عاش في القرن السابع أو الثامن أو العاشر قبل الميلاد. كان هذا المفكر يرى أن النور والظلمة -أو يزدان وأهْرمَن - هما مبدآ العالم، وأنهما متضَادان وأزليان، وبامتزاجهما حصلت تراكيب العالم وصوره المختلفة، وأن هذين المبدأين - على ما يرى بعض الباحثين - يرجعان في خلقهما وإبداعهما إلى خالق واحد لا ضد له ولاند وهو الإله الأعلى، وأنه أخيرًا كان -أي زرادشت - نبي إله الخير ورسوله (١).
(ب) وجاء بعد زرادشت بزمن طويل ديصان أوابن ديصان - نسبة إلى نهر ولد عليه كما يذكر ابن النديم (٢) - وإليه تنسب الفرقة الديصانية. والمذهب الذي تدعو إليه هذه الطائفة ثنوى في أساسه، إلَّا أنها بعد الإجماع على أن النور، أو إله الخير، يفعل الخير بقصده واختياره وأن الظلمة أو إله الشر يفعل الشر عن طبع واضطرار منه (٣)، حاولت أن تجد علة لامتزاج مبدأ الخير بمبدأ الشر، فذهب جماعة منها إلى أن النور قصد إصلاح الظلمة فخالطها مختارًا وعز عليه بعد هذا أن يخرج عنها، وذهبت جماعة أخرى إلى أن النور أحس بنتن الظلمة وخشونتها فأراد أن يبعدها عنه فكان الاختلاط والامتزاج الذي لم يكن يقصد إلى شيء منه (٤).
(جـ) ثم كانت المانوية التي تنسب إلى "مانى" الذي ظهر بعد ابن ديصان بنحو ثلاثين عامًا. ولد مانى ببابل وتأثر في مذهبه بالمجوسية وبرأى يوحنا المعمدان في المسيحية (٥) وبشئ من البرهمية والمانوية ترى في الأصلين اللذين كان منهما العالم، أنهما أزليان وأبديان، وأنهما قوتان وسميعان وبصيران (٦) ولها بعد ذلك رأيها في امتزاج الخير بالشر وسببه وفي خلاص النفس وسببه أيضًا، وهذا الرأى الذي تراه ذكره الشهرستانى بتوضيح (٧) فإليه يرجع من يشاء. وكذلك أطال ابن النديم في محاولة بيان ما كان من خلق الإنسان القديم،
стр. 2557
والحرب بين النور والظلمة وأعوان كل منهما، ثم ما كان من خلق آدم وحواء وسائر العالم (١).
(د) وكان بعد هذا المزدكية أتباع مردك الذي ظهر أيام "قباذ" ملك الفرس والد "أنوشروان" المشهور بالعادل، وكان من أمره أن ادعى النبوة، ونهى عن الخلاف والتباغض والقتال، وأظهر الإباحة حتى في النساء، فكانت عاقبته أن قتله الملك هو وأتباعه (٢).
ومع أن المزدكية كانوا يرون ما يراه المانوية من الكونين والأصلين، كما يحكى لنا أبو عيسى الوراق، إلَّا أنهم كانوا يفرقون بين النور والظلمة في صفاتهما وفيما يكون منهما من أفعال. كانوا يذهبون إلى أن النور عالم حساس، والظلام جاهل أعمى، وأن النور يفعل عن قصد واختيار، بينما الظلام يفعل بالصدفة والاتفاق. وأما امتزاج الخير بالشر فقد كان مصادفة واتفاقا. كما يكون الخلاص كذلك أيضًا مصادفة واتفاقًا من غير اختيار (٣).
(هـ) أما المرقونية فهي إحدى الفرق التي تنتظمها الثنوية في رأى الرازي (٤).
وهي فرقة نصرانية رأت أن تخلط بين الثنوية والمسيحية بالأخذ من هذه وتلك؛ إذ أداها النظر والتفكير إلى أن النور والظلمة - وهما أساس العقيدة عندهم - متنافران متضادان، فكيف اجتمعا وكان من اجتماعهما العالم؟ إنهما إذًا لا يجتمعان إلَّا بجامع يكون وسطًا بينهما، لذلك أضافوا إلى هذين الأصلين أصلًا ثالثًا دعوه "المعدل" وجعلوه سبب المزاج، ووضعوه في منزلة فوق النور وتحت الظلمة. وهذا الكون الثالث المتوسط هو الحياة أو عيسى على رأى فريق منهم، أو أن عيسى كان رسوله على رأى فريق آخر (٥).
(و) ثم كان بعد هؤلاء جميعًا الباطنية التي يرى أبو منصور البغدادي أن القائلين بها كانوا أعظم ضررًا على الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وسائر ملل الكفر على اختلافها، وأنهم من الأصناف التي لا يقبل منها إلَّا الإسلام أو السيف (٦).
стр. 2558
ويحكى الذين عنوا بأصحاب المقالات من أرباب الملل والنحل أن أرباب هذه النحلة كانوا في الأصل مجوسًا وثنوية، ثم تستروا بالإسلام ليميلوا بالأغمار والضعفة عن دينهم الذي ارتضى الله لهم، ومهدوا لهذا بتأويل نصوص الدين وشرائعه لتضعف الثقة به ويسهل التحول عنه، وإن كانوا في باطن الأمر ينكرون الرسل والشرائع كلها. وقد ظهروا بدعوتهم في صدر الدولة العباسية، وكان من دعاتها الأولين ميمون بن ديصان الذي عرف بالقَدّاح، وكان - على ما يروون - مجوسيًا من سبى الأهواز، وحمدان قرمط وكان من الصابئة الحرانية (١):
وفي الحق، أن الصلة بين الباطنية والثنوية وثيقة العرى؛ هؤلاء يرجعون العالم إلى مبدأين قديمين، هما إله الخير وإله الشر أو النور والظلمة أو يزدان وأهرمن؟ وأولئك يذهبون إلى أن الله خلق النفس، فصار هو الأول وهي الثاني، وإليهما معًا يرجع خلق هذا العالم وتدبيره؛ أي أن كلا من هاتين الطائفتين الضالتين قال بصانعين قديمين وكل ما بينهما من اختلاف هو في التسمية والتعبير فحسب (٢).
(ز) بقى من هذه الفرق التي قالت بالاثنين والتي أردنا تجليتها، الفرقة الحائطية التي تنسب إلى زعيمها أحمد بن حائط -أو ابن خابط على الخلاف في تسمية أبيه - الذي مات في عهد الواثق بالله العباس، وقد كان اعتزم قتله لما تبين له إلحاده.
كان رأس هذه الفرقة معتزليًا, ثم ضل ضلالًا بعيدًا خرج به عن الإسلام؛ فقال بخالقين: أحدهما قديم وهو الله، والآخر مخلوق وهو كلمته أي عيسى ابن الله بالتبنى لا بالولادة. ومن العجب الداعى إلى السخرية أنه جعل لهذا المخلوق - وهو الأصل الثاني الحادث في رأيه - خلق العالم وحساب الناس يوم الدين، أي أنه جعله مخلوقًا وخالقًا
стр. 2559
معًا! (١) وكأن ابن حزم أراد توضيح فكرته، فذكر أن الأصل الثاني المحدث هو كلمة الله المسيح التي بها خلق الله العالم (٢).
ومهما يكن من فكرته وتفسيرها فإن البغدادي كان محقًا حين أنكر أن هذا الرجل شارك الثنوية والمجوس في القول بخالقين، وأنه لهذا لا يمكن أن يعد فرقة من فرق الإسلام، كما لا يعد النصارى من الفرق الإسلامية (٣).
ثانيًا - ونحب هنا أن نلاحظ أنه قد تبين مما تقدم:
١ - أنه غير صحيح ما ذكره بعض المستشرقين R. Strothmann من أن البغدادي أخطأ في عبد المرقونية من الثنوية مخالفًا بذلك غيره من مصنفى النحل، فقد رأينا أن ابن النديم والشهرستانى والرازى معه فيما ذكره.
٢ - وأن المراد بالصانعين اللذين قال بهما الباطينة يتضح تمامًا إذا رجع الباحث إلى البغدادي في الفَرق بين الفِرق والإسفرايينى في التبصير، وأن هذين الصانعين هما الله والنفس التي خلقها الله وأشركها معه - على ما قال الباطنية - في الخلق والتدبير.
٣ - كما يتبين أخيرًا أن البغدادي لم يتعسف - حسبما يقول هذا المستشرق - في تأكيده الطابع المجوسى الوثنى في النحلة الباطنية؛ فقد شاركه في ذلك غيره من مؤرخى أرباب الملل والنحل والأهواء المختلفة، وكل ما بين الباطنية والثنوية من فرق في هذه الناحية هو -كما ذكرنا من قبل- الاختلاف في التسمية والتعبير فحسب.
ثالثًا - هذا، وقد أشار هذا إلى ابتلاء المسلمين بالثنوية التي أسرها كثير ممن دخل من فارس في الإسلام كابن المقفع وأمثاله، وهذا حق. لقد ذاعت هذه النحلة بين طائفة من الذين تظاهروا بالإسلام ولم يخالط قلوبهم، ونستطيع أن نذكر لذلك مثلًا عدة مستقين من المراجع الأصلية التي بين أيدينا.
стр. 2560
من هؤلاء أبو حفص الحداد وابن ذر الصيرفى وأبو عيسى الوراق؛ فقد كانوا من القائلين بقدم الاثنين (١)، وبذلك اتفقوا مع الثنوية في أساسهم الميتافيزيقى، لا في تحريم القتل فقط كما جاء بالمادة.
ومنهم -كما يذكر ابن النديم- ابن طالوت وأبو شاكر وصالح بن عبد القدوس من المتكلمين، وبشار بن برد وسَلْم الخاسر من الشعراء، وأبو يحيى الرئيس وأبو على سعيد وأبو على رجاء يزدانبخت من رؤسائهم في المذهب في الدولة العباسية (٢).
وربما كان منهم -كما ذكر الرازي- ناصر خسرو الشاعر وأتباعه الكثيرون الذين ضلوا بسببه، فقد كانت فرقته من الفرق التي تتظاهر بالإسلام وليست منه (٣). وإذًا فنزعة التوحيد التي عرف بها لا تمنع من أن يكون في حقيقته ثنويًا، ولا تمنع من وسمه بالثنوية كما جاء بالمادة!
وقد أشار الكاتب إلى أن بعض تلاميذ النّظّام كانوا يدعون إلى ثنوية صريحة. ونستطيع أن نذكر أن من هؤلاء التلاميذ، الذين عرفوا بالثنوية فتبرأت منهم المعتزلة، ابن حائط -أو خابط - وقد تقدم الحديث عنه، وفضل الحذاء على ما ذكر الخياط (٤) أو فضل الحدتى على ما جاء عن البغدادي (٥) والإسفرايينى (٦) أو فضل الحربى على ما ذكر ابن حزم (٧).
رابعًا - ولعل من الخير، ، أن نقول كلمة الحق في أمور أو مسائل ثلاث ذكرها الكاتب، وهي:
(١) القول بكلمة الله وأنها المسيح لا يفسد التوحيد إفسادًا تامًّا.
(٢) ما نسبه إلى بعضهم من تفسير آية "الزخرف" ظاهر فساده وبطلانه.
(٣) الرأى الذي نسبه إلى الغزالى في علم الكلام، من أن هذا العلم
стр. 2561
متناقض يتذبذب بين التوحيد والكفر الصريح!
١ - لا ندرى كيف لا يكون الذهاب إلى أن كلمة الله هي عين المسيح إفسادًا تامًّا للتوحيد، مع ما ينسب أصحاب هذه العقيدة للمسيح من الخلق والتدبير، ومع ما ذكره الكاتب نفسه في سبيل التعليل لما يقول من أنه ليس إلَّا خالقًا مخلوقًا وواسطة! أليس في ذلك نقض للتوحيد الذي من معناه وحدة الله في خلق العالم وتدبيره من غير حاجة إلى شريك وإن كان المسيح الذي هو كلمته وروح منه!
