سلمى يرضى الجميع.
ويمكن القول بأن هذه هي خطة سالسبورى وزير الهند أولًا ثم وزير الخارجية ثانيًا في وزارة بيكونزفيلد. وقد عملت الحكومة البريطانية ما تستطيع أثناء سير الحرب بين الروسيا والدولة العثمانية لإثبات وجهة نظرها ولتشجيع الدولة العثمانية على إطالة مدة المقاومة، مما حمل معارضى الحكومة على اتهامها بأنها ترمى لإعلان الحرب على الروسيا كما حاولت تأليف ما سمته "حلف البحر الأبيض
следующие страницы →