٢ - أما التفسير الذي عزاه إلى أحد غلاة الشيعة، وهو البيان بن سمعان التميمى، لقوله تعالى في سورة الزخرف الآية الرابعة والثمانون: "وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله" من أن المراد بهذه الآية إثبات إلهين أحدهما للسماء والآخر للأرض، هذا التفسير باطل بشهادة التركيب اللغوي والقرآن والسنة وأصول الدين الذي أساسه التوحيد! ويكفى الرجوع إلى أي مرجع من كتب التفسير المعتبرة، كتفسير أبي المسعود مثلًا، ليظهر المراد بهذه الآية.
تناول أبو السعود هذه الآية في الزخرف وأحال في تفسيرها إلى ما ذكره في سورة الأنعام في آية ٣ "وهو الله في السموات وفي الأرض". ومن هذين الموضعين يتبين الباحث أن المراد: وهو الله المعبود بحق في السموات والأرض، وهو المالك المدبر فيهما (١). وكيف، والآيتان تقولان "وهو" أي هو وحده، ولا أحد معه في شيء من هذا كله!
٣ - أما ما نسبه الكاتب أخيرًا إلى الغزالى خاصًّا بعلم الكلام، فلم أعثر عليه فيما لدى من مؤلفات الغزالى وهي عديدة ومعروفة، ومع هذا فالأمر في حاجة إلى تمحيص لخطورة ما حكاه عن حجة الإسلام. لقد جاء في المادة "ويؤكد الغزالى توكيدًا جازمًا أن علم الكلام لا يبت في المسائل، فهو متناقض بتذبذب بين التوحيد والكفر الصريح ... " فأين المرجع الذي نجد فيه هذا التوكيد للغزالى؟ .
الحق أن الذي نجده له فيما يختص
стр. 2562
بهذا العلم ونفعه لطائفة من الناس وضرره لطائفة أخرى غير ذلك الذي نسب إليه. ففي "المنقذ من الضلال" مثلًا نراه يشير إلى نشأة علم الكلام، ويصفه بقوله: "فصادفته علما وافيا بمقصوده غير واف بمقصدي" وينتهى إلى تقرير أنه "لم يكن الكلام في حقى كافيا ولا لدائى الذي كنت أشكوه شافيا" ولهذا "فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق" (١). وفي "إلجام العوام عن علم الكلام" نجده يشير إلى أن صحابة رسول الله ﷺ ، مع فهمهم عنه مقاصده ومراميه، بالغوا في الزجر عن البحث فيما سمى بعد بعلم الكلام (٢) كما نراه يقرر أن "أدلة المتكلمين مثل الدواء ينتفع به آحاد الناس ويستضر به الأكثرون" (٣) ثم يؤكد أن ما لهج به المتكلمون من تنقير وسؤال وتوجيه إشكال ثم اشتغال كله فهو بدعة وضرره في حق أكبر الخلق ظاهر (٤).
هذا، ومثله كثير، نجده للغزالى مبثوثا في تضاعيف كثير من كتاباته، ولكن أين ذلك كله مما نسبه إليه كاتب المادة من أن علم الكلام متناقض يتذبذب بين التوحيد والكفر الصريح!
وبعد، فهذه كلمة موجزة جلينا بها هذه الفكرة (الثنوية) والفِرق التي صدرت عنها، وما كان لها من أثر في الإسلام التي أندست فيه بعد أن استولى على مهدها في بلاد فارس؛ والله ولى التوفيق.
محمد يوسف موسى
الثور
" الثور": كوكبة الثور، وهي الثانية في فلك البروج؛ صورتها صورة ثور ليس له كَفَل ولا رجلان تلتفت رأسه إلى جنبه وقرناه إلى ناحية المشرق، وكواكبه اثنان وثلاثون؛ والخارج عن الصورة أحد عشر كوكبا. ويقال إن على موضع القطع (باليونانية "أكوتومى") منها أربعة مصطفة؛ والحقيقة أن الكواكب المرموز لها
стр. 2563
ب: ف، س، زيتا، أو مكرون على قوس. والنير الذي على طرف قرنه الشمالي مشترك بينه وبين كوكبة ممسك الأعنة. وعين الثور هو النير الأحمر العظيم وسط م ج موعة كبيرة من الكواكب الصغرى، وقد عرفه اليونان باسم Hyades وأطلق العرب عليه أسماء كثيرة. والظاهر أن "الفَنِيق"، وهو الجمل الضخم، اسم عربي خالص والتي حواليه من الكواكب هي "القِلاص" أي صغار النوق. أما الأسماء الأخرى لعين الثور فمتصلة بالثريا، وقد عرف العرب هذه الكوكبة بالنجم، وكذلك سموا عين الثور أيضًا "بحادى النجم"، وتالى النجم " و"الدَبَران". وقد انتقل هذا الإسم الأخير إلى مصوراتنا الفلكية [أي مصورات الغربيين] باسم Aldebarmn - ويسمى الكوكبان المرموز لهما بـ "أوبسلون" و"كبا" اللذان على أذن الثور "الكلبين" أي كلبى الحادي.
المصادر:
(١) القزوينى: عجائب المخلوقات، طبعة فستنقلد، ج ١، ص ٣٥، ترجمة H. Ethe بعنوان Kosmogrophic، ص ٧٤
(٢) Untersuchungen ue-: L. Ideler ber den Ursprung and die Bedeutung der Sternnamen
[رسكا J. Ruska]
جابر بن حيان
" جابر بن حيان"، هو أبو موسى جابر بن حيان الأزدى: صاحب كيمياء عربي مشهور عرف عند نصارى القرون الوسطى باسم جبر Geber, ونسبته الطوسى أحيانا والطرطوسى أحيانا أخرى. ويقال إنه كان من الصابئة، ومن ثم لقبه الحرّانى. ودخل جابر في الإسلام بعد ذلك وأظهر غيرة عظيمة على دينه الجديد. أما لقبه الصوفى فيرجع إلى زمن متأخر عن هذا.
وفي رواية أن شيخيه هما خالد بن يزيد بن معاوية المتوفى عام ٨٥ هـ (٧٠٤ م) ومن ثم لقب بالأموى، وجعفر الصادق. والحق إنه لا بد أن يكون قد عاش بعد خالد بن يزيد، والأرجح أنه
стр. 2564
قد نبه شأنه حوالي عام ١٦٠ هـ (٧٧٦ م). ويقول صاحب الفهرست وحاجى خليفة إنه كانت له صلة بالبرامكة. والواقع أننا لا نعرف من حياته شيئًا. وتذهب أوثق الروايات إلى أنه قضى معظمها في الكوفة. وفي الفهرست (ص ٣٥٤ وما بعدها) رأى يقول إنه لم يوجد قط وإنما كان شخصًا من نسج الأساطير وهو رأى ننكره من فورنا.
ونسبت لجابر طائفة من التواليف. وإذا أخذنا بكتاب السبعين لإيو Io (يوحنا) فإن ما وجد منها باللاتينية لا يتفق مع تواليفه العربية، وهو ينبئ عن حلة في علم الكيمياء أرقى مما نلمسه في العربية. وفي مكتباتنا اثنان وعشرون مؤلفا له بالعربية، خمسة منها طبعت وهي كتاب الملك، وكتاب الموازين الصغير، وكتاب الرحمة، وكتاب التجميع وكتاب الزيبق الشرقي.
والمذهب المنبث في هذه التواليف -وبخاصة في كتاب الرحمة، الذي لا يشك قط في نسبته إليه- تشبيهى مسرف، أو إن شئت روحانى متطرف، فهو يعد المعدن كائنًا حيًّا، ينمو في بطن الأرض أمدًا طويلا، آلاف السنين، وينقلب من معدن خسيس كالرصاص إلى معدن نفيس كالذهب. وغاية علم الكيمياء الإسراع بهدا الإقلاب. وهو يطبق مذاهب التناسل والزواج والحمل والتعليم على المعدن. وكذلك مذاهب الحياة والموت، ويقول للمواد الغليظة الأرضية "ميتة" أما المواد المنيرة اللطيفة فيشميها حية. ولكل جسم كيميائى نفس وجسم، جزء روحى وجزء مادى، وعمل صاحب الكيمياء أن يفصل هذا من ذاك ويلطفه ثم يعطى لكل جسم الطبع الذي يناسبه.
وقد نسبت روايات الفرس لجابر مستكشفات هامة في الكيمياء، مثل ماء الذهب وحامض الكبريت وحامض الأزوتيك ونترات الفضة، ولكن واحدًا منها لم يذكر في الكتب العربية التي تحمل اسمه. وظل هذا شأنها إلى أن ظهرت في المؤلفات اللاتينية التي ترجع إلى أواخر القرن الثالث عشر. وعلى ذلك فإن تقدير نصارى القرون الوسطى لكيمياء المشرق لايستند إلى وقائع مقررة يمكن تمحيصها.
стр. 2565
المصادر:
(١) L'alchimie: Berthelot et Houdas arabe ١٨٨٣ (٢): Paul Lacroix Sciences et Lettres au moyen-age, باريس سنة ١٨٧٧، ص ١٩٦ وما بعدها
(٣) Gesch. d. Arab. Litt.: Brockelmann,
ج ١، ص ٢٤٠ ما بعدها.
(٤) Carra de Vaux, مادة الكيمياء في Encyclopaedia of Religion and Ethics, أدنبره سنة ١٩٠٨.
[كارَاده فو B. Carra de Vaux]
جابر: (١) هو جابر بن حيان الأزدى الكوفي: من بين التواليف العربية رسائل تنسب إلى جابر بن حيان، تلميذ الإمام الشيعى السادس جعفر الصادق المتوفى عام ١٤٨ هـ، إلا أن هذه الرسائل منحولة له. وقد وردت أقدم الشواهد على وجودها في مؤلفات صاحب الكيمياء ابن أميَلْ (المتوفى حوالي عام ٣٥٠ هـ) وفي كتب المزيف ابن وحشية (حوالي عام ٣٥٠ هـ أيضًا) وفي الفهرست لابن النديم. وقد نستطيع جمع شتات جل مؤلفات جابر من ثبت أسمائها الوارد في كتاب الفهرست أولًا، يكمله ما بقى من كتبه ورسائله مخطوطة ثانيا، وما ورد في كتبه هو من ذكر تواليفه ثالثا.
وتنقسم تواليفه إلى عدة مجموعات أهمها:
(١) الكتب المائة والإثنا عشر، وهي مقالات في صناعة الكيمياء لا رابط بينها مع إشارات كثيرة إلى كيمياء القدماء من أمثال زوسيموس وديموقريطوس وهرمس وأغاثوديمون وغيرهم (٢) وكتاب السبعين وهو بسط محكم لمذهب جابر في الكيمياء (٣) وكتب الموازين المائة والأربعة والأربعون، وهي تتناول بصفة عامة الأسس النظرية للكيمياء والعلوم الباطنة جميعا، كما تتناول بصفة خاصة أسسها الفلسفية (٤) وكتب الخمسمائة، وهي رسائل متفرقة كسنقصى بعض مسائل كتب الموازين.
وقد يمثل هذه المجموعات الأربع مراحل متعاقبة في تطور مذهب جابر
стр. 2566
بن حيان وفي تأليف كتبه. ويضاف إليها مجموعات أخرى صغيرة تتناول إلى جانب الكيمياء شروحا لكتب أرسطو وأفلاطون ثم رسائل في الفلسفة وعلم الهيئة والتنجيم والرياضيات والموسيقى والطب والسحر ثم رسائل دينية.
ولا يمكن أن تكون هذه المجموعة الضخمة من الكتب -التي تشمل جميع علوم الأوائل التي نقلت إلى العالم الإسلامي- لمؤلف واحد أو أن ترجع إلى النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة. وتدل جميع الدلائل على أن مجموع هذه الكتب قد ألف في آخر القرن الثالث ومستهل القرن الرابع الهجريين.
وأول ما تثيره مؤلفات جابر بن حيان من المسائل مسألة تتصل بتاريخ الدين، فكما أن أصحاب الكيمياء القدامى من اليونانيين الذين وصلت إلينا مؤلفاتهم مزجوا تعاليمهم الكيميائية بمذاهب العرفان أو الغنوصية المنتشرة في مسيحية زمانهم، كذلك مزج جابر علومه بنظريات العرفان المنتشرة عند أهل الإسلام. ولم تكن النظريات الدينية التي أخذ بها جابر هي مذاهب العرفان الساذجة التي ظهرت بين الشيعة في القرنين الأولين للهجرة كما يصفها لنا أصحاب الملل والنحل، وإنما هي أقرب إلى مذاهب العرفان المتطورة المخللطة التي كانت فاشية بين غلاة الشيعة في أواخر القرن الثالث للهجرة، وقد اقترنت عندهم بنزعات سياسية من شأنها أن تهز دعائم الإسلام. بأسرها. فقد بشر جابر بقرب ظهور إمام معصوم جديد وليست التعاليم المنبثة في مجموع كتبه إلا عرضا لهذا "الإمام" الجديد الذي من شأنه أن يكون عقليا صرفا وأن تكون مفاتيحه في أيدى الأئمة المعصومين من ذرية على بن أبي طالب.
وجابر وثيق الصلة بالقرامطة من حيث مصطلحاته الدينية. وحسبنا أن نذكر بهذه المناسبة أن اسم القرامطة ورد في مؤلفاته، والمعروف عنهم أنهم لم يظهروا إلا بعد عام ٢٦٠ هـ. فهو يسمى الإمام الناطق ويجعل الصامت قباله. ويطلق على مراتب "الحدود" تلك
стр. 2567
الأسماء نفسها المعروفة عند القرامطة والإسماعيلية الفاطمية، أعنى الباب والحجة والداعى المطلق والسابق والتالى واللاحق إلى غير ذلك، كما أنه يقول أيضًا بمذهب "الأضداد"، أضداد الإمام. وانقسم تاريخ العالم عنده بحسب مراحل "الوحى" المتعاقبة إلى سبعة أدوار، آخرها دور "وحى" الإمام الذي يدعو جابر إليه. وكذلك يعتقد أن عدد الأئمة الذين تعاقبوا منذ علي بن أبي طالب إلى القائم الجديد سبعة: الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية (كذا) وعلى ابن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق وإسماعيل ابن جعفر الذي لا فرق بينه وبين ولده محمد ابن إسماعيل وهو السابع أو القائم المنتظر. وخالف جابر القرامطة والإسماعيلية فلم يجعل عليا واحدلم من هؤلاء الأئمة السبعة. فهو صامت لاهوتى غيبيّ يسمو على الناطق، والأئمة السبعة أشخاص ناسوتية حل هو فيها. وقد وافق جابر في قوله هذا النصيرية إذ يرى رأيهم في "الأقانيم" الثلاثة التي يتجلى اللاهوت فيها: العين (أي عليّ) والميم (أي محمد) والسين (أي سلمان)، وأما السين فهو في رأيه أسمى من الميم. وأما الإمام الذي يدعو جابر إليه والذي يسميه الماجد تارة واليتيم أخرى فهو في مذهبه انبعاث يفيض عن "العين" مباشرة وبلا وساطة، ومنزلته أعلى من "الميم" و"السين". وقد يدين جابر أيضًا بمذهب التناسخ على ما يقوله غلاة الشيعة جميعا ولا سيما النصيرية منهم، وتدل على ذلك المصطلحات الواردة في كتبه في هذا الشأن، مثل التناسخ، والأدوار، والأكوار، والنسخ، والفسخ، والرسخ، والمسخ وما إليها.
ويأتى بعد ذلك ما تثيره رسائل جابر من مسائل تتصل بتاريخ العلوم في الإسلام. فقد يشمل مجموع هذه الرسائل دراسة العلوم الآتية: الكيمياء، وهي تأتى دائما في المحل الأول والطب والتنجيم والسحر (علم الطلسمات)، وعلم الخواص (أي القوى الباطنة في بطون الأشياء الطبيعية)، وعلم التكوين (أي تكوين الأحياء بطرق الصناعة).
стр. 2568
ولما كانت معرفتنا بما وصل إلينا من هذه العلوم والفنون عن اليونان ضئيلة مشوهة في كثير من الأحوال، فإن لمؤلفات جابر قيمة خاصة فيما تمكننا من التعرف بنواحٍ هامة من العلوم اليونانية ظن الجميع أننا فقدنا آثارها.
أما الكيمياء فإن جابرًا يخالف فيها كل المعارف التي وصلت إلينا من كيمياء القدماء. ذلك أنه يستغنى على الإطلاق عن استعمال الرموز والتشبيهات "الهرمسية" التي ترجع في آخر أمرها إلى علوم المصريين القدماء والتي ترد في كتب زوسيموس وغيره من مؤلفى اليونان، وهي الرموز والتشبيهات التي أحياها في الإساوم معظم أصحاب الكيمياء من أمثال ابن أميل وصاحب "مصحف جماعة الفلاسفة" و (Turba philosphorum)، والطغرانى والجلدكى وغيرهم. أما كيمياء جابر فهو علم تجريبى قائم على نظرية فلسفية.
وهذه النظرية الفلسفية مأخوذة في معظمها من طبيعيات أرسطو. فجابر يعرف كل أجزاء الكتب الأرسطية وكذلك شروح الإسكندر الأفروديسى وثامسطيوس وسمبليقيوس وفرفوريوس وغيرهم، وهو يأخذ أغلب ما يأخذه عنها مما نقله حنين بن إسحاق المتوفى عام ٢٦ هـ وتلاميذه ويروى أيضًا عن كتب أفلاطون وثاوفرسطس وجالينوس وأوقليدس وبطلميوس وأرشميدس وغيرهم، وبعض هذه الكتب فقد أصله اليونانى. وليس في تواليف المسلمين في الكيمياء كتب ككتب جابر تكشف عن هذه المعرفة الواسعة بتصانيف القدماء أو تمتاز بهذه الإحاطة "الموسوعية". وهي تشبه في ذلك رسائل إخوان الصفاء التي يعرف عنها أنها ترجع إلى مصادر ونزعات شبيهة بالمصادر والنزعات التي تستمد منها رسائل جابر بن حيان.
وأما مصطلحات العلوم التي يستعملها جابر فهي عين المصطلحات التي اصطنعها حنين بن إسحاق، وهذه بينة أخرى على أن مجموع كتبه لا يمكن أن يكون قد ألف قبل نهاية القرن الثالث الهجرى.
стр. 2569
وأساس علم جابر هو ما يطلق عليه اسم الميزان. ويشمل هذا المصطلح نواحى كثيرة هي أشد ما تكون اختلافا، وهو يدل دلالة واضحة على التوفيق بين المذاهب المتباينة الذي يمتاز به علم جابر. والميزان معناه: (١) الوزن النوعى، ولجابر في ذلك إشارات إلى أرشميدس، (٢) ميزان أصحاب الكيمياء القدامى ستاتهموس وهو وزن مقدار الأجساد خلة في خلط أومزاج، (٣) مذهب في الحروف العربية المتصلة بأمهات الطبائع الأربع وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ولايطبق ميزان الحروف على الأشياء التي تحت الفلك فحسب بل يطبق أيضًا على الأنيات الميتافيزيقية كالعقل والنفس والمادة والمكان والزمان. وقد استقى جابر مذهبه هذا من الفيثاغورية الجديدة ومن النظريات في الجفر المنتشوة عند الشيعة العلوية، (٤) الميزان هو أيضًا المبدأ الميتافيزيقى في ذاته، وهو رمز لمذهب جابر في التوحيد العلمي، وهو بهذا المعنى موجَه ضد ثنوية المانوية. والظاهر أن مذهبه في ذلك لم يخل من أثر آراء المدرسة الأفلاطونية الجديدة في شأن الواحد والوحدة، (٥) ثم إن الميزان تأويل لما ورد في القرآن من ذكر الميزان في يوم الحساب. وهذا المذهب موجود أيضًا عند أصحاب العرفان من بين المسلمين، وقد توسل به جابر في ربط عقائده العلمية بتعاليمه الدينية.
والظاهر أن رسائل جابر لها صلة وثيقة بالعلماء الوثنيين الذين عاشوا في الأوساط الحزانية. فهو يشير بجلاء إلى الصابئة عند ما يسوق جدلهم في بعض مسائل ما وراء الطبيعة. أما المصدر المباشر الذي يستقى منه علومه فكتب منسوبة إلى باليناس الطوانى ولاسيما كتاب سر الخليقة وغيره، وهذه التواليف منحولة ألفت في زمن المأمون على ما يقوله محمد بن زكريا الرازي، وهي خير مصدر لمعرفة تفكير المدرسة الحَرّانية.
ويقول جابر إنه تلقى علومه من سيده جعفر الصادق، ويردها جميعا إلى أستاذه هذا الذي يسميه "معدن الحكمة" ويصرح بأنه لم يبق له -أي لجابر- إلا جمعها وترتيبها. فمرتبة
стр. 2570
جابر بين "الحدود" الدينية بعد الإمام مباشرة. ثم يذكر جابر أستاذه حربى الحميرى، وكذلك راهبا من الرهبان، ثم رجلًا يدعى أذن الحمار. ويذكر من بين معاصرى جعفر الصادق خالد، ويحيى وجعفر من آل برمك الذين أهدى إليهم بعض رسائله، ثم أفراد آل يقطين من أعيان الشيعة الإمامية.
وتدخل كل هذه الروايات في باب الأساطير، وهي تتناقض ومستوى العلوم الواردة في الرسائل. زد على ذلك أنه لم ترد آية إشارة في كتب الشيعة إلى تلميذ لجعفر الصادق يدعى جابرًا بن حيان، والظاهر أن هذه الشخصية محض اختلاق. ومن اليسير أن ندرك السبب الذي جعل مؤلف هذه الرسائل ينسبها إلى تلميذ من تلاميذ جعفر الصادق، فقد كان من عادة الشيعة أن يعتبروا إمامهم جعفر، ممثلًا لعلوم اليونان وبخاصة العلوم الخفية. أضف إلى ذلك أن جعفر، هو والد الإمام السابع إسماعيل الذي تبشر رسائل جابر بقدومه أو رجعته.
ويقول ابن النديم صاحب الفهرست إنه كان في عهده أناس يشكون في صحة نسبة هذه الرسائل إلى جابر. وقد ذكر الفيلسوف العالم أبو سليمان المنَطقى المتوفى حوالي عام ٣٧٠ هـ في "التعليقات" ما مؤداه أنه كان ذا صلة شخصية بمؤلف الرسائل المنسوبة إلى جابر وأن اسم هذا الرجل الحسن بن النكد الموصلى، وما من سبب للشك في صحة هذه الرواية، حتى لو ثبت أن رسائل جابر ليست لمؤلف واحد، أو أن مجموع تواليفه قد مر بمراحل من التطور طويلة قبل أن تثبت على صورتها الحالية، ولعلها ختمت حوالي عام ٣٣٠ هـ.
وقد أثرت رسائل جابر في كيمياء العرب المتأخرة تأثير، كبيرًا. ذلك أن كتاب العرب المتأخرين جميعا ينقلون عنه، وقد كتب كثير منهم شروحًا على رسائله. وترجمت كتب من مجموع تواليفه إلى الاوتينية. على أن الرسائل المشهورة المنسوبة إلى جابر Gaber rex Arabum (جابر ملك العرب) إنما هي نشرة متأخرة لمؤلف لاتينى عاش في القرن الثالث عشر الميلادي.
стр. 2571
المصادر:
(١) نشر هوداس عدة O. Houdas رسائل لجابر في La: M. Berthelot chemic au Moyen Age, باريس سنة ١٨٩٣، ج ٣، وفعل E.J.Holmyard ما فعل هوداس في The Arabic Works of Jabir ibn Hayyan ج ١/ ١ باريس سنة ١٩٢٨.
(٢) وفي سارتن بيان شامل بالمراجع حتى عام ١٩٢٧ G. Sarton: Introduction to the History of Science، ج ١، ص ٥٣٢.
(٣) Die Siebzig Buecher: J. Ruska -Hajjan (Studien zur Ges des Gabir ibn , chichte der Chemie, Festgabe -fuer Edm)Lippmann O.v.، برلين ١٩٢٧.
(٤) الكاتب نفسه: Arch. F.) Zahl und Hajjdn Gesch. der Null bei Gdbir ibn Math .. der Naturwiss. u. d. Technik، ج ١، ١٩٢٩ ص ٢٥٦ وما بعد ها).
(٥) Der Zu- J. Ruska & P. Kraus sammenbruch der Dschabir-Legende -Dritter Jahresbericht d. Forschungs -Instituts f Geschichte der Na turwissenschaften برلين سنة ١٩٣٠).
(٦) Studien zu Gabir ibn T. Kraus dsis) Hayyan ج ٨، ص ١ وما بعدها) وقد تم تحرير هذا المقال في سنة ١٩٣٣ ومنذ ذلك الحين اهتدى كاتبه إلى نشر نصوص وبحوث أخرى عن جابر وهي.
(٧) مختار رسائل جابر بن حيان، عنى بتصحيحها ونشرهاب: كراوس (القاهرة ١٣٥٤ هـ).
(٨) Jabir ibn Hayyan Con- P. Kraus scientifques كة tribution l'histoire des idees dons I'Lclam. وقد ظهر من هذا البحث المفصل المثلث الأجزاء جزآن إلى الآن في Memoires presentes a ١'Institut , f d'Egypte ج ٤٤ - ٤٥، عام (١٩٤٢ - ١٩٤٣.
[كراوس P. Kraus]
стр. 2572
الجاحظ
" الجاحظ": أبو عثمان عمرو بن بحر مولى كنانة، ويلقب بالجاحظ لجحوظ عينيه: كاتب شهير ومتكلم. وهو من شيوخ معتزلة البصرة. وكان في دراساته الأدبية متأثر، برجال الأدب والعلم بالبصرة المعروفين بـ "المسجديين" لاجتماعهم في المسجد الجامع (البيان والتبيين ج ١، ص ٩٨؛ ج ٢، ص ١٦٤). وقد قرأ الخليفة المأمون كتب الجاحظ عن الإمامة وقدرها حق قدرها، واستدعاه إلى بلاطه. وابتدأ نجم الجاحظ في الصعود مذ اتصل بابن الزيات وزير الخليفتين المعتصم والواثق من عام ٢٢٠ هـ. ونبه صيت الجاحظ أديب البصرة، فرعاه هذا الوزير، وكان من رجال العلم، وكفاه مؤونة كل شيء. وكان أكثر مقام الجاحظ في ذلك الوقت في بغداد والعسكر (مصيف الخلفاء في سامرا) وقد تردد أيضًا على دمشق وأنطاكية. ونجا الجاحظ في بداية عهد المتوكل من المصير الذي لقيه ابن الزيات على الرغم من أنه كان ذا صلة بما أودى بمولاه، على أنه استطاع أن يحوز رضا أحمد بن أبي داود قاضي القضاة ومنافس ابن الزيات في الأدب والسياسة، وقد أهدى له الجاحظ ولإبنه أبي الوليد محمد جميع تواليفه. ورغب الخليفة المتوكل في أن يؤدب الجاحظ أولاده ولكنه رجع عن ذلك لدمامته. وفلج القاضي أحمد عام ٢٣٥ هـ وصرف ابنه عن منصبه عام ٢٣٧ هـ وكان قد خلف أباه على القضاء. وبدا من الخلفاء في ذلك الوقت ميل إلى الرجوع إلى السنة، وفي ذلك مناهضة للمعتزلة. ونعى الجاحظ على النابتة في رسالته عنهم (نشرها فلوتن Vloten في أعمال مؤتمر المستشرقين الدولى الحادي عشر، القسم الثالث، ص ٣١٥ وما بعدها) أنهم درسوا الكلام وردوا به على المعتزلة. وأخذ الاعتزال -الذي كان له سلطان كبير في حاشية الخليفة- يتضاءل على الأيام، وليس من المحقق أن هذا الرجوع إلى الشيعة قد كشف شهرة الجاحظ. وكل مانعلمه أنه عاد إلى البصرة بعد أن أصابه الفالج في جانبه وأنه توفى بها ٢٥٥ هـ أو عام ٢٥٠ هـ كما في روايات أخرى بعد أن نيف على
стр. 2573
التسعين. ولم ينقطع الجاحظ إلى مهنة يتكسب بها مثله في ذلك مثل معاصره البلاذرى. وإنما كفاه مؤونة العيش ما كان يصله به من أهدى إليهم تواليفه.
وإذا أردنا أن نصف مؤلفات الجاحظ على اختلافها قلنا إنه كان أولًا وقبل كل شيء من الأدباء، ذلك أن هذه التواليف -حتى ما كان منها خاصا بمسائل الكلام- أدنى إلى الأدب منها إلى العلم، فهي أحاديث تناول فيها مسائل يومه. وكان الجاحظ -كشيخه أبي إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام- من أوائل المعتزلة الذين درسوا فلاسفة اليونان وخاصة الطبيعيين منهم (أرسطوطاليس). وبقيت من كتب الجاحظ في الكلام نتف نستبين منها أنه كان يستشهد في أحكامه بالتاريخ وبتجاريبه ولا يرضى عن الأحكام القائمة على مجرد النظر (كتاب الحجج في النبوة، كتاب المعرفة، كتاب خلق القرآن، كتاب الرد على المشبهة، كتاب الرد على النصارى- إلخ). وأثبت أيضًا أنه كان خبيرًا بالنفوس، ويصدق هذا على كتبه في الإمامة، فقد بسط فيها أنظار الفرق المختلفة في إنصاف يدعو إلى الإعجاب (المسعودى: مروج الذهب، ج ٦، ص ٥٥ وما بعدها). وحاول الجاحظ في مصنفيه "كتاب العرب والموالى" و"كتاب العرب والعجم" أن يقدر قيمة كل من هذين العنصرين الغالبين في بلاد الخلافة بالنسبة للآخر. ومما يدعو إلى الأسف أن هذين الكتابين قد فقدا، ولكنا نعلم أن المؤلف قد دل على أنه كان نصير، متحمسا للحضارة العربية التي تتمثل في الخلافة العباسية (انظر Muh.: Goldziher Stud. جـ ١، ص ١٦٩ وما بعدها)، على أن البغدادي قد لامه على مقالاته في تفضيل الموالى على العرب (الفرق بين الفرق، ص ١٦٨). ويميل الجاحظ إلى القول بأن الترك عماد الخلافة بعد العرب والموالى (الخراسانيين). وقد دافع في رسالته المسماة "رسالة في فضائل الأتراك" (نشرها فلوتن Vloten, ليدن سنة ١٩٠٣ في Tria opuscula. auct al-Djahiz (عن فكرة إلحاق الموالى الترك بجيش المسلمين، ودرس في "كتاب البلدان" خصائص وفضائل العواصم الكبرى مكة والمدينة ومصر والكوفة
стр. 2574
ودمشق وغيرها. ولم يتخذ الجاحظ علم تقويم البلدان صناعة له (المسعودى، ج ١، ص ٢٠٦) على انه يتبين من الفقرات التي أوردها في مصنفاته أن ملاحظاته كانت منصبة على الشعوب أكثر منها على أحوال البلدان.
وكان الجاحظ عالمًا بالطبيعة والإنسان، ولكنه لم يقصد في كتبه إلى وضع قواعد هذين العلمين، وإنما كان همه إثارة اهتمام القارئ بهما وذلك بتحبيبهما إليه. ومن كتبه في هذا الباب "كتاب الزرع والنخل" و "كتاب الصرحاء والهجناء كتاب السودان والبيضان" و "كتاب النعل" كتاب المعادن". وعالج الجاحظ في "كتاب النساء" موضوعا أدخل في علم النفس، وهو الفرق بين الذكر والأنثى واستعداد كل منهما ونوع الحياة التي تلائمهما. وتناول في "كتاب المسائل" مواضيع من قبيل مايلى: هل الغيرة من طبيعة الإنسان أم هل هي من صنع المدنية ينبغي أن نميز بينها وبين الأنفة والحمية؛ وليس من شك في أن "كتاب الحيوان" (نشر بالقاهرة عام ١٣٢٣ - ١٣٢٤ هـ) هو أهم ما بقى من كتب الجاحظ، فهو -مثل كتاب نبات أبي حنيفة- من أول الثمار التي أنتجتها دراسة العرب للطبيعة، وهي دراسة كانت في منشئها. وليس في هذا الكتاب إلا أثر ضئيل من آثار اليونان، على الرغم مما نقله صاحبه عن أرسطو. وفي الكتاب من الشواهد الشعرية مثل مافيه من ملاحظ المؤلف نفسه. وهذا الولع بذكر الشواهد Iaci Prnbantes يذكرنا بالنحاة. وكتاب الحيوان وثيق الصلة بالكلام، لأن المؤلف سعى إلى إظهار وحدة الطبيعة وإلى أن الأجزاء المكونة لها متساوية القيمة في نظر الرائى. وهو لم يكتف بدراسة الحيوانات الكبيرة فحسب، بل أظهر شيئًا من الميل إلى دراسة الحشرات والمخلوقات المتناهية في الصغر. وفي هذا الكتاب نظريات علمية (التطور والتأقلم وعلم النفس الحيوانى) في دور التكوين، وقد اكتملت هذه النظريات في أيامنا هذه.
ويجوز لنا أن ندخل في هذا الباب طائفة أخرى من كتب الجاحظ درس
стр. 2575
فيها شتى طبقات المجتمع. وفي هذه الكتب أدب ونقد، فهي لذلك من كتب علم الأخلاق وهو العلم الذي أوجده الجاحظ، نذكر منها على سبيل المثال:
كتاب اللصوص، غش الصناعات، كتاب الفتيان، كتاب الوكلاء والموكلين، كتاب المعلمين، ورسالة في الكتاب، كتاب المغنين. وقد بقيت الكتب التالية: كتاب الجوارى والغلمان، كتاب القيان، كتاب البخاوء وقد نشره فلوتن Vloten في ليدن عام ١٩٠٠ وهو في أخبار بخلاء البصرة؛ كتاب أخلاق الملوك وبه تفاصيل هامة عن الآداب المرعية في قصور ملوك الفرس والخلفاء. وهذا الكتاب مشكوك في صحة نسبه إلى الجاحظ
والجاحظ من مدرسة ابن المقفع وسهل ابن هارون والعتابى وغيرهم في البلاغة، فقد صاغ تواليفه على أسلوبهم، ونشر كثيرًا من كتبه باسم هذه المدرسة وألف مثلهم رسائل أهداها إلى أولى نعمته. ومن خير تواليفه في هذا الباب (رسالة في المعاد والمعاش، رسالة في العداوة والحسد، رسالة في التربيع والتدوير، وغيرها) وأغنت هذه الرسائل اللغة العربية بتعابير لا تسامى في قوتها وأحكامها. وكتاب البيان والتبيين (بولاق سنة ١٣١٣ هـ) من أواخر تواليف الجاحظ، وهو مصنف كبير وديوان لفصاحة العرب ساق فيه مختارات من قصائد الشعراء وخطب الخطباء للاستشهاد بها على آرائه التي يغلب عليها الابتكار.
وعيوب مصنفات الجاحظ كلها تقريبا افتقارها إلى حسن النظام في التحرير والتبويب وكثرة استطرادها وولعه البين بذكر النوادر والحقائق القائمة بذاتها، وصفوة القول أن الجاحظ كان قوى الملاحظة أكثر منه مفكرًا، وأديبا أكثر منه فيلسوفا، وعُرف الجاحظ بالفطنة وسداد ملاحظاته في أغلب الأحيان، ومع ذلك فلا يمكن أن نسلك مؤلفاته إلا في كتب الأدبيات أي كتب التهذيب وأدب التسلية والعلوم. وأكبر ما يعنينا في كتب الجاحظ -إلى جانب ما فيها من أدب ونحو -هو تلك المادة القيمة التي يؤودنا بها عن حياة العرب الخاصة والعامة وعاداتهم وآرائهم في عهده والعهود السابقة.
стр. 2576
وأثر الجاحظ في الأدب العربي عظيم جدًّا. وممن نهجوا نهجه تلميذه المُبَرّد صاحب كتاب "الكامل" وابن الفقيه صاحب تقويم البلدان، والثعالبى من أصحاب المطولات. وكتابا البيهقي: "كتاب المحاسن والمساويء" كتاب المحاسن والأضداد" (ليدن ١٨٩٨) من أول آثار مدرسة الجاحظ. وقد قرأ المسعودى مصنفات الجاحظ وأعجب بها واستشهد بها كثيرًا. وأثر كتاب الحيوان في رسائل إخوان الصفاء مسألة جديرة بالبحث الدقيق. وقد أخذ القزوينى والدميرى -وهما من علماء الحيوان- وكذلك صاحب المخطوط المحفوظ بالمتحف البريطانى (الإضافات ٢١، ١٠٢) -الذي لا نعرف اسمه- الشيء الكثير عن الجاحظ.
المصادر:
(١) Gesch. der Arab.: Brockelmann . Litt، ج ١، ص , ١٥٢ وما بعدها (حيث يجب حذف الأرقام ٣، ٥، ٧، ٩).
(٢) Arnold: : المعتزلة، ص ٣٨ وما بعدها.
(٣) البغدادي: الفرق بين الفِرق، ص ١٦٠ وما بعدها.
(٤) Die philos, Systeme der: Horten spekulat. Theologen im Islam ص ٣٢٠ وما بعدها. وإلى جانب المصادر التي ذكرناها- وهي التي نشرت بالفعل- مراجع الطبع جار فيها بالقاهرة في مجموعات رسائل سنة ١٣٢٤ هـ.
+ الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر الفُقَسْمى البصري: كاتب عربي ناثر مشهور، له كتب في الأدب والكلام عند المعتزلة، ومناظرات سياسية ودينية. ولد في البصرة حوالي سنة ١٦٠ هـ (٧٧٦ م) لأسرة مغمورة من موالى بنى كنانة، والراجح أنه من أصل حبشى، وقد لقب بالجاحظ لجحوظ عينيه، ولا نعرف عن طفولته في البصرة إلا القليل، فيما عدا أنه كان منذ حداثته قد رزق رغبة لاتقهر في طلب العلم، وعقلا نهما إلى حد عجيب، فدفعه ذلك إلى أن يحيا حياة مستقلة ويعيش عيشة المتبطلين مما أياس منه أسرته. وقد
стр. 2577
اندمج الجاحظ في جماعات كانت تنعقد في المسجد (المسجديون) لتناقش طائفة واسعة من المسائل، وشهد بالمِرْبد أبحاثا تطرح في اللغة، وحضر دروس أعلم الناس في زمانه في فقه اللغة وعلومها والشعر، ونعنى بهؤلاء الأصمعى وأبا عبيدة وأبا زيد، وسرعان ما تمكن الجاحظ من اللغة العربية تمكنا، علاوة على إجادته للثقافة التقليدية المأثورة. وأتاح له ذكاؤه المبكر الدخول في أوساط المعتزلة ومنتديات البورجوازية حيث كانت تدور أحاديث سهلة في كثير من الأحيان، تؤججها أيضًا مشاكل كانت تجابه ضمير المسلم في ذلك العهد في ميدان الكلام، والتوفيق بين العقيدة والعقل، والسياسة، ومسالة الخلافة الشائكة التي كان يثيرها دائما أعداء العباسيين، والصراعات الناشبة بين الفرق الإسلامية ودعاوى غير العرب وكانت ملاحظته النافذة للعناصر المختلفة من السكان المخللطين تزيد من معرفته بالطبيعة الإنسانية، على حين أخذ يقرأ كتبًا من جميع الأنواع كانت قد بدأت تروج في البصرة، فأتاحت له هذه القراءة نظرة إلى العالم الخارجى. ومن المحقق تماما أن الموارد العقلية التي تيسرت له في موطنه كانت خليقة بأن تهيئ للجاحظ كل أسباب الثقافة العريضة، ولكن قصبة الدولة العراقية في أوج عزها كان لها أثر حاسم في المساعدة على تكوين عقله. ذلك أنها وسمت عقله بطابع عقلانى واقعى واضح كل الوضوح، حتى جازلنا أن نقول إن الجاحظ لايعد من أبرز ثمرات مسقط رأسه فحسب، بل هو أكمل مثال أخرجته البصرة أيضًا، ذلك أن المعرفة التي حمئلها من بعد في بغداد لم تغير أي تغيير ملحوظ في اتجاه عقله الذي كان قد تكون فعلًا في البصرة. والبصرة هي العرق الممتد دائما في جميع آثاره.
والراجح أن الجاحظ بدأ يكتب مبكرًا، إلا أن أول شاهد على نشاطه الأدبى يرجع على وجه التقريب إلى سنة ٢٠٠ هـ (٨١٥ - ٨١٦ م). وهو
стр. 2578
يرتبط بحادثة كان لها أثر حاسم على حياته العملية فيما بعد. وقد أفاءت عليه بعض كتبه (ولم يعد الحديث عنها بصيغة الجمع موضع شك) في الإمامة، وهو موضوع له اعتبار خاص جدًّا، ثناء المأمون، ومن ثم أسبغت عليه. قصبة الدولة ذلك الجلال الذي يطمع فيه كثير جدًّا من أهل الأرياف الذين يتشوقون إلى أن يعترف بموهبتهم على النحو فيبلغون بذلك بلاط الخلفاء ويوطدون أقدامهم. ومن يومها جرى الجاحظ على الترد على بغداد (ثم على سامراء) ويقيم فيهما مددًا طويلة، دون أن ينقطع كلية عن البصرة، منكبا على التأليف الذي أتيح لنا -لحسن التوفيق- أن ينجو من عوادى الزمان قدر منه مقدور.
وإذا استثنينا بعض الدلائل الشحيحة فإننا لانعرف حقا ما الذي كان يعتمد عليه الجاحظ في البصرة مصدرًا لدخله، أما في بغداد فنحن نعلم أنه قام ثلاثة أيام بعمل النساخ، وساعد مدة قصيرة إبراهيم بن العباس المصولى في ديوان الرسائل. ومن الراجح أيضًا أنه عمل مدرسا، وقد زعم أنه حظى بلقاء المتوكل الذي كان حريصا على أن يعهد إليه بتأديب أولاده، إلا أنه انتهى إلى صرفه عن ذلك لقبح منظره. والمعلومات عن حياته العامة والخاصة ليست بعد مواتية، سواء من السير التي كتبت عنه أو منه هو نفسه، على أنه يتضح مما تيسر لنا من معلومات أنه لم يشغل منصبا رسميا ولم ينخرط في عمل منتظم. على أن الجاحظ يسلّم بأنه تلقى مبالغ كبيرة من المال نظير إهدائه كتبه، ونحن نعلم أنه ظل على الأقل مدة يجرى عليه راتب من الديوان. والحق إن هذه الدلائل المتفرقة محيرة، وهي تجنح إلى أن تؤدى بنا إلى القول بأن الجاحظ - على خلاف بعض مواطنيه- لم يعش حياة رجل البلاط، بل كان يقوم بدور الوزير الخاص ينهض بالمهام غير الرسمية أو قل دور المستشار غير الرسمى على الأقل. وقد رأينا من قبل أن كتاباته التي أكسبته اعتراف قصبة
стр. 2579
الدولة كانت تتناول موضوع الخلافة، وكان المقصود بها بلاشك تبرير اعتلاء العباسيين عرش السلطة؛ لقد كانت هذه الكتابات تمهيدًا لسلسلة كاملة من الرسائل موجهة إلى المسؤولين إن لم يكونوا هم الذين أوحوا بها، وهي تتعلق بالموضوعات السارية. وبالرغم من أننا نجد بعض الصنعة في الرسائل التي تبدأ بعبارة "سألتنى عن كيت وكيت من المسائل ... وأنا أجيبك بان ... "فإنه يمكننا أن نذهب إلى أن المسألة في كثير من الأحيان كانت في الواقع قد أثيرت ثم سئل أن يجيب عنها كتابة. ذلك أن الجاحظ، وإن لم يتح له قط أن يكون على صلة حميمة بالخلفاء، فإنه كان على صلة مستمرة بأئمة الشخصيات السياسية، ثم إن الأمر يجنح بنا إلى العجب من أنه قد وصل حبله بمحمد بن عبد الملك الزيات، فلما سقط الزيات سنة ٢٣٣ هـ (٨٤٨ م) -وكان سقوطه نكبة أو يكاد على الاثنين- وصل الجاحظ حبله بقاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد المتوفى عام ٣٤٠ هـ (٨٥٤ م) ثم بابنه محمد المتوفى سنة ٢٣٩ هـ (٨٥٣ م) ثم وصل حبله أخيرًا بالفتح بن خاقان الذي توفى عام ٢٤٧ هـ (٨٦١ م).
ومع ذلك احتفظ الجاحظ باستقلاله إلى حد كبير، واستطاع أن يستغل مركزه الجديد في الاستزادة من رياضة عقله والرحلة (وخاصة إلى الشام، ولكن المسعودى في كتابه مروج الذهب، ج ١، ص ٢٠٦، قد انتقده لأنه حاول أن يكتب كتابًا في الجغرافيا دون أن يصيب حظا كافيا من الرحلة، ويكاد هذا الكتاب أن يكون قد فقد بتمامه). وقد وجد الجاحظ أيضًا في بغداد رصيدًا عامرًا من المعرفة متمثلا في النقول الكثيرة عن اليونانية التي تمت في خلافة المأمون، وبدراسته الفلاسفة القدماء- وخاصة أرسطو (انظر الحاجرى: تخريج نصوص أرسططالية من كتاب الحيوان، في مجلة كلية الآداب، الإسكندرية، سنة ١٩٥٣ وما بعدها) - انفسحت نظرته واستكمل مذهبه الكلامى الذي كان قد بدأ في التوسع فيه تحت إشراف أئمة المعتزلة
стр. 2580
في عصره وفي مقدمتهم النطام وثمامة بن أشرس والظاهر أنه كان لهما أثر قوى عليه.
وفي أخريات أيامه أصيب بشلل نصفى، فاعتكف في مسقط رأسه حيث توفى في المحرم سنة ٢٥٥ هـ (ديسمبر سنة ٨٦٨ - يناير سنة ٨٦٩).
وكان للجاحظ -شأن الكثير من الكتاب العرب- إنتاج من الكتب وفير جدًّا. ويسجل ثبت آثاره (انظر Arabica سنة ١٩٥٦/ ٢) ما يقرب من مائتى عنوان، لم يبق منها، صحيح النسبة إليه أو منحولا له، إلا حوالي ثلاثين كتابًا كاملة، وحوالي ٥٠ كتابًا أخرى بقيت منها أجزاء، أما الباقي ففقدت ولا أمل في العثور عليها فيما يظهر. وقد حاول بروكلمان (كتابه المعروف، قسم ١، ص ٢٤١ وما بعدها) أن يصنف كتبه بحسب موضوعاتها الصحيحة أو المفروضة وزودنا بفكرة عن اتساع اهتماماته وتنوعها. وإذا قصرنا نظرنا على كتبه الباقية فحسب، وهي كتب معظمها ميسور في طبعات تختلف قيمتها، فإننا نستبين فيها فئتين كبيرتين: الأولى تندرج تحت عنوان "الأدب الجاحظى" وهي المقصود بها الجنوح إلى تثقيف القارئ بتسليته، ولا يتدخل الكاتب فيها إلا حين يختار الوثائق أو يعرضها أو يعلق عليها؛ والثانية الكتب الأصيلة والمقالات التي يتجلى فيها أكثر من ذلك قدرته كاتبا، وجهوده مفكرًا إلى حد ما.
وأهم كتبه من الفئة الأولى: "كتاب الحيوان" (طبعة عبد السلام هارون، وليس عليها تاريخ، في سبعة مجلدات)، وهو ليس كتابًا في الحيوان بمقدار ما هو ديوان أصيل قائم على الحيوان يؤدى القول فيه أحيانا وعلى غير انتظار إلى الحديث في الكلام، وماوراء الطبيعة وعلم الاجتماع .. إلخ. بل إن المرء قد يجد فيه نظريات في الأجنة دون أن يستطيع المرء أن يقول إلى أي حد هي مبتكرة، ونظريات في تطور الأنواع، وأثر المناخ وعلم النفس عند الحيوان، وهي نظريات لم تتطور إلا حين أقبل القرن التاسع عشر. ويجئ
стр. 2581
بعد كتاب الحيوان الذي لم يتم قط: "كتاب البغال" (طبعة Pellat. القاهرة سنة ١٩٥٥). أما "كتاب البيان والتبيين" (طبعة عبد السلام هارون، القاهرة سنة ١٣٦٧ هـ = ١٩٤٨ م- ١٩٥٠ في أربعة مجلدات، وغير ذلك من الطبعات) فالظاهر أنه في أساسه ابتكار لما أصبح يسمى "العلوم الإنسانية العربية" قصد به التنويه بقدرة العرب في البلاغة والشعر، ويحاول الجاحظ فيه أن يبرر ها اختاره بعرض أسس فن الشعر، ولكنه فعل ذلك على نحو بعيد كل البعد عن التنظيم كما أبان أبو هلال العسكرى (كتاب الصناعتين، ص ٥) إذ صح عزمه على أن يكتب في ذلك رسالة أكثر منهجية.
وثمة صفة أخرى للعرب، وهي الكرم، نوه بها الجاحظ في "كتاب البخلاء" (طبعة الحاجرى، القاهرة سنة ١٩٤٨ وغيرها من الطبعات! الترجمة الألمانية بقلم Rescher: O. ... Expcerpti الترجمة الفرنسية بقلم Ch. Pellat, باريس سنة ١٩٥١ (، الذي هو في الوقت نفسه معرض للصور، وحملة على غير العرب، وتحليل للبخل مما لانجد نظيره في أي كتاب عربي. وقد واتته كل المواتاة قدراته النافذة على الملاحظة، وتشككه الخفيف الظل وميله إلى الفكاهة؛ ونزوع عقله إلى السخرية، وتيسر له ذلك على نحو عجيب أتاح له أن يرسم نماذج من البشر والمجتمع. وقد استعمل كل ها أوتى من مهارة في تناول عدة طوائف اجتماعية (المعلمين، والمغنين، والنساخ وغيرهم) ولم يخرج في ذلك -بصفة عامة- عن حدود الاحتشام.
ويشذ عن ذلك "كتاب مفاخرة الجوارى والغلمان" (طبعة Pellat, بيروت سنة ١٩٥٧) فهو يعالج موضوعا دقيقا ولكن يعيبه فحش، أها "كتاب القيان" (طبعة Finkel) فيضم صفحات تدل على دهاء عجيب. على أن هذا الكتاب يدخل حقا في الفئة الأولى التي تشمل المقالات التي جمعها كراوس Kraus والحاجرى: "المعاد والمعاش" و"السر وحفظ اللسان" و "الجد والهزل " و "فصل ما بين العداوة والحسد" وغير ذلك من النصوص التي
стр. 2582
نشرها السندوبى وفي "الرسائل الإحدى عشرة". ويستطيع المرء أن يضيف أيضًا الكتب السياسية الدينية التي فقد معظمها الآن، ولعلها أعدمت عن قصد حين انتصر مذهب السنة آخر الأمر على مذهب المعتزلة. ومن هذه الكتب التي انتهت إلينا، كتاب هو (ضخمها حجما، وهو "كتاب العثمانية" (طبعة هارون، القاهرة سنة ١٣٧٤ هـ = ١٩٥٥ م) Arabica " سنة ١٩٥٦: ٣) ويقرر فيه الجاحظ شرعية الخلفاء الثلاثة الأولين، ويدحض مزاعم الشيعة، وبذلك يبرر تولى العباسيين الخلافة. ولا يقل عن ذلك أهمية "كتاب تصويب عليّ في تحكيم الحكمين" (طبعة Pellat في مجلة المشرق، يولية سنة ١٩٥٨) ومن المؤسف أنه ناقص به خروم، ولكن من الواضح أنه يهاجم أنصار الأمويين الذين عفى عليهم الزمن، والذين كانوا أيضًا أعداء للعباسيين. وفي هذا المجال نجد "رسالة النابتة" (أو "في بني أمية") وهي مهمة أيضًا (انظر ترجمة Pellat في Annales de institut d'Etudes Orientales de , L'universite d' Alger، سنة ١٩٥٢)، ذلك أنها لا تعدو أن تكون تقريرًا من الجاحظ إلى ابن أحمد بن أبي دؤاد عن الموقف السياسي، وأسباب تفرق الجماعة والخطر الناجم من النابتة أي الحشوية الجدد الذين كانوا يقوون ظهر معاوية خدمة لأغراضهم ويستخدمون "الكلام" في تأييد نظرياتهم؛ ومن هذا القبيل "رسالة في نفى التشبيه" (طبعة Pellat في مجلة المشرق، سنة ١٩٥٣). ويكشف عن التوافق بين سياسة الحكومة ونشاط الجاحظ "كتاب الرد على النصارى" (انظر ترجمة Allouche في Hesperis سنة ١٩٣٩) ورسالة في مناقب الترك" إذ يتناول الأول الإجراءات التي اتخذت حيال الذميين، وتتناول الثانية إنشاء الحرس التركى. ويمكننا أن نقول -بصفة عامة- إن الجاحظ أظهر في السياسة أنه معتزلى راسخ أي مناصر للعباسيين على حركة النابتة المؤيدة للأمويين، وعلى الشعوبية وعلى الشيعة. ولكن طريقته -المغرقة في الشخصية حين يعرض الوقائع- تؤدى إلى تضليل قرائه، وأغلب الظن أن المسعودى المشايع للعلويين (مروج
стр. 2583
الذهب، ج ٦، ص ٥٥ وما بعدها) قد أساء فهم المغزى الحقيقي لكتاباته. وإذا أمكن التثبت من تاريخ رسالة النابتة للجاحظ فربما استطاع المرء أن يستبين أنه حذّر المسؤولين من الردّة التي قد يؤدى إليها ترك مذهب المعتزلة، ثم خرج الجاحظ من ميدان النضال بمجرد أن تفوق السنية في ردهم وساد موقفهم حينذاك، ومن يومها قصر الجاحظ نشاطه على النشاط الأدبى الصرف. ويؤيد هذا الفرض أنه ألف "كتاب البلغاء" في الجزء الأخير من حياته.
وكان الجاحظ معتزليا في الكلام كما هو في السياسة، ولو أن مذهبه قلما تظهر فيه آية سمات أصيلة. وقد فقدت معظم كتاباته التي بسط فيها مذهبه، ولذلك حق على المرء أن يغفل التعليقات العارضة الواردة في "كتاب الانتصار" للخياط الذي ترجمه ونشره نادر (A.N. Nader , بيروت سنة ١٩٥٧) والمعلومات التي جاءت في كتب من صنفوا في الفرق (البغدادي: الفرق بين الفِرق، ص ١٦٠ وما بعدها" ابن حزم: الفصل، ج ٤، ص ١٨١، ١٩٥ الشهرستانى: على هامش ابن حزم، ج ١، ص ٩٥ - ٩٦. إلخ؛ وانظر أيضًا Die phil. Systeme der Spek-: Horten ulativen Theologen im Islam، ص ٣٢٠ وما بعدها! Garde .L: : Introd a. la theo musulmane logie dogie الفهرس؛ Le Systeme philosophique de A.N. Nader Mu tazila، بيروت سنة ١٩٥٦، الفهرس)، وهي معلومات تلخص أو تبرز نقاطًا يختلف فيها الجاحظ عن المعتزلة الآخرين. ونحن لا نعلم إلا القليل جدًّا من مذهب الجاحظ.
ونقول في الوقت نفسه إن الجاحظ يتميز بصفة خاصة في ميدان الكتابة والأدب بأن الشكل عنده لم يطغ على المضمون حتى في المسائل الاصطلاحية الصرف، مع أن مكانه في تطور الفكر الإسلامي لايمكن أيضًا أن نهمله بحال. ولم يكن الجاحظ يحتل مركز الصدارة بين أئمة الكتاب العرب الناثرين، إذ يعد من أساتذته في البلاغة عبد الله بن المقفع وسهل بن هارون إذا اكتفينا بذكر اثنين فحسب من هؤلاء الأئمة، ومع ذلك فإنه
стр. 2584
بلغ بالنثر الأدبى أكمل صوره، وقد اعترف بذلك حقا رجال السياسة الذين استغلوا موهبته في دعم قضية العباسيين، ثم النقاد العرب الذين أجمعوا على القول بتفوقه وجعلوا من اسمه النموذج الأكمل للقدرة الأدبية.
وتتسم كتابة الجاحظ بتدبير مقصود يقوم على عدم اتباع نهج منظم والاستكثار من الاستطرادات. وتتركز شخصية اسلوبه الواعى الرشيق في عنايته بالعبارة الدقيقة -ولاباس من اللجوء إلى كلمة دخيلة- والعبارات والجمل الطلية التي تكاد تكون في جميع الأحوال غير مقفاة وإن كانت موزونة بفضل تكرار الفكرة نفسها بشكلين مخللفين. وما يبدو عقيما بحسب طريقتنا في التفكير ينشا في عقل كاتب من القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادي) من رغبته في أن يجعل نفسه مفهوما بوضوح وأن يخلع على النثر العادى النسق الشعرى. ومع أن أسلوب الجاحظ يصعب أن يؤدى بلغة أجنبية ويكون لدى قرائها موضع تقدير، فإن تدفق عباراته متسق تمام الاتساق يتبينه القارئ للوهلة الأولى. ومع ذلك فإن الجاحظ -في نظر أغلبية العرب المتعلمين- إن لم يكن ماجنا مكتملًا، فهو على الأقل يتصف إلى حد ها بصفة المزاح. ومكانته بهذه الصفة في الأساطير يرد بعضها بلاشك إلى شهرته وقبحه اللذين جعلاه بطلًا لعديد من النوادر. ولكن هذه المكانة يجب أن ترد أيضًا إلى خاصية في كتابته لم يكن بد من أن تكسبه الشهرة بالمزاح في عالم إسلامي يجنح إلى الرزانة والجد. ذلك أنه لايحجم قط، حتى في أشد فقراته وقارًا، عن أن ينزلق إلى النوادر والملاحظات الذكية والتعليقات المسلية. وقد روعت الجاحظ الكآبة وثقل الدم اللذان كانا يرينان على أنظار عدد كبير من معاصريه، فقصد عامدًا إلى تناول الأمور تناولا أخف ظلا، وقد أتاحت له روح الفكاهة عنده أن يتناول على نحو شائق موضوعات جدية وعاونته على تعميمها. ولكنه كان يدرك أنه يأتي شيئًا أجنح إلى التنفير؛ وإن المرء لايملك إلا أن يدهش لكثرة مايحس الجاحظ بأن الأمر يقتضيه أن ينصر
стр. 2585
قضية الفكاهة والمزاح. وخير مثال على هذا نجده في "كتاب التربيع والتدوير" (طبعة Pellat، دمشق سنة ١٩٥٥) وهو أثر رائع في الكتابة الساخرة، كما هو مختصر لكل المسائل التي يدلى فيها معاصروه بحلول مأثورة مدفوعين بسلطان العادة أو غريزة التقليد أو الافتقار إلى الخيال، أو لايدلون فيها باية فكرة على الإطلاق. ولم يكن الجاحظ يخرج عن حدود العقيدة رغم مافى هذا من بعض المشقة، ومع ذلك فإنه كان يؤمن إيمانا جازمًا بأن من حق المرء أن يعرض على محك النقد جميع الآراء المسلمة في الظواهر الطبيعية والتاريخ القديم والأساطير التي تصل إلينا على اعتبار أنها من الحقائق. وأن يعيد عرض المشاكل ويقترح لها -في براعة- حلولا عقلية. ولم يكن ذلك كل مافى الأمر، بل إن الجاحعل، وهو يعيش في زمن كانت الثقافة العربية فيه تتبلور، قد لم أشتات ما بدا له على أعظم قدر من الشأن، مستقيا إما من التراث العربي الذي كان من أنصاره الغيورين، أو من الفكر اليونانى، على أنه قد حرص دائما على أن يكبح جماح تسرب التقاليد الفارسية إلى الثقافة التي كان متشوقًا إلى أن يفيئها على إخوانه في الدين، ذلك أنه كان يعد هذا التسرب عظيم الخطر على مستقبل الإسلام.، هذا الجهد الواسع الذي يقوم على روح النقد والشك المنهجى في كل شيء من غير إنصراف مباشر إلى عقيدة الإسلام قد ضيقت القرون التالية -لسوء الحظ- من نطاقه إلى حد كبير ونظرت إليه من جانب واحد. صحيح أن الجاحظ قدر له أن يجد معجبين أعلاما مثل أبي حيان التوحيدى، ومقلدين -بل مزيفين- استخدموا اسمه ليضمنوا لآثارهم نجاحًا أعظم، إلا أن الخلف لم يبق في أذهانهم إلا خيال مشوه منقوص له، ونظروا إليه على أكثر تقدير باعتباره إماما من أئمة البلاغة (انظر Pellat في سنة ١٩٥٦/ ٢، ص ٢٧٧ - ٢٨٤) ورأس مذهب في الاعتزال (لم يكلف أحد نفسه بتعداد أتباعه) وكاتب تصانيف يستقى المستقون منفا للتوسع في كتب الأدب، وصاحب نصيب موفور من المعلومات المسجلة عن الجاهلية والقرون الأولى للإسلام.
стр. 2586
المصادر:
أهم ما كتب في سيرته:
(١) الخطيب البغدادي، ج ١٢، ص ٢١٢ - ٢٢٢.
(٢) ابن عساكر في مجلة المجمع العلمي العربي، دمشق، ج ٩، ٢٠٣ - ٢١٧.
(٣) ياقوت: إرشاد الأريب، ج ٦، ص ٥٦ - ٨٠. وثمة إلمامة عنه نجدها في الرسائل المكتوبة عن الأدب العربي كما نجدها في.
(٤) شفيق جبرى: الجاحظ معلم العقل والأدب، القاهرة سنة ١٣٥١ هـ = ١٩٣٢ م.
(٥) خليل مردم: الجاحظ، دمشق سنة ١٣٤٩ هـ = ١٩٣٠ م.
(٦) ط الكيالى: الجاحظ، دمشق من غير تاريخ.
(٧) ح. فاخورى: الجاحظ، القاهرة سنة ١٩٥٣.
(٨) م. كرد على: أمراء البيان، القاهرة سنة ١٣٥٥ هـ- ١٩٣٧.
(٩) ح، السندوبى: أدب الجاحظ، القاهرة سنة ١٣٥٠ هـ = ١٩٣١ م.
(١٠) Le Milieu basrien et: Ch. Pella la fonnation de Gahiz، باريس سنة ١٩٥٣.
(١١) الكاتب نفسه Gahiz a Bagdad et a Samarra في Rivista degli study orientali سنة ١٩٥٢، ص ٤٧ - ٦٧.
(١٢) الكاتب نفسه: Gahiziana في Arabica سنة ٢/ ١٩٥٤، سنة ١٩٥٥/ ٣ وخاصة في سنة ١٩٥٦/ ٢ Essai: d'inventaire de ١'oeuver gahizienne، مع بيان عن المخطوطات والطبعات والترجمات (ويجب أن يضاف إلى المصادر: New Material on: A.J. Arberry the Kitab al Fihrist of Ibn al-Nadim في Isl. Research Assoc. Miscellany, ج ١، ص ١٩٤٨ وهو يورد الملحوظة التي كتبها الفهرس عن الجاحظ التي لا نجدها في الطبعات؛ في F. Gabrieli Scriti in onore di G. Furlana، رومة سنة ١٩٥٧، ويتحدث عن "رسالة في مناقب الترك"؛ وانظر مجلة الفكر التونسية، عدد أكتوبر سنة ١٩٥٧ وعدد مارس
стр. 2587
سنة ١٩٥٨، وفيهما حديث عن "رسالة القيان").
(١٣) Djahiz et la societe: J. Jabre Al de son temps) بالعربية، بيروت سنة ١٩٥٧ [؟ ] ولم يرجع إليها هنا).
ويجب أن نبين أنه إلى جانب الطبعات التي ذكرت في صلب المادة توجد المجموعات الآتية:
(١٤) Tria opuscula: G. Van Vloten, ليدن سنة ١٩٠٣.
(١٥) Three essays: J. Finkel القاهرة سنة ١٩٢٦.
(١٦) بول كراوس والحاجرى: مجموع رسائل الجاحظ، القاهرة سنة ١٩٤٣ (وتعد الآن ترجمة فرنسية لهذه النصوص).
(١٧) ح. السندوبى: رسائل الجاحظ، القاهرة سنة ١٣٥٢ هـ- ١٩٣٣ م.
(١٨) إحدى عشرة رسالة، القاهرة سنة ١٣٢٤ هـ = ١٩٠٦ م.
(١٩) Excerpte and Ue-: ٠. Rescher -Schriften des .. Ga نم bersetzungen aus den his، شتوتكارت سنة (١٩٣١) ترجمة تحليلية لعدد طيب من النصوص).
(٢٠) النصوص الواردة في ثلاثة مجموعات من المخطوطات: مكتبة (داماد إبراهيم باشا رقم ٩٤٩، المتحف البريطانى رقم ١١٢٩؛ برلين رقم ٥٠٣٢ (انظر سنة ١٩٥٤، ص ٨٥ - ٨٦) وهذه النصوص قد نشرت في حالات كثيرة. أما ما لم تنشر بعد، فسوف تدخل -هي وغيرها من النصوص الأقل منها أهمية- في "نصوص جاحظية غير منشورة: كتاب العُرْجان: إلخ" التي عثرنا عليها في مراكش ولكن قيمتها ليست كبيرة.
خورشيد [يلا Ch. Pella]
الجامع
" الجامع": لفظ عربي، من بالمعنى الوارد في الآية التاسعة من سورة عمران والآية ١٤٠ من سورة النساء.
والجامع، والأصح أن يقال المسجد الجامع، هو المسجد الكبير في المدينة تقام فيه صلاة الجمعة.
стр. 2588
الجاهلية
هو الاسم الذي يطلق على ما كانت عليه جزيرة العرب قبل ظهور الإسلام، أو بعبارة أخص الاسم الذي يطلق على الفترة التي خلت من الرسل بين عيسى ومحمد [ ﷺ ]. وهي اسم جمع من جاهلى (١)، وهو العربي الوثنى وبخاصة شاعر الطبقة الأولى من الطبقات الزمنية الأربع، ويعرف الذي يليه بالمخضرم، أي الذي عاش في الجاهلية وأدركه الإسلام.
أما من حيث المعنى الدقيق لكلمة "جاهلية" فالرأى الشائع هو ما ذهب إليه ميخاليس G.D. Michaelis وغيره من أنها "زمن الجهل" وهو عين ما نعتت به الأزمنة السابقة للنصرانية في الفقرة ٣٠ من الإصحاح السابع عشر من سفر أعمال الرسل. أما الإسلام فهو زمن النور والمعرفة. وجهل ضد علم، وردت بهذا المعنى كثيرًا في اللغةَ القديمة، وردت أكثر في الأزمنة الحديثة. من ذلك قول عنترة في معلقته: "إن كنت جاهلة بما لم تعلمى". على أن كولدتسيهر يرى أن هذا المعنى ثانوى، وأن جهل، معناها الأول ضد "حَلُمَ" لا "عَلِمَ" فمعناها إذن: قسا، خَشئنَ، غلظ، وهو يستشهد بأبيات ترد فيها مشتقات هاتين المادتين متقابلتين، مثال ذلك قول الشنفرَى: لامية العرب (٥، ٥٣) "ولا تزدهى الأجهال حلمى". واستخلص من ذلك أن الجاهلية هي الهمجية (٢) , Muhammedanische Studien, ج ١، ص ٢١٩ وما بعدها). وقد وردت اللفظة في القرآن في سورة آل عمران،
стр. 2589
الآية ١٥٤ (١) وفي سورة الأنعام، الآية ٥٤ (٢) وفي سورة الأحزاب، الآية ٣٣؛ وفي سورة الفتح الآية ٢٦.
وقد تعرضت هذه الدائرة لتاريخ الجاهلية وديانتها في مادة "جزيرة العرب". وفرق كولدتسيهر تفرقة بئية بين عرب الجنوب وعرب أواسط الجزيرة. فقد كان الأولون مفطورين على التدين؛ أما الآخرون فلم يكونوا في الواقع على دين. بيد أن هذا الرأى يجب أن يتعدل، لأن كثيرين جد، من عرب الجنوب قد نزحوا إلى الشمال. وكان هذا حال يثرب خاصة. يضاف إلى ذلك ما ذهب إليه الأستاذ مركوليوث، من أننا قد نعثر على نقوش تجلو لنا الأنظار الدينية التي كانت عليها قبائل العرب في أواسط الجزيرة كما حدث بالنسبة لعرب الجنوب وعرب الشمال. على أن عرب أواسط الجزيرة لم يكونوا -فيما نعلم- يحفلون بالأنظار الدينية، نستبين ذلك من الأشعار وغيرها من آثارهم. وغاية ما وصلوا إليه هو الإيمان الغامض بإله، أو الاعتقاد في المنايا والمنون. أما وصف القرآن لعبدة الأصنام فإنما ينصرف على الأغلب إلى زمن متطاول في القدم، وينصرف أقله إلى من عاصروا النبي ﴿ ﷺ ﴾، ذلك أن موقف هؤلاء منه يظهرنا على أن تبجيلهم لأصنامهم لم يكن متمكنا من نفوسهم.
أما ما كان يحتفل به العربي الوثنى أكثر من دينه فهو صلته بقبيلته. فالعشيرة هي الموحدة التي ينبنى عليها مجتمعه كله. واستمر الخصام بين القبائل بعد عهد النبي ﴿ ﷺ ﴾ كما كان قبل ذلك، وإن لم يبلغ مبلغه من الشدة. وظلت الخصومة العنيفة بين الشمال والجنوب مستعرة في خراسان إبان القرن الثاني للهجرة (المسعودى، ج ٦، ص ٣٦ وما بعدها) بل إننا نجد في يومنا هذا أهل الناحية من النواحى يختلفون بين قيسية ويمنية (Stir-: Finn ring Times، ج ١، ص ٢٢٦ وما بعدها) ومعظم الشعر القديم في مدح الشاعر قبيلته وهجائه قبيلة غيره، وقد يكون للقبيلة مدلول جد متسع.
стр. 2590
ويعبر عن رأى العربي الوثنى في الأخلاق لفظ "المروءة" ومعناها النخوة أو الفضيلة، وهي تقوم أولًا وقبل كل شيء على الشجاعة والكرم. وتبدو شجاعته في عدد من يقتل من عدوه وذوده عن عشيرته كما تبدو في إحسانه إلى عدوه. وهو في هذا قريب الشبه بفارس العصور الوسطى، أما كرمه فيظهر في احتفاله بالقتال أكثر من احتفاله بالغنيمة، وفي استعداده لذبح ناقته قرى للضيف والفقير والمحتاج، وبالجملة فهو يرغب في البذل أكثر مما يرغب في النوال.
وأدى الكرم العربي إلى الإسراف في الطعام والشراب على السواء كما كانت الحال في أوروبة منذ قرن مضى، وقد بذلوا كثيرًا من الجهد في الامتناع عن الخمر عند إسلامهم. وكان بعضهم يرى أن من دواعى الفخر أن يظل في حانوت الخمار حتى يعلن صاحبه نفاد الشراب. ومع ذلك لم يرض العرب عن المدمن على الشراب؛ فقد تبرأت من برّاض بن قيس أكثر من قبيلة لسوء سيرته في ذلك. وظل الشعراء ينظمون الخمريات بعد تحريم الإسلام للخمر بزمن طويل، والشعر والدين يتناقضان في هذا الموضوع تناقضا عجيبا. وبلغ من كلف العربي بالخمر أن أبيح شرابها أيام الأمويين ثم حرم أيام العباسيين.
وكانت المرأة في الجاهلية أكثر تحررًا منها في الإسلام من بعض وجوه، فأجازوا نكاح الأختين ونكاح المقت (١)، ولكن الحجاب لم يكن معروفًا. ولم يكن الطلاق في الجاهلية بأيسر منه في شريعة الإسلام، وكان للنساء حق التطليق كالرجال. والواقع أن صلة
стр. 2591
الرجل بالمرأة كانت قبل الإسلام طيبة في بعض نواحيها. ومهما يكن من شيء فقد كان في الإمكان تحسين هذه الصلات، فلما نفذت شريعة الإسلام لم يعد التغيير ممكنا (١). ولم يكن ما في شريعة الزواج عند المسلمين، وهو المستحل، معروفا (٢). وكانت غلة الأرض في بلاد العرب لا تفى أبدًا بحاجة أهلها، إلا في بعض المواضع المجدودة كاليمن والواحات حيث يكثر الطعام. وعاش أهل مكة على نقل السلع بين اليمن وبلاد الشام، إلى جانب ما يربحونه من الحجاج الذين يزحمون مدينتهم كل عام. بيد أن عرب الصحراء كانوا دائما في مسغبة، فكانوا يئدون البنات خشية الإملاق. وكانوا يستكملون ما ينقصهم من لحوم الإبل وألبانها بالإغارة على القبائل المجاورة، ولم تكثر هذه الغارات من جملة زادهم ولكنها ساعدت على إنقاص عدد الآكلين.
وفقد أفردت أربعة شهور من السنة فكانت حرما لا يحل فيها القتال، وكان ذلك لأغراض خاصة بالتجارة والارتزاق وإعانة للقبائل البعيدة المنازل على زيارة الأماكن المقدسة عند العرب وحضور الأسواق. وكانت مكة أهم هذه الأماكن المقدسة، يقصد إليها الحجيج كل سنة، وعكاظأشهر الأسواق. وكانت القوافل تستطيع السير في طول البلاد وعرضها عزلاء أو تكاد. وأحرز النبي أول انتصار له في غزواته بخروجه على "عهد الله" (٣) ولما جعل السنة
стр. 2592
العربية قمرية خالصة قضى على هذه الأسواق التي كانت تعقد كل سنة؛ ولكنه وجد الحج إلى الأماكن المقدسة متاصلًا في نفوس العرب لايستطيع له دفعا. وكان قصاراه ألا يبقى من بيوت العبادة إلا على بيت واحد جعله بيت الله الواحد (١).
المصادر:
(١) الطبري، ج ١، القسم الثاني، وص ١٠٧٣ - ١٠٧٤ (٢).
(٢) ابن عبد ربه: العقد الفريد، القاهرة سنة ١٣٠٤ هـ، ج ١، ص ٣٤، ٨١؛ ج ٣، ص ٤٨ - ٤٩.
(٣) المسعودى، ج ٣، ص ٧٨ - ٧٩
(٤) الأبشهى: المستطرف طبعتا بولاق سنة ١٢٧٢ - ١٢٨٥ هـ، باب ٥٩.
(٥) Essai sur: Caussin de Perceval stoire des Arabes؛ باريس سنة ١٨٤٧ - ١٨٤٨.
(٦) La poesie arabe ante-: R. Basset , islamique، ص ٧ - ٣٩، باريس سنة ١٨٨٠.
(٧) Muhammedanische: Goldziher Studien، هال، سنة ١٨٨٨ - ١٨٩٠؛ (وانظر أيضا مادة العرب، ) جزيرة.
[فاير T. H. Weir]
+ الجاهلية: مصطلح يستعمل في كل ما ورد فيه من مواضع تقريبا للدلالة على نقيض الإسلام، وعلى الحالة التي كانت سائدة في جزيرة العرب قبل بعثة النبي ﵇؛ وعلى الوثنية (وتشمل أحيانا البلاد غير
стр. 2593
العربية نفسها)، وعلى الفترة السابقة للإسلام وعلى أهل هذه الفترة. والظاهر أن الجاهلية -من حيث تركيبها- تتألف من الكاسعة "يّة" التي تدل على اسم معنى، ومن اسم الفاعل "جاهل"، وليس من اليسير أن نحدد معناها الدقيق بالضبط. وقد لاحظ كولدتسيهر (Muh. Studien: Ignaz Goldziher, ج ١، ص ٢١٩ وما بعدها، تحليل الكلمة في o Arabica مجلد ٧، ج ٣، سنة ١٩٦٠. ص ٢٤٦ - ١٤٩) أن "جاهل" ضد "حليم" (انظر مادة "حلْم") ويجعل معناها "الهمجى" ويجَعل الجاهلية "زمن الهمجية"، ولكن مترجمى القرآن لم يتبعوه بالحرف فقد ترجموا الجاهل بأنه "الذي لا يعرف الله ولا النبي ﴿ ﷺ ﴾ ولا الشرع" أو العاصى المتمرد، وترجموا الجاهلية بأنها "زمن الجهالة" و"الوثنية" (انظر مع ذلك: T. Izutsu: the Structure of the ethical terms of the Qoran، طوكيو سنة ١٩٥٩، الفهرس). والحق أن الشواهد التسعة على كلمة جاهل والشواهد الأربعة على الجاهلية التي وردت في القرآن قلما تسمح للمرء بأن يحدد معنى الكلمتين تحديدًا دقيقًا. على أن الجاهل في شعور المسلمين والمفسرين هو ضد العالم، والجاهلية هي ضد الإسلام إذا لم يؤخذ بمعنى التسليم لله بل بمعنى معرفة الله (انظر المصطلح عند الدروز) فهم يقولون إن الجاهل ضد العاقل، ويدل على كل أولئك الذين لم يسلكوا السبيل إلى أسرار هذه الفرقة). والجاهلية اسم معنى، ومن ثم فهي تطلق على الفترة التي لم يكن العرب فيها قد عرفوا الإسلام وشريعة الله، وعلى المعتقدات الجارية في تلك الفترة. واعتماد، على الآية ٣٣ من سورة الأحزاب حيث ترد عبارة "الجاهلية الأولى" فإن المرء يميل إلى التمييز بين زمانين: الجاهلية الأولى وتمتد من آدم إلى نوح (أو إلى أنبياء آخرين)، والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد ﵉. أما الصفة الجاهلى من الجاهلية فتنطبق على كل ما سبق الإسلام، وبخاصة الشعراء الذين توفوا قبل بعثة النبي. أما الذين أدركوا الإسلام من الجاهليين فيقال لهم "المخضرمون". وأما الذين ولدوا بعد الإسلام فيقال لهم
стр. 2594
"الإسلاميون" وأما المقابلة المزدوجة: جاهلى / إسلامي وجاهلية / إسلام فهي من ثم علامة على تطور ومفارقة للمعنى الأول لجاهل.
وقد تناولنا تاريخ العرب أيام الجاهلية في مادة "العرب، وتناولنا جغرافيتهم وسلالاتهم في مادة العرب جزيرة"، وتناولنا لغتهم في مادة "العربية"، وبداوتهم في مادة "بدو". ويجب الرجوع في كل هذه الموضوعات إلى المواد الخاصة بالأقطار، والقبائل الكبرى، والمدائن. أما الموقف الاقتصادى فيرجع بخاصة إلى مادة "تجارة".
وثمة نقطة تستاهل أن ندلى ببعض الملاحظات عنها، وهي الخصائص المتميزة التي ينسبها المسلمون إلى أجدادهم الوثنيين، وهذه النقطة أولى بالملاحظة من الحالة الحقيقية لجزيرة العرب قبل الإسلام، ونعنى بالخصائص المذكورة الخصائص التي تسمح لنا بأن نحدد تصورهم للجاهلية.
وأفكار المسلمين عن الوثنية الجاهلية تعتمد على القرآن والأحاديث، وهذه الأحاديث رغم ازدرائها لكل شى , كان قبل الإسلام، فإنهم جمعوها في إطار أبحاثهم التاريخية واللغوية. وسيجد القارئ في مادة "القرآن" مختصرًا لأقوال القرآن عن معتقداتهم القديمة؛ وسيجد في مادتى "حج" و"كعبة" بيانا بالعبادة القديمة للبيت العتيق وتاريخه، وفي مادة "صنم" دراسة للوثنية. ويمكن أيضًا الرجوع إلى مواد مختلفة عن الآلهة الكبرى، ويرجع أيضًا إلى تعاليم الدينين السماويين للنصارى واليهود.
وينسب المسلمون إلى الجاهلية الخطايا التي لعنها القرآن، ومع ذلك فإنهم لم يتغاضوا عن ذكر عدد من الفضائل امتاز بها العرب القدماء مثل محافظتهم على "العرض" و"الكرم"، و"المروءة" و"إكرام الضيف".
ومن شاء معلومات متصلة بذلك عن التنظيم الاجتماعى فليرجع إلى مواد "عائلة" و"عاقلة" و"قبيلة" وغير ذلك من المواد. أما عن مركز المرأة فيرجع إلى مادتى "نكاح" و"طلاق".
خورشيد [هيئة التحرير]
стр. 2595
جائز
لغة المقبول أو السائغ. والشائع في الاصطلاح أنه من الأحكام الخمسة، وقد بيَن ذلك على خير وجه في (Die Zahiriten: Goldziher ص ٦٦ ما بعدها، وانظر أيضًا كشاف اصطلاحات الفنون ج ١، ص ٣٧٩ وما بعدها" Handbuch: Th. W. Juynbol ص ٥٩ وما بعدها). ويستعمل الجائز مرادفا لمعنى المباح وهو ما استوى فيه الأمران شرعا أي ما ليس ممتنعًا أو واجبًا أو مكروهًا، ولا يثاب المرء على إتيانه ولا يعاقب على تركه. على أن الجائز أعم من المباح، لأن معناه لا يشمل المباح فحسب، بل يشمل كذلك ما لا يمتنع شرعًا واجبًا كان أو مندوبًا أو مكروهًا، ثم هو إلى ذلك ما لا يمتنع عقلًا وشرعًا، واجبًا كان أو راجحًا أو مساوى الطرفين أو مرجوحا (كشاف اصطلاحات الفنون ج ١، ص ٢٠٧ وما بعدها).
ماكدونلد [D. B. Macdonald]
+ جائز: مصطلح يستعمل بصفة عامة للدلالة على الأفعال المباحة، أي الأفعال التي لا تنافى قاعدة من قواعد الشرع. على أن الفعل الجائز في التقسيم القديم للأفعال إلى الأحكام الخمسة (انظر الأحكام الخمسة في كشاف اصطلاحات الفنون، ج ١، ص ٣٧٩ وما بعدها؛ Die I> Goldziher Zahiriten، ص ٦٦ وما بعدها؛ Juynboll: Handbuch، ص ٥٩ وما بعدها) التي اتخذها الذين كتبوا في الأصول، يوصف -بصفة عامة- بأنه المباح. ومن ثم فهو يميز في وضوح عن الواجب أو المندوب كما يميز في وضوح عن الحرام المكروه.
ويتخذ المباح في كتب الفروع- أي كتب الفقهاء- مدلولًا مختلفًا؛ ذلك أن الفعل الذي ليس باطلًا أو فاسدًا، يعد صحيحًا في مذهب المالكية، وهو الفعل الذي يتفق مع أحكام الشريعة، ويجب من حيث المبدأ أن يحدث كل آثاره. والفعل الصحيح الذي من هذا القبيل هو -على التحقيق- جائز أو مباح، ولكن المصطلح الصواب هو الصحيح